← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 809

منهج الخطيب البغدادي في نقد الحديث

محمد محب الدين أبو زيد

Полный текст (481 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المبحث الثالث النقد بالمخالفة عند الخطيب المطلب الأول رأي الخطيب عند اختلاف الرواة في الحديث مسألة اختلاف الرواة في الحديث بين الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف، أو زيادة لفظة وعدمها؛ من المسائل المهمة في علوم الحديث، وهي في الظاهر ثلاث مسائل، ولكنها في الحكم بمنزلة مسألة واحدة لا فرق بينها، قال ابن الحاجب: «وإذا أسند الحديث وأرسلوه، أو رفعه ووقفوه، أو وصله وقطعوه، فكالزيادة» (١). ونقله الحافظ ابن حجر ووافقه (٢). وقد تنازع أهل العلم في هذه المسألة على عدة أقوال، ولا شك أن تنازعهم هو فيما إذا كان الرواة المختلفون ثقات، أما إذا خالف الضعيفُ الثقةَ، فلا اعتبار بمخالفته عندهم؛ ذلك لأن رواية الضعيف مردودة إذا لم يخالف، فكيف إذا خالف؟ وقد وضَّح الخطيب هذه المسألة بأنواعها في كتابه «الكفاية» حيث عقد بابًا بعنوان: «باب القول فيما رُوي من الأخبار مرسلًا ومتصلًا، هل يثبت ويجب العمل به أم لا؟».

стр. 247

ثم أورد مثالًا لهذه المسألة وهو حديث: «لا نكاح إلا بولي»، وذكر أنه اختلف فيه الرواة على أبي إسحاق السَّبيعي، فرواه يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي (١) وابنه إسرائيل (٢) وقيس بن الربيع (٣)، عن أبي إسحاق السَّبيعي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ مسندًا متصلًا (٤). ورواه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، عن أبي إسحاق السَّبيعي، عن أبي بردة، عن النبي ﷺ مرسلًا (٥). ثم ذكر أقوال أهل العلم في هذه المسألة، ورجَّح أن الحكم للمسنِد إذا كان ثابت العدالة ضابطًا للرواية، ويجب حينئذ قبول خبره، ويلزم العمل به، وإن خالفه غيره، وسواء كان المخالف له واحدًا أو جماعة. وعلَّل ذلك بأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله، ولا تكذيب له، ولعله أيضًا مسند عند الذين رووه مرسلًا أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يُقضى له على الذاكر، وكذلك حال

стр. 248

راوي الخبر إذا أرسله مرة ووصله أخرى، لا يضعف ذلك أيضًا؛ لأنه قد ينسى فيرسله، ثم يذكر بعده فيسنده، أو يفعل الأمرين معًا عن قصد منه لغرض له فيه (١). - ثم ذكر الخطيب أن الترمذي رجَّح الرواية الموصولة لحديث: «لا نكاح إلا بولي»، وعلَّل ذلك بأن من رَوَوْهُ موصولًا سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة، وأما شعبة وسفيان اللذان روياه مرسلًا، فهما وإن كانا أحفظ وأثبت من جميع من رَوَوْهُ موصولًا، إلا أن رواية هؤلاء أشبه؛ لأن شعبة والثوري سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد، كذلك فإن إسرائيل أثبت في أبي إسحاق (٢). ثم ذكر الخطيب أن البخاري سئل عن هذا الحديث فقال: «الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة، وإن كان شعبة والثوري أرسلاه، فإن ذلك لا يضر الحديث» (٣). - وعقد بابًا آخر في مسألة الاختلاف في الرفع والوقف قال فيه: «اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفًا؛ لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث مرة ويرفعه إلى النبي ﷺ ، ويذكره مرة أخرى على سبيل الفتوى ولا يرفعه، فيُحفظ الحديث عنه على الوجهين جميعًا، وإنما لم

стр. 249

يكن هذا مؤثرًا في الحديث ضعفًا مع ما بيناه؛ لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للأخرى، والأخذ بالمرفوع أولى؛ لأنه أزيد … » (١). - ثم عقد بابًا في مسألة زيادة الثقة، ذكر فيه اختلاف أهل العلم في قبولها وردها، واختار: أن الزيادة الواردة مقبولة على كل الوجوه ومعمول بها، إذا كان راويها عدلًا حافظًا ومتقنًا ضابطًا. واستدل على ذلك باتفاق جميع أهل العلم على أنه لو انفرد الثقة بنقل حديث لم ينقله غيره، لوجب قبوله، ولم يكن ترك الرواة لنقله -إن كانوا عرفوه- معارضًا له، ولا قادحًا في عدالة راويه، ولا مبطلًا له، فكذلك سبيل الانفراد بالزيادة. ثم ساق عدة احتمالات وتجويزات تؤيد قبول الزيادة، وهي: ١ - أن يكون الراوي حدَّث بالحديث في وقتين، وكانت الزيادة في أحدهما دون الوقت الآخر. ٢ - أن يكون قد كرر الراوي الحديثَ فرواه أولًا بالزيادة، وسمعه الواحد، ثم أعاده بغير زيادة اقتصارًا على أنه قد كان أتمه من قبل، وضبطه عنه من يجب العمل بخبره إذا رواه عنه، وذلك غير ممتنع. ٣ - أن يكون الراوي قد سها عن ذكر تلك الزيادة لمَّا كرر الحديث، وتركها غير متعمد لحذفها. ٤ - أن يكون الراوي قد ابتدأ بذكر ذلك الحديث وفي أوله الزيادة، ثم

стр. 250

دخل داخل فأدرك بقية الحديث ولم يسمع الزيادة، فنقل ما سمعه، ويكون السامع الأول قد وعاه بتمامه. ٥ - يجوز أن يسمع من الراوي الاثنان والثلاثة، فينسى اثنان منهما الزيادة، ويحفظها الواحد ويرويها. ٦ - يجوز أن يحضر الجماعة سماع الحديث، فيتطاول حتى يغشى النوم بعضهم، أو يشغله خاطر نفس وفكر قلب في أمر آخر، فيقتطعه عما سمعه غيره. ٧ - ربما عرض لبعض سامعي الحديث أمر يوجب القيام ويضطره إلى ترك استتمام الحديث (١). - يتضح من هذا العرض أن رأي الخطيب ﵀ في مسألة اختلاف الرواة في الحديث بين الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف، أو زيادة لفظة وعدمها، هو وجوب قبول الوصل والرفع والزيادة في كل الأحوال، إذا كان الراوي ثقة. وذهب إلى ذلك أيضًا ابن الصلاح فقال بعد أن أورد كلام الخطيب وتصحيحه قبول الوصل: «قلت: وما صححه هو الصحيح في الفقه وأصوله، وسئل البخاري عن حديث: «لا نكاح إلا بولي» فحكم لمن وصله، وقال: الزيادة من الثقة مقبولة. فقال البخاري هذا، مع أن من أرسله شعبة وسفيان، وهما جبلان لهما من الحفظ والإتقان الدرجة العالية» (٢).

стр. 251

* وهذا القول لم يرض به كثير من الأئمة النقاد، وذهبوا إلى أن العبرة بما اجتمع عليه الرواة الثقات، وما رجحته القرائن المحتفة بالخبر: - قال الإمام الشافعي: «إنما يدل على غلط المحدث أن يخالفه غيره ممن هو أحفظ منه أو أكثر منه» (١). وقال أيضًا: «العدد الكثير أولى ألا يغلطوا من العدد القليل» (٢). فأشار إلى أن الزيادة متى تضمنت مخالفة الأحفظ أو الأكثر عددًا أنها تكون مردودة (٣). - وقال الإمام مسلم: «إذا روى نفر من حفاظ الناس حديثًا عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد، مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن، فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيُعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين: ما حدَّث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد، وإن كان حافظًا، على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث، مثل: شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم» (٤).

стр. 252

- وقال الإمام ابن خزيمة: «لسنا ندفع أن تكون الزيادة في الأخبار مقبولة من الحفاظ، ولكن إنما نقول: إذا تكافأت الرواة في الحفظ والإتقان والمعرفة بالأخبار، فزاد حافظ متقن عالم بالأخبار كلمة قُبلت زيادته، لا أن الأخبار إذا تواترت بنقل أهل العدالة والحفظ والإتقان بخبر، فزاد راوٍ ليس (١) مثلهم في الحفظ والإتقان زيادة، أن تلك الزيادة تكون مقبولة» (٢). - وسئل الإمام الدارقطني عن الحديث إذا اختلف فيه الثقات؛ مثل أن يروي الثوري حديثًا، ويخالفه فيه مالك، والطريق إلى كل واحد منهما صحيح؟ فقال: «يُنظر ما اجتمع عليه ثقتان فيُحكم بصحته، أو جاء بلفظة زائدة تَثبت، تُقبل منه تلك الزيادة، ويُحكم لأكثرهم حفظًا وثبتًا على من دونه» (٣). وعلق على ذلك الحافظ ابن حجر قائلًا: «وقد استعمل الدارقطني ذلك في «العلل» و «السنن» كثيرًا» (٤). - وقال الحافظ ابن عبد البر: «إنما تُقبل الزيادة من الحافظ إذا ثبتت عنه وكان أحفظ وأتقن ممن قصر أو مثله في الحفظ؛ لأنه كأنه حديث آخر

стр. 253

مستأنف، وأما إذا كانت الزيادة من غير حافظ ولا متقن فإنها لا يُلتفت إليها» (١). - وقال الحافظ ابن الجوزي: «ومن الأشياء التى لا وجه لتركها أن يرفع الحديث ثقة فيقفه آخر، فترك هذا لا وجه له؛ لأن الرفع زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، إلا أن يقفه الأكثرون ويرفعه واحد فالظاهر غلطه، وإن كان من الجائز أن يكون قد حفظ دونهم» (٢). - وقال الحافظ الذهبي: «وإن كان الحديث قد رواه الثبت بإسناد، أو وقفه، أو أرسله، ورفقاؤه الأثبات يخالفونه، فالعبرة بما اجتمع عليه الثقات؛ فإن الواحد قد يغلط، وهنا قد ترجَّح ظهور غلطه، فلا تعليل، والعبرة بالجماعة» (٣). - وذهب إلى ذلك أيضًا الإمامان ابن دقيق العيد (٤) والزركشي، فقد قال الزركشي بعد أن حكى مذاهب الناس في هذه المسألة: «وأما من حكى شيئًا من هذه الأقوال عن أهل الحديث أو أكثرهم فقد أنكره الإمام الحافظ أبو الفتح القشيري - يعني ابن دقيق العيد - في مقدمة «شرح الإلمام» وقال: إن ذلك ليس قانونًا مطردًا، وبمراجعة أحكامهم الجزئية يُعرف صواب ما نقول؛ فإنهم يروون الحديث من رواية الثقات العدول، ثم تقوم لهم علل فيه تمنعهم من الحكم بصحته؛ لمخالفة جمع كثير للأقل، ومن هو أحفظ منه، أو

стр. 254

قيام قرينة تؤثر في أنفسهم غلبة ظن بغلطه، وإن كان هو الذي وصل أو رفع، ولم يجروا في ذلك على قانون واحد يُستعمل في جميع الأحاديث، قال: وأقرب الناس إلى اطراد هذه القواعد بعض أهل الظاهر». ثم قال الزركشي: «ومن هنا حكى بعض المتأخرين تقديم أحدهما على الآخر بحسب القرائن، فإن كان الواقفون له ثقات حفاظًا أوثق وأحفظ ممن رفعه فالحكم للوقف، وكذا إذا كانوا عن شيخ لهم وأهل بلدٍ فهم أحق به ممن ليس هو شيخه ولا كثرت ملازمته له ولا هو من أهل بلده، وإن كان الرافع له كثيرين ثقات حفاظًا، وإن تعارض الحال تُوقِّف في الترجيح … » (١). - وكذلك الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الهادي فإنه قال: «طريقة الحذاق من الأئمة -وهي أقوى الطرق- أنه يصار إلى الترجيح، فتارة يُحكم للواقف، وتارة يُحكم للرافع، وتارة يُتوقف، كل ذلك بحسب القرائن، وهذه طريقة الشافعي وأحمد وعلي بن المديني والبخاري والنسائي والدارقطني وغيرهم من الأئمة، وقد قال أحمد في حديث رواه عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن [عزرة] (٢) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس سمع النبي ﷺ رجلًا يلبِّي عن شبرمة (٣):

стр. 255

ليس بصحيح، إنما هو عن ابن عباس. وقال أيضًا: رفعه خطأ، ليس فيه عن النبي ﷺ (١). هذا مع أن الذي رفعه -وهو عبدة بن سليمان- ثقة من رجال الصحيحين (٢)، فعُلم أن أحمد حكم بوقفه وإن كان الرافع له ثقة، وكذلك فعل في عدة أحاديث، وبهذا يُعلم خطأ من أطلق النقل عن الفقهاء أنهم يأخذون بالرفع في كل موضع» (٣). وقال أيضًا في معرض نقده لزيادة ذكر البسملة التي تفرد بها نُعيم المُجْمِر (٤) من بين أصحاب أبي هريرة: «فإن قيل: قد رواها نعيم المُجْمِر، وهو ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة. قلنا: ليس ذلك مجمعًا عليه، بل فيه خلاف مشهور، فمن الناس من يقبل زيادة الثقة مطلقًا، ومنهم من لا يقبلها، والصحيح التفصيل، وهو أنها تُقبل في موضع دون موضع، فتُقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقة حافظًا ثبتًا، والذي لم يذكرها مثله، أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس،

стр. 256

قوله: «من المسلمين» في صدقة الفطر (١)، واحتج بها أكثر العلماء، وتُقبل في موضع آخر لقرائن تخصها، ومن حكم في ذلك حكمًا عامًّا فقد غلط، بل كل زيادة لها حكم يخصها، ففي موضع يُجزم بصحتها كزيادة مالك، وفي موضع يغلب على الظن صحتها، وفي موضع يُجزم بخطأ الزيادة؛ فإن الثقة قد يغلط، وفي موضع يغلب على الظن خطؤها، وفي موضع يتوقف في الزيادة، كما في أحاديث كثيرة» (٢). - وبهذا جزم الحافظ العلائي فقال: «كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن كعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل والبخاري وأمثالهم يقتضي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي، بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في كل حديث حديث» (٣). - وكذلك الحافظ ابن رجب فله كلام نفيس في ذلك، رد في أثنائه على الخطيب، فقال: «وقد تكرر في هذا الكتاب ذكر الاختلاف في الوصل والإرسال، والوقف والرفع، وكلام أحمد وغيره من الحفاظ يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك، والأحفظ أيضًا. وقد قال أحمد في حديث أسنده حماد بن سلمة: أي شيء ينفع وغيره يرسله؟! (٤).

стр. 257

وذكر الحاكم أن أئمة الحديث على أن القول قول الأكثرين، الذين أرسلوا الحديث (١). وهذا يخالف تصرفه في «المستدرك». وقد صنف في ذلك الحافظ أبو بكر الخطيب مصنفًا حسنًا سماه «تمييز المزيد في متصل الأسانيد» وقسمه قسمين؛ أحدهما: ما حُكم فيه بصحة ذكر الزيادة في الإسناد، وتركها. والثاني: ما حُكم فيه برد الزيادة وعدم قبولها. ثم إن الخطيب تناقض، فذكر في كتاب «الكفاية» للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله، كلها لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ، إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين، ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تُقبل مطلقًا، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء، وهذا يخالف تصرفه في كتاب «تمييز المزيد». وقد عاب تصرفه في كتاب «تمييز المزيد» بعضُ محدثي الفقهاء، وطمع فيه؛ لموافقته لهم في كتاب «الكفاية»» (٢). - وكذلك الحافظ ابن حجر؛ فإنه قال بعد أن أورد كلام الأئمة في أن الحكم في هذه المسألة للأكثر والأحفظ: «فحاصل كلام هؤلاء الأئمة أن الزيادة إنما تُقبل ممن يكون حافظًا متقنًا، حيث يستوي مع من زاد عليهم في ذلك، فإن كانوا أكثر عددًا منه، أو كان فيهم من هو أحفظ منه، أو كان غير

стр. 258

حافظ، ولو كان في الأصل صدوقًا، فإن زيادته لا تُقبل، وهذا مغاير لقول من قال: زيادة الثقة مقبولة وأطلق، والله أعلم» (١). وقال أيضًا: «والذي يجري على قواعد المحدثين أنهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من القبول والرد، بل يرجحون بالقرائن» (٢). - وكذلك البقاعي فإنه قال: «ثم إن ابن الصلاح خلط هنا طريقة المحدثين بطريقة الأصوليين، على أن لحذاق المحدثين في هذه المسألة نظرًا آخر لم يحكه، وهو الذي لا ينبغي أن يُعدل عنه، وذلك أنهم لا يحكمون فيها بحكم مطرد، وإنما يدورون في ذلك مع القرائن» (٣). - وقال السخاوي: «فالحق حسب الاستقراء من صنيع متقدمي الفن - كابن مهدي والقطان وأحمد والبخاري - عدم اطِّراد حكم كلي، بل ذلك دائر مع الترجيح، فتارة يترجح الوصل، وتارة الإرسال، وتارة يترجح عدد الذوات على الصفات، وتارة العكس، ومن راجع أحكامهم الجزئية تبين له ذلك» (٤). * الرد على ما استدل به الخطيب: وقد ردَّ الحفاظ على ما أورده الخطيب من أدلة، وبيَّنوا ضعفها ووهاءها، وسأسوق أدلة الخطيب مع الرد عليها باختصار:

стр. 259

١ - ذهب الخطيب إلى تجويز أن يكون الراوي قد نسي فأرسل الحديث، وأن من وصله قد حفظه، والناسي لا يُقضى له على الذاكر. والجواب: أنه يقابل بمثله، فيترجح الإرسال، بتجويز أن يكون الواصل قد وهم فتبع العادة وسلك الجادة (١). ٢ - استدل الخطيب بما رواه عن البخاري أنه سئل عن حديث: «لا نكاح إلا بولي» (٢). فقال: «الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة، وإن كان شعبة والثوري أرسلاه، فإن ذلك لا يضر الحديث». والجواب: أن مراد البخاري الزيادةُ في هذا الحديث، وليس على الإطلاق، قال الحافظ ابن رجب: «وهذه الحكاية - إن صحت - فإنما مراده الزيادة في هذا الحديث، وإلا فمن تأمل كتاب «تاريخ البخاري» تبين له قطعًا أنه لم يكن يرى أن زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة. وهكذا الدارقطني يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة، ثم يرد في أكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات، ويرجح الإرسال على الإسناد. فدل على أن مرادهم زيادةُ الثقة في مثل تلك المواضع الخاصة، وهي إذا كان الثقة مبرزًا في الحفظ. وقال الدارقطني (٣) في حديث زاد في إسناده رجلان ثقتان رجلًا، وخالفهما الثوري فلم يذكره، قال: لولا أن الثوري خالف لكان القول قول

стр. 260

من زاد فيه؛ لأن زيادة الثقة مقبولة. وهذا تصريح بأنه إنما يقبل زيادة الثقة إذا لم يخالفه من هو أحفظ عنه» (١). وقد أوضح ابن حجر القرائن التي جعلت البخاري يحكم بقبول الزيادة في هذا الخبر، وقد أورد الخطيب بعض هذه القرائن من كلام الترمذي -وقد نقلتها فيما سبق- ومع ذلك فقد عمَّم القضية! قال ابن حجر ﵀: «الاستدلال بأن الحكم للواصل دائمًا على العموم من صنيع البخاري في هذا الحديث الخاص ليس بمستقيم؛ لأن البخاري لم يحكم فيه بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنما حكم له بالاتصال لمعان أخرى رجحت عنده حكم الموصول. منها: أن يونس بن أبي إسحاق (٢) وابنيه إسرائيل (٣) وعيسى (٤) رووه عن أبي إسحاق موصولًا، ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيرهم. ووافقهم على ذلك أبو عوانة (٥) وشريك النخعي (٦) وزهير بن معاوية (٧)

стр. 261

وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق، مع اختلاف مجالسهم في الأخذ عنه وسماعهم إياه من لفظه. وأما رواية من أرسله وهما شعبة وسفيان، فإنما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد. فقد رواه الترمذي قال: حدثنا محمود بن غيلان (١)، حدثنا أبو داود (٢)، حدثنا شعبة قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق: أسمعتَ أبا بردة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي»؟ فقال: نعم (٣). فشعبة وسفيان إنما أخذاه معًا في مجلس واحد عرضًا كما ترى، ولا يخفى رجحان ما أُخذ من لفظ المحدث في مجالس متعددة على ما أُخذ عنه عرضًا في محل واحد. هذا إذا قلنا: حفظ سفيان وشعبة في مقابل عدد الآخرين، مع أن الشافعي ﵁ يقول: العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد (٤).

стр. 262

فتبين أن ترجيح البخاري لوصل هذا الحديث على إرساله لم يكن لمجرد أن الواصل معه زيادة ليست مع المرسل، بل بما يظهر من قرائن الترجيح. ويزيد ذلك ظهورًا تقديمه الإرسال في مواضع أخر، فتبين أنه ليس له عمل مطرد في ذلك. والله أعلم» (١). ٣ - ذهب الخطيب إلى أن اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفًا؛ لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث مرة ويرفعه إلى النبي ﷺ ، ويذكره مرة أخرى على سبيل الفتوى ولا يرفعه، فيُحفظ الحديث عنه على الوجهين جميعًا. والجواب: أن هذا احتمال، ويوجد احتمال آخر يعارضه، وهو أن يكون أحد الرواة قد أخطأ فرفع الموقوف، وإنما يُعلم ذلك بالقرائن المحتفة بالخبر. ٤ - احتج الخطيب بقبول زيادة الثقة الضابط على كل الوجوه، باتفاق جميع أهل العلم على أنه لو انفرد الثقة بنقل حديث لم ينقله غيره، لوجب قبوله، فكذلك سبيل الانفراد بالزيادة. وقد أجاب على ذلك الحافظ ابن حجر بقوله: «وهو احتجاج مردود؛ لأنه ليس كل حديث تفرد به أيُّ ثقة كان يكون مقبولًا، كما سبق بيانه في نوع الشاذ (٢).

стр. 263

ثم إن الفرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله وبين تفرده بالزيادة ظاهر؛ لأن تفرده بالحديث لا يلزم منه تطرق السهو والغفلة على غيره من الثقات؛ إذ لا مخالفة في روايته لهم، بخلاف تفرده بالزيادة إذا لم يروها من هو أتقن منه حفظًا وأكثر عددًا، فالظن غالب بترجيح روايتهم على روايته، ومبنى هذا الأمر على غلبة الظن» (١). ٥ - وساق الخطيب عدة احتمالات وتجويزات تؤيد قبول الزيادة، منها: أن يكون الراوي حدث بالحديث في وقتين، وكانت الزيادة في أحدهما دون الوقت الآخر .... إلى آخرها (٢). وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن هذه الاحتمالات قائلًا: «والجواب عن ذلك: أن الذي يبحث فيه أهل الحديث في هذه المسألة، إنما هو في زيادة بعض الرواة من التابعين فمن بعدهم. أما الزيادة الحاصلة من بعض الصحابة على صحابي آخر إذا صح السند إليه فلا يختلفون في قبولها. وإنما الزيادة التي يتوقف أهل الحديث في قبولها من غير الحافظ حيث يقع في الحديث الذي يتحد مخرجه، كمالك عن نافع عن ابن عمر ﵁ ب، إذا روى الحديث جماعة من الحفاظ الأثبات العارفين بحديث ذلك الشيخ وانفرد دونهم بعض رواته بزيادة، فإنها لو كانت محفوظة لما غفل الجمهور من رواته عنها.

стр. 264

فتفرد واحد عنه بها دونهم مع توفر دواعيهم على الأخذ عنه وجمع حديثه، يقتضي ريبة توجب التوقف عنها» (١). الترجيح: بعد أن عرضت أدلة الفريقين، يتضح أن رأي الفريق الثاني - وهو الترجيح بالأحفظ والأكثر وبالقرائن المحتفة بالخبر - هو الصواب؛ للأسباب الآتية: ١ - أن ما استدل به الخطيب ومن تبعه قد أجاب عنه الفريق الثاني. ٢ - أن أكثر أئمة أصحاب الحديث وحفاظهم ونقادهم على عدم قبول الزيادة مطلقًا، بل يذهبون إلى الترجيح، كما سبق بيانه. ٣ - يلاحظ أن الخطيب قد استفاض في إيراد تجويزات أن يكون الراوي قد حفظ ما لم يحفظه الآخرون، ولم يورد ولو تجويزًا واحدًا أن يكون الراوي قد أخطأ ووهم، وكأن الثقة عنده معصوم من الخطأ والوهم! ٤ - ما شاع أن الفقهاء والأصوليين يقبلون زيادة الثقة مطلقًا غير صحيح، قال الحافظ ابن حجر: «والحق في هذا أن زيادة الثقة لا تُقبل دائمًا، ومن أطلق ذلك عن الفقهاء والأصوليين فلم يُصب، وإنما يقبلون ذلك إذا استووا في الوصف، ولم يتعرض بعضهم لنفيها لفظًا ولا معنى. وممن صرح بذلك الإمام فخر الدين (٢) وابن الأَبْيَاري (٣) شارح

стр. 265

«البرهان» (١) وغيرهما. وقال ابن السمعاني: إذا كان راوي الناقصة لا يغفل، أو كانت الدواعي تتوفر على نقلها، أو كانوا جماعة لا يجوز عليهم أن يغفلوا عن تلك الزيادة، وكان المجلس واحدًا، فالحق ألا يُقبل رواية راوي الزيادة، هذا الذي ينبغي. انتهى (٢). وإنما أردت بإيراد هذا بيان أن الأصوليين لم يُطبقوا على القبول مطلقًا، بل الخلاف بينهم» (٣). ٥ - أن الخطيب قد تناقض في هذه المسألة؛ فقد قرر في كتاب «الكفاية» أن زيادة الثقة مقبولة مطلقًا، ولكنه في كتابه «تمييز المزيد في متصل الأسانيد» لم يقبلها مطلقًا، بل حكم على بعض الزيادات بالرد، كما أوضح ذلك الحافظ ابن رجب فيما نقلته آنفًا. وكذلك صنع في كتابه «تاريخ بغداد» -موضع الدراسة- فإنه رد كثيرًا من الزيادات ورجح الإرسال على الوصل والوقف على الرفع، بل لو قلت: إنه لم يرجح الوصل على الإرسال ولا الرفع على الوقف قط لَمَا بعدت عن الصواب، وسيتضح ذلك في المطالب الآتية، والله الموفق.

стр. 266

المطلب الثاني النقد بمخالفة الراوي لغيره برفع الموقوف قرَّر الخطيب في كتابه «الكفاية» أن الرواة إذا اختلفوا في الحديث، فبعضهم رفعه وبعضهم وقفه، أن الصواب مع من رفعه، وقد ذكرت كلامه في المطلب السابق. ولكن من خلال مطالعة كتابه «تاريخ بغداد» يتبين جليًّا أنه يرجِّح بالأحفظ والأكثر، وغيرهما من القرائن، ويسير في نقده في هذه المسألة على نهج أئمة الحديث ونقاده، بل إني لم أره قد رجَّح الرفع على الوقف ولو مرة واحدة، وقد خالف بذلك ما قرره في «الكفاية» من ترجيح الرفع مطلقًا. وهذه بعض الأمثلة التي توضِّح ذلك: - المثال الأول: روى الخطيب في ترجمة إبراهيم بن مجشِّر من «تاريخ بغداد» ومن طريقه عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الرهن محلوب ومركوب» (١). قال: فذكرتُ ذلك لإبراهيم، فقال: إنْ كانوا ليكرهون أن يستمتعوا من الرهن بشيء. ثم قال الخطيب: «تفرد برواية هذا الحديث عن أبي معاوية مرفوعًا

стр. 267

إبراهيم بن مجشِّر، ورفعه أيضًا أبو عوانة عن الأعمش، ورواه غيره عن أبي معاوية موقوفًا لم يذكر فيه النبي ﷺ ، وكذلك رواه سفيان الثوري، وهشيم، ومحمد بن فضيل، وجرير بن عبد الحميد، عن الأعمش موقوفًا، وهو المحفوظ من حديثه» (١). فهذا الحديث ذكر الخطيب البغدادي أن إبراهيم بن مجشِّر تفرد بروايته عن أبي معاوية (٢) مرفوعًا، وروايته أخرجها أيضًا ابن عدي (٣)، والدارقطني (٤)، والبيهقي (٥). قال ابن عدي: «وهذا الحديث لا أعلمه يرفعه عن أبي معاوية غير إبراهيم بن مجشِّر هذا». وقال الدارقطني: «تفرد به إبراهيم بن مجشِّر عن أبي معاوية عنه مرفوعًا» (٦). وإبراهيم بن مجشِّر هذا ذكر الخطيب أن ابن عدي قال فيه: «ضعيف يسرق الحديث».

стр. 268

وأن ابن عقدة قال: «فيه نظر». وأن محمد بن إسحاق السراج قال: «سمعت الفضل بن سهل يتكلم في إبراهيم بن المجشِّر ويكذبه» (١). ثم ذكر الخطيب أن غير ابن مجشِّر يرويه عن أبي معاوية موقوفًا، وقد ذكر أبو حاتم الرازي أن أبا معاوية كان يرويه مرفوعًا ثم ترك الرفع فكان يرويه بعد ذلك موقوفًا؛ قال ابن أبي حاتم: «سمعت أبي يقول: حدثنا علي الطنافسي (٢) قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: «الرهن مركوب ومحلوب» رفعه مرة، ثم ترك بعدُ الرفع، فكان يقفه» (٣). وقد ذكر ابن عدي أيضًا أن أبا معاوية رواه عن الأعمش مرفوعًا وموقوفًا، وسيأتي نقل كلامه بعد قليل. وذكر الخطيب أن أبا عوانة (٤) قد رواه عن الأعمش فرفعه أيضًا، وروايته أخرجها البزار (٥)، وابن الأعرابي (٦)، والقَطيعي (٧)،

стр. 269

والدارقطني (١)، وقاضي المارستان (٢) كلهم من طريق يحيى بن حماد (٣) عن أبي عوانة. وأخرجها الحاكم (٤) من طريق شيبان بن فروخ (٥) وسليمان بن حرب (٦) كلاهما عن أبي عوانة. وأخرجها البيهقي (٧) من طريق شيبان بن فروخ عن أبي عوانة. قال البزار: «وهذا الحديث لا نعلم أحدًا رفعه إلا أبو عوانة، ولا نعلم أحدًا رفعه عن أبي عوانة إلا يحيى بن حماد وشيبان». وقال الحاكم: «هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه؛ لإجماع الثوري وشعبة على توقيفه عن الأعمش، وأنا على أصلي [الذي] أصَّلته في قبول الزيادة من الثقة».

стр. 270

وذكر الدارقطني أنه اختلف عن يحيى بن حماد وشيبان في رفعه أيضًا، وأن عفانًا (١) وقفه عن أبي عوانة (٢). ثم ذكر الخطيب أن سفيان الثوري، وهشيمًا (٣)، ومحمد بن فضيل (٤)، وجرير بن عبد الحميد (٥) رووه عن الأعمش موقوفًا. وكأن الخطيب استفاد هذا من الدارقطني، فقد قال في «العلل»: «ورواه الثوري، وهشيم، ومحمد بن فضيل، وجرير بن عبد الحميد، عن الأعمش موقوفًا على أبي هريرة» (٦).

стр. 271

ولم أجد الرواية الموقوفة لهؤلاء الأربعة، ولكني وجدت رواية مرفوعة لسفيان الثوري، أخرجها ابن عدي عن الحسن بن عثمان بن زياد، عن خليفة بن خياط وحفص بن عمر الرازي قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم. وعن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «الرهن محلوب ومركوب». ثم قال ابن عدي: «وهذا عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مسندًا منكر جدًّا، وبخاصة إذا رواه عنه ابن مهدي، وعن ابن مهدي خليفة وحفص بن عمر، والبلاء من الحسن بن عثمان» (١). والحسن بن عثمان هذا قال فيه ابن عدي: «كان عندي يضع، ويسرق حديث الناس». وذكر أنه سأل عبدان الأهوازي عنه فقال: «هو كذاب» (٢). وقد رواه جماعة آخرون عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة موقوفًا عليه منهم: - وكيع؛ كما في نسخته (٣)، ورواه عنه ابن أبي شيبة (٤)، والبيهقي (٥).

стр. 272

- سفيان بن عيينة، ورواه عنه الشافعي (١)، ومن طريقه رواه البيهقي (٢). - معمر بن راشد، رواه عنه عبد الرزاق (٣). - شعبة، رواه عنه مسلم بن إبراهيم (٤)، وروايته أخرجها البيهقي (٥). لكن رواه نصر بن حماد أبو الحارث الوراق عن شعبة فرفعه، وروايته أخرجها ابن عدي في ترجمة نصر من «الكامل» (٦) ثم قال ابن عدي: «وهذا من حديث شعبة موصولًا لم أكتبه إلا عن عبدان». وذكر له أحاديث أخرى ثم قال في نهاية ترجمته: «وهذه الأحاديث التي ذكرتها عن نصر عن شعبة -وله غيرها عن شعبة- كلها غير محفوظة، ومع ضعفه يُكتب حديثه». فهي رواية غير محفوظة تفرد بها نصر بن حماد، وهو غير ثقة، واتهمه بعض الحفاظ بالكذب (٧).

стр. 273

وقد رجح الدارقطني أن الصواب عن شعبة موقوف، فقال: «فأما الأعمش فرواه عنه شعبة، واختلف عنه فرفعه أبو الحارث الوراق نصر بن حماد، عن شعبة، وروي عن وهب (١) بن جرير أيضًا مرفوعًا، وغيرهما يرويه عن شعبة موقوفًا، وهو الصواب» (٢). ولم أقف على رواية وهب هذه فيما لديَّ من مصادر، ووهب ثقة، ولكن قد تُكلِّم في روايته عن شعبة (٣). - عيسى بن يونس (٤)، رواه عنه إسحاق بن راهويه (٥). لكن رواه لوين (٦) عن عيسى بن يونس مرفوعًا، كما وقع عند ابن المقرئ (٧). ومن هذا العرض يتبين أن أكثر مَن رواه إنما رواه موقوفًا، فلذلك رجح الخطيب الرواية الموقوفة على المرفوعة، وعلى ذلك جَمْعٌ من أهل العلم، منهم:

стр. 274

- الإمام الشافعي؛ حيث رواه في «الأم» عن سفيان بن عيينة موقوفًا كما تقدم، وقد ذكر البيهقي روايته ثم قال: «وهذا موقوف، وذكره المزني مرفوعًا بالإسناد (١)، ولم يذكره الشافعي مرفوعًا، وإنما ذكره موقوفًا، وهو الصحيح» (٢). - الترمذي؛ فقد قال ابن حجر: «وقد ذكر الدارقطني الاختلاف على الأعمش وغيره ورجح الموقوف، وبه جزم الترمذي» (٣). والذي وجدته في «سنن الترمذي»: أنه روى حديث وكيع، عن زكريا، عن عامر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الظهر يُركب إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يُشرب إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب نفقته». ثم قال: «هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عامر الشعبي عن أبي هريرة، وقد روى غير واحد هذا الحديث عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفًا» (٤) فالله أعلم. - ابن عدي؛ حيث قال: «وهذا الحديث قوله: «الرهن محلوب ومركوب» الأصل فيه موقوف، وقد رواه عن الأعمش: أبو عوانة، وعيسى بن يونس، وأبو معاوية، وشعبة، والثوري مرفوعًا وموقوفًا، والأصح هو الموقوف» (٥).

стр. 275

- الدارقطني؛ حيث قال بعد عرضه لأوجه الاختلاف فيه: «ورواه الثوري، وهشيم، ومحمد بن فضيل، وجرير بن عبد الحميد، عن الأعمش موقوفًا على أبي هريرة، وهو المحفوظ عن الأعمش» (١). - المثال الثاني: روى الخطيب في ترجمة جعفر بن محمد بن سليمان الخلال من «تاريخ بغداد» عن بشرى بن عبد الله قال: أخبرنا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد الفقيه (٢) قال: حدثنا جعفر بن محمد بن سليمان (٣) قال: حدثنا الربيع بن ثعلب قال: حدثنا الفرج بن فضالة، عن لقمان بن عامر، عن أبي الدرداء قال: قال النبي ﷺ : «إن ناقدتَ الناس ناقدوك، وإن تركتَهم لم يتركوك، وإن هربتَ منهم أدركوك». قال: قلتُ: فما أصنع؟ قال: «هَبْ عرضك ليوم فقرك» (٤). قال أبو بكر: قد رأيتُه في كتاب جعفر الخلال في موضعين، في موضع رفعه، وفي موضع موقوفًا، وقد حدثنا بهذا الحديث جماعة عن غير الربيع، فمنهم من أوقفه، ومنهم من أسنده.

стр. 276

قلت (أي: الخطيب): «رواه نُعيم بن الهيصم، عن فرج بن فضالة موقوفًا، وهو الصحيح، حدثناه الحسن بن علي الجوهري إملاء قال: أخبرنا عمر بن محمد بن علي بن الزيات قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار قال: حدثنا نُعيم بن الهيصم قال: حدثنا أبو فضالة الحمصي فرج بن فَضالة، عن لقمان، عن أبي الدرداء قال: «إن ناقرتَ الناس ناقروك، وإن تقربتَ منهم أدركوك، وإن تركتَهم لم يتركوك». قال: فكيف أصنع؟ قال: «هب عرضك ليوم فقرك». كذا أملاه الجوهري بالراء، وكذا كان في أصل كتابه» (١). فهذا الحديث رواه الربيع بن ثعلب عن الفرج بن فضالة مرفوعًا، والربيع بن ثعلب قال فيه يحيى بن معين: رجل صالح. وقال صالح بن محمد المعروف بجزرة: صدوق ثقة. وقال الدارقطني: بغدادي ثقة (٢). ورواه نعيم بن الهيصم عن الفرج بن فضالة موقوفًا، ونعيم بن الهيصم قال فيه يحيى بن معين: رجل صدوق، وهو من العرب. وقال الدارقطني والخطيب: ثقة (٣). فهذان ثقتان: الربيع بن ثعلب ونعيم بن الهيصم روياه عن الفرج بن فضالة مرة مرفوعًا ومرة موقوفًا، والذي يترجح لي أن هذا اضطراب من الفرج نفسه، فكان يرفعه مرة ويوقفه أخرى، وقد ضعَّفه جَمْعٌ من أهل

стр. 277

العلم، منهم: علي بن المديني، والبخاري، ومسلم، والنسائي، والدارقطني، والساجي (١). وقد رجح الخطيب الرواية الموقوفة، ولعل ذلك لما ذكره الخطيب أنه وقع في كتاب جعفر الخلال -وهو راوي الرواية المرفوعة عن الربيع بن ثعلب- في موضع مرفوعًا وفي موضع موقوفًا. وقد جزم ابن الجوزي بأن الرواية المرفوعة خطأ من الفرج بن فضالة فقال: «هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ وغلط من رفعه، وإنما هو كلام أبي الدرداء، قال ابن حبان: كان الفرج بن فضالة يقلب الأسانيد ويلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة لا يحل الاحتجاج به (٢)» (٣). ومما يؤيد أن الصواب في هذه الرواية الوقف: أن هذا الكلام لا يشبه كلام النبوة، إنما يشبه كلام الحكماء، وحري أن يكون بكلام أبي الدرداء أشبه، وقد جاء من طرق أخرى موقوفًا عليه: منها ما رواه ابن أبي شيبة (٤) -ومن طريقه أبو نعيم (٥) - وأبو داود في «الزهد» (٦)، وابن عساكر (٧) كلهم من طريق محمد بن بشر قال: حدثنا مسعر، عن عون بن عبد الله، عن أبي الدرداء قال: إن قارضت الناس

стр. 278

قارضوك، وإن تركتهم لم يتركوك. قال: فما تأمرني؟ قال: اقرض من عرضك ليوم فقرك (١). ومنها ما رواه ابن أبي الدنيا (٢) -ومن طريقه ابن عساكر (٣) - عن إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، عن يحيى بن سعيد قال: قال أبو الدرداء: أدركت الناس ورقًا لا شوك فيه، فأصبحوا شوكًا لا ورق فيه، إن نقدتهم نقدوك، وإن تركتهم لا يتركوك. قالوا: فكيف نصنع؟ قال: تقرضهم من عرضك ليوم فقرك (٤).

стр. 279

ومنها ما رواه ابن وهب (١) عن مالك أنه قال: بلغني عن أبي الدرداء قال: أدركت الناس ورقًا لا شوك فيه، فهم اليوم شوك لا ورق فيه، إن نقدتهم (٢) وإن تركتهم لم يبرئوك. - المثال الثالث: روى الخطيب في ترجمة علي بن الحسن بن عَبدُويه الخزَّاز من «تاريخ بغداد» ومن طريقه قال: حدثنا شاذان أسود بن عامر (٣) قال: أخبرنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ صلى على المنفوس (٤)، ثم قال: «اللهم أَعِذْه من عذاب القبر». ثم قال الخطيب: «تفرد برواية هذا الحديث هكذا مرفوعًا علي بن الحسن، عن أسود بن عامر، عن شعبة، وخالفه غيره، فرواه عن أسود موقوفًا. كما أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله بن بشران قال: أخبرنا محمد بن عمرو بن البختري الرزاز قال: حدثنا أحمد بن الوليد قال: حدثنا شاذان قال: أخبرنا سفيان بن سعيد، [عن يحيى بن سعيد] (٥)، عن سعيد بن

стр. 280

المسيب، عن أبي هريرة، أنه صلى على منفوس، ثم قال: اللهم إني أعيذه من عذاب القبر. وقال شاذان: أخبرنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة بنحوه. وهكذا رواه أصحاب شعبة عنه، وكذلك رواه مالك، والحمادان، وغيرهم، عن يحيى بن سعيد موقوفًا على أبي هريرة، وهو الصواب» (١). فهذا الحديث ذكر الخطيب أن علي بن الحسن بن عبدويه الخزاز تفرد بروايته عن شاذان عن شعبة مرفوعًا، وروايته أخرجها أيضًا ابن شاذان (٢)، والبيهقي (٣). قال ابن شاذان: «تفرد برفعه شاذان عن شعبة». وقال البيهقي: «هكذا رواه مرفوعًا، وإنما رواه غيره عن شاذان موقوفًا». وعلي بن الحسن بن عبدويه الخزاز قال فيه الخطيب: كان ثقة. ونقل عن الدارقطني أنه قال فيه: لا بأس به (٤). فهذا الثقة قد تفرد برفع هذا الحديث عن شاذان عن شعبة، وخالفه أحمد بن الوليد -وهو ابن أبي الوليد الفحام، وهو ثقة أيضًا قال فيه الخطيب:

стр. 281

كان ثقة (١) - فرواه عن شاذان عن شعبة موقوفًا، وروايته أخرجها أيضًا البيهقي (٢). وذكر الخطيب أن أصحاب شعبة هكذا يروونه عنه موقوفًا، وممن وقفت عليه منهم: ١ - وهب بن جرير (٣)، وروايته أخرجها الطحاوي (٤). ٢ - عمرو بن مرزوق (٥)، وروايته أخرجها الطبراني (٦). ٣ - علي بن الجعد (٧)، وروايته أخرجها ابن أبي الدنيا (٨). ثم ذكر الخطيب أنه رواه مالك، والحمادان، وغيرهم، عن يحيى بن سعيد موقوفًا على أبي هريرة أيضًا، وذكر أن سفيان الثوري يرويه أيضًا موقوفًا،

стр. 282

وساق ذلك بإسناده كما تقدم، وهذا سرد بأسماء من رواه عن يحيى بن سعيد موقوفًا، مع تخريج روايتهم: ١ - مالك بن أنس، وروايته في «الموطأ» (١). ٢ - سفيان الثوري، وروايته أخرجها عبد الرزاق (٢) -ومن طريقه ابن المنذر (٣) - والبيهقي (٤). ٣ - حماد بن زيد، وروايته أخرجها الطبراني (٥)، واللالكائي (٦). ٤ - أبو معاوية الضرير (٧)، وروايته أخرجها هناد بن السري (٨). ٥ - هشيم (٩)، وروايته أخرجها عبد الله بن أحمد (١٠). ٦ - عبدة بن سليمان (١١)، وروايته أخرجها ابن أبي شيبة (١٢).

стр. 283

٧ - يحيى بن سعيد القطان، وروايته أخرجها أبو يعلى (١). ٨ - عبد الوهاب بن عبد المجيد (٢)، وروايته أخرجها أبو يعلى (٣). ٩ - حماد بن سلمة، ذكر روايته الخطيب فيما تقدم، وذكرها أيضًا الدارقطني (٤). ١٠ - زائدة بن قدامة (٥). ١١ - زهير بن معاوية (٦). ١٢ - علي بن مُسْهِر (٧). ١٣ - أبو حمزة (٨). ١٤ - سفيان بن عيينة، هؤلاء الخمسة ذكر روايتهم الدارقطني (٩).

стр. 284

فهؤلاء أربعة عشر راويًا من الثقات الأثبات قد رووه عن يحيى بن سعيد الأنصاري موقوفًا على أبي هريرة، مما يدل دلالة واضحة أن الصواب في هذا الحديث الوقف. أما شعبة فالراجح أنه رواه موقوفًا أيضًا، حيث رواه ثلاثة من الثقات -وهم وهب بن جرير وعمرو بن مرزوق وعلي بن الجعد- عنه موقوفًا، وإن جاءت رواية يرويها علي بن الحسن بن عبدويه -وهو ثقة- عن شاذان عن شعبة مرفوعًا؛ فقد خالفه الثقة أحمد بن الوليد الفحام فرواه عن شاذان عن شعبة موقوفًا كما رواه الجماعة. فلا شك أن رواية الجماعة هي الصحيحة، وأن الرواية المرفوعة خطأ لتفرد راو واحد بها؛ ولذلك فقد رجح الخطيب رواية الجماعة وهي الرواية الموقوفة، وذهب إلى ذلك أيضًا الدارقطني، حيث عرض الخلاف في رفعه ووقفه، ثم صوَّب الرواية الموقوفة (١). - المثال الرابع: روى الخطيب في ترجمة سعيد بن نصير البغدادي من طريق أبي الطاهر الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن فيل الأنطاكي (٢) قال: حدثنا سعيد بن نصير البغدادي قال: حدثنا سيار بن حاتم قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي قال: سمعت محمد بن المنكدر يحدث عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مر رجل ممن كان قبلكم بجمجمة فنظر إليها فحدث نفسه بشيء، ثم قال:

стр. 285

يا رب أنت أنت، وأنا أنا، أنت العواد بالمغفرة، وأنا العواد بالذنوب، وخر لله ساجدًا، فقيل له: ارفع رأسك، فأنت العواد بالذنوب، وأنا العواد بالمغفرة». ثم قال الخطيب: «تفرد بروايته هكذا مرفوعًا سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان. ورواه العباس بن الوليد النرسي، عن جعفر، عن ابن المنكدر، عن جابر موقوفًا من قوله، وذاك أصح» (١). فهذا الحديث رواه سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان، عن ابن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ ، وروايته أخرجها ابن عدي (٢)، وتمام (٣)، والحنائي (٤)، وقاضي المارستان (٥)، وقوام السنة (٦)، وابن عساكر (٧). قال ابن عدي: «وهذا الحديث لا أعرفه إلا من هذا الطريق». وقال النخشبي (٨): «هذا حديث حسن من حديث جعفر بن سليمان
следующие страницы →