← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 809

منهج الخطيب البغدادي في نقد الحديث

محمد محب الدين أبو زيد

Полный текст (481 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

كان ثقة (١) - فرواه عن شاذان عن شعبة موقوفًا، وروايته أخرجها أيضًا البيهقي (٢). وذكر الخطيب أن أصحاب شعبة هكذا يروونه عنه موقوفًا، وممن وقفت عليه منهم: ١ - وهب بن جرير (٣)، وروايته أخرجها الطحاوي (٤). ٢ - عمرو بن مرزوق (٥)، وروايته أخرجها الطبراني (٦). ٣ - علي بن الجعد (٧)، وروايته أخرجها ابن أبي الدنيا (٨). ثم ذكر الخطيب أنه رواه مالك، والحمادان، وغيرهم، عن يحيى بن سعيد موقوفًا على أبي هريرة أيضًا، وذكر أن سفيان الثوري يرويه أيضًا موقوفًا،

стр. 282

وساق ذلك بإسناده كما تقدم، وهذا سرد بأسماء من رواه عن يحيى بن سعيد موقوفًا، مع تخريج روايتهم: ١ - مالك بن أنس، وروايته في «الموطأ» (١). ٢ - سفيان الثوري، وروايته أخرجها عبد الرزاق (٢) -ومن طريقه ابن المنذر (٣) - والبيهقي (٤). ٣ - حماد بن زيد، وروايته أخرجها الطبراني (٥)، واللالكائي (٦). ٤ - أبو معاوية الضرير (٧)، وروايته أخرجها هناد بن السري (٨). ٥ - هشيم (٩)، وروايته أخرجها عبد الله بن أحمد (١٠). ٦ - عبدة بن سليمان (١١)، وروايته أخرجها ابن أبي شيبة (١٢).

стр. 283

٧ - يحيى بن سعيد القطان، وروايته أخرجها أبو يعلى (١). ٨ - عبد الوهاب بن عبد المجيد (٢)، وروايته أخرجها أبو يعلى (٣). ٩ - حماد بن سلمة، ذكر روايته الخطيب فيما تقدم، وذكرها أيضًا الدارقطني (٤). ١٠ - زائدة بن قدامة (٥). ١١ - زهير بن معاوية (٦). ١٢ - علي بن مُسْهِر (٧). ١٣ - أبو حمزة (٨). ١٤ - سفيان بن عيينة، هؤلاء الخمسة ذكر روايتهم الدارقطني (٩).

стр. 284

فهؤلاء أربعة عشر راويًا من الثقات الأثبات قد رووه عن يحيى بن سعيد الأنصاري موقوفًا على أبي هريرة، مما يدل دلالة واضحة أن الصواب في هذا الحديث الوقف. أما شعبة فالراجح أنه رواه موقوفًا أيضًا، حيث رواه ثلاثة من الثقات -وهم وهب بن جرير وعمرو بن مرزوق وعلي بن الجعد- عنه موقوفًا، وإن جاءت رواية يرويها علي بن الحسن بن عبدويه -وهو ثقة- عن شاذان عن شعبة مرفوعًا؛ فقد خالفه الثقة أحمد بن الوليد الفحام فرواه عن شاذان عن شعبة موقوفًا كما رواه الجماعة. فلا شك أن رواية الجماعة هي الصحيحة، وأن الرواية المرفوعة خطأ لتفرد راو واحد بها؛ ولذلك فقد رجح الخطيب رواية الجماعة وهي الرواية الموقوفة، وذهب إلى ذلك أيضًا الدارقطني، حيث عرض الخلاف في رفعه ووقفه، ثم صوَّب الرواية الموقوفة (١). - المثال الرابع: روى الخطيب في ترجمة سعيد بن نصير البغدادي من طريق أبي الطاهر الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن فيل الأنطاكي (٢) قال: حدثنا سعيد بن نصير البغدادي قال: حدثنا سيار بن حاتم قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي قال: سمعت محمد بن المنكدر يحدث عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مر رجل ممن كان قبلكم بجمجمة فنظر إليها فحدث نفسه بشيء، ثم قال:

стр. 285

يا رب أنت أنت، وأنا أنا، أنت العواد بالمغفرة، وأنا العواد بالذنوب، وخر لله ساجدًا، فقيل له: ارفع رأسك، فأنت العواد بالذنوب، وأنا العواد بالمغفرة». ثم قال الخطيب: «تفرد بروايته هكذا مرفوعًا سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان. ورواه العباس بن الوليد النرسي، عن جعفر، عن ابن المنكدر، عن جابر موقوفًا من قوله، وذاك أصح» (١). فهذا الحديث رواه سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان، عن ابن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ ، وروايته أخرجها ابن عدي (٢)، وتمام (٣)، والحنائي (٤)، وقاضي المارستان (٥)، وقوام السنة (٦)، وابن عساكر (٧). قال ابن عدي: «وهذا الحديث لا أعرفه إلا من هذا الطريق». وقال النخشبي (٨): «هذا حديث حسن من حديث جعفر بن سليمان

стр. 286

الضبعي الجرشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، ما نعرفه مرفوعًا إلا من حديث أبي سلمة سيار بن حاتم العنزي البصري عنه. وقد رواه العباس بن الوليد النرسي وغيره عن جعفر بن سليمان موقوفًا من قول جابر، وهو أقرب إلى الصواب إن شاء الله تعالى» (١). وقد تفرد به سيار بن حاتم مرفوعًا، كما نص عليه ابن عدي والخطيب والنخشبي. وسيار بن حاتم قال فيه أبو أحمد الحاكم: في حديثه بعض المناكير. وقال العقيلي: أحاديثه مناكير، ضعفه ابن المديني. وقال الأزدي: عنده مناكير (٢). وقال ابن حجر: صدوق له أوهام (٣). وخالفه العباس بن الوليد النرسي (٤) فرواه عن جعفر بن سليمان عن ابن المنكدر من قول جابر موقوفًا عليه، والعباس بن الوليد بن نصر النرسي قال فيه ابن حجر: ثقة (٥). فهو أوثق من سيار بن حاتم، فلا شك أن روايته الموقوفة هي الراجحة، لا سيما وقد تابعه عفان بن مسلم الثقة الثبت (٦)، فرواه عن جعفر بن سليمان،

стр. 287

عن ابن المنكدر، عن جابر موقوفًا عليه بمعناه، وروايته أخرجها ابن أبي شيبة (١). فهذان ثقتان (العباس بن الوليد النرسي، وعفان بن مسلم) قد اتفقا على وقف هذه الرواية، وجاء سيار بن حاتم الذي وُصف برواية المناكير فرفعها، فلا شك أن روايته المرفوعة خطأ وهي من مناكيره، وأن الرواية الموقوفة هي المحفوظة، وهو ما رجحه الخطيب والنخشبي (٢). - المثال الخامس: روى الخطيب في ترجمة محمد بن أحمد بن إبراهيم الحَكيمي من «تاريخ بغداد» من طريق يحيى بن معين، عن هشام بن يوسف، عن أمية بن شبل قال: أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يحكي موسى على المنبر قال: «وقع في نفس موسى: هل ينام الله ؟ فبعث الله إليه ملكًا فأرَّقه ثلاثًا، ثم أعطاه قارورتين، وأمره أن يحتفظ بهما، فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيُنَحِّي إحداهما عن الأخرى، حتى نام نومة فاصطفقت (٣) يداه، فانكفأت القارورتان، قال: ضرب الله له مثلًا، أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماوات والأرض». ثم قال الخطيب: «هكذا رواه أمية بن شبل عن الحكم بن أبان موصولًا مرفوعًا، وخالفه معمر بن راشد، فرواه عن الحكم، عن عكرمة قوله، لم يذكر فيه النبي ﷺ ولا أبا هريرة».

стр. 288

ثم رواه من طريق الحسن بن أبي الربيع، عن عبد الرزاق (١) قال: قال معمر: أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ? سِنَة? وَلَا نَوْم?﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أن موسى سأل الملائكة هل ينام الله تعالى؟ فأوحى الله إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثًا فلا يتركوه ينام، ففعلوا. ثم أعطوه قارورتين فأمسكها ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما. قال: فجعل ينعس وهما في يديه في كل يد واحدة. قال: فجعل ينعس وينتبه حتى نعس نعسة فضرب إحداهما بالأخرى فكسرهما. قال معمر: إنما هو مثل ضربه الله تعالى، يقول: فكذلك السماوات والأرض في يديه (٢). فهذا الحديث رواه أمية بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة مرفوعًا، وروايته أخرجها أبو يعلى (٣)، والطبري (٤)، والبيهقي (٥)، وقوام السنة (٦)، وابن عساكر (٧)، وابن الجوزي (٨).

стр. 289

وأمية بن شبل قال فيه يحيى بن معين: ثقة (١). وقال علي بن المديني: ما بحديثه بأس (٢). وقد تفرد به؛ قال الدارقطني: «تفرد به الحكم بن أبان عن عكرمة، وتفرد به أمية عن الحكم، وتفرد هشام عن أمية» (٣). وخالفه معمر بن راشد، فرواه عن الحكم بن أبان عن عكرمة من قوله، وروايته أخرجها الطبري (٤)، وابن أبي حاتم (٥)، وابن عساكر (٦). ومعمر بن راشد ثقة ثبت فاضل (٧)، فلا شك في أنه أوثق من أمية بن شبل؛ فالرواية الموقوفة على عكرمة هي الراجحة؛ ولذلك فقد أتبع الخطيب رواية شبل المرفوعة بذكر رواية معمر المخالفة لها؛ إشارة إلى خطأ شبل في رفع الحديث. وقد صرح بعض أهل العلم بترجيح الرواية الموقوفة، منهم: ١ - البيهقي؛ حيث أورده موقوفًا على أبي بردة بلفظ: «إن موسى قال له قومه: أينام ربنا؟»، ثم أورد رواية أمية بن شبل المرفوعة هذه، ثم قال: «متن الإسناد الأول -يعني: الموقوف- أشبه أن يكون هو المحفوظ» (٨).

стр. 290

٢ - ابن الجوزي؛ حيث قال: «قلت: ولا يثبت هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ، وغلط من رفعه، والظاهر أن عكرمة رأى هذا في كتب اليهود فرواه، فما يزال عكرمة يذكر عنهم أشياء، لا يجوز أن يخفى هذا على نبي الله ، وقد روى عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب «السنة» عن سعيد بن جبير قال: «إن بني إسرائيل قالوا لموسى ﵇: هل ينام ربنا؟» (١)، وهذا هو الصحيح؛ فإن القوم كانوا جهالًا بالله » (٢). ٣ - الذهبي؛ حيث ترجم لأمية بن شبل في «الميزان» من أجل هذا الحديث فقال: «أمية بن شبل، يماني، له حديث منكر، رواه عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة مرفوعًا قال: «وقع في نفس موسى هل ينام الله؟» الحديث. رواه عنه هشام بن يوسف، وخالفه معمر، عن الحكم عن عكرمة قوله، وهو أقرب. ولا يسوغ أن يكون هذا وقع في نفس موسى، وإنما رُوي أن بني إسرائيل سألوا موسى عن ذلك» (٣).

стр. 291

المطلب الثالث النقد بمخالفة الراوي لغيره بوصل المرسل قرَّر الخطيب في كتابه «الكفاية» أن الرواة إذا اختلفوا في الحديث، فبعضهم وصله وبعضهم أرسله، أن الصواب مع من وصله، وقد ذكرت كلامه في المطلب قبل السابق (١). ولكن من خلال مطالعة كتابه «تاريخ بغداد» يتبين جليًّا أنه يرجِّح بالأحفظ والأكثر، وغيرهما من القرائن، ويسير في نقده في هذه المسألة على نهج أئمة الحديث ونقاده، بل هو في الغالب يرجِّح الإرسال على الوصل، وقد خالف بذلك ما قرره في «الكفاية» من ترجيح الوصل مطلقًا. وهذه بعض الأمثلة التي توضِّح ذلك: - المثال الأول: روى الخطيب في ترجمة يحيى بن محمد بن يحيى النيسابوري من «تاريخ بغداد» عن البَرْقاني قال: أخبرنا علي بن عمر الحافظ (٢) قال: حدثنا ابن مخلد قال: حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد بن يحيى النيسابوري. قال: وحدثنا ابن مخلد قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم أبو علي القُوهُسْتاني (٣) قالا: حدثنا

стр. 292

يحيى بن يحيى قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن عُقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان إذا أُتي بالباكورة من الفاكهة (١) وضعها على فيه، ثم وضعها على عينيه، ثم قال: «اللهم كما أطعمتنا أوله فأطعمنا آخره». قال أبو علي القُوهُسْتاني: سمعتُ يحيى بن يحيى يقول: في هذا الحديث «عروة عن عائشة» في كتابي بين السطرين. وزاد يحيى بن محمد في حديثه: ثم يناوله مَن يحضره من الولدان. ثم قال الخطيب: «رواه قتيبة، عن ابن لهيعة، عن عُقيل، عن الزهري، عن النبي ﷺ ، لم يذكر فيه عائشة ولا عروة، وذاك أصح» (٢). فهذا الحديث يرويه يحيى بن يحيى النيسابوري عن ابن لهيعة، عن عُقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة مرفوعًا، ويحيى بن يحيى ثقة ثبت إمام (٣). وقد ذكر القُوهُسْتاني أن يحيى بن يحيى أخبره أن قوله: «عن عروة عن عائشة» كان في كتابه بين السطرين، أي: ملحقًا في كتابه ليس من أصله، وهذا يجعلنا نتشكك في هذه الزيادة، وأنها ليست مسموعة له، ويدل على ذلك قول الدارقطني، فإنه لما ذكر الاختلاف في هذا الحديث وأن بعضهم يرويه عن ابن لهيعة مرفوعًا قال: «وكذلك قيل: عن يحيى بن يحيى» (٤). فذكره بصيغة التمريض، والله أعلم.

стр. 293

وقد تابعه عثمان بن صالح بن صفوان بذكر هذه الزيادة، وروايته أخرجها الطبراني عن يحيى بن عثمان بن صالح، عن أبيه قال: حدثنا ابن لهيعة، عن عقيل به مرفوعًا (١). وعثمان بن صالح وابنه صدوقان وقد تُكلِّم فيهما (٢). وقد وجدت متابعة أخرى أخرجها الدارقطني (٣) من طريق عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير عن أبيه عن ابن لهيعة عن عقيل مرفوعًا. وعمرو بن عثمان صدوق (٤)، وأبوه ثقة عابد (٥). وقد ذكر الخطيب أنه رواه قتيبة بن سعيد (٦)، عن ابن لهيعة، عن عُقيل،

стр. 294

عن الزهري، عن النبي ﷺ ، لم يذكر فيه عائشة ولا عروة، وأن هذه الرواية أصح من الرواية السابقة. ورواية قتيبة أخرجها ابن سعد (١)، والدارقطني (٢). وقد تابعه موسى بن داود الضبي، وروايته أخرجها ابن سعد (٣)، وموسى بن داود الضبي صدوق فقيه زاهد له أوهام (٤). وقد رجَّح الدارقطني المرسل أيضًا، فقال بعد أن عرض الخلاف على الزهري في رفعه وإرساله: «ورواه قتيبة، عن ابن لهيعة، عن عقيل، عن الزهري مرسلًا، وهو المحفوظ، ولا يصح مسندًا عن واحد منهم» (٥). والظاهر أن الخطيب قد استفاد هذا النقد من الدارقطني، بل استفاد روايته لهذا الحديث منه. ومما يؤيد أن الراجح في هذا الحديث أنه عن الزهري مرسلًا: ١ - أن أبا عبيد الآجري سأل أبا داود السجستاني عن عبد الرحمن بن يحيى بن سعيد الخدري (٦) فقال: لا أعرفه. فقال الآجري: حدَّث عن يونس

стр. 295

عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة، حديث الباكورة. فقال أبو داود: قد بان أمره في هذا الحديث؛ هذا حديث عن الزهري مرسل» (١). وهذا يدل على أن المعروف عند أبي داود أن هذا الحديث عن الزهري مرسل، حتى إنه قد بان له ضعف عبد الرحمن بن يحيى بن سعيد الخدري عندما أخبره الآجري أنه رفع هذا الحديث، مع أنه لم يكن يعرفه في بداية الأمر. ٢ - أن ابن عدي روى من طريق عثمان بن فائد أبي لبابة (٢)، عن صالح بن أبي الأخضر (٣)، عن الزهري عن سعيد، عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ إذا أُتي بالباكورة من الرطب وضعها على وجهه وعلى عينيه. ثم قال: «وهذا اختلف الضعفاء على الزهري على ألوان، والأصل في هذا مرسل عن الزهري: كان النبي ﷺ إذا أُتي بالباكورة» (٤). ٣ - أن العقيلي رواه أيضًا من طريق عثمان بن فائد به كما في رواية ابن عدي السابقة، ثم رواه من طريق جرير بن حازم عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري قال: «كان رسول الله ﷺ إذا أُتي بالباكورة وضعها على فمه وعينيه». ثم قال: «هذا أولى» (٥).

стр. 296

- المثال الثاني: روى الخطيب في ترجمة اليسع بن إسماعيل الضرير ومن طريقه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ سمع حاديًا يحدو (١)، فقال: «اعدلوا بنا إليه». ثم قال: «تفرد برواية هذا الحديث هكذا مسندًا متصلًا يسع بن إسماعيل، عن ابن عيينة، ورواه سعدان بن نصر المُخَرِّمي، ومحمود بن آدم المروزي، عن سفيان مرسلًا، لم يذكرا فيه ابن عباس، وهو المحفوظ» (٢). فهذا الحديث تفرد بروايته اليسع بن إسماعيل عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ (٣)، واليسع بن إسماعيل قال فيه الدارقطني: ضعيف (٤). وقد خالفه ثقتان وهما سعدان بن نصر المُخَرِّمي (٥)، ومحمود بن آدم المروزي (٦)، فرووه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلًا، لم يذكرا فيه ابن عباس.

стр. 297

ورواية سعدان هي في «جزئه» (١)، ورواها عنه البيهقي (٢). أما رواية محمود بن آدم المروزي فلم أعثر عليها. فهذان الثقتان (سعدان، ومحمود بن آدم) قد خالفا اليسع بن إسماعيل وهو ضعيف، فأرسلا الحديث، فلا شك أن روايتهما هي المحفوظة؛ ولذلك فقد رجحها الخطيب. - المثال الثالث: روى الخطيب في ترجمة علي بن محمد بن حفص من «تاريخ بغداد» من طريق عتاب بن محمد الحافظ قال: حدثنا علي بن محمد بن حفص بغدادي من أصله قال: حدثنا العباس بن عبد الله بن أبي عيسى قال: حدثنا محمد بن المبارك قال: حدثنا مالك بن أنس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «مِن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يَعنيه». ثم قال: «الصحيح عن مالك، عن الزهري، عن علي بن الحسين مرسلًا، عن النبي ﷺ » (٣). فهذا الحديث رواه محمد بن المبارك عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن

стр. 298

أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا (١)، ومحمد بن المبارك ثقة (٢)، لكن في الطريق إليه علي بن محمد بن حفص البغدادي، وقد قال فيه الخطيب: «إن لم يكن هذا الجويباري، فلا أعرفه» (٣). والجويباري هو علي بن محمد بن حفص، ذكره الخطيب قبل هذا مباشرة ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال الذهبي: «شيخ نكرة» (٤). فعلى كل حال هو مجهول لا يُعرف، فلا تثبت رواية محمد بن المبارك عن مالك بهذا الإسناد. وقد ذكر الخطيب أن الصحيح في هذا الحديث عن مالك، أنه إنما يرويه عن الزهري، عن علي بن الحسين مرسلًا، عن النبي ﷺ . وقد رواه هكذا مرسلًا مالك في «الموطأ» (٥)، ورواه عنه جماعة كثيرة من أصحابه منهم: ١ - عبد الله بن وهب (٦).

стр. 299

٢ - علي بن الجعد (١). ٣ - قتيبة بن سعيد (٢)، وروايته أخرجها الترمذي (٣)، وأبو أحمد الحاكم (٤). ٤ - عبد الله بن مسلمة القعنبي، وروايته أخرجها العقيلي (٥)، والبيهقي (٦). ٥ - عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وروايته أخرجها أبو الشيخ (٧). ٦ - أبو نعيم الفضل بن دكين، وروايته أخرجها البيهقي (٨). ٧ - إسحاق بن عيسى الطباع (٩)، وروايته أخرجها الرامهرمزي (١٠).

стр. 300

٨ - كامل بن طلحة الجحدري (١)، وروايته أخرجها أبو أحمد الحاكم (٢)، وابن الحاجب (٣). ٩ - حماد بن مسعدة (٤)، وروايته أخرجها السِّلفي (٥). ١٠ - محرز بن عون (٦)، وروايته أخرجها أبو اليمن الكندي (٧). ١١ - خلف بن هشام (٨)، وروايته أخرجها ابن أبي الدنيا (٩)، وابن الحاجب (١٠).

стр. 301

١٢ - خالد بن خداش (١)، وروايته أخرجها ابن أبي الدنيا (٢). كل هؤلاء قد رووه عن مالك مرسلًا، ولذلك فقد رجح الخطيب الرواية المرسلة، وقد رجحها أيضًا جَمْعٌ من الحفاظ، منهم: ١ - البخاري؛ فقد قال في «التاريخ الكبير»: «وقال لنا ابن يوسف: عن مالك، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن النبي ﷺ ، وهذا أصح بانقطاعه. وقال بعضهم: عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . ولا يصح إلا عن علي بن حسين عن النبي ﷺ » (٣). ٢ - الترمذي؛ فقد قال في «سننه» بعد أن رواه عن قتيبة بن سعيد عن مالك عن الزهري مرسلًا: «وهكذا روى غير واحد من أصحاب الزهري، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن النبي ﷺ نحو حديث مالك مرسلًا، وهذا عندنا أصح من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة … » (٤). ٣ - العقيلي؛ فقد قال بعد أن رواه من حديث مالك مرسلًا، ومن طرق أخرى موصولًا: «والصحيح حديث مالك» (٥).

стр. 302

٤ - الدارقطني، فقد قال بعد أن ذكر أوجه الخلاف فيه: «والصواب من ذلك قول من قال: عن الزهري، عن علي بن الحسين مرسلًا» (١). ٥ - البيهقي؛ فقد قال بعد أن رواه مرسلًا: «هذا هو الصحيح مرسلًا» (٢). - المثال الرابع: روى الخطيب في ترجمة محمد بن إبراهيم بن زياد الطيالسي الرازي من «تاريخ بغداد» ومن طريقه عن أحمد بن منيع قال: حدثنا محمد بن حيان البغوي وكان جارنا، قال: حدثنا مالك بن أنس قال: حدثنا هشيم بن أبي خازم، عن يعلى بن عطاء، عن عمارة بن حديد، عن صخر الغامدي قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهم بارك لأمتي في بكورها». ثم قال: «تفرد برواية هذا الحديث عن مالك أبو الأحوص البغوي، ولم يروه عن أحمد بن منيع موصولًا هكذا سوى محمد بن إبراهيم بن زياد وأخطأ فيه، والصواب ما حدثني أبو القاسم الأزهري قال: حدثنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز وأبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري وآخرون قالوا: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال: حدثني جدي أحمد بن منيع قال: حدثنا أبو الأحوص محمد بن حيان البغوي، عن مالك بن

стр. 303

أنس، عن هشيم بن أبي خازم، عن يعلى بن عطاء، عن عمارة بن حديد، أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها» لم يذكر فيه صخرًا. وكان عبد الله بن محمد البغوي لا يحدث بهذا الحديث إلا في كل سنة مرة واحدة» (١). فهذا الحديث تفرد بروايته محمد بن إبراهيم بن زياد عن أحمد بن منيع موصولًا، وروايته أخرجها الطبراني، ثم قال: «لم يرو هذا الحديث عن مالك إلا أبو الأحوص، تفرد به: أحمد بن منيع» (٢). ومحمد بن إبراهيم بن زياد ذكر الخطيب في ترجمته أن الدارقطني قال فيه: «متروك»، وأنه قال في موضع آخر: «ضعيف»، وذكر الخطيب أيضًا أنه سأل أبا بكر البَرْقاني عنه فقال: «بئس الرجل» (٣). وخالفه عبد الله بن محمد بن عبد العزيز -وهو أبو القاسم البغوي الحافظ الثقة (٤) - فرواه عن جده أحمد بن منيع مرسلًا. ولا شك في أن رواية أبي القاسم البغوي المرسلة هي الصحيحة؛ لثقة راويها، وأن رواية محمد بن إبراهيم بن زياد الموصولة خطأ؛ لوهاء راويها، وهو ما ذهب إليه الخطيب ﵀.

стр. 304

- وقد اختُلف أيضًا على أبي القاسم البغوي؛ حيث قال الخطيب في ترجمة عبد الله بن الحسين الخلال: «أخبرنا العتيقي من أصل كتابه قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن الحسين الخلال قال: أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي قال: حدثني جدي أحمد بن منيع قال: حدثنا أبو الأحوص محمد بن حيان، عن مالك بن أنس، عن هشيم، عن يعلى، عن عطاء، عن عمارة بن حديد، عن صخر الغامدي، أن النبي ﷺ قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها». قال العتيقي: هكذا حدثناه الخلال إملاء، وذكر فيه: صخرًا الغامدي. قلت: قد وهم الخلال في ذلك؛ لأن أبا القاسم البغوي ما كان يذكر صخرًا، وإنما ذكره محمد بن إبراهيم بن زياد الرازي، عن أحمد بن منيع. سألت العتيقي عن الخلال، فقال: كان ثقة صحيح الأصول» (١). فذهب الخطيب إلى أن عبد الله بن الحسين الخلال -مع ثقته- قد وهم على أبي القاسم البغوي في وصل هذه الرواية؛ لأن المحفوظ عن أبي القاسم البغوي أنه كان يرويها مرسلة، وأن محمد بن إبراهيم بن زياد الرازي هو الذي كان يرويها عن أحمد بن منيع موصولة. وقد وجدتُ متابعًا لعبد الله بن الحسين الخلال، فقد رواه ابن الجوزي عن يحيى بن الحسن بن البنا، حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن الآبنوسي، حدثنا عبيد الله بن محمد بن حَبَابة قال: حدثنا البغوي قال: حدثني جدي، فذكره موصولًا بذكر صخر فيه (٢).

стр. 305

وابن حبابة ثقة، وقد تابع الخلال في وصل الحديث عن البغوي، ولكني وجدت أن ابن الآبنوسي يرويه في «مشيخته» عن ابن حبابة عن البغوي عن جده مرسلًا بدون ذكر صخر (١)، فالله أعلم. على أن جماعة من ثقات أصحاب البغوي قد رووا الحديث عنه مرسلًا، مثل: ابن عدي (٢)، وأبي بكر الأَبْهَري (٣)، وأبي طاهر المخلِّص (٤)، ومحمد بن المظفر (٥)، ومحمد بن العباس الخزاز المعروف بابن حيويه (٦)، وأبي بكر

стр. 306

يوسف بن القاسم الميانجي (١)، وعمر بن إبراهيم بن أحمد بن كثير المقرئ، ومحمد بن الحسن بن الفتح الصفار (٢). وهذا يدل على أن المحفوظ عن أبي القاسم البغوي أنه رواه مرسلًا؛ لكثرة من رواه عنه هكذا، وهو الذي رجحه الخطيب. ثم نبَّهني أستاذنا الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب إلى أنه قد رواه البغوي عن ابن الجعد عن شعبة، وهشيم، عن يعلى، عن عطاء، عن عمارة بن حديد، عن صخر الغامدي، موصولًا (٣)، فالله أعلم (٤). * * *

стр. 307

المطلب الرابع النقد بمخالفة الراوي لغيره بخلاف الحالتين السابقتين إذا اختلف الرواة في الحديث على شيخ ما، فبعضهم ذكره عنه على وجه وبعضهم ذكره على وجه آخر، أو ذكر بعضهم راويًا ولم يذكره غيرهم، أو زاد بعضهم لفظة وأهملها الآخرون، أو غير ذلك من الاختلاف في الحديث غير ما سبق من الخلاف في رفع الموقوف أو وصل المرسل؛ فإننا نجد الخطيب يرجِّح أيضًا بالأحفظ والأكثر، وغير ذلك من القرائن، مثل: الترجيح بوجود الحديث في كتاب الشيخ، والترجيح بأن الحديث معروف عند أهل العلم أنه مروي على طريقة معينة، والترجيح بأن الراوي لم يسلك في روايته السهولة والجادة المعروفة. وهذه بعض الأمثلة التي توضح ذلك: - المثال الأول: روى الخطيب في ترجمة الفضل بن يعقوب الرُّخامي من «تاريخ بغداد» ومن طريقه أنه قال: حدثنا الفريابي، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة وسليمان بن يسار، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» (١).

стр. 308

ثم قال: «هكذا روى هذا الحديث فضل الرُّخامي عن محمد بن يوسف الفريابي، وتفرد بذكر سعيد وهو ابن المسيب، ورواه محمد بن يحيى الذهلي عن الفريابي فلم يذكر سعيدًا، وكذلك رواه الوليد بن مسلم وعيسى بن يونس والوليد بن مزيد وبشر بن بكر أربعتهم عن الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة وسليمان بن يسار حسب، ولم يتابع أحد فضلًا على ذكر سعيد، وقد وهم في ذلك، والله أعلم» (١). فهذا الحديث رواه الفضل بن يعقوب الرُّخامي، عن محمد بن يوسف الفريابي (٢)، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة وسليمان بن يسار، عن أبي هريرة، وقد تفرد بذكر سعيد بن المسيب فيه، وروايته أخرجها البزار (٣)، والدارقطني (٤)، والخطيب (٥). والفضل بن يعقوب الرُّخامي ثقة حافظ (٦). وقد خالفه محمد بن يحيى الذهلي فرواه عن الفريابي فلم يذكر سعيد بن المسيب فيه (٧).

стр. 309

ومحمد بن يحيى الذهلي ثقة حافظ جليل، وهو أعلم الناس بحديث الزهري (١). ولذلك فقد رجح الخطيب روايته على رواية الرُّخامي، بالإضافة إلى أنه قد تابع الذهلي جماعة من الرواة، وهم: محمد بن زكريا بن يحيى أبو شريح القُضاعي (٢)، ومحمد بن خلف (٣)، وسعيد بن أبي زيدون (٤)، وابن عمرو (٥)، وأبو سليم (٦). وذكر الخطيب أيضًا أن جماعة من الرواة قد تابعوا الفريابي فرووه عن الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة وسليمان بن يسار حسب، وهؤلاء الرواة

стр. 310

هم: الوليد بن مسلم (١)، وعيسى بن يونس (٢)، والوليد بن مَزْيد (٣)، وبشر بن بكر (٤). ويبدو أنه استفاد ذكر هؤلاء الرواة من الدارقطني؛ فقد ذكرهم في «العلل» هكذا (٥). وقد وجدتُ رواة آخرين قد تابعوا الفريابي عن الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة وسليمان بن يسار حسب، وهؤلاء الرواة هم: شعيب بن

стр. 311

إسحاق (١)، وعمرو بن أبي سلمة (٢)، ومبشر بن إسماعيل الحلبي (٣). وبعد هذا العرض يتضح جليًّا رجحان رواية محمد بن يحيى الذهلي ومن تابعه على رواية الرُّخامي؛ لأنهم الأكثر عددًا. وهو ما ذهب إليه الدارقطني، حيث قال: «ومن قال: عن سعيد بن المسيب، فقد وهم، ما قاله إلا فضل الرخامي» (٤). ويبدو أن الخطيب قد استفاد هذا النقد منه، والله أعلم. - هذا، وقد روى البزار هذا الحديث عن الفضل بن يعقوب الرخامي بذكر سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وسليمان بن يسار، ثم قال: «وهذا الحديث رواه ابن عيينة ومعمر، عن الزهري، عن أبي سلمة وسليمان بن يسار، عن أبي هريرة، وقال الأوزاعي: عن سعيد، وأبي سلمة وسليمان بن يسار، عن أبي هريرة» (٥).

стр. 312

كذا قال ﵀، وكأنه لما روى له شيخه الفضل الرُّخامي الثقة الحافظ هذا الحديث عن الفريابي عن الأوزاعي، ظن أنه هكذا رواه الأوزاعي، ولم يعلم أن الرخامي قد وهم في هذا، وأن الثقات قد رووه عن الأوزاعي بدون ذكر سعيد بن المسيب، وهو المحفوظ عنه، والله أعلم. - المثال الثاني: روى الخطيب في ترجمة محمد بن إبراهيم بن قَحْطَبة القَحْطبي المؤدِّب، عن علي بن عبد العزيز الطاهري قال: أخبرنا عيسى بن حامد بن بشر قال: حدثنا قاسم بن زكريا قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن قَحْطَبة المؤدب قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحُنَيني قال: حدثنا مالك، عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: رأيتُ رسول الله ﷺ وهو متوجِّه إلى خيبر على حمار يصلِّي يومئ إيماء. ثم قال الخطيب: «قلت: روى هذا الحديث أبو الحسن الدارقطني، عن أبي محمد بن السَّبيعي، عن قاسم (١). ويقال: إن الحُنَيني تفرد بروايته عن مالك، وتفرد به أيضًا القَحْطبي عنه، وقد تابعه علي بن زيد الفرائضي فرواه عن الحُنَيني كذلك وهو وهم، إنما حدَّث به مالك، عن عمرو بن يحيى، عن أبي الحُباب سعيد بن يسار، عن ابن عمر، كذلك هو في «الموطأ»» (٢). فهذا الحديث رواه القَحْطبي عن الحُنَيني عن مالك عن الزهري عن أنس، وروايته أخرجها ابن عدي (٣).

стр. 313

والقَحْطبي قال فيه ابن أبي حاتم: «كتبت عنه مع أبي وهو صدوق» (١). والحُنَيني ضعيف (٢). وقد ذكر الخطيب أنه «يقال: إن الحُنَيني تفرد بروايته عن مالك، وتفرد به أيضا القَحْطبي عنه». وقد صرح بتفرد الحُنَيني عن مالك ابن عدي حيث أورد في ترجمة الحُنَيني حديثين له عن مالك هذا أحدهما، ثم قال: «وهذان الحديثان لا يرويهما عن مالك غير الحُنَيني هذا». وصرح بتفرد ابن قَحْطبة عن الحُنَيني ابن عبد البر، فقال: «وهذا مما تفرد به ابن قَحْطبة عن الحُنَيني» (٣). لكن صرح الخطيب بأن علي بن زيد الفرائضي تابع القَحْطبي فرواه عن الحُنَيني كذلك (٤). وعلي بن زيد الفرائضي قال ابن يونس: تكلموا فيه. وقال مسلمة بن قاسم: ثقة (٥). لكن مسلمة بن قاسم: ضعيف (٦)؛ فلا يُقبل قوله لا سيما إذا خالف.

стр. 314

على كل حال؛ الحُنَيني ضعيف، وقد تفرد بهذه الرواية عن مالك، فلذلك حكم عليها الخطيب بالوهم، وأن مالكًا إنما حدَّث به عن عمرو بن يحيى، عن أبي الحُباب سعيد بن يسار، عن ابن عمر، وهو كذلك في «الموطأ» (١). وهذه الرواية رواها عن مالك جمع من الثقات مثل: عبد الله بن وهب (٢)، والشافعي (٣)، وعبد الرحمن بن مهدي (٤)، وقتيبة بن سعيد (٥)، والقعنبي (٦)، ويحيى بن يحيى (٧).

стр. 315

وقد رجح هذه الرواية أيضًا ابن عبد البر فقال: «حديث مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبي الحُباب سعيد بن يسار عن عبد الله بن عمر أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي وهو على حمار متوجه إلى خيبر. هكذا هو في «الموطأ» عند جميع الرواة، ورواه محمد بن إبراهيم بن قحطبة عن إسحاق بن إبراهيم الحُنيني عن مالك عن الزهري عن أنس قال: رأيتُ النبي ﷺ وهو متوجه إلى خيبر على حمار يصلي على الحمار ويومئ إيماء. وهذا مما تفرد به ابن قحطبة عن الحُنيني وهو خطأ لا شك عندهم فيه، وصواب إسناده ما في «الموطإ»: مالك عن عمرو بن يحيى عن أبي الحُباب عن ابن عمر» (١). - المثال الثالث: روى الخطيب في ترجمة محمد بن جعفر بن الحسن صاحب المصلَّى من «تاريخ بغداد» عن علي بن أبي علي المعدَّل قال: حدثنا أبو الفرج محمد بن جعفر بن الحسن بن سليمان بن علي صاحب المصلَّى من حفظه قال: حدثنا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي (٢) قال: حدثنا أبو نُعيم عُبيد بن هشام

стр. 316

الحلبي قال: حدثنا مالك بن أنس، عن الزهري، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «انتظار الفرج عبادة». ثم قال الخطيب: «وهِمَ هذا الشيخ على الباغندي وعلى مَن فوقه في هذا الحديث وهمًا قبيحًا؛ لأنه لا يُعرف إلا من رواية سليمان بن سلمة الخبائري، عن بقية بن الوليد، عن مالك، وكذلك حدث به الباغندي. أخبرنيه أبو القاسم الأزهري من أصل كتابه، قال: أخبرنا محمد بن المظفر قال: أخبرنا محمد بن محمد بن سليمان أبو بكر الواسطي قال: حدثنا سليمان بن سلمة الخبائري قال: حدثنا بقية بن الوليد قال: حدثنا مالك بن أنس الأَصْبَحي المديني قال: أخبرني ابن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «العبادة انتظار الفرج من الله». قال أبو بكر (هو الباغندي): أنكرته عليه أشد الإنكار، وقلت: ليس من هذا شيء البتة، وكان أمر سليمان هذا شيئًا عجيبًا، الله أعلم به. وقد رواه شيخ كذَّاب كان بعسكر مُكْرم (١)، عن عيسى بن أحمد العسقلاني، عن بقية، وأفحش في الجرأة على ذلك؛ لأنه معروف أن الخبائري تفرد به، والله أعلم» (٢). فهذا الحديث رواه صاحب المصلى عن الباغندي عن أبي نُعيم الحلبي عن مالك عن الزهري عن أنس (٣).

стр. 317

وصاحب المصلى هذا قال فيه الخطيب: «له أحاديث تدل على سوء ضبطه، وضعف حاله» (١). ونقل عن حمزة بن يوسف السهمي أنه قال فيه: «ضعيف لا يُحتج بحديثه، ما رأيتُ له أصلًا جيدًا، ولا رأيتُ أحدًا يُثني عليه خيرًا، وسمعتُ جماعة يحكون أنه غصب كتب أبي مسلم بن مهران البغدادي (٢)، وحدَّث بها ولم يكن له فيها سماع» (٣). وذكر الخطيب أن صاحب المصلى قد وهِمَ على الباغندي وعلى مَن فوقه في هذا الحديث وهمًا قبيحًا؛ لأن هذا الحديث لا يُعرف إلا من رواية سليمان بن سلمة الخبائري، عن بقية بن الوليد، عن مالك، وكذلك حدث به الباغندي، ثم رواه الخطيب من طريق الباغندي به. ورواية الباغندي عن سليمان بن سلمة الخبائري أخرجها ابن عدي (٤). وقد تابع الباغنديَّ أحمدُ بن عمرو بن الضحاك (٥) فرواه عن سليمان بن سلمة الخبائري به، وروايته أخرجها القضاعي (٦).

стр. 318

وتابعه أيضًا أحمدُ بن إسحاق بن صالح العسكري (١)، فرواه عن سليمان بن سلمة الخبائري به، وروايته أخرجها الدارقطني (٢). وقد ذكر الخطيب أن الباغندي قد أنكره على سليمان بن سلمة الخبائري، والخبائري هذا متروك الحديث (٣). ثم ذكر أنه رواه شيخ كذَّاب كان بعسكر مُكْرَم (٤)، عن عيسى بن أحمد العسقلاني (٥)، عن بقية، وأنه أفحش في الجرأة على ذلك؛ لأنه معروف أن الخبائري تفرد به، والله أعلم. وقد ذهب ابن عدي أيضًا أن سليمان الخبائري قد تفرد به فقال: «لا أعلم يرويه عن بقية غير سليمان، وهو منكر من حديث مالك» (٦). وقولهما متعقَّب بأنه رواه البزار من طريق أبي أيوب سليمان بن شرحبيل (٧)، عن بقية، عن مالك به (٨).

стр. 319

وكلام الخطيب يدل على أنه إذا كان الحديث معروفًا عند أهل العلم أنه تفرد به شخص ما، ثم جاء راو آخر فرواه؛ فإنه يستدل بذلك على خطئه، والله أعلم. - المثال الرابع: روى الخطيب في ترجمة محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان الطِّرازي ومن طريقه عن أبي سعيد الحسن بن علي بن زكريا قال: حدثنا خِراش بن عبد الله الطحان قال: حدثنا مولاي أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «النظر إلى الوجه الحسن يجلو البصر، والنظر إلى الوجه القبيح يورث الكَلَح (١)». ثم قال: «هذا الحديث لم يروه أبو سعيد العدوي عن خراش عن أنس، وإنما رواه بإسناد آخر». ثم رواه من طريق أبي الطيب الحسن بن عبد الواحد العابد ومحمد بن أحمد بن القاسم العبدي، عن الحسن بن علي بن زكريا البصري قال: حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «النظر إلى الوجه الحسن يجلو البصر، والنظر إلى الوجه القبيح يورث الكَلَح» (٢). ثم قال: «وبهذا الإسناد رواه عن أبي سعيد جماعة، وهو المحفوظ عنه. وقد كنت أرى أن السهو دخل على الطِّرازي في روايته إياه، وأقول لعله سمعه من أبي سعيد، عن بشر بن معاذ بالإسناد المذكور فتوهَّمه في نسخة خراش

стр. 320

لاشتهار العدوي بها، حتى رأيت له أحاديث جماعة سلك فيها السهولة، واتبع في روايتها المجرَّة (١)، وكان يحدث كثيرًا من حفظه». ثم روى للطِّرازي ثلاثة أحاديث رواها عن أبي سعيد العدوي عن خراش عن أنس، ثم قال: «وجميع نسخة أبي سعيد العدوي التي رواها عن خراش أربعة عشر حديثًا، وليس فيها شيء من هذه الأحاديث. وقد رأيتُ للطِّرازي أشياء مستنكرة غير ما أوردته تدل على وهاء حاله وذهاب حديثه» (٢). فهذا الحديث يرويه الطِّرازي (٣) عن أبي سعيد الحسن بن علي بن زكريا العدوي (٤) عن خراش عن أنس، وروايته أخرجها ابن عساكر (٥). وقد وَهِم الطِّرازي في ذلك على أبي سعيد العدوي؛ لأن هذا الحديث لم يروه أبو سعيد العدوي عن خراش عن أنس، وإنما رواه عن بشر بن معاذ عن بشر بن المفضل عن أبيه عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، وهذه الرواية أخرجها ابن عساكر (٦). وقد استدل الخطيب على خطأ الطرازي بأمور:
следующие страницы →