← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 809

منهج الخطيب البغدادي في نقد الحديث

محمد محب الدين أبو زيد

Полный текст (481 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وهذه أمثلة تبيِّن نقد الخطيب للأحاديث بتدليس بعض رواتها: المثال الأول وهو في تدليس الإسناد: روى الخطيب في ترجمة محمد بن إسحاق بن المرزبان الفارسي ومن طريقه، عن أحمد بن الحباب بن حمزة بن غيلان الحميري قال: حدثنا مكي بن إبراهيم قال: حدثنا ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير، عن جابر، أن النبي ﷺ قال: «لا يُقْطَعُ الخائنُ، ولا المُخْتَلِسُ، ولا المُنْتَهِبُ». ثم قال: «لا أعلم روى هذا الحديث عن ابن جريج مجوَّدًا هكذا غير مكي بن إبراهيم (١) إن كان أحمد بن الحُباب حفظه عنه؛ فإن الثوري، وعيسى بن يونس وغيرهما رَوَوْه عن ابن جريج، عن أبي الزبير، ولم يذكروا فيه الخبر، وكان أهل العلم يقولون: لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من أبي الزبير، وإنما سمعه من ياسين الزيات عنه فدلَّسه في روايته عن أبي الزبير، والله أعلم» (٢). فهذا الحديث رواه مكي بن إبراهيم عن ابن جريج مصرِّحًا فيه بإخبار أبي الزبير له، إلا أن الخطيب يرى أن هذا وهم؛ لأن الثقات من أصحاب ابن جريج رَوَوْه عنه ولم يصرِّحوا بالإخبار، ونقل عن أهل العلم أنهم ذهبوا إلى أن ابن جريج لم يسمع هذا الحديث من أبي الزبير إنما سمعه من ياسين الزيات، فأسقطه من الإسناد، ورواه مباشرة عن أبي الزبير، وابن جريج

стр. 212

مدلِّس قبيح التدليس، قال الدارقطني: «شر التدليس تدليس ابن جريج؛ فإنه قبيح التدليس، لا يدلِّس إلا فيما سمعه من مجروح» (١). وياسين الزيات مجروح؛ قال ابن معين: «ليس حديثه بشيء» (٢). وقال البخاري: «يتكلمون فيه، منكر الحديث» (٣). وقال النسائي: «متروك الحديث» (٤). وقال ابن حبان: «كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات، ويتفرد بالمعضَلات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به بحال، وكل ما وقع في نسخة ابن جريج عن أبي الزبير من المناكير كان ذلك مما سمعه ابن جريج عن ياسين الزيات عن أبي الزبير فدلَّس عنه» (٥). وسيأتي تصريح ياسين الزيات بأنه هو الذي حدَّث ابن جريج بهذا الحديث عن أبي الزبير. وفي كلام الخطيب أمور مهمة نتعرض لها بشيء من التفصيل: الأمر الأول: قوله: «لا أعلم روى هذا الحديث عن ابن جريج مجوَّدًا هكذا غير مكي بن إبراهيم، إن كان أحمد بن الحباب حفظه عنه».

стр. 213

أقول: قد رواه عبد الله بن المبارك (١) -ومن طريقه النسائي (٢) - عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير به. قال النسائي بعد روايته: «ما عمل شيئًا، ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير عندنا، والله أعلم». ومعنى قول الخطيب: «مجوَّدًا» أي: أن مكيًّا لمَّا صرَّح فيه بالإخبار جعله متصلًا ليس فيه تدليس، فهذا تجويد للإسناد وتحسين له في الظاهر، وإن كان في واقع الأمر غير ذلك. وكأن الخطيب يشير بقوله: «إن كان أحمد بن الحُباب حفظه عنه» إلى أن التصريح بالإخبار لم يصح عن مكي بن إبراهيم الثقة الثبت (٣)، وأن الوهم من أحمد بن الحُباب، وأحمد هذا لم أجد أحدًا ترجم له إلا الذهبي في «تاريخ الإسلام» ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (٤). الأمر الثاني: قوله: «فإن الثوري وعيسى بن يونس وغيرهما رَوَوْه عن ابن جريج عن أبي الزبير، ولم يذكروا فيه الخبر». رواية سفيان الثوري؛ أخرجها النسائي (٥)، وأبو الفضل الزهري (٦)، وأبو نعيم الأصبهاني (٧).

стр. 214

ورواية عيسى بن يونس (١)؛ أخرجها ابن أبي شيبة (٢)، وابن عرفة (٣) - ومن طريقه البيهقي (٤) - وأبو داود (٥)، والترمذي (٦). وممن رواه أيضًا عن ابن جريج بالعنعنة ولم يصرِّح بالإخبار: - محمد بن بكر (٧)، وروايته أخرجها أحمد (٨)، وأبو داود (٩). - وأبو عاصم (١٠)، وروايته أخرجها ابن أبي شيبة (١١)، والدارمي (١٢)،

стр. 215

وابن ماجه (١). - وحجاج (٢)، وروايته أخرجها النسائي (٣). - وابن وهب، وروايته أخرجها الطحاوي (٤)، والدارقطني (٥). - ومحمد بن ربيعة (٦)، وروايته أخرجها قاضي المارستان (٧). الأمر الثالث: قوله: «وكان أهل العلم يقولون: لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من أبي الزبير، وإنما سمعه من ياسين الزيات عنه، فدلَّسه في روايته عن أبي الزبير، والله أعلم».

стр. 216

فمن أهل العلم الذين أشار إليهم الخطيب: - علماء مكة؛ فقد قال عبد الرزاق: «أهل مكة يقولون: إن ابن جريج لم يسمع من أبي الزبير، إنما سمع من ياسين» (١). - وأحمد بن حنبل؛ حيث قال: «إنما سمعه ابن جريج من ياسين الزيات» (٢). - وأبو داود فقد رواه في سننه وفرَّقه على حديثين، ثم قال: «هذان الحديثان لم يسمعهما ابن جريج من أبي الزبير، وبلغني عن أحمد بن حنبل أنه قال: إنما سمعهما ابن جريج من ياسين الزيات» (٣). - وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيَّان؛ فقد سألهما ابن أبي حاتم عن هذا الحديث فقالا: «لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من أبي الزبير، يقال: إنه سمعه من ياسين الزيات، عن أبي الزبير». قالا: «قال زيد بن حباب، عن ياسين: أنا حدَّثتُ به ابن جريج، عن أبي الزبير». فقال لهما: ما حال ياسين؟ فقالا: «ليس بقوي» (٤). - والنسائي؛ فقد قال: «وقد روى هذا الحديث عن ابن جريج: عيسى بن يونس، والفضل بن موسى، وابن وهب، ومحمد بن ربيعة، ومخلد بن يزيد،

стр. 217

وسلمة بن سعيد، فلم يقل أحد منهم فيه: حدثني أبو الزبير، ولا أحسبه سمعه من أبي الزبير، والله أعلم» (١). - والخليلي؛ حيث قال: «يقال: إن هذا لم يسمعه من أبي الزبير، لكنه أخذه عن ياسين الزيات، وهو ضعيف جدًّا، عن أبي الزبير، وابن جريج يدلِّس في أحاديث، ولا يخفى ذلك على الحفاظ» (٢). - هذا، وقد اعترض بعض أهل العلم المتأخِّرين، مثل الزيلعي وابن الملقِّن والألباني على إعلال الأئمة المتقدِّمين لهذا الحديث بتدليس ابن جريج، وسأورد أوجه اعتراضهم مع الرد عليها. فقد قال الزيلعي بعد نقله لكلام الإمامين أحمد وأبي داود: «قلت: رواه ابن حبان في «صحيحه» في النوع الثالث والثلاثين من القسم الثالث عن ابن جريج عن أبي الزبير وعمرو بن دينار عن جابر مرفوعًا باللفظ الأول سواء (٣)، وأخرجه أيضًا عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا أيضًا، لم يذكر فيه المنتهب (٤)، فزالت العلة التي ذكرها أبو داود، وابن أبي حاتم أيضًا» (٥).

стр. 218

أقول: هذان الطريقان إنما يفيدان -إن أفادا- أصل الحديث لا الطريق الذي نتكلم عنه، فليس في الطريقين ما يبين سماع ابن جريج من أبي الزبير، فلم تَزُل العلة التي ذكرها النُّقَّاد المتقدِّمون. ثم أورد كلام النسائي في نقده لهذا الحديث، ثم قال: «قلنا: في سند ابن حبان ما ينفي ذلك، وأيضًا فتصحيح الترمذي له يدل على أنه تحقِّق اتصاله، وقد تابعه عليه المغيرة بن مسلم، كما أشار إليه أبو داود، والترمذي، وحديثه أخرجه النسائي عن المغيرة عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس على مختلس، ولا منتهب، ولا خائن قطع» انتهى. والمغيرة بن مسلم صدوق، قاله ابن معين وغيره (١)» (٢). أقول: قوله: «في سند ابن حبان ما ينفي ذلك» قد تقدم بيان ما فيه. وقوله: «وأيضًا فتصحيح الترمذي له يدل على أنه تحقَّق اتصاله» هذا احتمال وارد، ويوجد احتمالان آخران، الأول: أنه صححه لعدم اطِّلاعه على العلة التي اطلع عليها النُّقَّاد. والثاني: أنه صححه لِما له من الطرق الأخرى التي تعضِّده، والله أعلم. أما متابعة المغيرة بن مسلم فهي -إن أفادت أصل الحديث- فإنها لا تفيد سماع ابن جريج لهذا الحديث من أبي الزبير كما هو ظاهر. والمغيرة بن مسلم مع توثيق ابن معين له في الجملة، فقد تكلَّم في روايته عن أبي الزبير حيث قال: «ما أَنكر حديثه عن أبي الزبير» (٣).

стр. 219

أما ابن الملقِّن فقد اعترض على النُّقَّاد بنحو اعتراض الزيلعي، إلا أنه زاد عليه قوله بعد إيراده لكلام الخطيب: «رواه النسائي عن محمد بن حاتم، حدثنا سويد هو ابن نصر، حدثنا عبد الله هو ابن المبارك، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير … فذكره، وهذا سند صحيح … فيُحمل على أنه مرة بواسطة ياسين ومرة بغيرها» (١). أقول: قد أنكر النسائي التصريحَ بالسماع في هذه الرواية، فقال بعد روايتها: «ما عمل شيئًا، ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير عندنا، والله أعلم». وتصريح النسائي وغيره من النُّقَّاد بعدم سماع ابن جريج له من أبي الزبير يدفع الاحتمال الذي أورده ابن الملقن من أنه سمعه مرة بواسطة ياسين ومرة بغيرها، والله أعلم. وأما الألباني فقال بعد أن أورد نقد الأئمة لهذا الحديث وتصريح ياسين الزيات بتحديث ابن جريج به عن أبي الزبير: «قلتُ: ياسين الزيات متَّهم، فلا يُصدَّق في قوله: إنه هو الذي حدَّث به ابن جريج» (٢). قلت: لم يتهمه أحد بالكذب على حد علمي، وليس وهاؤه في الحديث بموجب أن يكون كذَّابًا، والله أعلم. ثم قال الألباني: «على أنه لو صدق في ذلك، فهو لا ينافي أن يكون ابن جريج سمعه بعد ذلك من أبي الزبير، ولولا أن ابن جريج معروف بالتدليس لم نقبل هذا الجزم بعدم سماعه هذا الحديث من أبي الزبير، ولكن

стр. 220

القطع بردِّ هذا، يحتاج إلى رواية فيها التصريح بسماعه من أبي الزبير، وقد وجدتُها -والحمد لله- وذلك من طريقين: الأولى: قال الدارمي: أخبرنا أبو عاصم عن ابن جريج قال: أنبأنا أبو الزبير، قال جابر (١). والأخرى: قال الحافظ في «التلخيص»: ورواه النسائي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن ابن جريج: أخبرني أبو الزبير (٢). قلت: فهذان إسنادان صحيحان إلى ابن جريج بتصريحه بالتحديث، فزالت شبهة تدليسه، وطاح بذلك الجزم بأنه لم يسمعه من أبي الزبير» (٣). أقول: أما الطريق الأولى التي رواها الدارمي، فالتصريح بالإنباء فيها خطأ من المطبوعة، والنسخ الخطية من «سنن الدارمي» مثل: نسخة كوبريلي (ق ٢٣٧ أ)، والسليمانية (ق ١٤٨ أ) مصححًا عليه، وليدن (ق ١٩١ أ) وهي نسخ متقنة (٤) ليس فيها هذا التصريح إنما فيها: «عن ابن جريج قال: قال أبو الزبير». ومما يؤيد هذا أن ابن أبي شيبة وابن ماجه (٥) أخرجا رواية أبي عاصم هذه، وليس فيها التصريح بالإنباء ولا الإخبار.

стр. 221

كذلك فإن أحدًا ممن اعترض على النُّقَّاد بتصريح ابن جريج بالسماع من أبي الزبير -كالزيلعي وابن الملقن- لم يذكر رواية الدارمي هذه، ولو كانت محفوظة لتلقَّفوها ولأذاعوها، والله أعلم. أما الطريق الثانية التي رواها النسائي، فقد أنكرها النسائي نفسه بعد روايتها، فقال: «ما عمل شيئًا، ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير عندنا، والله أعلم». وخلاصة الأمر: أنه لم يثبت باليقين سماع ابن جريج لهذا الحديث من أبي الزبير، والراجح أنه سمعه من ياسين الزيات فدلَّسه، وبهذا يسلم نقد الخطيب ومن سبقه من النُّقَّاد، والله أعلم. المثال الثاني وهو في تدليس الشيوخ: روى الخطيب في ترجمة أبي بكر محمد بن الحسن النقَّاش ومن طريقه أنه قال: حدثنا يحيى بن محمد بن عبد الملك الخياط قال: حدثنا إدريس بن عيسى المخزومي القطان قال: حدثنا زيد بن الحباب قال: حدثنا سفيان الثوري، عن قابوس بن أبي ظَبْيان، عن أبيه، عن ابن العباس قال: كنت عند النبي ﷺ وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم، وعلى فخذه الأيمن الحسين بن علي، تارة يُقبِّل هذا، وتارة يُقبِّل هذا، إذ هبط عليه جبريل ﵇ بوحي من رب العالمين فلما سُرِّي عنه، قال: «أتاني جبريلُ من ربِّي، فقال لي: يا محمد إنَّ ربَّك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: لستُ أجمعُهما لك فافدِ أحدهما بصاحبه». فنظر النبي ﷺ إلى إبراهيم فبكى، ونظر إلى الحسين فبكى، ثم قال: «إن إبراهيم أُمُّه أَمَةٌ، ومتى مات لم يحزن عليه غيري، وأمُّ الحسين فاطمة، وأبوه

стр. 222

علي ابن عمي لحمي ودمي، ومتى مات حزنت ابنتي وحزن ابن عمي وحزنتُ أنا عليه، وأنا أوثر حزني على حزنهما، يا جبريل تقبض إبراهيم فديتُه بإبراهيم». قال: فقُبِض بعد ثلاث، فكان النبي ﷺ إذا رأى الحسين مقبلًا قَبَّله وضمَّه إلى صدره ورشف ثناياه، وقال: «فديتُ مَن فديتُه بابني إبراهيم». ثم قال: «دلَّس النقَّاشُ ابن صاعد، قال: حدثنا يحيى بن محمد بن عبد الملك الخياط، وأقل مما شُرِح في هذين الحديثين (١) تسقط به عدالة المحدِّث، ويُترك الاحتجاج به» (٢). فهذا الحديث المنكر يرويه النقاش عن يحيى بن محمد بن صاعد، وابن صاعد إمام حافظ لا يحدِّث بمثل هذا الحديث المنكر، فخاف النقَّاش من انكشاف أمره، فعمد إلى ابن صاعد، وسماه باسم غير مشهور به تعمية لأمره، وهذا من تدليس الشيوخ. قال ابن الجوزي: «هذا حديث موضوع، قَبَّح الله مَن وضعه، فما أفظعه! ولا أرى الآفة فيه إلا من أبي بكر النقَّاش؛ فإنه دلَّس ابن صاعد فيه، فقال: يحيى بن محمد بن عبد الملك الخياط، فتدليسه إياه دليل شر» (٣).

стр. 223

والنقَّاش هذا قال فيه أبو بكر البَرْقاني: «كل حديثه منكر» (١). وقال الخطيب: «في أحاديثه مناكير بأسانيد مشهورة» (٢). وقد اعتذر الدارقطني عن النقَّاش بأنه لم يتعمَّد وضعه، وأنه وقع له عن طريق الوهم فقال: «هذا حديث باطل كذب على كل من رواه، ابن صاعد فمن فوقه، وأحسب أنه وقع إليه كتاب لرجل غير موثوق به قد وضعه في كتابه، أو وُضع له على أبي محمد بن صاعد، فظن أنه من صحيح حديثه؛ فرواه فدخل عليه الوهم، وظن أنه من سماعه من ابن صاعد» (٣). المثال الثالث وهو في تدليس الشيوخ أيضًا: روى الخطيب في ترجمة محمد بن عبد الله الكَلْوَذاني: عن أبي الحسن العباس بن عمر بن العباس الكَلْوَذاني قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن محمد الكَلْوَذاني بمدينة السلام قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن سعيد بن يزيد الثقفي الخطيب قال: حدثنا محمد بن سلمة الأموي قال: حدثني محمد بن القاسم الأموي، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن علي بن أبي طالب قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «أوحى الله تعالى إلى داودَ: يا داودُ، إنَّ العبدَ ليأتي بالحسنة يوم القيامة فأُحَكِّمُه بها في الجنَّةِ. قال داودُ: يا رب، ومَن هذا العبد الذي يأتيك بالحسنة يوم القيامة فتُحَكِّمُه بها في الجنة؟ قال: عبدٌ مؤمنٌ سعى في حاجة أخيه المسلمِ أحبَّ قضاءَها، فقُضِيَت على يديه أو لم تُقْضَ».

стр. 224

ثم قال: «عباس الكَلْوَذاني غير ثقة، وشيخه الذي حدَّثنا عنه مجهول، ويغلب على ظنِّي أنه أبو المفضَّل الشيباني، نسبه عباس إلى أنه كَلْوَذاني لينستر أمره، وأبو المفضَّل يروي عن أحمد بن سعيد الثقفي» (١). فهذا الحديث يرويه عباس الكَلْوَذاني عن محمد بن عبد الله بن محمد الكلوذاني، وشيخ عباس هذا مجهول لا يُعرف، فرجَّح الخطيب أنه أبو المفضَّل الشيباني محمد بن عبد الله بن محمد بن عبيد الله، نسبه عباس إلى أنه كَلْوَذاني تعميةً لأمره، وهذا من تدليس الشيوخ. وقد فعل عباس ذلك؛ لأن أبا المفضَّل الشيباني كذَّاب، فقد قال الخطيب في ترجمته: «كان يروي غرائب الحديث، وسؤالات الشيوخ، فكتب الناس عنه بانتخاب الدارقطني (٢)، ثم بان كذبه فمزَّقوا حديثه، وأبطلوا روايته، وكان بعدُ يضع الأحاديث للرافضة» (٣).

стр. 225

الباب الثالث نقد الأحاديث بالعلل الخفية وفيه تمهيد، وثلاثة فصول: - تمهيد: تعريف العلة وأنواعها. - الفصل الأول: النقد بالتفرد والمخالفة مع وجود القرائن. - الفصل الثاني: النقد بالاضطراب والقلب والتصحيف. - الفصل الثالث: نقد المتون.

стр. 226

تمهيد تعريف العلة وأنواعها أولًا: العلة لغةً: ذكر ابن فارس أن لمادة «علّ» أصولًا ثلاثة صحيحة: الأول: تكرر أو تكرير. والثاني: عائق يعوق. والثالث: ضعف في الشيء (١). ويمكن أن نلتمس علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، فعلى المعنى الأول: التكرار؛ فإن العلة تُكتشف عن طريق تكرار النظر في الحديث مرة بعد أخرى. وعلى المعنى الثاني: العائق؛ فإن العلة عائق يمنع من قبول الحديث. وعلى المعنى الثالث: الضعف؛ فإن العلة تُضعف الحديث الذي ظاهره الصحة، وتنزل به من درجة الصحيح إلى درجة الضعيف (٢). ثانيًا: العلة اصطلاحًا: لم أجد تعريفًا للعلة عند الخطيب، ولكن عرَّفها أهل الحديث بأنها: عبارة عن سبب خفي قادح في صحة الحديث (٣).

стр. 227

والحديث المعلَّل: هو الحديث الذي اطُّلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها (١). وتجيء العلة غالبًا في الإسناد، وقليلًا في المتن (٢). - وقد ذكر الإمام ابن الصلاح أمورًا تُدرك العلة بها، فقال: «ويستعان على إدراكها بتفرُّد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك، تنبِّه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم لغير ذلك؛ بحيث يغلب على ظنِّه فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه، وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وُجد ذلك فيه» (٣). أنواع علل الحديث: يُعِلُّ أهل الحديث -كما في كتبهم- الحديثَ بكل قدح خفي أو ظاهر (٤). - أما العلل الخفية: فكل حديث وقع فيه خطأ في إسناده أو متنه فهو حديث مُعَلٌّ، ويسمَّى باسمٍ خاصٍّ حسب نوع هذا الخطأ. فإذا أخطأ الراوي فرفع الموقوف، أو وصل المرسل، فيسمى هذا الخطأ حينئذ «الزيادة».

стр. 228

وإذا أبدل راويًا مكان راوٍ، أو كلمة بكلمة أو نحوه، فيسمى هذا الخطأ «القلب»، ويسمى الحديث «المقلوب». وإذا ألحق شيئًا من كلام الرواة في حديث مرفوع ولم يفصل بينهما، فيسمى هذا الخطأ «الإدراج»، ويسمى الحديث «المدرج» … وهكذا إلى آخر صور العلل الخفية (١). وقد لخَّص الحافظ ابن حجر العسقلاني في «نخبة الفكر» أنواع المخالفة فقال: «ثم المخالفة إن كانت بتغيير السياق: فمدرج الإسناد، أو بدمج موقوف بمرفوع: فمدرج المتن، أو بتقديم أو تأخير: فالمقلوب، أو بزيادة راوٍ: فالمزيد في متصل الأسانيد. أو بإبداله ولا مرجِّح: فالمضطرب، أو بتغيير مع بقاء السياق: فالمصحَّف والمحرَّف» (٢). - أما العلل الظاهرة: فنجد في كتب علل الحديث الكثيرَ من الجرح بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ، ونحو ذلك من الأمور الوجودية التي يأباها كون العلة خفية (٣). * * *

стр. 229

الفصل الأول النقد بالتفرد والمخالفة مع وجود القرائن وفيه ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: التفرد والنقد به عند الخطيب. - المبحث الثاني: الحديث المنكر عند الخطيب. - المبحث الثالث: النقد بالمخالفة عند الخطيب. وفيه أربعة مطالب: - المطلب الأول: رأي الخطيب عند اختلاف الرواة في الحديث. - المطلب الثاني: النقد بمخالفة الراوي لغيره برفع الموقوف. - المطلب الثالث: النقد بمخالفة الراوي لغيره بوصل المرسل. - المطلب الرابع: النقد بمخالفة الراوي لغيره بخلاف الحالتين السابقتين.

стр. 230

المبحث الأول التفرد والنقد به عند الخطيب معنى التفرُّد والغرابة عند الخطيب: أولًا: التفرُّد والغرابة لغة: أما التفرُّد: فهو مأخوذ من الفرد، والفرد ما كان وحده؛ يقال: فَرَد يَفْرُد، وأفردتُه جعلتُه واحدًا، ويقال: جاء القوم فُرادًا، وعددتُ الجَوز والدراهم أفرادًا، أي: واحدًا واحدًا، والله هو الفَرْد: قد تفرَّد بالأمر دون خلقه (١). وأما الغرابة: فيقال: غَرُب الشخص غرابة: بعُد عن وطنه، فهو غريب، فعيل بمعنى فاعل، وجمعه غرباء، وغرَّبته أنا تغريبًا فتغرَّب، واغترب وغرَّب بنفسه تغريبًا أيضًا، وأغرب: جاء بشيء غريب، وكلام غريب: بعيد من الفهم (٢). ثانيًا: التفرد والغرابة اصطلاحًا: لم أجد تعريفًا للتفرد أو الغرابة عند الخطيب، وقد عرَّفه الذهبي بقوله: «الغريب ضد المشهور. فتارة ترجع غرابته إلى المتن، وتارة إلى السند، والغريب صادق على ما صح، وعلى ما لم يصح. والتفرد يكون لما انفرد به الراوي إسنادًا أو متنًا، ويكون لما تفرد به عن

стр. 231

شيخ معين. كما يقال: لم يروه عن سفيان إلا ابن مهدي، و لم يروه عن ابن جريج إلا ابن المبارك» (١). فذكر الذهبي ﵀ نوعين للتفرد: الأول: الفرد المطلق: وهو تفرد الراوي برواية الحديث إسناداً ومتنًا، أي: لم يُرو الحديث بإسناده ومتنه إلا من طريقه. والثاني: الفرد النسبي: وهو التفرد عن شيخ معين، ولو كان أصلُ الحديث معروفًا من وجه آخر (٢). والغريب والفرد مترادفان لغة واصطلاحًا؛ إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي. وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما، وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرِّقون، فيقولون في المطلق والنسبي: تفرد به فلان، أو: أغرب به فلان (٣). وقول الذهبي: «والغريب صادق على ما صح، وعلى ما لم يصح» صحيح، فقد يكون الغريب صحيحًا، وقد يكون حسنًا، وقد يكون ضعيفًا، أو موضوعًا. ويوضح ذلك الخطيب بقوله: «الغرائب التي كره العلماء الاشتغال بها وقطع الأوقات في طلبها، إنما هي ما حكم أهل المعرفة ببطوله؛ لكون رواته

стр. 232

ممن يضع الحديث أو يدَّعي السماع، فأما ما استُغرب لتفرد راويه به وهو من أهل الصدق والأمانة؛ فذلك يلزم كتبه، ويجب سماعه وحفظه» (١). إلا أن الغالب على الأحاديث الغريبة أنها واهية منكرة؛ فقد روى الخطيب عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: «إذا سمعتَ أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث غريب، أو فائدة؛ فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو حديث ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة وسفيان» (٢). * وأكثر الأحاديث التي يصفها الخطيب بالغرابة هي أحاديث ضعيفة أو منكرة قد حدث فيها وهم أو خطأ: - فمن ذلك أنه روى في ترجمة محمد بن هارون بن سعيد بن بندار من «تاريخ بغداد» عن الحسين بن محمد المؤدِّب قال: حدثني أبو بكر محمد بن هارون البغدادي إملاء من حفظه بسمرقند في سنة تسعين وثلاثمائة قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن علي بن العلاء الجُوزجاني قال: حدثنا أبو الأشعث، عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس الخبر كالمعاينة» (٣). ثم قال: «هذا غريب من حديث ثابت عن أنس، ومن حديث حماد بن زيد عن ثابت، لا أعلم رواه إلا محمد بن هارون هذا بإسناده، وأراه غلط فيه وأرجو ألا يكون تعمده» (٤).

стр. 233

ومحمد بن هارون هذا نقل الخطيب في ترجمته له عن أبي سعد الإدريسي أنه قال فيه: «لم تكن معه الأصول، كان يحدِّث من حفظه فيخطئ» (١). وهذا الحديث قد ذكر من رواه عنه أنه حدَّثه به إملاء من حفظه، فلذلك أخطأ فيه، وعدَّه الخطيب غريبًا. - ومن ذلك أيضًا أنه روى في ترجمة داود بن إبراهيم بن داود البغدادي من «تاريخ بغداد» من طريق إسماعيل بن يحيى أنه قال: حدثنا مسعر، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة جيء بكراسي من ذهب مكلَّلة بالدر والياقوت، مفروشة بالسندس والإستبرق، ثم يُضرب عليها قباب من نور، ثم ينادي منادٍ: أين المؤذِّنون؟ أين من كان يشهد في كل يوم وليلة خمس مرات أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ فيقوم المؤذِّنون، وهم أطول الناس أعناقًا، فيقال لهم: اجلسوا على تلك الكراسي تحت تلك القباب، حتى يفرغ الله من حساب الخلائق؛ فإنه لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون» (٢). ثم قال الخطيب: «هذا حديث غريب من حديث مسعر، تفرد به إسماعيل بن يحيى التيمي عنه، وكان ضعيفًا سيئ الحال جدًّا» (٣).

стр. 234

المبحث الثاني الحديث المنكر عند الخطيب البغدادي - المنكر لغة: قال ابن فارس: «النون والكاف والراء أصل صحيح يدل على خلاف المعرفة التي يسكن إليها القلب. ونكر الشيء وأنكره: لم يقبله قلبه، ولم يعترف به لسانه» (١). - المنكر اصطلاحًا: قسَّم ابن الصلاح المنكر إلى قسمين، وعرَّف القسم الأول بأنه: المنفرد المخالف لما رواه الثقات. والثاني بأنه: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرُّده. وذهب إلى أن المنكر بمعنى الشاذ (٢). - أما الخطيب فلم أجد تعريفًا للحديث المنكر عنده، ولكن يمكننا أن نستنتج تعريفًا له، وأن نستخلص جملة من صفاته وخصائصه، من خلال

стр. 235

تتبُّع أقواله التي ذكر فيها الحديث المنكر، ومن خلال وصفه لبعض الأحاديث بالنكارة، فنجد أنه يطلق المنكر ويريد به عدة معانٍ منها: ١ - الحديث المنكر هو حديث غير مشهور ولا معروف، يخالف أحاديث الثقات، وعمل الفقهاء على ضده: روى الخطيب عن سفيان الثوري أنه قال: «لو كان هذا من الخير لنقص كما ينقص الخير، يعني: الحديث». ثم قال: «إن الثوري عنى بقوله الذي تقدم ذكرنا له: غرائب الأحاديث ومناكيرها، دون معروفها ومشهورها؛ لأن الأخبار الشاذة والأحاديث المنكرة أكثر من أن تُحصى، فرأى الثوري أن لا خير فيها؛ إذ رواية الثقات بخلافها، وعمل الفقهاء على ضدها، وقد ورد عن جماعة من العلماء، سوى الثوري، كراهة الاشتغال بها، وذهاب الأوقات في طلبها» (١). وقال أيضًا: «وأكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب على إرادتهم كَتْبُ الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف» (٢). ٢ - الحديث المنكر هو حديث قد وقع فيه خطأ: قال الخطيب في ترجمة محمد بن سليمان بن الحارث الباغندي: «الباغندي مذكور بالضعف (٣)، ولا أعلم لأيَّة علة ضُعِّف؛ فإن رواياته كلها مستقيمة، ولا أعلم في حديثه منكرًا» (٤).

стр. 236

يبين الخطيب أن روايات الباغندي صحيحة مستقيمة لا خطأ فيها ولا اعوجاج، وليس فيها شيء منكر، فقابل بين المستقيم والمنكر، مما يدل على أن الحديث المنكر هو حديث غير مستقيم، بل حديث وقع فيه خطأ، والله أعلم. - ونحوه ما ذكره الخطيب أيضًا أن أبا بكر البَرْقاني سُئل عن محمد بن الفرج الأزرق، فقال: قال لي الدارقطني: هو ضعيف (١). فتعقَّبه الخطيب بقوله: «أما أحاديثه فصحاح ورواياته مستقيمة، لا أعلم فيها شيئًا يُستنكر، ولم أسمع أحدًا من شيوخنا يذكره إلا بجميل، سوى ما ذكرته عن البَرْقاني آنفًا، فالله أعلم» (٢). - وأصرح من ذلك ما ذكره الخطيب في ترجمة عبد الله بن الحارث الصنعاني من «المتفق والمفترق» حيث قال: «عبد الله بن الحارث الصنعاني (٣)، روى بخراسان أحاديث منكرة عن عبد الرزاق بن همام، منها ما قرأت على محمد بن أحمد بن يعقوب، عن محمد بن عبد الله بن نعيم النيسابوري، وحدثنا أبو بكر محمد بن يحيى بن سعدان المؤدب البُشْتي (٤)، حدثنا

стр. 237

عبد الله بن الحارث الصنعاني ببُشْت، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: قال النبي ﷺ : «المرض ينزل جملة، والبُرْء ينزل قليلًا قليلًا» (١). قد أخطأ عبد الله بن الحارث في رواية هذا الحديث عن عبد الرزاق هكذا خطأ فظيعًا، وأتى بذلك أمرًا شنيعًا، وهذا الحديث لا يثبت عن رسول الله ﷺ بوجه من الوجوه ولا عن أحد من أصحابه، وإنما هو قول عروة بن الزبير بن العوام. أخبرنا بصوابه عبد الله بن محمد بن يحيى السكري، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي (٢)، حدثنا عبد الرزاق (٣) قال: ذكر معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: المرض يدخل جملة والبُرْء يبعَّض» (٤). ففي أول الترجمة ذكر الخطيب أن عبد الله بن الحارث الصنعاني قد روى أحاديث منكرة عن عبد الرزاق، ثم ذكر من هذه الأحاديث المنكرة، هذا الحديث الذي أخطأ فيه خطأ فظيعًا، فرواه عن عبد الرزاق فرفعه إلى النبي ﷺ ، والصواب أن عبد الرزاق ذكره موقوفًا على عروة، كما رواه الرمادي

стр. 238

الثقة الحافظ، مما يدل على أن المنكر عند الخطيب هو حديث قد وقع فيه خطأ (١). ٣ - قد تتوجَّه النكارة عند الخطيب إلى السند دون المتن: فقد روى الخطيب من طريق العباس بن أحمد المذكِّر قال: حدثنا داود بن علي بن خلف قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي». ثم ساق له حديثًا آخر، ثم قال: «هذان الحديثان منكران بهذا الإسناد، والحمل فيهما عندي على المذكِّر؛ فإنه غير ثقة، والله أعلم» (٢). فوصفُ النكارة هنا وقع على الإسناد دون المتن؛ لأن المتن وهو: «لا نكاح إلا بولي» معروف مشهور بأسانيد أخرى (٣).

стр. 239

٤ - قد يكون الإسناد صحيحًا في الظاهر، ويكون مع ذلك المتن منكرًا: روى الخطيب من طريق أحمد بن روح أبي يزيد (١) قال: حدثنا عمرو بن مرزوق الباهلي (٢) قال: حدثنا عمران القطان (٣)، عن قتادة، عن أنس قال: قال النبي ﷺ : «إذا مات مبتدع فإنه قد فُتح على الإسلام فتح» (٤). ثم قال: «الإسناد صحيح والمتن منكر … » (٥). - وروى أيضًا عن أبي نصر أحمد بن إبراهيم المقدسي قال: حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر الفقاعي (٦) قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي (٧) قال: قصدتُ باب أبي الربيع الزهراني (٨) واستأذنت، فخرجت جارية، وقالت: الشيخ مشغول. فجلست ساعة ثم قرعتُ فخرجتْ أيضًا،

стр. 240

وقالت: مشغول. فجلست أيضًا ساعة، ثم استأذنتُ فخرجتْ، وقالت: مشغول. فقلت: قولي للشيخ بغدادي وصوفي وصاحب حديث. فقال: زبد بنِرْسيان (١)، قولي: ادخل. فدخلت، وبين يديه جام فالوذ (٢) فلقمني لقمة، وقال: حدثني فليح قال: حدثنا الزهري قال: حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «من لقم أخاه لقمة حلواء، ولم يكن ذلك مخافة من شره، ولا رجاء لخيره، صرف الله عنه سبعين بلوى في القيامة». ثم قال الخطيب: «هذا حديث منكر جدًّا وإسناده صحيح، وقد كنتُ أظن الحمل فيه على الفقاعي حتى ذكر لي عبد الغفار بن عبد الواحد الأُرموي (٣)، أن محمد بن جعفر الفقاعي مشهور عندهم ثقة، قال: ومات بعد سنة سبعين وثلاثمائة ولم يدرك الصوفي، وإنما يروي عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، وأبي بكر بن الأنباري وطبقتهما. ثم أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد بن إسماعيل البزاز قال: حدثنا أبو القاسم بن السَّوْطي الحسين بن محمد بن إسحاق البزار (٤) قال: سمعت أبا الطيب محمد بن الفَرُّخان الدوري (٥) يقول: سمعت أحمد بن عبد الجبار

стр. 241

الصوفي يقول: لما مضيت إلى أبي الربيع الزهراني إلى البصرة لأسمع منه الحديث، وكان رأيه رأي الصوفية، ضربت الباب، فقالت الجارية: هو على حاجة، فقلت لها: قولي له: صوفي بغدادي صاحب حديث! فقال: افتحي له. فدخلت إليه، فقال: إذا كان الصوفي بغداديًّا صاحب حديث فهو الزبد بالنِّرْسيان، ادن يا غلام، ثم ناولني لقمة فالوذ، ثم قال لي: كل. ثم قال: اكتب: حدثني فليح بن سليمان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لقم أخاه المسلم لقمة حلوى، لا يرجو بها خيره ولا يتقي بها شره، لا يريد بها إلا الله، وقاه الله مرارة الموقف يوم القيامة» (١). فبانت لنا علة الحديث الأول؛ إذ الحمل فيه على محمد بن الفَرُّخان، ونرى أن الفقاعي عنه رواه، وسقط اسم محمد بن الفَرُّخان من كتاب شيخنا المقدسي (٢)، والله أعلم. وقد بينَّا حال ابن الفَرُّخان فيما تقدم من كتابنا (٣) وأنه ذاهب الحديث، وأما الخلاف في الإسناد بين رواية الفقاعي وابن السَّوْطي فغير ممتنع أن يكون من جهة ابن الفَرُّخان، وأنه كان يرويه على ما يتفق له، أو من جهة ابن السَّوْطي فإنه أيضًا ظاهر التخليط، والله أعلم» (٤). يتبين من نقد الخطيب لهذا الحديث أن قوله: «إسناده صحيح» معناه: صحيح في ظاهر الأمر، وعند البحث والتفتيش تبين أنه إسناد ضعيف جدًّا؛ إذ سقط من إسناده ابن الفَرُّخان وهو ذاهب الحديث.

стр. 242

٥ - الحديث المنكر يقارب الحديث الموضوع: روى الخطيب عن يعقوب بن شيبة أنه قال: ذُكر ليحيى بن معين (١) ابن الصباح الجَرْجَرائي (٢)، فقال يحيى: حدَّث بحديث منكر، عن علي بن ثابت، عن إسرائيل، عن ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صنفان ليس في الإسلام لهما نصيب: المرجئة والقدرية» (٣). ثم قال الخطيب: «وهذا حديث منكر من هذا الوجه جدًّا كالموضوع، وإنما يرويه علي بن نزار شيخ ضعيف واهي الحديث (٤) عن ابن عباس (٥)، ولم

стр. 243

يذكر يحيى بن معين محمد بن الصباح هذا بسوء» (١). - وروى الخطيب من طريق محمد بن عمرو الحوضي البزار (٢) قال: حدثنا موسى بن إدريس (٣)، عن أبيه (٤)، عن جدِّه (٥)، عن ليث (٦)، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اسمي في القرآن: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَىهَا﴾، واسم علي بن أبي طالب: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَىهَا﴾، والحسن والحسين: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّىهَا﴾، واسم بني أمية: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَىهَا﴾ [الشمس: ١ - ٤] … » الحديث بطوله (٧). ثم قال: «هذا الحديث منكر جدًّا، بل هو موضوع، وفي إسناده ثلاثة

стр. 244

مجهولون: محمد بن عمرو بن عمرو الحوضي، وموسى بن إدريس، وأبوه، ولا يصح بوجه من الوجوه» (١). - وروى الخطيب في ترجمة أحمد بن جعفر بن سلم الجمال ومن طريقه عن سليمان بن عيسى (٢) قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «من تمنَّى الغلاء على أمتي ليلة، أحبط الله عمله أربعين سنة» (٣). ثم قال: «منكر جدًّا، لا أعلم رواه غير سليمان بن عيسى السِّجزي، وكان كذابًا يضع الحديث» (٤). فوصفَ سليمان بن عيسى السِّجزي بأنه كذاب يضع الحديث، ووصف حديثه بأنه منكر جدًّا، مما يدل على أن المنكر يقارب الموضوع ويشابهه، والجامع بينهما أنه قد حدث فيهما خطأ، إلا أن الأغلب إطلاق الموضوع على الخطأ المتعمَّد، والمنكر على الخطأ غير المتعمد، والله أعلم. قال السيوطي: «الموضوع قسمان: قسم تعمَّد واضعُه وضْعَه، وهذا شأن

стр. 245

الكذَّابين. وقسم وقع غلطًا لا عن قصد، وهذا شأن المخلِّطين والمضطربين الحديث» (١). ٧ - المنكر حديث فرد غريب: وهذا واضح من الأمثلة السابقة، فما من حديث حكم عليه الخطيب بالنكارة إلا وقد تفرد به راويه. تنبيه: روى الخطيب في «الكفاية» في باب ترك الاحتجاج بمن غلب على حديثه الشواذ ورواية المناكير والغرائب من الأحاديث، عن أبي علي صالح بن محمد أنه قال: «الحديث الشاذ الحديث المنكر الذي لا يُعرف» (٢). ولم يتعقبه بشيء، فقد يدل هذا على أن المنكر هو الشاذ عند الخطيب، وهو بذلك يوافق ابن الصلاح، كما تقدم في بداية المبحث. * وبعد هذا العرض يمكنني أن أستخلص تعريفًا للمنكر عند الخطيب، فالحديث المنكر عنده: هو حديث تفرد به راوٍ فأخطأ فيه، وخالف الثقات والأحاديث المشهورة. وللحديث المنكر عنده عدة صفات منها: أنه حديث شديد الضعف يقارب الحديث الموضوع، وأنه حديث غير مشهور ولا معروف، وأن عمل الفقهاء على ضده، وأنه قد تتوجه النكارة إلى السند دون المتن، وأنه قد يكون الإسناد صحيحًا في الظاهر، ويكون مع ذلك المتن منكرًا.

стр. 246

المبحث الثالث النقد بالمخالفة عند الخطيب المطلب الأول رأي الخطيب عند اختلاف الرواة في الحديث مسألة اختلاف الرواة في الحديث بين الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف، أو زيادة لفظة وعدمها؛ من المسائل المهمة في علوم الحديث، وهي في الظاهر ثلاث مسائل، ولكنها في الحكم بمنزلة مسألة واحدة لا فرق بينها، قال ابن الحاجب: «وإذا أسند الحديث وأرسلوه، أو رفعه ووقفوه، أو وصله وقطعوه، فكالزيادة» (١). ونقله الحافظ ابن حجر ووافقه (٢). وقد تنازع أهل العلم في هذه المسألة على عدة أقوال، ولا شك أن تنازعهم هو فيما إذا كان الرواة المختلفون ثقات، أما إذا خالف الضعيفُ الثقةَ، فلا اعتبار بمخالفته عندهم؛ ذلك لأن رواية الضعيف مردودة إذا لم يخالف، فكيف إذا خالف؟ وقد وضَّح الخطيب هذه المسألة بأنواعها في كتابه «الكفاية» حيث عقد بابًا بعنوان: «باب القول فيما رُوي من الأخبار مرسلًا ومتصلًا، هل يثبت ويجب العمل به أم لا؟».

стр. 247

ثم أورد مثالًا لهذه المسألة وهو حديث: «لا نكاح إلا بولي»، وذكر أنه اختلف فيه الرواة على أبي إسحاق السَّبيعي، فرواه يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي (١) وابنه إسرائيل (٢) وقيس بن الربيع (٣)، عن أبي إسحاق السَّبيعي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ مسندًا متصلًا (٤). ورواه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، عن أبي إسحاق السَّبيعي، عن أبي بردة، عن النبي ﷺ مرسلًا (٥). ثم ذكر أقوال أهل العلم في هذه المسألة، ورجَّح أن الحكم للمسنِد إذا كان ثابت العدالة ضابطًا للرواية، ويجب حينئذ قبول خبره، ويلزم العمل به، وإن خالفه غيره، وسواء كان المخالف له واحدًا أو جماعة. وعلَّل ذلك بأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله، ولا تكذيب له، ولعله أيضًا مسند عند الذين رووه مرسلًا أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يُقضى له على الذاكر، وكذلك حال

стр. 248

راوي الخبر إذا أرسله مرة ووصله أخرى، لا يضعف ذلك أيضًا؛ لأنه قد ينسى فيرسله، ثم يذكر بعده فيسنده، أو يفعل الأمرين معًا عن قصد منه لغرض له فيه (١). - ثم ذكر الخطيب أن الترمذي رجَّح الرواية الموصولة لحديث: «لا نكاح إلا بولي»، وعلَّل ذلك بأن من رَوَوْهُ موصولًا سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة، وأما شعبة وسفيان اللذان روياه مرسلًا، فهما وإن كانا أحفظ وأثبت من جميع من رَوَوْهُ موصولًا، إلا أن رواية هؤلاء أشبه؛ لأن شعبة والثوري سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد، كذلك فإن إسرائيل أثبت في أبي إسحاق (٢). ثم ذكر الخطيب أن البخاري سئل عن هذا الحديث فقال: «الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة، وإن كان شعبة والثوري أرسلاه، فإن ذلك لا يضر الحديث» (٣). - وعقد بابًا آخر في مسألة الاختلاف في الرفع والوقف قال فيه: «اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفًا؛ لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث مرة ويرفعه إلى النبي ﷺ ، ويذكره مرة أخرى على سبيل الفتوى ولا يرفعه، فيُحفظ الحديث عنه على الوجهين جميعًا، وإنما لم

стр. 249

يكن هذا مؤثرًا في الحديث ضعفًا مع ما بيناه؛ لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للأخرى، والأخذ بالمرفوع أولى؛ لأنه أزيد … » (١). - ثم عقد بابًا في مسألة زيادة الثقة، ذكر فيه اختلاف أهل العلم في قبولها وردها، واختار: أن الزيادة الواردة مقبولة على كل الوجوه ومعمول بها، إذا كان راويها عدلًا حافظًا ومتقنًا ضابطًا. واستدل على ذلك باتفاق جميع أهل العلم على أنه لو انفرد الثقة بنقل حديث لم ينقله غيره، لوجب قبوله، ولم يكن ترك الرواة لنقله -إن كانوا عرفوه- معارضًا له، ولا قادحًا في عدالة راويه، ولا مبطلًا له، فكذلك سبيل الانفراد بالزيادة. ثم ساق عدة احتمالات وتجويزات تؤيد قبول الزيادة، وهي: ١ - أن يكون الراوي حدَّث بالحديث في وقتين، وكانت الزيادة في أحدهما دون الوقت الآخر. ٢ - أن يكون قد كرر الراوي الحديثَ فرواه أولًا بالزيادة، وسمعه الواحد، ثم أعاده بغير زيادة اقتصارًا على أنه قد كان أتمه من قبل، وضبطه عنه من يجب العمل بخبره إذا رواه عنه، وذلك غير ممتنع. ٣ - أن يكون الراوي قد سها عن ذكر تلك الزيادة لمَّا كرر الحديث، وتركها غير متعمد لحذفها. ٤ - أن يكون الراوي قد ابتدأ بذكر ذلك الحديث وفي أوله الزيادة، ثم

стр. 250

دخل داخل فأدرك بقية الحديث ولم يسمع الزيادة، فنقل ما سمعه، ويكون السامع الأول قد وعاه بتمامه. ٥ - يجوز أن يسمع من الراوي الاثنان والثلاثة، فينسى اثنان منهما الزيادة، ويحفظها الواحد ويرويها. ٦ - يجوز أن يحضر الجماعة سماع الحديث، فيتطاول حتى يغشى النوم بعضهم، أو يشغله خاطر نفس وفكر قلب في أمر آخر، فيقتطعه عما سمعه غيره. ٧ - ربما عرض لبعض سامعي الحديث أمر يوجب القيام ويضطره إلى ترك استتمام الحديث (١). - يتضح من هذا العرض أن رأي الخطيب ﵀ في مسألة اختلاف الرواة في الحديث بين الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف، أو زيادة لفظة وعدمها، هو وجوب قبول الوصل والرفع والزيادة في كل الأحوال، إذا كان الراوي ثقة. وذهب إلى ذلك أيضًا ابن الصلاح فقال بعد أن أورد كلام الخطيب وتصحيحه قبول الوصل: «قلت: وما صححه هو الصحيح في الفقه وأصوله، وسئل البخاري عن حديث: «لا نكاح إلا بولي» فحكم لمن وصله، وقال: الزيادة من الثقة مقبولة. فقال البخاري هذا، مع أن من أرسله شعبة وسفيان، وهما جبلان لهما من الحفظ والإتقان الدرجة العالية» (٢).
следующие страницы →