المبحث الثاني
النقد باختلال الضبط عند الخطيب
الضبط شرط في قبول خبر الراوي، فإذا لم يتحقَّق هذا الشرط في الراوي كان خبره مردودًا.
نقل الخطيب في «الكفاية» عن القاضي أبي بكر محمد بن الطيب هو الباقلاني، أنه قال: «من عُرف بكثرة السهو والغفلة وقلَّة الضبط رُدَّ حديثه، ويُردُّ خبر مَن عُرِف بالتساهل في حديث رسول الله ﷺ » (١).
وقد عقد الخطيب عدة أبواب في «الكفاية» قرَّر فيها أهمية التحقق من شرط الضبط في الراوي، ووجوب رَدِّ رواية من اختلَّ عنده هذا الشرط، ومن هذه الأبواب:
- باب ترك الاحتجاج بمن كَثُر غلطُه، وكان الوهم غالبًا على روايته.
- باب رَدِّ حديث أهل الغفلة.
- باب رَدِّ حديث مَن عُرِف بقبول التلقين.
- باب ترك الاحتجاج بمن عُرِف بالتساهل في سماع الحديث.
- باب ترك الاحتجاج بمن عُرِف بالتساهل في رواية الحديث.
стр. 177
- باب ترك الاحتجاج بمن لم يكن من أهل الضبط والدراية، وإن عُرِف بالصلاح والعبادة (١).
وهذه بعض الأمثلة التي تُبيِّن نقد الخطيب للأحاديث بالطعن في ضبط بعض رواتها:
- المثال الأول:
أورد الخطيب في ترجمة أبي سعد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن سَوْرة أن القاضي أبا القاسم التَّنُوخي ذكر له أن أبا سعد بن سَوْرة حدَّثه من حفظه قال: حدثنا أبو عمرو إسماعيل بن نجيد قال: حدثنا أبو عبد الله البوشنجي محمد بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن سليمان التيمي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن كَذَبَ عليَّ متعمِّدًا، فليتبوَّأْ مقعدَه من النارِ» (٢).
ثم قال الخطيب: «وقد وهم أبو سعد في رواية هذا الحديث هكذا؛ وذلك أن البوشنجي ليس عنده عن الأنصاري شيء ولا أدركه، وهذا الحديث عند ابن نجيد، عن أبي مسلم الكجي، عن الأنصاري، وإنما دخل الغلط فيه على أبي سعد لأنه رواه من حفظه، والله أعلم» (٣).
стр. 178
وأبو سعد بن سَوْرة لم يذكر الخطيب في ترجمته جرحًا ولا تعديلًا، ولكن ترجم له السُّبكي في «طبقات الشافعية»، وذكر عن عبد الغافر أنه قال فيه: «أحد العلماء الثقات الأثبات» (١).
وهذا الحديث قد ذهب الخطيب إلى أن أبا سعد -مع ثقته- قد وهم فيه؛ لأنه حدَّث به من حفظه كما قال التَّنُوخي، فرواه عن ابن نجيد عن أبي عبد الله البوشنجي عن الأنصاري، والبوشنجي لم يروِ عن الأنصاري شيئًا ولا أدركه، فقد توفي الأنصاري سنة (٢١٥ هـ) (٢)، ووُلد البوشنجي سنة (٢٠٤ هـ) (٣).
والصواب فيه أنه عن ابن نجيد، عن أبي مسلم الكجي، عن الأنصاري، فأخطأ أبو سعد فقال: «عن أبي عبد الله البوشنجي» بدل: «عن أبي مسلم الكجي».
والحديث مشهور عن أبي مسلم الكجي عن الأنصاري؛ رواه الطبراني (٤)، وأبو نعيم (٥)، وابن عساكر (٦)، وهو في «حديث محمد بن عبد الله الأنصاري» (٧) من رواية أبي مسلم الكجي عن الأنصاري، والله أعلم.
стр. 179
- المثال الثاني:
قال الخطيب في ترجمة هارون بن أحمد القطان: حدثني الحسن بن علي بن محمد بن المُذْهِب الواعظ من أصل كتابه العتيق قال: حدثني أبو القاسم هارون بن أحمد العلاف المعروف بالقطان إملاء من حفظه في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل الأَدَمي المقرئ سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة قال: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك، عن عائشة قالت: كانت ليلتي من رسول الله ﷺ ، فلمَّا ضمَّني وإيَّاه الفِراشُ قلتُ: يا رسول الله، ألستُ أكرمَ أزواجِكَ عليك؟ قال: «بلى يا عائشة». قلتُ: فحدِّثني عن أبي بفضيلة، قال: «حدَّثني جبريلُ أنَّ اللهَ تعالى لمَّا خلقَ الأرواحَ، اختار رُوحَ أبي بكر الصِّدِّيق من بين الأرواح، وجعلَ تُرابها من الجنة، وماءَها من الحَيَوان، وجعل له قصرًا في الجنة من دُرَّةٍ بيضاءَ، مَقاصيرها (١) فيها من الذهب والفضة البيضاء، وأنَّ اللهَ تعالى آلى على نفسه ألَّا يَسْلُبَه حسنةً، ولا يسألَه عن سيئة، وإنِّي ضَمِنتُ على الله كما ضمن اللهُ على نفسه ألَّا يكون لي ضجيعًا في حُفرتي، ولا أنيسًا في وحدتي، ولا خليفةً على أُمَّتي من بعدي إلا أبوكِ يا عائشة، بايعَ على ذلك جبريلُ، وميكائيلُ، وعُقِدَت خلافتُه برايةٍ بيضاءَ، وعُقِدَ لواؤه تحت العرش، قال الله للملائكة: رَضِيتُم ما رضيتُ لعبدي؟ فكفى بأبيكِ فخرًا أنْ بايعَ له جبريلُ وميكائيلُ وملائكةُ السماء، وطائفةٌ من الشياطين يسكنون البحرَ، فمن لم يقبل هذا فليس مني
ولستُ
стр. 180
منه». قالت عائشة: فقبَّلتُ أنفَه وما بين عينيه، فقال: «حَسْبُكِ يا عائشةُ، فمَن لستِ بأُمِّه فواللهِ ما أنا بنبيِّه، فمن أراد أنْ يتبرَّأ من الله ومني فليتبرَّأ منكِ يا عائشةُ».
ثم قال الخطيب: «لا يثبت هذا الحديث، ورجال إسناده كلهم ثقات، ولعله شُبِّه لهذا الشيخ القطان، أو أُدخِل عليه، مع أني قد رأيتُه من حديث محمد بن بابشاذ البصري، عن سلمة بن شبيب، عن عبد الرزاق، وابن بابشاذ راوي مناكير عن الثقات، وقد كان في أصل ابن المُذْهِب أحاديث صالحة عن هارون القطان عن البغوي، وكلها مستقيمة» (١).
فهذا الحديث في متنه نكارة شديدة، غيرُ بعيد عن الوضع، ورواته كلهم ثقات، ولذلك فقد التمس له الخطيب علةً يطعن بها فيه، فوجد أنه من رواية هارون القطان وهو ثقة؛ حيث روى عنه ابن المُذْهِب عن البغوي أحاديث مستقيمة كما يقول الخطيب، إلا أنه لم يكن ضابطًا للحديث كما ينبغي.
فقد سأل الخطيبُ ابن المُذْهِب عنه، فقال: «لم يكن ممن يُظَنُّ به الكذب، ولا تلحقه التُّهمة؛ لأنه لم يكن ممن يتصدَّى للحديث ولا يُحسنه، وكان من أهل القرآن والخير» (٢).
ولذلك ذهب الخطيب إلى أنه ربما يكون بعض الكذَّابين قد أدخل هذا الحديث عليه، فاشتبه عليه، وظن أنه من حديثه فحدَّث به.
стр. 181
وقريب منه قول ابن الجوزي: «هذا قد أُدخِل عليه لغفلته، وكثيرٌ من أهل الدين تغلب عليهم الغفلة» (١).
وقول الذهبي في ترجمته من «ميزان الاعتدال»: «روى حديثًا باطلًا كأنه المسكين أُدخِل عليه ولا يشعر» (٢).
وهذا مثال جيِّد للقاعدة التي ذكرها المُعَلِّمي في مقدمة تحقيقه لكتاب «الفوائد المجموعة» قال ﵀: «إذا استنكر الأئمة المحقِّقون المتن، وكان ظاهر السند الصحة، فإنهم يتطلَّبون له علة، فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقًا حيث وقعت أعلُّوه بعلة ليست بقادحة مطلقًا، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذاك المنكر».
ثم ذكر أمثلة على ذلك منها قال: «فمن ذلك إعلالهم بظن أن الحديث أُدخِل على الشيخ … وحجتهم في هذا أن عدم القدح بتلك العلة مطلقًا إنما بُني على أن دخول الخلل من جهتها نادر، فإذا اتفق أن يكون المتن منكرًا يغلب على ظن الناقد بطلانه فقد تحقَّق وجود الخلل، وإذا لم يوجد سبب له إلا تلك العلة، فالظاهر أنها هي السبب، وأن هذا من ذاك النادر الذي يجيء الخلل فيه من جهتها.
وبهذا يتبين أن ما يقع ممن دونهم من التعقُّب بأن تلك العلة غير قادحة، وأنهم قد صحَّحوا ما لا يُحصى من الأحاديث مع وجودها فيها، إنما هو غفلة عما تقدم من الفرق، اللهم إلا أن يُثبت المتعقِّب أن الخبر غير منكر» (٣).
стр. 182
وكأن الخطيب قد أدرك أنه ربما اعترض عليه بعض الناس بأن هارون لم ينفرد بهذا الحديث، وأنه قد رواه محمد بن بابشاذ البصري، عن سلمة بن شبيب، عن عبد الرزاق، فنبَّه على أنه قد اطلع على هذه الرواية، ولكنها مما لا يُفرح بها؛ لأن ابن بابشاذ يروي المناكير عن الثقات.
وقد ترجم له الخطيب في «تاريخ بغداد» وقال: «في حديثه غرائب ومناكير» (١).
وترجم له الذهبي في «ميزان الاعتدال» وقال: «وثَّقه الدارقطني، ولكنه أتى بطامة لا تطيب».
ثم ساق له هذا الحديث من رواية الحافظ أبي الحسن محمد بن علي الجرجاني في «تاريخ جرجان» بإسناده إلى محمد بن بابشاذ قال: أخبرنا سلمة بن شبيب، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أنس، عن عائشة بمعناه.
ثم قال الذهبي: «فهذا لا يحتمله سلمة، والظاهر أنه دُسَّ على ابن بابشاذ هذا، فروى حديثًا موضوعًا راج عليه ولم يهتد» (٢).
- المثال الثالث:
روى الخطيب في ترجمة عبد الجبار بن أحمد بن عبيد الله السمسار ومن طريقه عن علي بن المثنى الطُّهَوي قال: حدثنا زيد بن الحُباب قال: حدثنا عبد الله بن لهيعة قال: حدثنا جعفر بن ربيعة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ما في القيامة راكبٌ غيرنا نحن أربعة». فقام
إليه
стр. 183
عمُّه العباس بن عبد المطلب، فقال: ومن هم يا رسول الله؟ فقال: «أمَّا أنا فعلى البُراق، وجهُها كوجه الإنسان، وخدُّها كخدِّ الفرس، وعُرْفها (١) من لؤلؤ ممشوط، وأذناها زبرجدتان خَضراوان، وعيناها مثل كوكب الزهرة، توقدان مثل النجمين المضيئين، لها شعاعٌ مثل شُعاع الشمس، بَلقاءُ مُحَجَّلة، تضيء مرة، وتنمي أخرى، يتحدَّر من نحرها مثل الجُمَان (٢)، مضطربة في الخلق أذنها، ذَنَبها مثل ذنب البقرة، طويلة اليدين والرجلين، أظلافها كأظلاف البقر من زبرجد أخضر، تجدُّ في مسيرها، ممرُّها كالريح، وهي مثل السحابة، لها نَفَس كنَفَس الآدميين، تسمع الكلام وتفهمه، وهي فوق الحمار ودون البغل». قال العباس: ومن يا رسول الله؟ قال: «وأخي صالح على ناقة الله وسُقياها التي عقرها قومُه». قال العباس: ومن يا رسول الله؟ قال: «وعمِّي حمزةُ بن عبد المطَّلب أسدُ الله وأسد رسوله سيِّد الشهداء على ناقتي». قال العباس: ومن يا رسول الله؟ قال: «وأخي علي على ناقة من نُوق الجنة، زمامُها من لؤلؤ رطب، عليها محمل من ياقوت أحمر، قُضبانها من الدُّر الأبيض، على رأسه تاجٌ من نور، لذلك التاج سبعون ركنًا، ما من ركن إلا وفيه ياقوتة حمراء تُضيء للراكب المُحِثِّ، عليه حُلَّتان خضراوان، وبيده لواء الحمد، وهو ينادي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فيقول الخلائق: ما هذا إلا نبيٌّ مرسل، أو مَلَك مقرَّب، فينادي منادٍ من بطنان العرش: ليس هذا مَلَكًا مقرَّبًا، ولا نبيًّا مرسَلًا، ولا حامل عرش، هذا علي بن أبي طالب وَصِيُّ رسول رب العالمين، وإمام المتقين، وقائد الغُرِّ المُحَجَّلين».
стр. 184
ثم قال الخطيب: «لم أكتبه إلا بهذا الإسناد، وابن لهيعة ذاهب الحديث» (١).
فقد أعلَّه الخطيب بابن لهيعة، وتابعه ابن الجوزي على ذلك فقال: «هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ؛ فابن لهيعة ذاهب الحديث، كان يحيى بن سعيد لا يراه شيئًا، وضعَّفه يحيى بن معين، وكان يدلِّس عن ضعفاء» (٢).
ولم يوافق الذهبي ولا ابن حجر على إعلاله بابن لهيعة.
أما الذهبي فإنه قال في «تلخيص الموضوعات»: «خبر ركيك مكذوب، وما تعلَّق فيه ابن الجوزي بغير ابن لهيعة، وأنا أحسبه وُضِع بعد ابن الحُباب» (٣).
وكأنه يرى أن عبد الجبار السمسار هو المتهم به، فقد ترجم له في «ميزان الاعتدال»، وقال: «روى عن علي بن المثنى الطُّهَوي، فأتى بخبر موضوع في فضائل علي، رواه عنه ابن المظفر الحافظ» (٤).
وأما ابن حجر فقد اعترض على إعلال الخطيب للحديث بابن لهيعة، فقال في ترجمة عبد الجبار السمسار من «لسان الميزان»: «قلت: إن ابن لهيعة -مع ضعفه- لبريء من عهدة هذا الخبر، ولو حلفتُ لحلفتُ بين الركن والمقام أنه
لم يروه قط» (٥).
стр. 185
أقول: وعبد الجبار السمسار لم يذكر الخطيب في ترجمته له جرحًا ولا تعديلًا، ولم يورد له إلا هذا الحديث الموضوع، وكذلك فعل الذهبي في «الميزان»، وابن حجر في «اللسان».
ووجه اعتراض الذهبي وابن حجر على إعلاله بابن لهيعة، أن ابن لهيعة مع ضعفه وتخليطه لا يحتمل أن يروي مثل هذا الخبر الركيك البيِّن الوضع، ويظهر من كلام ابن حجر أنه فهم أن الخطيب يتهم ابن لهيعة بالوضع.
إلا أن إعلال الخطيب به له وجه صحيح، وهو أن ابن لهيعة ليس بوضَّاع ولا كذَّاب، ولكن بعض الكذَّابين قد أدخله عليه، أو لقَّنه إياه، فظن أنه من حديثه فحدَّث به.
يدل على ذلك ما ذكره ابن حجر نفسُه في ترجمة ابن لهيعة من «تهذيب التهذيب» عن يحيى بن حسان أنه قال: «رأيتُ مع قوم جزءًا سمعوه من ابن لهيعة، فنظرتُ فإذا ليس هو من حديثه، فجئتُ إليه، فقال: ما أصنع يجيئوني بكتاب فيقولون: هذا من حديثك. فأُحدِّثهم».
ونقل عن ابن قتيبة أنه قال: «كان يُقرأ عليه ما ليس من حديثه».
وحكى عن أحمد بن صالح أنه قال: «كان ابن لهيعة من الثقات، إلا أنه إذا لُقِّن شيئًا حدَّث به».
وعن ابن خِراش قال: «كان يَكتب حديثه، فأُحرقت كتبه، فكان مَن جاء بشيء قرأه عليه، حتى لو وضع أحدٌ حديثًا وجاء به إليه قرأه عليه» (١).
وقال ابن حبان في ترجمة ابن لهيعة من «المجروحين»: «قد سبرتُ أخبار ابن لهيعة من رواية المتقدِّمين والمتأخِّرين عنه، فرأيتُ التخليط في رواية
стр. 186
المتأخرين عنه موجودًا، وما لا أصل له من رواية المتقدِّمين كثيرًا، فرجعتُ إلى الاعتبار، فرأيتُه كان يدلِّس عن أقوام ضعفى عن أقوام رآهم ابن لهيعة ثقات، فالتزقت تلك الموضوعات به» (١).
وقد روى الخطيب في «الكفاية» قولَ يحيى بن حسان السابق الذكر ثم عقَّبه بقوله: «قلتُ: وكان عبد الله بن لهيعة سيئ الحفظ واحترقت كتبُه، وكان يتساهل في الأخذ، وأي كتاب جاءوه به حدَّث منه، فمن هناك كثرت المناكير في حديثه» (٢).
فليس ببعيد أن يكون هذا الحديث الموضوع قد أدخله بعضُ الهلكى عليه، لا سيما وقد قال ابن حجر في ترجمة ابن لهيعة من «تهذيب التهذيب»: «ومن أشنع ما رواه ابن لهيعة ما أخرجه الحاكم في المستدرك (٣) من طريقه عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة قالت: مات رسول الله ﷺ من ذات الجَنْب.
وهذا مما يُقطع ببطلانه؛ لما ثبت في الصحيح (٤) أنه قال لمَّا لدُّوه: «لِمَ فعلتُم
هذا؟» قالوا: خشينا أن يكون بك ذات الجَنْب؟ فقال: «ما كان اللهُ ليُسلِّطها عليَّ» (٥).
стр. 187
وإسناد الحاكم إلى ابن لهيعة صحيح، والآفة فيه من ابن لهيعة، فكأنه دخل
عليه حديث في حديث» اهـ (١).
فإعلال الخطيب لحديثنا هذا هو مثل إعلال ابن حجر لحديث ابن لهيعة في ذات الجَنْب، والله أعلم (٢).
стр. 188
الباب الثاني
نقد الأحاديث بما يخل باتصال أسانيدها
وفيه فصلان:
- الفصل الأول: الانقطاع والنقد به عند الخطيب.
- الفصل الثاني: التدليس والنقد به عند الخطيب.
стр. 189
الفصل الأول
الانقطاع والنقد به عند الخطيب
وفيه مبحثان:
- المبحث الأول: تعريف الانقطاع وصوره عند الخطيب.
- المبحث الثاني: النقد بانقطاع السند عند الخطيب.
стр. 190
المبحث الأول
تعريف الانقطاع وصوره عند الخطيب
للانقطاع صور شتى عرَّفها الخطيب، وبيَّن ما بينها من ترادف أو تداخل، فمن صوره: الحديث المنقطع، الحديث المرسل، الحديث المعضل، الحديث المدلَّس.
وسوف أبيِّن تعريف الخطيب لهذه الأنواع، ما عدا الحديث المدلَّس، فسوف أُفرِد له فصلًا فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر الخطيب هذه الأنواع في مقدمة «الكفاية»، وقدَّمها بتعريف الحديث المسند، ومعنى الاتصال، فقال: «وصفُهم -أي: أصحاب الحديث- للحديث بأنه مسند، يريدون أن إسناده متصل بين راويه وبين من أسند عنه، إلا أن أكثر استعمالهم هذه العبارة هو فيما أُسند عن النبي ﷺ خاصة.
واتصال الإسناد فيه: أن يكون كل واحد من رواته سمعه ممن فوقه، حتى ينتهي ذلك إلى آخره، وإن لم يبيِّن فيه السماع، بل اقتصر على العنعنة».
ثم عرَّف الحديث المرسل بقوله: «هو ما انقطع إسناده، بأن يكون في رواته مَن لم يسمعه ممن فوقه».
ثم قال: «إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي ﷺ ».
стр. 191
ثم عرَّف الحديث المعضَل فقال: «وأما ما رواه تابع التابعي عن النبي ﷺ فيسمونه المعضَل، وهو أخفض مرتبة من المرسل».
ثم عرَّف الحديث المنقطع بقوله: «المنقطع مثل المرسل، إلا أن هذه العبارة تُستعمل غالبًا في رواية من دون التابعين عن الصحابة، مثل أن يروي مالك بن أنس عن عبد الله بن عمر، أو سفيان الثوري عن جابر بن عبد الله، أو شعبة بن الحجاج عن أنس بن مالك، وما أشبه ذلك.
وقال بعض أهل العلم بالحديث: المنقطع ما روي عن التابعي ومن دونه موقوفًا عليه من قوله أو فعله» اهـ (١).
يتبين من خلال هذه التعريفات ما يلي:
١ - المرسل عند الخطيب مثل المنقطع إلا أنه فرَّق بينهما من حيث الاستعمال.
فالمرسل أكثر ما يُستعمل في رواية التابعي عن النبي ﷺ .
والمنقطع يُستعمل غالبا في رواية من دون التابعين عن الصحابة.
إلا أن الخطيب قد أكثر من إطلاق المرسل على أي انقطاع في الإسناد، كما سيأتي كلامه في حكم الحديث المنقطع في المبحث الآتي.
٢ - التعريف الأخير الذي ذكره للمنقطع ونسبه لبعض أهل العلم بالحديث، وهو ما رُوي عن التابعي ومن دونه موقوفًا عليه من قوله أو
стр. 192
فعله. هذا التعريف ليس له علاقة بالانقطاع في الإسناد موضوع البحث، وإنما هو من صفات المتن، وهو ما استقر عليه في الاصطلاح بأن يُسمى مقطوعًا، وهو ما رُوي عن التابعي أو من دونه موقوفًا عليه (١).
وقد عبَّر عنه الخطيب بلفظ المقطوع؛ حيث قال في «الجامع لأخلاق الراوي»: «وأما المقاطيع فهي الموقوفات على التابعين، فيلزم كتبها والنظر فيها؛ ليُتَخَيَّر من أقوالهم ولا يُشَذَّ عن مذاهبهم» (٢).
والمقاطيع جمع المقطوع.
* * *
стр. 193
المبحث الثاني
النقد بانقطاع السند عند الخطيب
بيَّن الخطيب أنَّ الحديث المنقطع بجميع أنواعه غير مقبول، فقد عقد فصلًا في «الكفاية» بعنوان: «معرفة الخبر المتصل الموجب للقبول والعمل» ذكر فيه عدة آثار كان أولها ما رواه بسنده عن محمد بن يحيى الذهلي أنه قال: «لا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث الموصل غير المنقطع، الذي ليس فيه رجل مجهول ولا رجل مجروح» (١).
إلا أنه أوضح أن في المسألة خلافًا ذكره، ثم رجَّح القول الذي عليه جمهور حُفَّاظ الحديث ونُقَّاده فقال: «وقد اختلف العلماء في وجوب العمل به، فقال بعضهم: إنه مقبول ويجب العمل به، إذا كان المرسِل ثقة عدلًا، وهذا قول مالك وأهل المدينة وأبي حنيفة وأهل العراق وغيرهم (٢).
وقال محمد بن إدريس الشافعي ﵁ وغيرُه من أهل العلم: لا يجب العمل به. وعلى ذلك أكثر الأئمة من حفاظ الحديث ونُقَّاد الأثر (٣)» (٤).
стр. 194
وقال أيضًا: «والذي نختاره من هذه الجملة سقوط فرض العمل بالمراسيل (١)، وأن المرسل غير مقبول» (٢).
ثم بيَّن أدلة اختياره هذا بقوله: «والذي يدل على ذلك: أن إرسال الحديث يؤدي إلى الجهل بعين راويه، ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه، وقد بينَّا من قبل أنه لا يجوز قبول الخبر إلا ممن عُرِفت عدالتُه (٣)، فوجب لذلك كونه غير مقبول.
وأيضًا فإن العدل لو سُئل عمَّن أرسل عنه، فلم يعدِّله، لم يجب العمل بخبره، إذا لم يكن معروف العدالة من جهة غيره، فكذلك حاله إذا ابتدأ الإمساك عن ذِكره وتعديله؛ لأنه مع الإمساك عن ذكره غير معدِّل له، فوجب ألا يُقبل الخبر عنه» (٤).
وقد روى بإسناده عن عبد الله بن الزبير الحُميدي أنه قال: «فإن قال قائل: فما الحجة في ترك الحديث المقطوع، والذي يكون في إسناده رجل ساقط وأكثر من ذلك، ولم يزل الناس يحدِّثون بالمقطوع، وما كان في إسناده رجل ساقط وأكثر؟
قال عبد الله: قلتُ: لأن الموصول وإن لم يقل فيه: سمعت، حتى ينتهي الحديث إلى النبي ﷺ ، فإن ظاهره كظاهر السامع المدرك، حتى يتبيَّن فيه غير ذلك، كظاهر الشاهد الذي يشهد على الأمر المدرَك له، فيكون ذلك عندي كما يشهد؛ لإدراكه من شهد عليه وما شهد فيه حتى أعلم منه غير
ذلك.
стр. 195
والمقطوع العلم يحيط بأنه لم يدرِك من حدَّث عنه، فلا يثبت عندي حديثه، لما أحطتُ به علمًا، وذلك كشاهد شهد عندي على رجل لم يدركه أنه تصدَّق بداره أو أعتق عبده، فلا أُجيز شهادته على من لم يدركه» (١).
ثم ذكر شبهات لمن يذهب إلى قبول المنقطع وبيَّن بطلانها واستفاض في ذلك (٢).
أما حكم الحديث المعنعن عند الخطيب، فقد قال: «وأهل العلم بالحديث مجمِعون على أن قول المحدِّث: «حدثنا فلان عن فلان» صحيح معمول به، إذا كان شيخه الذي ذكره يُعرف أنه قد أدرك الذي حدَّث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدِّث ممن يدلِّس، ولا يُعلَم أنه يستجيز إذا حدَّثه أحد شيوخه عن بعض من أدركه حديثًا نازلًا، فسمَّى بينهما في الإسناد مَن حدَّثه به، أن يُسقط ذلك المسمَّى ويروي الحديث عاليًا فيقول: «حدثنا فلان عن فلان»، أعني الذي لم يسمعه منه؛ لأن الظاهر من الحديث السالم راويه مما وصفنا الاتصال، وإن كانت العنعنة هي الغالبة على إسناده» (٣).
فقد نقل الخطيب الإجماع على قبول الإسناد المعنعن، وهو الذي يقال فيه: «فلان عن فلان»، إذا جمع شروطًا ثلاثة:
١ - إدراك الراوي لشيخه ولُقِيُّه وسماعه منه في الجملة.
٢ - أن يكون بريئًا من التدليس.
٣ - أن يكون بريئًا من التسوية، وهو أن يُسقط شيخ شيخه من
стр. 196
الإسناد، قال ابن حجر: «ومراد الخطيب بهذا الاحتراز ألَّا يكون المعنعِن مدلِّسًا ولا مُسَوِّيًا» (١).
وهذه أمثلة تبيِّن نقد الخطيب للأحاديث بانقطاع السند:
- المثال الأول:
روى الخطيب في ترجمة محمد بن مسلم بن واره من «تاريخ بغداد» عن أبي عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي قال: حدثنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المَحَاملي إملاء (٢) قال: حدثنا ابن واره قال: حدثنا محمد بن سعيد بن سابق قال: حدثنا عمرو بن أبي قيس قال: عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن معاوية بن قُرَّة، عن بلال قال: حَثَثْتُ رسول الله ﷺ للخروج إلى صلاة الغداة، فوجدتُه يشرب، قال: ثم ناولني فشربتُ، ثم خرجنا فأُقيمت الصلاةُ.
ثم قال: «هذا حديث غريب يُستَحسن من رواية أبي إسحاق السَّبِيعي عن معاوية بن قرة، وفيه إرسال؛ لأن معاوية بن قُرَّة لم يلق بلالًا» (٣).
فأعلَّه الخطيب بالانقطاع بين معاوية بن قُرَّة وبلال، فقد توفِّي بلال ﵁ سنة (١٧ هـ)، أو سنة (١٨ هـ)، وقيل: سنة (٢٠ هـ) (٤)، ووُلد معاوية بن قُرَّة
стр. 197
يوم الجمل وكان سنة (٣٣ هـ)، وقيل: وُلد سنة (٣٧ هـ) حيث كانت وفاته سنة (١١٣ هـ) وهو ابن ست وسبعين سنة (١)، فيكون مولد معاوية بعد وفاة بلال بزمن بعيد.
- المثال الثاني:
روى الخطيب في ترجمة عبد الله بن أحمد بن جعفر النيسابوري من «تاريخ بغداد» من طريق أبي أُمية، عن الحسن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن قَهْقَهَ في صلاتِه فليُعِد وضوءَه وصلاتَه».
ثم قال: «أبو أمية هو عبد الكريم بن أبي المُخارق المعلم، والحسن عن أبي هريرة مرسل» (٢).
فقد أعلَّ الخطيب هذا الحديث بالانقطاع بين الحسن وأبي هريرة؛ فإنه لم
يسمع منه، وكذلك أعلَّه بهذه العلة في «المتفق والمفترق» (٣)، وأعلَّه بها أيضًا
стр. 198
الدارقطني (١)، وابن الجوزي في «التحقيق في مسائل الخلاف» (٢) وفي «العلل المتناهية» (٣)، والذهبي في «تنقيح التحقيق» (٤).
وجمهور المحدِّثين على أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، مثل: أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وبهز بن أسد، وابن المديني، وابن معين، وأبي حاتم، وأبي زرعة الرازيَّيْن (٥).
وفي الحديث علة أخرى، وهي ضعف عبد الكريم بن أبي المُخارق (٦).
- المثال الثالث:
روى الخطيب في ترجمة صدقة بن هُبيرة من «تاريخ بغداد» ومن طريقه عن يوسف بن يعقوب المعدل قال: حدثنا حفص بن إبراهيم قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء الإسكندراني، عن بقية بن الوليد، عن ثور بن يزيد، عن
أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: «مَن مات وهو يقول: القرآنُ مخلوقٌ. لَقِيَ اللهَ يومَ القيامةِ ووجهُه إلى قفاهُ».
стр. 199
ثم قال: «من بين ابن هُبَيرة وبقيَّة لا يُعرف، وثور بن يزيد لم يدرك أم الدرداء» (١).
فقد أعلَّه الخطيب بجهالة يوسف بن يعقوب وحفص بن إبراهيم وإبراهيم بن العلاء (٢)، وبأن ثور بن يزيد لم يدرك أم الدرداء؛ فقد مات ثور سنة (١٥٠ هـ) أو (١٥٢ هـ) أو (١٥٣ هـ) أو (١٥٥ هـ)، وهو ابن بضع وستين سنة، فيكون مولده على أقصى تقدير سنة (٨١ هـ) أو بعدها (٣)، وتوفيت أم الدرداء سنة (٨١ هـ)، أي: في السنة التي وُلد فيها ثور أو قبلها (٤).
стр. 200
الفصل الثاني
التدليس والنقد به عند الخطيب
وفيه مبحثان:
- المبحث الأول: التعريف بالتدليس وأنواعه عند الخطيب.
- المبحث الثاني: النقد بالتدليس عند الخطيب.
стр. 201
المبحث الأول
التعريف بالتدليس وأنواعه عند الخطيب
التدليس في اللغة: مشتق من الدَّلَس -بفتحتين- وهو اختلاط الظلام بالنور، وكأنه أظلم أمره على الناظر؛ لتغطية وجه الصواب فيه. ومنه التدليس في البيع: وهو كتمان عيب السلعة عن المشتري. وسُمِّي بذلك لاشتراكهما في الخفاء (١).
أما في الاصطلاح: فقد قسَّمه الخطيب إلى قسمين:
القسم الأول: تدليس الإسناد:
عرَّفه الخطيب بأنه: رواية المحدِّث عمَّن عاصره ولم يلقه، فيُتَوَهَّم أنه سمع منه، أو روايته عمَّن قد لقيه ما لم يسمعه منه (٢).
فهذا التعريف يتضمَّن صورتين لتدليس الإسناد:
الصورة الأولى: أن يروي عمَّن عاصره، ولكنه لم يلقه ولم يسمع منه شيئًا، موهِمًا أنه سمع منه.
الصورة الثانية: أن يروي عن شيخٍ لقيه أحاديثَ لم يسمعها منه.
стр. 202
وقد عرَّف جمعٌ من أهل العلم تدليس الإسناد بمثل ما عرَّفه به الخطيب، مثل: ابن الأثير (١)، وابن الصلاح (٢)، والذهبي (٣)، وابن كثير (٤)، والعراقي (٥).
وذكر العراقي أن تعريف ابن الصلاح هو المشهور بين أهل الحديث (٦).
ولكن ابن حجر اعترض على هذا التعريف، وقَصَر التدليس على الصورة الثانية، وهي أن يروي عن شيخٍ لقيه أحاديثَ لم يسمعها منه.
أما الصورة الأولى فليست من التدليس في شيء عنده، وإنما هي من المرسل الخفي.
ونقل عن البزار (٧) وابن القطان (٨) أنهما عرَّفا التدليس بما يوافق الصورة الثانية فقط.
ثم ذكر عن شيخه العراقي أنه حكى كلام البزار وابن القطان، وأنه ذهب إلى أن الذي ذكره ابن الصلاح في حد التدليس هو المشهور عن أهل الحديث، وأنه إنما حكى كلامهما لئلَّا يُغتَرَّ به.
ثم قال ابن حجر: «قلت: لا غرور هنا، بل كلامهما هو الصواب على ما يظهر لي في التفرقة بين التدليس والمرسل الخفي، وإن كانا مشتركين في الحكم، هذا ما يقتضيه النظر.
стр. 203
وأما كون المشهور عن أهل الحديث خلاف ما قالاه ففيه نظر؛ فكلام الخطيب في باب التدليس من «الكفاية» يؤيد ما قاله ابن القطان.
قال الخطيب: التدليس متضمِّن الإرسال لا محالة؛ لإمساك المدلِّس عن ذكر الواسطة، وإنما يفارق حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمعه قط وهو الموهن لأمره، فوجب كون التدليس متضمِّنًا للإرسال، والإرسال لا يتضمن التدليس؛ لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمعه منه. ولهذا لم يذم العلماء من أرسل وذموا من دلَّس» (١).
وليس في كلام الخطيب هذا ما يدل صراحة على أن الإرسال الخفي ليس داخلًا في التدليس.
على أن الخطيب ذكر قبل كلامه هذا مباشرة ما يدل على أن الإرسال الخفي داخل في التدليس، فقد قال: «تدليس الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلَّسه عنه بروايته إياه على وجه يوهم أنه سمعه منه ويعدل عن البيان لذلك، ولو بيَّن أنه لم يسمعه من الشيخ الذي دلَّسه عنه وكشف ذلك؛ لصار ببيانه مرسِلًا للحديث غير مدلِّس فيه؛ لأن الإرسال للحديث ليس بإيهام من المرسل كونه سامعًا ممن لم يسمع منه وملاقيًا لمن لم يلقه، إلا أن التدليس الذي ذكرناه متضمن للإرسال لا محالة، من حيث كان المدلِّس ممسكًا عن ذكر مَن بينه وبين من دلَّس عنه … » (٢).
وكلامه هذا ظاهر في أنه إنما يفرق بين التدليس والإرسال بإيهام السماع في
стр. 204
الأول دون الثاني، فإذا روى الراوي عمن عاصره ولم يلقه وأوهم أنه سمع منه فهذا تدليس، أما إذا روى عنه ولم يوهم أنه سمع منه فليس تدليسًا.
فعلى هذا؛ فالإرسال إذا كان موهِمًا داخل في التدليس، والله أعلم.
ثم قال ابن حجر بعد ذلك: «والذي يظهر من تصرُّفات الحُذَّاق منهم -يعني من أهل الحديث- أن التدليس مختصٌّ باللُّقي، فقد أطبقوا على أن رواية المخضرمين (١) مثل: قيس بن أبي حازم وأبي عثمان النهدي وغيرهما عن النبي ﷺ من قبيل المرسل لا من قبيل المدلَّس.
وقد قال الخطيب في باب المرسل من كتابه «الكفاية»: لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلَّس وهو: رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه. ثم مثَّل للأول بسعيد بن المسيب وغيره عن النبي ﷺ ، وللثاني بسفيان الثوري وغيره عن الزهري.
ثم قال: والحكم في الجميع عندنا واحد (٢).
فقد بيَّن الخطيب في ذلك أن من روى عمن لم يَثبت لُقِيُّه ولو عاصره أن ذلك مرسل لا مدلس.
والتحقيق فيه التفصيل وهو: أن مَن ذُكر بالتدليس أو الإرسال إذا ذَكر بالصيغة الموهمة عمن لقيه فهو تدليس، أو عمن أدركه ولم يلقه فهو المرسل الخفي، أو عمن لم يدركه فهو مطلق الإرسال» انتهى كلام ابن حجر (٣).
стр. 205
قلت: لكن قال الخطيب بعد هذا الكلام مباشرة: «وكذلك الحكم فيمن أرسل حديثًا عن شيخ، إلا أنه لم يسمع ذلك الحديث منه، وسمع ما عداه».
فهذا يدل على أن رواية الراوي عن شيخ سمع منه في الجملة حديثًا لم يسمعه منه -وهذا صورة التدليس- من قبيل الإرسال، وهو ناقض لما استدل به ابن حجر.
وهذا كله قد أوردته مناقشة مني لابن حجر، وإلَّا فقد صرَّح الخطيب في تعريفه الذي أوردته في بداية هذا المبحث أن رواية المحدِّث عمن عاصره ولم يلقه، موهمًا أنه سمع منه من قبيل التدليس. ويبدو أن ابن حجر ذهل عن كلام الخطيب هذا؛ لأنه لم يذكره في الفصل الذي خصَّه للكلام عن التدليس وأحكامه، إنما ذكره في أوائل كتابه، والله أعلم (١).
وقريب منه في التصريح قوله في «الكفاية»: «قال بعض أهل العلم: إذا دلَّس المحدِّث عمن لم يسمع منه ولم يلقه، وكان ذلك الغالب على حديثه لم تُقبل رواياته.
وأما إذا كان تدليسه عمن قد لقيه وسمع منه فيدلِّس عنه رواية ما لم يسمعه منه، فذلك مقبول، بشرط أن يكون الذي يدلِّس عنه ثقة» اهـ (٢).
فسمَّى رواية المحدِّث عمن لم يسمع منه ولم يلقه تدليسًا، وهذا ظاهر، ولله الحمد.
стр. 206
وقد ضرب الخطيب أمثلة لرواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه فقال في «الكفاية»: «وأما رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه، فمثاله رواية الحجاج بن أرطاة، وسفيان الثوري، وشعبة، عن الزهري» (١).
فإذا صح كلام ابن حجر من أن الخطيب يفرق بين التدليس والإرسال الخفي، تكون رواية الحجاج بن أرطاة وغيره عن الزهري ليست تدليسًا عند الخطيب، ولكن قال الخطيب في ترجمة حجاج بن أرطاة من «تاريخ بغداد»: «وكان مدلِّسًا، يروي عمن لم يلقه» (٢).
والخطيب في ذلك موافق لمن سبقه من أهل الحديث؛ فإنهم قد يطلقون على رواية الرجل عمن أدركه ولم يسمع منه أنها تدليس، ومن أمثلة ذلك:
١ - قال مهنّا: قلت لأحمد ويحيى: حدَّثوني عن عبد المجيد بن أبي رواد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لكلِّ أُمةٍ فرعون، وفرعونُ هذه الأُمة معاويةُ بن أبي سفيان» (٣).
فقالا جميعًا: «ليس بصحيح، وليس يُعرف هذا الحديث من أحاديث عبيد الله، ولم يسمع عبد المجيد بن أبي رواد من عبيد الله شيئًا، ينبغي أن
يكون عبد المجيد دلَّسه؛ سمعه من إنسان، فحدَّث به» (٤).
стр. 207
فمع تصريح الإمامين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين أن عبد المجيد لم يسمع من عبيد الله شيئًا، إلا أنهما سمَّيا ذلك تدليسًا.
٢ - وقال يحيى بن معين: «دلَّس هشيم عن زاذان أبي منصور، ولم يسمع منه» (١).
٣ - وقال البخاري: «لا أعرف لسعيد بن أبي عروبة سماعًا من الأعمش، وهو يدلِّس ويروي عنه» (٢).
٤ - وقال الفسوي: «وقد روى سعيد بن أبي عروبة عن عبيد الله بن عمر، وعن هشام بن عروة، وعن أبي بشر، ولم يسمع منهم، إنما دلَّس عنهم، ولعَمْري إنما روى عنهم مناكير» (٣).
٥ - وقال ابن حبان: «ومنهم المدلِّس عمن لم يره، كالحجاج بن أرطاة وذويه، كانوا يحدِّثون عمن لم يروه، ويدلِّسون حتى لا يُعلم ذلك منهم» (٤).
٦ - وقال أيضًا: «كان يحيى بن أبي كثير يدلِّس، فكل ما روى عن أنس فقد دلَّس عنه، ولم يسمع من أنس، ولا من صحابي شيئًا» (٥).
٧ - وقال الخليلي: «قد روى عن عكرمة جماعةٌ ممن لم يلقوه، وإنما يدلِّسون،
كالحسين بن واقد المروزي وغيره» (٦).
стр. 208
- وقد أدخل الخطيب تدليس التسوية في تدليس الإسناد، ولكنه لم يصرِّح باسمه، فقال: «وربما لم يُسقط المدلِّس اسم شيخه الذي حدَّثه، لكنه يُسقط ممن بعده في الإسناد رجلًا يكون ضعيفًا في الرواية، أو صغير السن، ويُحسِّن الحديث بذلك، وكان سليمان الأعمش وسفيان الثوري وبقية بن الوليد يفعلون مثل هذا» (١).
القسم الثاني: تدليس الشيوخ:
عرَّفه الخطيب بأنه رواية المحدِّث عن شيخ سمع منه حديثًا، يُغيِّر فيه اسمه أو كنيته أو نسبه أو حاله المشهور من أمره؛ لئلا يُعرف (٢).
ثم ذكر السبب في فعل الراوي ذلك الأمر، فقال: «والعلة في فعله ذلك كون شيخه غير ثقة في اعتقاده أو في أمانته، أو يكون متأخر الوفاة، قد شارك الراوي عنه جماعة دونه في السماع منه، أو يكون أصغر من الراوي عنه سنًّا، أو تكون أحاديثه التي عنده عنه كثيرة، فلا يحب تكرار الرواية عنه، فيغيِّر حاله لبعض هذه الأمور» (٣).
* * *
стр. 209
المبحث الثاني
النقد بالتدليس عند الخطيب
ذكر الخطيب خلاف العلماء في قبول خبر المدلِّس، ثم ذكر الصحيح عنده، فقال في «الكفاية»: «قال فريق من الفقهاء وأصحاب الحديث: إن خبر المدلِّس غير مقبول؛ لأجل ما قدَّمنا ذكره من أن التدليس يتضمن الإيهام لِمَا لا أصل له، وترك تسمية من لعله غير مرضي ولا ثقة، وطلب توهُّم علو الإسناد، وإن لم يكن الأمر كذلك.
وقال خلق كثير من أهل العلم: خبر المدلِّس مقبول؛ لأنهم لم يجعلوه بمثابة الكذَّاب، ولم يَرَوُا التدليس ناقضًا لعدالته، وذهب إلى ذلك جمهور مَن قَبِل المراسيل من الأحاديث، وزعموا أن نهاية أمره أن يكون التدليس بمعنى الإرسال.
وقال بعض أهل العلم: إذا دلَّس المحدِّث عمن لم يسمع منه ولم يلقه، وكان ذلك الغالب على حديثه، لم تُقبَل رواياته، وأما إذا كان تدليسه عمن قد لقيه وسمع منه فيدلِّس عنه رواية ما لم يسمعه منه، فذلك مقبول بشرط أن يكون الذي يدلِّس عنه ثقة.
وقال آخرون: خبر المدلِّس لا يُقبل إلا أن يورده على وجه مبيَّن غير محتمل للإيهام، فإن أورده على ذلك قُبِل.
стр. 210
وهذا هو الصحيح عندنا، وسنذكر كيفية اللفظ الذي يزيل عنه الإيهام فيما بعد إن شاء الله».
ثم ذكر الخطيبُ اللفظَ الذي يزيل عنه الإيهام فقال: «واللفظ الذي يرتفع به الإيهام، ويزول به الإشكال في رواية المدلِّس: أن يقول: سمعت فلانًا يقول ويحدِّث ويُخبِر، أو قال لي فلان، أو ذكر لي، أو حدثني وأخبرني من لفظه، أو حدَّث وأنا أسمع، أو قُرئ عليه وأنا حاضر، وما يجري مجرى هذه الألفاظ مما لا يحتمل غير السماع، وما كان بسبيله» (١).
فالذي اختاره الخطيب وصحَّحه أن خبر المدلِّس لا يُقبل إلا إذا صرَّح بالسماع من شيخه بإحدى الصيغ التي ذكرها، وقد وافقه على هذا الاختيار جمهور أهل الحديث (٢).
هذا في تدليس الإسناد، أما حكم تدليس الشيوخ فقد قال الخطيب: «وفي الجملة، فإن كل من روى عن شيخ شيئًا سمعه منه، وعدل عن تعريفه بما اشتهر من أمره، فخفي ذلك على سامعه؛ لم يصح الاحتجاج بذلك الحديث للسامع؛ لكون الذي حدَّث عنه في حاله ثابت الجهالة، معدوم العدالة، ومن كان هذا صفته فحديثه ساقط، والعمل به غير لازم على الأصل الذي ذكرناه فيما تقدم» (٣).
стр. 211
وهذه أمثلة تبيِّن نقد الخطيب للأحاديث بتدليس بعض رواتها:
المثال الأول وهو في تدليس الإسناد:
روى الخطيب في ترجمة محمد بن إسحاق بن المرزبان الفارسي ومن طريقه، عن أحمد بن الحباب بن حمزة بن غيلان الحميري قال: حدثنا مكي بن إبراهيم قال: حدثنا ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير، عن جابر، أن النبي ﷺ قال: «لا يُقْطَعُ الخائنُ، ولا المُخْتَلِسُ، ولا المُنْتَهِبُ».
ثم قال: «لا أعلم روى هذا الحديث عن ابن جريج مجوَّدًا هكذا غير مكي بن إبراهيم (١) إن كان أحمد بن الحُباب حفظه عنه؛ فإن الثوري، وعيسى بن يونس وغيرهما رَوَوْه عن ابن جريج، عن أبي الزبير، ولم يذكروا فيه الخبر، وكان أهل العلم يقولون: لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من أبي الزبير، وإنما سمعه من ياسين الزيات عنه فدلَّسه في روايته عن أبي الزبير، والله أعلم» (٢).
فهذا الحديث رواه مكي بن إبراهيم عن ابن جريج مصرِّحًا فيه بإخبار أبي الزبير له، إلا أن الخطيب يرى أن هذا وهم؛ لأن الثقات من أصحاب ابن جريج رَوَوْه عنه ولم يصرِّحوا بالإخبار، ونقل عن أهل العلم أنهم ذهبوا إلى أن ابن جريج لم يسمع هذا الحديث من أبي الزبير إنما سمعه من ياسين الزيات، فأسقطه من الإسناد، ورواه مباشرة عن أبي الزبير، وابن جريج
стр. 212
مدلِّس قبيح التدليس، قال الدارقطني: «شر التدليس تدليس ابن جريج؛ فإنه قبيح التدليس، لا يدلِّس إلا فيما سمعه من مجروح» (١).
وياسين الزيات مجروح؛ قال ابن معين: «ليس حديثه بشيء» (٢).
وقال البخاري: «يتكلمون فيه، منكر الحديث» (٣).
وقال النسائي: «متروك الحديث» (٤).
وقال ابن حبان: «كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات، ويتفرد بالمعضَلات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به بحال، وكل ما وقع في نسخة ابن جريج عن أبي الزبير من المناكير كان ذلك مما سمعه ابن جريج عن ياسين الزيات عن أبي الزبير فدلَّس عنه» (٥).
وسيأتي تصريح ياسين الزيات بأنه هو الذي حدَّث ابن جريج بهذا الحديث عن أبي الزبير.
وفي كلام الخطيب أمور مهمة نتعرض لها بشيء من التفصيل:
الأمر الأول: قوله: «لا أعلم روى هذا الحديث عن ابن جريج مجوَّدًا هكذا غير مكي بن إبراهيم، إن كان أحمد بن الحباب حفظه عنه».
стр. 213
أقول: قد رواه عبد الله بن المبارك (١) -ومن طريقه النسائي (٢) - عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير به.
قال النسائي بعد روايته: «ما عمل شيئًا، ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير عندنا، والله أعلم».
ومعنى قول الخطيب: «مجوَّدًا» أي: أن مكيًّا لمَّا صرَّح فيه بالإخبار جعله متصلًا ليس فيه تدليس، فهذا تجويد للإسناد وتحسين له في الظاهر، وإن كان في واقع الأمر غير ذلك.
وكأن الخطيب يشير بقوله: «إن كان أحمد بن الحُباب حفظه عنه» إلى أن التصريح بالإخبار لم يصح عن مكي بن إبراهيم الثقة الثبت (٣)، وأن الوهم من أحمد بن الحُباب، وأحمد هذا لم أجد أحدًا ترجم له إلا الذهبي في «تاريخ الإسلام» ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (٤).
الأمر الثاني: قوله: «فإن الثوري وعيسى بن يونس وغيرهما رَوَوْه عن ابن جريج عن أبي الزبير، ولم يذكروا فيه الخبر».
رواية سفيان الثوري؛ أخرجها النسائي (٥)، وأبو الفضل الزهري (٦)، وأبو نعيم الأصبهاني (٧).
стр. 214
ورواية عيسى بن يونس (١)؛ أخرجها ابن أبي شيبة (٢)، وابن عرفة (٣) - ومن طريقه البيهقي (٤) - وأبو داود (٥)، والترمذي (٦).
وممن رواه أيضًا عن ابن جريج بالعنعنة ولم يصرِّح بالإخبار:
- محمد بن بكر (٧)، وروايته أخرجها أحمد (٨)، وأبو داود (٩).
- وأبو عاصم (١٠)، وروايته أخرجها ابن أبي شيبة (١١)، والدارمي (١٢)،
стр. 215
وابن ماجه (١).
- وحجاج (٢)، وروايته أخرجها النسائي (٣).
- وابن وهب، وروايته أخرجها الطحاوي (٤)، والدارقطني (٥).
- ومحمد بن ربيعة (٦)، وروايته أخرجها قاضي المارستان (٧).
الأمر الثالث: قوله: «وكان أهل العلم يقولون: لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من أبي الزبير، وإنما سمعه من ياسين الزيات عنه، فدلَّسه في روايته عن أبي الزبير، والله أعلم».