← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

(وإذا بلغوا إلى قبره يكره أن يجلسوا قبل أن يوضع عن (١) أعناق الرجال) (٢) فإذا وضعت عن الأعناق جلسوا، ويكره القيام، وإن كان القوم في المصلّى، فجيء بجنازة [تكلّموا] (٣) قال بعضهم: يقومون لها إذا رأوها قبل أن يوضع، وقال بعضهم: لا يقومون، وهو الصحيح، وهو شيء كان في الابتداء، ثم انتسخ. كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان ﵀ (٤). (وكيفية الحمل أن يضع مقدَّم الجنازة على يمينك) (٥) هذا لفظ «الجامع الصغير»، بلفظ الخطاب، خاطب به أبو حنيفة أبا يوسف ﵀، قال يعقوب: رأيت أبا حينفة ﵀ يصنع هكذا، قال الإمام المحبوبي، وهذا دليل تواضعه. قلت: وقد حمل الجنازة من هو أفضل منه، بل أفضل جميع الخلائق، وهو نبيّنا ﷺ فإنّه حمل جنازة سعد بن معاذ ﵁ (٦) على ما ذكرنا لما أنّ حمل الجنازة عبادة، فيجب على كلّ أحد أن يتبادر في العبادة (٧)، (٨). ثم اعلم أن في حمل الجنازة سنتين نفس السنة، وكمالها أمّا نفس السنة هي أن يأخذ الجنازة بقوائمها الأربع على طريق التعاقب بأن يحمل من كل جانب عشر خطوات، جاء في الحديث: «من حمل جنازة أربعين خطوة كفرت له أربعين كبيرة» (٩)، وهذا يتحقق في حق الجميع، وأمّا كمال السنة فلا يتحقّق إلا في حق الواحد، وهو أن يبدأ الحامل بحمل يمين مقدّم الجنازة؛ إذ ليس لمقدم الجنازة إلا يمين واحد فلذلك لا يكون البداية بها إلا للواحد (١٠). [١٦١/ أ] فلذلك قال في «المبسوط» (١١): ومن أراد كمال السنة في حمل الجنازة [إلا يمين واحدة، ولذلك تكون البداية] (١٢) ينبغي أن يحملها من الجوانب الأربعة يبدأ بالأيمن/ المقدّم، ثم بالأيمن المؤخّر، وذكر شيخ الإسلام ﵀: وإنما أراد باليمين المقدّم يمين الميت [ثم قال] (١٣): فإذا حملت جانب السرير الأيسر فذلك يمين الميّت؛ لأن يمين الميّت على يسار الجنازة؛ لأن الميت وضع عليها على قفاه، فكان يمين الميّت يسارها، ويساره (١٤) يمينها، ثم المعنى في الحمل على هذا الوجه أمّا البداية بالأيمن المقدّم، وذلك يمين الميّت، ويمين الحامل؛ فلأنّ النبي ﷺ كان يحب التيامن في كل شيء (١٥)، والمقدّم أيضًا أوّل الجنازة، والبداية بالشيء إنما يكون من أوّله، ثم يتحوّل إلى الأيمن المؤخّر؛ لأنه [لو تحوّل] (١٦) إلى الأيسر المقدّم احتاج إلى المشي أمامها، والمشي خلفها أفضل، فلمّا مشى خلفها، وبلغ الأيمن المؤخّر حمله؛ لأن له رجحان التيامن أيضًا فبقي جانبان الأيسر المقدّم، والأيسر المؤخّر فيختار تقديم الأيسر المقدّم على الأيسر المؤخّر لمعنيين:

стр. 1052

أحدهما: أن للمقدّم فضلًا على المؤخّر كفضل الأيمن على الأيسر لسبقه على المؤخّر، والسّبق من أسباب الترجيح. والثاني: هو أنّ في تقديم الأيسر المقدّم ختمًا بالأيسر المؤخّر، والختم بذلك أولى؛ ليبقى بعد الفراغ خلف الجنازة لما أنّ المشي خلفها [أفضل] (١) على ما ذكرناه، وهذه فوائد [مجموعة] (٢) من إشارات شروح «الجامع الصغير» كـ: «جامع الصغير» للمحبوبي، وغيره، والله أعلم بالصواب (٣). فصل في الدفن أصل هذه الأفعال من الغسل، والتكفين، والدّفن في بني آدم عرف بفعل الملائكة في حقّ آدم ﷺ ، روي عن النبي ﷺ أنّه قال: «لما توفي آدم ﷺ غسّلته الملائكة، وكفّنوه، ودفنوه ثم (٤) قالوا لولده هذه سنّة موتاكم» (٥) على ما ذكرنا من «التحفة» (٦)، ويُلحد يحتمل أن يكون مجهول لحدًا، وألحد؛ لأن كلًّا منهما متعدّ يقال: لحد القبر، وألحده، وقبر ملحود، وملحد، ولحد للميت، وألحد له، أي: حفر له لحدًا، ولحد الميت، وألحده جعله في اللحد، واللحد هو الشق المائل في جانب القبر (٧). كذا في «المغرب» (٨). ثم عندنا يلحد للميت، ولا يشق له (٩)، وقال الشّافعي ﵀: يشقّ، ولا يلحد لتوارث أهل المدينة، فإنّهم توارثوا الشق دون اللّحد، واحتج علماؤنا بقوله ﷺ : «اللحد لنا، والشق لغيرنا» (١٠)، ولأنّ الشق فعل [أهل] (١١) اليهود، والتشبه بهم مكروه فيما منه بدّ، وكان بالمدينة حفاران: أحدهما يلحد، والآخر يشق، فلما قبض رسول الله ﷺ بعثوا في طلب الحفّار قال العباس: «اللهم خِرْ لنبيك فوجد الذي يلحد» (١٢)، ولا حجة له في توارث أهل المدينة؛ لأنّهم إنّما توارثوا ذلك لضعف أراضيهم بالبقيع، ولأجل هذا المعنى اختاروا الشق في ديارنا، فإنّ (١٣) في أراضي ديارنا ضعفًا، ورخاوة فينهار [إذا لحد] (١٤)، فاختاروا الشق؛ لهذا وصفة اللحد أن يحفر القبر بتمامه، ثم يحفر في جانب القبلة منه حفيرة فيوضع فيها الميّت، ويجعل [ذلك] (١٥) كالبيت المسقف، وصفة الشق أن يحفر حفيرة في وسط القبر، ويوضع فيها الميّت. كذا في «المبسوط» (١٦)، و «المحيط» (١٧).

стр. 1053

(ويدخل الميت مما يلي القبلة) (١) يعني: توضع الجنازة في جانب القبلة من القبر، ويحمل منه الميّت فيُوضع في اللحد، وقال الشافعي ﵀: السنّة أن يُسلّ إلى قبره وصفة ذلك أن توضع الجنازة في مؤخر القبر حتى يكون رأس الميت بإزاء موضع قدميه من القبر، ثم يدخل الرجل الآخر القبر، فيأخذ برأس (٢) الميت، ويُدخله القبر أولًا، ويسل كذلك. [كذا في «مبسوط شيخ الإسلام»، و «فتاوى قاضي خان»، و «الخلاصة الغزالية» (٣). وقال شمس الأئمة الحلواني ﵀: صورة السَّل أن توضع الجنازة في مقدم القبر حتى يكون رِجلا الميت بإزاء موضع رأسه من القبر، ثم يدخل الرجل الآخر القبر فيأخذ برجلي الميت، ويدخلهما القبر أولًا، ويسل كذلك] (٤). كذا في «المحيط» (٥)، و «شرح الطحاوي» (٦). [١٦١/ ب] وما ذكره في «المبسوط» قريب من هذا أيضًا، ثم ذكر في «المبسوط» (٧): احتج الشافعي ﵀ بما روي: «أن النبي ﷺ سُلَّ إلى قبره» (٨)، ولأنّه في حال حياته كان إذا دخل بيته بدأ برجله، والقبر بيته بعد الموت، فيُبدأ (٩) بإدخال رجله فيه، ولنا ما روى إبراهيم النخعي ﵀ (١٠): «أن النبيّ ﷺ أُدخل قبره من قِبل القبلة» (١١)، فإن صحّ هذا اتضح المذهب، وإن صحّ ما رووا، فقيل: إنما كان ذلك لأجل الضرورة؛ لأن النبي ﷺ مات (١٢) في حجرة عائشة ﵂ من قبل الحائط، وكانت السنة دفن الأنبياء في الموضع الذي قبضوا فيه (١٣)، ولم يتمكنوا من وضع السّرير من قبل القبلة لأجل الحائط/ فلهذا سلّ إلى قبره، وعن ابن عباس ﵁[وعمر] (١٤)، وابن عمر ﵄ قالا (١٥): «يُدخل الميّت إلى قبره من قِبل القبلة» (١٦)، سيكون وجوه الآخذين إلى القبلة قال ﷺ : «خير المجالس ما استقبلت به القبلة» (١٧). كذا في «المبسوط» (١٨)، و «[فتاوى] (١٩) قاضي خان» (٢٠).

стр. 1054

واضطربت الرواية في إدخال النبي ﷺ ؛ لأنه روي عن ابن عباس مثل مذهبه، وروي عنه أيضًا مثل مذهبنا فقد تعارضت الروايات عنه، وصحّ أنّ النبي ﷺ أخذ بإدخاله من قبل القبلة. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» ﵀ (١). (بسم الله، وعلى ملة رسول الله) (٢) أي: بسم الله وضعناك، وعلى ملّة رسول الله سلّمناك. كذا في «المبسوط» (٣) حين وضع أبا دجانة في القبر، والصحيح: أنه وضع ذا النجادين؛ لأن أبا دجانة مات بعد رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر هكذا ذكر في التواريخ كذا وجدت بخط شيخي ﵀، وإذا انتهى به إلى القبر، فلا بأس بأن يدخله وتر أو شفع، وقال الشافعي ﵀: السنّة هو الوتر اعتبارًا بالكفن، والغسل، والإجمار، [واحتج أصحابنا] (٤) بما روي: «أن رسول الله ﷺ لما أُدخل قبره أدخله العباس، والفضل بن عباس (٥)، وعلي، وصهيب (٦) «﵄ (٧)، ولأنّه حمل الميت، فيكون السّنة هي الشفع قياسًا على الحمل الأول، واعتبار الحمل بالحمل أولى من اعتبار الحمل بالغسل، ولأنّ المقصود وضع الميّت في القبر، فإنّما يدخل قبره بقدر ما يحصل به الكفاية الشفع، والوتر سواء. كذا في «المبسوطين» (٨). (ويوجّهه إلى القبلة [ذلك أمر رسول الله ﷺ ) (٩) روى عن] (١٠) علي ﵁ أنّه قال: مات رجل من بني عبد المطلب، فقال ﷺ : «يا علي استقبل به القبلة استقبالًا، وقولوا جميعًا: بسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله وضعوه لجنبه، ولا تكبّوه لوجهه، ولا تلقوه (١١) لظهره» (١٢). كذا في «المحيط» (١٣)، و «شرح الأقطع» (١٤).

стр. 1055

(التسجية) (١) التغطية يسجى قبر المرأة (٢) بثوب حتى يفزع من اللحد؛ لأنها عورة من فوقها إلى قدمها، فربّما يبدو شيء من [أثر] (٣) عورتها. ألا ترى أنّها خصّت بالنعش على جنازتها، وهو [شيء] (٤) شبه المحفّة مسبّك يطبق على المرأة إذا وضعت على الجنازة، وقد صحّ أن قبر فاطمة (٥) ﵂ سُجي بثوب، ونعش على جنازتها (٦)، ولم يكن للنعش في جنازة النساء حين ماتت فاطمة، فأوصيت قبل موتها أن تستر جنازتها فاتخذوا لها نعشًا من جريد النخل، فبقي سُنّة هكذا في جميع النساء، وإذا وضعت في اللحد استغنت عن التسجية، وإن كان رجلًا لا يُسجى قبره عندنا، وعند الشافعي يسجى لما روي: «أن النبي ﷺ سجى قبر سعد بن معاذ ﵁» (٧)، ولأصحابنا ما روي عن علي ﵁ أنّه [لما] (٨) مرّ لميت، وقد سجى قبره فنزعه، وقال: «إنّه رجل»، ولأن مبنى حال الرجل على الانكشاف فلا يُسجّى قبره إلا لضرورة، وهي ضرورة دفع الحر، أو الثلج، أو المطر عن الداخلين في القبر، وتأويل قبر سعد بن معاذ أنّه إنما سجى قبره؛ لأن الكفن كان لا يغمر (٩) بدنه فسجى قبره حتّى لا يقع الاطلاع لأحد على شيء من أعضائه. كذا في «المحيط» (١٠). (ويُكره الآجر، والخشب) (١١) هذا ظاهر الرواية، وبعضهم فرق بينهما، وقال: كراهة الآجر من حيث إنه مسته النّار فلا يتفائل به، وهذا المعنى معدوم في حق الخشب فلا يكره، ولكن هذا الفرق ليس بصحيح، فإن مساس النار في الآجر لا يصلح علة للكراهة، فإنّ السنّة أن يغسل الميت بالماء الحار، وقد مستّه النار، وقال مشايخ بخارى: لا يكره الآجر في بلدتنا لمساس الحاجة إليه لضعف الأراضي حتّى قال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل (١٢)

стр. 1056

-﵀: لو اتخذوا تابوتًا من حديد لم أر به بأسًا في هذه الديار لكن ينبغي أن يوضع مما يلي الميت اللبن. كذا في «المحيط» (١). وقال شمس الأئمة السرخسي ﵀: والأول أوجه، وهو التعليل بأحكام البناء؛ لأنه جمع في كتاب الصلاة بين استعمال الآجر، ورفوف الخشب، ولا يوجد معنى مسّ النار في رفوف الخشب، والمراد برفوف الخشب الواحه، وذكر الإمام التمرتاشي ﵀: هذا إذا كان حول الميت، وإن كان فوقه لا يكره؛ لأنه يكون عصمة من السبع، وهذا كما اعتادوا التسنيم باللبن صيانة عن النبش، ورأوا ذلك حسنًا (٢). وفي «الجامع الصغير» لقاضي خان ﵀: ولا بأس بكتابة شيء، أو بوضع الأحجار على القبر [ليلا] (٣) يكون علامة (٤). [١٦٢/ أ] وفي «الإيضاح»، و «التحفة» (٥): وكره أبو حنيفة ﵀ البناء على القبر، وإن يعلم بعلامة، وكره أبو يوسف ﵀ أن يكتب عليه كتابًا لما/ لما روى جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تجصّصوا القبر، ولا تبنوا عليه، ولا تقعدوا عليه، ولا تكتبوا عليه» (٦)، [ويكره أن يزاد على تراب القبر الذي خرج منه؛ لأن الزيادة عليه بمنزلة البناء] (٧)، (٨). (وفي «الجامع الصغير»: يستحب اللبن، والقصب) (٩)، وإنما صرح بلفظ «الجامع الصغير» لما أن التفاوت بين رواية القدوري بقوله: ولا بأس بالقصب، وبين رواية «الجامع الصغير»، [ويستحب] (١٠) ثابت من وجهين: أحدهما: أن رواية القدوري يدلّ على نفي السنة لا غير، ولا يدلّ على الاستحباب، ورواية «الجامع الصغير» صرّحت بالاستحباب. والثاني: رواية القدوري لا تدلّ على إباحة الجمع بينهما، ورواية «الجامع الصغير» يدل [عليهما] (١١). (١٢).

стр. 1057

وفي «المحيط» (١): وقال [في] (٢) الأصل: اللبن أو القصب، فدلّ المذكور في «الجامع الصغير» [على] (٣) أنّه لا بأس بالجمع بينهما. وفي «المغرب» (٤): الطُنُّ [بالضم] (٥) الحزمة من القصب، وحكى عن شمس الأئمة الحلواني ﵀: أنه قال: [هذا] (٦) في قصب لم يعمل، وأما القصب [المعمول] (٧)، وبالفارسية: (بورياء بافته أزني)، فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا يكره؛ لأنه قصب كله، وقال بعضهم: يكره؛ لأنه لم يرد السنة بالمعمول، وأمّا الحصير المتخذ من البردي، فإلقاؤه في القبر مكروه؛ لأنه لم يرد السنة به، وكثير من الصحابة ﵄ أوصوا بأن يرمسوا في التراب رمسًا، أي: يُدفنوا من غير شق ولا لحد، وقالوا: «ليس جنبنا الأيسر بأولى من الأيمن في التراب»، وكانوا يرمسون في التراب رمسًا، ويهال عليهم التراب إلا أن الوجه يوقّى من التراب بلبنتين، أو ثلاث. كذا في «المحيط» (٨). (هلّت الدقيق في التراب (٩) صببته من غير كيل، وكل شيء أرسلته إرسالًا من رمل أو تراب أو طعام أو نحوه، قلت: هلته أهيلة هيلًا، فإنها رأى جري فانصب. كذا في «الصحاح» (١٠). ومنه، (ثم يهال التراب) (١١) أي: يصب. (ويُسنّم القبر) (١٢) المراد من تسنيم القبر: رفعه من الأرض مقدار شبر أو أكثر قليلًا، ولا يُربّع، وقال الشافعي ﵀: يربّع، ولا يسنم، والتسنيم هو الذي على رسمنا، واحتج بما روى المزني ﵀ (١٣) بإسناده أنّه: «لما توفى إبراهيم ﵀ ابن رسول الله ﷺ جعل رسول الله قبره مسطّحًا» (١٤)، واحتجّ علماؤنا بحديث سعد بن جبير، عن ابن عباس ﵁: «أن جبرئيل ﷺ صلّى بالملائكة على آدم ﷺ ، وسنّم قبره» (١٥)، وعن إبراهيم النخعي ﵀ أنّه قال: «أخبرني من رأى قبر النبي ﷺ ، وقبر أبي بكر، وعمر أنها مسنّمة عليها فلق من مدر بيض» (١٦)، ولأن تربيع القبر تشبه بصنيع أهل الكتاب، والتشبيه بصنيعهم فيما لنا منه بدّ مكروه، وتأويل حديث إبراهيم أنّ رسول الله ﷺ سطّح قبره أولًا، ثم سنّم. كذا في «المبسوط» (١٧)، و «المحيط» (١٨)، والله أعلم بالصواب (١٩).

стр. 1058

باب الشهيد لما كان المقتول ميتًا بأجله لاق إيراد باب الشهيد عقيب باب الجنائز (١)، وقدّم باب الجنائز عليه؛ إما لشدّة مساس الحاجة إلى معرفته؛ لكثرة وقوعه بخلاف الشهيد، أو لأن الميت غير الشهيد يجري مجرى المفرد (٢)، والشهيد يجري مجرى المركب؛ لكونه ميّتًا مكيّفًا، والمركب بعد المفرد (٣)، وقال شيخ الإسلام في خلال مسائل باب الشهيد من «المبسوط» (٤): اختلف الناس لماذا سمّي الشهيد شهيدًا قال بعضهم: لأن الملائكة يشهدون موته، فكان مشهودًا، فكان فعيلًا بمعنى مفعول كالقتيل، وقال بعضهم: إنّما سمّي شهيدًا؛ لأنه مشهود له بالجنّة؛ لأنه صير لنصرة دين الله حتّى، قيل: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ (٥) الآية (٦). ولأنّه يدّل عليه ما روي عن رسول الله ﷺ : «أنّه كان يجمع بين الرجلين يوم أُحُد في قبر واحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» (٧)، وقيل: سمّي به؛ لأنه حي عند الله حاضر عند الله، ثم يحتاج هاهنا إلى معرفة الشهيد، فيقول: الشهيد الكامل عند أبي حنيفة ﵀ اسم لكل مسلم مكلّف طاهر قتل ظلمًا بأي آلة كانت في قتال ثلاث طوائف: أهل الحرب، والبغي، وقطّاع [الطريق] (٨)، وبآلة جارحة في غيره، ولم يجب بقتله مال حالة القتل سوى وجوبه لشبهة الأبوّة، ولم يمض عليه وقت صلاة كامل يعد تصرّم القتال، ولا يوم أو ليلة حال القتال، ولا ينتفع بحياته شيء، ثم أنهما يوافقانه في هذه القيود إلا في قيد التكليف، والطهارة، والآلة الجارحة، وإنما قيّدنا بالكامل؛ لأن المرتث (٩) شهيد لكنّه/ ليس بكامل في الشهادة (١٠)، فإن شمس الأئمة السرخسي ﵀ ذكر في «المبسوط» (١١): أن عمر ﵁ لما طعن حُمل إلى بيته فعاش يومين غسِّل، وكان شهيدًا على لسان رسول الله ﷺ (١٢)، وكذلك علي ﵁ حُمل حيًّا بعدما طعن، ثم غُسِّل، وكان شهيدًا (١٣) فعرفنا أنّ الشهيد الذي لا يغسّل من أجهز عليه في مصرعه دون من حُمل حيًّا ليمرَّض.

стр. 1059

[١٦٢/ ب] وكذلك ذكر في «تحفة الفقهاء» (١): الشهيد نوعان: نوع يغسل، ونوع لا يغسل، وأمّا الذي لا يغسل فهو الذي في معنى شهداء أُحُد، وإلا فبقي على الأصل المعهود، وهو الغسل فإنّه سنّة للمولى، وبالمسلم احترازًا عن الكافر إذا قتل، وبالمكلّف احترازًا عن الصبي، والمجنون، وبالطّاهر احترازًا عن الجنب، والحائض، والنفساء إذا طهرتا على ما يجيء، وبكونه مقتولًا ظلمًا احترازًا عمّا قتل قصاصًا، أو رجمًا في حدّ، وعمّن افترسه السّبع، أو سقط عليه الحائط، أو سقط من جبل، أو غرق في الماء، أو ما أشبهه، ويخرج عن هذا أيضًا ما إذا كانت دابة المشرك، فنقلته من المشرك فليس عليها أحد، ولا لها سائق أو قائد فأوطأت مسلمًا في القتال فقتلته غسل عند أبي حنيفة، ومحمد -رحمهما الله-؛ لأن قتله غير مضاف إلى العدو أصلًا، بل قتل بمجرّد فعل العجماء، وفعلها غير موصوف بالظلم، وعند أبي يوسف ﵀ لا يغسل؛ لأنه صار قتيلًا في قتال أهل الحرب، وبأي آلة كانت في قتال ثلاث طوائف؛ لأنه لا يشترط الآلة في قتال تلك الطوائف بعد أن يكون القتل بمباشرتهم أو … على ما يجيء، وبآلة جارحة، فإنّه يشترط على قول أبي حنيفة ﵀ حتّى يغسل المقتول بالمثقّل، وبأن لا يجب المال بقتله احترازًا عن شبه العمد، والخطأ، وبحالة القتل احترازًا عن الذي وجب القصاص، ثم انقلب مالًا بالصلح، فإنّه لا يمنع الشهادة، واستثنى وجوب المال لشبهة الأبوّة، فإنّه إذا قتل الوالد ولده عمدًا يجب المال حالة القتل، ولا يمنع الشهادة، وخرجت الشبهة بسبب الأبوّة احترازًا عن شبه العمد، وبأن لا يمضى عليه وقت صلاة كامل بعد تصرّم القتال احترازًا عمّن صرع في المعركة مجروحًا، وهو يعقل، وقد تصرّم القتال، فإن مكث كذلك وقت صلاة أو صلاتين لا يكون شهيدًا؛ لأنه صارت الصلاة دينًا في ذمته، وهو من أحكام الأحياء، وبأن لا يمضي يوم أو ليلة حال القتال احترازًا عمّن مضى عليه ذلك، فإنّه لو عاش في مكانه يومًا أو ليلة، فإنّه يغسل، وإن كان دون ذلك لا يغسل؛ لأنه ليس في معنى شهداء أُحُد، فإنه لم يبق منهم أحد حيًّا بعد الجراحة يومًا كاملًا، أو ليلة كاملة، توضحيه أن القتيل يعيش قليلًا، ولا يعيش طويلًا، فجعلنا الفاصل بين القليل، والكثير يومًا كاملًا، أو ليلة كاملة؛ لأن كلًّا منهما يُعرف بنفسه، وما دون ذلك يُعرف بالسّاعات، ولا ضبط لها، وبأنّه لم ينتفع بحياته بشيء احترازًا عمّن انتفع بحياته شيء هذا كلي يدخل تحته جميع الانتفاعات من الأكل، والشرب، والكلام الكثير من أمور الدنيا كالبيع، والشرى، والذي انتقل من المعركة إلى موضع للمريض، استفيدت هذه الأحكام من إشارات «المحيط» (٢)، و «شرح الطحاوي» (٣).

стр. 1060

(بكلامهم) (١) أي: بجراحاتهم الكلْم بسكون اللام الحراجة، والجمع كلام، وكلام يقال: كلمته كلمًا، وقراء بعضهم: ﴿دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ (٢) أي: تجرحهم، ويسمهم. كذا في «الصحاح» (٣). (وكذا خروج الدم من موضع غير معتاد) (٤)، والأصل فيه: أنّ الدم إذا خرج من بعض مخارقه نظر، فإن كان الدم يخرج من ذلك الموضع عادة من غير جرح في الباطن غسل، وذلك كالأنف، والدّبر، والذكر، فقد يبتلى بالرعاف، وقد يبول دمًا من شدة الفزع، وقد يخرج الدم من الدبر من غير جرح في الباطن، فإن كان يخرج الدم من أذنه أو عينه لم يغسل؛ لأن الدم لا يخرج من هذين الموضعين عادة إلا بجرح في الباطن، والظاهر أنه ضُرب على رأسه حتّى خرج الدم من أذنه أو عينه، وإن كان يخرج من فمه فإن كان [ينزل من رأسه غسل، وخروجه من جانب الفم، ومن جانب الأنف سواء، وإن كان] (٥) يعلو من جوفه لم يغسل؛ لأن الدّم لا يعلو من الجوف إلا بجرح في الباطن، وإنما يعرف ذلك بلون الدم. كذا في «المبسوط» (٦). [١٦٣/ أ] وقال الإمام التمرتاشي ﵀:/ النّازل من الرأس صاف، والمُرتقى من الجوف علق (٧). قوله: (والشافعي يخالفنا في الصلاة) (٨) اختلف العلماء في حكم الشهيد على ثلاثة أقوال: قال علماؤنا: إنّه لا يغسل، ويصلّى عليه، وقال الحسن البصري ﵀: يغسل، [ويصلّى] (٩)، وقال الشافعي: لا يُصلّى عليه، أما الحسن فقال: الغسل سُنة الموتى من بني آدم جاء في الحديث: «أن آدم صلوات الله عليه لما مات غسّلته الملائكة، [وصلّوا عليه] (١٠)، ثم قالت: هذه سنّة موتاكم يا بني آدم» (١١)، والشهيد ميت بأجله، ولأنّ الغسل شرع كرامة للميّت، والشهيد أحق بالكرامات، وإنما لم يغسل شهداء أُحُد؛ لأن الجراحات نشت في الصحابة في ذلك اليوم، وكان يشق عليهم حمل الماء من المدينة، وغسلهم، فعذرهم رسول الله ﷺ لذلك، ولنا ما روي أنّ النبي ﷺ قال في شهداء أُحُد: «زمّلوهم بدمائهم، ولا تغسّلوهم، فإنّه ما من جريح يجرح في سبيل الله إلا وهو يأتي يوم القيامة، وأوداجه تشخب دمًا اللون لون الدم، والريح ريح المسك» (١٢)، وما [قاله] (١٣) الحسن من التأويل باطل، فإنّه لم يأمر بالتيمم، ولو كان ترك الغسل للتعذّر لأمر أن يتمموا كما لو تعذّر غسل الميت في زماننا لعدم الماء، ولأنّه لم يعذرهم في ترك الدّفن، وكانت المشقّة في حفر القبور للدّفن أظهر منه في الغسل، وكما لم يغسل شهداء أُحدٍ لم يغسل شهداء بدرٍ كما رواه عقبة بن عامر (١٤)، (١٥) وهذه الضرورة لم تكن يومئذ، وكذلك لم يغسل شهداء الخندق، وحُنين فظهر أنّ الشهيد لا يُغسل (١٦).

стр. 1061

(والشافعي يخالفنا في الصلاة) (١) أي: قال الشافعي لا يصلّى على الشهيد؛ لحديث جابر: «أنّ النبي ﷺ ما صلّى على أَحد من شهداء أُحد» (٢)، ولأنّ الله تعالى وصف الشهداء بأنّهم أحياء فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٣)، والصلاة على الميت لا على الحي، ولأنّ الصلاة ما شرعت إلا بعد غسل الميت فإسقاط الغسل نصّ على إسقاط الصلاة كحي يسقط عنه خطاب الطهارة أصلًا يدلّ على سقوط خطاب الصّلاة عنه كالمرأة حال الحيض، وكالرجل حال الجنون، ولنا قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (٤)، ولم يفصل، وقال: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (٥)، أي: رحمة (٦)، والشهيد أولى بالرحمة من غيره، وقال ﷺ : «صلّوا على من قال: لا إله إلا الله» (٧)، وروى عبد الله ابن ثعلبة ﵁ (٨): «أنّ النبي ﷺ صلى صلاة الجنازة على شهداء أُحُد» (٩)، حتى روي: «أنّه صلّى على حمزة ﵁ سبعين صلاة» (١٠)، (١١) وتأويله: أنّه كان موضوعًا بين يديه، فيؤتى بواحد واحد، فيصل عليه رسول الله ﷺ ، فظن الراوي أنّه يصلّى على حمزة في كلّ مرة، فقال: صلّى عليه سبعين صلاة، وحديث جابر ليس بقوي، وقيل: إنه كان يومئذ مشغولًا، فقد قتل أبوه، وأخوه، وخاله فرجع إلى المدينة؛ ليدبّر كيف يحملهم إلى المدينة؟ فلم يكن حاضرًا حين صلّى رسول الله ﷺ عليهم، فلهذا روى ما روى، ومن شاهد النبي ﷺ ، فقد روى: أنّه ﷺ صلى عليهم، ثم سمع جابر منادي رسول الله ﷺ : «أن يُدفن القتلى في مصارعهم، فرجع فدفنهم فيها» (١٢)، أو يدع التمسك بالصلاة في شهداء أُحُد بالحديث؛ لأن الروايات قد تعارضت فيها، ونحتجّ بما ورد في شهداء بدر، فإنّ الروايات في حق الصّلاة على شهداء بدر لم تتعارض، فإنّ ابن عباس روى: «أنه ﷺ صلّى عليهم» (١٣) أو ترجّح فيقول المصير إلى ما روينا أولى؛ لأنه إثبات، وما رواه نفي فيرجح الإثبات فيما سبيله سبيل الشهادة، والمعنى: أنّه ميّت مسلم طاهر، فيصلّى عليه قياسًا على المرتث، وسائر المسلمين إذا ماتوا، وإنّما قلنا: إنّه طاهر؛ لأن الشهادة طهارة شرعية، وكفارة عن كلّ ذنب، وهذا لمعنًى، وهو: أنّ الصلاة على الميت لإظهار كرامته، ولهذا اختصّ بها المسلمون، ونهى رسول الله ﷺ عن الصّلاة على المنافقين (١٤)، والشهيد أولى بما هو من أسباب الكرامة، والعبد، وإن تطّهر من الذنوب لا تبلغ درجته درجة الاستغناء عن الدعاء [له] (١٥)، ألا ترى أنّهم صلّوا على رسول الله ﷺ ، ولا إشكال أنّ درجته فوق درجة الشهيد (١٦). (١٧).

стр. 1062

[١٦٣/ ب] فإن قلت: على هذا التقدير يجب أن يغسل الشّهيد أيضًا، فإنّ [يكفر] (١) تكفير الشهادة كل ذنب لا يكون أكثر تكفيرًا/ من النبوة، وهي لا تسقط الغسل فهاهنا أولى؟. قلت: أنّ المزيد من رحمة الله لا نهاية له، فلم يجز سقوط الصلاة [عن الشهيد] (٢) لصيرورته بالشهادة من أهل الرحمة. وأمّا الغسل فتطهير، وقد يبلغ العبد حدًّا يستغني به عن التطهير، ويجوز أن يزيد تطهير الشهادة على تطهير الغسل عن الإثم، فلمّا وجد الأعلى سقط الأدنى، وهو جائز، وإمّا لا يجوز حرمان طلب رحمة زائدة بسبب رحمة قائمة. كذا في «الأسرار» (٣). والشهيد حي في أحكام الآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٤)، فأمّا في أحكام الدنيا فهو ميّت يقسم ميراثه، وتتزوّج امرأته بعد انقضاء العدة، وغيرهما، وفرضية الصلاة [عليه] (٥) من أحكام الدنيا، وكان فيها ميتًا فصلّى عليه. وأمّا قوله: (فإسقاط خطاب الغسل) يدلّ على إسقاط الصلاة. قلنا: إن الغسل الذي هو شرط جواز الصّلاة إنّما يخاطب به المصلّى، وهو باقٍ من الغسل، أو (٦) الوضوء في حق المصلّى، ولكن الميت هاهنا لا يصلي هو بنفسه، بل هذا الغسل غسل تطهير عن الإثم، [وتكفير] (٧) كما (٨) يغسل المحرم نفسه تطهيرًا عن الإثم من غير حدث، وقد وردت الأخبار بالوضوء لمن يريد التوبة، والشهادة طهرته، وكفّرته، فأغنته عن ذلك الغسل، فصار كسائر الموتى إذا غسّلوا، وكالمصلّي إذا حضره الوقت، وهو لم يحدث، وكان على الطهارة، فإنّه لا يخاطب بالطّهارة، ولم يدلّ ذلك على سقوط الصّلاة عنه. كذا في «المبسوطين (٩)» (١٠)، و «الأسرار» (١١). قوله ﵀: (ويقول السيف محاء للذنوب) (١٢)، كان شيخي ﵀ يقول: هذا لفظ المشايخ. وأمّا لفظ الحديث، فقوله ﷺ : «القتل في سبيل الله يكفّر كل شيء إلا الدَّيْن» (١٣) ذكره في «المصابيح» (١٤)، ولكن شمس الأئمة السرخسي أورده من لفظ الحديث في «المبسوط» (١٥)، فقال: [قال] ﷺ : «السيف محاء للذنوب» (١٦).

стр. 1063

(فبأي شيء قتلوه لم يغسل) (١)؛ لأن شهداء أُحدٍ ما كان كلّهم قتيل السّيف. فإن قلت: هذا مسلّم في قتيل أهل الحرب، وأمّا [في] (٢) قتيل أهل البغي، وقطّاع الطريق غير مسلّم لما أنّ أهل البغي من أهل الإسلام، وكذلك لو كان قطّاع الطريق من أهل الإسلام، فلمّا كان القاتل مسلمًا يشترط الحديدة، [أو الآلة] (٣) التي لا تلبث في ثبوت الشهادة على حسب الاختلاف حتّى أن قتيلًا لو وجد في المصر، وعلم [أن] (٤) قاتله قتله بالحديدة، أو بالآلة التي لا تلبث لا يغسل حينئذ، وإلا فيغسل على ما يجيء علم بهذا أن تعميم الآلة في قوله: (فبأيّ شيء قتلوه) إنّما يصح في قتيل أهل الحرب لا [في] (٥) حق غيره (٦). قلت: لما كان القتال مع أهل البغي، وقطّاع الطريق مأمورًا به ألحق هذا بقتال أهل الحرب، وفي قتال أهل الحرب الحكم هكذا، وهو تعميم الآلة، فكذا في قتالهما أمّا في حق أهل البغي قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٧)، فكان المقتول في هذه المحاربة باذلًا نفسه لابتغاء مرضات الله كالمقتول في محاربة المشركين، وتأيد ذلك بحديث علي ﵁، فإنّه لما قاتل أهل النهروان (٨) لم يغسل من استشهد من أصحابه (٩). (١٠). وأمّا [في حق] (١١) قطّاع الطريق، فقد قال ﷺ : «قاتل دون مالك» (١٢)، وقال أيضًا: «من قتل دون ماله فهو شهيد» (١٣)، فلما كان القتيل فيهما مأمورًا بالقتال صار كالمأمور بقتال أهل الحرب في قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١٤)، فعمّت الآية كما عمّت هناك. هذا [حاصل] (١٥) ما ذكر في «المبسوط» (١٦).

стр. 1064

(لأنّ ما وجب بالجنابة سقط بالموت) (١)، وذلك لأنّا قد بيّنا في صدر الكتاب أنّ السّبب الموجب لوجوب الوضوء، والغسل في الحدث، والجنابة هو الصلاة، والحدث، والجنابة شرط الوجوب، فلذلك كلّ من سقطت عنه الصّلاة سقط [عنه] (٢) وجوب الوضوء، والغسل، وقد سقطت عنه الصّلاة [أصلًا] (٣) بالموت، فيسقط وجوب الغسل الذي عند وجود الجنابة لسقوط الموجب، وهو الصّلاة (٤). [١٦٤/ أ] (والثاني لم يجب) (٥) أي: وغسل الميت الذي يجب على الأحياء بسبب الموت لم يجب عليهم في حق الشهيد لشهادته كالمحدث (٦) إذا استشهد، فإن الحديث الذي يوجب سقوط الغسل في حقّ الشهداء عام، وهو قوله ﷺ : «زمّلوهم بكُلومهم، ودمائهم من غير فصل بين شهيد، وشهيد» (٧)، فيتناول الجنب، وغيره، ولأنّه شهيد فلا يغسل قياسًا على ما لو لم يكن جنبًا، والفقه فيه أن الاستشهاد أقيم مقام الغسل كالزَّكاة في الشّاة، وذلك؛ لأن/ الميّت إنما ينجس باعتبار احتباس الدماء السيّالة فيه لا بنفس الموت، بدليل أنّ ما لا دم له من الحيوانات لا يتنجس بالموت، والاستشهاد مانع من الاحتباس فلا يغسل (٨). فإن قلت: إن هذا باطل طردًا، وعكسًا، أما طردًا فلأن المرتث [يُغسل] (٩)، وإن لم يكن فيه احتباس الدماء، وأما عكسًا فلأن المقتول بالصخور، والخشب في الحرب لا يُغسل، وإن لم يوجد إلا دماء؟. قلت: الاستشهاد إنما عرف مانعًا من نجاسته يتمكن بالموت شرعًا بخلاف القياس [إذ القياس] (١٠) يقتضي التنجس، وإن وجد الإدماء لما أنّ الدماء نجسة فلا يطهر محلها إلا بالغسل، والنصّ ورد في حق من لم يرتث، فلا يقاس عليه المرتث، كما قلنا: إنّ الزَّكاة شرعت مانعة من التنجس لما فيها من الأنهار لكنها لما كانت على خلاف القياس من الوجه الذي قلنا لم يثبت [طهارة اللحم] (١١) بزكاة المجوسي، وبزكاة من ترك التسمية عامدًا (١٢).

стр. 1065

وأمّا الثاني: فلأن الرض بالصخور، والخشب أقيم مقام الإدماء تيسيرًا على النّاس لإعذار الاطلاع على ذلك، وأمّا حديث حنظلة بن أبي عامر ﵁ (١)، (٢) إنما غسّلته الملائكة إكرامًا له، ولو كان الغسل واجبًا؛ لكان وجوبه على بني آدم، ولما اكتفى به رسول الله ﷺ بغسل الملائكة إياه، وحيث اكتفى دلّ أنّه لم يكن واجبًا. كذا في «المبسوط» (٣)، و «الفوائد الظهيرية» (٤). (ولأبي حنيفة ﵀: أنّ الشّهادة عرفت مانعةً غير رافعة فلا ترفع الجنابة) (٥)، ألا ترى أنّه لو كان في ثوب الشهيد نجاسة يغسل تلك النجاسة، ولا يغسل الدّم عنه لما ذكره من المعنى. فإن قلت: تنتقض هذه النكتة بالحدث، فإنّ المحدث إذا استشهد لا توضأ أعضاء وضوئه بالاتفاق، فكانت الشهادة رافعة لحدثه، فيجب أن تكون رافعة لجنابته علم بهذا أنّ الشهادة عرفت رافعة أيضًا؟. قلت: النكتة مستقيمة غير منقوضة، ولكن سقوط غسل أعضاء الوضوء لمعنى ضروري، وهو أنّ الشرع جعل القتل على سبيل الشهادة مانعًا من نجاسة تثبت بالموت في الأعضاء كلها، فحينئذ لا يتصوّر أن يكون مانعًا من ثبوت النجاسة في حق أعضاء الوضوء إذا لم يعتبر رافعًا للحدث فيها؛ لأن الموت لا يخلو عن حدث يكون قبله لما أنّه لا يخلو عن زوال عقل في آخر الموت، وبذلك يصير محدثًا، فلو لم يعتبر رافعًا للحدث الأصغر وجب غسل هذه الأعضاء من كل شهيد، فحينئذ لا يظهر فائدة المنع في حق هذه الأعضاء (٦)، فلهذه الضرورة اعتبر رافعًا في حق الحدث، ولا ضرورة في الجنابة؛ لأن الموت يخلو عن الجنابة فلا يعتبر رافعًا في حق الجنابة من غير ضرورة، كما لم يعتبر بالاتفاق رافعًا في حقيقة (٧) النجاسة؛ لأنه لا ضرورة في رفعها، ولأن الحدث أدنى فلا يُقاس عليه إلا الأعلى خصوصًا [ما] (٨) إذا كان المانع موجودًا، ولأنّ النصّ مقدّم على القياس (٩).

стр. 1066

وأمّا قوله: ([قولهما: بأنّه شهيد فلا يُغسل) قلنا: من حيث إنه شهيد لا يغسل، وإنّما يغسل من حيث إنه جنب، وأمّا] (١) قوله: (الغسل لأجل الصّلاة) قلنا: الغسل جاز أن يكون للصّلاة، ولدخول المسجد، ولقراءة القرآن، ومسّ المصحف، فجاز أن يبقى مشروعًا لإدخال القبر، والعرض على الله تعالى. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٢)، و «الأسرار» (٣). وقد صحّ أنّ حنظلة ﵁: لما استشهد جنبًا غسّلته الملائكة، فلما غسّلته الملائكة سأل رسول الله ﷺ [أهله] (٤) عن حاله، فقالت زوجته: إنّه أصاب مني فسمع الهيعة فأعجلته هي عن الاغتسال، فاستشهد وهو جنب، فقال رسول ﷺ : «هو ذاك» (٥). الهيعة: الصوت الذي يفزع منه من هاع إذا جَبُن. [١٦٤/ ب] ولما مات سعد بن معاذ ﵁ قال ﷺ : «بادروا بغسل سعد حتى لا تبادر به الملائكة كما بادرونا بغسل حنظلة» (٦)، فهو دليل على أن حنظلة لو لم يتغسّله الملائكة حتى علم رسول الله ﷺ [حاله لغسله] (٧)، وإنما لم يعد؛ لأن الواجب تأدّى بفعل الملائكة، فإنّهم غسّلوا آدم ﷺ ، ثم قالوا: «هذه سنّة موتاكم» (٨)، ولم يعد أولاده غسله، فكان هذا جوابًا لقول من قال: الواجب غسل الآدميين لا غسل الملائكة؛ لأنا نقول: إنّ الواجب هو الغسل، وأمّا الغاسل فيجوز من كان يعلم بهذا أن فعل الملائكة يصلح أن يكون تعليمًا، وكذلك في قصة بدر حيث قال ﷺ يوم بدر: «تسَّوموا فإن الملائكة قد تسوّمت» (٩)، والتسوّم هنا إرخاء العمائم بين الكتفين، وقد صرّح النبي ﷺ / بتعليمهم في قصة تعليم جبريل ﷺ معالم الدين (١٠)، وأما قولهما: إنّ غسل الملائكة كان إكرامًا له، ولم يكن واجبًا؟

стр. 1067

قلنا: معنى الكرامة في مبادرة الملائكة بغسله، ومبادرتهم ما كانت واجبة، وقد ذكرنا وجه غسل النبي ﷺ إياه (١) لو لم تغسّله الملائكة. كذا في «المبسوط» (٢)، و «الأسرار» (٣)، و «جامع الصغير» للإمام المحبوبي ﵀ (٤). وكذا قبل الانقطاع في الصّحيح من الرواية ذكر في «المبسوط» (٥)، و «المحيط» (٦): وإن قتلتا والحيض، والنفاس قائم فعندهما لا يغسلان بلا إشكال، وعن أبي حنيفة ﵀ روايتان، وأصحّ الروايتين عنه أن يغسلان؛ لأن الانقطاع حصل بالموت، والدّم السائل موجب للاغتسال عند الانقطاع، ووجه الأخرى أن الاغتسال ما كان واجبًا عليهما قبل الانقطاع، وذكر الإمام التمرتاشي: أن الحائض لو رأت [ما] (٧) يومًا أو يومين، ثم قتلت لم تُغسل لهما أنّ الصبي أحق بهذه الكرامة، وهي سقوط الغسل، فإن سقوط الغسل عن الشّهيد لإبقاء أثر مظلوميّته في القتل فكان إكرامًا له، والمظلومية في حق الصبي أشدّ، فكان أولى بهذه الكرامة توضيحه أن حال الصبيان، والمجانين في الطّهارة فوق حال البالغين، والعاقلين، فإذا لم يغسل البالغ إذا استشهد [البالغ] (٨)؛ لأنه يظهر بالسّيف، فالصبي والمجنون أولى مع أنّ عموم قوله ﷺ : «زمّلوهم بكلومهم» (٩) دليل على ما قلنا، ولأبي حنيفة ﵀: أنّ السّيف محاء للذنوب، وليس لهؤلاء ذنوب فكان القتل في حقّهم، والموت حتف أنفه سواء، فيغسل، ولأن ترك الغسل لإبقاء أثر الشهادة عليه؛ ليكون له حجة على خصمه يوم القيامة، والصبي لا يخاصم بنفسه في حقوق الدنيا، فكذا في حقوق الآخرة، وإنّما الخصم عنه في الآخرة هو الله تعالى، والله غني عن الشهود، فلا حاجة إلى إبقاء أثر الشهادة، ولأنّ القياس في الشّهيد البالغ أن يغسل لما أنّه يتنجس بالموت؛ لبقاء أثر الدّم السّائل في العروق إلا أنّا تركنا القياس فيه شرعًا بخلاف القياس، والحكم إذا ثبت بخلاف القياس يراعي فيه جميع ما ورد به النص، ومنع الشهادة نجاسة الموت في البالغ لمعنيين: لإراقة الدماء السّائلة فإنّ لها أثرًا في التطهير كما في الزَّكاة، ولتكفير الذنوب فإنّ السّيف محاء للذنوب، ومحو الذنوب تطهير، وفي الصبي لم يوجد هذا، وإن وجد الأوّل، فلا يكون النصّ الوارد في البالغ واردًا في الصبي، وأمّا تعلّقهم بعموم حديث التزميل، قلنا: ذاك محمول على البالغين لما أنّ ظاهر الحال أنّ الصبيان لم يحضروا حرب أُحد، وكان الحديث في شهداء أُحد (١٠).

стр. 1068

قوله ﵀: (لما روينا) (١) إشارة إلى قوله ﷺ : «زمّلوهم بكلومهم، ودمائهم» (٢)، وفي رواية: بثيابهم روى: أن زيد بن صوحان ﵁ (٣) لما استشهد يوم الجمل قال: «لا تغسلوا [عني دمًا، ولا تنزعوا] (٤) عني ثوبًا فإني رجل محاج أحاجُّ يوم القيامة [دمًا، ولا ينزعوا عني] (٥) من قتلني غير أنّه يُنزع عنه السّلاح، والفرو، والحشو» (٦)، وقال الشافعي ﵀: لا ينزع شيء منه. واحتج [بحديث التزميل فقد أمرنا بتكفينه في الثياب التي عليه، ولم يفصّل بين الحشو، والفرو، وغيرهما، واحتجّ] (٧) علماؤنا بما روي عن علي ﵁ أنّه قال: «ينزع عنه العمامة، والخفّان، والقلنسوة» (٨)، وعن زيد بن صوحان: «ادفنوني في ثيابي، ولا تنزعوا عنّي إلا محشوًا» (٩)، ولأنّه إنّما لبس هذه الأشياء لدفع بأس العدوّ، وقد استغنى عن ذلك، ولأنّ هذا عادة أهل الجاهليّة أنهم كانوا يدفنون أبطالهم بما عليهم من الأسلحة، وقد نهينا عن التشبّه بهم، وأمّا تعلّقه بالحديث، قلنا: الحديث أنّه يدفن بثيابه، ونحن نقول به، لكن من ثيابه التي تصلح للتكفين، ولا يُكره التكفين به في غير الشّهيد (١٠). قوله ﵀: (ويزيدون، وينقصون ما شاءوا) (١١)، واستدلّوا بهذا اللفظ على أنّ عدد الثلاث في الكفن ليس بلازم، ويحنطونه إن شاءوا كما يفعل ذلك بغيره من الموتى إنّما لا يزال عنه [أثر] (١٢) الشّهادة، فأمّا فيما سوى ذلك، فهو كغيره من الموتى، هذا كلّه من «المبسوط» (١٣).

стр. 1069

وقيل: معنى قوله: (يزيدون ما شاءوا) أي: إذا كان ناقصًا عن العدد المسنون (١). (وينقصون ما شاءوا) (٢) أي: إذا كان زائدًا على [العدد] (٣) المسنون، وهذا أوفق للتعليل الذي ذكره في الكتاب الرّث الشيء البالي (٤). [١٦٥/ أ] وجمعه رثاث، وأرث الثوب (٥) أي: أخلق. وارتث فلان/ [وهو] (٦) افتعل على ما لم يُسمّ فاعله، أي: حمل من المعركة، (رثيثًا) أي: جريحًا، وبه رمق. كذا في «الصحاح» (٧). وذكر في «الإيضاح» (٨): ومعنى الارتثاث هو أن يخلق شهادته من قولك: (ثوب رثّ) أي: خلق، وشهداء أُحدٍ ماتوا عطاشًا، فإنّه روي: "أنّهم طلبوا ماء، وكان السّاقي يطوف عليهم، فكان إذا عرض الماء على إنسان أشار إلى صاحبه حتّى ماتوا عطاشًا" (٩). (ولو كلّم إنسانًا، ثم مات قبل أن يحمل لم يغسل) (١٠)، قيل: هذا إذا كان قليلًا ليس من أمور الدنيا، فإن من شهداء أُحد من فعل ذلك، أمّا إذا كان كثيرًا من أمور الدنيا كالبيع، والشراء غسل، ولو أوصى بوصيّة، ثم مات لم يغسل، وعن أبي يوسف [أنّه قال: يغسل] (١١)، واختلف المتأخرون في ذلك، منهم من قال هذا الاختلاف فيما إذا وصى بشيء من أمور الآخرة، فأمّا إذا وصى بشيء من أمور الدنيا يغسل بالاتفاق، ومنهم من قال: لا خلاف بينهما في الحقيقة؛ لأن ما قال أبو يوسف ﵀ محمول على ما إذا كانت الوصيّة بأمر الدنيا، وأمّا إذا كانت الوصية بأمر الآخرة، فلا يغسل بالإجماع، واستدلّ محمد ﵀ في الزيادات بحديث سعد بن الربيع (١٢)، فإنّه روي عن النبي ﷺ أنّه قال يوم أُحد: «من يأتيني بخبر سعد، فقال رجل: أنا آتيك بخبره فجعل يتفحص القتلى حتّى أدركه، وبه رمق فقال: إنّ رسول الله ﷺ يقرئك السلام، ففتح سعد ﵁ عينيه، وقال: رسول الله في الأحياء؟ قال: نعم، هو سالم، وقد بعثني إليك فقال: الحمد لله على سلامته، الآن طابت نفسي للموت، ثم قال: اقرأ رسول الله مني السّلام، واقرأ الأنصار السّلام، وقل لهم: لا عذر لكم عند الله إن قتل محمد، وفيكم عين تطرف، ثم قال أخبر النبي ﷺ أنّ لي كذا كذا طعنة كلها أصابت مقتلي، ثم مات» (١٣)، وكان من جملة شهداء أُحد. كذا في "المحيط" (١٤).

стр. 1070

(إلا إذا علم أنّه قتل بحديدة ظلمًا) (١)، أي: حينئذ لا يغسل هذا إذا علم قاتله عينًا، وأمّا أنه قتل بحديدة، ولكن لا يعلم قاتله يغسل لما أنّ الواجب هناك الدية، والقسامة على أهل المحلة. كذا في «المحيط» (٢). قلت: وهذا القيد يستفاد من لفظ الكتاب بقوله؛ لأن الواجب فيه القصاص، فوجوب القصاص إنما يكون على القاتل المعلوم (٣). قوله ﵀: (وهو عقوبة) (٤)، أي: القصاص عقوبة، وليس بعوضٍ حتّى يخف أثر الظلم [به] (٥) كما في الديّة، ولئن كان عوضًا لكن نفعه يعود إلى الورثة لا إليه؛ لأن المقصود من القصاص ليس إلا يشفي الصدور، ودرك الثأر، وهذا يتحقّق في حق الأحياء، فلم ينتفع الميت به فلا يخفّ أثر الظلم بخلاف الدية؛ لأن نفعها يعود إلى الميت حتى يقضي ديونه، وينفذ، وصاياه. كذا في «مبسوط فخر الإسلام» ﵀ (٦). (والقاتل لا يتخلّص عنه ظاهرًا) (٧) أي: والقاتل ظلمًا لا يتخلّص عن القصاص ظاهرًا، إمّا في الدنيا على تقدير استيفاء القصاص، أو في العقبى على تقدير عدم الاستيفاء، فلو كان وجوب القصاص مانعًا للشهادة حينئذ لما تصوّر وجود شهيد ما، وهو موجود، ثم كون الذي قُتل ظلمًا بحديدة في المصر شهيدًا حتّى لا يغسل مذهبنا، وقال الشافعي ﵀: يغسل، وهو بناء على أن عنده القتل العمد موجب للدية كالخطأ، فإذا وجب عن نفسه بدل هو مال [غسل] (٨)، وعندنا العمد غير موجب للمال، فهو مقتول ظلمًا لم يجب عن نفسه بدل هو مال فكان شهيدًا، واعتمادنا فيه على حديث عثمان ﵁، فقد قتل في المصر، وكان شهيدًا لم يُغسل (٩)، ومن قتل بغير سلاح غسل؛ لأن هذا في معنى الخطأ. كذا في «المبسوط» (١٠). فإن قيل: الذي وجب القصاص بقتله ليس في معنى شهداء أُحد؛ إذ لم يجب بقتلهم شيء؟. قلنا: فائدة القصاص ترجع إلى وليّ القتيل، وسائر النّاس دون المقتول، فلم يحصل له بالقتل شيء كما لم يحصل لشهداء أُحد بخلاف الدية على ما ذكرنا. كذا في «المحيط» (١١).

стр. 1071

(ومن قتل في حد أو قصاص غُسل) (١) لما روي أنّ ماعزًا ﵁ (٢) لما رجم جاء عمه إلى رسوله الله ﷺ فقال: قتل ماعز كما تقتل الكلاب، فماذا تأمرني أصنع به، فقال: «لا تقل هذا، فقد تاب توبة لو قسِّمت توبته على أهل الأرض لوسعتهم، اذهب فاغسله، وكفنه، وصل عليه» (٣). كذا في «المبسوط» (٤). [١٦٥/ ب] (ومن قتل من البغاة أو قطّاع الطريق لم يُصلّ عليه) (٥)، وهذا مذهبنا، وقال الشافعي ﵀: يصلّى عليه؛ لأنه مؤمن قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٦) إلا أنه مقتول بحق فهو كالمقتول في رجم أو قصاص، ولنا حديث علي ﵁ أنّه لم يغسل أهل الخوارج يوم النهروان، ولم يُصلّ عليهم، فقيل له: أهم كفار؟ فقال: «لا، ولكنهم إخواننا بغوا علينا» (٧)، أشار إلى أنّه إنما ترك الغسل، والصلاة عليهم عقوبة لهم، و/ زجرًا لغيرهم، وهو نظير المصلوب يترك على خشبته عقوبة، وزجرًا لغيره، ومن قتل نفسه خطأ بأن ناول رجلًا من العدوّ ليضربه فأخطأ، وأصاب نفسه، ومات، فإنّه يغسل، ويكفّن، ويصلّى عليه، وهذا بلا خلاف (٨). وأمّا من تعمّد قتل نفسه بحديدة هل يصلّى عليه؟. اختلف فيه المشايخ بعضهم قالوا: لا يصلّى عليه، وكان شمس الأئمة الحلواني ﵀ يقول: الأصحّ عندي أنّه يصلّى عليه، وتقبل توبته إن [كان] (٩) تاب في ذلك الوقت؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١٠)، وكان القاضي الإمام علي السغدي -رحمه الله- (١١) يقول: الأصحّ عندي أنّه لا يصلّى عليه، لا لأنه لا توبة له لكن لأنه باغ على نفسه، والباغي لا يصلّى عليه. كذا في «المحيط» (١٢).

стр. 1072

وذكر في «فتاوى قاضي خان» في أوائل باب غسل الميّت المسلم: إذا قتل نفسه [واليًا] (١) يغسل، ويصلّى عليه في قول أبي حنيفة، ومحمد -رحمهما الله-، والله أعلم (٢). باب الصلاة في الكعبة لما خالفت هيئة الصّلاة في الكعبة جوازًا لسائر الصلوات كلها في سائر الأمكنة فرضها، وواجبها، ونفلها، وصلاة المسافر، والمريض، وصلاة الجنازة أو غيرها حتّى صارت جنسًا آخر، وتلك الصّلوات جنسًا آخر من حيث الهيئة، والتوجّه انفرادًا، وجماعة. أمّا انفردًا: فجواز التوجّه إلى الجهات الأربعة قصدًا، وأمّا جماعة: فجوازها مع تظاهر القوم مع الإمام أتى بباب على حدة إلا أنّه قدّم بيان تلك الصّلوات لزيادة مساس الحاجة إلى معرفتها؛ لكثرة دورها أزمنة، وكثرة تعدادها أمكنةً، ولأنّه ختم تلك الصلوات ببيان هذه الصلاة ليكون ختمها بصلاة يتبرّك بها حالًا، ومكانًا، ورزقنا الله تعالى، وإياكم أداء تلك الصّلاة المكرّمة، ومساس الكعبة المعظمة (٣). قوله ﵀: (خلافًا للشافعي ﵀ فيهما) (٤)، كان هذا اللفظ وقع سهوًا من الكاتب، فإن الشّافعي يرى جواز الصّلاة في الكعبة فرضها، ونفلها، كذا أورده أصحاب الشافعي في كتبهم من «الوجيز» (٥)، و «الخلاصة»، و «الهاوي»، و «الذخيرة» (٦) وغيرها، ولم يورد أحد من علمائنا أيضًا هذا الخلاف فيما عندي من الكتب كـ «المبسوطين»، و «الأسرار»، و «الإيضاح»، و «المحيط»، وشروح «الجامع الصغير»، وغيرها خلا أنّه يشترط السترة المتصلة بالأرض اتصال قرار إذا كان المصلّي في عرصة الكعبة كالحائط، والشجر.

стр. 1073

وذكر في «الوجيز» (١) للغزالي (٢): فالمصلّي في جوف الكعبة يستقبل أي جدار شاء، ويستقبل الباب، وهو مردود، وإن كان مفتوحًا (٣)، والعتبة مرتفعة قدر مؤخرة الرجل جاز، ولو انهدمت (٤) الكعبة -والعياذ بالله- صحّ صلاته خارج العرصة متوجّهًا إليها كمن صلّى على أبي قبيس، والكعبة تحته، وإن صلّى فيها لم يجز إلا أن يكون بين يديه شجرة أو بقيّة حائط، والواقف على السطح كالواقف في (٥) العرصة، فلو وضع شيئًا بين يديه لا يكفيه، ولو غرز خشبة فوجهان. وفي «الخلاصة الغزالية»: ويجوز الصلاة في الكعبة إلى بعض بنيانها، [والله أعلم بصحته] (٦)، ولمالك ﵀ في الفرض، فإنّه يجوّز التطوع في [جوف] (٧) الكعبة، ولا يجوّز الفرض، ويقول: لأنه متى صلّى في جوف الكعبة، [فهذا إذا] (٨) يستقبل بعضًا من الكعبة، فقد استدبرت بعضًا منها، واستدبار الكعبة موجب للفساد كما لو حصل الاستدبار خارج الكعبة، واستقبال الكعبة موجب للجواز، فقد اجتمع ما يوجب الجواز، وما يفسد، فيترجّح جانب الفساد احتياطًا لأمر العبادة، وكان القياس في التطوّع أن لا يجوز في جوف الكعبة بهذا إلا أني تركت القياس بالأثر، والأثر ورد في التطوّع لا في الفرض، فلا يترك القياس في الفرض لما أنّ النص الوارد في التطوع لا يكون واردًا في الفرض؛ لأنه [قد] (٩) سوهل في التطوع ما لم يساهل في حق الفرض (١٠). [١٦٦/ أ] ألا ترى أنّ التطوّع قاعدًا جائز (١١) حالة الاختيار، والفرض لا يجوز، وقاس الصّلاة بالطواف، فإنّ من طاف في جوف الكعبة [لا يجوز طوافه بخلاف خارج الكعبة، واحتّج أصحابنا بأنّه توجّه إلى جهة من الكعبة] (١٢) فيجزيه قياسًا على ما لو صلّى خارج الكعبة، فإنّه إذا كان خارج الكعبة لا يتوجّه إلى الكلّ، فكذا في جوف الكعبة، ودليله التطوّع، فإنّ التطوّع والفرض فيما هو من شرائط الجواز يستويان، وإن كانا مختلفان في الأركان فيجوز سواء كان هناك بناء أو لم يكن، ألا ترى أنّ البناء ينقل إلى موضع آخر، ولا يكون قبلة، وقد رفع البناء في عهد ابن الزبير حتّى بنى البيت على قواعد الخليل ﷺ ، وفي عهد الحجاج (١٣) حين أعاده إلى ما كان عليه في الجاهلية/ كان يجوز الصلاة للنّاس، وإن لم يكن هناك بناء (١٤).

стр. 1074

فأمّا قوله: (استدبر بعض الكعبة)، قلنا: استدبر بعضًا من الكعبة لم يؤمر بالتوجّه إليه، فإنّه ما أمر بالتوجه إلى الجوانب كلها في حالة واحدة؛ لأن ذلك غير ممكن، والأمر ينصرف إلى ما في وسع الإنسان، وليس في وسعه إلا توجّه البعض، فيكون مأمورًا بذلك لا غير، واستدبار ما لم يؤمر بالتوجّه إليه لا يفسد الصّلاة، وليس (١) الصّلاة كالطّواف، فإن الطّواف بالبيت لا فيه، ألا ترى أن الطّواف خارج المسجد لا يجوز بخلاف الصّلاة (٢). وأمّا قوله: (واستدبار الكعبة موجب للفساد، كما في خارج الكعبة) قلنا: إذا استدبر خارج البيت لا يجوز؛ لعدم الاستقبال الذي هو شرط الجواز للاستدبار. كذا في «المبسوطين» (٣)، و «الأسرار» (٤). [إلا أن في «الأسرار»] (٥) ذكر خلاف مالك في مطلق الصّلاة من غير فصل في الحكم بين الفرض، والنفل، فإن صلّى الإمام بجماعة فيها، فجعل بعضهم ظهره إلى ظهر الإمام جاز، وكذلك إذا كان وجههم إلى وجه الإمام، فإنّ صلاة الكلّ جائزة؛ لأنّه وإن كان قدّام الإمام، فهو مقبل على متابعة الإمام؛ لأنه مقبل إليه بوجهه، والمقبل بوجهه إلى إنسان متابع له كالابن إذا قام بين يدي أبيه، ووجهه إلى وجه الأب يكون مقبلًا على طاعته، وخدمته فكذا هذا، وفي خارج الكعبة إنما لا يجوز إذا قام بين يدي الإمام، ووجهه إلى وجه الإمام لا لعدم المتابعة، ولكن لاستدبار القبلة، وهاهنا مستقبل للقبلة متابع للإمام متى كان وجهه إلى وجه الإمام، فيكون صلاته جائزة، فأمّا من كان ظهره إلى وجه الإمام، فهو إن استقبل القبلة إلا أنّه معرض عن متابعة الإمام كالابن يقوم بين يدي الأب، وظهره إلى وجه الأب لا يكون مقبلًا على طاعته، وخدمته فكذا هذا. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٦). وحاصله: أن من صلّى في جوف الكعبة مقتديًا بالإمام، فلا يخلو عن أوجه أربعة، أمّا إن كان وجهه إلى ظهر الإمام فهو جائز سواء كان في جوف الكعبة، أو في غيره، أو وجهه إلى وجه الإمام، وهو أيضًا جائز إلا أنّه يكره استقبال الصّورة. كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «المبسوط» (٧)، وعلّل في «الإيضاح»، وقال: وينبغي لمن يواجه الإمام أن يجعل بينه وبين الإمام سترة احترازًا عن التشبّه بعابد الصورة، أو كان ظهره إلى ظهر الإمام، فهو أيضًا جائز؛ لكون كل جانب قبله يتعين، فلم يكن هو معتقد الخطأ في صلاة إمامه، أو كان ظهره إلى وجه الإمام، فإنّه لا يجوز لتقدمه على إمامه، وأمّا إذا كان على يمين الإمام أو يساره، فهو أيضًا جائز، وهذا ظاهر (٨).

стр. 1075

قوله ﵀: (جازت صلاته إذا لم يكن في جانب الإمام) (١)، هذا احتراز عمّن كان منهم أقرب إلى الكعبة من الإمام، وهو في جانب الإمام حيث لم يجز لوجود التقدّم على إمامه؛ لأن هذا عند اتحاد المكان كان في معنى من جعل ظهره إلى وجه الإمام، وهناك لا يجوز، وإن كان في جوف الكعبة، فهنا أولى. وفي «مبسوط شيخ الإسلام» ﵀: فإن كان الإمام يصلي خارج الكعبة، واصطفّ الناس حول الكعبة فإنّ صلاة الكلّ جائزة إلا صلاة من كان قائمًا بين الكعبة، والإمام، فإن صلاته [لا تجوز] (٢) سواء كان ظهره إلى الإمام، أو وجهه بخلاف ما لو كان في جوف الكعبة، فإنّه صلاته جائزة إذا كان وجهه إلى وجه الإمام؛ لوجود المتابعة، واستقبال الكعبة، وإن كان ظهره إلى وجه الإمام لا يجوز [لا] (٣) لعدم الاستقبال (٤) [القبلة] (٥)، ولكن (٦) لفوات المتابعة (٧). (ومن صلّى على ظهر الكعبة) (٨) أي: على سطح الكعبة لعلّ اختياره لفظ الظهر على لفظ السّطح بسبب أنّ لفظ الحديث جاء به على ما يجيء بعيد هذا (٩). وفي «المبسوط» (١٠): ومن صلّى على سطح الكعبة جازت صلاته عندنا، وإن لم يكن بين يديه سترة، وقال الشافعي: لا يجوز إلا أن يكون بين يديه سترة بناء على أصله أن البناء معتبر في جواز التوجّه إليه للصّلاة، وعندنا القبلة سواء (١١) الكعبة سواء كان بين يديه سترة، أو لم يكن فهو مستقبل للقبلة، وبالاتفاق من صلّى على أبي قبيس جازت صلاته، وليس بين يديه شيء من بناء الكعبة، فدلّ أنّه لا معتبر بالبناء. [١٦٦/ ب] ورأيتُ في «الذخيرة»: لأصحاب الشافعي إذا انهدمت الكعبة، فصلّى في عرصة البيت لا يجوز، ولو صلّى خارج العرصة متوجهًا إلى العرصة جاز، وهذا موافق لما ذكرت من «الوجيز» (١٢) الغزالي، فعلم بهذا أنّه إنما يشترط استقبال البناء، والسترة إذا كان المصلّي في عرصة الكعبة، وأمّا إذا كان/ خارج عرصة الكعبة، فلا يشترط البناء، والسترة.

стр. 1076

قوله: (وقد ورد النهي عنه، عن النبي ﷺ (١) [عن أداء الصلاة فوق الكعبة عن النبي ﷺ (٢)، وقد ذكر في أواخر باب الحدث من «المبسوط» (٣) روي عن أبي هريرة ﵁ أنّه قال: «نهى النبي ﷺ عن الصّلاة في سبعة مواطن المجزرة، والمزبلة، والمغبرة، والحمّام، وقوارع الطّريق، ومعاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله» (٤)، والله أعلم بالصواب.

стр. 1077

كِتَابُ الزَّكَاة فَصلٌ في الفضة لماّ قَدَّمَ ذِكْرَ زكاةِ السَّوَائِمِ (١)، كما قلنا (٢): شَرع في بيان غيرها من أموال الزكاة، فكان ذِكْرُ المالِ، وإرادةُ غير السَّوَائِمِ على خلافِ عُرْفِ أهل البادية، فإنَّ اسمَ المالِ عندهم إنما يقع على النَّعم (٣)، وعن مُحمد (٤) ﵀ (٥) المالُ كلُّ ما يتملَكُهُ الناسُ من دراهمَ أو دنانيرَ أو حِنطة (٦)، أو شَعْيرٍ، أو حيوانٍ، أو ثيابٍ، أو غير ذلك (٧)، كذا في "المُغْرِب" (٨) (٩).

стр. 1078

[سبب تقديم ذكر النقدين] ثُمَّ قَدّم ذِكْرُ النقدين على غيرهما؛ لأنهما مِن أصولِ الأموال حتى أنَّ قِيَم ذاتِ القِيَم، وقِيَمُ المتلفاتِ تُعرفُ بهما، ثُمَّ قَدّمَ الْفِضَّة على الذَّهَبِ اقتداءً بالنبي ﵊ في تقديمِ ذِكْرِها على ذِكْرِ الذَّهَبِ فيما كتَبَ إلى مُعاذٍ ﵁ (١) كما هو المذكور في الكتاب (٢) (٣)، ولأنهَّا أكثرُ تَداولًا وأروجُ نقدًا عندهم، ألا ترى أنَّ المهرَ، ونِصابُ السرقة، والجِزية التي يَبْدأُ (٤) الإمامُ بوضعها بحسْبِ اختلافِ أحوالِ] مَنْ يجبُ (٥) عليهم قُدّرتْ بها دونَ الذَّهب. [تعريف الأوقية] قولهُ: (الأُوقّيةُ) (٦) بالتشديد (أربعون درهما) (٧) (٨)، وهي أُفْعُولَة من الوقاية؛ لأنها تقي صاحَبها من الضُرِّ، وقِيِل: هي فعلية من الأَوْقِ الثِقْلِ، والجمعُ الأَواقِيّ بالتشديد والتخفيف، كذا في "المُغْرِب" (٩)، ومن شدّدَ جعل وزنها أفاعيل كالأضاحي] في جمع الأُضحية (١٠)، ومن خفَّفَ جمعه ُعلى أفاعل. (وَلا شَيْءَ فِي الزِّيادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ] دِرْهَمًا (١١)، فَيَكُونُ فِيهَا دِرْهَمٌ)، أي: مع الخمسة، وهكذا (فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرِْهَمٍ دِرِْهَمٌ) (١٢) (عند أبي حَنِيفَةَ ﵀ (١٣)، وهو قولُ عُمر بن الخطابِ (١٤) ﵁.

стр. 1079

(وقالا (١): ما زاد على المائتين فزكاته بحسابه) (٢) (٣). [الزيادة على النصاب] قَلَّت الزيادةُ أو كثرتْ، حتى إذا كانت الزيادةُ درِهما ففيها جزءٌ من أربعين جزءًا من درهم، وهو قولُ عليّ (٤) وابن عُمر (٥) وإبراهيم النُّخعي (٦) ﵃ (٧)، وقال طاوسُ اليماني (٨) ﵀: لا يجب في الزيادة شيءٌ حتى يبلغ مائتي درهم، فيجب في كل مائتي درهم خمسةُ دراهم (٩)، واشتراطُ النصابِ في الابتداء جوابٌ لإشكالٍ يَرِدُ على التعليل، وهو أنْ يُقال: وإنْ كان شُكرًا لنعِمةِ المال لمَاَ أُشْترِطَ النِّصابُ في الابتداءِ في غيرِ السوائم، ولما أُشْترِطَ في الابتداءِ والانتهاءِ في السَّوائِم، فأجابَ عنه، وهو ظاهرٌ، وتحقيقهُ أنَّ اعتبار النِّصاب في الابتداء لحصولِ الغِنى للمالك به، ففي الزيادة المعتبرة زيادة الغنى، وذلك حاصل بالقليل والكثير، ولِأَنَّ نَصْبَ النِّصابِ لا يكونُ إِلاَّ بالتوقيف، ولم يَشْتَهِر الأثَر باعتبار النِّصَابِ بعَد المائتين، ولِأَنَّ الزَّكَاةَ تشبهُ العُشر؛ لأنَّ الواجب فيهما سَهْمٌ معلوم شائعٌ في الجملةِ من الجيد الجيد، ومن الرديء الرديء، فهذا رُبع الْعُشْرِ وذاك عُشرٌ، ثُمَّ الْعُشْرِ إذا وجبَ في مالٍ كالفصيل كانت الزيادة بحساب ذلك، فكذلك هنا.

стр. 1080

واحتجَّ أبو حنيفةَ ﵀ بما رُوي عن النبي ﵊ أنه قال: «هاتوا رُبْعَ عُشْر أموالِكم مِن كُلِّ أربعينَ درِهمًا درهمٌ» (١). وقولهُ: «مِن كُلِّ أربعينَ درهمًا درهم»، خرجَ تفسيرُ القول: رُبْعُ عُشورِ أموالكم، كقولكَ: تصدّقْ بما في الكيس منِ الدراهم تكون الدراهمُ تفسيرًا حتى لم ينصرفْ الأمر إلى غيرها، وكذلك هاهنا يقتصر البيانْ على الأربعين من الدراهم] كأنّهْ قال (٢): هاتوا من كل أربعين درهمًا درهم، ثُمَّ لا يجبُ كذلك ابتداءً، فثبت أنَّ المراد به بعد المائتين، أَلَا تَرى أنّه لا يدخلُ تحته سوى الدراهمُ من الطعام،] وكذلك (٣) لا يدخلُ غيرَ الأربعينات من المقاديرِ فيعيَّنُ بهذا أنَّ المرادَ بقوله: فبحساب ذلك من الأربعينات، ولِأَنَّ أموال الزَّكَاةِ كلَّها مبنيةً على أن عفوها يعودُ بعد السقوطِ ويدورُ بعفوٍ ونصابِ نظراَ لصاحب المال عن هلاكِ الزيادة بتكرر واجبها؛ كما نظر في الابتداء لهذا المعنى بخلاف الْعُشْرِ، فإن أبا حنيفة ﵀ لم يعتبر العفو في ابتدائه، فكذلك في بنائه، وهذا لأنه لا يتكررُ في مالٍ واحدِ، فلا يُؤدِّي إلى الاستئصال وفواتِ النظر، وقاس بالسوائم، ففيها وَقَصٌ (٤) بعد النِّصَاب الأول، فكذلك في النقود بعلَّةِ أنّ الزَّكَاةَ واجبةٌ في الكلِّ على وجهٍ يحصُلُ فيه النَظَرُ للفقراءِ، وأربابُ الأموالِ كذا في "المَبْسُوط" (٥)، و"الْأَسْرَارِ" (٦) (٧).

стр. 1081

وأما الجوابُ عمَّا رَوَي فنقول: ما روْيتُم مُحتملٌ، فإنه يحتملُ أن يُرادَ بالزيادةِ على المائتينِ أربعونَ، أي: بحسابِ ذلك في كلِ أربعينَ، ويحُتملُ أن يُرادَ ما زَعَمتُم، أيْ: فِبحسابِ ذلك في قليلهِ وكثيره، وما رويناهُ محُكمٌ لا يحتملُ التأويل؛ لأن قولَهُ ﵊ لمعاذ ﵁: «لا تأخذْ مِن الكسور شيئا» (١) لا يحتملُ غيرَ ما ذكرنا، فكان ما رويناهُ أَوْلَى؛ لِكونهِ محُكماً، وعلى قولهما يلزم الكسور، وهو منهيٌ عنه، والتقديرُ الذي لا يلزمُ منه الكسور، ذُكر في آخرِ ذلك الحديث، ذَكَرَهُ في "المَبْسُوط" (٢). [مسألة الكسور] وقال: قال لهُ النبي ﵊: «لا تأخذْ مِن الكسور شيئًا، وفي مائتي درهم خمسة دراهم، فما زاد على ذلك، ففي كلِّ أربعين درهمًا درهم» (٣). ومعنى قولهِ ﵊: «لا تأخذْ مِن الكسور شيئًا»، أي: لا تأخذ من الشيء الذي يكون المأخوذُ منهُ كَسْرًا سمُيِّ محَلُ الواجبِ باسم الواجب، وفي إيجاب الكسور ذلك، أي: الحرجُ (لتعذُرِ الوقوف) (٤)؛ وذلك لأنه إذا مَلَكَ مائة درهم وسبعة دراهم، فعندها يجب عليه خمسةُ دراهم وسبعةُ أجزاءٍ من أربعين جزءًا من درهم، فتعذر معرفةُ سبعةِ أجزاء من أربعين جزءًا من درهم، فحينئذ لا يَقْدِرُ على الأداء. [تأخير الزكاة لعذر] وإذا لم يؤَّد في السَّنةِ الأولى للتعذر حتى حال حَوْلٌ آخر يجب عليه في السنة الثانية زكاةُ ما بقي من المال بعد الزَّكَاةِ؛ لأنّ دَيْنَها مُستحَقٌ، وإنْ لم يؤدِّ، وذلك مائتا درهم ودرهم وثلاثة وثلاثون جزءًا من أربعين جزءاً منِ درهمٍ واحدٍ، وزكاةُ درهم، وثلاثةَ وثلاثون جزءًا من أربعين/ جزءاً آخر درِهمٌ واحدٌ وزكاةُ درهم وثلاثة وثلاثين جزءًا من أربعين جزءًا في درهمٍ لا يُعرفُ البتةَ (٥)، فصحَّ ما قلنا: إنه متعذرٌ، كذا في مَبْسُوطِ أبي اليسر ﵀ (٦) (٧).

стр. 1082

(وهو أنْ تكونَ العشرِة منها وزن سبعةِ مثاقيل) (١)، أي: تُوزن كلُّ عشرةٍ فيها سبعةُ مثاقيل، وتفسيره ما ذُكر في بيوع التتمةِ (٢)، وقيل فيها: واعلم بأنَّ الدَّراهمَ في الابتداءِ كانت على ثلاثة أصناف: صنِف منها كل عشرة مِنه عشر مثاقيل كلُّ درهم مِثْقَال، وصنف منها كل عشرة منه ستة مثاقيل كلُّ درهم ثلاثةُ أخماس مِثْقَال، وصِنف منها كلُّ عشرة منه خمسةُ مثاقيل كلُّ درهم نصف مِثْقَال. فكان الناسُ يتصرفونَ بها ويتعاملون فيما بينهم إلى أنْ استُخْلِفَ (٣) عُمُر ﵁، فأراد أن يستوفي الخَراج (٤) بالأكثر، فالتمسوا منه التخفيفَ فجمع حُسّابَ زمانه؛ ليتوسطوا ويوفقوا بين الدراهم كلِّها، وبين ما رامه عُمر وبين ما رامته الرعيةُ، فاستخرجوا له وزن السبعة (٥). وإنما فعلوا لأحدِ وجوهٍ ثلاثة: أحدها: أنك إذا جمعت من كل صنف عشرة دراهم صار الكل واحدًا وعشرين مِثْقَالاً، فإذا أخذت ثُلث ذلك كان سبعة مثاقيل. والثاني: أنك إذا أخذت ثلاث عشرة من كل صنف، وجمعت بين الأثلاث الثلاثة المختلفة كانت سبعة مثاقيل. والثالث: أنك إذا ألقيت الفاضل على السبعة من العشرِة، أعني: الثلاثة، والفاضل أيضًا على السبعة من مجموع الستةِ والخمسةِ، أعني: الأربعة، ثُمَّ جمعت مجموعُ الفاضلين، أي: فاضل السبعة من العشرِة، وفاضلُ المجموعِ في الستة والخمسة، وهو ما ألقيتهُ كان سبعةُ مثاقيل، فلما كانتْ سبعةُ مثاقيلَ أعدل الأول فيها ودارتْ في جميعها بطريق مستقيم اختاروها، فهو في حُكم الْفِضَّة حتى لا تُشتَرطُ نيةُ التجارة حين اشتراه في حقِّ وجُوبِ الزكاة، ويجبُ عليه أداءُ خمَسةِ دراهمَ زكاة إذا تمَّ الحولُ على المائتين منه في ذلك فلا يحتاج إلى التقويم؛ لأنْ يبلغ نصابًا من حيث القيمة (٦).

стр. 1083

وأما إذا كانَ الغالبُ عليه الغِشُّ فالحكمان، أعني: عدمُ اشتراطِ نية التجارةِ، وعدمِ الاحتياج إلى التقويم عِلى العكسِ كما في سائرِ العروض (١)، يعني: أنها إذا لم تكن للتجارة يُنْظَرُ إلى مَا يخلص منها من الفضةِ، فإن بلغ مائتي درهم تجبُ الزكاة؛ لأنه لا تعُتبر في عين الْفِضَّة القيمةُ ولا نيةَ التجارةِ، وإنْ كانت مما لا تختص منها الْفِضَّة فهي كالمضروبة من الصفر كالقُمْقُم والمِرْجَلِ (٢)، فلا شيءَ فيها إِلاَّ إذا كانتْ للتجارة، وقد بلغتْ قيمتها مائتي درهم فيَجب فيها خمسةُ دراهم (٣). والله أعلم بالصواب. فَصلٌ في الذهب وقد ذكرنا وجهَ المناسبةِ (٤) (٥) قولهُ ﵀: (لمِا روينا إشارةً) (٦) إلى قولهِ: في أولِ فصل الْفِضَّة كَتَبَ إلى معاذ (أن خذ … ) (٧) إلى أن قال: وفي كلِّ عشرينَ مِثْقَالاً آخَر ذهب نصِف مِثْقَال. (والمِثْقَالُ ما يكونُ كُلَّ سبعةٍ منها وزنُ عشرةِ دراهم، وهو المعروف) (٨) (٩). قوله ﵀: منها، راجعٌ إلى قولهِ: ما يكونُ أو إلى المِثْقَال على تأويل المثاقيل، فإن سبعةَ مثاقيلَ اشتُرطتْ في التعريف فكان المِثْقَالُ، أو ما يكون في معنى سبعةِ مثاقيل، وهو المعروف، أيْ: المِثْقَالُ معروفٌ بين الناسِ، وهو قَدْرُ وَزْنِ الدِّينارِ مِنَ الذهبِ (١٠) مِثْقَالُ الشيءِ ميزانهُ من مثلهِ وهو في الثِّقلِ، ولكن غَلبَ استعمالهُ في قدر وزنِ الدينارِ مِنَ الذَّهَبِ قال (١١): فإنْ قلت: في هذا التعريفِ الذي ذَكَرَهُ في الْكِتَابِ (١٢) دورٌ (١٣) فإنه عُرِّف، قبلَ هذا في فصلِ الْفِضَّة وزنُ السبعةِ بالمِثْقَال؛ لِقولهِ: والمعتبرُ في الدَّراهِمِ وزنُ سبعة إلى آخره، ومنها عُرِّفَ المِثْقَالُ بوزن السبعة، وكلُّ تعريف يُؤدِّي إلى الدورِ فهو باطلٌ؛ لأنه لا يحصلُ التعريفُ به؛ لتوقفِ كُلِّ واحدٍ منها إلى الآخر، إذ كونه مُعَرِّفاً يقتضي أن يكونَ سابقًا، وكوُنه مُعَرَّفاً يقتضي أن يكونَ مسبوقًا، ومحُال أنْ يكونُ الشيُء الواحدُ بالنسبة إلى الآخرِ سابقًا ومسبوقًا.

стр. 1084

قلتُ: نعم كذلك إِلاَّ أنهُ رَفَعَ تلك الشُّبهةِ بقولهِ وهو المعروف، فإن الشيئين إذا كانا معروفين في نفسه، ولكن الجهالةَ وقعتْ في نسبةِ كلِّ واحدٍ منهما إلى الآخر، يجوز أن يُعَرَفَ نسبةَ ذاك بهذا، ونسبةَ هذا بذاك، بيانه: إنك إذا عَرَفْتَ زيدًا وعَمْرًا بعينهما، ولكن لا تعرفُ نسبةَ كُلِّ واحدٍ منهما إلى الآخر بأيِّ طريقٍ، فتقول: مَنْ زيد؟ فيجيبك المسئولُ بأنه ابنُ عَمْروٍ، ثُمَّ مضى زمانٌ وغفلْتَ عمّا عرفته بطريق الضِمْنِ فتسألُه، وتقولُ: مَنْ عمرو؟ فيقول: أبو زيد يحصل لك معرفةَ نسبة كلّ واحد منهما إلى الآخر بالتصريح، وإنْ وقعَ الاستغناءُ للمتيقظِ بالتعريفِ الأول، ولِكن كان ذلك التعريفُ بطريقِ الضمن لا بالتصريح، ولا يستبعدُه أحدٌ، فكذلك هاهنا ذَكر تعريفَ المِثْقَال هنا، وإنْ كانَ وقعَ الاستغناُء بما ذكِرَ هناك لكنْ لم يكن ذلك بطريقِ التصريحِ مع إظهارِ عُذْرٍ به بقولهِ (وهو المعروفُ) (١)، أي: المِثْقَالُ معروفٌ غيرُ محتاجٍ إلى البيانِ، ولكنْ هذا لزيادة الْإِيضَاحِ، وهُمْ علماءً هُداةٌ طارحوا التكليفَ، ونابذوا التعُسفَ، يفيدون ما أفادوا على التَّمامِ من غيرِ إخلال في المرامِ. ومثلُ هذا التعريف وقع في "الصِّحَاح" (٢) (٣) وغيره، فقال في "الصِّحَاح" (٤) في تعريف الضريع والشَّبرقِ، فقال في باب العين: الضريعُ لِبْس الشرفاء، ثُمَّ ذَكَرَ في باب القاف الشِّبْرِقِ بالكسر، وهو: رُطْبُ الضَّريع (٥). [تعريف المثقال] وأمَّا تعريفُ المِثْقَال (٦) على وجهِ التمامِ وِهو الدِّينارُ، ما ذكرهُ الإمامُ الأَجل خَتمُ الحِسَابِ سِراجُ الدِّينِ أبو طاهر مُحَمَّد بن عبد الرشيد السجاوندي ﵀ (٧) في تصنيفٍ له في باب قِسمة التركاتِ، فقال: اعلَمْ أنَّ الدينارَ ستةُ دوانيق (٨)، والدانُق أربعُ طسوجات (٩)، والطُّسوجَ حبتان، والحبةُ شعيرتان، والشعيرةُ] ستةُ خرادل (١٠)، والخردلةُ اثنا عشر فلسًا، والفلِسُ (١١) ستُ فتيلات (١٢)، والفتيل ست نقيرات (١٣)، والنقيرةُ (١٤) ثماني قَطْميرات، والقطميرة (١٥) اثني عشر ذرةً (١٦)، وذكر فيها أيضًا: الدينار بصنجةِ (١٧) أهلِ الحجاز عشرون قيراطاً، والقيراطُ خَمسُ شعيرات، والدينارُ عندهم مائةُ شعيرةٍ، وعندِ أهلِ سمرقند (١٨) ستةٌ وتسعون شعيرة، فيكون القيراطُ عندهم طسوجًا وخمسة.

стр. 1085

(ثُمَّ كلَّ أربعةِ مثاقيل قيراطان) (١)، القيراطُ جزءٌ من عشرينَ جزءً من مِثْقَال، وهو موافقٌ لما ذُكرِ في الكتاب (٢). [مسألة الكسور] وفي "الصِّحَاح" (٣): القيراطُ نصفُ دانقٍ والدانقُ سُدَسُ الدرهمِ، والدرهمُ فارسيٌ مُعّرب، وأصل القِيراطِ قراطٌ بالتشديد؛ لأنّ جمعَهُ قراريطُ، فأُبدِلَ من أَحَدِ حرفي تضعيفه على ما ذكرنا في دينار، (وهي مسألةُ الكسور) (٤)، أيْ: مسألةُ الكسور التي بينّاها في فصلِ الْفِضَّة، يعني: إذا زادتْ الدَّراهمُ على المائتين، هل يُشترطُ نصابُ الأربعين أمْ لا في وجوب الزكاة؟ وقد بُيَّنَ الاختلافُ والحُجَج من الجانبين، ولِكُلِّ مَنِ استقام حجةُ استدلالاته هناك يستقيمُ هاهنا، خلا أنّهُ فاقتْ أربع مثاقيل هنا مقامَ أربعين درهمًا هناك، (وفي تِبْرِ الذَّهَبِ والفضة) (٥) التِّبرُ ما كان غيَر مضَروبٍ منِ الذَّهَبِ والْفِضَّة والحُليِّ، على فعول جمع حُليّ كثيرة في جمع ثُدِيّ، وهي ما تتحلى به المرأةُ منِ ذَهَبٍ أو فضة وأونيهما بسكون الياء بالتخفيف، جَمَعُ الجمع للكثرة ِللإناء، وهو وعِاءُ الماءِ، وجمعُ القِلَّةِ: آنيةُ كِسَوارٍ وأَسْوِرَةٍ وأَسَاْوِرَ، كذا في "المُغْرِب" (٦). [زكاة حلي النساء] (وقال الشَّافِعِي ﵀: لا يجبُ في حُليِّ النساءِ، وخاتمِ الْفِضَّة للرجال) (٧) (٨)، وإنما خصّها ليمتاز به كُلُّ ما يبُاحُ الاستعمالُ مِن الذَّهَبِ والْفِضَّة] بما لا يُباح الاستعمال. وذكر في "الخُلَاصَةِ الغزاليَّة" (٩): أمَّا الحُلي والمبُاح مِنَ الذَّهَبِ والفِضَةِ (١٠) فلا زكاةَ فيها على أصحِّ القولينِ؛ لأنهُ رخّصَ استعمالهَا كسائرِ السِّلع وإنْ كانتْ محظورةً أو آنيةً، فالزَّكَاةُ واجبةٌ (١١) والحَجةُ له أيضًا في الفرقِ بينهما ما ذُكِرَ في "المَبْسُوط" (١٢) وهو: أن الحظرَّ شرعاً يسقطُ اعتباراً للصّنعةِ والابتذالُ حكمًا، فيكون مالُ الزَّكَاةِ بخلاف ما إذا كانتْ مباحةً شرعاً وهو نظيرُ ذَهابِ العقلِ بسبب السُّكْرِ، يسقطُ اعتبارُه شرعاً بخلافِ ذهابِ العقلِ بسبب الدواءِ، لا يسقطُ اعتبارُه شرعاً، ولنا حديث عبدالله بن عمرو بن العاص (١٣) ﵄ أنَّ رسولَ الله ﵊ رأى امرأتين تطوفان بالبيتِ وعليهما سِواران من ذَهَبِ، فقال: «أتؤديانِ زكاتهما) فقالتا: لا، فقال: أتحبان أنْ يسُورَكما اللهُ بِسِوَارَيْنِ منِ نارِ فقالتا: لا، فقال: أدِّيا زكاتهَما» (١٤) (١٥).

стр. 1086

والمرادُ: الزَّكَاةُ دونَ الإعارةِ؛ لأّنُه ألّحَقَ الوعيُد بهما، وذلك لا يكونَ إِلاَّ بتركِ الواجبِ والإعارةُ ليستْ بواجبةٍ، وفي حديثِ أمِّ سلمةَ (١) ﵂ أنها كانتْ تلبِسُ أوضاحًا (٢) لها من ذهبٍ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ أكنزٌ هِي؟ فقال: «إن أديْتِ منها الزَّكَاةَ فلا» (٣)، (٤) والمعنى فيها: أنّ الزَّكَاةَ فيها حُكْمٌ تعلّقَ بعينِ الذَّهَبِ والْفِضَّة فلا تسقطُ بالصنعةِ كحُكمِ التقابض في المجلس عنَد بيعِ أحدهم بالآخرِ وجريانِ الرِّبا. أو لماّ كان الحكمُ متُعلقٌ بعينِ الذهبِ/ والْفِضَّة لم] يعرف (٥) الحال بين أنْ يكونَ محظورًا أو مباحًا كما في السوائم، إذا جعلها حمولةَ خمرِ حيث لا تجبُ الزَّكَاةُ باعتبار الحظر، لمِا أنّ عدَم التعلّق بكونها حمولةً، فلذلك لم يُفَرّقْ بينهما، وفي هذا جوابٌ عما تعلّقَ بالفرقِ بذهابِ العقلِ بسببٍ هو محظورٌ أو مباحٌ، ولِأَنَّ المقصود به الابتذال بهما هو التجمل الزائد لا يتعلق به حياة النفسِ أو المالِ، فلا تنعدمُ به صفة الثمنية] الكائنة (٦) لهذين الجوهرين باعتبارِ الأصلِ بخلافِ ذَهاب العقلِ بسبب الدواءِ؛ لأنهُ تتعلق به حياةُ النفس بخلاف الثياب؛ لأن الابتذال ثمةَ أمرٍ أصليِ؛ لأنَ فيه صرفاً لها إلى الحاجة الأصلية المتعلقة بها، وهي دفع الحرِّ والبردِ، فجاز أن يبطُلَ الأمرُ الأصليُّ فيها ما هو دونهُ، وهو يعني التجارة فيها، فإن قلتَ: ففي قوله في الْكِتَابِ وهو الإعدادُ للتجارة خلقةً، إشارةٌ إلى أنّ المعنى المؤثَر فيهما هو الثمنيةُ خِلقةً في وجوبِ الزَّكَاةِ عندنا (٧).

стр. 1087

[العلة في الربا] وكذلك صرّحَ بهذا أيضًا الإمامان شمسُ الأئمة (١)، وفَخْرُ الْإِسْلَام (٢) -رحمهما الله- في نسختيهما مِن أصولُ الفقِه مع أنهما منعا الشَّافِعِي في تعليله بالثمنية في مسألة الرِّبا بعلةٍ (٣) أن ذاك تعليلٌ بالعلة القاصِرة، فحينئذٍ تيسرَ للخصمِ أنْ يقولَ لعلمائنا: وقعُتْم في الذي أَبَيتُمْ فما جوابُنا له (٤)؟

стр. 1088

قلت: اختلفَ الحُكم لاختلافِ المقاصدِ والآثارِ، ولا اعتبارَ لصورةِ التعليل بالثمنية، بل الاعتبارُ بأنَّ التعليل بها يقع بعلةٍ قاصرة أو متعديةٍ، فعلّلَ هو بها فوقعتْ قاصرةً، وعللنا نحن بها فوقعت متعديةً؛ لأن مقصودنا بذلك التعليل أنه تجبُ الزَّكَاةُ في النقدين، وفيما يتُخذُ منهما آنية أو حليًا، ومقصودُ الخصمِ بذلك التعليل في مسألة الرِّبا الحجرُ عن تعديةِ تعليل النقدين إلى غيرهما، ثُمَّ حُكم الزَّكَاةِ في الأواني والحُليِّ يختلفُ بين أداءِ الزَّكَاةِ من عينها وبين أدائها مِن قيمتها، فإنهُ إذا كان له إناءُ فضةٍ وزنهُ مائتان وقِيمتهُ ثلاثُ مائة درهم، فإنْ زَكَّى من عينِهِ تَصَدّقَ بِرُبعِ عُشرةِ على الفقيرِ، فيشاركُه فيهِ، وإنْ أدّاه مِنْ قيمتِه فعندَ محمد (١) يعدِلُ إلى خلافِ الجِنْسِ وهو الذَّهَبُ؛ لأنّ الجودةَ مُعتبرةٌ عندهُ. وأمَّا عند أبي حَنِيفَةَ ﵀: فلو أدّه خمسةً مِن غير الإناء سقطتْ عنه الزكاة؛ لأن الحكم عنده مقصور على الوزن، فإن أدى من الذَّهَبِ ما يبلغُ قِيمَتُه قيمة خمس دراهم من غير الإناء لم يجز في قولهم جميعاً؛ لأن الجودةَ متقومةٌ عند المقابلة بخلاف الجنس، فإن أدّى القيمة وقعتْ عن القدر المستحق كذا في "الإيضاح" (٢) (٣). فَصلٌ في العَرُوض أخّرَ العُروضَ للاختلاف فيها أو لأنها تُقَّومُ بالنقدين، فيكونُ بناءً عليهما العُروض جمع عَرَضَ بفتحتين: حُطام الدُّنيا (٤)، كذا في "المُغْرِب" (٥)، و"الصِّحَاح" (٦). [تعريف العروض] وذكر في "الصِّحَاح" أيضًا: والعرْض بسكون الراءِ المتاع، وكلُّ شيءٍ فهو عَرْض سوى الدراهَم والدنانيرَ، وقال أبو عُبيد (٧): العُروضُ الأمتعة التي لا يدخلها كيلٌ ولا وزن، ولا يكون حيوانًا ولا عقارًا.

стр. 1089

قلْتُ: فعلى هذا جعل العُروض، فهنا جمع عْرض بسكون الراء أولى، بلْ هو واجب؛ لأنه في بيان حُكم الأموالِ التي هي غيرُ الدراهم والدنانير والحيوانات. (كائنةً ما كانتْ) (١)، أيْ: كانتْ عَروضُ التجارةِ كائنةً أي شيءٍ كانتْ هِي العروضُ، أيْ من أيِّ جنسٍ كانت سواءً كانت من جنس ما تجبُ فيه الزَّكَاةُ كالسوائم، أو من جنس ما لا تجبُ فيه الزَّكَاةُ كالثياب والحُمرِ (٢) والبِغال، ثُمَّ اختلفتْ الأقوال في التقويم على أربعة أوجه: [تقويم العروض] أحدها: أن الخيار لصاحب المال، فَيُقَومُ هو بأيِّ النقدين شاءَ، إنْ شاءَ بالدراهمِ، وإنْ شاءَ بالدنانير، وهو المذكورُ في أصلِ "المَبْسُوط" (٣)، فوجههُ أنّ التقويمَ لمعرفةِ مقدارِ المالية، والنقدان في ذلك على السواء، فكان الخيارُ إلى صاحب المال، ألا ترى أنّ الإبل إذا بلغتْ مائتين الخيارُ إلى صاحب المال إنْ شاءَ أدّى أربعَ حقاق، وإنَ شاءَ أدَّى خمس بنات لَبُون. والثاني: ما رُوِيَ عنَ أبي حَنِيفَةَ ﵀ في "الأمالي" (٤) (٥): أنهُ يُقوُّمها بأنفعِ النقدين للفقراء (٦)، فوجهُهُ أنَّ المالَ كان في يدِ المالك، وهو المنتفعُ في زمانٍ طويلٍ، فلابُدَّ من اعتبارِ منفعةِ الفقراءِ عنَد التقويمِ؛ لأداءِ الزَّكَاة فيقوّمها بأنفع النقدين، ألا ترى أنُه لو كان تقومه بأحد النقدين يتمُّ النِّصَاب وبالآخر لا، فإنها تُقَوُّم بما يتمُّ به النِصاب لمنفعةِ الفقراء بالاتفاق (٧)، وهذا مثلهُ، والثالث: قولُ أبي يُوسُف ﵀ (٨) (٩).

стр. 1090

والرابع: قول مُحَمَّد ﵀ كما هو المذكور (١) / في الْكِتَابِ (٢)، (وتُشترط نيةُ التجارةِ) (٣)، أيْ: حالةُ الشِراء (٤). [نية التجارة في العروض] وأمّا إذا كانتْ النيُة بعد الملُكِ فلابُدَّ مِن اقترانِ عملِ التجارةِ بنيتِه حتى تعمل نيته؛ لأنّ مجردَ النيةِ لا تعمل على ما مرّ؛ لأنه أبلغُ في معرفةِ المالية؛ لأنه ظهرت قيمته مرةً بهذا النقد الذي وقع به الشِراءُ، والظاهر: أنه اشتراها بقيمتها فكان هذا النقدُ أكثَر تعريفاً لقيمتها من نقدٍ آخر؛ وذلك لأن حُكمَ البدلِ معتبرٌ بأصلهِ بخلافِ ما إذا اشتراها بعرْضٍ، فإنّ العْرضَ لا يصلح تقويمًا للأشياء، فوجبَ التقويمُ بغالب نقدِ البلد تقوّمها بالنقد الغالب على كل حال، أيْ: سواءً اشتراها بأحد النقدين أو بغيره، وهذا لأنّ التقويمَ في حقِّ الله تعالى معتبرٌ بالتقويمِ في حقِّ العبادِ، ومتى وقعتْ الحاجةُ إلى تقويمِ المغصوبِ المستهلكِ مقوّم بالنقدِ الغالبِ في البلد، فكذا هذا، كذا في "المَبْسُوط" (٥)، فنقصانُه فيما بينَ ذلك لا يُسقِطُ الزكاة، قُيِّدَ بالنُقصان احترازًا عن هلاك كَّل النصابِ، فإنه ينقطعُ الحولُ به بالاتفاق (٦)، وذَكر النِّصَاب مُطلقًا؛ ليتناولَ كلَّ مال تجب فيه الزَّكَاةُ كالنقدين والسوائم (٧).
следующие страницы →