← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

والمرادُ: الزَّكَاةُ دونَ الإعارةِ؛ لأّنُه ألّحَقَ الوعيُد بهما، وذلك لا يكونَ إِلاَّ بتركِ الواجبِ والإعارةُ ليستْ بواجبةٍ، وفي حديثِ أمِّ سلمةَ (١) ﵂ أنها كانتْ تلبِسُ أوضاحًا (٢) لها من ذهبٍ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ أكنزٌ هِي؟ فقال: «إن أديْتِ منها الزَّكَاةَ فلا» (٣)، (٤) والمعنى فيها: أنّ الزَّكَاةَ فيها حُكْمٌ تعلّقَ بعينِ الذَّهَبِ والْفِضَّة فلا تسقطُ بالصنعةِ كحُكمِ التقابض في المجلس عنَد بيعِ أحدهم بالآخرِ وجريانِ الرِّبا. أو لماّ كان الحكمُ متُعلقٌ بعينِ الذهبِ/ والْفِضَّة لم] يعرف (٥) الحال بين أنْ يكونَ محظورًا أو مباحًا كما في السوائم، إذا جعلها حمولةَ خمرِ حيث لا تجبُ الزَّكَاةُ باعتبار الحظر، لمِا أنّ عدَم التعلّق بكونها حمولةً، فلذلك لم يُفَرّقْ بينهما، وفي هذا جوابٌ عما تعلّقَ بالفرقِ بذهابِ العقلِ بسببٍ هو محظورٌ أو مباحٌ، ولِأَنَّ المقصود به الابتذال بهما هو التجمل الزائد لا يتعلق به حياة النفسِ أو المالِ، فلا تنعدمُ به صفة الثمنية] الكائنة (٦) لهذين الجوهرين باعتبارِ الأصلِ بخلافِ ذَهاب العقلِ بسبب الدواءِ؛ لأنهُ تتعلق به حياةُ النفس بخلاف الثياب؛ لأن الابتذال ثمةَ أمرٍ أصليِ؛ لأنَ فيه صرفاً لها إلى الحاجة الأصلية المتعلقة بها، وهي دفع الحرِّ والبردِ، فجاز أن يبطُلَ الأمرُ الأصليُّ فيها ما هو دونهُ، وهو يعني التجارة فيها، فإن قلتَ: ففي قوله في الْكِتَابِ وهو الإعدادُ للتجارة خلقةً، إشارةٌ إلى أنّ المعنى المؤثَر فيهما هو الثمنيةُ خِلقةً في وجوبِ الزَّكَاةِ عندنا (٧).

стр. 1087

[العلة في الربا] وكذلك صرّحَ بهذا أيضًا الإمامان شمسُ الأئمة (١)، وفَخْرُ الْإِسْلَام (٢) -رحمهما الله- في نسختيهما مِن أصولُ الفقِه مع أنهما منعا الشَّافِعِي في تعليله بالثمنية في مسألة الرِّبا بعلةٍ (٣) أن ذاك تعليلٌ بالعلة القاصِرة، فحينئذٍ تيسرَ للخصمِ أنْ يقولَ لعلمائنا: وقعُتْم في الذي أَبَيتُمْ فما جوابُنا له (٤)؟

стр. 1088

قلت: اختلفَ الحُكم لاختلافِ المقاصدِ والآثارِ، ولا اعتبارَ لصورةِ التعليل بالثمنية، بل الاعتبارُ بأنَّ التعليل بها يقع بعلةٍ قاصرة أو متعديةٍ، فعلّلَ هو بها فوقعتْ قاصرةً، وعللنا نحن بها فوقعت متعديةً؛ لأن مقصودنا بذلك التعليل أنه تجبُ الزَّكَاةُ في النقدين، وفيما يتُخذُ منهما آنية أو حليًا، ومقصودُ الخصمِ بذلك التعليل في مسألة الرِّبا الحجرُ عن تعديةِ تعليل النقدين إلى غيرهما، ثُمَّ حُكم الزَّكَاةِ في الأواني والحُليِّ يختلفُ بين أداءِ الزَّكَاةِ من عينها وبين أدائها مِن قيمتها، فإنهُ إذا كان له إناءُ فضةٍ وزنهُ مائتان وقِيمتهُ ثلاثُ مائة درهم، فإنْ زَكَّى من عينِهِ تَصَدّقَ بِرُبعِ عُشرةِ على الفقيرِ، فيشاركُه فيهِ، وإنْ أدّاه مِنْ قيمتِه فعندَ محمد (١) يعدِلُ إلى خلافِ الجِنْسِ وهو الذَّهَبُ؛ لأنّ الجودةَ مُعتبرةٌ عندهُ. وأمَّا عند أبي حَنِيفَةَ ﵀: فلو أدّه خمسةً مِن غير الإناء سقطتْ عنه الزكاة؛ لأن الحكم عنده مقصور على الوزن، فإن أدى من الذَّهَبِ ما يبلغُ قِيمَتُه قيمة خمس دراهم من غير الإناء لم يجز في قولهم جميعاً؛ لأن الجودةَ متقومةٌ عند المقابلة بخلاف الجنس، فإن أدّى القيمة وقعتْ عن القدر المستحق كذا في "الإيضاح" (٢) (٣). فَصلٌ في العَرُوض أخّرَ العُروضَ للاختلاف فيها أو لأنها تُقَّومُ بالنقدين، فيكونُ بناءً عليهما العُروض جمع عَرَضَ بفتحتين: حُطام الدُّنيا (٤)، كذا في "المُغْرِب" (٥)، و"الصِّحَاح" (٦). [تعريف العروض] وذكر في "الصِّحَاح" أيضًا: والعرْض بسكون الراءِ المتاع، وكلُّ شيءٍ فهو عَرْض سوى الدراهَم والدنانيرَ، وقال أبو عُبيد (٧): العُروضُ الأمتعة التي لا يدخلها كيلٌ ولا وزن، ولا يكون حيوانًا ولا عقارًا.

стр. 1089

قلْتُ: فعلى هذا جعل العُروض، فهنا جمع عْرض بسكون الراء أولى، بلْ هو واجب؛ لأنه في بيان حُكم الأموالِ التي هي غيرُ الدراهم والدنانير والحيوانات. (كائنةً ما كانتْ) (١)، أيْ: كانتْ عَروضُ التجارةِ كائنةً أي شيءٍ كانتْ هِي العروضُ، أيْ من أيِّ جنسٍ كانت سواءً كانت من جنس ما تجبُ فيه الزَّكَاةُ كالسوائم، أو من جنس ما لا تجبُ فيه الزَّكَاةُ كالثياب والحُمرِ (٢) والبِغال، ثُمَّ اختلفتْ الأقوال في التقويم على أربعة أوجه: [تقويم العروض] أحدها: أن الخيار لصاحب المال، فَيُقَومُ هو بأيِّ النقدين شاءَ، إنْ شاءَ بالدراهمِ، وإنْ شاءَ بالدنانير، وهو المذكورُ في أصلِ "المَبْسُوط" (٣)، فوجههُ أنّ التقويمَ لمعرفةِ مقدارِ المالية، والنقدان في ذلك على السواء، فكان الخيارُ إلى صاحب المال، ألا ترى أنّ الإبل إذا بلغتْ مائتين الخيارُ إلى صاحب المال إنْ شاءَ أدّى أربعَ حقاق، وإنَ شاءَ أدَّى خمس بنات لَبُون. والثاني: ما رُوِيَ عنَ أبي حَنِيفَةَ ﵀ في "الأمالي" (٤) (٥): أنهُ يُقوُّمها بأنفعِ النقدين للفقراء (٦)، فوجهُهُ أنَّ المالَ كان في يدِ المالك، وهو المنتفعُ في زمانٍ طويلٍ، فلابُدَّ من اعتبارِ منفعةِ الفقراءِ عنَد التقويمِ؛ لأداءِ الزَّكَاة فيقوّمها بأنفع النقدين، ألا ترى أنُه لو كان تقومه بأحد النقدين يتمُّ النِّصَاب وبالآخر لا، فإنها تُقَوُّم بما يتمُّ به النِصاب لمنفعةِ الفقراء بالاتفاق (٧)، وهذا مثلهُ، والثالث: قولُ أبي يُوسُف ﵀ (٨) (٩).

стр. 1090

والرابع: قول مُحَمَّد ﵀ كما هو المذكور (١) / في الْكِتَابِ (٢)، (وتُشترط نيةُ التجارةِ) (٣)، أيْ: حالةُ الشِراء (٤). [نية التجارة في العروض] وأمّا إذا كانتْ النيُة بعد الملُكِ فلابُدَّ مِن اقترانِ عملِ التجارةِ بنيتِه حتى تعمل نيته؛ لأنّ مجردَ النيةِ لا تعمل على ما مرّ؛ لأنه أبلغُ في معرفةِ المالية؛ لأنه ظهرت قيمته مرةً بهذا النقد الذي وقع به الشِراءُ، والظاهر: أنه اشتراها بقيمتها فكان هذا النقدُ أكثَر تعريفاً لقيمتها من نقدٍ آخر؛ وذلك لأن حُكمَ البدلِ معتبرٌ بأصلهِ بخلافِ ما إذا اشتراها بعرْضٍ، فإنّ العْرضَ لا يصلح تقويمًا للأشياء، فوجبَ التقويمُ بغالب نقدِ البلد تقوّمها بالنقد الغالب على كل حال، أيْ: سواءً اشتراها بأحد النقدين أو بغيره، وهذا لأنّ التقويمَ في حقِّ الله تعالى معتبرٌ بالتقويمِ في حقِّ العبادِ، ومتى وقعتْ الحاجةُ إلى تقويمِ المغصوبِ المستهلكِ مقوّم بالنقدِ الغالبِ في البلد، فكذا هذا، كذا في "المَبْسُوط" (٥)، فنقصانُه فيما بينَ ذلك لا يُسقِطُ الزكاة، قُيِّدَ بالنُقصان احترازًا عن هلاك كَّل النصابِ، فإنه ينقطعُ الحولُ به بالاتفاق (٦)، وذَكر النِّصَاب مُطلقًا؛ ليتناولَ كلَّ مال تجب فيه الزَّكَاةُ كالنقدين والسوائم (٧).

стр. 1091

[متى يعتبر النصاب] وقال زُفَرُ ﵀ (١): لا يلزمهُ الزَّكَاةَ إِلاَّ أنْ يكون النصابُ من أولِ الحولِ إلى آخره كاملاً؛ لأنَّ حَوَلَانَ الحولِ على المالِ شَرْطٌ لوجوبِ الزكاة، وكَلُّ جُزء من الحول بمعنى أولهِ وآخره، ألا ترى أنُه لو هلك جميعُ المالِ في خلالِ الحول يجُعلُ كهلاكهِ في أول الحول أو آخره، وقال الشَّافِعِي ﵀ (٢) في السائمةِ كما قال زُفَرُ ﵀، وفي مال التجارة يقول: إنما يُعتبرُ كمالِ النِّصَاب في آخر الحولِ خاصةً لا في أوله، وقال: لأنّ النصابَ فيه يُعتبرُ منِ القيمة فيشقُّ على صاحب المال يقوّمُ] مالُه (٣) كلَّ يومٍ فلِدَفْعِ المشقةِ قلتُ: إنما يعتبرُ كمالُ النصابِ عند وجوبِ الزَّكَاة، وذلك في آخر الحولِ (٤). وما احتجَّ به علماؤنا مذكورٌ في الْكِتَابِ (٥)، وهو ظاهر، فكان اعتبار الطرفين دونه ما بينهما بحسب تُعلُّقِ الحُكم، وعدمِ تعلّقهِ به مثلُ قولنا فيمن حَلَفَ بعتقِ عبدهِ إنْ دخلَ الدارَ أنهُ لابد من قيام الملُكِ عند اليمين، وعند الدُّخول وزواله فيما بين ذلك لا يُعتبر فقيراً؛ لأنّ الملُك شرطُ أنْ يصحَ عتقُ المملوكِ، والعتق يحُلِّهُ عند الشرطِ فشَرْطُ ملكهِ في الحالين، فكذا هنا، وكذلك نظير ما ذكرنا من الفرقِ بين الهلاك والنقصان عقدُ المضاربة (٦) يبقى على الألف ببقاء بعضها، حتى إذا ربح فيها يحصل جميع رأسِ المال أولاً بخلاف ما إذا مَلكَ؛ وهذا لأنَّ لبقاء الحولِ على المال لا بُدَّ من المالِ لشيءٍ حتى يبقى انعقادُ الحولِ عليه، فإذا هلكَ الكلُّ لا يتُصورُ بقاءُ الحولِ على الهالكِ؛ لأنهُ معدومُ إلى هذا أشار في "المَبْسُوط" (٧) و"الْأَسْرَارِ" (٨)، فإن قلْتَ: إنَّ في هلاكِ بعضِ النِّصَاب كان النقصانُ واردًا على نفسِ النصابَ، وفي جعل السائمةِ معلوفةً كان النقصانُ واردًا على وصف النصابِ ولا شكَّ أنَّ فواتَ الوصف أولى من فواتِ بعضِ الأصل، ومع ذلك أنَّ فواتَ الوصفِ قاطعٌ للحولِ بالاتفاق، وفواتَ بعضِ الأصل غيرُ قاطعٍ، فما وجهه؟

стр. 1092

[تغيّر النصاب] قلتُ: الفرقُ ظاهرٌ، وهو: أن فواتَ الوصفِ هناك واردٌ على كلِّ النِّصَاب، فصارَ كهلاكِ النصابِ كلِّهِ (١)، وذلك لأنُه لما أعَّدها للاستعمالِ لم يبقَ شيءٌ مِن المحل صالحًا لبقاءِ الحول؛ لأنّ العلوفةَ ليستْ من مالِ الزَّكَاةِ، فصار كون كلِّها علوفةً كهلاكِ كلِّها، فأمّا بعد هلاكِ البعض بقي المحلُ صالحًا لبقاءِ الحول؛ لأن الشيءَ إذا انعقدَ على الكلِّ يبقى منعقدًا على البعضِ كما في عَقْدِ المضاربةِ على ماَ بيَّنا، كذا في "المَبْسُوط" (٢). (وتُضم قيمة العروض إلى الذَّهَبِ والْفِضَّة وهذا بالإجماع) (٣) (٤). [ضم قيمة العروض] وحاصلُ مسائل الضمّ، أن عرُوض التجارة يضمُ بَعضِها إلى بعضهِ بالقيمةِ، وإنْ اختلفتْ أجناسُها، وكذا تُضم حتى إلى النقدين] بالإجماع (٥) والسَّوَائِم مِن مختلفي الجنسِ مثلَ الإبلِ، والبقرِ، والغنم، لا يُضم بعضُها إلى بعضٍ بالإجماعِ (٦)، والنقدان يُضم أحدهما إلى الآخر في تكميلِ النصابِ عندنا (٧) (خلافًا للشافعيِّ) ﵀ (٨)، ولكنْ اختلفَ علماؤنُا الثلاثةُ في كيفيةِ الضَّمِ (٩).

стр. 1093

قوله: (وإنْ] افترقتْ (١) جهةِ الأعدادِ) (٢)، فإن الأعدادَ في العروض من جهةِ العِبَاد لإعدادها للتجارة، وفي النقدين من الله تعالى. (وُيَضمُّ الذَّهَبُ إلى الْفِضَّة) (٣)، أيْ: عندنا (٤) خلافًا للشافعي ﵀، فإنه يقولُ: لا يُضمَ أحدهما إلى الآخر، بل يُعتبر كمالُ النصابِ من كُلِّ واحدِ منها على حِدة، قال: لأنهما جنسان مختلفان، فلا يُضم أحُدهما إلى الآخرِ لتكميلِ النصابِ كالسَّوَائِم (٥)، وبيان الوصفِ من حيثُ (٦) الحقيقةِ غيُر مشكلٍ/ ومن حيثُ الحُكمُ أنه لا يجري بينهما ربا الفضلِ بخلافِ زكاةِ التجارةِ؛ لأنَّ تلكَ الزَّكَاةَ زكاةُ ذهب وفضة؛ ولِأَنَّ الزَّكَاة تكمل منَ قيمتها، وهي دراهم أو دنانير والقيمُ واحدةٌ. إمّا دراهمُ أو دنانيرُ، فَمِنْ هذا الطريقِ صارَ مالُ الزَّكَاةِ جِنسًا واحدًا، فأمّا الذَّهَبُ والْفِضَّة، فإنما تجبُ الزكاة لعينها دون القِيمةِ بدلالةِ حالِ الانفرادِ، فإنّ النِصاب لا يُكَملُ بالقيمة، وإنما يُكملِ بالوزن كَثُرَتْ القيمةُ أو قلَّتْ، ولنا حديث بُكَيْر بن عبدالله بن الأشج ﵁ (٧) قال: من السَّنةِ أنْ يضمَ الذَّهَبُ إلى الْفِضَّة في إيجابِ الزَّكَاةِ، ومُطلق السُّنةِ ينصرفُ إلى سنةِ رسول الله ﵊ (٨)، ولأنهما في حقِّ الزَّكَاةِ بمعنى مال واحدٍ بدليلين أحدُهما اعتبارُ سببِ الوجوبِ والآخُر الحُكم. أما الحُكم؛ فلأنَ الواجبَ فيهما ربُعُ الْعُشْرِ على كلِّ حالِ والأحوال المختلفة في باب الزَّكَاةِ لابُدَّ أن يختلف واجبها إذا اعتُبَرِ قدره بنصابه، فإنَّ الشاةَ من أربعين شاةً رُبْعُ الْعُشْرِ، والشاةُ في خمسٍ من الإبل لا يكون كذلك، فيقعُ الاختلاف قدرًا، وإن اتفقتا قسمته، وإنما ينُفقُ للواجب إذا اتخذَ المال، فإنَّ الواجب في خمَسٍ مِنَ الإبلِ بناتُ مخَاض (٩) شاة، وكذلك الجذاع (١٠)، وكذلك لو كن فصلانًا (١١) إِلاَّ واحدة.

стр. 1094

وأما السبب؛ فإن الزكاة تجب بعينهما كيفَ ما أمسكَ العين للنماء أو للنفقة؛ لأنهما خُلقا في الأصل رؤوسُ أموالِ التجارة، وأموالُ التجارةِ يجوز تقويمها بكلِّ واحدٍ منهما بلا حرج، فكانا كَمْالٍ واحد بعد تحققِ التجارة في ذلك المال والزكاة تجبُ بهذا السببِ، فصار في حقِّ الزَّكَاةِ كمالٍ واحد بخلاف السَّوَائِم؛ لأنها مختلفة خِلْقةً ومعنى، كذا في "المَبْسُوط" و"الْأَسْرَارِ" (١)، وإنما لا يجري رِبا الفضلِ بينهما؛ لأنهما جنسان مختلفان حقيقةً، فحينئذٍ لم يوجْد فيهما إِلاَّ أحدُ وصفي الرِّبا وهو الوزن، فكان شبهةَ العلةِ لا حقيقتها، فلا يثبتُ بها ما هو الحكمَ المتعلقُ بحقيقةِ العلةِ، وهو حُرمةُ حقيقةِ الفضل، ولا يربوا الحكم على الِعلَّةِ قوله ﵀: حتى أنّ مَنْ كانَ له مائة درهم وخمسةَ مثاقيل ذَهَب تبلغُ قيمته مائة درِهم فعليه الزَّكَاةُ عند أبي حَنِيفَةَ ﵀ (٢)، وإنما خصَّ هذه الصورةَ؛ ليُظهِر صورةَ الخَلاف. فأمّا إذا كانَ مِن كلِّ واحد منهما نصفُ النِّصَاب بأنْ كانَ له عشرةُ مثاقيلَ ذَهَب ومائة درهم، أو مِن أحدهما ثلاثةُ أرباع النِّصَاب، والرُبْعُ من الآخر بأن كان له مائة وخمسون درهمًا وخمسة مثاقيل أو على العكس، فإنه يُضَمُّ عند علمائنا جميعًا، وجه قولها التقويم في النقودِ ساقطُ الاعتبار كما في حقوقِ العباد، فإن سائرَ الأشياء يُقَّومُ بها ألا ترى أنّ مَنْ مَلَكَ إبريقَ فضةٍ وزنه مائة وخمسون درهمًا وقيمته مائتا درهم لا تجبُ فيها الزكاة، ولو كان للتقويم عبرةٌ في بابِ الزَّكَاةِ لوجبتْ هاهنا. وأبو حينفةَ ﵀ يقول: هما عينان وجبَ ضَمُّ أحدهما إلى الآخر لإيجابِ الزَّكَاةِ فكان الضمُ باعتبارِ القيمةِ كعروضِ التجارةِ لما أنّ الضمَّ كان باعتبار المعنى، وهو القيمةُ لا باعتبارِ الصورة، واعتبارُ الوزن اعتبارًا للصورة (٣). وأمَّا مسألةُ الإبريقِ (٤): فإنُه ما وَجَبَ ضمّه، ضمَّهُ إلى شيءِ آخر حتى تعتبر فيه القيمةُ لأنَّ القيمةَ في الذَّهَبِ والْفِضَّة إنما تظهر شرعًا عند مقابلة أحدهما بالآخر فإنَّ الجودةَ والصنعةَ لا قيمةَ لها إذا قُوبِلَتْ بجنسها؛ لقوله ﵊: «جيدُها ورديئَها سواء» (٥). فأمّا عند مُقابلةِ أحدهمِا بالآخر يظهرُ للجودة قيمةُ ألا ترى أنه متى وقعتْ الحاجةُ إلى تقويم الذَّهَبِ وِالْفِضَّة في حقُوق العبادِ تُقَّومُ بخلاف جنسهِ، فكذا في حقوقِ الله تعالى. كذا في "المَبْسُوط"، و"الإيضاح" (٦)، والله أعلم بالصواب (٧)./

стр. 1095

باب: فيمن يَمُرّ على العاشر أُلحْق هذا البابُ بكتابِ الزَّكَاةِ اتباعًا للمَبْسُوط وشُرُوح الجامع الصغير (١) المرتبة، فوجْهُ المناسبةِ فيه ظاهرٌ لمِا أنَّ الْعُشْرِ المأخوذَ من المسلمِ المارِ على العاشرِ هَو الزَّكَاةُ بعينها إِلاَّ أنّ هذا العاشر، كما يُأخذَ من المسلم يأخذُ من الذِّمِّي (٢)، والمستأمنِ (٣)، وليس المأخوذُ منهما بزكاة، فقدّمَ الزَّكَاةَ على هذا الباب وعلى ما بعدَه؛ لأنّ الزَّكَاةَ إحدى أركانِ الدِّينِ، وعبادةٌ محضةٌ ليس فيها شائبةُ المجازاة، والتضعيفِ، والخمُس، وتُقَّدمُ العباداتُ على غيرِها كما في سائرِ المواضعِ. [تعريف العاشر] ثُمَّ العاشرُ لغةً من عَشَرْتُ القوَم أعشرُهُم بالضم عُشرًا مضمومة إذا أخذت منهم عُشر أموالهم، فعلى هذا في تسمية العاشر للذي يأخذُ الْعُشْرِ إنما يستقيمُ على أخذهِ من الحربيِّ (٤) لا منِ المسلم وِالذِّمِّي؛ لأنه (يأخذَ مَن المسلم رَبع الْعُشْرِ، ومن الذِّمِّي نصفً الْعُشْرِ ومن الحربي الْعُشْرِ) (٥) على ما يجيءُ، ولكنه في حقِّ كلِّ واحدٍ منهم يدورُ اسمُ الْعُشْرِ، وإنْ كان مع شيءٍ آخر، فجاز إطلاقُ اسمِ العاشر عليه لذلك، وذكر في "المَبْسُوط" (٦) فقد رُوِىَ أنّ عمرَ بنَ الخطاب ﵁ أرادَ أنْ يستعمل أنسَ بنَ مالك ﵁ على هذا العمل، فقال له: «أتستعملني على المُكْس (٧) من عملك، فقال له: ألا ترضى أن أُقلِدَكَ ما قلَدْنِيه رسولُ اللهِ ﵊» (٨). والذي روُيَ من ذم العُشّار محمولٌ على مَنْ يأخذ مالَ الناسِ ظلمًا، كما هو في زماننا دونه، من يأخذ ما هو حقٌّ وهو الصدقة (٩).

стр. 1096

قوله ﵀: (إذا مر على العاشر بمال) (١) أراد به الأموالَ الباطنةَ فإنَّ في الأموالِ الظاهرةِ، وهي السَّوَائِم لا يحتاجُ العاشرُ إلى مرورِ صاحب المالِ عليه في ثبوتِ ولايةِ الأخذِ له، فإنهُ يأخذ عُشر الأموالِ الظاهرةِ منه، وإنْ لم يمَّر صاحبُ المالِ عليه (٢). وأما في الأموال الباطنةِ (٣) فإنّ حقَّ الأداءِ إلى الفقيرِ لصاحبِ المالِ لا للعاشر؛ لأنها غيرُ محتاجةٍ إلى الحَماية، فإنْ أخرجَ الأموالُ الباطنةَ إلى المفاوزِ احتاج إلى حمايةِ السلطانِ، فصارتْ كالسَّوَائِم حينئذٍ، والعاشرُ مَنْ نَصَّبهُ الإمامُ على الطريقِ؛ ليأْخُذَ الصدقاتِ من التُّجارِ (٤)، وزاد في "المَبْسُوط" (٥) قيدًا آخر، فقال: (هو مَنْ يُنصِبُه الإمامُ على الطريقِ ليأخذَ الصدقاتِ من التجار) (٦)، ويأمنَ التجارُ بمقامهِ منِ اللصوصِ (٧). [ضوابط أخذ العاشر] قلت: لابَّد منِ هذا القيد لمعنيين: أحدهما: أنَّ وِلاية الأخذ للعاشِر بسبب الحِماية، والحفظِ خصوصًا في الأموال الباطنة، والحماية إنما تكونُ عند الأمنِ من اللصوص. والثاني: أنَّ أخذَهُ من الحربي والذِّمِّي لا للصدقاتِ من الأموال كلِّها بل للحمايةِ محضًا، فلاُبَّد من ذِكر لفظٍ يُشير إلى الحماية، ولا تستفاد هي إِلاَّ بذلك القيدِ، وقد اندرجَ فيما ذكرتُ جوابَ السؤالين في قولهِ: والعاشرُ مَنْ ينصبِّهُ الإمام على الطريق؛ ليأخذ الصدقاتِ أحدُهما أنَه كيف سمّاهُ عاشرًا وهو يأخذُ رُبع الْعُشْرِ من المسلمِ، والثاني: كيف قالَ ليأخذَ الصدقاتِ وهو يأخذُ من الكافرِ أيضًا، ولا يكونُ ما أدّاه الكافرُ صدقةً، فمن أنكرَ منهم تمامَ الحول، أيْ: في قوله: (أصبْتُ منذ] شهر (٨) (٩) (أو الفراغ مِن الدَّيْنِ) (١٠)، أي: أنكرَ الفراغَ من الدَّيْنِ في قوله: أو عليّ دَيْنُّ، فإن قِيل: إنكارُ الفراغ من الدَّيْنِ في قوله: عليّ دينَ ظاهرٌ، وأما فَي قولهِ: (أصبْتُ منذ شهرٍ) كيف يُراد به ما دُونَ الحوْلِ، قلنا: الأشهرُ تقُع على الْعُشْرِةِ فما دونها؛ لأنها جمع قِلّة (١١)؛ فإنّ أوزانها أربعةٌ: أَفعْل، وأَفعال، وأفعِلة، وفِعْلة.

стр. 1097

وجمع الِقلّةِ يقعُ على الْعُشْرِةِ فما دونها فلاُبَّد أن يُراد بها حينئذٍ ما دونَ السنةِ بهذا الطريق، كذا في "الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة " (١)، والقولُ قولُ المنْكِرِ مع اليمين، فإنْ قلتَ: الزَّكَاةُ عبادةٌ خالصةٌ لله تعالى، وهي بينَ العبدِ وبين ربهِ تعالى، فكانتْ بمنزلةِ الصومِ والصَّلَاةِ، ولا يُشترطُ التحليفُ للتصديق هُناك، فكيف اشتُرِطَ هنا (٢)؟ قلت: هذا هو وجهُ الرواية التي رواها ابنُ سماعة (٣)، عن أبي يُوسُف ﵀ (٤)، فأمّا ظاهرُ الروايةِ (٥) فهو ما ذُكِرَ في الْكِتَابِ (٦)، ووجهه أنّ هذه عبادة، ولكنْ تعلّقَ بها حقُّ العاشرِ في الأخذِ، وحقُّ الفقراءِ في المنفعةِ فالعاشر بعد ذلك يدّعي عليه معنى لو أقرَّ به يلزمهُ، فيستحلفُ] لرجاء (٧) النُّكولِ (٨) كما في سائر الدعاوَى، ولا يَلزم عليه حدُّ القذفِ (٩)، فإنه لا يستحلف فيه إذا أنكر، وإنْ تعلق حقَّ العباد لمِا أنَّ اليمين مشروعةٌ للنُكول، والقضاء بالنكولِ في الحدودِ مُتعذر (١٠) لمِا عُرفَ بخلاف الصومِ والصَّلَاةِ، فإنه لم يتعلق بهما حقُّ العباد، ولا يكذِبهُ فيهما أحدٌ، ولِأَنَّ الزَّكَاةَ تُشبهُ الصَّلَاةَ والصومَ، مِن حيثُ إنها إحدى أركان اِلدِّيْنِ، وتشبه حقَّ العباد مِنَ الوجه الذي قلنا.

стр. 1098

ولو كانَ خاَلصُ حقَّ الله تعالى مِن كُلِّ وَجهٍ كانْ مصدقًا مِن غيرِ يمين، ولو كانَ خالصُ حقِّ العبادِ منِ كُلّ وجهٍ لا يصَدْق فيه، وإنْ حلف بعدَ وجودِ سببِ الوجوبِ كالبائعِ إذا أدَّعى الخيار بعد إقرارهِ بالبيع، والمشتري إذا ادّعى الأجل في] الثمن (١) بعدَ إقراره] بالشِراء (٢)، وهاهنا أيضًا يدعي المانع بعدَ تحقٌقِ السببِ (٣)، وهو النِّصابُ، فقلنا: لِشُبهةٍ بحقَّ الله تعالى يكون مصدقًا، ولشبهه بحِقَّ العبادِ يستحَلفُ إذا أنكر عملها بالشبهين، كذا ذكره الإمام الْمَحْبُوبِيّ ﵀ (٤) (٥). [إذا أدّعى دفع الزكاة] وذكر الإمام التُّمُرْتَاشِي ﵀ (٦)، فكذا إذا قال: هذا المالُ ليسَ للتجارة أوِ هو بضِاعةٌ لفلان، وحَلَفَ صُدّقْ (٧)، وكذا الجوابُ في صدقةِ السَّوَائِم في ثلاثةِ فصولٍ: وهي فصلُ قوله: أصبتُ منُذ شهرٍ، وفصلُ علىَّ دَيّنٌّ، وفصل أديتُ إلى عاشرِ آخر، بخلافِ الفصل الرابعِ وهو قولُه: أدّيتُها أنا إلى الفقراء، فإنه ذَكَرَ أربعَ مسائلَ معطوفًا بعضُها على بعضٍ فاَتخذَ جوابَ الأربعِ في حقِّ الأموالِ الباطنةِ حيث صُدِقَا فيها باليمين، والشهادةُ الظاهرة على تصديقِ قوله: بخلافِ السَّوَائِم، فإنُه لا يَصدقْ فيها في المسألة الرابعةِ لتكذيبِ الظاهرِ إياه في قوله: أنا أديتُ زكاةَ السَّوَائِم إلى الفقراءِ؛ لأنه لم يُفوضْ إليه ذلك؛ لأنه أوصلِ الحقَّ إلى المستحقِ، وصار هذا كالمشتريِ من الوكيل إذا أوفى الثمن إلى المُوكِّل، ولنا أنَّ هذا حقُّ مالِ يستوفيه الإمامُ بولايةٍ شرعيةٍ، فلا يملكَ مَنْ عليه إسقاطَ حقهِ في الاستيفاءِ كمَنْ عليه الجزيةُ إذا صَرَفَ بنفسه إلى المقاتلة، ثُمَّ تقريرُ هذا الكلام من وجهين: أحدهما: أنَّ الزَّكَاةَ محضُ حقِّ لله تعالى؛ فإنما يستوفيه مَنْ تعين نائبًا في استيفاء حقوق الله تعالى، وهو الإمام، فلا تبرأ ذمته إِلاَّ بالصرف إليه، وعلى هذا نقول: وإنْ عُلِم صدقة فيما يقولُ يُؤخذُ منه ثانيًا، فلا يَبرأُ بالأداءِ إلى الفقيرِ فيما بينهُ وبينَ ربهِ، وهو اختيارُ بعضِ مشايخنا (٨)، والطريقُ الآخر: أنْ يقولَ: إن الساعيَ عاملٌ للفقير، وفي المأخوذِ حقُّ الفقير، ولكنهُ مولى عليه في هذا الأخذِ حتى لا يملك المطالبةَ بنفسه، فيكون بمنزلة دَيْن الصغيرِ دفعة المديون إليه ومنه الوصيُّ، وعلى هذا الطريقِ يقولُ: يبرأُ بالأدِاء فيما بينهُ وبينَ ربهِ تعالى، وظاهر قوله في الْكِتَابِ لا يصدق في ذلك إشارة إلى أنه إذا عَلِمَ صدقة لم يتعرضْ له، وهذا لأنَّ الفقير منِ أهلِ أنْ يقبضَ حقَّهُ، ولكنْ لا يجُب الإيفاءُ بطلبه، فإذا أدَّى مَنْ عليه مِن غير مطالبةٍ إليه حصلَ به ما هو المقصود بخلاف الصبي، فإنه ليسَ من أهلِ أنْ يقبضَ حقَّهُ فلا يبرأُ بالدفعِ (٩). كذا في "المَبْسُوط" (١٠).

стр. 1099

وإنما يبرأُ المشتري من الوكيل إذا أوفى الثمنَ إلى الموكل لأن للموكل حقّ القبض، فإنّ الوكيلَ إذا امتنعَ عن قبضِ الثمنِ أُجْبِرَ على أنْ يحيل بالقبضِ إلى الموكلِ، فإذا دفعهُ إليه فقدْ دفعه إلى مَنْ له حقُّ القبضِ، فيبرأُ، كَذا ذكره الإمام المحبوبي (١). وفي "الجامع الصغير" (٢) للإمام أبي اليُسر ﵀: ولو أجاز الإمامُ إِعْطَاءَهُ لا يكونُ به بأسٌ، (٣) وإنْ لمُ يُذْكَرْ هذا في الْكِتَابِ؛ لأنهَ إذا أَذِنَ له في الابتداءِ أنْ يعطيَ الفقراءَ بنفسه/ جازَ فكذلك إذا أجازَ بعدَ الإعطاءِ، ثُمَّ قَبِلَ الزكاة هو الأول، والثاني: سياستُه كما لو خَفِى على الساعي مكانُ مالهِ، فأدعى صاحب المال زكاته يقع فرضًا في التفاريق تجوزُ زكاةُ الظاهرِ، والْعُشْرِ إلى المساكينِ فيما بينهُ وبينَ ربه تعالى، وإنْ كانَ للإمامِ أنْ يأْخُذُ ثانية، كذا ذكرهُ الإمامُ التُّمُرْتَاشِي ﵀ (٤). وقِيلَ: هو الثاني، والأولُ ينقلبُ نفلًا كما إذا صلىّ يوَم الجمُعةِ الظهَر في منزلهِ، ثُمَّ سعى إلى الجمُعةِ، فأدَّاها ينقلبُ ظُهْرهٌ الفرض نفلًا، لم يشترطْ إخراجَ البراءةِ في] الجامع الصغير] (٥) (٦)، وهي اسمٌ لخطِّ الإبراءِ] من بَرِئَ (٧) مِنَ الدَّيْن، والعيبُ براءة، والجمع البراءات، والبروات عامي، كذا في "المُغْرِب" (٨)، وهو الصحيح احترازاً عن القولِ الأولِ، ووجهه ما ذكرنا في الوجهِ الأول مِنْ تقريرِ "المَبْسُوط"، وهو أنُه لما ثبت ولايةُ الأخذِ للإمام شَرْعًا في الأموالِ الظاهرة، وكان أداؤ رب المال] لغواً لا فرضاً (٩) كما إذا أدّى الجزية بنفسه (١٠)، ثُمَّ فيما تصدَّق في السَّوَائِم، وأموالِ التجارةِ، لم يشترطْ إخراجَ البراءةِ في "الجامع الصغير" (١١).

стр. 1100

قال في "المَبْسُوط" (١) و"الجامع الصغير" (٢) للإمام التُّمُرْتَاشِي: وهو الصحيُح؛ لأنُه ادّعى، ولصِْدقِ دَعواهُ علاقةٌ، فيجبُ إظهارُها كإظهارِ الشجةِ (٣)، والقطعِ في دعواه، وكالمرأةِ إذا أَخَبرَتْ بالولادِة، فإنْ شَهِدَتْ القابلةُ بها (٤) قَبِلَتْ، وإِلاَّ فلا أن الخطَّ يشبه الخط، وقدْ لا يأخذُ صاحبُ السائمةِ البرأة غفلةً منه، وقد تصلُ البراءةُ منه بعدَ الأخذِ، فلا يمكنُ أنْ يجُعَلَ حُكمًا فُبِقَي المعُتبُر قولُه: مع يمينه، كذا في "المَبْسُوط" (٥). فإنْ قلتَ على قولِ مِنْ يقولُ: باشتراطِ البراءةِ في التصديقِ، بل يُشترُط معها اليمين، وأيضًا كما يُشترطُ اليميُن إذا لم يأتِ بالبراءةِ على ما هو ظاهرُ الرِوايةِ أمْ لا؟ قلت: قد اختُلِفَ فيه. قال الإمامُ التُّمُرْتَاشِي ﵀ (٦): وفي "الشافي" (٧) لو أتى بالخطِّ، ولم يحلفْ لم يصُدَّقْ عند أبي حَنِيفَةَ ﵀ (٨)، وقالا: يُصدَّقُ لشهادةِ الظاهرِ له، (فيُراعي تلك الشرائط) (٩) أي: من الحُوْلِ، والنَّصابِ، والفراغِ من الدَّيْنِ، وكونُه للتجارةِ؛ لأنه في معنى الزكاة كصدقةٍ بني تغلب (١٠) (تحقيقًا للتضعيف) (١١)، فإنَّ تضعيفَ الشيءِ إنما يكونُ أنْ لو كان المضُعَّفُ على أوصافِ المضعفِ] عليه (١٢)، وإِلاَّ يلزم أنْ يكونَ تبديلًا لا تضعيفًا، فيجبُ أن لا يتبدلَ شيءٌ وراءَ التضعيف كما قلنا في التضعيف على بني تغلب.

стр. 1101

[متى يقبل قول الحربي] (ولَا يُصْدُّقُ الحربي إِلاَّ في الجواري يقولُ: هُنّ أُمهاتِ أولادي) (١)؛ وذلك لأنه إنْ قال: لم يحَلُ ْالحولُ على مالي، فالأخذُ منه ليسَ باعتبار الحولِ؛ لأنهُ لا يُمَكَّنُ مِنَ المقام في دارِنا حولًا، وإنْ قال: عليّ دَيْنٌ، فالدَّينُ يُمَكْنُ نقصانًا في المُلْكِ، ومُلْكُ الحربي ناقِصً، ولأنه إذا ادّعى الدَّيْنَ لا يُلتفَتُ إليه إذ لا عِبرةَ لديُونِ أهلِ الحرب، ألا ترى قاضيًا لا ينظرُ في خصومتهم فيما دَايَن بعضُهم بعضًا، ودَيْنُ أهلِ الذِّمةِ مُعتُبر محُكومٌ] به (٢)، فإنْ قالَ: المالُ بضاعةٌ فلا حُرمةَ لصاحبها، ولا أمانَ إنما الأمانُ للذي في يده المال (٣). وأمَّا النسَبُ فيثبت في دار الحربِ (٤) كما يثبتٌ في دارِ الإسلامِ، وبه يخرجُ مِن أنْ يكونَ مالًا متقومًا، والأخُذ لا يكون إِلاَّ من المالِ الممرور به، وإنْ كانَ كاذبًا، فهذا إقرارٌ منه بحقِّ الجزيةِ فيصُحُّ، وإنْ قالَ: هم مُدْبرون لم يُلتفتْ إليه؛ لأنَّ التدبير منه لا يصحُ في دارِ الحرب (٥)، كذا في "الجامع] الصغير (٦) " للإمام الْمَحْبُوبِيّ، والإمام التُّمُرْتَاشِي، فانعدمتْ صفَةُ المالية هذا لا يَشْكُلُ على قولِ أبي حَنِيفَةَ ﵀، وأما قولهُما (٧): فإنهما يبنيان الأمرَ على ديانتهم إنْ دانوا بذلك لا يُؤخذُ كما إذا مرَّ الحربيّ بجلدِ الميتةِ فهو على هذا التفصيل هكذا أمر عمر ﵁ سَعاتَه (٨) (٩)، والمعنى فيه: أنُه إنما (يُؤْخُذ من المسلمِ رَبعُ الْعُشْرِ) (١٠) للحديثِ المعروف «هاتوا رُبَع عُشورِ أموالكم مِن كلَّ أربعين درهمًا درهمًا» (١١)، وإنما تثبت ولايةُ الأخذِ للعاشرِ لحاجته إلى الحِماية، وحَاجُة الذِّمِّي إلى الحَمايةِ أكثُر؛ لأنّ طَمَعَ اللصوصِ في أموالِ أهلِ الذمة أبينُ، فيأخذُ منه ضِعف ما يأخذ من المسلمِ كما في صدقات بني تغلب، ثُمَّ الحربي مِن الذِّمِّي بمنزلة الذِّمِّي من المسلم، ألا ترى أنَّ شهادةَ أهلِ الحربِ غيرُ مقبولةٍ على أهلِّ الذمة كما لا تُقبل شهادةُ الذِّمِّي على المسلم، وشهادةُ أهل الذمةِ على أهلِ الحربِ، ولهم بقوله كشهادةِ المسلم على الذمي.

стр. 1102

[كم يؤخذ من الذمي ؟] ثُمَّ الذميُّ/ يُؤخذ منه ضِعْفُ ما يؤخذ من المسلمِ، فكذلك الحربي يؤُخذُ منه ضُعف ما يؤخذُ من الذميِّ، كذا ذكره الإمامُ المحبوبي (١) المجازاة بالتاء المدورة؛ لأنها مصدرٌ لا جمعَ مؤنثٍ، وإنما قلنا: (إنّ الأخذَ منهم بطريقِ المجازاة) (٢)؛ لأن عمُرَ ﵁ أشارَ إلى هذا المعنى (٣) لماَّ سُئِل حين نَصَّبَ العُشّار، فقِيلَ لهُ: فكمْ نأخذُ مما يمرُّ به الحربي؟ فقال: "كم يأخذون منَّا؟ " قالوا: الْعُشْرِ، فقال: "خُذوا مِنّهمُ الْعُشْرِ" ولسنا نعني بقولنا: بطريق المجازاةِ أنْ أخذنا بمقابلةِ أخذهم أموالنا، فإنَّ أخذَهُم أموالنا ظُلمُ، وأخذُنا حقٌّ، ولكنَّ المرادَ أنا إذ عاملناهم بِمْثلِ ما يُعامِلونا؛ كانَ ذلك أقربَ إلى مقصودِ الأمانِ، واتصالِ التجاراتِ (٤)، كذا في "المَبْسُوط" (٥). لأن القليلَ لم يزلْ عفوًا شرعًا، وعرفًا، فإنْ كانوا يظلموننا في أخذِ شيءٍ منَ القليلِ، فنحنُ لا نأخُذ منهم. ألا ترى أنهم لو كانوا يأخذوَن جميع الأموال من التَّجارِ لا نأخذُ منهم مِثلَ ذلك؛ لأن ذلك يرجعُ إلى غَدْرِ الأمانِ، كذا في "المَبْسُوط" (٦). يقولُ: عييتُ بأمري إذا لم يهدي لوجهه، وأعياني هو، كذا في الصِّحَاح (٧)، ومنه «فإنْ أعياكم، فالْعُشْرِ» (٨)، أيْ: جهلُكم، وذُكَرِ في "الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة " مأخوذٌ من العِيِّ، وهو: الجهلُ (٩) قالَ ﵊ «وإنما شِفاءُ الِعيِّ السؤالُ» (١٠)؛ لأنه غَدْرٌ (١١)، والغدرُ حَرامٌ، قال ﵊: «وفاءٌ لا غدر» (١٢).

стр. 1103

ثُمَّ اعلم بأنّ هذا على قولِ] بعض (١) المشايخ، وقال بعضُهم: يؤُخذ جميعُ ما في يده ِإِلاَّ قدر ما يُبَلِغُهُ إلى مَأْمنه؛ لأنَّا مأمورونَ بتبليغهِ إلى مَأْمنه، فلو أخذناه كلَّهُ يلزمنا أن ندفع إليه نفقةَ الطريقِ حتى يبلغَ، فلا فائدةَ في أخذِ الكُلِّ ثُمَّ الإعطاءُ، وقال بعضُهم: يُؤخذُ الكُلِّ؛ لأن ما يؤُخَذُ منهم بطريقِ المجازاةِ، فيجازيهم بمثل صنيعهم حتى ينزجروا (٢)، كذا في مبسوط شَيْخُ الإسْلَامِ (٣) (٤)، فحصلَ مِن هذا كلِّه أنَّ أحوالَ الأخذِ منهم لا يخلوا من الأوجهِ الأربعة، وهي القِسمةُ العقليةُ، وذلك إمّا أنْ نَعلَمَ ما يأخذونَ منَّا أو لا نَعْلَمَ، فإنْ عَلِمْنا فلا يخلو مِنْ وجوهٍ ثلاثة: إما أنْ يأخذوا الكُلَّ، أو لا يأخذوا أصلًا، أو يأخذوا البعضَ أو لا نعلمَ أصلًا، وهو الوجهُ الرابعُ، وكلُّ ذلك مذكورٌ في الكتابِ (٥). [كم مرة يعشر الحربي في العام ؟] (وإنَ مرَّ الحربي على عَاشِرِِ فَعَشَّرهُ، ثُمَّ مَرّ مَرةٌ أخُرى لم يُعشِّرْهُ حتى يَحولَ الحولُ) (٦)، وإنْ مرِّ بعد الحولِ عَشّرَةُ ثانيًا، وأصلُ ذلك أنّ الْعُشْرِ إنما يتكررُ فيما يمرَّ به بكمالِ الحولِ أو بتجديدِ العهد، وِتجديدُ العهد إنما يكونُ بالرجوعِ إلى دارِ الحربِ، ثُمَّ بالمرور على عاشرٍ يَأخُذُ ثانيًا، وإنْ كان في يومهِ ذلك، وهو المسألةُ الثانيةُ بقوله، وإنْ عَشّرهُ فرجع إلى دارِ الحرب، وأمّا إذا لم يُؤخذ منهما شيء لم يُعَشّرْهُ ثانيًا لماِ رُويَ: "أنّ نصرانيًّا مرّ بفِرَسَ لهُ على عاشر عُمر ﵁ فَعَشَرَهُ، ثُمَّ مرّ به ثانيًا، فَهَمَّ أنْ يعشرَهُ، فقالَ النصراني: كلما مررْتُ بِكَ عشَّرتني إذاً يذهبُ فرسي كلُّه، فأنزل الفرسَ عندهُ، وذهبَ إلى عمرَ ﵁ فلما دخلَ المدينَة أتى المسجدَ، فوضعَ يديه على عتبتي الباب، فقال: يا أميرَ المؤمنينَ أنا الشيخُ النصراني، فقال أميرُ المؤمنينَ: أنا الشيخُ الحنيفي، فقصَّ النصراني القصةَ، فقالَ عُمر ﵁: أتاكَ الغوثُ، ثُمَّ نَكّسَ رأسَهُ، ورجعَ إلى ما كانَ فيه، فظنَّ النصراني أنه اسْتَخَفَ بظلامتهِ فرجعَ كالخائبِ، فلما انتهى إلى فرسهِ وجَد كتابَ عُمر ﵁ قد سَبقهُ: أنَّكَ إنْ أخذتَ الْعُشْرِ مرةً، فلا تأخْذ مرةً أخرى، فقال النصراني: إنَّ دِينًا يكونُ العدلُ بهذه الصفة لحقيقٌ أنْ يكونَ حقًّا فَأسْلَمَ، ثُمَّ قالَ: حتى يحولَ الحولُ" (٧).

стр. 1104

ولا يمُكَّنُ] لحربي (١) من المُقامِ في دارنا حولًا، ولكنْ مُراده من هذا إذا لم يَعْلمِ الإمامُ بحالِه حتى حالَ الحولُ، فحينئذٍ إذا مرَّ عليه يأخذُ منه ثانيًا؛ لأنُه يأَخذُه من المسلمين، وأهلُ الذمةِ باعتبار تجددِ الحولِ، فكذلك يأخذُ منهم (٢)، كذا ذكره فَخْرُ الْإِسْلَام (٣)، والإمامُ المحبوبي. وإنْ عَشّرهُ فرجعَ إلى دارِ الحرب، ثُمَّ خرجَ في يومهِ ذلك عَشّرهُ أيضًا؛ لأنّ العِصَّمةَ قد انقطعتْ بالرجوعِ إلى دارِ الحرب، وبالعودِ إلينا تثبت عصْمِةٌ جديدةٌ، فصارَ كالمالِ المتجددِ، فيأخذُ منه ثانيًا، ولا يُأخذُ من المسلم ثانيًا في قولِ واحدٍ، وإن كَثُرَ المرورُ؛ لأنَّ المأخوذَ منه زكاة، وأنها لا تتكرر في الحولِ، وكذلك الذِّمي؛ لأن المأخوذ، وإنْ لم يكن زكاةً، ولكنْ يأخذه على الوجه الذي يأخذه منِ المسلم، وأمّا إذا عادَ الحربي إلى دارِ الحربِ، ولم يعلمْ به العاشُر، ثُمَّ خرجَ ثانيًا لم يأخذْه لما مضى؛ لأنّ ما مضَى سقطً لانقطاع الوِلاية عنه، فأمّا المسلمُ والذِّمِّي إذا مرّا على العاشرِ فلمْ يعلمُ بهما، ثُمَّ عَلِم في الحولِ الثاني أخذَ منهما؛ لأنّ الوجوبَ قد ثَبُتَ، والمسقط لم يُؤخْذ، كذا في "الإيضاح" (٤). قولُه: لأنه لا يُمَكَّنُ من المقام إِلاَّ حولًا، أيْ: إِلاَّ قريبًا منِ الحولِ؛ لأنه لا يُمَكَّنُ من الإقامة حولًا تامًّا. [هل يُعَشّر الخمر والخنزير ؟] (وإن مرَّ ذمي بخمرٍ أو خنزيرٍ) (٥)، أي: مرّ بهما بنية التجارةِ، وهما يساويان مائتي درهم، فأقوال العلماء على أربعة أوجه كما هو المذكور في الكتاب (٦)؛ (عُشر/ الخمرِ) (٧)، (أيْ: مِن قيمتها) (٨)، وإنما فُسِّرَ بهذا احترازًا نحو قولُ مسروقٍ (٩) ﵀، فإنُه يقولُ: يأخذ منِ عينَ الخمر، كذا في "المَبْسُوط" (١٠)، ولِأَنَّ ظاهَر قوله: عُشر الخمرِ يَفهم السامعُ أنهُ يُعَشّرُ عينَ الخمر، والمسلم منهي عن الاقترابِ، فلاُبَّد من التأويلِ، ثُمَّ الشَّافِعِي ﵀ (١١) مرَّ على أصله بأنُه لا ماليةَ، ولا قيمةَ لواحدٍ منهما حتى إذا أتلف المسلمُ خمَر الذِّمِّي أو خِنْزِيَرهُ لا يُضمنُ عنده، وقال زُفَرُ ﵀: يعشّرِهما لاستوائِهما في الماليةِ، فإنَّ المسلمَ إذا أتلفَ خِنزيَر الذِّمِّي ضَمِنَهُ كما إذا أتلف خمره، فإذا عشر أحدهما عشر الآخر أيضًا كأنه جعل الخنزيرَ تِبعًا للخمرِ في المالية لمِاَ أنَّ الخمرَ أقربُ إلى الماليةِ من الخنزيرِ بواسطة التخليل (١٢).

стр. 1105

ولهذا قلنا: إنَّ المسلمَ إذا مَلَكَ الخمرَ والخنزيرَ، خَلَّلَ الخمر، وسَيّبَ الخنزيرَ، وقد يثبتُ الحُكْمُ تِبعًا، وإنْ كان لا يثبتُ مقصودًا، فإنَّ بيعَ النَّحلِ العسّالة (١) لا يجوزُ مقصودًا، ويجوزُ تبعًا للعسل، وهو نظيرُ ما قاله أبوُ يُوسُف في وقفِ (٢) المنقول: إنه لا يجوزُ إِلاَّ أنْ يكونَ تِبعًا للعقارِ (٣) بأنْ يقفَ القريةَ بما فيها مِن آلاتِ الزراعةِ، فإنّ مرّ بكُلِّ واحدٍ على الانفراد عَشّرَ الخمَر دون الخنزيرِ، أي: عند أبي يُوسُف، وأما عنَّدَهما (٤)، فالحُكْمُ كذلك سواءً مرّ بهما أو على الانفراد، ووجهُ الفرقِ لعلمائنا أنَّ الذي يأخذهُ الإمام إنما يأخذُه بسببِ الحمايةِ، والحمايةُ: إنما تكونُ بالولاية، وليس على مسلمِ ولاية حمايةِ الخنزيرِ فهي على أهلِ الذمةِ بخلاف الخمر لمِا عُرِف أنّ الأصلَ في الولايات ولايةُ المرءِ على نفسِهِ، ثُمَّ يتعدَّى إلى غيرهٍ عند وجود شِرط الِتعدي، والمسلمُ يملك حمِاية] الخمر (٥) على نفسه لتخللها أو تتخللٌ بنفسها، فيملك ذلك على غيره إلى آخره (٦) كما هو المذكور في الكتاب (٧). وهذا الحُكْمُ مرويٌّ عن عُمر ﵁ أنُه كتبَ إلى عُمَّاله «أنْ ولُّوهم بيعها، وخذوا نصفَ الْعُشْرِ من أثمانها» (٨).

стр. 1106

ثُمَّ إنما لا يؤُخذ مِن الخنزير؛ لأنه لو أخذَ لا يخلو إمّا أنْ يأخذَ من عينه أو في قيمتهِ ولا يجوز أن يؤُخذُ مِن عينه؛ لأن المسلم ممنوع من تمليكه بملكه، ولا يجوزُ أن يؤُخذَ من قيمتهِ؛ لأنّ قِيمَ ذواتِ القِيم لهِا حُكْمُ الأعيان حتى أنّ الذِّمِّي لو تزوجَ ذِميةً على خنزيرٍ بغير عينه، فأتاها بالقيمةِ أَجُبرتْ على القبول كما لو أتاها بالعينِ بخلاف قيمةِ الخمر، فإنَّ قِيم ذواتِ الأمثالِ ليس لها حُكْمُ الأعيانِ حتى لو تزوجها بخمرٍ في ذمته، فأتاها بالقيمِة لا يُجُبر على القَبولِ كذا في "الجامع الصغير" لفَخْرِ الْإِسْلَام الْمَحْبُوبِيّ، و"الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة ": (١) (أنّ القيمةَ في ذواتِ القيِم لها حُكم العين كما ذكرنا، والخنزيرُ منها) (٢)، أي: من ذواتِ] القيِم (٣)، فإنْ قلت: هذا الذي ذكره هنا، وهو أنّ القيمَة في ذواتِ القيِم لها حُكْمُ العينِ منقوض بما ذُكِرَ في الشّفعةِ (٤) من هذا الْكِتَاب، فقال: وإذ اشترى ذميٌّ بخمرٍ أو خنزيرِ، وشفيعُها ذمي إلى أنْ قال: وإنْ كانَ شفيعُها مسلمًا أخذها بقيمةِ الخمر، والخنزيرِ، فلو كان لقيمةِ الخنزيرِ حُكْمُ الخنزير لما أخذنا بقيمةِ الخنزير كما لا يأخذها بعينِ الخنزيرِ، وذلك منقوضٌ أيضًا بمسألة الغصبِ، والإتلافِ، فإنّ المسلمَ إذا أتلفَ خنزيرَ الذِّمِّي يَضمنُ قيمتَه، فلو كانَ لها حُكم العينِ لما ضَمِنَها كما] لا يضمن (٥)، عين الخنزير (٦). قلت: القِيمة في حقِّ ذواتِ القيِم بمنزلة عينها من وجهِ دُونَ وجهٍ أمّا إنها ليستْ بعينها فظاهر؛ لأنهما] يتغايران (٧) حقيقةً، وأمّا إنها بمنزلة عينه، فإنه لا يمكن أداؤهُ إِلاَّ بتعيينهِ، ولا تعيينَ إِلاَّ بالتقويم، فأخذتْ القيمةُ حُكمَ العينِ، مِن هذا الوجهِ فلذلك أجُبرتْ المرأةُ على القَبولِ إذا أتاها بالقيمةِ، فلما دارت القِيمةُ بين أنَ يكونْ بمنزلةِ العين، وبين أنْ لا يكونَ أعطى لها حُكمَ العينِ في حقِّ الأخذ والحيازة، وهو في بابِ الزِكاة، ولم يُعطِ لها حُكْمَ العينِ في حقِّ الإعطاءِ؛ لأنُه مَوْضِعُ إزالةٍ وتبعيد، وهو في باب الشَّفْعةِ والإتلافِ، فكان هذا نظيرُ ما ذكرنا في مسألة السرقين (٨) بالانتفاع بالاستهلاك في قوله «وكلَّ إهابِ دُبِغَ فقد طَهُر (٩)».

стр. 1107

وذكر في "الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة " (١) بعد قوله: وأخذُ القِيمة فيما لا يكون من ذواتِ الأمثال ينزُل منزلة أحدِ العين، فإن قِيل: ما ذكرتم يَشْكُلُ بِذميِّ استهلك عليه ذِميٌ خنزيرهَ حتى ضَمِنَ قيمتهَ فأخذَ القيمةَ، وقضى بها دَيْنًا عليه لمسلمٍ جاز، ولو كان أخذُ القيمةِ كأخذِ العين لمِا جازَ القضاءُ قِيل له: لما قضى بها دَيْنًا عليه وقعتْ المعاوضةُ بينه وبينَ صاحبِ الدَّيْنِ، وعند ذلك يختلفُ السبب، واختلافُ الأسبابِ يُنزَّلُ/ مَنزلةَ اختلافِ الأعيانِ على ما عُرِف، وكذلك ذكر سؤالًا في النكتة الثانية على قوله: فكذا لا يحميها لغيرِه، فقال: فإنْ قِيل: المسلمُ أو الذِّمِّي إذا غصبَ خِنزيَر ذِميِّ، وتحاكما إلى القاضي، فالقاضي يأمرُه بالردِّ والتسليم، والأمرُ بالردِّ، والتسليمِ حمايةٌ له قِيل له: نحن ندَّعِي إذا لم يكنْ له وِلاية حماية خنزير نفسهَ لا يكونُ له ولاية حماية خنزير غيرِه لغرض يستوفيه، وهاهنا لو حماهُ حماه لِغرضً يستوفيه، ولا كذلك القاضي فافترقا (٢). وذكر الإمام الْمَحْبُوبِيّ ﵀ (٣): وإذاً مرّ الذِّمِّي عليه بجلد الميتة، بل يأخذُ منه شيئًا، وذكر الفقيه أبو الليث ﵀ (٤) رواية عن الكرخي ﵀ (٥)؛ أنه يأخذ منه] شيئًا (٦)، فإنه كانَ مالًا في الابتداءِ أو يصيرُ مالًا في الانتهاءِ بالدَّفْعِ، فكانَ كالخمرِ لمِا ذكرنا في السَّوَائِم؛ لأنّ مالَ التاجرِ إذا مَرَّ به على العاشِر بمنزلة السَّوَائِم لحاجته إلى الحماية، وقد بينّا أنه لا يؤخذ من سوائم صبيانهم، ويُؤخذُ مِن سوائِم نِسائهم، فكذلك حُكْمُ التاجِر منهم إذا مرَّ على العاشر؛ لأن العاشِر لا يأخُذ مِن مالِ صبيانِ المسلمين، وإنْ مرَّ به عليه، ويأخذُ من مالِ نسائهم فكذلك يعامل مع بني تغلب؛ لأن الصلحَ جَدِّيٌ بيننا وبينهم على أن يٌضَعَّفَ عليهم ما يؤُخذ مِنَ المسلمين، وأمّا الْعُشْرِ، والخراجُ فيؤخذان منهما جميعًا على ما يجيء.

стр. 1108

[المال الذي يأخذه العاشر] (ومَنْ مرَّ على العاشِر بمائة درِهم) (١) سواءً كان ذلك المارُ مسلمًا أو ذميًّا؛ لأنهُ غيرُ مأذونًا بأداء زكاته، بل هو مأذونٌ بالتجارة، فلو أخذَ كان المأخوذُ غيرَ الزَّكَاةِ، وليس للعاشرِ ولايةِ أخذِ شيء آخرَ سوى الزَّكَاةِ، ولِأَنَّ الملكَ والمالكَ مُعتبًر في الزَّكَاةَ، ولو مرَّ المالكُ عليه ولا مالَ له، أو كانَ معه دونَ مائتي درهم، (وأخبره أنّ له في بيتهِ مائة أخرى) (٢) لم يأخذْ منه، فكذلك إذا كانَ عنده الملك دونَ المالكِ] أولًا (٣) يُعشّرُها لقوةِ حقِّ المضارب؛ لأنّهُ بمنزلةِ المالك حتى جازَ بيعه مِن ربِّ المالِ، ثُمَّ رجعَ إلى ما ذَكر في الكتابِ (٤)، وهو قوله: لم يُعشّرْ، ولا نائباً عنه في أداءِ الزكاة، أي: المضاربُ ليس بنائبٍ عن المالكِ في أداءِ الزكاة إنما هو نائبٌ عن المالكِ في التجارةِ لا غير، والنائبُ تقتصرُ ولايتهُ على ما فُوَّضَ إليه، فكان هو في ذلك بمنزلةِ المستبْضِعِ (٥)، كذا ذكره الإمام الْمَحْبُوبِيّ ﵀ (٦). قال أبو يُوسُف ﵀: لا أدري أنّ أبا حنَيفة ﵀ رجَع عن هذا أم لا (٧)، وقال في "الإيضاح" (٨): والصحيح: أنّ رَجوعَهُ في المضاربِ رجوعٌ في العبدِ المأذونِ أنّ العبدَ يتصرفُ لنفسهِ حتى لا يرجعَ على المولى بالعهدة، بل يباع فهو فيها، وما زاد فيطالبُ به بعد العتقِ؛ وذلك لأنَ الإذنَ إطلاقٌ وفكّ الحَجْرِ، فيكون متصرفًا لنفسه. وذكر الإمام التُّمُرْتَاشِي ﵀: لا مشابهةَ بينَ المضاربِ، والعبدِ المأذون؛ لأنَ ولايةَ المأذون أعمُّ، فإنَّ الإذنِ في نوعِ يكونُ إذنًا في الأنواعِ، ولا كذلك المضاربِ، فلا يكونُ الرجوعُ في المضاربِ رُجوعًا في العبدِ، أي: فلا يكونُ رُجُوعُ أبي حَنِيفَةَ ﵀ في المضارب رُجوعًا منهُ في العبدِ لوجودِ الفرقِ بينهما (٩)، وذَكَر فَخْرُ الْإِسْلَام ﵀ في "الجامع الصغير": وقد ذكر في كتابِ الزَّكَاةِ أنّهُ لا يُؤخذُ مِن هؤلاءِ جميعًا بعدَ ذِكُرِ المضارب، والمسُتْبَضِعِ، والعبدِ المأذونِ، وهو الصحيحُ في المأذونِ أيضًا إِلاَّ إذا كان على العبد دَيْنً يحَيط بمالٍ، أي: حينئذٍ لا يُؤخذ منه سواءً كان مَنَعهُ مولاه أو لمْ يكنْ (١٠).

стр. 1109

قوله ﵀: لانعدامِ المُلكِ عنده، أي: عَند أبي حَنِيفَةَ ﵀، وقالَ: أو للشُّغلِ، أي: عندهما (١). [مال العبد المملوك] وذكر الإمامُ المحبوبي: أمّا إذا كانَ على العبدِ دَيْنٌ محُيطٌ بكسبهِ، فلا إشكالَ أنه لا يأخذُ سواءً كانَ معه مولاه أو لمْ يكنْ عند أبي حنيفة (٢)؛ لأنه لا مالكَ لهذا المالِ وعندهما؛] لأنه مال (٣) مشغول بالدَّيْنِ، وذلك مانِعٌ مِن وجوبِ الزَّكَاةِ، وإنْ لم يكنْ عليه دَيْنٌ فإن كانَ معه مولاه أخذَ الزَّكَاةَ إذا استجمعَ شرائطها، وإنْ لم يكنْ معه مولاه فعلى قول أبي يُوسُف، ومُحَمَّد لا يأخذُ منه شيئًا (٤)؛ لأنَّ المالَ مُلَكُ المولى، ولعبدِ فيه تاجرٌ كالمضُاربِ، وقد بيّنا في المضُاربِ قولين لأبي حَنِيفَةَ، فمِن أصحابنا مَنْ قال كذلك له قولان في كسبِ العبدِ المأذون، وقد بيّنا وجهَ القولين، ووجهَ الفرقِ، والقول الصحيح فيه؛ لأنّ التقصيرَ مِن قبله، أي: مِن قبل المِارِ حيث مرَّ على عاشرِ الخوارجِ (٥) مع علمه أنّ عاشرَ الخوارج يأخذٌ الْعُشْرِ مما في يديه من المالِ،/ ولا كذلك إذا غلبَ الخوارج على بلدِة فأخذوا عُشورًا مثلها حيث لا شيءَ عليهم؛ لأنّ التقصيرَ ثمةَ جاء منِ قَبلِ الإمامِ (٦)،] والله أعلم بالصواب (٧). بَابٌ في الْمَعَادِنِ والركاز أخّرَ بابَ الْمَعَادِنِ عن بابِ العاشرِ لمعنيين: أحدهما: … أنَّ أخَذَ العَاشرِ الْعُشْرِ أكثر وجوبًا من الْمَعَادِنِ التي تُوجد، فيؤخُذ منها الخُمس، والشيءُ الذي هو كثيرُ الوجودِ وُقوعًا كانَ أحوجَ إلى البيان. والثاني: … أنَّ الْعُشْرِ أقلُ ذاتًا، والخمسُ أكثر، فكان فيه انتقالٌ من ذِكرِ القليل إلى ذِكر الكثيرِ والقليلِ، فَقُدّم على الكثيرِ وجوها فكذا بيانًا، ثُمَّ المالُ المستخرجُ مِنَ الأرضِ له أسامٍ ثلاثة: الكَنزُ، والمعْدِنُ، والرِّكَازُ، ثُمَّ الكنزُ: اسمٌ لمالٍ دَفَنهُ بنو آدمَ.

стр. 1110

[تعريف المعدن والركاز] والمعَدَنُ: اسمٌ لمالٍ خَلَقهُ اللهُ تعالى في الأَرضِ يوم خُلِقَتْ الأرضُ، والرِكازُ: اسمٌ لهما جميعًا يُذكرُ ويُراد به المعدن، وُيذكر وُيرادُ به الكنزُ، كذا في شروح الطحاوي (١)، فكان هذا كالخلق، والكسْبِ، والفعلِ لما عُرِفَ، واشتقاقهُا بما أُطلق عليها، فإنُه ذُكِرَ في "المُغْرِب" (٢) عَدَنَ بالمكان: أقام به، ومنه المَعْدِنُ لما خَلقهُ الله تعالى في الأرضِ مِنَ الذَّهَبِ والفضةِ. وفي "الصِّحَاح" (٣): عَدَنتِ الإبل بمكان كذا، أي: لَزِمْتهُ فلمْ تبرح، ومِنه جّناتِ عَدْنٍ، ومَركزُ كلِّ شيء معدِنُه، ولزومُ الإقامةِ إنما يكونُ في المخلوقِ فيها، كَنَزَ المالَ كنزًا جَمَعَهُ من باب ضَرَبَ، والكنز واحدُ الكنوزِ، وهو: المالُ المدفونِ، قسمته بالمصدر، ودِلالَةُ الجمعِ غلبتْ على فعلِ حادثٍ من العبدِ، رَكَزَ الرُمَحَ غَرَزهُ رَكْزًا من باب نَصَرَ، ومنه الرِّكَاز المعدن أو الكنز؛ لأَن كلًا منهما مركوزٌ في الأرض، أي: مُثبت، وإن اختلفَ الراكز، ثُمَّ المرادُ من الرِّكَازِ المذكورِ في لقبِ الباب الكنزُ لمعنيين: أحدهما: أنّ هذا البابَ يشتمل على بيانِ الْمَعَادِنِ، والكنوزِ على ما يجيء. والثاني: أنه لو أُريدَ بهِ الْمَعَادِنَ يلزمُ محضً تكرارٍ لا فائدةَ فيه؛] لأنهُ حينئذٍ يكونُ تقديرهُ بابٌ في المعادنِ (٤)، ولهذا لَقّبَ الإمامُ التُّمُرْتَاشِي ﵀ هذا الباب ببابٍ في المعدن والكنز (٥). [أنواع الْمَعَادِنِ ومقدار زكاتها] قوله ﵀ (٦): (معدنُ ذهبٍ، أو فضةٍ، أو رصاص، أو حديد، أو صُفْر وُجِدَ في أرضِ خراجٍ أو عُشر، ففيه الخُمس) (٧)، إنما قُيِّدَ بأرض خراج أو عُشر احترازًا عمَّا يوُجدُ من المعدنِ في الدارِ، فإنه لا خمُسَ فيه عندَ أبي حَنِيفَةَ ﵀ (٨)، وأما إذا وُجِد المعدنُ في المفازةِ (٩) التي لا مَالِكَ لها ففيه الخِمُسُ عندنا، أيضًا كما إذا وجده في أرضِ الْعُشْرِ أو الخراج (١٠). كذا في شَرْح الطَّحَاوِيِّ ﵀ (١١) (١٢).

стр. 1111

وحاصِلُ وجوهِ هذهِ المسألة: خمسةَ عشَر وجهًا؛ وذلك لأنّ الذَّهَبَ أو الْفِضَّة الذي يُوجدُ في الأرضِ لا يخلو إنْ كان معدِنًا أو كنزًا، وكلُّ ذلك لا يخلو إما أنْ يوجدَ في حيّزِ دارِ الإسلامِ، أو حيّزِ دارِ الحرب، وكلُّ ذلك لا يخلو عن ثلاثةِ أوجه: إما أن يُوجدَ في مفازةٍ لا مالكَ لها، أو في أرضٍ مملوكة، أو دارِ، والموجودُ كنزًا لا يخلو عن ثلاثة أوجه أيضًا إما أن تكونَ على (ضربِ أهلِ الإسلامِ) (١)، أو على (ضربِ أهلِ الجاهليةِ أو اشتبه الضربُ) (٢)، وكلُّ ذلك مذكورٌ في الكتابِ، ثُمَّ المرادُ مِنَ المعدنِ المذكورِ في قوله: معدِنُ ذهبٍ، أو فضةٍ، أو رَصاصٍ مكان هذه الأشياء المذكورةِ، لا أن يكونَ مخصوصًا بالذَّهَبِ والْفِضَّة لما أنّ المعدنَ يُطلق على مكانِ كُلِّ شيءٍ (٣)، على ما ذكرنا من "الصِّحَاح" (٤). ويدلُ أيضًا على أنَّ المعدِنَ غيرُ مخصوصٍ بالذَّهَبِ والْفِضَّة، ما ذكر في "المَبْسُوط" حيث قال: اعَلمْ أنَّ المسُتخرجَ مِن الْمَعَادِنِ أنواعٌ ثلاثة: منها: جامدٌ يذوبُ وينطبعُ؛ كالذهبِ، والفضةِ، والحديدِ، والرصاصِ، والنحاسِ، ومنها: جامدً لا يذوبُ بالذوبِ كالجصِّ (٥)، والنُّورَةُ (٦)، والكحلِ، والزرنيخِ (٧)، ومنها: مائعٌ لا يتجمدُ كالماءِ، والقيرِ (٨)، والنِفط (٩)، وأمّا الجامدُ الذي يذوبُ بالذوبِ: ففيه الخمسُ عِنْدَنَا، وقال الشَّافِعِي ﵀: فيما سوِى الذهبِ، والْفِضَّة لا يجبُ شيءٌ، وفي الذَّهَبِ والْفِضَّة يجبُ ربعُ الْعُشْرِ، والنِصابُ عندَه مُعتبرٌ حتى إذا كانَ دونَ المائتين من الْفِضَّة لا يجبُ شيء (١٠)، وفي اعتبارِ الحولِ له وجهان (١١) (١٢).

стр. 1112

وذّكَر في الخُلَاصَة الغزاليَّة (١): فلا زكاةَ فيِما اسُتخرِج من الْمَعَادِنِ سوى الذهبِ والفضةِ (٢)، ففيهما بعد التحصيلِ رُبع الْعُشْرِ على أحدَ القولين (٣)، وعلى هذا يُعتبر النصابُ، وفي الحولِ قولان (٤)، والثاني الواجبُ الخمس فعلى هذا لا يعتبرُ الحولُ، وفي النصابِ قولان، وأمّا في الكنز فقوله مثلُ قولنِا في أنُه يجبُ الخمُس فيه على ما يجيء، وفي الْأَسْرَارِ (٥). وقال الشَّافِعِي:/ إنْ أصابَ الْفِضَّة كتلة] أي: قطعة (٦) صافيةً فيجب فيها الخمُس، وإِلاَّ فيجبُ فيها الْعُشْرِ، (٧) وقال في قولِ: يجبُ ربعُ الْعُشْرِ، وُيعتبرُ الحول، والنِصابُ، وفي قولٍ أوجبَ الْعُشْرِ كما في الحبوبِ في المعشورةِ؛ لأنّ المَعْدِنَ في الأصلِ مِن إنزالِ الأرضِ، وفي قولٍ جعله مالًا مباحًا يُمْلَكُ بالإصابةِ في دارِ الإسلامِ، فلا يجبُ فيهِ شيءٌ كالصيدِ، وإنما تجبُ الزَّكَاةُ بعد ذلك بحولٍ ونصابٍ، وأَحَتجَّ لربعِ الْعُشْرِ بما رُوي «أنّ النبيَ ﵊ أقطعَ بلالَ بنَ حارثٍ (٨) معادِنَ بالقبليةِ» (٩) (١٠)، فهي يُؤخذُ فيها ربعُ الْعُشْرِ إلى يومِ القيامةِ، وبقوله ﵊ «وفي الرِقَّة رُبْعُ الْعُشْرِ» (١١)، ولعلمائنا قولُ الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١٢)، وإليه أشارَ مُحَمَّد بُن الحسنِ ﵀ حيثُ عللَ بأنه ثُلثهُ مما أوجَفَ المسلمون عليه، وعلّل للسقوطِ بأنه مما لم يُوجفْ عليه المسلمون.

стр. 1113

[حكم المعدن في أرض الكفار] وتفسيرهُ: أنَّ هذهِ الأراضي (كانتْ في أيدي الكفرةِ) (١)، فصارتْ في أيدينا بالقهر، والغلبةِ، إِلاَّ أنّ الأراضي المواتَ، والتي لم تُقسَّم بقيتْ على حُكْم الإباحةِ لغيبةِ المسلمين عنها، ولذلك تمُلَكُ بالإصابةِ كالصيدِ، فلما كانتْ الإباحةُ بناءً على الاستغناِء لم يسقطْ عنها حقُّ الله تعالى في الخُمس بتركنا إياها ِبحُكْم الاستغناءِ، ولا خلافَ في الكنزِ الجاهلي يصيُبهُ المسلمُ في أرضٍ فلاتٍ أنّ فيه الخمسَ لهذا المعَنى، فإنْ قيِل: إنّ الكنزَ يجبُ فيه الخمسُ ينصُ فيه لا بهذهِ العلةِ، قلنا: إنّ النَّص يعللِ ما أمكن، ولما أمكنَ بصفةِ الاستغناءِ فإنها صفةٌ موجبْةُ للخْمس لم يكنْ للخصمِ أنْ يمنعنا، وأمّا الجوابُ عن احتجاجهم بقولهِ ﵊ «في الرِقَّةِ رُبعُ الْعُشْرِ» (٢) أنه بيانٌ لما يَجبُ بسبب الرِقَّةِ نفسها، وهذا يَجبُ بسبب الاستغنام] لما (٣) مرَّ، وعن الإِقطاعِ (٤) أنّ الخلافَ فيما يجبُ بنفسِ الإصابةِ لا بما أقطعَ الإمامُ، فللإمامِ أنْ يُقطعَ ما استصوبَ (٥). [الخلاف في اشتراط الحول] قوله ﵀ (٦): (ولا يُشترطُ الحول) (٧)، أي: على مذهبهِ، وإنما ذَكَرَ هذا لِدفعِ شُبهةٍ تَردُ على قوله؛ لأنُه لما وجبتْ الزَّكَاةُ على قوله: ينبغي أنْ يجبَ على شرائطِ الزَّكَاةِ مِن أشراطِ الحولِ وغيرِه، وأمّا على مذهبنا فلا يُشترطُ الحولُ أيضًا لما أنّ إيجابِ الخُمس باعتبارِ ذاتهِ خُمسُ الغنائم، فلا يشُترطُ في خمُسِ الغنائمِ الحولُ، فلمّا لم تردْ الشُبهةُ على قولنا لم يذكرْ عدَم اشتراطِ الحولِ في قولنِا، وكذا قولُه: «وفي الرِّكَازِ الخمُسُ» (٨) فإنه لما سُئِل النبيُّ ﵊ عّما يُوجد في الحربِ العادي؟ قال فيه: «وفي الرِّكَازِ الخمُس» (٩) فعطفَ الرِّكَازَ على المدفونِ، نعلم أنّ المرُادَ بالرِّكَازِ المعَدِنَ، ولأنُه عبارةٌ عن الإثباتِ (١٠) يُقالِ: رَكِزَ رُمحه في الأرضِ إذا أثبتهُ، والمالُ في المعَدِن يثبتُ، فيصحُ إطلاقهُ على المعدنِ، ولِأَنَّ المعنى الذي وَجَبَ الخَُمسُ لأجلهِ في الكنزِ موجودٌ في المعدنِ لما أنَّ هذهِ الأرضَ كانتْ في يدِ أهلِ الحربِ وقعتْ في يدِ المسلمين بإيجاف الخيلِ، فكان هذا والكنزُ سواء، كذا في "المَبْسُوط" (١١)، إِلاَّ أنَّ للغانمين يدًا حكميةً لثبوتها على الظاهرِ إلى آخره، هذا جوابُ إشكالٍ يَرِدُ على قوله: فكانتْ غنيمةً، والحُكْمُ في الغنائمِ الخُمسُ للفقراءِ، وأربعةُ الأخماسِ للغانمينَ ذَكَرَ ذلك الإشكالَ الإمامُ الكشَّاني ﵀ (١٢) في "الجامعِ الصغيرِ" فقالَ: فإنْ قِيلَ: أليسَ أنَّ الأربعةَ الأخماسِ تكونُ للواجدِ إذا وَجَدُه في أرضٍ غيرِ مملوكةٍ لأحدٍ، ولو كانَ هذا مغنومًا حتى يجبُ فيه الخمسُ لكانتْ الأربعةُ الأخماس للغانمين لا للواجد، قلنا: هذا المالُ مغنوم في حقِّ الخُمسِ دُونَ الأربعةِ الأخماس (١٣) كما في الكنزِ إذا وَجَدهُ في الصحراءِ، وهذا لأِنَّ المالَ كانَ مُباحًا قَبِلَ أَخْذِ الغانمين، والمالُ المُباحُ إنما يمُلكُ بإثباتِ اليدِ عليه كما في الصيدِ، ويدُ الغانمين ثابتةٌ على هذا المال حُكْماً حقيقةً؛ لأَنَّ إثباتَ اليد على الظاهرِ إثباتٌ على الباطنِ حُكماً، فاعتبارُ الحُكْمِ إنْ أوجبَ الملك للغانمين فاعتبار الحقيقة إنْ] لم يكن (١٤) عليه جانبُ الحقيقةِ في أربعةِ الأخماس؛ لأنُه هو المختصُ بتمامِ الاستيلاءِ (١٥).

стр. 1114

ويُرَجِحُ الحُكْمُ في حقَّ الخُمس احتياطًا كما في الكنز والحقيقةُ في حقِّ الأربعةِ الأخماسِ حتى كانتْ للواجدِ، أي: حتى كانت الأربعةُ الأخماس للواجدِ سواءً كان ذلك (١) الواجدُ حُرًّا، أو عبدًا مُسلمًا، أو كافرًا ذِميًّا، أو صبيًّا، أو بالغًا، أو رجلًا، أو امرأةً في أنه يُؤخذُ منه الخمسُ، والباقي للواجدِ؛ لأنّ استحقاقَ هذا المالِ كاستحقاقِ الغنيمةِ، ولجميعِ مَنْ سميّنا حقٌّ في الغنيمةِ إمّا سهمًا، أو رضخًا (٢)، فإنَّ الصبيَّ، والمرأةَ، والعبدَ، والذِميَّ. يرضخُ لهمْ إذا قاتلوا، ولا يبلغُ نصيَبهم السهمَ تحرزًا عن المساواةِ بينَ التابعِ والمتبوعِ، وهاهنا لا يُزاحمُ للواجد في الاستحقاق حتى يعتبرَ التفاضُلَ، فلهذا كانَ الباقي له، والذي رُوِيَ: أنَّ عبدًا وَجَدَ جَرّةً مِنْ ذَهَبٍ على عهدِ عُمَر ﵁ فأدَّى ثمَنهُ منهُ وأعتقَه (٣)، وجعلَ ما بقيَ لبيتِ المالِ (٤)، أنُه كانَ وجدَهُ في دارِ رجلٍ، فكانَ لِصاحِبِ الخِطَّةِ (٥)، فلم يبقَ أحدٌ مِن ورثته فلهذا ُصرِفَ إلى بيتِ المال، ورأى المصلحة في أن يُعطيَ ثمنه مِنْ بيتِ المالِ ليوصل إلى العتق، كذا في "المَبْسُوط" (٦). فإن قلتَ: لو كانَ الموجودُ من العددِ ما دوَنهُ مِنَ النصابِ، والواجُد فقُيرُ ينبغي أنْ لا يجبُ الخمسُ لما أنْ يصَرفَ الخُمسَ الفقيرُ، وهو فقُيرُ كما في اللُّقَطَةِ (٧)، وكذلك لو كانَ الموجودُ نصِابًا، والواجدُ مديون. قلتُ: الحديثُ عامٌ، وهو قولُه ﵊ «في الرِّكَازِ الخُمسُ» (٨)، وهو يتناولَ الفقيرَ والمديونَ، ولأنه ليسَ يجبُ على الواجدِ، ولكنَ الخمُس صار حقًّا لمصارفِ الخمُس حين وقع هذا في يدِ المسلمين من يدِ أهلِ الحربِ فلا يختلفُ باختلافِ مَنْ يُظهره، كذا في "المَبْسُوط" (٩).

стр. 1115

فإنْ قلتَ: لو كان الواجدُ ذمِيًّا ينبغي أنْ يؤخذَ منهُ الكُلّ كما لو كانَ حربيًّا؛ لأنهما في الكُفر سواءً، ولا استحقاقَ لهم في الغنيمةِ. قلتَ: لا بلَ للذمي حقٌ في الغنيمِة، فإنَّ أهلَ الذِّمةِ لو قاتلوا أهلَ الحربِ، فإنُه يوضعُ لهم من الغنيمةِ، فجازَ أنْ يكونَ لهم] حظً (١) فيما له حُكُمُ الغنيمةِ، وأمّا الحربيَّ فلا حظَ له فيها سواءً قاتل بإذنِ الإمامِ أو بغيرِ إذنهِ، فإنهٌ لا يُعطَى له مِن الغنيمةِ شيءٌ، وقد ثبت لهذا المالِ حُكْمُ الغنيمةِ، فلذلك يُؤخذُ مِنْ الكُلّ، كذا في مبسوط شيخِ الإسلامِ (٢) لإطلاق ما روينا، وهو قوله ﵊ «وفي الرِّكَازِ الخمُس» (٣)، ولم يُفَصّل بين الأرضِ والدار، ولِأَنَّ المعدِنَ بقي على ما كانَ قَبْلَ القِيمةِ فيما يُرجعُ إلى الخُمس؛ لأنها ليست من أجزاءِ الأرض حقيقةً فصارت كالمدفونِ، ولأبي حَنِيفَةَ ﵀ أنّ الإمامَ لما جعلها له فقدْ أصفاها له، وقَطَعْ حقَّ الباقينَ عنه فلا يجبُ الخُمس، وكذلك الجوابُ في المعدِن إذا وجدَهُ في أرضهِ في روِاية الزَّكَاةِ من الأصل (٤) لهذا الفقه الذي ذكرنا، وفرّقَ في "الجامع الصغير"، وفرقٌ مذكور في الكتاب (٥) ذكرهُ في "الإيضاح" (٦) (٧).

стр. 1116

وأمّا الجوابُ عن الحديثِ: فإنّ الإمامَ خصّه بهذهِ الدارِ فصاَر كأنَهُ نَقَلَ له هذه الدارَ، وللإمامِ هذه الولاية، ولهذا وَجَبَ الْعُشْرِ، والخراجَ في الأرضِ دونَ الدارِ، والدليلُ على الفرقِ أيضًا أنه لو كانتْ له نخلةٌ في دارِ تغل أكرارًا (١) من تمرٍ لا يجبُ فيها شيءٌ، ولو كانتْ] النخلةُ (٢) في أرضِ عُشّرِيه يجبُ الْعُشْرِ في الثمنِ، فكذلك في حُكْم المعدن، كذا ذكره الإمام الْمَحْبُوبِيّ (٣)،] وله أنّ مِن أجزاءِ الأرضِ قيِل فيه: نوعٌ نظر من حيثُ إنه يجوزُ التيمم بما كانَ مِن الأرضِ، ولا يجوزُ التيمم به إجماعًا، فكيف يكونُ هذا مِن أجزاءِ الأرضِ؟ قِيل له: إنَه أرادَ بقوله: إنهُ مِن أجزاءِ الأرضِ اتصالُه بها اتصالَ خلقهِ ألا ترى أنّ الْمَعَادِنَ تمُلَكُ بالشِّراءِ، كما كانَ يمَلكُ سائرَ أجزاءِ الأرضِ، وقد خلا سائر أجزاءِ الدارِ عن حقّ الله تعالى، فكذا الْمَعَادِنُ، وهذا بخلافِ الكنز؛ لأنّ الاتصالَ بينَ الكنزِ والدارِ، اتصالَ مجُاورةٍ لاتصالُ خِلْقه، ألا ترى أنه لاُ يملكُ بالشِّراء (٤)، كذا في "الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة " (٥) (٦) وإنْ وجَدَ ركازًا، أي: كنزًا إنما فَسّرهُ بهذا؛ لأِنَ الرِّكَازَ اسمٌ مشتركٌ يُطلق على المعدن وعلى الكنزِ، وأرُيِدَ به الكنزُ هنا؛ لأنُه ذَكَر وجوبَ الخُمس بالاتفاقِ إنما هو في الكنزِ لا في المعدِن، فإنّ وجُوبَ الخُمسِ في المعدنِ الموجودِ في الدارِ على قولهما (٧) لا على قول أبي حَنِيفَةَ ﵀ وجبَ الخُمس عندهم، أي: عِنْدَنَا، وعند الشَّافِعِي (٨) أيضًا لما روينا كانَ مِن حقِّهِ أن يقولَ لسياقِ ما روينا، وهو قولُه ﵊ فيه «وفي الرِّكَازِ الخمُس» (٩).

стр. 1117

والمرادُ منِ قوله: فيه أي: في الكنزِ على ما ذكرناه، فكانَ ذِكْرُ الكنزِ مقصودًا هناك، وكانَ التمسكُ به أولى كما تمسكَ به في "المَبْسُوط" (١)، أو دِلالةُ الرِّكَازِ على ما ادَّعاهُ المصنفُ مِنَ الكنزِ بسبب دلاِلةُ الرِّكَازِ على الإثبات لا غير، وهو اسمٌ مشتركٌ قد يَدلُ على الكنزِ، وقد يدلُ على المعدنَ، فكان محتملًا كالنصِّ. وأمّا إرادةُ الكنزِ بسياقِ الحديثِ، وهو فيما تمسكَ به في "المَبْسُوط"، فبدليلٍ غيرِ محتملِ فكان مفُسرًا، فالتمسكَ بالمفسر أولى من التمسك بالنصِّ فإن قلت: ففي ما تمسكَ به المصنفُ ﵀ في الْكِتَابِ شُبهْةً ظاهرة، وهي أنَه تمسك أولًا بهذا الحديثِ بلفظِ الرِّكَاز على/ وجوبُ الخمسِ في المعدنِ، واستدلَ هاهنا بهذا الحديثِ بلفظِ الرِّكَازِ أيضًا على وُجوبِ الخُمس في الكنزِ والرِّكَازُ اسمٌ مشتركٌ بينهما كما ذكرنا، فحينئذ يلزمُ فيما تمسكَ بهَ المصنفُ تعميمُ المشتركِ، والمشتركُ لا عُموَم له بالاتفاقِ خُصوصًا في مَوْضِعِ الإثباتِ (٢) فما وجهه (٣). قلت: هذا من قبيلِ تعميمِ المعنى الذي له دلاِلةٌ على هذا، ودلاِلة على مكان أن المدلولين حينئذٍ من أنواعِ العامِ لا منِ أنواعِ المشتركِ، فإنَّ الذَّكرَ يدل على الإثباتِ لغةً على ما ذكرنا من رَكَزَ الرُمح إذا أثبتهُ في الأرضِ، ثُمَّ ذلك النبتُ قد يكون مَعْدِنًا، وقد يكونُ كنزًا حتى لو ذَكرَ المنبتَ مكان الرِّكَاز كان ذلك عامًّا لا مشُتركًا، فكذا في لفظِ الرِّكَازِ لأنهُ عبارةُ عنهُ، ونظيرُ هذا قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٤) في نفسهِ مشترك بين دَفْعِ البيعِ مقابلة الثمنِ، وبين دَفعِ الثمن بمقابلةِ البيعِ، وهما جميعًا في الآية قراران باعتبارِ عموم المعنى الذي يُوجد في هذا وفي هذا، وهو أنَ البيعَ في أصلهِ عبارةٌ عن مُبادلِة المالِ بالمالِ، وهذا المعنى يجمعهما فكانا مرادين وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ (٥)، والنكاحُ: مشتركةً بين الوطئ والعَقْدِ، ولكنَّ النِكاحَ لغةً في أصلٍ يدلُ على الجمع، ومعنى الجمعُ يوُجدُ فيها أو يقول: لمَّا دَلّ هذا الحديثَ على واحدٍ منهما بعينهِ، ثبت الحُكَمُ في الآخر بطريقِ الدِلالَةِ لِوُجودِ المعنى الذيِ ورَد النصُّ فيه بعينهِ في الآخر، وهذا المعنى أيضًا مُتَحِدٌ في جميعِ ما ذكرنا فهو بمنزلة اللُّقطةِ (٦) على الواجد أنْ يُعَرّفَها لأنه عَلِمَ أنّ ذلك مِن وضع المسلمين، ولو وَجَدَ ذلك على وجه الأرض كان لُقطَةً فكذلك إذا وَجَدهُ تحت الأرض وفي اللُّقطةِ يُعرّفُها حيث وجد مَنْ يتوهم أنّ صاحبها يَطلبُها، وذلك يختلف بقلَةِ المالِ، وكثرتُهُ حتى قالوا: في عشرةِ دراهمَ فصاعدًا يُعَرفِها حولًا، وفيما دُونَ الْعُشْرِة إلى ثلاثِة أَشهُرٍ، وفيما دُونَ الثلاثةِ إلى الدرهمِ جمُعةً، وفيما دُونَ الدِّرهَمِ يومًا، وفي فِلْسٍ ونحوه يَنْظُرُ يمنةً، ويسرةً، ثُمَّ يضعه في كفِّ فقيرٍ (٧)، كذا ذكره الإمامُ المحبوبي، والتمرتاتشي رحمهما الله.

стр. 1118

[مقدار زكاته] قوله: ففيهِ الخُمسُ على كلِّ حال، يعني: سواءً كانَ الموجودُ ذَهبًا، أو فِضَةً، أو رصاصًا، أو غيرها، وسواءً كان الواجدُ صغيرًا، أو كبيرًا حُرًّا، أو عبدًا مسلمًا، أو ذميًّا يُرفع عنه الخُمس إِلاَّ إذا كان حربيًّا مستأمنًا، فإنه يُستردُ منه كلّه؛ لأنّ هذا بمنزلةِ الغنيمة ألا ترى أنه يجبُ فيه الخُمسُ، ولا يُترك الحربيَّ يلتحقُ بغنيمةِ المسلمينَ إلى دارٍ الحربِ إِلاَّ إذا كانَ ذلك بإذنِ الإمامِ، وشرطُ مقاطعته على شيءٍ، فله أنْ يفيء بشرطٍ؛ لقوله ﵊ «المسلمون عندَ شروطهم» (١) غير أنّه إنْ وجدهُ في أرضٍ مملوكةِ، اختلفَ أصحابُنا فِيمَنْ يستحقُ أربعةَ الأخماسِ (٢)، وإمّا لا خلافَ في وجُوب الخمُس كذا في شرح الطحاوي (٣). لما بيّنَا، أي: منِ النصِ والمعقول. [ما وجد في أرض الإسلام] (ثُمَّ إنْ وجده في أرضٍ مُباحة) (٤)، أي: الكنزُ الذي هو على ضَرْبِ أهلِ الجاهلية لما أنّ الكنزَ المضروبَ بضربِ أهلِ الإسلامِ لماَّ كان مُلحقًا باللُّقطةِ لا يتأتَّى في هذا التفريعِ الذي ذكره مِنَ الخمُس، وأربعةِ الأخماس فكذا الحكم عند أبي يُوسُف ﵀، أي: الخمسُ للفقيرِ (٥)، (وأربعةُ أخماسهِ للواجِد) (٦) مالكًا كان أو غير مَالك. لأن هذا المال لم يدخلْ تحتَ قسِمةِ الغنائمِ لأن شرط القِسْمة الِعادلة، ولو دخلت لا تتحقق المعادلةُ، وإذا لم يدخلْ تحت القِسمة بقي مُباحًا، فيكونَ لمن سبقتْ يُده إلِيه كما لو وُجِدَ فيِ أرضٍ غيرِ مملوكة] قلنا: إنّا لا نقول: إنّ الإمام يمُلَكُّهُ الكنز (٧) بالقِسمة، بِل يقطع مزاحمةَ سائرِ الغانمين عن تلك البُقعة وتقريُره فيها وتقريُره في المحلِّ يُوجب ثبوتَ يِده على ما هو موجود في المحل، فصار مملوكًا له بالحيازة بهذا الطريق، كذا في "المَبْسُوط" (٨) هو للمختط له.

стр. 1119

[من وهبه الإمام أرضاً فوجده فيها] (وهو الذي ملّكه الإمام يوم الفتح) (١) وإنمَّا سمُيَ ِهو المختط له أو صاحبُ الخط؛ لأنَّ الإمامَ يخط لكل واحدٍ من الغانمين ناحية، ويجعلُ تلك الناحيةَ له فَيُملَّكُ به، أي: بالخصوص، وإن كانت] على الظاهر للوصل (٢) أي: يدُ الخصوصِ فهذا المجموع لدفع شُبهٍة، أوردَّها شَيْخُ الإسْلَامِ في مَبْسُوطهِ (٣). وهي قولهُ: فإن قيل يَدُ المختطِ لهُ ثابتةٌ من وجهِ، من حيثُ إنّ اليدَ على الظاهرِ به لا على الباطنِ تقديراً، أو باليد] الحكمية (٤) لا يثبتَ الملكُ كما في حقِّ الغانمين، فإنّ لهم يدًا ثابتةً تقديرًا على ما في الباطن (٥)، ومع هذا لم يَصْرِ مُلكًا لهم حتى قلنا: إنَّ أربعة أخماسهِ للواجدِ/ إنْ وجدَه في المفازةِ لا للغانمين كذا هنا، قلنا: يُد المختطِ لهُ يدٌ خاصةٌ، واليدُ الحُكمَيةُ إذا كانتْ بهذه المثابة تُفيد المُلكَ في المُباحِ، كما في المعدنِ ألا ترى أنّ تَصَرُّفَ الغازي بعد القِسمةِ نافذٌ، وقَبْلَ القِسمةِ غيٌر نافذٍ كما قلنا. (ثُمَّ بالبيعِ) (٦)، أي: يبيعُ الأرضَ التي تحتها كنز لم يخرجْ عن مُلكِهِ بلفظِ التذكير، أي: لم يخرْج الكنزُ عن مُلْكه بدِلالة قوله:] لأنه بالتذكير (٧) ولم يقل: لأنها حتى يرجعَ إلى الدُّرةِ (٨) لأنه (مُوْدِعٌ فيها) (٩) أيْ لأنَّ الكنزَ مُودَعٌ] في الأرض (١٠) (١١). وذَكر أبو اليُسر ﵀ في "الجامع الصغير" في تعليل هذا، فقال: إنَّ صاحبَ الخِطةِ صار مالكًا هذا الكنزَ بتملُكِ الدارِ؛ لأنه بالتملُكِ استولى على هذهِ الدارِ ومَنْ استولى على شيءٍ يصيرُ مستوليًا على ما فيه كِما إذا استولى على جَوالقٍ (١٢) فيها حِنطةُ يصيرُ مستوليًا على الحنطةِ، فصار مستوليًا على ذلكِ الكنز فصار مُلْكًا؛ لأنه كان مُلك الكفارِ، ثُمَّ لمّا أزال الدارَ عن مُلكهِ بالبيع بعد ذلك لا يصيرُ مزيلًا للكنزِ؛ لأنه ليسَ من جمُلةَ الدارِ، والَتملُّكُ منه باستيلائه على الدارِ استولى على ذلك الكنز، ولكنّ ذلك مُلكُ المسلمِ، فلم يَمْلكهُ بالاستيلاء، فبقيَ على مُلْكِه فيكون له (١٣)، ثُمَّ ذَكر شيخُ الإسلام ﵀ (١٤) في مسألة الدُرّةِ، فقال: في] ظاهر (١٥) الرواية لم يُفَصّلْ بين أن تكون الدُّرَّة مثقوبةً أو غيرَ مثقوبةً، وقِيل: إنْ كانت مثقوبةً لا تدخل في مُلك المشتري؛ لأنها بمنزلة الكنز، وإنْ كانتْ غيرَ مثقوبةٍ يدخل كَمَن اصطاد سمكةً، فوجد في بطنها عنبرًا (١٦) فهو للمشتري؛ لأنّهُ حشيشٌ يأْكُلُه السمك، فيكون تَبعًا له فيدخل، وفي الحيطانِ (١٧) لو كانتْ الدُّرةَ في الصَّدَفِ (١٨) فهي للمشتري؛] لأنَّ السمكَ يأكلُ الصَّدَفَ، وكل ما يأكُله فهو للمشتري (١٩). لو اشترى جملاً، فوجد في بطنه دِينارًا لم يكنْ له؛ لأنّهُ لا يأكُلُه عادةً، وإنْ لم يعرفْ المختط له، ولا ورثته، ذكر أبو اليسر يُوضَعُ في بيتِ المال (٢٠)، وذَكر الإمامُ السَّرَخْسِي (٢١) ﵀ (يُصرف إلى أقصى مَالِك يعرف في الإسلام) (٢٢) كذا في "الجامع الصغير" للإمام التُّمُرْتَاشِي ﵀ (٢٣).

стр. 1120

[إذا وجده في دار حرب وقد دخل لهم بأمان] (ومَنْ دخل دارَ الحربِ بأمانٍ، فوجَد في دار بعضهم رِكاز) (١)، أي: سواء كان معدنًا أو ركازًا، فكذا بخط شَيْخِي (٢) ﵀ (٣) وهكذا في المحيط (٤) (٥) أيضًا، فقال: والوجه الثاني إذا وجد كنزًا في دار الحرب، ثُمَّ قال: واعلم بأنَّ محمدًا وضعَ هذه المسألةَ في "الجامعِ الصغيرِ"، وفي الأصل في الرِّكَازِ، فقال: مُسلِمٌ دخلَ دارَ الحربِ بأمان، ووجد في دار بعضهم ركازًا ردهُ عليهم (٦)، وإنْ وجدَهُ في الصحراء، يريد به موضعًا لا يكونُ مملوكًا لأحدٍ كالمفَازةِ فهو لَهُ، ولا شيءَ فيه قال شَيْخُ الإسْلَامِ (٧): أراد بالرِّكَازِ في هذه المسألة المَعدِن دُون الكنزِ والقدوري (٨) ذكر هذه المسألة في شرحه (٩)، ووضعها في الكنز، وجعل الجواب فيه على نحْوِ ما ذكر مُحَمَّد في الأصل وفي "الجامع الصغير" (١٠) فهذا يبين لك أنّ الكنز، والمعدِن في هذه الصورة واحد، هذا كَّلهُ مِن "المحُيط" (١١).

стр. 1121

(تحرَزًا عن الغدر) ِ (١) قال ﵊: «في العُهودِ وفاءٌ لا غدَر» (٢)، وقال أيضًا: «لِكلِّ غَاْدِرٍ لِوَاْءٌ يعُرفُ بهِ يومَ القيامةِ» (٣). (وإنْ وجده في الصحراء) (٤)، أي: في الصحراء التي في حَيِّزِ دارِ الحربِ، ولكن ليست بمملوكةٍ لأحدٍ على ما ذكرنا؛ (لأنّهُ ليس في يدِ أحدٍ على الخصوص) (٥) فإن قِيلَ: يدُهمْ ثابتةٌ على ما وُجِدَ في الصحراءِ، ألا ترى أنَّ المستأمِنَ في دارِنا لو وجد شيئًا من ذلك في الصحراء فلا حَقَّ لهُ فيهِ، وُيؤْخذُ ذلك منه لثبوتِ يدِ المسلمين عليه، فيجب أن يكون كذلك ما وجدهُ المستأمن في دارهِ، قُلَنا: اليدُ على ما في الصحراء إنما تثبت حُكمًا، ودار الإسلامِ دارُ أحكامٍ، فَتُعتَبرُ اليدُ الحكميةُ فيها على الموجودِ فأمَّا دارُ الحربِ دارُ قهرٍ، وليست بِدارِ حُكمٍ، فإنمّا يَعتُبر فيها ثبوتُ اليدِ حقيقةً، وذلك لا يُوجد فيما وجدهُ في الصحراءِ، فيكون سالمًا له، ثُمَّ ما في دارِ الحربِ مُباحُ الأخذِ، وإنما عليه التَّحُرزُ عَن الغدرِ، وأخذِ الموجود في الصحراءِ ليس بَغَدْرٍ في شيء (٦)، كذا ذَكَرَ السؤال والجواب شمسُ الأئمةِ السَّرَخْسِي في "الجامع الصغير" (٧). (ولا شيءَ فيهِ) (٨)، أي: لا خمسَ فيه؛ لأنّ الخمُس إنما يجبُ فيما يكون في معنى الغنيمة، وهي ما كان في يدِ أهل الحرب وقع في يد المسلمين بإيجاف الخيل والركاب، ولم يُوجد ذلك في هذا المال، فلا يجبُ الخُمس، بمنزلةِ المتلصصِ في دارِ الحرب إذا أخذ شيئًا مِن أموالهم، وأَحرَزهُ بدار الإسلام بخلافِ الموجودِ في دارِ الإسلام، فإنه كانَ في يدِ أهلِ الحرب ووقعَ في يدِ المسلمين بإيجاف الخيل والركاب، حين افتُتِحَتْ البلدة فلذلك وجبَ فيه الخمسُ.

стр. 1122

[مسألة الزئبق والْمَعَادِنُ الأخرى] (فليس في الفَيّرُوزَجِ (١) يوُجد في الجبال خُمس) (٢) إنما قيدَ بقوله يوجد في/ الجبالِ احترازًا عما يوجد هذا وغيره، مما ذَكَرَهُ بعدَهُ عن الزئبقِ (٣)، واللؤلؤِ (٤) في خزائنِ الكفَّار، فأُصِيبَ قهرًا فإنه يخُمسُ بالاتفاق؛ (٥) لأنه قال: الغنيمة كسائرِ الأموالِ، إلى هذا أشار في "الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة "، وكذا صَّرحَ في "الإيضاح" (٦)،] وقال (٧): قال أبو الحسن: وأمّا المدفونُ في هذهِ الأشياء ففيهِ الخُمس كسائرِ أنواع الأموال، لا خمُسَ في الحجر، والفيروزج حجرٌ؛ فإنه لا ينطبعُ ويجوزُ التيمُم به، إِلاَّ أنّ بعضَ الأحجارِ تكون أضوءُ مِن بعضٍ، كذا في جامعي قاضي خان (٨)، والْمَحْبُوبِيّ (٩).

стр. 1123

وذكر في "المَبْسُوط" (١): لفظ الحديث: «لا زكاةَ في الحجر» (٢)، ثُمَّ قال: معلومٌ أنُه لم يُرِدْ به إذا كان للتجارة، وإنما أراد به إذا استخرجه مِنَ معدنِه، فكان هذا أصلًا في كلِّ ما هو في مَعناه (٣). وفي الزئبق: الخُمس، الزئبق] بالباء (٤) فارسي مُعَرّبٌ، وقد أُعْرِبَ بالهَمْزِ، ومنهم مَنْ يقولهُ بِكسرِ الباء يعني: بعد الهمز فُيلْحِقُه بالزِئْبَر، وهو ما يعلو الثوبَ الجديدَ مثل ما يعلو الخز، والضئبل، وهو الدّاهيةُ، كذا في "الصِّحَاح" (٥)، أي: الزئبق الذي أُصيب في معدِنه ليقع الاحتراز عمّا ذكرنا مما يُوجد في خزائن الكُفّار، فإنّ فيه الخُمس بالاتفاق بلا خِلاف (٦) ولذلك صّرح في "المَبْسُوط" (٧) بذلك القيد، فقال: وأمّا الزئبقُ إذا أُصيب في معدنهِ ففيه الخمس في قولِ أبي حَنِيفَةَ، ومُحَمَّد -رحمهما الله- وقال أبو يُوسُف ﵀ (٨): لا شيءَ فيه وحُكِىَ عن أبي يُوسُف: أنّ أبا حنيفةَ ﵀ كان يقول: أولًا لا شيَء فيه، وكنتُ أقولُ فيه الخُمس، فلم أزلْ بهِ أُناظرهُ، وأقول: إنه كالرَّصاصِ حتى قال: فيهِ الخُمس ثُمَّ رأيْتُ أنّ لا شيءَ فيهِ (٩) فصار الحاصلُ: أنّ على قولِ أبي حَنِيفَةَ الآخُر، وهو قولُ أبي يُوسُف الأولِ، وهو قولُ مُحَمَّد ﵀: فيه الخمس، وعلى قولِ أبي يُوسُف الآخر، وهو قولُ أبي حَنِيفَةَ الأول لا شيءَ فيه قال: لأِنّهُ ينبعُ من عينهِ، ولا ينطبعُ بنفسه فهو كالقيرِ، والنِّفطِ، ووجه قول مَنْ أوجب الخُمس أنه يُستخَرجُ بالعلاج مِن عينه، وينطبعُ مع غيرِه، فكان كالْفِضَّة فإنها لا تنطبعُ ما لم يخُالطْها شيءُ، ثُمَّ يجبُ فيها الخُمُس فهذا مثله (١٠). وقال الإمام التُّمُرْتَاشِي: قال أبو يُوسُف: لا يخُمَّس؛ لأنه مُعَيَّنُ بدليل أنه يَستِقي بالدِّلاءِ، فصار كالنِّفط ولهما أنه جوهُر أذابتهُ حرارةُ معدِنه، فصار كما لو أُذِيبَ بالنّارِ، وفي "الْأَسْرَارِ" (١١) في تعليل أبي يُوسُف؛ لأنه بمنزلة القير، والنفط، أي: هو من جملة المياه، ولا خمس في الماء لتفاهته (١٢).

стр. 1124

[مسألة اللؤلؤ] (ولا خمسَ في اللؤلؤِ) (١) تَكَلَّم الناسُ في اللؤلؤ، فقيل: إنّ مطَر الربيعِ يقعُ في الصَّدَفِ فيصير لؤلؤًا فعلى هذا أصلُه مِن الماء، وليس في الماءِ شيءٌ، وقِيل: إنّ الصدفَ حيوانٌ يخُلَقُ فيه اللؤلؤ، وليس في الحيوان شيء وهو نظيرُ ظبيِ المسكِ يوُجد في البئرِ، فلا شيءَ فيهِ، كذا في "المَبْسُوط" (٢)، لأنّ عمرَ ﵁ أخذ الخمسُ من العنبر (٣) فإنه رُوِيَ: أنْ يعلى بن أمُية (٤) كتبَ إلى عُمر بن الخطابِ يسألهُ عَنْ عَنبرةِ وُجِدَتْ على الساحل فكتبَ إليه في جوابٍ: «أنهُ مالُ الله تعالى يُؤتيه مَنْ يشاء، وفيه الخُمس»، كذا في "المَبْسُوط" (٥).

стр. 1125

قُلْتُ: هذا الذي ذَكَر يَصّلحُ حُجةً في العنبر لا في اللؤلؤ، ولم يَذّكَر في الْكِتَابِ حُجتَهُ في اللؤلؤ وذَكَرَ في "الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة ": أنّ السؤالَ عن عُمر كان عنهما جميعًا، فإنُه سُئِلَ عن العنبرِ واللؤلؤِ يُستَخَرجانِ منِ البحر، قال: «فيهما الخمس» (١). [ما أستخرج من البحر] والأَولى في الاحتجاج على قوله: ما ذَكَرَهُ في "المَبْسُوط" (٢) من دليلِ المعقولِ، فإنه يَعُمُّ الكُلَّ فقال: ولِأَنَّ نَفيِسَ ما يُوجد في البحرِ يُعتبرُ بِنَفِيسِ ما يُوجدُ في البرِ، وهو الذَّهبُ والفضة؛ لأَنّ الدنُيا بَرّ وبحر؛ وليس هذا كالسَّمكِ؛ فإنُه صيد ولا خمسُ في صُيودِ البَرّ فكذلك في صُيود البحرِ وأبو حنيفة ومُحَمَّد رحمهما الله استدلا بما رُوِيَ عن ابن عباسٍ أنّهُ قال في العنبر: «أنه شيءُ دُسَرَهُ البحرُ فلا شيءَ فيهِ» (٣)، وحديث عمُر محمولٌ على الجيشِ دخلوا أرضَ الحربِ فيصيبون] العنبر (٤) في الساحل وعندنا (٥) في هذا الخمس؛ لأنّهُ غنيمةُ، ثُمَّ وجوبُ الخُمس] فيما يُوجد (٦) في البِّر كان لمعنى لا يوجد ذلك المعنى في الموجود في البحر وهو أنهُ كان في يِد أهلِ الحربِ ووقع في أيدي المسلمين بإيجاف الخيل والركاب وما في البحرِ ليس في يدِ أحدٍ قُطً؛ لأنَّ قهر الماءِ يمنع قهرَ غيرِه، ولهذا قال مشايخنا: لو وَجَدَ الذَّهَبَ والْفِضَّة في قُعْرِ البحرِ لم يجب فيه شيء، كذا في "المَبْسُوط" (٧) (فيما دَسَرَهُ البحر) (٨)، أي: دفعه، وقذفه من باب طلب، وبه يقول، أيْ: وبوجوب الخمس في العنبر الذي دَسَرَهُ البحر، فلم تبقَ حُجة ًلأبي يُوسُف في حديث عمر] حينئذ (٩).
следующие страницы →