← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وذكر في «الفوائد»: أنّ المراد بالسّعي المذكور عند بعضهم نفس الفعل لا الفعل بوصف الإسراع، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ (١)، والفعل بوصف الإسراع غير مراد به (٢)، ولا يلزم أبا حنيفة ﵀ ما قالا، وهو أن نقض الظهر إنما ثبت في ضمن أداء الجمعة؛ لأن نقض العبادات قصدًا حرام، أمّا إذا لم يؤدّ لا ينتقض، كما لو كان جالسًا في المسجد الجامع يسمع الخطبة فقام، وصلّى الظهر قبل فراغ الإمام من الخطبة، ولم يتابع الإمام في الجمعة جاز ظهره، ولا ينتقض؛ لأنا نقول: إنّما لم ينتقض؛ لأنه لم يوجد السّعي. كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان (٣). ولا يرد على أصل أبي حنيفة مسألة القارن، وهي أنّ القارن إذا وقف بعرفات قبل أن يطوف لعمرته يصير رافضًا لها، ولو سعى إلى عرفات لا يصير به رافضًا لعمرته؛ لأن في ذلك قياسًا، واستحسانًا، والقياس: أن يرتفض عمرته بمجرّد السعي إلى عرفات كالسّعي إلى الجمعة على أصله، وفي الاستحسان: لا يرتفض؛ لأن السعي هناك منهيّ عنه قبل طواف العمرة، وضعُف في نفسه، وهاهنا السعي مأمور فكان قويًا في نفسه. كذا في «المبسوط» (٤). [١٤٦/ أ] فيؤثر في إبطال ما صلّى من الظهر؛ لقيامه مقام الجمعة بسبب أنّه من خصائصها كالعدّة لما كانت من خصائص النكاح اعتبرت بالنكاح في منع التزوج، فلما قام السّعي مقام الجمعة اعتبر فيه صفة/ الجمعة لا صفة نفسه كالتراب لما قام مقام الماء اعتبر فيه صفة الماء لا صفة نفسه، فبهذا خرج الجواب عن قول من قال: الظهر قوي، والسعي ضعيف لما أنّ الظهر حسن لمعنًى في عينه، والسّعي حسن لمعنى في غيره، فلا ينقض الضعيف القوي، ولكن لما قام مقام القوي صار هو قويًّا في نفسه، ولا يقال: السعي الموصل إلى الجمعة مأمور به، والسّعي الذي لا يدرك به الجمعة عن فضل، فيجب أن لا يبطل به الظهر؛ لأنا نقول: الحكم دار مع الإمكان؛ لكون الإمام في الجمعة، والإدراك ممكن في الجملة بإقدار الله تعالى إياه بالإدراك (٥). (ويكره أن يصلي المعذورون الظهر بجماعة [يوم الجمعة] (٦) (٧) وهذا عندنا، وقال الشافعي ﵀: لا يكره لهم ذلك، بل هو أفضل كما في سائر الأيّام، ولكنّهم يحفونها حتّى إن من رآهم لا يظن أنهم رغبوا عن الإمام، وعلى هذا الاختلاف المسافرون في المصر، وأهل السجن، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٨).

стр. 982

والمريض إذا كان لا يستطيع أن يشهد الجمعة، فصلّى الظهر في بيته بأذان، وإقامة فهو حسن؛ لأن هذا اليوم في حقه كسائر الأيام؛ إذ ليس عليه شهود الجمعة. كذا في «المبسوطين» (١). وذكر الإمام التمرتاشي ﵀: مريض صلّى الظهر في منزله يوم الجمعة بأذان، وإقامة قال محمد: هو حسن، وكذا جماعة المرضى بخلاف المسجونين، فإنّه لا يباح لهم ذلك؛ لأن المرضى عاجزون بخلاف المسجونين؛ لأنّهم إن كانوا ظلَمة قدروا على إرضاء الخصم، وإن كانوا مظلومين أمكنهم الاستغاثة، فكان عليهم حضور الجمعة، وأن لا يعارضوا بها بجماعة (٢). وفي «التفاريق»: يصلي المعذور الظهر بأذان وإقامة، وإن كان لا يستحب الجماعة (٣). وفي «مبسوط شيخ الإسلام»: إذا أدرك الإمام يوم الجمعة إن أدركه في الركوع من الركعة الثانية، فإنّه يصير مدركًا للجمعة عندهم جميعًا، وإن أدركه بعدما رفع رأسه من الركوع من الركعة الثانية اختلفوا فيه (٤). قال أبو حنيفة، وأبو يوسف: بأنه يصير مدركًا للجمعة فيصلّي ركعتين، وقال محمد، وزفر، والشافعي: بأنه يصلي أربعًا إلا أن الأربع ظهر محض على قول الشافعي حتى [قال] (٥): لو ترك القعدة على رأس الثانية لا يضرّه، وعلى قول محمد: جمعة من وجه [وظهر من وجه] (٦) على ما ذكر في الكتاب، واحتج من خالف بما روى الزهري (٧) بإسناده عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدركها، وليضف إليها ركعة أخرى، وإن أدركهم جلوسًا صلّى أربعًا» (٨)، (٩).

стр. 983

قلنا (١): لا يصح التعلق بهذا الحديث؛ لأن لفظة (٢) الجمعة مع قوله: وإن أدركتهم جلوسًا صلى أربعًا إنما نقله ضعفاء أصحاب الزهري، هكذا قاله الحاكم الشهيد (٣)، (٤). وأمّا الثقات من أصحابه كـ: معمّر (٥)، والأوزاعي (٦)، ومالك رووا عن الزهري: «من أدرك ركعة من صلاة فقد أدركها» (٧)، وأمّا إذا أدرك ما دونها فما حكمه فهو مسكوت عنه، فكان موقوفًا على قيام الدليل، وقد قام، وهو ما روي من قوله ﷺ : «ما أدركتم فصلوا» (٨) الحديث، وكل واحد من الفريقين ترك القياس فأبو حنيفة ترك القياس حيث قال: بجواز الجمعة، وإن كان عارفًا للشرائط فيما يقضي، ومحمّد ترك القياس حيث جمع بين الجمع، وبين (٩) الظهر بتحريمة واحدة، وأنّهما صلاتان مختلفتان، إلا أن ما قاله أبو حنيفة ﵀ مما يوجد له نظير، فإن جواز الشيء بدون شرائطه جائز حالة العذر كما جاز إذا أدرك ركعة، أو وجود الشرائط في حق الإمام يجعل وجودًا في حق المسبوق كما يجعل [وجودًا] (١٠) في القراءة، وهي ركن فهاهنا أولى، فأمّا الجمع بين صلاتين مختلفتين بتحريمة واحدة، فمما لا توجد بحال، فكان القول بما يوجد بحال أولى من العمل بما لا يوجد بحال (١١).

стр. 984

وفي «المبسوط» (١): ثم هو بإدراك التشهد مدرك للجمعة بدليل أنه ينويها دون الظهر حتى لو نوى الظهر لم يصح اقتداؤه به، ثم الفرض بالاقتداء تارة يتغيّر إلى الزيادة، كما في حق المسافر يقتدي بالمقيم، وتارة إلى النقصان كما في الجمعة، ثم في اقتداء المسافر بالمقيم لا فرق بين الركعة، وما دونها في تغير الفرض، فكذلك هاهنا، وتأويل الحديث: "وإن أدركهم جلوسًا قد سلّموا"، والقياس ما قالا إلا أنّ محمدًا احتاط، وقال: (يصلي أربعًا احتياطًا)، وذلك [جمعة] (٢)، ولهذا لزمه القراءة في كلّ ركعة، وألزم القعدة الأولى في رواية الطحاوي بخلاف رواية المعلَّى، وهذا للاحتياط لا معنى له، فإنه إن كان ظهرًا، فلا يمكنه أن يبنيها على تحريمة عقدها للجمعة، وإن كان جمعة فلا تكون الجمعة أربع ركعات. [١٤٦/ ب] وفي «المحيط» (٣): قال الشيخ الإمام أبو حفص (٤): قلت لمحمد يصير مؤديًّا للظهر بتحريمة الجمعة قال: ما نصنع، وقد/ جاءت به الآثار. (وإذا خرج الإمام [قبل أن يخطب] (٥) يوم الجمعة ترك الناس الصلاة والكلام إلى أن قال: وقالا: لا بأس بالكلام إذا خرج الإمام قبل أن يخطب، وإذا ترك قبل أن يكبّر) (٦)، إنّما قيّد بالكلام لما أنّ الصلاة في هذين الوقتين يكره عندهما أيضًا. والمراد من الصّلاة: صلاة التطوّع، وأمّا صلاة الفائتة، فيجوز وقت الخطبة (٧) من غير كراهة، وقد ذكرناه في باب الأوقات التي يكره فيها الصلاة، ثم اختلف المشايخ على قول أبي حنيفة، قال بعضهم: إنما يكره الكلام الذي هو من كلام الناس. أمّا التسبيح وأشباهه فلا، وقال بعضهم: كل ذلك، والأوّل أصحّ. كذا في «مبسوط فخر الإسلام» (٨).

стр. 985

وقيل: المراد من الكلام الذي اختلفوا فيه وقت خروج الإمام (١)، ووقت فراغه من الخطبة هو كلام يتعلّق بأمور الآخرة، وأمّا كلام الدنيا فبالاتفاق أنّه لا يجوز. قلت: هذا القول ليس بصحيح، بل الاختلاف في كل كلام سوى التسبيح، ونحوه لما أنّ شيخ الإسلام ذكر في تمسّك أبي يوسف، ومحمد بأثر فيه كلام الدنيا، فعلم أنّهما يجوّزان كلام الدنيا أيضًا، فقال: واحتجا بما روي عن أنس بن مالك: «أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل عن المنبر يسأل الناس عن حوائجهم، وعن أسعار السوق، ثم صلّى» (٢)، ورُوي عن عمر، وعثمان ﵄: «أنهما كانا إذا صعدا المنبر يسألان الناس عن أسعار السوق» (٣)، ومن حجتهما أيضًا حديث عمر ﵁ أنه قال: «خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام» (٤)، ولأنّ حرمة الكلام باعتبار الإخلال بفرض الاستماع؛ لأن الكلام في نفسه مباح فلا إثم فيه، والجواب لأبي حنيفة ﵀ عن هذا هو: أن كلام النبي ﷺ [كان] (٥) في الابتداء حين كان الكلام مباحًا في الصلاة، فكان مباح في الخطبة أيضًا، ثم نهى بعد ذلك عن الكلام فيهما، ولأن رسول الله ﷺ كان إمامًا، وخطيبًا، ولا بأس له أن يتكلم؛ لأنه يخطب، والخطبة من أوّلها إلى آخره كلام (٦)، وأمّا أثر عمر فمعارض بحديث ابن عمر، وابن عباس، فإنهما رويا أن النبي ﷺ قال: «إذا خرج الإمام فلا صلاة، ولا كلام» (٧)، فكان المصير إلى الحديث أولى، وأمّا قولهما: إنّما حرم الكلام لأجل الاستماع، قلنا: بلى إلا أنه الحق هذه الحالة بحالة الخطبة تعظيمًا لأمر الخطبة. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٨).

стр. 986

(وإذا أذن المؤذنون (١) الأذان الأوّل ترك الناس البيع [والشراء] (٢) (٣) ذكر المؤذنين بلفظ الجمع إخراجًا للكلام مخرج العادة، فإنّ المتوارث في أذان الجمعة اجتماع المؤذّنين؛ ليبلغ أصواتهم إلى أطراف المصر الجامع كما ذكر وجوب الحج بقوله: الحج واجب على الأحرار العقلاء البالغين للعادة؛ إذ الرفقاء مجتمعون وقت الذهاب عادة، بخلاف الزَّكاة وغيرها (٤). ثم ذكر في باب الأذان من «المبسوط» (٥): واختلفوا في الأذان المعتبر الذي يحرم عنده البيع، ويجب السّعي إلى الجمعة، فكان الطحاوي يقول: هو الأذان عند المنبر بعد خروج الإمام، فإنّه هو الأصل الذي كان للجمعة على عهد رسول الله ﷺ لما روي عن السائب بن يزيد (٦) فإنّه قال: هكذا، وكذلك في عهد أبي بكر، وعمر ﵁، ثم حدث الأذان على الزوراء (٧) في عهد عثمان ﵁ (٨)، وكان الحسن بن زياد يقول: المعتبر هو الأذان على المنارة؛ [لأنه] (٩) لو انتظر الأذان عند المنبر يفوته أداء السنة، وسماع الخطبة، وربّما يفوته الجمعة إذا كان بيته بعيدًا من الجامع، والأصح: أن كل أذان يكون قبل زوال الشمس فذلك غير معتبر، والمعتبر أوّل الأذان بعد زوال الشمس سواء كان على (١٠) المنبر أو على الزوراء، وهذا الذي ذكره في «المبسوط» (١١) يوافق رواية «الهداية» (١٢). وفي «مبسوط شيخ الإسلام»: جعل المعتبر من الأذان الأذان الثاني، وهو عند المنبر بعد خروج الإمام، والله تعالى أعلم (١٣).

стр. 987

باب [صلاة] (١) العيدين (٢) [١٤٧/ أ] تناسب البابين ظاهر، وهو أن صلاة الجمعة، وصلاة العيدين صلاتان تؤدّيان بجمع عظيم في النهار، ويجهر فيهما بالقراءة، ويشترط لأحدهما ما يشترط للأخرى [سوى الخطبة] (٣)، ويشتركان أيضًا في حق التكليف، فإنّ صلاة العبد يجب على من يجب عليه صلاة الجمعة. وأما معنى تقديم الجمعة على العيد، فظاهر أيضًا،/ وهو قوة الجمعة في نفسها بالفرضية، وكثرة وقوعها مع ذلك، [وكل] (٤) منهما يستدعي التقديم (٥). قوله: (باب العيدين) (٦) أي: باب صلاة العيدين بحذف (٧) المضاف لعدم الالتباس (٨). (وتجب صلاة العيد على كل من تجب عليه صلاة الجمعة) (٩)، ومن لا فلا حتّى إنّها لا تجب على المسافر، والمريض، والعبد كما لا تجب الجمعة للمعنى الذي ذكر في باب الجمعة بلا ولي؛ لأنه لما لم تجب عليهم الجمعة لذلك المعنى مع فرضية الجمعة، فلأن لا تجب صلاة العبد، وهو دونها أولى. فإن قلت: ينبغي أن يجب على العبد عند إذن المولى (١٠) له بصلاة [العيد] (١١)؛ لأن المانع كان خدمة المولى، وهو قد أسقطها بالإذن، وإنما كان لا يجب الجمعة مع [قيام] (١٢) إذن (١٣) مولاه لقيام الظهر مقام الجمعة، وهاهنا ليس له كذلك، فصار العبد كالحر الذي يجب عليه الجمعة عند الإذن؟. قلت: نعم، كذلك إلا أنّها لا تجب عليه مع الإذن أيضًا؛ لأن المنافع بالإذن لا تصير مملوكة للعبد؛ لأنها غير مستثناة على المولى، وإذا لم تصر مملوكة بقي الحال بعد الإذن كالحال قبله، ألا ترى أنّ العبد إذا حجّ بإذن مولاه لم يسقط عنه حجة الإسلام [لهذا المعنى] (١٤)، وكذلك [العبد] (١٥) لو حنث في يمينه فكفّر بالمال بإذن المولى لا يجوز؛ لأنه لم يملكه بالإذن. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (١٦).

стр. 988

قوله: (وفي «الجامع الصغير»: عيدان اجتمعا في يوم واحد فالأوّل سنة، والثاني فريضة) (١) قد ذكرنا فيما قبل أن من دأب هذا الكتاب أنّ كل موضع فيه نوع مخالفة بين روايتي القدوري (٢)، و «جامع الصغير» يعيد لفظ «الجامع الصغير»، والمخالفة هاهنا ظاهرة، وهي إطلاق الواجب على صلاة العيد في لفظ القدوري، وإطلاق السنة في «الجامع الصغير»، ثم المراد من اجتماع العبدين، وهنا هو اتفاق كون يوم الفطر، أو يوم الأضحى في يوم الجمعة، وتغليب لفظ العيد على لفظ الجمعة إما لقلة الحروف، كما في العمرين، أو لتغليب المذكر [على المؤنث] (٣) كما في القمرين، أو لأن يوم الجمعة عيد للمؤمنين باعتبار (٤) لهم من وعد المغفرة، والكفارة، وسمّى يوم العيد بالعيد؛ لأن لله تعالى فيه عوائد الإحسان إلى العباد، وكذلك في يوم الجمعة للمؤمنين عوائد من الله تعالى، أو تبركًا بقول النبي ﷺ : «لكل مؤمن في كل أشهر أربعة أعياد، أو خمسة أعياد» (٥)، كذا ذكره الإمام المحبوبي (٦) ﵀ (٧).

стр. 989

وفي «الصحاح» (١): كان من حق جمعه أن يقال: أعواد؛ لأنه من العود، ولكن [جُمع] (٢) بالياء للزومها في الواحدة، ويقال: للفرق بينه وبين أعواد الخشبة، ولا يترك واحد منهما أما الجمعة فلأنها فريضة، وأمّا صلاة العيد فلأن تركها ضلال (٣)، وبدعة (٤). قوله: (وجه الأوّل مواظبة النبي ﷺ (٥)، وهذا لا يكفي لإثبات الوجوب، فإنّ المصنف ﵀ ذكر في آخر باب إدراك الفريضة: ولا سنة دون المواظبة، والمواظبة إنما يكون دليل الوجوب إذا كانت من غير ترك، فيجب على هذا أن يقال: هاهنا وجه الأوّل مواظبة النبي ﷺ عليها من غير ترك (٦). والأولى في الاستدلال على الوجوب ما ذكر في «الإيضاح» (٧)، وهو أنّها تقام على سبيل إظهار شعائر الإسلام بالجماعة في أعظم الجمع، وهي ملحقة بالجمعة في اعتبار شرائطها إلا الخطبة، فيلحق بها في صفة الوجوب أيضًا، ولا يلزم على هذا الأذان، والإقامة، والجماعة في سائر الصلوات، فإنّها من شعائر الإسلام، وهي سنة؛ لأنا نقول: هذه شعائر شرعت مقصودة بنفسها، والأذان، والإقامة، والجماعة، وإن كانت من شعائر الإسلام، لكن شرعت تبعًا لغيرها، وهي الصلاة فانحطت درجتها عن درجة صلاة العيد كذا. ذكره شيخ الإسلام (٨). وفي «المبسوط» (٩): قال في الأصل: لا يصلي التطوع بالجماعة ما خلا قيام رمضان، وكسوف الشمس، فهو دليل على أنّ صلاة العيد واجبة، ثم قال [شمس الأئمة] (١٠): والأظهر أنها سُنة لكنها من معالم الدين أخذها هدى، وتركها ضلالة. وفي «نوادر (١١) بشر»: عن أبي يوسف صلاة العيد سنة واجبة، فقد جمع بين صفة الوجوب، والسنة، قيل: معناه ما ذكر في الكتاب أن وجوبها عُرف بالسنة. كذا في «المحيط» (١٢). واستدلّ شيخ الإسلام على وجوبها بقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (١٣) قيل: المراد به صلاة العيد فقد أمر (١٤)، والأمر للوجوب (١٥)، (١٦).

стр. 990

[١٤٧/ ب] وقال في «الفوائد الظهيرية»: في هذا نظر؛ لأن الأمر باللام إنما يكون في المغايبة لا في المخاطبة، وهذا مخاطبة لكن/ رُوي في قراءة النبي ﷺ فبذلك (فلتفرحوا) بتاء الخطاب، فيحمل هذا على ذلك الوجه أو جعل الأخبار من الآمر مجازًا؛ لأنه يستفاد معنى الوجوب من الأخبار أيضًا لما عرف، ويستحّب في يوم الفطر أن يطعم إلى آخره (١). وفي «الخلاصة»: ويستحبّ لمن أصبح في يوم الفطر ستة أشياء: أن يغتسل، ويستاك، ويذوق شيئًا، ويلبس أحسن ثيابه جديدًا كان أو غسيلًا، ويمسّ طيبًا، ويخرج [صدقة الفطر] (٢) إن كان غنيًا، وكذا في عيد الأضحى غير أنّ الأدب في عيد الأضحى أن لا يذوق إلى وقت الفراغ من الصلاة (٣). [وفي «التجنيس»] (٤): ويستحب أن يخرج يوم العيد من طريق، ويرجع من طريق آخر؛ لأن مكان القربة تشهد لصاحبها ففيما قلناه تكثير الشهود (٥). (ولا يكبّر عند أبي حنيفة ﵀ في طريق المصلي) (٦) أي: لا يكبّر عنده جهرًا في الطريق الذي يخرج منه إلى عيد الفطر هكذا صرّح المصنّف بالجهر في «التجنيس»، وكذلك في «مبسوط شيخ الإسلام»، و «تحفة الفقهاء»، و «زاد الفقهاء»، و «الخلاصة» مقيَّدًا بالجهر، وفي تعليل أبي حنيفة في الكتاب أشار [أيضًا] (٧) إلى هذين القيدين، وهما الجهر، وطريق الخروج إلى عيد الفطر، وأمّا [في عيد] (٨) الأضحى فإنّهم اتفقوا على أنّه يجهر بالتكبير في طريق المصلى (٩).

стр. 991

وذكر في «مبسوط شيخ الإسلام»: اختلاف الروايتين عن أبي حنيفة فقال: روى المعلى (١)، (٢)، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أنّه لا يكبر جهرًا في طريق المصلّى في عيد الفطر، وروى الطحاوي، عن ابن عمران البغدادي (٣) أستاذه، عن أبي حنيفة: أنّه يكبّر في طريق المصلّى في عيد الفطر جهرًا، وهو قول أبي يوسف، ومحمد -رحمهما الله-، والشرع ورد به في الأضحى، وهو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٤) جاء في التفسير (٥): أن المراد [به] (٦) التكبير في هذه الأيام، ولأنّ عيد الأضحى اختصّ بركن من أركان الحج، والتكبير إنّما شرع علمًا على وقت أفعال الحج، فيكون علمًا على وقت [الحج] (٧) للأركان لا على الواجبات كالأذان، والإقامة فأمّا في شوال، فلم يدخل وقت ركن من أركان الحج، وإنّما دخل وقت الواجب، وهو ما شرع علمًا له (٨). (ولا كذلك الفطر) (٩) أي: [في] (١٠) يوم [الفطر] (١١) ليس بيوم تكبير لانعدام ورود الشرع به فيه، فإن قيل: أليس أن الله تعالى قال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (١٢) أخبر بالتكبير بعد إكمال عدة أيام شهر رمضان، وليس هو إلا في عيد الفطر (١٣)، وروى نافع (١٤)، عن ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ كان يخرج يوم الفطر، ويوم الأضحى رافعًا صوته بالتكبير» (١٥)، وهذا نصّ في الباب.

стр. 992

قلنا: أما الآية فالمراد بها التكبير في صلاة العيد، والمعنى صلوا صلاة العيد، وكبّروا الله فيها، كقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (١) أي: صلّوا واركعوا فيها (٢)، وكذلك التعلُّق بالحديث لا يستقيم؛ لأن مداره على الوليد بن محمد (٣) عن الزهري، والوليد متروك الحديث؛ ولأنّ هذا خبر واحد فيما يعم به البلوى، فلا يقبل لو كان طريقه صحيحًا، فكيف إذا كان فاسدًا؟! كذا ذكره شيخ الإسلام (٤). قوله: (خاصةً، وعامة) (٥) بنصبهما على الحال من الكراهة، والعامل فيهما قيل (٦). وفي «زاد الفقهاء»: وإن أحبّ أن يصلي بعدها صلى أربعًا إلا أن مشايخنا قالوا: المستحب أن يصلي أربعًا بعد الرجوع إلى منزله؛ كيلا يظن ظانّ أنه هو السنة المتوارثة، ولكن ذكر في «فتاوى قاضي خان» جواز التطوع في الجبانة بغير كراهية إذا كان بعد صلاة العيد من غير ذكر عدم الاستحباب (٧)، وكذلك أطلق الجواز في «التحفة» (٨)، فقال: أما لو فعل بعد الفراغ من الخطبة فلا بأس، وإذا حلّت الصلاة من الحلّ لا من الحلول؛ لأن الصلاة قبل ارتفاع الشمس كانت حرامًا لما جاء في الحديث؛ [لقوله] (٩): «ثلاثة أوقات نهانا رسول الله ﷺ … » (١٠) الحديث؛ لأنه ﷺ كان صلى العيد، والشمس على قيد رمح أو رمحين، ولما شهدوا بالهلال بعد الزوال أمر بالخروج من (١١) المصلى من الغد (١٢). فإن قلت: ما وجه التمسك بهذا الحديث على أن وقته يخرج بزوال الشمس؟.

стр. 993

[١٤٨/ أ] قلت: وجهه أن النبي ﷺ أمر بالخروج إلى المصلى من الغد لأجل صلاة العيد بعد شهادة الشهود، ولو جاز الأداء بعد الزوال لم يكن للتأخير معنى؛ إذ لا يجوز تأخيرها بدون العذر السماوي، ولا عذر هاهنا يجوّز التأخير سوى أنّه خرج الوقت، وظهر عمل العامة اليوم بقول ابن عباس لأمر بنية الخلفاء؛ وذلك لأن الولاية لما انتقلت إلى بني العباس أمروا الناس بالعمل في التكبيرات بقول: (جدّهم)، وكتبوا في مناشيرهم ذلك، وهو تأويل ما/ روي عن أبي يوسف: أنه قدم بغداد فصلّى بالناس صلاة العيد، وخلفه هارون الرشيد (١)، وكبّر تكبير ابن عباس، وكذا رُوي عن محمد هكذا، فتأويله أنّ هارون أمرهما أن يكبّرا تكبير جدّه ففعلا ذلك امتثالًا لأمره لا مذهبًا، واعتقادًا. كذا في «المبسوط» (٢)، و «المحيط» (٣). وأمّا المذهب فالقول الأول، وهو قول ابن مسعود فكان قوله مخالفًا لقول ابن عباس في العدد، وفي الموضع على ما هو المذكور [في الكتاب] (٤)، وحاصله أن الزوائد عندنا ثلاث ثلاث، والموالاة في القراءة خلافًا له، وإنما قلنا بالموالاة بين القراءتين؛ لأن التكبيرات يؤتى بها عقيب تكبيرة الافتتاح، وفي الثانية عقيب القراءة. كذا في «المبسوط» (٥). وذكر في «الإيضاح» (٦): وإنّما قلنا بالموالاة بين القراءتين؛ لأن التكبير من باب الثناء، والثناء في الركعة الأولى حيث شُرع مقدّمًا على القراءة كالاستفتاح، وفي الركعة الثانية حيث شرع مؤخرًا عن القراءة كقنوت الوتر فألحقنا التكبيرة به فصارت التكبيرات عنده خمسة عشر أو ستة عشر؛ وذلك لأنه روي عن ابن عباس روايتان في رواية: «اثنتا عشرة تكبيرة» (٧)، وفي رواية: «ثلاث عشرة تكبيرة» (٨)، فحمل الشافعي الكل على الزوائد، ثم ألحق الأصليات بها، فصارت خمسة عشر أو ستة عشر (٩).

стр. 994

فإن قلت: هذا التأويل لا يصح لوجهين: أحدهما: أنه ذكر روايتي ابن عباس ﵄ بقوله: وقال: "ابن عباس يكبر في الأولى للافتتاح، وخمسًا بعدها، وفي الثانية يكبّر خمسًا"، وفي رواية: "يكبّر أربعًا" (١)، ثم ذكر بعد هذا بخطوط، والشافعي أخذ بقول ابن عباس إلا أنه حمل المروي على الزوائد، فكان حرف التعريف في المروي للمعهود لا محالة لتقدّم ذكر ما رُوي، وإلا يلزم فكّ النظم والتنافر في الكلام، ولا يظن المصنف مثل هذا مع وفور فضله، فلابدّ أن يردّ إلى المروي المذكور، والمروي المذكور ليس كما ذكرت، فإنّ الزوئد فيه عشرة أو تسعة، وبالأصليات يكون ثلاث عشرة أو اثتني عشرة. والثاني: أنه ذكر، وظهر عمل العامة اليوم بقول ابن عباس، وهو قول الشافعي ﵀، وليس أحد يعمل بعمل اليوم بهذا القول الذي ذكره الشافعي، وهو أن التكبيرات عنده خمس عشرة أو ست عشرة، وعلى قود كلامه يجب أن يكون كلاهما أو أحدهما معمولًا، وليس كذلك فلابدّ من تأويل سوى هذا (٢)، فما وجهه؟ قلت: أخذ المصنف قوله: (وخمسًا بعدها)، وفي الثانية يكبّر خمسًا من لفظ (٣) «المبسوط»، إلا أنه ذكر في «المبسوط» (٤) روايتي ابن عباس كما ذكرناه، وقال: والمشهور عنه روايتان: إحديهما: أنّه يكبر في العيدين ثلاث عشرة تكبيرة: تكبيرة للافتتاح، وتكبيرة الركوع، وعشر زوائد: خمس في الأولى، وخمس في الثانية، وفي الرواية الأخرى: ثنتا عشرة تكبيرة تكبيرة الافتتاح، وتكبيرتا الركوع، وتسع زوائد خمس في الأولى، وأربع في الثانية، فعلى هذا كان قوله إلا أنّه حمل المروي منصرفًا إلى المذكور قبله، وهو قوله: خمسًا، وفي رواية: يكبّر أربعًا، ولكن مع انضمام ثلاث تكبيرات سوى المذكور، وهو تكبيرة الافتتاح، وتكبيرتا الركوع إليه، وجعل هو كله زوائد، كما ذكرنا (٥) عملًا بظاهر لفظ الرواة أنّ ابن عباس يكبّر في العيدين ثلاث عشرة تكبيرة أو ثنتي عشرة تكبيرة، فبعد ذلك ضم إلى هذين المرويين ثلاث تكبيرات أصليات، فيصير المجموع حينئذٍ ست عشرة تكبيرة أو خمس عشرة تكبيرة، والدليل على أنّه حمل ما روي عن ابن عباس إلى (٦) الزوائد ما ذكر في «الخلاصة الغزالية»، وهو قوله: ويصلي الإمام ركعتين يكبّر في الأولى سوى تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الهوى سبع تكبيرات بين كل تكبيرتين سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ويقرأ: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ (٧) عقيب تكبيرة الافتتاح، ويؤخر الاستعاذة إلى ما، وراء الثامنة، ويقرأ في الأولى: فإن ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ (٨) في الثانية، والتكبيرات الزائدة في الثانية خمس سوى تكبيرة القيام، والركوع فكانت الزوائد على رواية «الخلاصة الغزالية» ثنتي عشرة تكبيرة، فإذا ضممت الأصليات الثلاث إليها صارت خمس عشرة، وإذا ضممت إليها تكبيرة القيام في الثانية كما ذكر في «الخلاصة» صارت ست عشرة.

стр. 995

[١٤٨/ ب] وأمّا عمل العامة،/ فكان منصرفًا إلى ما فسّرنا من روايتي ابن عباس، أعني رواية: ثلاثة عشرة تكبيرة، ورواية: ثنتي عشرة تكبيرة بأنّ الزوائد في الأولى عشرة، وفي الثانية -[أي: الرواية الثانية]-[تسع] (١)، فكان خمسًا خمسًا، أو خمسًا أربعًا، وحاصله: أنّا فسرنا روايتي ابن عباس بهذا الذي ذكرنا، وهو أن الأصليات من جملة ثلاث عشرة تكبيرة أو ثنتي عشرة تكبيرة، فوقع عمل العامة [اليوم] (٢) على تفسيرنا هذا، وعنده تفسير الروايتين بأن الأصليات ما وراء تينك الروايتين، وهو عمل به، وأصحابه كما ذكر في «الخلاصة الغزالية»، وكان الذي فسر أولًا في الكتاب من روايتي ابن عباس بقوله (٣). (وقال ابن عباس … إلى آخره) (٤) تفسير مشايخنا لروايتي ابن عباس، وعليه عمل العامة، وما ذكر آخرًا بقوله: والشافعي ﵀ أخذ بقول ابن عباس إلا أنّ (٥) حمل المروي إلى آخره، وكان تفسير الشافعي، وليس عليه عمل العامة فعُرف بهذا فساد [قول] (٦) من قال: إن الذي [عليه عمل] (٧) علمائنا (٨) اليوم هو مذهب الشافعي ﵀، بل يجب أن يقال: إن الذي عليه عمل علمائنا اليوم هو مذهب ابن عباس؛ لأن مذهب الشافعي لبس على ما عليه [عمل] (٩) علمائنا اليوم لما ذكرنا من بيان مذهبه (١٠). وفي «المحيط» (١١): ثم عملوا برواية الزيادة في عيد الفطر، وبرواية النقصان في عيد الأضحى ليكون عملًا بالروايتين، وإنما اختاروا النقصان لعيد الأضحى؛ لاشتغال الناس بالقرابين فيه. وفي «المبسوط» (١٢): وروي عن أبي حنيفة ﵀: أنه يسكت بين كلّ تكبيرتين بقدر ثلاث تسبيحات؛ لأن صلاة العيد تقام بجمع عظيم فلو والى بين التكبيرات يشتبه على من كان نائبًا عن الإمام، والاشتباه يزول بهذا القدر من المكث، ثم قال: هذا القدر ليس بلازم، بل يختلف ذلك بكثرة الزحام، وقلته؛ لأن المقصود إزالة الاشتباه عن القوم، وذلك يختلف بكثرة القوم، وقلّتهم، وليس بين التكبيرات ذكر مسنون عندنا، وعند أبي يوسف ﵀ لا تُرفع اليد؛ لأن الرفع سنة الافتتاح، وهذه التكبيرات ليست مما (١٣) يفتتح بها ألا ترى أن تكبيرة الركوع منها، ولا ترفع فيها، وهي أصلية، ففي الزوائد أولى لكن القياس متروك بالأثر، كذا في «مبسوط فخر الإسلام» (١٤).

стр. 996

ثم (١) لا خلاف أن يأتي بثناء الافتتاح عقيب تكبيرة الافتتاح قبل الزوائد إلا في (٢) قول ابن أبي ليلى (٣) فإنّه [يقول] (٤): يأتي بالثناء بعد التكبيرات الزوائد، [فأمّا التعوذ، فيأتي به عند أبي يوسف عقيب ثناء الافتتاح قبل التكبيرات الزوائد] (٥)، وعند محمد بعد الزوائد حين يريد القراءة؛ لأنه تبع للقراءة عنده. كذا في «المبسوط» (٦). وأمّا الخطبة في صلاة العيد فيخالف الخطبة في الجمعة من وجهين: أحدهما: أنّ الجمعة لا يجوز بدون الخطبة، وصلاة العيد تجوز بدونها. والثاني: أنّ في الجمعة تقدم الخطبة على الصلاة، وفي العيد يؤخر عن الصلاة، فإن قدّم الخطبة في صلاة العيد جاز أيضًا، ولا يعاد الخطبة بعد الصلاة. كذا في «فتاوى قاضي خان» (٧). (ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام) (٨) كلمة "مع" متعلّقه بالصلاة، لا بفائته، أي: فائت عنه الصلاة بالجماعة، وليس ["مع"] (٩) معناه فائت الصلاة عنه، وعن الإمام، أي: أدّى الإمام صلاة العيد، ولم يؤدّها هو، وقال الشافعي ﵀: من فاتته صلاة العيد يصلي وحده كما يصلي مع الإمام، وهذا بناء على أنّ المنفرد هل يصلّى صلاة العيد؟. عندنا لا يصلّى، وعنده يصلّى؛ لأن الجماعة والسلطان ليس بشرط عنده، فكان له أن يصلّى وحده (١٠)، وقال علماؤنا: لا يجوز إقامتها إلا بشرائط مخصوصة، فإذا فاتت فليس لها خلف فقد عجز عن قضائها (١١)، فلا يلزمه القضاء، فإن قيل صلاة العيد قائمة مقام صلاة الضحى، ولهذا يكره صلاة الضحى قبل صلاة العيد، وإذا كان كذلك، فهو قادر على صلاة الضحى، فوجب أن يلزمه عند العجز كالجمعة إذا فاتت يلزمه الظهر؛ لكونها في وقته، قلنا: نعم صلاة العيد أقيمت مقام صلاة الضحى، فإذا عجز عن الأداء لفوت الشرائط (١٢)، فعاد الأمر إلى الأصل، وهو صلاة الضحى، وصلاة الضحى غير واجبة في الأصل، بل يتخيّر في ذلك، وهنا كذلك.

стр. 997

[١٤٩/ أ] وفي باب الجمعة لما عجز عن أداء الجمعة لفوت الشرائط سقط عنه الجمعة، وعاد الأمر إلى ما كان قبل الجمعة كان يلزمه أداء الظهر، ولا يتخيّر في أدائه، فكذا بعدها فإن أحب أن يصلّي، فالأفضل/ أن يصلّي أربع ركعات؛ لما رُوي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «من فاتته صلاة العيد صلّى أربع ركعات يقرأ في الركعة الأولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ (١)، وفي الثانية: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ (٢)، وفي الثالثة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ (٣)، وفي الرابعة: ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ (٤) (٥)، ورُوي في ذلك عن النبي ﷺ : «وعدًا جميلًا، وثوابًا جزيلًا» كذا في «المحيط» (٦). (لأنّ هذا تأخير بعذر، وقد ورد فيه الحديث) (٧)، وهو الحديث الذي ذكر قبيل هذا بقوله: «ولما شهدوا بالهلال بعد الزوال أمر بالخروج إلى المصلّى من الغد لم يصلها بعدها» (٨)، وفي نسخة بعده، أي: بعد اليوم الثاني هذا في صلاة عيد (٩) الفطر، وأمّا صلاة الأضحى فمؤقته بأيّام الأضحية، وهي ثلاثة على ما يجيء، والتعريف الذي يصنعه النّاس إنّما قيد بقوله الذي يصنعه الناس لما أنّ التعريف يجيء لمعان للإعلام، والتطييب من العرف، وهو الربح، وإنشاد الضالة، والوقوف بعرفات، والتشبه بأهل عرفة، والأخير هو المراد هنا (١٠)، وهو أن يجتمع الناس يوم عرفة في مكان غير عرفات، ويتفقوا، ويدعوا، ويتضرعوا تشبهًا بالحاج ليس بشيء، أي: ليس (١١) بشيء معتبر يتعلق به الثواب، وعن أبي يوسف، ومحمد في غير رواية الأصول أنّه لا يكره لما روي عن ابن عباس ﵄ "أنّه فعل ذلك بالبصرة" (١٢)، ولكنا نقول: إن ذلك محمول على أنّ ذلك ما كان للتشبه، بل كان للدعاء ألا ترى أن من طاف حول مسجد ينوي الكعبة يخشى عليه الكفر حتّى لو اجتمعوا لشرف ذلك اليوم لا للتشبه جاز. كذا في جامعي القاضي، والتمرتاشي رحمهما الله (١٣).

стр. 998

وفي «التفاريق»: عن أبي يوسف ﵀ يكره أن يجتمع قوم فيعتزلوا في موضع يعبدون الله فيه، ويفرّغون أنفسهم لذلك، وإن كان معهم أهلوهم، والله أعلم بالصواب (١). فصل: في تكبيرات [أيام] (٢) التشريق لما فرغ من بيان صلاتي العيد وإحديهما صلاة الأضحى (٣) شرع فيما شرع بعد صلوات أيّام الأضحى، ثم قيل: لقب الفصل بتكبير التشريق وقع على قولهما؛ لأن شيئًا من التكبير لا يقع في أيّام التشريق عند أبي حنيفة-﵀، أو باعتبار القرب أخذًا باسمه، كما قال في لفظ «الجامع الصغير» (٤) قال يعقوب: صليت بهم المغرب يوم عرفة باعتبار قربه إلى النهار، ولو كان المراد من التشريق صلاة العيد كما ورد في الحديث: «لا جمعة، ولا تشريق إلا في مصر جامع» (٥)، وكذلك في حديث آخر «لا ذبح إلا بعد التشريق» (٦)، والمراد بالتشريق فيهما صلاة العيد. كذا في «المبسوط» (٧) كان جاريًا على قولهم جميعًا. وفي «الخلاصة»: أيّام النحر ثلاثة، وأيام التشريق ثلاثة، ويمضي ذلك في أربعة أيّام فإنّ العاشر من ذي الحجة نحر خاص، والثالث عشر تشريق خاص، واليومان فيما بينهما للنحر، والتشريق جميعًا، ثم اختلفوا في أنّه سنة أو واجب، وذكر الإمام التمرتاشي تكبير التشريق سُنة. وفي «الإيضاح»: وفي شرح البزدوي (٨)، وأبي ذر (٩) ﵏ واجب (١٠).

стр. 999

وفي «المحيط» (١): تكبير التشريق سنة أجمع أهل العلم على العمل بها، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٢) جاء في التفسير (٣): أن المراد منه أيام العشر، وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أفضل ما قلت، وقالت الأنبياء قبلي يوم عرفة: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد» (٤)، وعن جابر ﵁: «[أنه] (٥) صلّى الفجر يوم عرفة، وكبّر هكذا» (٦). وقد اختلفت الصحابة في ابتدائه، وانتهائه، وأمّا الاختلاف في ابتدائه (٧) فكبار الصحابة عمر، وعلي، وابن مسعود ﵄ قالوا: يبدأ بالتكبير من صلاة الغداة يوم عرفة (٨)، وبه أخذ علماؤنا في ظاهر الرواية، وهو (٩) أحد أقوال الشافعي، وصغار الصحابة كعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت (١٠) ﵄ قالوا: يبدأ بالتكبير من صلاة الظهر من يوم النحر؛ لأن الجهر بالتكبير بدعة (١١). قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١٢) أي: الجاهرين بالدعاء، فكان الأخذ بالأقل أولى. كذا في «الفوائد» (١٣). وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ (١٤)، ورأى النبي ﷺ أقوامًا يرفعون أصواتهم عند الدعاء، فقال: «إنكم لن تدعوا أصمَّ، ولا غائبًا» (١٥)، (١٦) ومن حجة أبي حنيفة ﵀ أن البداية (١٧) لما كانت في يوم يؤدى به ركن الحج، فالقطع مثله يكون في يوم النحر الذي يؤدّى فيه ركن الحج، وهو الطواف. كذا في «المبسوط» (١٨).

стр. 1000

[١٤٩/ ب] (والتكبير أن يقول مرّة واحدة: الله أكبر … إلى آخره) (١) أي: هذه/ الكلمات مرة واحدة إلى آخرها، وقال الشافعي: التكبيرات (٢) أن يقول: الله أكبر ثلاث مرات، أو خمس مرات، أو سبع مرات، أو تسع مرات، وقال: لأن المنصوص عليه في الكتاب هو التكبير، قال الله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٣)، والتكبير قوله: (الله أكبر)، وأمّا قوله: (لا إله إلا الله) تهليل، وقوله: ([ولله] (٤) الحمد) تحميد فمن شرط ذلك، فقد زاد على كتاب الله تعالى، فعُلم بهذا أنّ قوله: والتكبير أن يقول مرّة واحدة: الله أكبر احتراز عن قول الشافعي في موضعين في المرة، وتعيين الكلمات، وحجتنا في ذلك أن الأمة توارثوا التكبير من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا على الوجه الذي بيّنا، والتوارث حجة، وقيل: إن مأخذ التكبير من جبريل، وإبراهيم، وإسماعيل ﵈، فإنّ إبراهيم لما أضجع إسماعيل للذبح أمر الله جبريل ﵇ حتى يذهب إليه بالفداء، فلما رأى جبريل أنه أضجعه للذبح قال: الله أكبر الله أكبر؛ [كي لا] (٥) يعجل بالذبح، فلمّا سمع إبراهيم صوت جبرائيل وقع عنده أنه يأتيه بالبشارة فهلّل الله تعالى، [وذكره بالوحدانية] (٦)، فلما سمع إسماعيل كلامهما وقع عنده أنّه فدى فحمد الله، وشكره، فقال: الله أكبر، ولله الحمد (٧)، وثبوته على هذا الوجه بهؤلاء الأجلاء، فلا يجوز أن يأتي بالبعض، ويترك البعض. كذا في «المحيط» (٨)، (٩). وذكر في «المبسوط» (١٠): وكان ابن عمر ﵄ يقول: «الله أكبر، الله أكبر، [الله أكبر] (١١) وأجلّ، الله أكبر، ولله الحمد» (١٢)، وبه أخذ الشافعي، وكان ابن عباس يقول: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الحي القيوم، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير» (١٣)، وإنما أخذنا بقول عمر، وعلي، وابن مسعود؛ لأنه عمل الناس في الأمصار به، ولأنّه يشتمل على التكبير، والتهليل، والتحميد، فهو أجمع.

стр. 1001

قوله: (في الجماعات المستحبة) (١) احتراز عن جماعة النساء على ما ذكر بعد هذا، فإن قيل: هذه التكبيرات شُرعت تبعًا للمكتوبات، ولا يجوز أن يشترط للتبع ما لا يشترط للمتبوع، قلنا: نعم إلا أنّ هذه التبعية عرفت له شرعًا، بخلاف القياس، فإنّه لم يشرع في غير هذه الأيام، فيُراعي لهذه التبعية جميع الشرائط التي ورد النص بها، والنص جعل من إحدى شرائط إقامته المصر وجب أن يشترط القوم الخاص، والجماعة كما في الجمعة، والعيد، واختلف المشايخ على قول أبي حنيفة ﵀ أن الحرية هل هي شرط لوجوب هذه التكبيرات؟. وفائدة الخلاف إنما يظهر فيما إذا أَمّ العبد قومًا في صلاة مكتوبة في هذه الأيام هل يجب عليه التكبير؟ فمن شرط الحرية قال: بأنّ الذكورة، والمصر شرط لإقامته مقصودًا، فكذا الحرية قياسًا على الجمعة والعيد، ومن لم يشترط الحرية قال: لم يشترط لإقامته السلطان فلا يشترط الحرية كسائر الصلوات، وإنما لم يشترط لإقامته السلطان عند أبي حنيفة ﵀ لما حكى عن الشيخ الإمام محمد بن الفضل ﵀ (٢): أن التكبير يشبه صلاة العيد من حيث [إنه يشترط] (٣) لإقامته المصر بالنص كما شُرط لإقامة الجمعة، والعيد، ويشبه سائر الصلوات من حيث إنه يقام في يوم واحد خمس مرات، فكان له حظ من الخصوص، والعموم فلشبهه بالخصوص شرطنا القوم الخاص، والجماعة، ولشبهه بالعموم لم يشترط السلطان توفيرًا على الشبهين حظهما بقدر الإمكان، وأمّا المسافرون إذا صلّوا جماعة في مصر، ففيهم روايتان، وليس عقيب صلاة الوتر تكبير أما عندهما فلأنها سنة، وليست بمكتوبة، وأمّا عند أبي حنيفة، وإن كانت فرضًا إلا أنها لا تؤدّى بالجماعة [في هذه الأيام] (٤). كذا في «المحيط» (٥).

стр. 1002

(قال يعقوب: صليت بهم المغرب) (١)، وفي لفظ «جامع الصغير» (٢): قال يعقوب: صليت بهم المغرب يوم عرفة فطعن الطاعن في قوله: يوم عرفة لما أن بعد غروب الشمس ليلة النحر لا يوم عرفة (٣) قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: هذا ليس بموضع طعن فقد سمّى رسول الله ﷺ المغرب وتر (٤) النهار (٥)؛ لاتصال وقتها بالنهار، ومراده هنا تذكر اليوم الوقت يعني: صليت بهم وقت الوقوف بعرفة، فكان ذكر هذا اللفظ لبيان أنّ ما بعد غروب الشمس وقت الوقوف بعرفة، وهو مذهبنا، فإن وقته يمتد إلى طلوع الفجر، ثم قال في ذكر [هذا] (٦) الفصل على سبيل الحكاية فوائد منها بيان منزلته عند أستاذه حيث قدّمه، واقتدى/ ومنها بيان حشمة أستاذه في قلبه فإنّه على علم أن المقتدي به أستاذه سها عما لا يسهو المرء عنه عادة، وهو التكبير، ومنها مبادرة أستاذه إلى الستر عليه حيث كبّر؛ ليتذكر هو فكبّر، وهكذا ينبغي أن [يكون المعاملة] (٧) بين كل أستاذ، وتلميذ، يعني: أنّ التلميذ يُعظّم أستاذه، والأستاذ يستر عليه عيوبه، وفيه دليل على أن تعظيم الأستاذ في طاعته حيث تقدّم أبو يوسف بأمره، كذا في «جامع» فخر الإسلام، والمحبوبي (٨). [١٥٠/ أ] دلّ أنّ الإمام، وإن ترك التكبير لما يدعه المقتدي بخلاف سجود السهو إذا تركه الإمام لا يسجد المقتدي؛ لأن السجود يؤتى به في حرمة الصلاة بخلاف التكبير، ولكن إنما يكبر القوم قبل الإمام إذا وقع اليأس عن تكبير الإمام بأن قام. كذا ذكره قاضي خان ﵀ (٩). باب صلاة الكسوف لما كانت هذه الأبواب أبواب صلاة متشاركة في أوصاف بأنّها تؤدّى بالجماعة في النهار بغير أذان، وإقامة لإقامة السُّنة، وهي صلاة العيد، والكسوف، والاستسقاء أوردها متتابعة، ولكن لما تأكدت صلاة العيد في قوّة السنة قدّمها على غيرها، وكذلك لما قويت صلاة الكسوف حتّى لم يقع الخلاف لأحد في أنّها تصلّى بالجماعة قدم على صلاة الاستسقاء (١٠).

стр. 1003

ذكر في «الصحاح» (١): كسفت الشمس تكسف كسوفًا، وكسفها الله كسفًا يتعدّى، ولا يتعدّى قال الشاعر (٢): الشمس طالعة ليست بكاسفة … تبكي عليك نجوم اليل والقمرا (٣) أي: ليست تكسف ضوء النجوم مع طلوعها، ولكن لقلة ضوءها، وبكائها عليك لم يظهر لها نور، وكذلك كسف القمر إلا أنّ الأجود فيه أن يقال: خسف القمر. اعلم: بأن صلاة الكسوف مشروعة ثبت شرعيتها بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة [هكذا في «الصحاح» (٤). وذكر الإمام جمال الدين الأديب في شرح الأبيات: يرثي جرير بهذا عمر بن عبد العزيز (٥)، ومعنى قوله: (تبكي) أي: تغلب النجوم في البكاء يقال: باكيته، وبكيته أي: غلبته في البكاء، وروى النجوم بالرّفع، والنصب فعلى تقدير الرفع كان الواو في (والقمر) بمعنى مع، والألف للإشباع. اعلم: بأن صلاة الكسوف مشروعة، ثبت شرعيتها بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة] (٦)، (٧). أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (٨)، والكسوف آية من آيات الله؛ لأن الخلق عاجزون عن فعله، وهي من الآيات المخوّفة؛ لأنها مبدلة لنعمة النور إلى الظلمة في حين عادة النور، وتبديل النعمة إلى ضدّها تخويف، ولأن القلوب يفرغ لذلك طبعًا، فكانت من الآيات المخوّفة، والله تعالى إنمّا يخوّف عبادة؛ ليتركوا المعاصي، ويرجعوا إلى طاعة الله تعالى التي فيها نوروهم، وأقرب أحوال العبد في الرجوع إلى ربه حالة الصلاة، والسنة بهذا وردت، فإنّه روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا رأيتم شيئًا من هذه الأفزاع فافزعوا إلى الصلاة» (٩)، وعليه إجماع الأمة، فبعد هذا يحتاج إلى معرفة ستة أشياء إلى معرفة سبب شرعيتها، وشرط جوازها وصفتها، وكيفية أدائها، وموضع الصلاة [بها] (١٠)، ووقت الصلاة.

стр. 1004

أمّا سبب شرعيتها فالكسوف؛ لأنها تضاف إليه، ويتكرّر بتكرّره، وشرط جوازها ما يشرط لسائر الصلوات وصفتها فهي سنة، وليست بواجبة؛ لأنها ليست من شعائر الإسلام، فإنها توجد بعارض لكنها سنة؛ لأنه فعلها رسول الله ﷺ . وفي «التحفة» (١): وقال بعض مشايخنا: بأنها واجبة؛ لأن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم شيئًا من هذه الأفزاع فافزعوا إلى الصلاة» (٢)، والأمر للوجوب، واختار هذا القول في «الأسرار» (٣)، وهو الوجوب، فقال بعد ذكر الأمر: ولأنها تقام على سبيل الشهرة [كصلاة العيد] (٤)، فكان شعارًا من شعائر الدين حال الفزع، وشعار الإسلام يجب إظهاره، وأمّا كيفية أدائها، فأجمعوا أنها تؤدّى بجماعة، لكن اختلفوا في صفة أدائها على ما يذكر. وأما موضع الصلاة: فقد ذكر في «شرح الطحاوي» (٥) أنه يصلى في كسوف الشمس في المسجد الجامع، أو في مصلى العيد. وأما الوقت: فهو الوقت الذي يستحب فيه سائر الصلوات دون الأوقات المكروه، وقد ذكرناه. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٦)، و «المحيط» (٧). [١٥٠/ ب] سوى المحالات، والأصل في صلاة الكسوف حديث أبي مسعود الأنصاري ﵀ (٨) قال: انكسفت الشمس/ يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، ورضي عن ابنه، فقال الناس: إنما انكسفت الشمس لموته، فقال ﷺ : «إن الشمس، والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتم شيئًا من هذه الأهوال (٩) فافزعوا إلى الصلاة» (١٠). كذا في «المبسوط» (١١).

стр. 1005

(صلى الإمام بالناس كهيئة النافلة) (١) أي: بلا أذان، ولا إقامة، ولا خطبة، ولا تكرار ركوع، وقال الشافعي ﵀: ركوعان. وصورة صلاة الكسوف عنده: أنه يقوم في الركعة الأولى، ويقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وسورة البقرة إن كان يحفظها، وإن كان لا يحفظها يقرأ غير ذلك مما يعدلها، ثم يركع، ويمكث في ركوعه مثل ما مكث في قيامه، ثم يرفع رأسه، ويقوم ويقرأ سورة آل عمران إن كان يحفظها، وإن كان لا يحفظها يقرأ غيرها مما يعدلها، ثم يركع ثانيًا، ويمكث في ركوعه مثل ما مكث في قيامه هذا، ثم يرفع رأسه، ثم يسجد سجدتين، ثم يقوم فيمكث في قيامه، ويقرأ فيه مقدار ما قرأ في القيام الثاني في الركعة الأولى، [ثم يركع] (٢)، ويمكث في ركوعه مثل ما مكث في هذا القيام، ثم يقوم، ويمكث في قيامه مثل ما مكث في الركوع، [ثم يركع ثانيًا، ويمكث في ركوعه مثل ما مكث في قيام هذا] (٣)، ثم يرفع رأسه، ويقوم مثل ثلثي قيامه في القيام الأول من هذه الركعة الثانية، ثم يسجد سجدتين، ويتم الصلاة، احتج بحديث عائشة ﵂، وابن عباس ﵁: «أنّ النبي ﷺ صلى صلاة الكسوف ركعتين بأربع ركعات، وأربع سجدات» (٤). كذا في «المحيط» (٥). وذكر في «الخلاصة الغزالية» (٦): فإذا خسفت (٧) الشمس في وقت مكروه، أو غير مكروه نودي (٨) الصلاة جامعة، وصلى الإمام بالناس في المسجد ركعتين، وركع في كل ركعة ركوعين، وأوليلهما أطول من أواخرهما، ثم ذكر قراءة الطوال الأربع في أول القرآن في القيام الأربع على قوله: ثم قال: ويسبح في الركوع الأول قدر مائة آية، وفي الثاني قدر ثمانين، وفي الثالث قدر سبعين، وفي الرابع قدر خمسين آية، ولنا حديث عبد الله بن عمر (٩)، والنعمان بن بشير (١٠)، (١١)، وأبي بكرة (١٢)، (١٣) وسَمُرة بن جندب (١٤)، (١٥) ﵄ بألفاظ مختلفة: «أن النبي ﷺ صلى في كسوف الشمس ركعتين كأطول صلاة [كان] (١٦) يصليها فانجلت الشمس مع فراغه منها»، ولو جاز الأخذ بما روت عائشة، وابن عباس للزيادة لجاز الأخذ بما روى جابر: «أن النبي ﷺ صلى في الكسوف ركعتين [ركعتين] (١٧) بست ركعات، وست سجدات» (١٨)، وقال علي ﵁: «صلّى رسول الله ﷺ في الكسوف [ركعتين بست ركوعات، وست سجدات» (١٩)، وقال علي ﵁] (٢٠): «بثماني ركوعات، وأربع سجدات» (٢١).

стр. 1006

وبالإجماع أن هذا غير مأخوذ به؛ لأنه مخالف للمعهود، فكذلك ما روت عائشة، وابن عباس؛ وذلك لأن صلاة الكسوف إما أن تعتبر بالنوافل، أو بالفرائض والواجبات، وبأيها (١) اعتبر لا يجوز، وأمّا تعلقه بحديث عائشة، وعبد الله بن عباس قلنا: الأخبار قد تعارضت، فعند التعارض يُترك الإخبار، ويتمسك بالقياس، والقياس معنا أو يؤل توفيقًا بين الروايتين، والتوفيق ما ذكره محمد بن الحسن في صلاة الأثر قال: يحتمل أنّ النبي ﷺ أطال الركوع زيادة على قدر ركوع سائر الصلوات، فرفع أهل الصف الأول رؤوسهم ظنًا منهم أنه ﷺ رفع رأسه من الركوع، فمن خلفهم رفعوا رؤوسهم، فلما رأى أهل الصف الأول رسول الله ﷺ راكعًا ركعوا، فمن خلفهم ركعوا أيضًا، فلما رفع رسول الله ﷺ رأسه من الركوع رفع القوم رؤوسهم، ومن كانوا خلف الصف الأول ظنوا أنه ركع ركوعين، فرووا على حسب ما وقع عندهم، ومثل هذا الاشتباه قد يقع لمن كان في آخر الصفوف، وعائشة كانت واقفة في صف النساء، وابن عباس في صف الصبيان في ذلك الوقت، فلهذا نقلًا كما وقع عندهما، فيحمل على هذه توفيقًا بين الحديثين، ولو كان ما ذكره صحيحًا؛ لكان أمرًا (٢) بخلاف المعهود فحينئذ ينقله الكبار من الصحابة الذين يلون رسول الله ﷺ ، وحيث لم ينقل أحد دل أن الأمر كما قلنا. كذا في «المبسوطين» (٣)، و «المحيط (٤)» (٥). (أما التطويل في القراءة بيان الأفضل) (٦)؛ لأن فيه متابعة للنبي ﷺ ، وصح في الحديث: «أن قيام رسول الله ﷺ في الركعة الأولى كان بقدر (٧) سورة البقرة، وفي الركعة الثانية بقدر (٨) سورة آل عمران» (٩). كذا في «المبسوط» (١٠). [١٥١/ أ] (لأن/ المسنون استيعاب الوقت) (١١) أي: وقت الكسوف (١٢).

стр. 1007

(فإذا خفف أحدهما) (١) أي: الصلاة، والدعاء، فلهما حديث عائشة، ولأنها صلاة مخصوصة تقام بجمع عظيم، فيجهر فيها بالقراءة كالجمعة، والعيدين (٢). قوله: (والترجيح قد مرّ من قبل) (٣)، وهو قوله: (والحال أكشف على الرجال لقربهم)، فكان الترجيح لروايته فكذلك هاهنا، وهذا إنما يصح أن لو كان الراوي عائشة ﵂ كما ذكر هنا (٤). [وفي «مبسوط شيخ الإسلام»: ولو كان راوي حديثهما عليًّا ﵁] (٥)، كما ذكر في «المبسوط» (٦) فتأويله أنّه وقع اتفاقًا أو تعليمًا للناس بأن القراءة فيها مشروعة، أو يقول: إن روى علي ﵁ أنه جهر، وقد روى ابن عباس أنه خافت فعند تعارض الروايات يتمسّك بالقياس، والقياس مع أبي حنيفة ﵀، وذلك؛ لأن هذه صلاة تؤدّى في [أول] (٧) النهار ليس من شرط إقامتها المصر، فلا يجهر فيها بالقراءة كالظهر بخلاف الجمعة، والعيدين؛ لأن المصر شرط لإقامتهما. كذا في «المبسوطين» (٨). (ويدعوا بعدها حتى تنجلي الشمس) (٩)؛ لأن الصلاة كانت للدعاء، فإذا فرغوا من الصلاة يجب أن يدعوا، وهذا عندنا، وقال الشافعي ﵀: يخطب خطبتين بعد الصلاة كما في العيدين (١٠)، واحتج بما روي عن عائشة أنّها قالت: «خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلّى، ثم خطب فحمد الله، وأثنى عليه» (١١)، ولنا ما رُوي من الحديث، ولأن الخطبة مشروعة لأحد الأمرين إما شرطًا للجواز كما في صلاة الجمعة، أو مشروعًا للتعليم كما في صلاة العيدين، فإنه يحتاج إلى تعليم صدقة الفطر، والأضحية، والتعليم هاهنا حصل من حيث الفعل، ألا ترى أن في خطبة العيد لا يعلم صلاة العيد؛ لحصول التعليم بالفعل، وأمّا تعلّقه بحديث عائشة فيحتمل أنّ النبي ﷺ احتاج إلى الخطبة بعد صلاة الكسوف؛ لأن الناس كانوا يقولون: إنها كسفت لموت إبراهيم، فأراد أن يخطب حتّى يرد عليهم ذلك، أو يقال: معنى قولها: (خطب) أي: دعا؛ إذ الدعاء يسمى خطبة، ثم الإمام في هذا الدعاء بالخيار إن شاء جلس مستقبل القبلة ودعا، وإن شاء قام ودعا، وإن شاء استقبل الناس بوجهه ودعا، ويؤمّن القوم.

стр. 1008

قال شمس الأئمة الحلواني: وهذا أحسن، ولو قام واعتمد على عصا له، أو على قوس له، ودعا كان ذلك حسنًا أيضًا. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (١)، و «المحيط» (٢). فإن لم يحضر صلى الناس فرادى إن شاء ركعتين، وإن شاءوا أربعًا؛ [لأن هذا تطوع، والأصل في التطوعات أداءها فرادى إن شاءوا ركعتين، وإن شاءوا أربعًا، وذلك أفضل] (٣). كذا في «المبسوط» (٤). (تحرزًا عن الفتنة) (٥) أي: فتنة التقديم، والتقدم، والمنازعة فيهما (٦)، وليس في كسوف القمر جماعة (٧). وفي «المبسوط» (٨): عاب أهل الأدب محمدًا ﵀ في هذا اللفظ، وقالوا: إنما يستعمل في القمر لفظ الخسوف قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ (٩)، ولكنا نقول: الخسوف ذهاب دائرته، والكسوف ذهاب ضوءه (١٠) دون دائرته، فإنّما أراد محمد هذا النوع بذكر الكسوف. وفي «المغرب» (١١) يقال: كسفت الشمس، والقمر جميعًا عن الغورى، ثم قال: وكيفما كان فقول محمد ﵀ صحيح. (فافزعوا إلى الصلاة) (١٢) أي: التجئوا إليها يقال: فزع إليه التجاء، والمفزع الملجأ، وفزع منه خاف، وهذا عندنا. وقال الشافعي ﵀: يصلي في خسوف القمر بجماعة أيضًا لما روي عن ابن عباس أنه صلّى بهم في خسوف القمر، وقال: «صليت كما رأيت رسول الله ﷺ ) (١٣)، وذهب أصحابنا في ذلك إلى أن خسوف القمر كان على عهد رسول الله ﷺ ككسوف الشمس، بل أكثر فلو صلّى بجماعة؛ لنقل ذلك عنه نقلًا مستفيضًا كما نقل عنه ذلك في صلاة الكسوف، بل أكثر، ولأنّ القياس في التطوعات (١٤) أن لا تؤدّى بجماعة؛ لأنها شرعت خفية، ولهذا قال النبي ﷺ : «أفضل صلاة الرجل صلاته في بيته إلا المكتوبة» (١٥)، إلا أنا تركنا هذا القياس في صلاة الكسوف بالنص الظاهر، ولم يرد مثل ذلك في هذا فرد إلى القياس، والنص الوارد فيه لا يكون واردًا هاهنا؛ لأن الهول في كسوف الشمس فوق الهول في كسوف القمر. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (١٦).

стр. 1009

[١٥١/ ب] (وليس في الكسوف خطبة) (١) هذا راجع/ إلى كسوف الشمس، والقمر إلا أن في عدم خطبة كسوف الشمس، خلاف الشافعي دون كسوف القمر فكان معنى قوله؛ لأنه لم يُنقل، أي: بطريق الشهرة، فإنّ الشافعي ﵀ يروي حديث الخطبة في كسوف الشمس كما ذكرنا، ولكن لم يشتهر هو شهرة الصلاة، وإن أريد به خطبة كسوف القمر، فهي لم تنقل أصلًا (٢). وفي «مبسوط شيخ الإسلام» (٣): قال في ظلمه يكون، أو في (٤) الريح الشديدة قال: الصلاة حسنه لما روي عن النبي ﷺ أنّه قال: «إذا رأيتم شيئًا من هذه الأفزاع فافزعوا إلى الصلاة» (٥)، وروي عن ابن عباس ﵄: «أنه صلى لزلزلة بالبصرة» (٦)، والله أعلم. باب صلاة الاستسقاء ذكر في «المبسوط» (٧)، و «المحيط» (٨) قول أبي يوسف، مع قول أبي حنيفة ﵀. ذكر في «شرح الطحاوي» (٩) قوله مع محمد كما ذكر في الكتاب، وأمّا شيخ الإسلام، وصاحب «الأسرار»، و «التحفة» (١٠) حكوا رواية الطحاوي (١١). وفي «المحيط» (١٢): وقال الشافعي ﵀: يصلي ركعتين كما قال محمد إلا أنه قال: يكبر فيها كما في صلاة العيد يكبّر سبعًا في الركعة الأولى، وخمسًا في الركعة الثانية. وفي «الخلاصة الغزالية» (١٣): إذا غارت الأنهار، وانقطعت الأمطار، وانهارت القنوات، فيستحب للإمام أن يأمر الناس أولًا بصيام ثلاثة أيام، وما أطاقوا من الصدقة، والخروج من المظالم، والتوبة من المعاصي، ثم يخرج بهم اليوم الرابع، وبالعجائز، والصبيان متنظفين في ثياب بدل، واستكانة متواضعين لله بخلاف العيد. ويستحب إخراج الدواب، ويصلي بهم الإمام ركعتين مثل صلاة العيد بلا فرق، ثم يخطب خطبتين، ولكن معظم الخطبتين الاستغفار، وقريب من هذا في مذهبنا ما قاله شمس الأئمة الحلواني ذكره في «المحيط» (١٤)، وقال: إن الناس يخرجون إلى الاستسقاء مشاة لا على ظهور دوابّهم في ثيابٍ خَلَقٍ، وغَسِيلٍ أو مرقَّع متذلِّلين خاضعين ناكِسِي رؤوسِهم في كل يومٍ يقدِّمون الصدقةَ قبل الخروجِ، ثم يخرجون. هذا تفسير قول محمد.

стр. 1010

وفي «المبسوط» (١): احتج محمد، والشافعي بحديث ابن عباس: «أن النبي ﷺ صلى بالجماعة في الاستسقاء ركعتين» (٢)، ولأبي حنيفة ﵀ قوله ﵀: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾ (٣)، وفي حديث أنس ﵁: «أن الأعرابي لما سأل رسول الله أن يستسقي، وهو على المنبر رفع يديه يدعو فما نزل عن المنبر حتى نشأت سحابة فمطرنا إلى الجمعة القابلة» (٤) الحديث، وهو [ما] (٥) روى أنس ﵀ أنّ الناس قد قحطوا في زمن رسول الله ﷺ فدخل رجل من باب المسجد، ورسول الله ﷺ يخطب فقال: يا رسول الله هلكت المواشي، وخشينا الهلاك على أنفسنا فادع الله أن يسقينا فرفع رسول الله ﷺ يديه، فقال: «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا غدقًا مغدقًا عاجلًا غير رائث» (٦)، قال الراوي: ما كان في السماء قرعه فارتفعت السحاب من هاهنا، وهاهنا حتى صارت ركامًا، ثم مُطرت سبعًا من الجمعة إلى الجمعة، ثم دخل ذلك الرجل، والنبي ﷺ يخطب، والسماء تسكب، فقال: يا رسول الله تهدم البنيان، وانقطعت السُبل فادع الله أن يمسكه، فتبسّم رسول الله ﷺ لملالة بني آدم، قال الراوي: والله ما نرى في السماء خَضِرًا، ثم رفع يديه، فقال: «اللهم حوالينا لا علينا اللهم على الآكام، والظراب، وبطون الأودية، ومنابتة الشجر، فانجابت السحابة عن المدينة حتى صارت حولها كالإكليل، ولم يذكر غير الدعاء» (٧). وأن عمر ﵁ خرج للاستسقاء فما زاد على الدعاء، فلما قيل له في ذلك فقال: «لقد استسقيت لكم بمجاديح (٨) السماء التي يستنزل بها المطر» (٩)، ورُوي أنه «خرج بالعباس (١٠) فأجلسه على المنبر، ووقف بجنبه يدعو، ويقول: اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبيك، ودعا بدعاء طويل، فما نزل عن المنبر حتى سقوا» (١١)، فدلّ أن في الاستسقاء الدعاء، والاستغفار، والأثر الذي فعل أنه صلّى فيها رسول الله ﷺ شاذ فيما يعم به البلوى خصوصًا في ديارهم، وما يحتاج الخاص، والعام إلى معرفته لا يقبل فيه الشاذ (١٢).

стр. 1011

[١٥٢/ أ] قوله: (كصلاة العيد) (١) أي: من حيث إنه يصلي بالنهار بالجمع، و/ يجهر فيها بالقراة، ومن حيث إنه يصلي بلا أذان، ولا إقامة قلنا: فعله مرة، وتركه أخرى (٢). وذكر شيخ الإسلام في «المبسوط» (٣): يقال: فيه دليل على الجواز، وعندنا جائز لو صلوا بجماعة، والكلام في أنها سنة أم لا، والسنة ما واظب عليه رسول الله ﷺ ، وقد ذكرنا أنه تركه، فلم يكن سنة أو تعارض، وعند التعارض يتمسّك بالقياس أن لا تؤدّى النوافل بجماعة، وعند أبي يوسف خطبة واحدة؛ لأن المقصود الدعاء، فلا يقطعها بالجلسة. [كذا في «المبسوط» (٤) (٥). (ويستقبل القبلة بالدعاء) (٦)، وعن أبي يوسف ﵀ قال: إن شاء رفع يديه في الدعاء، وإن شاء إشارة (٧) بأصبعه؛ لأن رفع اليد في الدّعاء سنة جاء في الحديث: «أن النبي ﷺ كان يدعو بعرفات باسطًا يديه كالمستطعم المسكين» (٨). [كذا في «المبسوط» (٩)، و «المحيط» (١٠).] (١١) قلت: عُلم بهذه الرواية أن رفع اليد في الأدعية كلها سوى المواضع السبعة [جائزًا نصًّا] (١٢) كما في السبعة، لما أن الاستسقاء غير تلك السبعة، وكذلك تعميم التعليل في قوله؛ لأن رفع اليد في الدعاء سنة، وما روي عن النبي ﷺ من رفع يديه في الدعاء [على المنبر] (١٣) في الاستسقاء (١٤) على ما ذكر من رواية «المبسوط» (١٥) كلها دليل على ما قلت. (وحوّل رداءه) (١٦) ذكر في «المبسوط» (١٧): إذا مضى صدر من خطبته قلب رداءه وصفته إن كان مربعًا بأن كان حميصة جعل أعلاه، وأسفله، وإن كان مدورًا بأن كان حبّة جعل الجانب الأيمن على الجانب الأيسر، والجانب الأيسر على الجانب الأيمن لما روي عن النبي ﷺ أنه استسقى، وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها، فيجعلها أعلاه، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه، وقد ورد به الحديث، ولا تأويل له سوى أن يقال: بتغيير الهيئة لتغيّر الهواء.

стр. 1012

وفي «مبسوط شيخ الإسلام»: ثم إذا دعا فإنّه لا يقلب رداءه عند أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف، ومحمد، والشافعي ﵏: يقلب ردائه، واحتجوا فيه بما ذكرنا من الحديث الذي قلب النبي ﷺ رداءه (١)، (٢)، واحتج أبو حنيفة ﵀ بما روي "أن النبي ﷺ استسقى يوم الجمعة، ولم يقلب الرداء" (٣)، ولأنّه دعاء مشروع حالة الخوف، فلا يسن فيه تقليب الرداء قياسًا على الكسوف، فأمّا تعلقه بالحديث، قلنا: يحتمل أن النبي ﷺ كان يغيّر عليه رداءه فأصلحه، فظن الراوي أنه قلب، أو يقول: يحتمل أنه علم ذلك من طريق الوحي أنّ الحال ينقلب إلى الخصب متى قلب الرداء، وهذا ممّا لا يعرفه غيره، أو يقول: تعارضت الأخبار، فيتمسّك بالقياس، والقياس أن لا تقلّب الرداء كما في الكسوف، وصلاة الجمعة، والعيدين، ولا يحضر أهل الذمة الاستيقاء (٤)، وقال مالك ﵀: إن خرجوا لم يُمنعوا من ذلك، وقد ورد به أثر: "أنهم خرجوا في عهد بعض الخلفاء مع المسلمين فلم يُمنعوا من ذلك" (٥)، ولكنّا نقول: إنّما يخرج الناس للدعاء، ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ (٦)، وقد أمر رسول الله ﷺ بتبعيد المشركين حيث قال: «أنا بريء من كل مسلم مع مشرك لا يتراءى» (٧) أي: ناداهما، ثم إنما يخرج المسلمون للاستسقاء ثلاثة أيام، ولم ينقل أكثر من ذلك. كذا في «المبسوط» (٨)، و «المحيط» (٩). [قال محمد ﵀: وأحبُّ إليّ أن يخرج الناس إلى الاستيقاء ثلاثًا، وإن أمر الإمام الناس بالخروج، ولم يخرج بنفسه خرجوا. كذا في «الإيضاح»، والله أعلم (١٠) (١١).

стр. 1013

باب صلاة الخوف لما ذكر صلاة الاستسقاء بعد صلاة العيد، والكسوف لما ذكرنا من المناسبة بينها ذكر صلاة الخوف بعد صلاة الاستسقاء لمناسبته بينهما، وهي أن شرعيتهما هكذا لعارض خوف فيهما لكنه قدّم صلاة الاستسقاء على صلاة الخوف لمعنيين: أحدهما: أنّ العارض في صلاة الاستيقاء (١)، وهو انقطاع المياه سماوى، والعارض في صلاة الخوف، وهو الجهاد الذي سببه كفر الكافر اختياري، فتقدم السماوي على الاختياري أبدًا، كما في سائر المواضع. والثاني: أن العارض في الاستسقاء أثره في أصل الصلاة، وفي الخوف أثره في الهيئة، فذكر الأصل مقدّم على ذكر الصفة (٢). [١٥٢/ ب] اعلم: أن صلاة الخوف مشروعة بعد رسول الله ﷺ ، وهو قول علماؤنا في ظاهر الرواية، وقول الشافعي ﵀، وقد ذكر الحسن في كتاب صلاته عن أبي يوسف أن صلاة الخوف كانت مشروعة في وقت النبي ﷺ فأمّا بعد رسول الله صلى الله/ عليه وسلم غير مشروعة (٣). كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٤). (إذا اشتد الخوف) (٥) اشتداد الخوف ليس بشرط عند عامّة مشايخنا حيث جعل في «التحفة» (٦)، سبب جواز صلاة الخوف نفس قرب العدو من غير ذكر الخلاف، ومن غير ذكر الاشتداد (٧)، وكذا ذكر في «المبسوط» (٨)، و «المحيط» (٩)، وقال: بأن المسلمين إذا رأوا سوادًا فظنوا أنّهم العدو، فصلوا صلاة الخوف، فإن تبين أنّه كان سواد العدو، فقد ظهر أن سبب الترخص كان متقررًا فيجزيهم صلاتهم، وإن ظهر أن السواد سواد إبل أو بقرًا، وغنم، فقد ظهر أن سبب الترخص لم يكن متقررًا، فلا يجزيهم صلاتهم. وذكر في «مبسوط فخر الإسلام»: والمراد بالخوف عند البعض حضرة العدو لا حقيقة الخوف على ما عرف من أصلنا في تعليق الرخص بنفس السّفر لا حقيقة المشقة؛ لأن السّفر سبب المشقة، فأقيم مقامها، فكذا حضرة العدو هاهنا سبب الخوف، فأقيم مقام حقيقة الخوف (١٠). قوله: (جعل الإمام الناس طائفتين طائفة إلى وجه العدو، وطائفة خلفه) (١١) اعلم: أنّ هاهنا قيدًا، والناس عنه غافلون، وهو أن هذا الفعل المذكور في صلاة الخوف إنما يحتاج إليه أن لو تنازع القوم في الصلاة خلف الإمام، فقال: كل طائفة منهم أنا نصلي معك، فحينئذ يجعل القوم طائفتين يقف إحديهما (١٢) بإزاء العدو، ويراقبون العدو، والطائفة الأخرى يفتتحون الصلاة مع الإمام … إلى آخره كما ذكر في الكتاب.

стр. 1014

وأما إذا لم يتنازع القوم خلفه فإن الأفضل للإمام أن يجعل القوم طائفتين، فيأمر طائفة ليقيموا بإزاء العدو، ويصلي بالطائفة التي معه تمام الصلاة، ثم يأمر رجلًا من الطائفة التي بإزاء العدو حتى يصلي بهم [تمام] (١) صلاتهم أيضًا، والطائفة التي صلوا مع الإمام، أو لا يقومون بإزاء العدو. كذا في «مبسوط فخر (٢) الإسلام» (٣)، و «المحيط» (٤). (وأبو يوسف وإن أنكر شرعها في زماننا فهو محجوج عليه بما روينا) (٥)، وكان يقول أبو يوسف أولًا مثل ما قالا، ثم رجع، فقال: كانت في حياة النبي ﷺ خاصة، ولم تبق مشروعة بعده؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (٦) فقد شرط كونه فيهم لإقامة صلاة الخوف (٧)، ولأن الناس كانوا يرغبون في الصلاة خلفه ما لا يرغبون في الصلاة خلف غيره، فشرعت بصفة الذهاب، والمجيء لينال كل فريق فضيلة الصلاة خلفه، وقد ارتفع هذا المعنى بعده فكل طائفة يتمكنون من أداء الصلاة بإمام على حدة، فلا يجوز لهم أداؤها بصفة الذهاب والمجيء، وحجتنا في ذلك أنّ الصحابة ﵄ أقاموها بعد رسول الله ﷺ روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة بن الجراح (٨) (٩) ﵄ وأن سعيد بن العاص (١٠) سأل عنها أبا سعيد الخدري (١١) فعلّمه فأقامها (١٢)، وروي عن أبي موسى الأشعري ﵁: "أنّه صلى صلاة الخوف بأصبهان (١٣) " (١٤)، وسعيد بن أبي العاص حارب المجوس بطبرستان (١٥)، ومعه الحسن بن علي، وحذيفة بن اليمان (١٦)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (١٧)، وصلّى بهم صلاة الخوف، ولم ينكر عليهما أحد (١٨)، فحلّ محلّ الإجماع (١٩).

стр. 1015

وسببه -وهو الخوف- يتحقق بعد رسول الله ﷺ كما كان في حياته، ولم يكن ذلك لينل فضيلة الصلاة خلفه؛ لأن ترك المشي، والاستدبار فريضة، والصلاة خلف النبي فضيلة، ولا يجوز ترك الفرض لإحراز الفضيلة، ثم الآن يحتاجون إلى إحراز فضيلة تكثير الجماعة، فإنّها كلما كانت أكثر فهي أفضل، وقوله (١) تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ (٢)، معناه: أنت أو من يقوم مقامك في الإمامة، كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٣)، وقد يكون الخطاب مع رسول الله ﷺ ، ولا يختص هو به كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٤)، (٥)، كذا في «المبسوط» (٦)، و «المحيط» (٧). [١٥٣/ أ] قلت: ولا حجة لمن تمسّك بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (٨) الآية، على (٩) دعوى الاختصاص بحياة النبي ﷺ لما عرف من أصلنا أن المعلّق بالشرط لا يوجب عدم الحكم عند عدم الشرط، بل هو موقوف إلى أن قام الدليل [فإذا قام الدليل] (١٠) على وجود الحكم بذلك الدليل، وقد قام الدليل هاهنا، وهو فعل الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ ، فيجب أن يقال: بالجواز،/ ومذهب الشافعي، ومالك معروف (١١). وفي «المبسوط» (١٢): ثم أن عدد الركعات لا ينتقض بسبب الخوف عندنا، وكان [ابن مسعود] (١٣) ابن عباس يقول (١٤): «صلاة المقيم أربع ركعات، وصلاة المسافر ركعتان، وصلاة الخوف ركعة» (١٥)، وبه أخذ بعض العلماء، ويصلي بالطائفة الأولى ركعتين من المغرب، وهذا عندنا، وقال الثوري: يصلي بالطائفة الأولى ركعة، و [بالطائفة الثانية] (١٦) ركعتين؛ لأن فرض القراءة في الركعتين الأوليين، فينبغي أن يكون لكل طائفة في ذلك حظ، ولنا أنه إنما يصلي بكل طائفة شطر الصلاة، وشطر المغرب ركعة، ونصف فيثبت حق الطائفة الأولى في نصف ركعة، والركعة الواحدة لا تتجزئ، فيثبت حقهم في كلها. كذا في «المبسوط» (١٧).

стр. 1016

وقال الشافعي ﵀: الإمام في المغرب بالخيار إن شاء صلى مثل مذهبنا، وإن شاء صلى مثل مذهب الثوري (١) (٢). كذا ذكره شيخ الإسلام (٣). (ولا يقاتلون في حال الصلاة، فإن قاتلوا بطلت صلاتهم) (٤)، وهذا عندنا، وقال مالك: لا تفسد، وهو قول الشافعي في القديم؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (٥)، والأمر بأخذ السلاح في الصلاة لا يكون إلا للقتال به، ولكنا نقول: القتال عمل كثير، وهو ليس من أعمال الصلاة، ولا يتحقق فيه الحاجة لا محالة، فكان مفسدًا لها كتخليص الغريق، واتباع السارق لاسترداد المال، والأمر بأخذ الأسلحة؛ لكيلا يطمع فيهم العدو إذا رأوهم مستعدين، أو ليقاتلوا بها إذا احتاجوا، ثم يستقبلون الصلاة، ولا يصلُّون، وهم يقاتلون، وإن ذهب الوقت؛ لأن النبي ﷺ شغل عن أربع صلوات يوم الخندق، فقضاهن بعد هوى من الليل، وقال: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، ملأ الله قبورهم وبطونهم نارًا» (٦)، فلو كان يجوز الصلاة في حالة القتال لما أخّرها، وكذلك من ركب منهم في صلاته عند انصرافه إلى وجه العدو فسدت صلاته؛ لأن الركوب عمل كثير، وهو مما لا يحتاج إليه، بخلاف المشي فإنه لابدّ منه حتى يقفوا بإزاء العدو، وجواز العمل لأجل الضرورة فيختص بما يتحقق فيه الضرورة، ولو تحققت الضرورة في الركوب حالة الانصراف، فركب استأنف الصلاة لوجود العمل الكثير الذي لم يرد به النص، بخلاف المشي، والذهاب، فإنّه ورد فيهما النص ببقاء التحريمة، وإن كان المشي، والذهاب عملًا كثيرًا، فيحصر الحكم في مورد النص (٧). (وإن اشتد الخوف صلوا ركبانًا فرادى) (٨)، ومعنى اشتداد الخوف هاهنا هو أن لا يدعهم العدو بأن يصلوا نازلين، بل يهجموهم بالمحاربة، فيصلّون ركبانًا فرادى؛ وذلك لأن الصلاة على الدابة تجوز بعذر دون هذا العذر، فلأن يجوز بهذا أولى (٩).

стр. 1017

ألا ترى أنه ذكر في «المحيط» (١): إذا كان الرجل في السّفر، وأمطرت السماء، فلم يجد مكانًا يابسًا ينزل الصلاة، فإنه يقف على دابته مستقبل القبلة، [فيصلي بالإيماء] (٢) إذا أمكنه إيقاف الدابة، وإن لم يمكنه إيقاف الدابة مستقبل القبلة، فإنّه يصلي مستدبر القبلة بالإيماء، فعلى هذا إذا كان يخاف النزول عن الدابة، فإنه يصلي راكبًا مستقبل القبلة بالإيماء، وإن لم يمكنه صلى مستدبرًا، ثم إنما يجزئه ذلك إذا كانت الدابة تسير بسير نفسه، فأمّا إذا كان يُسيرها صاحبها لا يجزئه (٣) هذا في الفرائض. وأما النوافل فيجوز على الدابة بالإيماء على أي جهة شاء سواء قدر على النزول أو لم يقدر، وقد ذكرناه، وذكر فيه أيضًا فإن كان الرجل ماشيًا هاربًا من العدو، فحضرت الصلاة، ولم يمكنه الوقوف ليصلي، فإنه لا يصلي ماشيًا عندنا، بل يؤخر، وعند الشافعي يصلي في تلك الحالة بالإيماء، ثم يعيد فإن صلوا صلاة الخوف من غير أن يعاينوا (٤) العدو جاز صلاة الإمام، ولم يجز صلاة القوم إذا صلوها بصفة الذهاب، والمجيء، والخوف من سبع يعاينونه كالخوف من العدو؛ لأن الرخصة لدفع سبب الخوف عندهم، ولا فرق في هذا بين السبع، والعدو (٥). [١٥٣/ ب] (وعن محمد ﵀ أنهم يصلون بجماعة) (٦)، [وقال: استحسن ذلك لينالوا فضيلة الصلاة] (٧) بالجماعة فقد جوّزنا لهم ما هو أعظم من ذلك، وهو الذهاب، والمجيء لأجل إحراز فضيلة الجماعة، ولكنا نقول: ما أثبتناه من الرخصة أثبتنا بالنص، ولا مدخل للرأي في إثبات الرخص، ولأن بينهم، وبين الإمام طريقًا، فيمنع صحة الاقتداء إلا أن يكون الرجل مع الإمام على دابة/ واحدة فيصحّ اقتداؤه به؛ لأنه ليس بينهما مانع. كذا في «المبسوط» (٨)، والله أعلم. باب الجنائز لما ذكر أحد أركان الدِّين على وجه يعم الأماكن كلها، وهو الصلاة بأصولها، وما يعرض عليها ختمها بآخر العوارض الذي هو [آخر] (٩) أحوال المكلّفين بالصلاة في حق الصلاة، وما يتبعها كما ختم الكتاب بالوصايا؛ لأنه آخر أحوالهم في جميع التكاليف، أو لما ذكر الخوف أعقبه بالجنائز؛ لأن الخوف قد يُفضي إلى الموت (١٠). ألا ترى أنه ذكره في «المبسوط» (١١): ومن وجد في المعركة ميتًا ليس به أثر غسل؛ لأن الظاهر أنه لما التقى الصفان انخلع قناع قلبه من شدةالفزع، ومات، والجبان يُبتلى بهذا.

стр. 1018

وفي «المغرب» (١): الجنازة بالكسر السرير، وبالفتح الميت، وقيل هما لغتان، وعن الأصمعي لا يقال بالفتح. (وإذا احتضر الرجل) (٢) أي: قرُب من الموت (٣)، يقال: فلان محتضر، أي: قريب من الموت، واحتضر مات أيضًا؛ لأن الوفاة حضرته أو ملائكة الموت. كذا في «المغرب» (٤). (وجّه إلى القبلة على (٥) شقه الأيمن) (٦) اعلم أنّ الاضطجاع على ستة أنواع: اضطجاع في حالة المرض، فإنه يضجع على شقه الأيمن عرضًا للقبلة. واضطجاع في حالة [صلاة المريض، فقد ذكرناه. واضطجاع في حالة] (٧) النزع، فإنّه يوضع كما يوضع في حالة المرض إلا أنّ العرف فيما بين الناس أن يضجع مستلقيًا على قفاه، وقيل: بأن هذا يسر لخروج روحه. واضطجاع في حالة الغسل بعدما قضى [نحبه] (٨)، فلا رواية فيه عن أصحابنا أنّه كيف يُوضع على التخت إلا أنّ العرف أنه يُضجع مستلقيًا على قفاه [طولًا نحو القبلة كما في حالة الصلاة، وذلك حسن. واضطجاع في حالة الصلاة ﷺ ، فإنه يضجع معترضًا للقبلة على قفاه] (٩). واضطجاع في حالة الوضع في اللحد، فإنّه يضجع على شقه الأيمن كما في حال المرض. كذا في «شرح الطحاوي» (١٠). (ولقّن الشهادة) (١١)، ولفظ المختصر: (ولُقّن الشهادتين)، وهو المراد هنا أيضًا. وفي «شرح الطحاوي»: وإذا اشتد عليه المرض، ودنا موته، فالواجب على أصدقائه، وإخوانه أن يلّقنوه كلمة الشهادة، ولا يقول له: قل، ولكن يقول وهو يسمع ويتلقّن، والمراد الذي قرب من الموت، فإن الشيء يطلق عليه اسم ما قرب منه من الأحوال سواء كان القرب به من حالة ماضية، كما في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (١٢)، وكما في لفظ أبي يوسف في «الجامع الصغير» (١٣) صليت بهم المغرب يوم عرفة، وقد ذكرناه، أو حالة آتية، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (١٤)، وقوله ﷺ : «[الثياب] (١٥) من قتل قتيلًا فله سلبه» (١٦)، والذي نحن فيه من قبيل الثاني، فإذا مات شدّ لحياه، وغمض عيناه؛ لأنه إذا ترك مفتوح العين يصير كريه المنظر، ويقبح في أعين الناس، وعليه توارث الأمة، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، ثم المستحبّ أن يعجّل في جهازه، ولا يؤخّر؛ لقوله ﷺ : «عجلوا بموتاكم فإن يك خيرًا قدّمتموه إليه، وإن يك شرًا فبُعدًا لأهل النار» (١٧)، ولا بأس بإعلام الناس بموته؛ لأن فيه تحريض الناس إلى الطاعة، وحثًّا على الاستعداد لها، فيكون دلالة على الخير، والدال على الخير كفاعله (١٨). كذا في «التحفة» (١٩).

стр. 1019

فصل: [في الغسل] (١) قدّم الغسل لأنّه (٢) أوّل ما يُصنع بالميّت هذا، ثم اعلم بأن غسل الميت حق واجب على الأحياء بالسنة، وإجماع الأمة، ونوع من المعنى (٣). أمّا السّنة فما روى أُبي بن كعب ﵁ (٤) عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أنّ آدم ﷺ لما حضرته الوفاة نزلت الملائكة بحنوطه، وكفنه من الجنة، فلما مات غسّلوه بالماء، والسدر ثلاثًا، وكفّنوه [هذه] (٥) في وتر من الثياب، وصلّوا عليه عند البيت، وأَمّهم جبرائيل ﷺ ، وقال: هذه سنة ولد آدم من بعده» (٦)، وإجماع الأمة على هذا (٧). [١٥٤/ أ] وأمّا المعنى: فهو أنّ الميت في صلاة الجنازة بمنزلة الإمام للقوم، فإنّه لا تجوز الصلاة بدونه، ولهذا قال ابن مسعود ﵁: «الجنازة سنة متبوعة» (٨)، ولهذا شرط تقديمه على القوم كالإمام، وطهارة الإمام شرط لجواز صلاة القوم، فكذا طهارة الميت، ولأن ما بعد الموت حال عرض على الله، ورجوع إليه فوجب تطهيره بالغسل تعظيمًا لله سبحانه، ولهذا سنّ غسل الكافر،/ وإن كان لا يُصلّى عليه تعظيمًا لله؛ لأنه حال رجوع إلى الله، وبه وردت السنة في حق الكافر من حديث أبي طالب، ثم اختلف المشايخ ﵏ أنّه لا يرى علة وجب غسل الميت. قال أبو عبد الله الثلجي (٩)، (١٠) [أنّه] (١١) إنما وجب غسله لأجل الحدث لا لنجاسته تثبت بالموت، وذلك؛ لأن النجاسة التي ثبتت بالموت لا تزول بالغسل كما في سائر الحيوانات، والحدث مما (١٢) يزول بالغسل حالة الحياة، فكذا بعد الوفاة، والآدمي لا ينجس بالموت كرامة له، ولكن يصير محدثًا؛ لأن الموت سبب لاسترخاء المفاصل، وزوال العقل قبل الموت، وأنّه حدث، فكان يجب أن يكون مقصورًا على أعضاء الوضوء كما في حال الحياة، إلا أنّ القياس في حالة الحياة غسل جميع البدن في الحدث كما في الجنابة فاكتفى بغسل الأعضاء الأربعة نفيًا للحرج؛ لأنه يتكرّر في كلّ يوم، والجنابة لما لم تتكرر لم يكتف بغسل الأعضاء الأربعة، فكذا الحدث بسبب الموت لا يتكرّر، فلا يؤدّي غسل جميع البدن إلى الحرج، فأخذنا بالقياس، وكان الشيخ أبو عبد الله الجرجاني ﵀ (١٣)، وغيره من مشايخ العراق (١٤) يقولون: بأنّ غسله وجب لنجاسة الموت لا بسبب الحدث، وذلك؛ لأن الآدمي له دم سائل، فتنجس بالموت قياسًا على سائر الحيوانات التي لها دم، والدليل على أنّه ينجس بالموت أن المسلم إذا وقع في بئر، ومات، فإنّه يجب نزح ماء البئر كله (١٥).

стр. 1020

وكذلك لو احتمل ميّتًا قبل الغسل، وصلى معه لا يجوز الصلاة، ولو كان الغسل واجبًا؛ لإزالة الحدث لا غير؛ لكان يجوز الصلاة مع الميت قبل الغسل كما لو حمل محدثًا فصلى معه، والدليل عليه [أيضًا] (١) أن الميت لا يُمسح برأسه، ولو كان للحدث لسن المسح على رأسه كما في الجنب، فدلّ أنّ الغسل واجب لإزالة نجاسة تثبت بالموت كرامة للآدمي بخلاف سائر الحيوانات، وكأنّ هذا القول أقرب إلى القياس؛ لأن هذا القائل قال: بثبوت النجاسة بعد وجود علتها، وهو احتباس الدم السائل في العروق، وقال: بزوال هذه النجاسة بالغسل، وللغسل أثر في إزالة النجاسة كما في حالة الحياة، وإن لم يكن له أثر في إزالة نجاسة الموت في سائر الحيوانات سوى الآدمي، فكان هذا القول موافقًا للقياس، وأما ما قاله البلخي مخالف للقياس، وهو المنع لثبوت النجاسة مع قيام العلة الموجبة للنجاسة. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٢)، و «المحيط» (٣)، وكذا ذكر لفظ وجوب الغسل شمس الأئمة السرخسي (٤)، وصاحب «التحفة» (٥) رحمهما الله. وفي «مبسوط فخر الإسلام»: غسل الميت سنة واجبة. واعلم: أن أقسام [غسل] (٦) الميت، والصلاة عليه لا تنفلت عن القسمة العقلية، فإنّ منهم من يُغسل، ويُصلى عليه، وهو المسلم الذي مات حتف أنفه، ومنهم عكسه، وهو الذي لا يُغسل، ولا يُصلّى عليه، وهو الكافر الذي لا ولي له من المسلمين، ومنهم من يغسل، ولا يُصلى عليه، وهو الباغي، وقاطع الطريق، والكافر الذي له ولي مسلم، ومنهم [عكسه، وهو] (٧) الذي لا يُغسل، ولكن يصلّى عليه، وهو الشهيد (٨). قوله: (وإذا أرادوا غسله وضعوه على سريره … إلى آخره) (٩)، أمّا الوضع على السرير؛ لأنه لو وضع على الأرض يتلطّخ بالطين، فيوضع عليه (١٠)؛ كيلا يتلطّخ به، وإن لم يبيّن كيفية وضع التخت إلى القبلة طولًا، أو عرضًا من أصحابنا من اختار الوضع طولًا كما كان يفعله في مرضه إذا أراد الصلاة بالإيماء، ومنهم من اختار الوضع عرضًا [كما يودع] (١١) في القبر، قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: والأصح أنه يوضع كما يتيسر (١٢)، فإن ذلك يختلف باختلاف الأماكن، والمواضع، وجعلوا على عورته خرقة؛ لأن ستر العورة واجب على كل حال، والآدمي محترم حيًّا، وميتًا (١٣).
следующие страницы →