← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وقال الشافعي ﵀: الإمام في المغرب بالخيار إن شاء صلى مثل مذهبنا، وإن شاء صلى مثل مذهب الثوري (١) (٢). كذا ذكره شيخ الإسلام (٣). (ولا يقاتلون في حال الصلاة، فإن قاتلوا بطلت صلاتهم) (٤)، وهذا عندنا، وقال مالك: لا تفسد، وهو قول الشافعي في القديم؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (٥)، والأمر بأخذ السلاح في الصلاة لا يكون إلا للقتال به، ولكنا نقول: القتال عمل كثير، وهو ليس من أعمال الصلاة، ولا يتحقق فيه الحاجة لا محالة، فكان مفسدًا لها كتخليص الغريق، واتباع السارق لاسترداد المال، والأمر بأخذ الأسلحة؛ لكيلا يطمع فيهم العدو إذا رأوهم مستعدين، أو ليقاتلوا بها إذا احتاجوا، ثم يستقبلون الصلاة، ولا يصلُّون، وهم يقاتلون، وإن ذهب الوقت؛ لأن النبي ﷺ شغل عن أربع صلوات يوم الخندق، فقضاهن بعد هوى من الليل، وقال: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، ملأ الله قبورهم وبطونهم نارًا» (٦)، فلو كان يجوز الصلاة في حالة القتال لما أخّرها، وكذلك من ركب منهم في صلاته عند انصرافه إلى وجه العدو فسدت صلاته؛ لأن الركوب عمل كثير، وهو مما لا يحتاج إليه، بخلاف المشي فإنه لابدّ منه حتى يقفوا بإزاء العدو، وجواز العمل لأجل الضرورة فيختص بما يتحقق فيه الضرورة، ولو تحققت الضرورة في الركوب حالة الانصراف، فركب استأنف الصلاة لوجود العمل الكثير الذي لم يرد به النص، بخلاف المشي، والذهاب، فإنّه ورد فيهما النص ببقاء التحريمة، وإن كان المشي، والذهاب عملًا كثيرًا، فيحصر الحكم في مورد النص (٧). (وإن اشتد الخوف صلوا ركبانًا فرادى) (٨)، ومعنى اشتداد الخوف هاهنا هو أن لا يدعهم العدو بأن يصلوا نازلين، بل يهجموهم بالمحاربة، فيصلّون ركبانًا فرادى؛ وذلك لأن الصلاة على الدابة تجوز بعذر دون هذا العذر، فلأن يجوز بهذا أولى (٩).

стр. 1017

ألا ترى أنه ذكر في «المحيط» (١): إذا كان الرجل في السّفر، وأمطرت السماء، فلم يجد مكانًا يابسًا ينزل الصلاة، فإنه يقف على دابته مستقبل القبلة، [فيصلي بالإيماء] (٢) إذا أمكنه إيقاف الدابة، وإن لم يمكنه إيقاف الدابة مستقبل القبلة، فإنّه يصلي مستدبر القبلة بالإيماء، فعلى هذا إذا كان يخاف النزول عن الدابة، فإنه يصلي راكبًا مستقبل القبلة بالإيماء، وإن لم يمكنه صلى مستدبرًا، ثم إنما يجزئه ذلك إذا كانت الدابة تسير بسير نفسه، فأمّا إذا كان يُسيرها صاحبها لا يجزئه (٣) هذا في الفرائض. وأما النوافل فيجوز على الدابة بالإيماء على أي جهة شاء سواء قدر على النزول أو لم يقدر، وقد ذكرناه، وذكر فيه أيضًا فإن كان الرجل ماشيًا هاربًا من العدو، فحضرت الصلاة، ولم يمكنه الوقوف ليصلي، فإنه لا يصلي ماشيًا عندنا، بل يؤخر، وعند الشافعي يصلي في تلك الحالة بالإيماء، ثم يعيد فإن صلوا صلاة الخوف من غير أن يعاينوا (٤) العدو جاز صلاة الإمام، ولم يجز صلاة القوم إذا صلوها بصفة الذهاب، والمجيء، والخوف من سبع يعاينونه كالخوف من العدو؛ لأن الرخصة لدفع سبب الخوف عندهم، ولا فرق في هذا بين السبع، والعدو (٥). [١٥٣/ ب] (وعن محمد ﵀ أنهم يصلون بجماعة) (٦)، [وقال: استحسن ذلك لينالوا فضيلة الصلاة] (٧) بالجماعة فقد جوّزنا لهم ما هو أعظم من ذلك، وهو الذهاب، والمجيء لأجل إحراز فضيلة الجماعة، ولكنا نقول: ما أثبتناه من الرخصة أثبتنا بالنص، ولا مدخل للرأي في إثبات الرخص، ولأن بينهم، وبين الإمام طريقًا، فيمنع صحة الاقتداء إلا أن يكون الرجل مع الإمام على دابة/ واحدة فيصحّ اقتداؤه به؛ لأنه ليس بينهما مانع. كذا في «المبسوط» (٨)، والله أعلم. باب الجنائز لما ذكر أحد أركان الدِّين على وجه يعم الأماكن كلها، وهو الصلاة بأصولها، وما يعرض عليها ختمها بآخر العوارض الذي هو [آخر] (٩) أحوال المكلّفين بالصلاة في حق الصلاة، وما يتبعها كما ختم الكتاب بالوصايا؛ لأنه آخر أحوالهم في جميع التكاليف، أو لما ذكر الخوف أعقبه بالجنائز؛ لأن الخوف قد يُفضي إلى الموت (١٠). ألا ترى أنه ذكره في «المبسوط» (١١): ومن وجد في المعركة ميتًا ليس به أثر غسل؛ لأن الظاهر أنه لما التقى الصفان انخلع قناع قلبه من شدةالفزع، ومات، والجبان يُبتلى بهذا.

стр. 1018

وفي «المغرب» (١): الجنازة بالكسر السرير، وبالفتح الميت، وقيل هما لغتان، وعن الأصمعي لا يقال بالفتح. (وإذا احتضر الرجل) (٢) أي: قرُب من الموت (٣)، يقال: فلان محتضر، أي: قريب من الموت، واحتضر مات أيضًا؛ لأن الوفاة حضرته أو ملائكة الموت. كذا في «المغرب» (٤). (وجّه إلى القبلة على (٥) شقه الأيمن) (٦) اعلم أنّ الاضطجاع على ستة أنواع: اضطجاع في حالة المرض، فإنه يضجع على شقه الأيمن عرضًا للقبلة. واضطجاع في حالة [صلاة المريض، فقد ذكرناه. واضطجاع في حالة] (٧) النزع، فإنّه يوضع كما يوضع في حالة المرض إلا أنّ العرف فيما بين الناس أن يضجع مستلقيًا على قفاه، وقيل: بأن هذا يسر لخروج روحه. واضطجاع في حالة الغسل بعدما قضى [نحبه] (٨)، فلا رواية فيه عن أصحابنا أنّه كيف يُوضع على التخت إلا أنّ العرف أنه يُضجع مستلقيًا على قفاه [طولًا نحو القبلة كما في حالة الصلاة، وذلك حسن. واضطجاع في حالة الصلاة ﷺ ، فإنه يضجع معترضًا للقبلة على قفاه] (٩). واضطجاع في حالة الوضع في اللحد، فإنّه يضجع على شقه الأيمن كما في حال المرض. كذا في «شرح الطحاوي» (١٠). (ولقّن الشهادة) (١١)، ولفظ المختصر: (ولُقّن الشهادتين)، وهو المراد هنا أيضًا. وفي «شرح الطحاوي»: وإذا اشتد عليه المرض، ودنا موته، فالواجب على أصدقائه، وإخوانه أن يلّقنوه كلمة الشهادة، ولا يقول له: قل، ولكن يقول وهو يسمع ويتلقّن، والمراد الذي قرب من الموت، فإن الشيء يطلق عليه اسم ما قرب منه من الأحوال سواء كان القرب به من حالة ماضية، كما في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (١٢)، وكما في لفظ أبي يوسف في «الجامع الصغير» (١٣) صليت بهم المغرب يوم عرفة، وقد ذكرناه، أو حالة آتية، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (١٤)، وقوله ﷺ : «[الثياب] (١٥) من قتل قتيلًا فله سلبه» (١٦)، والذي نحن فيه من قبيل الثاني، فإذا مات شدّ لحياه، وغمض عيناه؛ لأنه إذا ترك مفتوح العين يصير كريه المنظر، ويقبح في أعين الناس، وعليه توارث الأمة، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، ثم المستحبّ أن يعجّل في جهازه، ولا يؤخّر؛ لقوله ﷺ : «عجلوا بموتاكم فإن يك خيرًا قدّمتموه إليه، وإن يك شرًا فبُعدًا لأهل النار» (١٧)، ولا بأس بإعلام الناس بموته؛ لأن فيه تحريض الناس إلى الطاعة، وحثًّا على الاستعداد لها، فيكون دلالة على الخير، والدال على الخير كفاعله (١٨). كذا في «التحفة» (١٩).

стр. 1019

فصل: [في الغسل] (١) قدّم الغسل لأنّه (٢) أوّل ما يُصنع بالميّت هذا، ثم اعلم بأن غسل الميت حق واجب على الأحياء بالسنة، وإجماع الأمة، ونوع من المعنى (٣). أمّا السّنة فما روى أُبي بن كعب ﵁ (٤) عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أنّ آدم ﷺ لما حضرته الوفاة نزلت الملائكة بحنوطه، وكفنه من الجنة، فلما مات غسّلوه بالماء، والسدر ثلاثًا، وكفّنوه [هذه] (٥) في وتر من الثياب، وصلّوا عليه عند البيت، وأَمّهم جبرائيل ﷺ ، وقال: هذه سنة ولد آدم من بعده» (٦)، وإجماع الأمة على هذا (٧). [١٥٤/ أ] وأمّا المعنى: فهو أنّ الميت في صلاة الجنازة بمنزلة الإمام للقوم، فإنّه لا تجوز الصلاة بدونه، ولهذا قال ابن مسعود ﵁: «الجنازة سنة متبوعة» (٨)، ولهذا شرط تقديمه على القوم كالإمام، وطهارة الإمام شرط لجواز صلاة القوم، فكذا طهارة الميت، ولأن ما بعد الموت حال عرض على الله، ورجوع إليه فوجب تطهيره بالغسل تعظيمًا لله سبحانه، ولهذا سنّ غسل الكافر،/ وإن كان لا يُصلّى عليه تعظيمًا لله؛ لأنه حال رجوع إلى الله، وبه وردت السنة في حق الكافر من حديث أبي طالب، ثم اختلف المشايخ ﵏ أنّه لا يرى علة وجب غسل الميت. قال أبو عبد الله الثلجي (٩)، (١٠) [أنّه] (١١) إنما وجب غسله لأجل الحدث لا لنجاسته تثبت بالموت، وذلك؛ لأن النجاسة التي ثبتت بالموت لا تزول بالغسل كما في سائر الحيوانات، والحدث مما (١٢) يزول بالغسل حالة الحياة، فكذا بعد الوفاة، والآدمي لا ينجس بالموت كرامة له، ولكن يصير محدثًا؛ لأن الموت سبب لاسترخاء المفاصل، وزوال العقل قبل الموت، وأنّه حدث، فكان يجب أن يكون مقصورًا على أعضاء الوضوء كما في حال الحياة، إلا أنّ القياس في حالة الحياة غسل جميع البدن في الحدث كما في الجنابة فاكتفى بغسل الأعضاء الأربعة نفيًا للحرج؛ لأنه يتكرّر في كلّ يوم، والجنابة لما لم تتكرر لم يكتف بغسل الأعضاء الأربعة، فكذا الحدث بسبب الموت لا يتكرّر، فلا يؤدّي غسل جميع البدن إلى الحرج، فأخذنا بالقياس، وكان الشيخ أبو عبد الله الجرجاني ﵀ (١٣)، وغيره من مشايخ العراق (١٤) يقولون: بأنّ غسله وجب لنجاسة الموت لا بسبب الحدث، وذلك؛ لأن الآدمي له دم سائل، فتنجس بالموت قياسًا على سائر الحيوانات التي لها دم، والدليل على أنّه ينجس بالموت أن المسلم إذا وقع في بئر، ومات، فإنّه يجب نزح ماء البئر كله (١٥).

стр. 1020

وكذلك لو احتمل ميّتًا قبل الغسل، وصلى معه لا يجوز الصلاة، ولو كان الغسل واجبًا؛ لإزالة الحدث لا غير؛ لكان يجوز الصلاة مع الميت قبل الغسل كما لو حمل محدثًا فصلى معه، والدليل عليه [أيضًا] (١) أن الميت لا يُمسح برأسه، ولو كان للحدث لسن المسح على رأسه كما في الجنب، فدلّ أنّ الغسل واجب لإزالة نجاسة تثبت بالموت كرامة للآدمي بخلاف سائر الحيوانات، وكأنّ هذا القول أقرب إلى القياس؛ لأن هذا القائل قال: بثبوت النجاسة بعد وجود علتها، وهو احتباس الدم السائل في العروق، وقال: بزوال هذه النجاسة بالغسل، وللغسل أثر في إزالة النجاسة كما في حالة الحياة، وإن لم يكن له أثر في إزالة نجاسة الموت في سائر الحيوانات سوى الآدمي، فكان هذا القول موافقًا للقياس، وأما ما قاله البلخي مخالف للقياس، وهو المنع لثبوت النجاسة مع قيام العلة الموجبة للنجاسة. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٢)، و «المحيط» (٣)، وكذا ذكر لفظ وجوب الغسل شمس الأئمة السرخسي (٤)، وصاحب «التحفة» (٥) رحمهما الله. وفي «مبسوط فخر الإسلام»: غسل الميت سنة واجبة. واعلم: أن أقسام [غسل] (٦) الميت، والصلاة عليه لا تنفلت عن القسمة العقلية، فإنّ منهم من يُغسل، ويُصلى عليه، وهو المسلم الذي مات حتف أنفه، ومنهم عكسه، وهو الذي لا يُغسل، ولا يُصلّى عليه، وهو الكافر الذي لا ولي له من المسلمين، ومنهم من يغسل، ولا يُصلى عليه، وهو الباغي، وقاطع الطريق، والكافر الذي له ولي مسلم، ومنهم [عكسه، وهو] (٧) الذي لا يُغسل، ولكن يصلّى عليه، وهو الشهيد (٨). قوله: (وإذا أرادوا غسله وضعوه على سريره … إلى آخره) (٩)، أمّا الوضع على السرير؛ لأنه لو وضع على الأرض يتلطّخ بالطين، فيوضع عليه (١٠)؛ كيلا يتلطّخ به، وإن لم يبيّن كيفية وضع التخت إلى القبلة طولًا، أو عرضًا من أصحابنا من اختار الوضع طولًا كما كان يفعله في مرضه إذا أراد الصلاة بالإيماء، ومنهم من اختار الوضع عرضًا [كما يودع] (١١) في القبر، قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: والأصح أنه يوضع كما يتيسر (١٢)، فإن ذلك يختلف باختلاف الأماكن، والمواضع، وجعلوا على عورته خرقة؛ لأن ستر العورة واجب على كل حال، والآدمي محترم حيًّا، وميتًا (١٣).

стр. 1021

ألا ترى أنه لا يحل للرجال غسل النساء، ولا للنساء غسل الرجال للأجانب بعد الوفاة، ثم ظاهر الرواية أنه يستر [السوءة] (١) العورة -[أي: العورة] (٢) الغليظة- وحدها، وبترك فخذاه مكشوفتين (٣). وفي «النوادر»: قال: ويوضع على عورته خرقة من السرة إلى الركبة، وهكذا ذكر الكرخي في كتابه، وهو الصحيح قال ﷺ لعلي ﵁: «لا ينظر إلى فخذ حي، وميت» (٤)، كذا في «المحيط» (٥). واحترز عن رواية «النوادر» في الكتاب بقوله: هو الصحيح (٦). وفي «المبسوط» (٧): وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀: أنه يؤزّر بإزار سابغ كما يفعله في حياته إذا أراد الاغتسال،/ وفي ظاهر الرواية قال: يشق عليهم غسل ما تحت الإزار، فيكتفي بستر العورة الغليظة بخرقة، ونزعوا ثيابه، فإنّ السنة عندنا في الغسل أن يجرّد الميت، وقال الشافعي ﵀ السنة أن يغسل في قميص واسع الكمين حتى يُدخل الغاسل يده في الكمين، ويغسل بدنه، وإن كان ضيقًا خرق الكمين؛ «لأن النبي ﷺ لما توفي غسل في قميصه الذي توفي فيه» (٨)، وما كان سنة في حق النبي ﷺ كان سنة في حق غيره ما لم يقم دليل التخصيص (٩)، ولأن الميت متى جرد يُطّلع الغاسل على جميع أعضائه، فربّما يطلع على عورته، وقبل الموت كان يكره الاطلاع عليه، فكذا بعد الموت حقًّا للميت، واحتج علماؤنا بما روت عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ لما توفي اجتمعت الصحابة لغسله، فقالوا لا ندري (١٠) كيف نغسله يغسل كما نغسل موتانا أو يغسل، وعليه ثيابه فأرسل الله تعالى عليهم النوم، فما منهم إلا نام، وذقنه على صدره؛ إذ ناداهم مناد أن اغسلوا رسول الله ﷺ وعليه ثيابه» (١١)، فقد أجمعت الصحابة أنّ السنة في سائر الموتى التجريد، ولأن هذا غسل واجب، فلا يقام مع الثياب اعتبارًا بحالة الحياة، وهذا لأن المقصود من الغسل هو التطهير، والتطهير لا يحصل إذا غسل مع ثيابه؛ لأن الثوب متى (١٢) ينجس بالغسالة ينجس بدنه ثانيًا بنجاسة الثوب، فلا يفيد الغسل، فيجب التجريد.

стр. 1022

[١٥٤/ ب] وأمّا الحديث قلنا: النبي ﷺ كان مخصوصًا بذلك لعظم حرمته ألا ترى أن الصحابة، قالوا: «[لا ندري] (١) كيف نغسله» (٢)، والنص الوارد في حقه بخلاف القياس لا يكون واردًا في حق غيره؛ لأنه ليس لغيره من الحرمة ما للنبي ﷺ (٣). وقوله: (يطّلع على عورته) قلنا: ابتلينا بين أمرين بين أن نغسله في ثيابه حتى لا يطّلع على عورته غيره، وبين أن يجرّده فيقع الاحتراز عن نجاسته تصيبه من الثوب، والتجريد أولى؛ لأن صيانته عن النجاسة فرض، واطلاع الغاسل على عورة الميت مكروه، فكان مراعاة التطهير، وأنه فرض أولى من مراعاة الاطلاع على عورة الميت، وأنه مكروه، ولكن يلف الغاسل على يده خرقة، ويغسل السوءة؛ لأن مسّ العورة حرام كالنظر، فيجعل على يده خرقة؛ لتصير حائلة بينه وبين العورة، كما لو ماتت المرأة بين أجانب ييممها أجنبي بخرقة عند الضرورة. كذا في «فتاوى قاضي خان» (٤). ولم يذكر محمد ﵀ في الكتاب أنه هل يستنجي؟ وفي صلاة الأثر (٥) على قول أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله يستنجي، وعلى قول أبي يوسف ﵀ لا يستنجي؛ لأن المسكة تزول، والمفاصل تسترخي بالموت، وربما يزداد الاسترخاء بالاستنجاء، فيخرج زيادة بنجاسة من باطنه، فلا يفيد الاستنجاء فائدته، فلا يشتغل (٦) به، وهما قالا موضع الاستنجاء من الميت، فلما تخلوا عن نجاسة حقيقية، فيجب إزالتها كما لو كانت النجاسة على موضع آخر من البدن، ووضوءه من غير مضمضة، واستنشاق، وهذا عندنا، وعند الشافعي ﵀ يمضمض، ويستنشق؛ لأن هذا غسل بعد الموت، فيعتبر (٧) بالغسل الواجب حالة الحياة، وفي ذلك يمضمض، ويستنشق، فكذا هنا (٨)، واحتَّج أصحابنا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «الميت يوضأ وضوءه للصلاة، ولا يمضمض، ولا يستنشق» (٩)، ولأنه يتغذّر إخراج الماء من فيِّه، فيكون سقيًا لا مضمضة، ولو كبُّوه على وجهه ربّما يخرج من جوفه ما هو شر منه، ومن العلماء من قال: يجعل الغاسل على أصبعه خرقة رقيقة، ويُدخل الأصبع في فمه، ويمسح بهما أسنانه، ولهاته، وشفتيه، وينقيها، ويدخل في منخريه أيضًا (١٠)، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: وعليه الناس اليوم فرق بين هذا وبين الوضوء في غسل الجنب من أربعة أوجه:

стр. 1023

أحدها: هو أنّ الميت لا يمضمض، ولا يستنشق بخلاف الجنب. والثاني: أن الجنب يبدأ فيغسل يديه أولًا إلى الرسغ، وفي الميت لا يبدأ بغسل يديه، بل بوجهه. والثالث: أن الميت لا يمسح رأسه بخلاف الجنب، فإنه يمسح رأسه في ظاهر الرواية. [١٥٥/ أ] والرابع: أن الجنب يغسل رجليه بعد الفراغ لا عند الوضوء، والميت يغسل رجلاه عند الوضوء، هذا كله على رواية صلاة الأثر، والصحيح/ أن يكون الجواب كالجواب في الجنب غير المضمضة، والاستنشاق؛ لأنه ﷺ استثناهما. كذا ذكره شيخ الإسلام (١). وفي «المبسوط» (٢): ذكر غسل الرِّجلين عند الوضوء من غير تأخيره إلى الفراغ مطلقًا من غير ذكر اختلاف الروايتين، وفرق بينه وبين غسل الجنب، وقال: لأن هناك يجتمع الماء المستعمل في موضع رجليه فلا يفيد الغسل، وهاهنا لا يجتمع، وكذا ذكر في «المحيط» (٣) المسألتين الباقيتين، وهما بدأ به غسل الوجه، وترك مسح الرأس مطلقًا من غير ذكر اختلاف الروايتين. قال شمس الأئمة الحلواني: هذا الذي ذكره من الوضوء في حق البالغ، والصبي الذي يعقل الصلاة، وأمّا الصبي الذي لا يعقل الصلاة، فإنه يغتسل، ولا يتوضأ، وضوءه للصلاة؛ لأنه كان لا يصلي. (ثم يفيضون الماء عليه) (٤) أي: ثلاثًا؛ لأن هذا غسل مشروع بعد الوفاة، فيعتبر بالغسل المشروع حال الحياة، وهنا كذلك فكذا هنا، وإن زاد على الثلاث جاز، كما في حالة الحياة (٥)، ويُجمّر سريره وترًا، جمر ثوبه، وأجّمره [بخره] (٦)، والتجمير أكثر. كذا في «المغرب» (٧). وذكر فخر الإسلام في «مبسوطه»: فأجمر وترًا، والإجمار التطييب، يعني: بدأ (٨) المجمر، وهو الذي يوقد فيه العود حوالي السرير ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، ويُغلى الماء بالسدر أو بالحوض، فإن لم يكن فالماء القراح هو من الإغلاء لا من الغلي، فإنّ الغلي والغليان لازم، ثم الإغلاء مذهبنا، فإنّ الغسل بالماء الحارّ أفضل عندنا، وقال الشافعي: الأفضل أن يغسل بالماء البارد إلا أن يكون عليه وسخ، أو نجاسة لا تزول إلا بالماء الحار، فحينئذ يغسل بالماء الحار، وقال: لأن الميت يسترخي، فلو غسل بماءً حار ازداد الاسترخاء، فيصير سببًا لخروج ما في بطنه من النجاسة (٩)، فيؤدّي إلى تنجيس الأكفان (١٠).

стр. 1024

واحتج علماؤنا: بأنّ غسل الميت شرع للتنظيف، والماء الحار أبلغ في التنظيف، فيكون أفضل قياسًا على حالة الحياة، وأمّا قوله: (يزيد في الاسترخاء)، قلنا: لهذا سُنّ بالماء الحار؛ ليزيد الاسترخاء، فيخرج جميع ما يخرج كيلا ينجّس الأكفان، ثم قوله: (فإن لم يكن فالماء القراح) هذا الذي ذكره هنا من الترتيب يوافق روابة مبسوط شمس الأئمة السرخسي ﵀ (١)، ويخالف «مبسوط شيخ الإسلام»، و «المحيط» (٢)؛ لأنه ذكر فيهما يغسل أولًا بالماء القراح، أي: الخالص، ثم بالماء الذي يطرح فيه السدر، وهو ورق البنت الذي يقال له: كنار، وفي الثالثة: يجعل الكافور في الماء، ويُغسل هكذا. روي عن ابن مسعود ﵁ أنّه قال: «يبدأ أولًا بالماء القراح، ثم بالماء والسدر، ثم بالماء وشيء من الكافور» (٣)، وإنما يبدأ أولًا بالماء القراح حتى يبتل ما عليه من الدّرن والنجاسة، ثم بماء السّدر حتى يزول ما به من الدّرن والنجاسة، فإن السّدر أبلغ في التنظيف، ثم بماء الكافور تطييبًا لبدن الميت كذا فعلت الملائكة بآدم ﷺ حين غسّلوه (٤)، ويغسل رأسه، ولحيته بالخطمي، وهو خطمي العراق، وهو مثل الصابون في التنظيف، وهذا إذا كان له شعر على رأسه؛ لأن الحي إذا اغتسل، وله شعر يفعل ذلك حتّى يصل الماء إلى سؤن شعره (٥). (ويمسح بطنه مسحًا رفيقًا) (٦) فتح بالفاء من رفق به، وترفق تلطّف به من الرفق خلاف الخُرق، والعنف. كذا في «المغرب» (٧). (تحرّزًا عن تلويث الكفن (٨) (٩)، وعلّل المسح في «المبسوط» (١٠) بقوله: حتّى إن [بقي به] (١١) عند المخرج شيء يسيل منه؛ كيلا يتلوّث أكفانه. وفي «المحيط» (١٢): فإذا صُبّ الماء على الجانب الأيمن باضجاعه على الجانب الأيسر، وصُبّ الماء على الأيسر باضجاعه على الأيمن فقد غسل مرتين، ثم يقعده، ويسنده إلى نفسه، فيمسح بطنه مسحًا رقيقًا، فقد أمره بالمسح بعد الغسل مرتين، وأمره بالرفق حقًّا للميت، وروي عن أبي حنيفة ﵀ في غير رواية الأصول: أنه قال: يُقعده أولًا، ويمسح بطنه، ثم يغسله؛ لأن المسح قبل الغسل أولى حتى يخرج ما في بطنه من النجاسة، فيقع الغسل ثلاثًا بعد خروج النجاسة.

стр. 1025

وجه ظاهر الرواية هو: أنّ المسح بعد المرة الثانية أولى؛ لأنه ربّما يكون في بطنه نجاسة منعقدة لا تخرج بعد المسح قبل الغسل، وتخرج بعد الغسل مرتين بماء جارٍ، فكان المسح بعد المرتين أقدر على/ إخراج ما به من النجاسة فيكون أولى، والأصل في ذلك ما روي عن علي ابن أبي طالب ﵁ لما غسل رسول الله ﷺ مسح بطنه بيده [مسحًا] (١) رفيقًا طلب منه ما يُطلب من الميت فلم ير [شيئًا] (٢)، فقال: «طبت حيًّا، وميّتًا» (٣)، ورُوي أن العباس ﵁ فعل، وقال هذا، ورُوي: "أنّه لما فعل به هكذا فاح ريح المسك في البيت، وانتشر ذلك الريح في المدينة" (٤). فإن سال منه شيء مسحه، ثم يغسل ذلك الموضع، وإنّما أمره بالمسح قبل الغسل؛ لأنه لو لم يمسح يتعدّى عن ذلك الموضع بالغسل، ثم يضجعه على شقه الأيسر، فيغسله بالماء القراح، وشيء من الكافور حتى ينقيه، ويرى أن الماء قد خلّص إلى ما يلي التخت منه، فإذا فعل ذلك فقد غسله ثلاثًا. كذا في «المحيط» (٥). [١٥٥/ ب] قوله: (ولا يعيد غسله) (٦) روى بضم الغين، وفتحها كذا وجدتُ مقيًّدا بخط شيخي ﵀، والغسل بالضم اسم للاغتسال، وهو غسل تمام الجسد، ولا يعيد غسله، ولا وضوءه، وقال الشافعي: يعيد الغسل، وقال بعض أصحابه: بإعادة الوضوء، ولكن ما قالوا ليس بصحيح؛ لأن الحدث في حالة الحياة لا يوجب الغسل، فكذا بعد الممات، وأمّا الوضوء فلأنّ الخارج إن كان حدثًا، فالموت حدث أيضًا؛ لأنه يزول به التمييز أكثر ما يزول بالإغماء، وهو موجود في الحال، وهو لا يوجب الوضوء فكذا هذا الحدث. كذا في «شرح الأقطع» (٧). وفي «الخلاصة الغزالية»: ما يدل على أنّه يعيد الغسل، فقال فيها: فإن خرج بعد الغسل شيء، فالصحيح استئناف الأمر من أوّله إلى آخره (٨). ثم اعلم أنّه لابد من النية في غسل الميت حتّى [إن الميت] (٩) إذا وجد في الماء لابدّ من غسله؛ لأن الخطاب بالغسل توجّه على بني آدم، ولم يوجد من بني آدم فعل إلا أن يحُركه في الماء بنية الغسل وقت الإخراج كذا في «التجنيس» (١٠)، و «فتاوى قاضي خان» استئناف الأمر من أوّله (١١).

стр. 1026

وفي «فتاوى قاضي خان»: أيضًا ميت غسله أهله من غير نيّة الغسل أجزأهم ذلك (١). (ثم ينشفه بثوب) (٢) أي: يأخذ ماءه بثوب حتّى يجفّ من نشف الماء أخذه بخرقة من باب ضرب، ومنه كان للنبي عليه خرقة ينشف بها إذا توضأ، ويجعل الحنوط على رأسه الحنوط عطر مركب من أشياء طيبة، والكافور (٣). (على مساجده) (٤) أي: مواضع سجوده، جمع مسجد بفتح الجيم لا غير. كذا في «المغرب» (٥). في «المبسوط» (٦): يعني بها: جبهته، وأنفه، ويديه، وركبتيه، وقدميه؛ لأنه كان يسجد بهذه الأعضاء، فيخصّ بزيادة الكرامة، ولا يسرّح شعر الميت تسريح الشعر تخليص بعضه عن بعض، وقيل: تخليله بالمشط قيل: مشطه. كذا في «المغرب» (٧). وذكر شيخ الإسلام: وهذا عندنا، وقال الشافعي ﵀: يسرّح بمشط واسع، ويستحب ذلك في الميت؛ لأن النبي ﷺ قال: «اصنعوا بموتاكم كما تصنعون بعرائسكم» (٨)، ويُصنع هذا بالعروس فكذا بالميت، واحتج أصحابنا بما روي عن عائشة ﵂، وهو المذكور في الكتاب، ثم المراد بما روي من الحديث النظافة التي لا توجب إبانة جزء من أجزائه، [فلا يسن] (٩) نحو إزالة الدزن، وإزالة النجاسة الحقيقية، والطيب في الكفن، وغير ذلك [أمّا إبانة جزء من أجزائه فلا يسنّ] (١٠)، وإن كان فيه زيادة نظافة كالختان، وأخذ الشارب، واللحية (١١). وفي «الخلاصة الغزالية»: والصحيح تقليم الظفر، [وحلق الشعر] (١٢) على السنة، ثم توضع هذه الأجزاء معه في الكفن (١٣). وفي «الإيضاح» (١٤): ولا بأس بسائر الطيب غير الزعفران، والورس في حق الرجل؛ لأن النبي ﷺ نهى الرجل عن المزعفر (١٥)، ولأن نقص ظفره (١٦).

стр. 1027

وفي «المحيط» (١): وإن كان ظفره منكرًا، فلا بأس بأن يأخذه روي ذلك عن أبي حنيفة، وأبي يوسف -رحمهما الله-. «علام تنصون ميتكم؟» (٢) أصله على ما دخل حرف الجرّ على ما الاستفهامية، فأسقط ألفها للتخفيف، كقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ (٣)، (٤)، وكذلك قولهم: لِمَ، واللام نصوت الرجل نصوًا أخذت ناصيته، ومدتها، وعائشة ﵂ كأنها كرهت تسريح [رأس] (٥) الميت، فإنّه لا يحتاج إلى ذلك، فجعلته بمنزلة الأخذ بالناصية. كذا في «المغرب» (٦). [١٥٦/ أ] (وفي الحيّ كان تنظيفًا جواب إشكال) (٧)، أي: لا يشكل علينا الحي حيث يسرّج شعره، ويقصّ ظفره؛ لأنه محتاج إلى الزينة، ولا يعتبر في حقه (٨) زوال الجزء بخلاف الميت فإنه لا يسنّ فيه إزالة الجزء كما في الختان حيث يفرق بين الحي، والميت فيه/ بأن يختن الحي، ولا يختن الميت بالاتفاق، فكذا في كل زينة يتضمن إبانة الجزء يجب أن يفرق بينهما. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٩). وليس في غسل الميت استعمال القطن في الروايات الظاهرة، وعن أبي حنيفة ﵀: أنه يجعل القطن، أو المحلوج في منخريه، [وفمه] (١٠)، وبعضهم قالوا: يجعل في صماخ (١١) أذنيه أيضًا، وقال بعضهم: يجعل في دبره أيضًا، وهو قبيح. كذا في «فتاوى قاضي خان» ﵀، والله أعلم (١٢). فصل في التكفين هذه الأفعال أفعال مرتبة في حق الميت بالغسل، والتكفين، والصلاة، والدفن، فلذا رتب [ذكرها أيضًا على] (١٣) هذا الترتيب (١٤)، ثم اعلم بأن صاحب «التحفة» (١٥) أطلق اسم السنة على التكفين، فقال: ثم يكفّن الميت بعد الغسل؛ لأن تكفين الميّت سنة لما روي في قصّة آدم ﷺ أن الملائكة قالت لولده بعدما غسّلوه، وكفّنوه، ودفنوه: «هذه سنة موتاكم» (١٦).

стр. 1028

قلت: لكن المسائل تدل على أنه واجب منها تقديمه على الدين، والوصية، والإرث، ومنها قولهم: ومن لم يكن له مال، فكفنه على من يجب عليه نفقته كما يلزمه كسوته في حال حياته إلا المرأة لا يجب كفنها على زوجها عند محمد ﵀؛ لأن الزوجية قد انقطعت بالموت، وعند أبي يوسف: [أنه] (١) على زوجها، ومنها ما ذكر في «النوازل»: إذا مات الرجل، ولم يترك شيئًا، [ولم يكن هناك من وجب عليه نفقته يفترض على الناس] (٢) أن يكفّنوه إن قدروا عليه، وإن لم يقدروا عليه سألوا الناس، فرق بين الميت، والحي إذا (٣) لم يجد ثوبًا يصلي فيه ليس على الناس أن يسألوا له ثوبًا، والفرق أنّ الحي يقدر على السؤال بنفسه، والميت لا. كذا في «المحيط» (٤)، وغيره (٥). ولا يشكل على ما ادّعيت من الوجوب لفظة الكتاب بقوله: قال: (السنة [أن يكفن الرجل) (٦) لما أن ذلك في كيفية التكفين لا في أصله، ويجوز أن يكون الشيء في أصله فرضًا أو واجبًا، وله سنن في هيئاته، وكيفياته، كما في سنية تثليث الوضوء، وغيره (٧). قوله: (السنة] (٨) أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب) (٩)، وحاصله: أن الكفن على ثلاثة أنواع (١٠) كفن سنة، وكفن كفاية، وكفن ضرورة، وكفن السنة في حق الرجل ثلاثة أثواب، وفي حق المرأة خمسة، والكفاية في حق الرجل ثوبان، وفي حق المرأة ثلاثة، والضرورة فيما [يوجد فيهما، «فإن] (١١) حمزة ﵁ (١٢) استشهد، وعليه نمرة إذا غطى بها رأسه بدت قدماه، وإذا غُطي بها قدماه بدا رأسه، فغطى بها رأسه، وجعل على قدميه الإذخر» (١٣). كذا في «المحيط» (١٤).

стр. 1029

ولا بأس بالبرود، والكتان، والقصب، وفي حق النساء بالحرير، والإبريسم، والمزعفر. كذا في «التحفة» (١). ورُوي عن محمد: أنّ المرأة تكفن في الإبريسم، والحرير، والمعصفر، والمزعفر، ويكره للرجال ذلك اعتبار للكفن باللباس حالة الحياة (٢). قال: وأحب الأكفان الثياب البيض لما روي عن النبي ﷺ أنّه قال: «البسوا هذه الثياب البيض فإنها خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم» (٣). كذا في «الإيضاح» (٤). (بيض سحولية) (٥)، وهي منسوبة إلى سحول (٦) قرية باليمن، والفتح هو المشهور (٧)، وعن الأزهري (٨) بالضم (٩)، وعن القنبي (١٠) بالضم أيضًا إلا أنه قال: هو جمع سحل، وهو الثوب الأبيض، وفيه نظر. كذا في «المغرب» (١١). (فإن اقتصروا على ثوبين جاز) (١٢) قيل: فإن كان بالمال كثرة، وبالورثة قلة فكفن السنة أولى، وإن كان على العكس، فكفن الكفاية أولى. كذا في «الخلاصة»، وغيرها (١٣).

стр. 1030

(ولأنّه أدنى لباس الأحياء) (١)، فإن أدنى ما يلبس الرجل حالة الحياة ثوبان قميص، وإزار، وأدنى ما تلبسه المرأة ثلاثة قميص، وإزار، وخمار، ثم يعطف الإزار من قبل اليسار، ثم من قبل اليمين، وإنما يقدم عطف اليسار على اليمين لمعنيين: أحدها: أن لليمين فضلًا على اليسار، فإنه إذا أخّر عطف اليمين يكون فوق اليسار. والثاني: أن ما يلبسه حالة الحياة من الثياب يعطف أولًا من قبل الأيسر، ثم من قبل الأيمن فكذا هنا، ولأنها تخرج فيها حالة الحياة، فإن أكثر ما يلبسه المرأة حالة الحياة للخروج خمسة أثواب: درع، وإزار، وخمار، وملاءة، ونقاب، ثم يجعل شعرها ضفيرتين على صدرها فوق الدّرع، وقال الشافعي ﵀: يضفر شعرها خلف ظهرها اعتبارًا بحالة الحياة، وإنا نقول: إنما نفعل ذلك لأجل الزينة، وهذه حالة حسرة، وندامة، فيعتبر بمثل هذه الحالة من حال الحياة، ثم في حالة الحياة في حالة الحسرة، والندامة بأن إصابتها مصيبة لا يجعل شعرها خلف ظهرها، بل يجعل على صدرها، فكذا بعد الوفاة بهذا كله من «المحيط» (٢). [١٥٦/ ب] وفي «المبسوط» (٣): ولم يذكر العمامة في الكفن، وقد كره بعض/ مشايخنا؛ لأنه لو فعل كان الكفن شفعًا، والسنّة فيه أن يكون وترًا، واستحسنه بعض مشايخنا لحديث ابن عمر ﵁: «أنه كان يعمم الميت، ويجعل ذنب العمامة (٤) على وجهه» (٥) بخلاف حالة الحياة، فإنه يرسل ذنب العمامة من قبل القفاء بمعنى الزينة، وبالموت قد انقطع [عن] (٦) ذلك. (لأنها فريضة) (٧) أي: فرض كفاية (٨). فصل [في الصلاة على الميت] (٩) ثم بدأ ببيان صلاة الجنازة بفصل على حدة، فيقول: (صلاة الجنازة فريضة فرض كفاية حتّى (١٠) إذا قام بها البعض سقط عن الباقين). أمّا كونها فرضًا: فلأن الله تعالى أمر بها بقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (١١)، والأمر للوجوب (١٢)، وقال ﷺ : «صلّوا على كلّ بر، وفاجر» (١٣).

стр. 1031

وأما كونها فرض كفاية: فلأنّها تقام حقًا للميت، فإذا قام بها البعض صار حقه مؤدى، فيسقط (١) عن الباقين كسائر حقوقه من التكفين، والغسل (٢). ثم ذكر محمد ﵀ في كتاب الصلاة: أن إمام الحي أولى بالصلاة، وذكر الحسن عن أبي حنيفة ﵀: أن الإمام الأعظم، وهو الخليفة أولى إن حضر، فإن لم يحضر فإمام المصر أولى، فإن لم يحضر فالقاضي أولى، فإن لم يحضر فصاحب الشرط أولى، فإن لم يحضر فإمام الحي أولى، فإن لم يحضر فالأقرب من ذوي قرابته، وبهذه الرواية أخذ كثير من مشايخنا، ومن المشايخ قال: لا اختلاف بين الروايتين، فما ذكر في كتاب الصلاة محمول على ما إذا لم يحضر الإمام الأعظم، ولا واحد ممن ذكر في رواية الحسن، وهذا كله قول أبي حنيفة، ومحمد، وقال أبو يوسف، والشافعي: ولي الميت أولى بالصلاة على الميت على كلّ حال؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٣) من غير فصل، ولأنّ هذا حكم تعلّق بالولاية، فكان الولي مقدّمًا على السلطان، وغيره قياسًا على النكاح، ولأنّ صلاة الجنازة دعاء للميت، ودعاء القريب أرجى [أسرع] في الإجابة؛ لأنه أشفق على الميت، فيوجد منه زيادة تضرّع، فكان [هو] (٤) أولى، ولأبي حنيفة، ومحمد -رحمهما الله- أنّه لما مات الحسن ابن علي ﵄ خرج الحسين ﵁، والنّاس لصلاة الجنازة فقدم الحسين سعيد بن العاص، وكان سعيد واليًا بالمدينة يومئذ فأبى سعيد أن يتقدّم، فقال له الحسين: «تقدم، ولولا السنة ما قدمتك» (٥)، ولأنّ هذه الصلاة تقام بجماعة غالبًا، فيكون السلطان أولى بإمامتها قياسًا على سائر الصلاة (٦). وأمّا الجواب عن تعلقهم بالآية، قلت (٧): الآية محمولة على المواريث، وعلى ولاية المناكحة، وليس [ولاية الإمامة] (٨) كولاية النكاح؛ لأنّ ولاية النكاح مما لا يتصل بالجماعة، وإنما يتّصل بالواحد، فكان القريب أولى بالإقامة كالتكفين، والغسل.

стр. 1032

وقولهم: إن صلاة الجنازة شرعت للدّعاء، ودعاء الولي أقرب إلى الإجابة؟ قلنا: بل دعاء الإمام أقرب إلى الإجابة على ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاثة لا يحجب دعاؤهم» (١)، وذكر منهم الإمام، ولأن القريب غير ممنوع عن الصلاة عليه. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٢)، و «المحيط» (٣). قيل: قوله: (إن حضر) (٤) إشارة إلى أن الأصل الولي إلا أنّه ترك ذلك بعارض الاحتراز عن ازدراء الإمام على ما ذكر (٥). قوله ﵀: (ثم الولي) (٦) فعلم بما ذكرنا أن تأخير الولي عن غيره قول أبي حنيفة، ومحمد -رحمهما الله- خلافًا لأبي يوسف ﵀، ثم لو اجتمع للميت قريبان، وهما في القرب إليه على السّواء بأن كان له أخوان لأب وأمّ، أو لأب، فأكبرهم سنًّا أولى؛ لأن النبي ﷺ أمر بتقديم الأسنّ (٧)، فإن أراد الأكبر أن يقدّم إنسانًا ليس له ذلك إلا برضاء الآخر؛ لأن الحق [لهما] (٨)؛ لاستوائهما في القرابة لكنّا قدّمنا الأسن بالسنة، ولا سنة في تقديم من قدّمه، فيبقى [الحق] (٩) لهما كما كان، وإن كان أحدهما لأب وأم، والآخر لأب، فالذي هو لأب وأمّ أولى، وإن كان أصغر، وإن قُدم الأخ لأب وأمّ غيره، فليس للأخ أن يمنعه عن ذلك؛ لأنه لا حق للأخ لأب أصلًا، وإن اجتمع للميت ابن وأب ذكر في كتاب الصلاة أنّ الأب أولى (١٠). [١٥٧/ أ] من مشايخنا من قال: (هو قول محمد)، فأمّا على قول أبي حنيفة فالابن أولى، وعلى قول أبي يوسف ﵀ الولاية لهما إلا أنّه تقدم الأب احترامًا له كما في مسألة النكاح، فإنّه إذا اجتمع للمجنون أب وابن، فعند أبي حنيفة ﵀: الابن أولى في ولاية/ التزويج، ومنهم من قال: لا، بل ما ذكر في صلاة الجنازة أن الأب أولى قول الكل؛ لأن للأب زيادة فضيلة، وسنّ ليس للابن، وللفضيلة أثر في استحقاق الإمامة فترجح الأب لذلك بخلاف النكاح، وابن عم المرأة أحق بالصلاة عليها من زوجها إذا لم يكن للزوج ابن منها؛ لأن النكاح انقطع لموت المرأة، والتحق الزوج بسائر الأجانب، والقرابة لا تنقطع إلا أن يكون للزوّج منها ولد، فحينئذ يكون الزوج أحق بالصلاة عليها؛ لأن الحق يثبت للابن في هذه الحالة، ثم الابن تقدّم أباه احترامًا له، فيثبت للزّوج حق الصلاة عليها من هذا الوجه (١١).

стр. 1033

قال القدوري: [وسائر القرابات أولى من الزّوج] (١)، وكذا مولى العتاقة، وابنه [وسائر القرابات أولى من الزوج] (٢)، وقال الشافعي: الزوج أولى، احتج بما روي عن ابن عباس ﵄ أنّه لما ماتت امرأته صلّى عليها، وقال: «أنّا أحق بها» (٣)، واحتّج أصحابنا بما روي عن عمر ﵁ أنه لما ماتت امرأته قال لأوليائها: «كنا أحق بها حين كانت حيّة، وإذا ماتت فأنتم أحق بها» (٤)، ولأن السبب، وهو الزوجية قد انقطع على ما ذكرنا، وحديث ابن عباس محمول على أنّه كان (٥) إمام الحي. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٦)، و «المحيط» (٧). (فإن صلّى غير الولي، والسلطان أعاد الولي) (٨)، وإنّما قيد بذكر السلطان؛ لأنه لو صلى السلطان فلا إعادة لأحد؛ لأنه هو المقدّم على الولي [على ما ذكرنا، ثم هو ليس بمنحصر على السلطان، بل من كان مقدّمًا (٩) (١٠) في ترتيب الإمامة في صلاة الجنازة على ما ذكرنا فصلّى هؤلاء يعيد الولي ثانيًا، وذكر الإمام الولوالجي ﵀ (١١) في فتاواه: رجل صلّى على جنازة، والولي خلفه، ولم يرض أن تابعه، وصلّى معه لا يعيد؛ لأنه صلّى مرة، وإن لم يتابعه إن كان المصلّي سلطانًا، أو الإمام الأعظم في البلدة، أو القاضي، أو الوالي على البلدة، أو إمام حي ليس له أن يُعيد؛ لأن هؤلاء هم الأولون منه، وإن كان غيرهم فله الإعادة، وكذا أيضًا ذكره في «التجنيس»، و «الفتاوى الظهيرية». وذكر في نوادر صلاة «المبسوط» (١٢): والصلاة على الجنازة تتأدى بأداء الإمام وحده؛ لأن الجماعة ليست بشرط للصلاة على الجنازة، ولو كان الواحد هو الولي ليس للقوم أن يعيدوا بعد ذلك، وإذا افتتح الرجل الغريب صلاة الجنازة، واقتدى به بعض الأولياء، فليس لمن بقي منهم حق الإعادة؛ لأن الذي اقتدى به قد رضي بإمامته فكأن قدّمه، ولكل واحد من الأولياء حق الصلاة على الجنازة كأنه ليس معه غيره؛ لأنّ ولايته متكاملة، فإذا سقط بأداء أحدهم لم يكن للباقين حق الإعادة.

стр. 1034

قلت: ثم ذكر في الكتاب إعادة الولي إذا لم يصلّها، ولم يذكر إعادة السلطان إذا لم يصلّها، ويجب أن يكون حكمه في ولاية الإعادة كحكم الولي لما أنّه مقدّم في حق صلاة الجنازة على الولي، فلما ثبت حق الإعادة للأدنى وجب أن يثبت للأعلى منه أولى، وقد وجدت رواية في نوادر صلاة «المبسوط» (١) تشهّد لما [ذكرت] (٢) ذكرها بطريق التعليل (٣)، وقال: وقد روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀: أنه لا يجوز للإمام أن يصلي على الجنازة بالتيمم في المصر، قال عيسى ﵀ (٤): وهو الصحيح؛ لأن التيمم إنما يكون طهارة في حال عدم الماء، فأمّا مع وجود الماء فلا يكون طهارة إلا عند الضرورة، وهو خوف الفوت، وهذا لم يوجد في حق الإمام الذي يكون حق الصلاة على الجنازة له؛ لأن الناس ينتظرونه، ولو لم يفعلوا كان له حق إعادة الصلاة عليها، فلا يجزئه الأداء بالتيمم مع وجود الماء (٥). قوله: (وإن صلى الولي لم يجز لأحد أن يصلي بعده) (٦)، وتخصيص الولي ليس بمفيد لما أنّ لو صلّى السلطان، أو غيره ممّن هو أولى من الولي في الصلاة على الميت ممّن ذكرنا ليس لأحد أن يصلي بعده [أيضًا على ذكرنا من رواية الولوالجي، و «التجنيس»، وهذا الذي ذكره بقوله: (لم يجز لأحد أن يصلي بعده)] (٧) مذهبنا، وقال الشافعي: تعاد الصلاة على الجنازة مرة بعد أخرى لما روي أن النبي ﷺ مرّ بقبر جديد فسأل عنه؟ فقيل: قبر فلانة، فقال: «هلّا آذنتموني بالصلاة» (٨)، فقيل: إنها دفنت ليلًا فخشينا عليك هوام الأرض، فقام وصلى على قبرها، ولما قبض رسول الله ﷺ صلّى [عليه] (٩) أصحابه فوجًا بعد فوج (١٠)، (١١). [١٥٧/ ب] ولنا ما رُوي/ عن ابن عباس، وابن عمر ﵄: "أنهما فاتتهما صلاة جنازة فلما حضرا ما زادا على الاستغفار له" (١٢)، والمعنى هو ما ذكر في الكتاب، فإنّ الصلاة الثانية تقع نفلًا، وذلك غير مشروع، ولو جاز هذا؛ لكان الأولى أن يُصلي على قبر رسول الله ﷺ من يرزق زيارته الآن؛ لأنه في قبره كما وضع، فإنّ لحوم الأنبياء حرام على الأرض به ورد الأثر (١٣)، ولم يشتغل أحد بهذا، فدلّ أنّه لا يعاد الصلاة على الميت إلا أن يكون الولي هو الذي حضر، فإن الحقّ له، وليس لغيره ولاية إسقاط حقه، وهو تأويل فعل رسول الله ﷺ ، فإن الحق كان له قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (١٤)، وهكذا تأويل فعل الصحابة، فإنّ أبا بكر ﵁ كان مشغولًا بتسوية الأمور، وتسكين الفتنة فكانوا يصلّون عليه قبل حضوره فكان الحق له؛ لأنه هو الخليفة، فلما فرغ صلّى عليه، ثم لم يُصلّ أحد بعده عليه. كذا في «المبسوط» (١٥).

стр. 1035

فإن قيل: إن حقّ الميّت، وإن صار مقضيًّا [في حق المتابعة في الصلاة] (١) بالصلاة [مرة واحدة] (٢)، فلا يوجب سقوطه أصلًا فيجوز أن يبقى حقه ثانيًا [في المبالغة في الصلاة] (٣)؛ لأنها في [حق] (٤) الحقيقة دعاء للميت، وهو باقٍ كالوضوء شرع لإقامة الصلاة، والفرض يسقط بوضوء واحد [ما] (٥) لم يحدث اكتفاء به، ولكن إن أعاد لكل صلاة كان حسنًا، وقاضيًا به حق الصلاة على أكمل الوجهين؟. قلنا: إنّ الأصل في الباب قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ (٦)، فكان على هذا أن لا ينتفع الميت بالصلاة عليه، وأن لا يقضي حقّه بعمل غيره، وإنما عرفنا هذا القضاء شرعًا بخلاف القياس، ولمّا كان هو ثابتًا بالشرع بخلاف القياس، وأنّه سقط بالمرة الواحدة، فلم يتصوّر الثاني قضاء من عندنا بلا توقيف بخلاف الدّعاء، والاستغفار، فإن التوقيف فيه باقٍ كما بقي الأمر بالصلاة على الرسول بعده على سبيل الدعاء، وأمّا الصلاة على رسول الله ﷺ فقد روي: «أنّه توفي يوم الاثنين [وصلي عليه] (٧)، ودُفن يوم الأربعاء» (٨)، وأخّر الصلاة عليه، والتأخير مكروه في غيره بالإجماع، ثم يحتمل أنّ الصلاة عليه كانت فرض عين على الصحابة؛ لعظم حقه، كالدعاء اليوم فرض عين على المسلمين أجمع مرّة واحدة، بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ (٩)، (١٠) فكان تكرار الصلاة عليه من كلّ أحد لأداء فرض عليه (١١). كذا في «الأسرار» (١٢). (صلّى على قبره) (١٣)، وإنّما لا يخرج الميت عن القبر؛ لأنه قد سلّم إلى الله تعالى، وخرج عن أيدي الناس جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «القبر أوّل منزل من منازل الآخرة» (١٤) قالوا: وما ذكر أنّه لا يخرج من القبر، فذلك فيما إذا وضع اللبن على اللحد، وأهيل التُّراب عليه أما لم يوضع اللبن على اللحد أو وضع لكن لم يهل التراب عليه يخرج، ويصلّى عليه؛ لأن التسليم لم يتم بعد. كذا في «المحيط» (١٥).

стр. 1036

(والمعتبر في ذلك) (١) أي: في عدم التفسخ (٢). قوله: (هو الصحيح) (٣) احتراز عمّا روي في «الأمالي» عن أبي يوسف ﵀: أنّه يصلّى على الميت في القبر إلى ثلاثة أيام، وبعدما مضت الثلاث لا يُصلّى عليه، وهكذا ذكر ابن رستم ﵀ (٤) في «نوادره»: عن محمد عن أبي حنيفة -رحمهما الله-، والصحيح: أن هذا ليس بتقدير لازم؛ لأن تفرق الأجزاء يختلف باختلاف حال الميت من السّمين، والهُزال، وباختلاف الزمان من الحر، والبرد، وباختلاف المكان من الصلابة، والرخاوة، والذي رُوي: «أن النبي ﷺ صلّى على شهداء أُحد بعد ثماني سنين» (٥) معناه: دعا لهم. قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (٦)؛ لأن صلاتك سكن لهم (٧)، وقيل: إنّهم كما دُفنوا لم يتفرّق أعضاؤهم هكذا وجدوا حين أراد معاوية أن يحولّ لهم فتركهم، فإن كان في رأيهم أنّه تفرّق أجزاء الميت المعيّن قبل ثلاثة أيام [لا يُصلّون عليه إلى ثلاثة أيام، وإن كان في أكبر رأيهم أنّه لم يتفرّق أجزاؤه بعد ثلاثة أيام يصلّون عليه بعد ثلاثة أيام] (٨)، (٩). فإن قيل: كيف يُصلّى عليه وهو غائب عن أعين الناس بالتراب؟ [١٥٨/ أ] قلنا: نعم، ولكن هذا لا يمنع جواز الصلاة [ألا ترى أن قبل الدفن كان غائبًا بالكفن، ولم يمنع ذلك جواز الصلاة] (١٠)، وهذا إذا دفن الميت بعد الغسل قبل الصلاة عليه، فأمّا إذا دفنوه بعد الصلاة/ عليه، ثم تذكروا أنّهم لم (١١) يغسلوه، فإن لم يهيلوا التراب عليه يخرج، ويغسل، ويصلّى عليه، وإن أهالوا التراب عليه لم يخرج، وهل يصلى عليه ثانيًا في القبر؟ ذكر الكرخي ﵀: أنه يصلّى عليه (١٢). [هل يصلي ثانيًا في القبر] (١٣)؟.

стр. 1037

وفي «النوادر»: عن محمد ﵀: القياس أن لا يُصلّى عليه؛ لأن طهارة الميت شرط جواز الصلاة [عليه] (١)، ولم يوجد وفي الاستحسان يصلّى عليه؛ لأن تلك الصلاة لم يعتد بها لترك الطهارة مع الإمكان، والآن زال الإمكان، وسقطت فرضيّة الغسل، فيصلّى عليه في قبره، ونقول: صلاة الجنازة صلاة من وجه، ودعاء من وجه، ولو كانت صلاة من كلّ وجه لا يجوز بدون الطهارة أصلًا، ولو كانت دعاء من كلّ وجه يجوز بدون الطهارة، فإذا كانت بينهما قلنا: إنّه يشترط الطهارة حالة القدرة، ولا يشترط حالة العجز، وأمّا إذا صُلي على الميت قبل الغسل، وهو لم يدفن [من] (٢) بعد، فإنه يغسل، ويعاد الصلاة عليه بعد الغسل، وكذا لو غسّلوه، وبقي عضو من أعضائه، أو قدر لمعة. كذا في «المبسوط» (٣)، و «المحيط» (٤). (والصلاة أن يكبّر تكبيرة يحمد الله تعالى) (٥)، ولم يوقت هنا في الثناء شيئًا، وفي سائر الصلوات وقت، وهو قوله: (سبحانك اللهم، وبحمدك … إلى آخره) (٦). قال شمس الأئمة ﵀: (وقد اختلفوا في هذا الثناء بعد التحريم)، قال بعضهم: يحمد الله كما ذكر في ظاهر الرواية، وقال بعضهم: يقول: سبحانك اللهم، وبحمدك … إلى آخره كما في سائر (٧) الصلوات المعهودة، ولا يرفع الأيدي إلا في [تكبيرة الافتتاح] (٨)، وقال مشايخ بلخ (٩): ترفع عند جميع التكبيرات، والصحيح ما قلنا؛ لقوله ﷺ : «لا تُرفع الأيدي إلا في سبعة مواطن، وليس فيها [تكبيرات] (١٠) الجنازة» (١١). كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان (١٢).

стр. 1038

(ثم يكبّر الثانية، ويُصلّى على النبي ﷺ ) (١)؛ لأن الثناء على الله تعالى يعقبه الصلاة على النبي ﷺ على هذا وضعت الخطب، واعتبر هذا بالتشهد في الصلاة، فإن الثناء على الله تعالى يعقبه الصلاة على النبي ﷺ ، ثم يكبّر الثالثة، ويستغفر [للميّت، ويتشفّع له؛ لأن الثناء] (٢) على الله تعالى، والصلاة على النبي ﷺ يعقبه الدعاء، والاستغفار، والمقصود بالصلاة على الجنازة الاستغفار للميّت، والشفاعة له، والدليل عليه قوله ﷺ : «إذا أراد أحدكم أن يدعو فليحمد الله، ولُيصل على النبي ﷺ ، ثم يدعو» (٣)، وقد روي أنّ النبي ﷺ رأى رجلًا فعل كذا بعد الفراغ من الصلاة، فقال ﷺ : «ادع قد استجيب لك» (٤)، وتذكر الدعاء المعروف: «اللهم اغفر لحينا، وميتنا» (٥) إن كان يحسن ذلك، وإن كان لا يحسن ذلك يذكر ما يدعو به في التشهد: اللهم اغفر للمؤمنين، والمؤمنات … إلى آخره (٦). قال القاضي الإمام قاضي خان ﵀: وإن كان لا يحسن يأتي بأي دعاء شاء، ثم يكبّر الرابعة، ويسلّم؛ لأنه جاء أوان التحلّل، وذلك بالسلام، وفي ظاهر المذهب ليس بعد التكبيرة الرابعة دعاء سوى السلام، وقد اختار [بعض] (٧) مشايخنا ما يختم به في سائر الصلوات: "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا [برحمتك] (٨) عذاب القبر، وعذاب النار"، وقال بعضهم: يقول: "ربنا لا تزغ قلوبنا … إلى آخره"، وقال بعضهم: يقرأ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ (٩) إلى آخره (١٠).

стр. 1039

(فإن كبّر الإمام خمسًا لم يتابعه المقتدي في الخامسة إلا على قول زفر ﵀ (١)، فإنّه يقول: هذا مجتهد فيه لما روي عن علي ﵁ «أنّه كبّر خمسًا» (٢) فيتابعه المقتدي كما في تكبيرات العيد، وهو رواية عن أبي يوسف ﵀، ولنا أن ما زاد على أربع تكبيرات ثبت انتساخها بما روينا، ولا متابعة في المنسوخ؛ لأنه خطأ (٣)، وإذا لم يُتابعه المقتدي ماذا يصنع؟ ذكر في «النوازل»: أن فيه روايتين عن أبي حنيفة ﵀ في رواية: يُسلّم للحال، ولا ينتظر تحقيقًا للمخالفة، وفي رواية: يسكت حتّى يسلّم معه إذا سلّم؛ ليصير متابعًا فيما وجب فيه المتابعة (٤). وفي «روضة الزندويستي (٥)»: المقتدي إنّما لا يتابع الإمام في التكبير الزائد على الرّابع إذا [كان يسمع] (٦) التكبير من الإمام أمّا إذا كان يسمع من المنادي يتابعه، كما في تكبيرة (٧) العيد. كذا في «المبسوط» (٨)، و «المحيط» (٩). (ولا يستغفر للصبي) (١٠)؛ لأنه لا ذنب له. كذا في «المحيط» (١١). [١٥٨/ ب] (اللهم اجعله لنا فرطًا) (١٢) أي: أجرًا يتقدّمنا، وأصل الفارط الفرط فيمن يتقدّم الواردة، ومنه الحديث: «أنا فرطكم على الحوض» (١٣) أي:/ متقدمكم (١٤).

стр. 1040

(وذخرًا) (١)، أي: خيرًا باقيًا (٢). (واجعله لنا شافعًا مشفّعًا) (٣) أي: مقبولًا شفاعته، وقال أبو يوسف: يكبّر حين يحضر، وتفسير المسألة على قوله، فإنّه لما جاء، وقد كبّر الإمام تكبيرة الافتتاح كبّر هذا الرجل حين حضر تكبيرة الافتتاح، فإذا كبّر الإمام الثانية تابعه فيها، ولم يصر مسبوقًا بشيء، وعندهما لا يُكبّر تكبيرة الافتتاح حين حضر، ولكن ينتظر حتّى يكبّر الإمام الثانية فيكبّر معه التكبيرة الثانية، ويكون هذا التكبير تكبيرة الافتتاح في حق هذا الرجل، فيصير مسبوقًا بتكبيرة يأتي بها بعدما يسلم الإمام وجه قول أبي يوسف قوله ﷺ : «اتبع إمامك في أي حال أدركته» (٤)، وقاس هذا بسائر الصلوات، فإن المسبوق يكبّر للافتتاح فيها حين ينتهي إلى الإمام فهذا مثله، وكذلك لو كان واقفًا خلف الإمام، فتأخّر تكبيرة عن تكبيرة الإمام، ثم ينتظر أن يكبّر الإمام الثانية بالاتفاق فهذا مثله، ومذهبنا مرويّ عن ابن عباس ﵄، والمعنى فيه هو أن هذه تكبيرة من تكبيرات صلاة الجنازة لم يُدركها مع الإمام، فلا يأتي بها قبل [سلام] (٥) الإمام قياسًا على التكبيرة الثانية، فإنّه لو كان مسبوقًا بتكبيرتين، وقد كبّر تكبيرة الافتتاح على قول أبي يوسف ﵀ لا يأتي بالثانية ما لم يسلم الإمام فكذا هذا؛ لأن كل تكبيرة في الصلاة على الجنازة قائمة مقام ركعة بدليل أنّه لو (٦) ترك واحدة من هذه التكبيرات لا يجزئه صلاته كما لو ترك ركعة من الظهر، ولهذا قيل: أربع كأربع الظهر، فلو لم ينتظر تكبيرة الإمام [حين جاء] (٧) كان قاضيًا ما فاته قبل أداء ما أدرك مع الإمام، وذلك منسوخ، إلا أن أبا يوسف يقول في تكبيرة [الافتتاح] (٨): معنيان: معنى الافتتاح والقيام مقام ركعة، ومعنى الافتتاح يرجّح فيها بدليل تخصيصها برفع اليد عندها، ثم الجواب لهما عمّا لو كان حاضرًا خلف الإمام (٩). قلنا: تكبيرة من صلاة الجنازة لم يدركها مع الإمام، وإذا كان حاضرًا مع الإمام فقد أدركها، فكان له أن يأتي بها، وليس كسائر الصلوات؛ لأن في سائر الصلوات متى كبّر تكبيرة الافتتاح لا يكون متقدّمًا على الإمام بركعة بخلاف ما نحن فيه (١٠).

стр. 1041

وفائدة الخلاف: أنّ الإمام إذا سلّم يكبّر المسبوق عند أبي حنيفة، ومحمد -رحمهما الله- تكبيرة؛ لأنه صار مسبوقًا بها قبل أن يرفع الجنازة، وعند أبي يوسف ﵀ يسلّم مع الإمام؛ لأنه لم يصر مسبوقًا بشيء، ولو كان مسبوقًا بأربع ركعات، وجاء قبل أن يسلّم الإمام، فإنّه لا يكون مدركًا للصلاة على قولهما؛ لأنه لو كبّر صار مشتغلًا بقضاء ما سبق به قبل فراغ الإمام، وإذا سلّم الإمام فاتته الجنازة على قول أبي يوسف ﵀ يكبّر، ويشرع في صلاة الإمام، ثم يأتي بالتكبيرات بعدما سلّم قبل أن يرفع الجنازة قالوا: وهذا على قول أبي حنيفة ﵀، وأمّا قول محمّد يدخل في صلاة الإمام فرق محمّد بين ما إذا أدرك الإمام بعد الرابعة، وبين ما [لو] (١) أدركه بعد الثالثة قال بعد الثالثة: لا يكبّر ما لم يكبّر الإمام [الرابعة] (٢)، وقال: هاهنا يكبّر؛ لأنه لو انتظر الإمام هاهنا فاتته الصلاة؛ لأن الإمام لا يكبّر، وبعد الثالثة يكبّر الإمام، فينتظر الإمام كي لا يصير مؤديًّا قبل فراغ الإمام. كذا في «المبسوطين» (٣)، و «المحيط» (٤). (لأنّه موضع القلب، وفيه نور الإيمان) (٥) قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٦)، وإنما يصلّى عليه لإيمانه، فيجب تقديمه في موضع الشفاعة؛ إشارة إلى أنا نشفع لإيمانه حتّى يتجاوز عن سيئاته (٧). (ومن المرأة بحذاء وسْطها) (٨) بسكون السين هكذا كان معربًا بخط شيخي ﵀، فإن الوسط بالسّكون اسم مبهم لداخل الشيء، ولذا كان ظرفًا يقال: جلست وسطها بالسكون بخلاف المتحرك، فإنّه اسم لعين ما بين طرفي الشيء، وهاهنا للمبهم، ويقال: نعش [على جنازتها، أي: اتخذ لها نعش]، وهي شبه المخفة مسبّك يطبق على المرأة إذا وضعت [على] (٩) الجنازة (١٠). كذا في «المغرب» (١١).

стр. 1042

(فإن صلّوا [على جنازة] (١) رُكبانًا أو قعودًا في القياس يجزئهم؛ لأنها دعاء) (٢) في الحقيقة، ولأنّ ركن القيام [معتبر بسائر الأركان] (٣) كالقراءة، والركوع، والسجود، وذلك ساقط في صلاة الجنازة فكذا القيام، وفي الاستحسان عليهم الإعادة؛ لأن فيها شيئين التكبير، والقيام، فكما/ أن ترك التكبير بمنع الاعتداد به فكذلك ترك القيام، ولأنّها صلاة مكتوبة، قال ﷺ : «صلوا على كلّ ميت» (٤)، ويشترط لها من الشرائط ما يُشترط لسائر الصلوات من الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة، وغيرها، وشيء منها لا يشترط للأدعية، فلا يجوز راكبًا كما في سائر الفرائض، كذا ذكره الإمام السرخسي (٥)، وقاضي خان ﵀ (٦). [١٥٩/ أ] ولو أن ّصبيًّا حمل في سفط على دابة، وصلّوا عليها، وهو على الدّابة لم تجزهم استحسانًا؛ لأنّهم أمروا بالصلاة على الجنازة، وهم إنما صلّوا على الدّابة، وجازت قياسًا، فكان القياس، والاستحسان هناك نظيرهما هاهنا إلا أنّ الراكب [هاهنا] (٧) المصلي، وهناك الميّت ذكره في نوادر صلاة «المبسوط» (٨). (ولا بأس بالإذن في صلاة الجنازة) (٩) يعني: إذن الولي غيره في التقدم بالإمامة (١٠). (وفي بعض النسخ) (١١)، أي: في بعض نسخ «الجامع الصغير»: لا بأس بالآذان في الجنازة، يعني: إعلام الأقارب، والجيران، قال ﷺ : «إذا مات أحدكم فآذنوني الصلاة» (١٢)، أي: أعلموني، وقد استحسن بعض المتأخرين النداء في الأسواق للجنازة كي يرغب الناس في الصلاة عليها، وكره ذلك بعضهم، والأوّل هو الأصحّ. كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان (١٣).

стр. 1043

قال الإمام الهندواني ﵀ (١): لا يتأدّى في السّوق (٢)؛ لأنه عادة [أهل] (٣) الجاهلية إلا أنّ يكون الميت عالمًا أو زاهدًا، وقال (٤) الإمام الحلواني ﵀: وإنما أورد هذه المسألة؛ لأن البعض كرهوا ذلك؛ لأنه إعلام بالمصيبة. كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (٥). قوله ﵀: (لقوله ﷺ : «من صلى على جنازة في المسجد فلا أجر له» (٦) (٧)؛ يحتمل أن يكون قوله: (في المسجد) طرف الصلاة يحتمل طرف جنازة، ولذا اختلف حكم المسألة حيث قال: وفيما إذا كان الميّت خارج المسجد اختلف (٨) المشايخ، ولكن ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ بعدم الكراهة مطلقًا، وقال الشافعي ﵀: يكره على أيّ جهة (٩) كان؛ لما رُوي أنّ سعد بن أبي وقاص ﵁ لما مات أمرت عائشة ﵂ بإدخال جنازته المسجد حتى صلى عليها أزواج رسول الله ﷺ ، ثم قالت لبعض من حولها: «هل عاب الناس علينا ما فعلنا؟ قال: نعم، فقالت: [ما أسرع] (١٠) ما نسوا ما صلّى رسول الله ﷺ على جنازة سهيل بن البيضاء (١١) إلا في المسجد» (١٢)، ولأنّها دعاء أو صلاة فالمسجد أولى به من غيره، ولنا حديث أبي هريرة ﵁ قال ﷺ : «من صلّى على جنازة في المسجد فلا أجر له» (١٣)، (١٤) ولا أثر للمعنى بمقابلة النص، وحديث عائشة دليلنا؛ لأن الناس في زمانها المهاجرون، والأنصار، وقد عابوا عليها، فدلّ أنّه كان معروفًا فيما بينهم كراهة هذا، وتأويل حديث رسول الله ﷺ : أنّه كان معتكفًا في ذلك الوقت فلم يمكنه أن يخرج، وأمر بالجنازة فوضعت خارج المسجد، وعندنا إذا كانت الجنازة خارج المسجد لم يكره أن يُصلّى [الناس] (١٥) عليها في المسجد. كذا في «المبسوط» (١٦).

стр. 1044

(ومن استهلّ) (١) بفتح التاء على بناء الفاعل؛ لأن المراد هنا رفع الصوت لا الإبصار ذكر في «المغرب» (٢): أهلّوا الهلال، واستهلّوه رفعوا أصواتهم عند رؤيته، ثم قيل: أهلّ الهلال، واستهلّ مبنيًّا للمفعول فيهما إذا أبصر، واستهلال الصبي أن يرفع صوته بالبكاء عند ولادته، ومنه الحديث: «إذا استهلّ الصبي ورف (٣)، وقول من قال: هو أن يقع حيًّا (٤). (تدريس) أي: هو تعليم من حيث التقرير في أنّ له حياة لا أن تشهد له اللغة. وذكر في «الإيضاح» (٥): والاستهلال أن يكون منه ما يدلّ على حياته من بكاء، أو تحريك عضو، أو طرف عين، وإن (٦) لم يستهل أدرج في خرقة، ولم يُصلَّ عليه، وعن أبي يوسف ﵀: يغسل، ولا يُصلّى عليه، وكذا [عن محمد] (٧)، (٨) وبه أخذ [الطحاوي (٩)، وفي رواية أخرى عن محمد: أنّه لا يغسل، ولا يصلّى عليه، وبه أخذ] (١٠) الكرخي؛ لأن المنفصل ميتًا في حكم جزء لا يُصلّى عليه، فكذا لا يغسل وجه رواية أبي يوسف ﵀: أن المولود ميتًا نفس مؤمنة، ومن النفوس من يغسل، ولا يُصلّى عليه، [وكذا عن محمد، وبه أخذ الطحاوي (١١)، وفي رواية أخرى عن محمد: أنه لا يغسل، ولا يصلي عليه] (١٢)، فيجوز [ذلك] (١٣) أن يكون بهذه الصفة، وما قالوا: بأنّ المولود ميتًا في حكم الجزء. [١٥٩/ ب] قلنا: إنّه في حكم الجزء من وجه، وفي حكم النفس من وجه، فيعطي له حظ [من] (١٤) الشبهين. فلاعتباره بالنفوس. قلنا: إنّه يغسل. ولاعتباره بالإجزاء، قلنا:/ لا يصلى عليه، وأمّا السقط الذي لا (١٥) يتم أعضاؤه، ففي غسله اختلاف المشايخ، والمختار: أنه يغسل، ويلف في خرقة. كذا في «المحيط» (١٦).

стр. 1045

(وإذا سبى صبي مع أحد أبويه فمات لم يصلّ عليه إلا أن يقرّ بالإسلام، وهو يعقل) (١)؛ لأن الولد يتبع الأبوين [في الدين] (٢) قال ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودّانه، أو ينصّرانه، أو يمجسّانه حتى يُعرب عنه لسانه إما شاكر، وإمّا كفور» (٣)، أراد بالفطرة الدين الذي ران يوم الميثاق، فثبت أن الدين يثبت بطريق التبعية (٤). وقال الإمام المحبوبي ﵀: يعني في حكم الدنيا، ثم التبعية على مراتب، وأقواها تبعية الأبوين أو أحدهما، ثم الدار؛ لأن الأبوين سبب لوجوده، والدار موضعه، فالدّار مع أحد الأبوين بمنزلة الشرط مع العلة، ولهذا كانت الحضانة لهما، ثم بعد الأبوين يكون إلى أهل الدار، يعني: إذا لم يكن معه أحد أبويه يكون مسلمًا تبعًا للدار؛ لأن للدار أثرًا في الاستتباع، كما في لقيط يوجد في الدّار حيث يجعل على دين أهل الدّار، فإن قيل: لما كان لكلّ واحد منهما أثر في [تأثير الدار في] (٥) الاستتباع هلا يجعل تبعًا للدّار حتى يحكم بإسلامه ترجيحًا للإسلام كالأبوين إذا كان أحدهما مسلمًا؟. قلنا: تأثير الدار في الاستتباع دون تأثيير الولاد؛ لأن النبي ﷺ حكم باستتباع الأبوين دون الدار مع قيام الدّار (٦)، كذا في «الفوائد الظهيرية» (٧). ثم بعد الدار يعتبر اليد حتى لو وقع من الغنيمة صبي في سهم رجل في دار الحرب، فمات يصلّى عليه، ويجعل مسلمًا تبعًا لصاحب اليد، وإذا سُبي مع أحد أبويه لم ينقطع ببقية الأبوين، فلا يجعل مسلمًا تبعًا [للدّار، فلا يصلّى عليه إلا إذا أقرّ بالإسلام، وهو يعقل، وكذا لو أسلم أحد أبويه يجعل مسلمًا تبعًا] (٨) سواء كان صغيرًا عاقلًا، أو لم يكن عاقلًا؛ لأن الولد يتبع خير الأبوين دينًا. كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان (٩)، و «المحيط» (١٠) إلا أنّه ذكر في «المحيط» (١١) عند انعدام أحد الأبوين يكون تبعًا لصاحب اليد، وعند انعدام صاحب اليد يكون تبعًا للدار، وجعل الإمام قاضي خان تبعية الدار مقدّمة على تبعية صاحب اليد على ما ذكرنا (١٢).

стр. 1046

وفي «المحيط» أيضًا (١): إذا سُبي معه أبواه لم يصلّ عليه حتّى يقرّ بالإسلام، وهو يعقل [يعني: يعقل] (٢) صفة الإسلام، وصفته ما ذكر في حديث جبريل ﷺ : «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والبعث بعد الموت، والقدر خيره، وشره من الله» (٣)، وهذا يدل على أنّ من قال: لا إله إلا اله لا يكون مسلمًا حتى يعلم صفة الإسلام، وكذا إذا اشترى جارية، واستوصفها صفة الإسلام فلم تعلم، فإنّها لا تكون مؤمنة. وفي «الجامع الصغير» لأبي اليسر ﵀ (٤): ثم أولاد المسلمين إذا ماتوا حال صغرهم قبل أن يعقلوا، ويكونون في الجنّة، فإنّ فيهم أحاديث كثيرة [أكثرها] (٥) من المشاهير، وبالأحاديث يتبين أنّهم قالوا على يوم أخذ الميثاق عن اعتقاد، وقد رووا عن أبي حنيفة ﵀ التوقف [فيهم] (٦)، وهو مردود على الراوي، فإن محمدًا ﵀ روى عن أبي حنيفة ﵀ في «آثار أبي حنيفة» أن الذين يصلّون على جنازة أولاد المسلمين، وهم صغار يقولون بعد التكبيرة الثالثة: "اللهمّ اجعله لنا فرطًا، اللهم اجعله لنا ذخرًا، اللهمّ اجعله لنا شافعًا مشفعًا"، وهذا قضاء منه بإسلامهم، وأمّا أولاد الكفار إذا ماتوا قيل: يعقلوا اختلف فيه أهل السنة، والجماعة. روي عن محمد أنّه قال: إني أعرف أن الله لا يعذب أحدًا من غير ذنب، وبعضهم قالوا: يكونون في الجنة خدّامًا للمسلمين، وبعضهم قالوا: إن كان قال: بلى يوم أخذ الميثاق عن اعتقاد يكون في الجنة، وإن كان عن غير اعتقاد يكون في النار، وقد روي عن أبي حنيفة أنّه توقف فيهم، ووكّل أمرهم إلى الله تعالى، وإذا مات الكافر، وله ولي مسلم يغسله ذكر الولي مطلقًا، فيتناول كل قريب له من ذوي الأرحام مثل الأخ، والأخت، والعم، والعمّة، والخال، والخالة، وغيرهم، والإطلاق لفظ «الجامع الصغير». [١٦٠/ أ] وذكر في الأصل: كافر مات وله ابن مسلم تولّى المسلم أمره من الغسل، والتكفين، والدّفن إذا لم يكن هناك من يتولى أمره، ويقوم به من المشركين من أقربائه، فإن كان ثمة أحد من أقربائه على ملّته حُلّى المسلم بينه، وبينهم؛ ليصنعوا به ما يصنعون بموتاهم بذلك أمر علي/ ﵁ في حق أبيه، فإنّه لما مات أبو طالب جاء عليّ ﵁ إلى رسول الله ﷺ ، وقال: يا رسول الله، إن عمك الضال قد مات، فقال ﷺ : «اغسله، وكفّنه، ووارّه، ولا تحدث به حدثًا حتى تلقاني» (٧) أي: لا تصلّ عليه، وسأل رجل ابن عباس ﵄ أنّ أمي ماتت نصرانيّة، فقال: «اتبع جنازتها، وغسلها، وكفّنها، ولا تصلّ عليها، وادفنها» (٨)، (٩) ولأن هذه من جملة المصاحبة بالمعروف، والمبرة كيلا يتركه طعمة للسباع، والولد المسلم مندوب إلى برّ والديه، وإن كانا مشركين قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (١٠)، والمراد به الوالدان المشركان بدليل قوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي﴾ (١١) من الإحسان، والبر في حقّه القيام بغسله، ودفنه (١٢)، ولم يبين في [هذا] (١٣) الكتاب أنّ الابن المسلم إذا مات، وله أب كافر هل يمكّن أبوه الكافر من القيام بغسله وتجهيزه؟ وينبغي أن لا يُمكّن من ذلك، بل يفعله المسلمون.

стр. 1047

ألا ترى أنّ اليهودي لما آمن برسول الله ﷺ عند موته قال ﷺ لأصحابه: «ولُّوا أخاكم»، ولم يخل بينه وبين والده اليهودي (١)، ويكره أن يدخل الكافر في قبر قرابته من المسلمين ليدفنه؛ لأن الموضع الذي فيه الكافر ينزل فيه اللعن، والسُّخط، والمسلم يحتاج إلى نزول الرّحمة في كلّ ساعة، فينزّه قبره من ذلك. كذا في «المحيط» (٢). وذكر الإمام التمرتاشي: لو كان هناك من يقوم بذلك من أقاربه الكفرة، فالأولى للمسلم أن يدع ذلك لهم، ولكن يتبع الجنازة إن شاء إلا إذا كان مع الجنازة كفّار، فينبغي أن يمشي بأخيه ناحية منهم، أو أمام الجنازة ليكون معتزلًا عنهم، وقول محمد: وله وليّ مسلم عاب ليه بعض الناس هذا اللفظ حيث أثبت الولاية بين الكافر، والمسلم، والله تعالى نفى ذلك بقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ (٣)، والجواب عنه: [أنه] (٤) أراد (٥) بالولاية القرابة (٦)، وذكر الإمام الكُشاني (٧)، والمحبوبي: والكافر الميت إنما يغسّل؛ لأنه السنة في عامة بني آدم، ولأنّه حال رجوعه إلى الله، فيكون ذلك حجّة عليه لا تطهيرًا حتى لو وقع الكافر الميّت [الغسيل] (٨) في الماء القليل أفسد الماء بخلاف المسلم، فإنّه لا ينجّس الماء القليل إذا غسل، وينجّس قبل الغسل (٩). وكذلك لو صلّى، وهو حامل ميت مسلم إن كان قبل الغسل لم يجز صلاته، وإن كان غسيلًا جاز بخلاف الكافر حيث لا يجوز لا قبل الغسل، ولا بعده، والكافر كالخنزير غير أنّه لم ينجس حال حياته لحمل أمانة الله، ولاحتمال الإسلام، فلما ختم له بالشقاوة [صار] (١٠) شرًّا من الخنزير (١١).

стр. 1048

وفي «الخلاصة»: وأمّا المرتد إذا قتل يحفر حفيرة، ويُلقى فيها كالكليب، ولا يدفع إلى من انتقل إلى دينهم؛ ليدفنوه بخلاف اليهود، والنصارى (١). قوله ﵀: (لكن يغسل غسل الثوب النجس) (٢) يعني: لا يغسل كغسل المسلم من البداية بالوضوء، والبداية بالميامن، فإنّه كان كذا يتوضأ في حال حياته، ولكن يصبّ عليه الماء على الوجه الذي يغسل النجاسات، ولا يكون الغسل طهارة له، بل لما ذكرنا من المعنيين، والله أعلم بالصواب (٣). فصل حمل الجنازة قوله ﵀: (بذلك وردت السنة) (٤)، وهي ما روي عن ابن مسعود ﵁: «من السنّة أن تحمل الجنازة من جوانبها الأربعة» (٥)، ولأنّ عمل الناس اشتهر بهذه الصفة، وهو أيسر على الحاملين المتداولين بينهم، وأبعد عن تشبيه حمل الجنازة بحمل الأثقال، وقد أُمرنا (٦) بذلك، ولهذا كره حملها على الظهر أو على الدّابة، وتأويل ما رواه الشافعي أنه كان لضيق الطريق، أو لعور الحاملين. كذا في «المبسوط» (٧). قوله: (والصيانة) (٨) أي: عن السقوط (٩). وذكر شيخ الإسلام، والإمام المحبوبي -رحمهما الله-، فما روي: «أنّ النبي ﷺ حمل جنازة سعد بن معاذ ﵁ بين العمودين» (١٠)، فإنّما فعل ذلك لضيق الطريق حتّى روي أنّه ﷺ كان يمشي على رؤوس أصابعه، وصدور قدميه لازدحام الملائكة، وعندنا في حالة الضرورة؛ لضيق [الطريق] (١١)، أو لقلة الحاملين (١٢). [كذا في «المبسوط» (١٣).

стр. 1049

(والصيانة) (١) أي: أن يكن السقوط، وذكر شيخ الإسلام، والإمام المحبوبي، وما روي أن النبي ﷺ حمل جنازة سعد بن معاذ ﵁ (٢) بين العمودين، فإنها فعل ذلك لضيق الطريق، حتى روي أنه ﷺ كان يمشي على … أصابعه، وصدور قدميه لازدحام الملائكة، وعدنا في حالة الضرورة، لضيق الطريق، أو لقلة الحاملين] (٣)، (٤) لا بأس بأن يحمل الجنازة رجلان، أو لأن النبي ﷺ فعل ذلك؛ لأنه كان يأمن انقلاب الميت متى دخل بين العمودين لقوّته، فإن لكل نبي قوة أربعين رجلًا، ولنبيّنا ﷺ قوة أربعين نبيًّا، وعندنا كراهة الحمل بين العمودين لما فيه من تعريض الميت للسقوط، وهذا جواب عما قاله الشافعي أن حمل الجنازة عبادة، والحمل/ على ما قلته أشق على البدن، وما كان أشق على البدن من العبادات فهو أفضل؛ لأنّا نقول: إن كان ذلك على الحامل أشق، ففيه تعريض الميت للسقوط، وكان صيانة الميّت عن السقوط أولى من اكتساب زيادة المشقّة لزيادة الثواب؛ لأن ذلك في وصف العبادة، وهذا في أصلها (٥). [١٦٠/ ب] (ويمشون به مسرعين دون الخبب) (٦) الخبب ضرب من العَدْو دون العَنقِ؛ لأن العنق خطو فسيح واسع. كذا في «المغرب» (٧). وإنّما كان هكذا الماوردي (٨): أنّ النبي ﷺ سُئل عن المشي بالجنازة فقال: «ما دون الخبب، فإن يكن خيرًا عجّلتموه إليه، وإن يكن شرًّا وضعتموه عن رقابكم، -أو قال- فبعدًا لأهل النار» (٩)، ورُوي عن أبي هريرة ﵁ أنّه قال: لما حضره الموت [قال] (١٠) اسرعوا بي إلى قبري، فإني سمعت رسول الله ﷺ [أنّه] (١١) قال: «إن العبد الصالح إذا وضع على السّرير يقول: قدّموني، وإذا وضع العبد السيء (١٢) على السّرير يقول: يا ويلي أين تذهبون بي» (١٣)، وإنما يكره الخبب؛ لأن فيه ازدراءً بالميت، وإضرارًا بمن يتبعه، ثم المشي قدّام الجنازة لا بأس به، والمشي خلفها أفضل عندنا (١٤).

стр. 1050

وقال الشافعي ﵀: المشي أمامها أفضل لما روي: «أنّ أبا بكر، وعمر ﵄ كانوا يمشيان أمام الجنازة» (١)، ولأن القوم شفعاء (٢) الميت، والشفيع يتقدّم في العادة على من يشفع له، ولنا حديث رسول الله ﷺ : «أنه كان يمشي خلف جنازة سعد ابن معاذ» (٣)، وأن علي بن أبي طالب كان يمشي خلف الجنازة فقيل له: «إن أبا بكر، وعمر ﵄ كانا يمشيان أمامها، فقال: يرحمهما الله قد عرفا أنّ المشي خلفها أفضل، ولكنّهما أرادا أن ييسر الأمر على النّاس» (٤)، معناه: أنّ الناس يتحرّزون عن المشي أمامهما، فلو اختارا المشي خلفها لضاق الطريق على من يشيعها، وقال ابن مسعود ﵁: «فضل المشي خلف الجنازة على المشي (٥) أمامها كفضل المكتوبة على النافلة» (٦)، ولأنّ المشي خلفها (٧) أوعظ، فإنّه ينظر إليها، ويتفكّر في حال نفسه، وربّما يحتاج إلى التعاون في حملها، وقال (٨): إنّ القوم شفعاء، فيشكل بحال الصّلاة، فإنّ الميت يتقدّم على القوم مع كون القوم شفعاء له، فكذا حالة المشي، والشفيع إنّما يتقدّم على من يشفع له في العادة للتحرز عن تعجيل من يطلب منه الشفاعة بعقوبة من يشفع له حتّى يمنعه من ذلك إذا عجّل به، وذلك لا يتحقّق هاهنا. كذا في «المبسوطين» (٩). وقال الإمام البقالي (١٠): المشي أمام الجنازة واسع ما لم يتباعد عنها، ويكره أن يتقدّم الكلّ عليها، وفي موضع لا يمشي يمينها، وشمالها، ويكره لمشيها رفع الصوت بالذكر، والقراءة؛ لأنه فعل الكتابي، ويذكر في نفسه، والتشبّه بالكافر فيما لنا منه برّ مكروه. كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (١١).

стр. 1051

(وإذا بلغوا إلى قبره يكره أن يجلسوا قبل أن يوضع عن (١) أعناق الرجال) (٢) فإذا وضعت عن الأعناق جلسوا، ويكره القيام، وإن كان القوم في المصلّى، فجيء بجنازة [تكلّموا] (٣) قال بعضهم: يقومون لها إذا رأوها قبل أن يوضع، وقال بعضهم: لا يقومون، وهو الصحيح، وهو شيء كان في الابتداء، ثم انتسخ. كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان ﵀ (٤). (وكيفية الحمل أن يضع مقدَّم الجنازة على يمينك) (٥) هذا لفظ «الجامع الصغير»، بلفظ الخطاب، خاطب به أبو حنيفة أبا يوسف ﵀، قال يعقوب: رأيت أبا حينفة ﵀ يصنع هكذا، قال الإمام المحبوبي، وهذا دليل تواضعه. قلت: وقد حمل الجنازة من هو أفضل منه، بل أفضل جميع الخلائق، وهو نبيّنا ﷺ فإنّه حمل جنازة سعد بن معاذ ﵁ (٦) على ما ذكرنا لما أنّ حمل الجنازة عبادة، فيجب على كلّ أحد أن يتبادر في العبادة (٧)، (٨). ثم اعلم أن في حمل الجنازة سنتين نفس السنة، وكمالها أمّا نفس السنة هي أن يأخذ الجنازة بقوائمها الأربع على طريق التعاقب بأن يحمل من كل جانب عشر خطوات، جاء في الحديث: «من حمل جنازة أربعين خطوة كفرت له أربعين كبيرة» (٩)، وهذا يتحقق في حق الجميع، وأمّا كمال السنة فلا يتحقّق إلا في حق الواحد، وهو أن يبدأ الحامل بحمل يمين مقدّم الجنازة؛ إذ ليس لمقدم الجنازة إلا يمين واحد فلذلك لا يكون البداية بها إلا للواحد (١٠). [١٦١/ أ] فلذلك قال في «المبسوط» (١١): ومن أراد كمال السنة في حمل الجنازة [إلا يمين واحدة، ولذلك تكون البداية] (١٢) ينبغي أن يحملها من الجوانب الأربعة يبدأ بالأيمن/ المقدّم، ثم بالأيمن المؤخّر، وذكر شيخ الإسلام ﵀: وإنما أراد باليمين المقدّم يمين الميت [ثم قال] (١٣): فإذا حملت جانب السرير الأيسر فذلك يمين الميّت؛ لأن يمين الميّت على يسار الجنازة؛ لأن الميت وضع عليها على قفاه، فكان يمين الميّت يسارها، ويساره (١٤) يمينها، ثم المعنى في الحمل على هذا الوجه أمّا البداية بالأيمن المقدّم، وذلك يمين الميّت، ويمين الحامل؛ فلأنّ النبي ﷺ كان يحب التيامن في كل شيء (١٥)، والمقدّم أيضًا أوّل الجنازة، والبداية بالشيء إنما يكون من أوّله، ثم يتحوّل إلى الأيمن المؤخّر؛ لأنه [لو تحوّل] (١٦) إلى الأيسر المقدّم احتاج إلى المشي أمامها، والمشي خلفها أفضل، فلمّا مشى خلفها، وبلغ الأيمن المؤخّر حمله؛ لأن له رجحان التيامن أيضًا فبقي جانبان الأيسر المقدّم، والأيسر المؤخّر فيختار تقديم الأيسر المقدّم على الأيسر المؤخّر لمعنيين:

стр. 1052

أحدهما: أن للمقدّم فضلًا على المؤخّر كفضل الأيمن على الأيسر لسبقه على المؤخّر، والسّبق من أسباب الترجيح. والثاني: هو أنّ في تقديم الأيسر المقدّم ختمًا بالأيسر المؤخّر، والختم بذلك أولى؛ ليبقى بعد الفراغ خلف الجنازة لما أنّ المشي خلفها [أفضل] (١) على ما ذكرناه، وهذه فوائد [مجموعة] (٢) من إشارات شروح «الجامع الصغير» كـ: «جامع الصغير» للمحبوبي، وغيره، والله أعلم بالصواب (٣). فصل في الدفن أصل هذه الأفعال من الغسل، والتكفين، والدّفن في بني آدم عرف بفعل الملائكة في حقّ آدم ﷺ ، روي عن النبي ﷺ أنّه قال: «لما توفي آدم ﷺ غسّلته الملائكة، وكفّنوه، ودفنوه ثم (٤) قالوا لولده هذه سنّة موتاكم» (٥) على ما ذكرنا من «التحفة» (٦)، ويُلحد يحتمل أن يكون مجهول لحدًا، وألحد؛ لأن كلًّا منهما متعدّ يقال: لحد القبر، وألحده، وقبر ملحود، وملحد، ولحد للميت، وألحد له، أي: حفر له لحدًا، ولحد الميت، وألحده جعله في اللحد، واللحد هو الشق المائل في جانب القبر (٧). كذا في «المغرب» (٨). ثم عندنا يلحد للميت، ولا يشق له (٩)، وقال الشّافعي ﵀: يشقّ، ولا يلحد لتوارث أهل المدينة، فإنّهم توارثوا الشق دون اللّحد، واحتج علماؤنا بقوله ﷺ : «اللحد لنا، والشق لغيرنا» (١٠)، ولأنّ الشق فعل [أهل] (١١) اليهود، والتشبه بهم مكروه فيما منه بدّ، وكان بالمدينة حفاران: أحدهما يلحد، والآخر يشق، فلما قبض رسول الله ﷺ بعثوا في طلب الحفّار قال العباس: «اللهم خِرْ لنبيك فوجد الذي يلحد» (١٢)، ولا حجة له في توارث أهل المدينة؛ لأنّهم إنّما توارثوا ذلك لضعف أراضيهم بالبقيع، ولأجل هذا المعنى اختاروا الشق في ديارنا، فإنّ (١٣) في أراضي ديارنا ضعفًا، ورخاوة فينهار [إذا لحد] (١٤)، فاختاروا الشق؛ لهذا وصفة اللحد أن يحفر القبر بتمامه، ثم يحفر في جانب القبلة منه حفيرة فيوضع فيها الميّت، ويجعل [ذلك] (١٥) كالبيت المسقف، وصفة الشق أن يحفر حفيرة في وسط القبر، ويوضع فيها الميّت. كذا في «المبسوط» (١٦)، و «المحيط» (١٧).

стр. 1053

(ويدخل الميت مما يلي القبلة) (١) يعني: توضع الجنازة في جانب القبلة من القبر، ويحمل منه الميّت فيُوضع في اللحد، وقال الشافعي ﵀: السنّة أن يُسلّ إلى قبره وصفة ذلك أن توضع الجنازة في مؤخر القبر حتى يكون رأس الميت بإزاء موضع قدميه من القبر، ثم يدخل الرجل الآخر القبر، فيأخذ برأس (٢) الميت، ويُدخله القبر أولًا، ويسل كذلك. [كذا في «مبسوط شيخ الإسلام»، و «فتاوى قاضي خان»، و «الخلاصة الغزالية» (٣). وقال شمس الأئمة الحلواني ﵀: صورة السَّل أن توضع الجنازة في مقدم القبر حتى يكون رِجلا الميت بإزاء موضع رأسه من القبر، ثم يدخل الرجل الآخر القبر فيأخذ برجلي الميت، ويدخلهما القبر أولًا، ويسل كذلك] (٤). كذا في «المحيط» (٥)، و «شرح الطحاوي» (٦). [١٦١/ ب] وما ذكره في «المبسوط» قريب من هذا أيضًا، ثم ذكر في «المبسوط» (٧): احتج الشافعي ﵀ بما روي: «أن النبي ﷺ سُلَّ إلى قبره» (٨)، ولأنّه في حال حياته كان إذا دخل بيته بدأ برجله، والقبر بيته بعد الموت، فيُبدأ (٩) بإدخال رجله فيه، ولنا ما روى إبراهيم النخعي ﵀ (١٠): «أن النبيّ ﷺ أُدخل قبره من قِبل القبلة» (١١)، فإن صحّ هذا اتضح المذهب، وإن صحّ ما رووا، فقيل: إنما كان ذلك لأجل الضرورة؛ لأن النبي ﷺ مات (١٢) في حجرة عائشة ﵂ من قبل الحائط، وكانت السنة دفن الأنبياء في الموضع الذي قبضوا فيه (١٣)، ولم يتمكنوا من وضع السّرير من قبل القبلة لأجل الحائط/ فلهذا سلّ إلى قبره، وعن ابن عباس ﵁[وعمر] (١٤)، وابن عمر ﵄ قالا (١٥): «يُدخل الميّت إلى قبره من قِبل القبلة» (١٦)، سيكون وجوه الآخذين إلى القبلة قال ﷺ : «خير المجالس ما استقبلت به القبلة» (١٧). كذا في «المبسوط» (١٨)، و «[فتاوى] (١٩) قاضي خان» (٢٠).

стр. 1054

واضطربت الرواية في إدخال النبي ﷺ ؛ لأنه روي عن ابن عباس مثل مذهبه، وروي عنه أيضًا مثل مذهبنا فقد تعارضت الروايات عنه، وصحّ أنّ النبي ﷺ أخذ بإدخاله من قبل القبلة. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» ﵀ (١). (بسم الله، وعلى ملة رسول الله) (٢) أي: بسم الله وضعناك، وعلى ملّة رسول الله سلّمناك. كذا في «المبسوط» (٣) حين وضع أبا دجانة في القبر، والصحيح: أنه وضع ذا النجادين؛ لأن أبا دجانة مات بعد رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر هكذا ذكر في التواريخ كذا وجدت بخط شيخي ﵀، وإذا انتهى به إلى القبر، فلا بأس بأن يدخله وتر أو شفع، وقال الشافعي ﵀: السنّة هو الوتر اعتبارًا بالكفن، والغسل، والإجمار، [واحتج أصحابنا] (٤) بما روي: «أن رسول الله ﷺ لما أُدخل قبره أدخله العباس، والفضل بن عباس (٥)، وعلي، وصهيب (٦) «﵄ (٧)، ولأنّه حمل الميت، فيكون السّنة هي الشفع قياسًا على الحمل الأول، واعتبار الحمل بالحمل أولى من اعتبار الحمل بالغسل، ولأنّ المقصود وضع الميّت في القبر، فإنّما يدخل قبره بقدر ما يحصل به الكفاية الشفع، والوتر سواء. كذا في «المبسوطين» (٨). (ويوجّهه إلى القبلة [ذلك أمر رسول الله ﷺ ) (٩) روى عن] (١٠) علي ﵁ أنّه قال: مات رجل من بني عبد المطلب، فقال ﷺ : «يا علي استقبل به القبلة استقبالًا، وقولوا جميعًا: بسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله وضعوه لجنبه، ولا تكبّوه لوجهه، ولا تلقوه (١١) لظهره» (١٢). كذا في «المحيط» (١٣)، و «شرح الأقطع» (١٤).

стр. 1055

(التسجية) (١) التغطية يسجى قبر المرأة (٢) بثوب حتى يفزع من اللحد؛ لأنها عورة من فوقها إلى قدمها، فربّما يبدو شيء من [أثر] (٣) عورتها. ألا ترى أنّها خصّت بالنعش على جنازتها، وهو [شيء] (٤) شبه المحفّة مسبّك يطبق على المرأة إذا وضعت على الجنازة، وقد صحّ أن قبر فاطمة (٥) ﵂ سُجي بثوب، ونعش على جنازتها (٦)، ولم يكن للنعش في جنازة النساء حين ماتت فاطمة، فأوصيت قبل موتها أن تستر جنازتها فاتخذوا لها نعشًا من جريد النخل، فبقي سُنّة هكذا في جميع النساء، وإذا وضعت في اللحد استغنت عن التسجية، وإن كان رجلًا لا يُسجى قبره عندنا، وعند الشافعي يسجى لما روي: «أن النبي ﷺ سجى قبر سعد بن معاذ ﵁» (٧)، ولأصحابنا ما روي عن علي ﵁ أنّه [لما] (٨) مرّ لميت، وقد سجى قبره فنزعه، وقال: «إنّه رجل»، ولأن مبنى حال الرجل على الانكشاف فلا يُسجّى قبره إلا لضرورة، وهي ضرورة دفع الحر، أو الثلج، أو المطر عن الداخلين في القبر، وتأويل قبر سعد بن معاذ أنّه إنما سجى قبره؛ لأن الكفن كان لا يغمر (٩) بدنه فسجى قبره حتّى لا يقع الاطلاع لأحد على شيء من أعضائه. كذا في «المحيط» (١٠). (ويُكره الآجر، والخشب) (١١) هذا ظاهر الرواية، وبعضهم فرق بينهما، وقال: كراهة الآجر من حيث إنه مسته النّار فلا يتفائل به، وهذا المعنى معدوم في حق الخشب فلا يكره، ولكن هذا الفرق ليس بصحيح، فإن مساس النار في الآجر لا يصلح علة للكراهة، فإنّ السنّة أن يغسل الميت بالماء الحار، وقد مستّه النار، وقال مشايخ بخارى: لا يكره الآجر في بلدتنا لمساس الحاجة إليه لضعف الأراضي حتّى قال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل (١٢)
следующие страницы →