← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

(تحرَزًا عن الغدر) ِ (١) قال ﵊: «في العُهودِ وفاءٌ لا غدَر» (٢)، وقال أيضًا: «لِكلِّ غَاْدِرٍ لِوَاْءٌ يعُرفُ بهِ يومَ القيامةِ» (٣). (وإنْ وجده في الصحراء) (٤)، أي: في الصحراء التي في حَيِّزِ دارِ الحربِ، ولكن ليست بمملوكةٍ لأحدٍ على ما ذكرنا؛ (لأنّهُ ليس في يدِ أحدٍ على الخصوص) (٥) فإن قِيلَ: يدُهمْ ثابتةٌ على ما وُجِدَ في الصحراءِ، ألا ترى أنَّ المستأمِنَ في دارِنا لو وجد شيئًا من ذلك في الصحراء فلا حَقَّ لهُ فيهِ، وُيؤْخذُ ذلك منه لثبوتِ يدِ المسلمين عليه، فيجب أن يكون كذلك ما وجدهُ المستأمن في دارهِ، قُلَنا: اليدُ على ما في الصحراء إنما تثبت حُكمًا، ودار الإسلامِ دارُ أحكامٍ، فَتُعتَبرُ اليدُ الحكميةُ فيها على الموجودِ فأمَّا دارُ الحربِ دارُ قهرٍ، وليست بِدارِ حُكمٍ، فإنمّا يَعتُبر فيها ثبوتُ اليدِ حقيقةً، وذلك لا يُوجد فيما وجدهُ في الصحراءِ، فيكون سالمًا له، ثُمَّ ما في دارِ الحربِ مُباحُ الأخذِ، وإنما عليه التَّحُرزُ عَن الغدرِ، وأخذِ الموجود في الصحراءِ ليس بَغَدْرٍ في شيء (٦)، كذا ذَكَرَ السؤال والجواب شمسُ الأئمةِ السَّرَخْسِي في "الجامع الصغير" (٧). (ولا شيءَ فيهِ) (٨)، أي: لا خمسَ فيه؛ لأنّ الخمُس إنما يجبُ فيما يكون في معنى الغنيمة، وهي ما كان في يدِ أهل الحرب وقع في يد المسلمين بإيجاف الخيل والركاب، ولم يُوجد ذلك في هذا المال، فلا يجبُ الخُمس، بمنزلةِ المتلصصِ في دارِ الحرب إذا أخذ شيئًا مِن أموالهم، وأَحرَزهُ بدار الإسلام بخلافِ الموجودِ في دارِ الإسلام، فإنه كانَ في يدِ أهلِ الحرب ووقعَ في يدِ المسلمين بإيجاف الخيل والركاب، حين افتُتِحَتْ البلدة فلذلك وجبَ فيه الخمسُ.

стр. 1122

[مسألة الزئبق والْمَعَادِنُ الأخرى] (فليس في الفَيّرُوزَجِ (١) يوُجد في الجبال خُمس) (٢) إنما قيدَ بقوله يوجد في/ الجبالِ احترازًا عما يوجد هذا وغيره، مما ذَكَرَهُ بعدَهُ عن الزئبقِ (٣)، واللؤلؤِ (٤) في خزائنِ الكفَّار، فأُصِيبَ قهرًا فإنه يخُمسُ بالاتفاق؛ (٥) لأنه قال: الغنيمة كسائرِ الأموالِ، إلى هذا أشار في "الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة "، وكذا صَّرحَ في "الإيضاح" (٦)،] وقال (٧): قال أبو الحسن: وأمّا المدفونُ في هذهِ الأشياء ففيهِ الخُمس كسائرِ أنواع الأموال، لا خمُسَ في الحجر، والفيروزج حجرٌ؛ فإنه لا ينطبعُ ويجوزُ التيمُم به، إِلاَّ أنّ بعضَ الأحجارِ تكون أضوءُ مِن بعضٍ، كذا في جامعي قاضي خان (٨)، والْمَحْبُوبِيّ (٩).

стр. 1123

وذكر في "المَبْسُوط" (١): لفظ الحديث: «لا زكاةَ في الحجر» (٢)، ثُمَّ قال: معلومٌ أنُه لم يُرِدْ به إذا كان للتجارة، وإنما أراد به إذا استخرجه مِنَ معدنِه، فكان هذا أصلًا في كلِّ ما هو في مَعناه (٣). وفي الزئبق: الخُمس، الزئبق] بالباء (٤) فارسي مُعَرّبٌ، وقد أُعْرِبَ بالهَمْزِ، ومنهم مَنْ يقولهُ بِكسرِ الباء يعني: بعد الهمز فُيلْحِقُه بالزِئْبَر، وهو ما يعلو الثوبَ الجديدَ مثل ما يعلو الخز، والضئبل، وهو الدّاهيةُ، كذا في "الصِّحَاح" (٥)، أي: الزئبق الذي أُصيب في معدِنه ليقع الاحتراز عمّا ذكرنا مما يُوجد في خزائن الكُفّار، فإنّ فيه الخُمس بالاتفاق بلا خِلاف (٦) ولذلك صّرح في "المَبْسُوط" (٧) بذلك القيد، فقال: وأمّا الزئبقُ إذا أُصيب في معدنهِ ففيه الخمس في قولِ أبي حَنِيفَةَ، ومُحَمَّد -رحمهما الله- وقال أبو يُوسُف ﵀ (٨): لا شيءَ فيه وحُكِىَ عن أبي يُوسُف: أنّ أبا حنيفةَ ﵀ كان يقول: أولًا لا شيَء فيه، وكنتُ أقولُ فيه الخُمس، فلم أزلْ بهِ أُناظرهُ، وأقول: إنه كالرَّصاصِ حتى قال: فيهِ الخُمس ثُمَّ رأيْتُ أنّ لا شيءَ فيهِ (٩) فصار الحاصلُ: أنّ على قولِ أبي حَنِيفَةَ الآخُر، وهو قولُ أبي يُوسُف الأولِ، وهو قولُ مُحَمَّد ﵀: فيه الخمس، وعلى قولِ أبي يُوسُف الآخر، وهو قولُ أبي حَنِيفَةَ الأول لا شيءَ فيه قال: لأِنّهُ ينبعُ من عينهِ، ولا ينطبعُ بنفسه فهو كالقيرِ، والنِّفطِ، ووجه قول مَنْ أوجب الخُمس أنه يُستخَرجُ بالعلاج مِن عينه، وينطبعُ مع غيرِه، فكان كالْفِضَّة فإنها لا تنطبعُ ما لم يخُالطْها شيءُ، ثُمَّ يجبُ فيها الخُمُس فهذا مثله (١٠). وقال الإمام التُّمُرْتَاشِي: قال أبو يُوسُف: لا يخُمَّس؛ لأنه مُعَيَّنُ بدليل أنه يَستِقي بالدِّلاءِ، فصار كالنِّفط ولهما أنه جوهُر أذابتهُ حرارةُ معدِنه، فصار كما لو أُذِيبَ بالنّارِ، وفي "الْأَسْرَارِ" (١١) في تعليل أبي يُوسُف؛ لأنه بمنزلة القير، والنفط، أي: هو من جملة المياه، ولا خمس في الماء لتفاهته (١٢).

стр. 1124

[مسألة اللؤلؤ] (ولا خمسَ في اللؤلؤِ) (١) تَكَلَّم الناسُ في اللؤلؤ، فقيل: إنّ مطَر الربيعِ يقعُ في الصَّدَفِ فيصير لؤلؤًا فعلى هذا أصلُه مِن الماء، وليس في الماءِ شيءٌ، وقِيل: إنّ الصدفَ حيوانٌ يخُلَقُ فيه اللؤلؤ، وليس في الحيوان شيء وهو نظيرُ ظبيِ المسكِ يوُجد في البئرِ، فلا شيءَ فيهِ، كذا في "المَبْسُوط" (٢)، لأنّ عمرَ ﵁ أخذ الخمسُ من العنبر (٣) فإنه رُوِيَ: أنْ يعلى بن أمُية (٤) كتبَ إلى عُمر بن الخطابِ يسألهُ عَنْ عَنبرةِ وُجِدَتْ على الساحل فكتبَ إليه في جوابٍ: «أنهُ مالُ الله تعالى يُؤتيه مَنْ يشاء، وفيه الخُمس»، كذا في "المَبْسُوط" (٥).

стр. 1125

قُلْتُ: هذا الذي ذَكَر يَصّلحُ حُجةً في العنبر لا في اللؤلؤ، ولم يَذّكَر في الْكِتَابِ حُجتَهُ في اللؤلؤ وذَكَرَ في "الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة ": أنّ السؤالَ عن عُمر كان عنهما جميعًا، فإنُه سُئِلَ عن العنبرِ واللؤلؤِ يُستَخَرجانِ منِ البحر، قال: «فيهما الخمس» (١). [ما أستخرج من البحر] والأَولى في الاحتجاج على قوله: ما ذَكَرَهُ في "المَبْسُوط" (٢) من دليلِ المعقولِ، فإنه يَعُمُّ الكُلَّ فقال: ولِأَنَّ نَفيِسَ ما يُوجد في البحرِ يُعتبرُ بِنَفِيسِ ما يُوجدُ في البرِ، وهو الذَّهبُ والفضة؛ لأَنّ الدنُيا بَرّ وبحر؛ وليس هذا كالسَّمكِ؛ فإنُه صيد ولا خمسُ في صُيودِ البَرّ فكذلك في صُيود البحرِ وأبو حنيفة ومُحَمَّد رحمهما الله استدلا بما رُوِيَ عن ابن عباسٍ أنّهُ قال في العنبر: «أنه شيءُ دُسَرَهُ البحرُ فلا شيءَ فيهِ» (٣)، وحديث عمُر محمولٌ على الجيشِ دخلوا أرضَ الحربِ فيصيبون] العنبر (٤) في الساحل وعندنا (٥) في هذا الخمس؛ لأنّهُ غنيمةُ، ثُمَّ وجوبُ الخُمس] فيما يُوجد (٦) في البِّر كان لمعنى لا يوجد ذلك المعنى في الموجود في البحر وهو أنهُ كان في يِد أهلِ الحربِ ووقع في أيدي المسلمين بإيجاف الخيل والركاب وما في البحرِ ليس في يدِ أحدٍ قُطً؛ لأنَّ قهر الماءِ يمنع قهرَ غيرِه، ولهذا قال مشايخنا: لو وَجَدَ الذَّهَبَ والْفِضَّة في قُعْرِ البحرِ لم يجب فيه شيء، كذا في "المَبْسُوط" (٧) (فيما دَسَرَهُ البحر) (٨)، أي: دفعه، وقذفه من باب طلب، وبه يقول، أيْ: وبوجوب الخمس في العنبر الذي دَسَرَهُ البحر، فلم تبقَ حُجة ًلأبي يُوسُف في حديث عمر] حينئذ (٩).

стр. 1126

قلت: لكنْ لا يتمُّ لهما دفع/ قولُ أبي يُوسُف بمطلق ما ذُكِرَ في الْكِتَابِ من دَسْرِ البحرِ الذي يجبُ فيه الخُمس في حديث ابن عباس، كان العنبر مما دَسَره البحرُ أيضًا على ما ذكرت في "المَبْسُوط" (١)، ونفى الخُمس عنهُ، فلاُبَّد مِن زيادةِ القيدِ (٢) الذي [يوَجب الخمس بعد وُجود البحرِ في حديث عمر وهو أنْ يقُالَ: والمرويُّ عن عُمرَ فيما دَسَّرَهُ البحرُ الذي في دارِ الحربِ، فدخل الجيش دار الحرب، فوجدوه على ساحلِ بحر دارِ الحربِ فأخذوه] فكان (٣) غنيمةً فيجبُ الخمس. وأما حديثُ ابنِ عباس فَفِيَما دَسَّرهُ البحُر الذي في دار الإسلام وجده واحدٌ من الناس، أو فيما دَسَره البحُر الذي في دارِ الحربِ، لكن أخذُه واحدٌ مِن المسلمين فلا خمُس فيهِ؛ لأنهُ بمنزِلة المتلصصِ، لا كالمجاهدِ وليس فيما أخذهُ المتلصصُ (٤) خمُسٌ (٥). [تعريف العنبر] وفي "المَبْسُوط" (٦): وقِيل: العنبر نبت] ينبت (٧) في البحر بمنزلة الحشيش في البِّرِ، وقِيلَ: إنهُ خِثيُ (٨) دابةٍ في البحر، وليس في أَخْثاءِ الدّوابِ شيءٌ وفي كتابِ المسالك (٩) العنبر: نباتٌ يكون في قعرِ البحرِ فربما يبتلعهٌ الحوتُ، فإذا استقر في بطنِ الحوتِ لَفَظَهُ لمِرارتِهِ، وما لم يبتلعْهُ الحوتُ فهو الجيد منه (١٠)، وفي "الجامع الصغير" للإمام الْإِسْبِيجَابِي ﵀ (١١): وقد وقعَ الاختلافِ في هذه المسائلِ في أربعة مواضعِ، في ثلاثةٍ منها: مُحَمَّد مع أبي حَنِيفَةَ ﵀، وأبو يُوسُف وَحَدَه، أحدها: الكنز إذا وُجِدَ في أرضٍ مملوكةٍ، فهو لِصاحِبِ الخطةِ عندهما وعند أبي يُوسُف ﵀ للواجد.

стр. 1127

والثاني: هو أنّ المسُتخَرجَ منِ البحرِ لا خمُسَ فيهِ عندهما، وعندهُ فيه الخمس. والثالث: الزِئبقُ يجبُ الخمس فيه عندهما، وعنده لا يجب. والرابع: مُحَمَّد مع أبي يُوسُف هو أن المعدِن إذا وجده في الدارِ عند أبي حَنِيفَةَ لا خمسَ فيه، وعندهما يجب الخمس فيه، (مَتاع وُجِدَ رِكازًا) (١)، انتصابه على الحالِ، أي: وُجِدَ المتاعُ حالَ كونِه رِكازًا لا حالَ كونِه لُقُطَةً، ولا حالَ كونه موضوعًا في البيتِ، وغيرهما من التقدير؛ لأن الاسَم غيرُ الصفةِ، والمصدر بمنزلتهما في باب الحال، يقول: هذا بُسرًا أطيبُ منه رَطبًا، وإنما أبهَم لفظُ الرِّكَازِ، ولم يفسْرهُ بالكنز، أو بالمعدن، كما كان فسرهُ فيما قَبْلُ لمِا أنّ الكنزَ والمعدنِ لا يتفاوتان في هذا الحُكْمِ، لما أنَّ المسألةَ مفروضةٌ فيما إذا وَجَدَ المتاعُ في أرضٍ لا مالكَ لها، والحكم فيه لذلك كما ذكرنا في الموجود من الذَّهَبِ والْفِضَّة، وإنما ذَكَرَ هذه المسألة بعد ذِكرِ هذا الحُكم في الذَّهَبِ والْفِضَّة؛ ليبينَ أنّ وجوبَ الخُمس لا يتفاوت بين أنْ يكون الرِّكَاز من النقَدين أو غيرهما بخلاف الزكاة؛ فإنها تتفاوت حيثُ لا تجبُ الزكاة في المتاعِ الذي لغيرِ التجارةِ لما أنّ وجُوبَ الخُمس هنا باعتبارِ الغنيمة، وفي اسم الغنيمةِ كلُّ المالِ سواءً بعد أنْ ثبتَ الانتقال مِن أيدي الكفرة إلى أيدي المسلمين بطريق القهر والغلبةُ حقيقةً أو حكمًا (٢). وقال في "الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة ": والمتاعُ ما يتمتع به في البيت من الرصاص ونحَوْه، أي: ينتفع به، وقيل: المراد به الثياب؛ لأنَّهُ يستمتع بها (٣). قلت: وتفسيرهم بالذَّهَبِ والْفِضَّة مما لا يكادُ يصح؛ لأنه حينئذ يقع مكررًا محضًا مِن غيرِ فائدةٍ في حقِّ الذَّهَبِ والْفِضَّة، ولِأَنَّ لفظ الْكِتَاب بقوله: لأنهُ غنيمةٌ بمنزلةِ الذَّهَبِ والْفِضَّة ينادي بأنّ المراد به غيرُ الذَّهَبِ والْفِضَّة، ولا يلزم أن يكون المَقِيسُ، والمَقِيسُ عليه واحدًا، وهو محُال وقالَ أبو اليسرِ ﵀: هذا الحكمُ في المتاعِ فيما إذا عَلِمَ أنهُ للكفار؛ لأنه والذَّهَبُ والْفِضَّة سواء، والله أعلمُ بالصواب (٤).

стр. 1128

باب زكاة الزروع والثمار المرُادُ بالزَّكَاةِ هنا الْعُشْرِ، فكما سمُيَ آخِذُ الزَّكَاةِ بالعاشِر فيما تقدَّم سُمِيَ الْعُشْرِ هنا بالزَّكَاةِ لما بينهما من المناسبةِ التي يجيء، وقال الإمام بدر الدين] الكردري (١) ﵀ (٢): تسميةُ الزَّكَاةِ هنا خرجتْ على قولهما؛ لأنهما يشترطانِ النصابَ والبقاءَ، فكان هو نوعُ زكاةٍ، ثُمَّ إلحاقُ الْعُشْرِ بالزَّكَاةِ، وتأخيرُه عنها ظاهرًا بالإلحاق، فلأن الله تعالى قرنهما في الكتاب، وأَخَّرَ الْعُشْرِ عنها في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٣) قِيل: المرادُ بالمكسوب: مالُ التجارةِ، وفيهِ بيانُ زكاةِ التجارةِ، والمرادُ مِن قوله: أخرجنا لكمْ مِن الأرضِ الْعُشْرِ، كذا في "المَبْسُوط" (٤)، ولأنهما من الوظائف المالية، وإنّ وجوبها بالقدرةِ الميسرةِ، وأما التأخيرُ بعدما ثبت بالْكِتَابِ كذلك/ فإنَّ الْعُشْرِ مَؤنة فيها معنى القُرْبِةُ، والقُرْبِةُ فيهِ تابعةٌ، والزَّكَاةُ قربة محَضةٌ، وهي مِن أركان الدِّين فَتُقَدْم العباداتُ الخالصةُ على غيرِها في المواضعِ أَجمع فكذا هنا، والأصلُ في وجوبِ الْعُشْرِ أيضًا قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٥)، وقال ﵊ «ما أخرجته الأرضُ ففيهُ الْعُشْرِ» (٦) (٧). الكلامُ في هذا الباب في خمسةِ مواضع: أحدها: … أن الْعُشْرِ واجبٌ، وقال بعض الناس: منسوخٌ؛ لقولِ عليِّ ﵁: «نَسختْ الزَّكَاةُ كُلَّ صدقةٍ قبلَها» (٨)، ولنا الأحاديث المشهورةُ مِن قوله: «ما سَقَتْ السماءُ ففيهِ الْعُشْرِ» (٩)، وغيره.

стр. 1129

والثاني: … في أنَّ النصابِ هل يُشترطُ نصابُ خمسةِ أَوْسَقٍ أمْ لا؟ والثالث: … هل يشُترط البقاءُ أمْ لا؟ والرابع: … هل يجبُ الْعُشْرِ فيما لا يَدخلُ تحت الوسقِ؟ عِنْدَنَا يجبُ، وعند الشَّافِعِي: لا يجبُ. والخامس: … في أنّ ما يوجد في الجبالِ التي لا يملكها أحدِ مِن التجارِ هل يجبُ الْعُشْرِ فيه أم لا؟ (١). قوله: (قال أبو حنيفةَ: في قليلِ ما أخرجتهُ الأرضُ، وكثيرة الْعُشْر) (٢)، فإنّ الأصلَ عند أبي حنيفةَ:] أن (٣) كُلَّ ما ينبتُ في الجبالِ، ويُقصدُ به استغلالُ الأراضي، ففيهِ العُشّر: (٤) الحبوبُ، والبُقولُ (٥)، والرُطابُ (٦)، والرياحينُ، والوَسْمةُ (٧)، والزَعفران، والوَرْدُ، والورسَ (٨) في ذلك سواءٌ.

стр. 1130

وهو قولُ ابنِ عباسِ ﵁ وقد رُوِيَ أنهُ حين كانَ واليًا بالبصرة (١) أخذَ الْعُشْرِ مِن البقولِ مِن كُلِّ عشرِ دساتجةٍ دستجةٍ (٢)، كذا في "المَبْسُوط" (٣)، سواءً سُقِىَ سيحًا، أي: ماءً جاريًا وفي "الصِّحَاح" (٤): السيحُ: الماءُ الجاري مِن ساحَ الماءُ سيحًا إذا جرى على وجهِ الأرض وانتصابُه على أنه مفعولٌ ثانٍ مِن سَقَىَ كقوله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ (٥)، أو سَقَتْهُ السماءُ، أي: المطر] قال الله تعالى (٦): ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾ (٧)، وقال الشاعر: إذا سقط السماءُ بأرضِ قومٍ يُقاُلُ … مازلنا نطأُ السماءَ حتى أتيناكم (٨) كذا في "الصِّحَاح" (٩)، إِلاَّ القَصَب (١٠) والمستثنى عنَد أبي حَنِيفَةَ ﵀ خمسةُ أشياء: السعفُ (١١): فإنهُ مِن أغصانِ الأشجارِ، وليس في الشجرِ عُشّر، والتينُ: لأنُه سَاقَ للحَبِّ كالشَّجرِ للثمارِ، والحشيشُ: فإنه يتقي مِن الأرض، ولا يقُصدُ استغلالُ الأراضي به، والطرفاء والقَصَبُ: فإنه لا يقُصد استغلال الأراضي بهما، كذا في "المَبْسُوط" (١٢) (١٣).

стр. 1131

وذكر الإمام التُّمُرْتَاشِي ﵀: قالَ أبو حنيفة ﵀: فيِ كُلِّ ما تنبتُ الأرضُ، ويبتغي به النَّماءُ قليلًا كانَ أو كثيرًا، رَطْبًا كان أو يابسًا يبقى مِن سَنة إلى سنةٍ، أو يبقى بوَسقٍ أو لا، ففيه الْعُشْرِ إنْ سُقِى سَيحًا، وِنصف الْعُشْرِ إنْ سُقِى بغربٍ (١) أو دالية (٢). [شروط وجوب الزكاة في الثمار] (وقالا: لا يجب إِلاَّ فيما له ثمرةٌ باقية إذا بلغ خمسة أوسقٍ) (٣) (٤) هذه القيودُ ثلاثةٌ قيَّدَ بالثمرةِ احترازًا عن غير الثمرةِ، والثمرةُ اسمٌ لشيءٍ منِ أصلٍ، وقُيّدَ بالباقيةِ احترازًا عن غيرِ الباقيةِ؛ وجدةُ البقاءِ أنْ يبقى سنةً في الغالب من غيرِ معالجة كثيرةٍ، فلذلك يجبُ الْعُشْرِ في الحنطةِ، والشعير، والذّرةِ، وغيرها مِن الحبوب؛ لأنها ثمرة باقية؛ لأنها تبقى سنةٌ مِن غيرِ معالجةٍ، ولا يجبُ في الخوخِ، والتفاحِ، والَسفَرْجَل (٥)؛ لأنها لا تبقى سنةً إِلاَّ بمعالجةٍ كثيرةٍ، ولاِ يجبُ الْعُشْرِ في الوَسمْةِ، وِإنْ كانتَ مما يبقى؛ لأَنَّ اسمَ الثمرِ لا يُطلَقُ عليها، ويجب في الزعفرانِ، والورسِ، والعُصفُرِ (٦)؛ لأن اسَمُ الثمرِ ينطلق عليها، ويبقى سنةً، وكذلك يجبُ في الثمرِ، والزبيب؛ لأَنه ثمرةٌ باقيةٌ مِن غيرِ زيادةِ معالجةٍ، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٧). [مقدار النصاب] (والوسقُ ستونَ صاعًا (٨) بصاعِ رسول الله) (٩) ﵊، فخمسةُ أَوْسُقٍ ألف ومائتا مُنّ؛ لأن كُلَّ صاعٍ أربعةُ أُمناءِ وقالَ شمس الأئمةِ الحلواني ﵀ (١٠): هذا قولُ أهلِ الكوفةِ، وقالَ أهلُ البصرةِ: الوَسقُ ثلاثمائة مُنٍّ (١١) (١٢)، كذا في "المَبْسُوط" (١٣)، و"الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة "، الخضرواتُ: بفتحِ الخاءِ غيرُ الفواكه، التفاحِ، والكُمَثْرَى، وغيرِهما، أو البقولُ كالكراثِ، والكُرّفُسِ، وقد يُقَامُ مقامهما الخضرُ جمعُ خَضْرةٍ، وهي في الأصلِ لونُ الأخضرِ، فسُمِيَ به، كذا في "المُغْرِب" (١٤).

стр. 1132

قوله ﵊: «ليسَ فيما دونَ خمسةِ أوسقِ صدقةٌ» (١) المراد مِن الصدقةِ الْعُشْرِ؛ لأنَّ زكاةَ التجارةِ تجبُ فيما دونَ خمسةِ أوسقٍ إذا بلغتْ قيمتُه مائتي دِرْهمٍ، (فحينئذ) (٢)، كان الحديثُ نصًّا في المسألةِ، ولأنُه صدقةٌ بدليلِ أنهُ يتعلقُ بنماءِ الأرضِ كالزَّكَاةِ تتعلقُ بنماءِ المالِ، وبدليل أنهُ لا يجبُ على الكافر ابتداءً، ويصُرف مصارِف الصدقاتِ؛ (لأنهمْ كانوا يتبايعون بالأَوْسَاقِ) (٣) كما وردَ به الحديثُ. وقيمتُ خمسةِ/ أوسق مائتا دِرْهم (٤)، وفي "الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة": والجواب عما] رَوَيَا (٥) أنّ الحديثينِ إذا وردَ أحدَهما عام، والآخر خاصٌ، فإنَّ عُلِمَ أنّ العامَ أولَ، والخاصُ آخُر يخصُ العامَ بالخاصِ، (٦) وإن عُلِمَ أنّ الخاصَ أول، والعامُ آخرُ كان العامُ ناسخًا للخاصٍ، مثالهُ مَنْ قال لعبدِه: أعطِ زيدًا درهمًا، ثُمَّ قال: لا تُعطِ أحدًا شيئًا كانَ القولُ الآخرُ ناسخًا للأول، ولو قال أولًا: لا تُعطِ أحدًا شيئًا، ثُمَّ قال: أعطِ زيدًا درهمًا، كانَ تخصيصًا لزيدٍ منِ ذلك العامِ، وهذا مذهبُ عيسى بن أبان (٧) مِن أصحابنا ﵀، وهو المأخوذ وقال مُحَمَّد بن شُجاع الثلجي ﵀ (٨): هذا إذا عُلِمَ تاريخهما أمّا إذا لم يُعلمْ، فإنهُ يجعلُ العامَ آخرًا لما فيهِ من الاحتياط، وهنا لم يُعلَمْ التاريخُ بينهما وُروْدًا، فيجعلُ العام آخرِا، هذا مجموع ما ذكره الإمامُ الزاهدُ الصفارُ ﵀ (٩)، فإن قُلْتَ: الْعُشْرِ يشبهُ الزَّكَاةَ مِن حيثُ إنهُ يُصرفُ إلى أهلِ السهمانِ المذكورين في الزكاة، فيجبُ أنْ يكونَ لماليتهِ عُقودٌ، ونِصابٌ قياسًا على الزكاة (١٠).

стр. 1133

قلتُ: قالَ القاضي الإمامُ أبو زيد ﵀ (١) في "الْأَسْرَارِ": إنّ سببَ وجوبِ الْعُشْرِ الأرضُ الناميةُ للزراعةِ (٢) حتى جَوَّزَ أبُو يُوسُف تَعجيلَ الْعُشْرِ قَبْلَ النباتِ، فلا يكونُ للخارجِ عفوٌ كما في خراجِ المقُاسمةِ لمِا أنّ الأرضَ عفوٌ لا يجبُ فِيهَا شيءٌ حتى يخرجَ النماءٌ، ولِأَنَّ الزَّكَاةَ تتكررُ في مالٍ واحدٍ، ولو لم يجعلْ لها نِصاباً لأتتْ على المالِ كُلِّهِ، فيفتقُر ربُّ المالَ، وأمّا الْعُشْرِ إذا أخذَ مرةً لا يُؤخذُ ثانيًا، وإنْ تكررتْ السنون، فيبقى الباقي لربِّ المالِ، فكان كالخمسِ، ولِأَنَّ الزَّكَاةَ لا تجبُ إِلاَّ على غني بالمالِ الذي هو سببُ الوجوبِ، وأنهُ لا يوجبُ الغناء ما لم يكن مالًا مُقَدَّرًا، والْعُشْرِ يجب على الفقير، فيجبُ أنْ لا يتعلقْ بقدرٍ معيّن لما أنهُ يجبُ بحقِّ الأرضِ، فيجبُ في القليلِ والكثيرِ كجراحِ المقاسمةِ ولا يُعتبرُ بالمالكي فيه، أي: في الْعُشْرِ حتى وجبَ في أرضِ المكاتبِ، والوقفُ، كذا في "المَبْسُوط"، و"الْأَسْرَارِ" (٣). وذَكَرَ في "المَبْسُوط" (٤): وإنْ كانتْ الأرضُ لمِكاتِبٍ، أو صَبيٍّ، أو مجنونٍ وجَبَ الْعُشْرِ في الخارج منها عندنا، وقال الشَّافِعِي ﵀ (٥): لا شيء في الخارجِ من أرضِ المكاتبِ، والْعُشْرِ عنَدهُ قياسُ الزَّكَاةِ لا يجبُ إِلاَّ باعتبارِ المالِكِ، أما عندنا: فالْعُشْرِ مُؤْنةُ الأرضِ الناميةِ كالخراجِ (٦)، فالمكاتِب فيه، والحُّر سواء، وكذلك الخارجُ منِ الأراضي الموقوفةِ على الرباطاتِ (٧)، والمساجد يجب فيها الْعُشْرِ عندنا، وعند الشَّافِعِي لا يجبُ إِلاَّ في الموقوفةِ على أقوامٍ بأعيانهم فإنهم كالمُلاكِ، والزكاة غيرُ منفي؛ لأنَّ الخضَرواتِ إذا كانتْ للتجارةِ تَجِبُ فيها الزَّكَاةُ بالاتفاق (٨)، عُلِمَ أنّ المنفيَ هُوَ الْعُشْرِ، وله ما روينا، وهو قولُه ﵊: «ما أخرجتْ الأرضُ ففيهِ الْعُشْرِ» (٩)، ويرويهما وهو «ليسَ في الخُضرواتِ صدقةٌ» (١٠) محمولٌ على صدقةٍ يأخذُها العاشُر، أي: يأخذ العاشرُ لأجل الفقراءِ عند إباءِ المالكِ عن دفعِ القيمةِ، وهذا هو المنفيُّ عنَد أبي حَنِيفَةَ ﵀ أي: لا يأخذ العاشرُ مِن عينِ الخضرواتِ عند أبي حَنِيفَةَ ﵀ (١١) إذ مر بها على العاشرِ، وهذا معنى قوله: في الْكِتَابِ وبهِ يأخذُ] أبو حنيفة (١٢) فيه؛ أي: ويرويهما بعمل أبي حَنِيفَةَ في حقِّ هذا الحمل الذي حملناهُ عليه لاِ أنْ لا يكونَ الْعُشْرِ فيه.

стр. 1134

[الزكاة في الخضروات] وفي مبسوطِ شيخِ الإسلام (١): قال أبو حنيفة ﵀: إنّ العاشَر لا يأخذُ مِن عينِ الخضُرواتِ إذا مرّ] عليه (٢) بها، وما لا يأخذ العاشُر منها قياسًا على سائر الأموال، وله أنَّ الأخَذَ يثَبُتُ نظرًا للفقراءِ، ولا نظَر هَاهُنا؛ لأنّ العاشَر في الأغلبِ] يكونُ (٣) نائبًا عن البلدِ، ولا يجدُ فقيرًا ليؤدي إليه فيحتاجُ أنْ يبعثَ بها إلى البلدةِ، ومتى بعثَ ربما يفسدُ قبلَ الوصولِ إلى الفقراءِ، فيؤدي إلى الضرر فلا يأخذُ، بلْ يؤديهِ بنفسهِ، فإنْ قيِل: ينبغي أنْ يأخذَ دراهَم أو دنانيرَ بدلًا عنها كما يأخذُ مِن قيمةِ الخمسِ عند تعذرِ أخذِ العين، قلنا: له ذلك إذا أعطاهُ، ولا كلامَ فيهِ، وأما إذا أبى، وقال: أَعطيكَ مِن النِّصابِ، فيقولُ: لا يُأخذُ مِن النصابِ بخِلافِ قيمة الخمرِ؛ لأنهُ تَعيّنَ أَخْذُ قيمةِ الخمرِ؛ لأنَّ الخمرَ غيرُ متقومٍ في حقِّ العاشرِ ولا كذلك هنا؛ لأنّ الخضرواتِ مالٌ متَقومٌ في حقِّ الكُلِّ فإنْ قِيل: ينبغي أن يُأخَذَ، ويُصرفَ المأخوذُ إلى عمالِته. قلنا: عند أبي حَنِيفَةَ ﵀ لواحد ليصرف إلى عمالتِه كان له الأخذ، وإنما لا يأخذُ إذا أرادَ الصّرْفَ إلى الفقراءِ، ولِأَنَّ الأرضَ قد تُسْتَقَى بما لا يَبَقَى، بل الإستِنماءُ بالخُضَرِ فوق الإستِنماءِ بالحِنطةِ والشعيرِ/ لأِنَّ نفعَ هذه الأشياءِ أعظمُ، ألا ترى أنّ محمداً ﵀ وَضَعَ الخراجَ على الكَرْمِ أكثرَ مما وضعَ على المزارع لما] قلنا (٤): إنّ نفَعه] أعظمُ (٥)، كذا ذكره فَخْرُ الْإِسْلَام ﵀. والسببُ: هو الأرضَ الناميةُ -هذه الجملة جملة حالية- والعاملُ فيها يُسَتَنَمي معنى، والحالُ أنّ السببَ هوَ الأرضُ الناميةُ، وهي موجودةٌ، فلو لمْ يجبْ الْعُشْرِ فيما لا يبقىَ يلزمُ إخلاءُ السبب عن الحُكمِ في مَوْضِعٍ يحتاط في إثباتِ ذلك الحُكم، وهو لا يجوز فلهذا يجبُ فيه الخراجُ، أي: فيما لا يبقى مِن الخارجِ كالخضرواتِ، أو في الأرضِ الناميةِ بالخارجِ الذي لا يبقى على تأويل المكان، أمَّا قَصَبُ السُّكَرِ: ففيه الْعُشْرِ (٦).

стр. 1135

قال شَيْخُ الإسْلَامِ في مبسوطه: (١) وقَصَبُ السّكُرِ (٢) إنْ كان يخرجُ منه العسلُ يجبُ فيه الْعُشْرِ، وإنْ كان لا يخرجُ منه العسلُ كالقصبِ الفارسيِّ لا يجبُ فيه الْعُشْرِ، قيل: إنما لا يخرجُ منه العسل إذا يَبُسَ، وقصبُ الذّرةِ نوعٌ مِن القصبِ في مُضغة حرافهِ، ومسحوقهِ عطر يُؤتَى به مِن الهند، وإنما سمُيَ بها؛ لأنها تُجَعل ذرّة ذرّة، ويُلقَى في الدواء، وكذا وُجِدَتْ بخطِ شَيْخِي ﵀ (بخلاف السَعَفِ والتبنِ) (٣)، السعفُ: وَرَقُ جَريدَ النخلِ الذي يُتخذ منه [الزنبيل] (٤)، والمراوح (٥). وعن الليثِ ﵀ (٦): أكثُر ما يُقالُ له: السَّعَفُ إذا يَبُسَ، وإذا كانتْ رَطْبةً فهي الشِطْبَةُ، وقد يُقالُ للجريدِ نفسهِ: سَعَفٌ، والواحِدُ سَعْفَةٌ (٧)، فإنْ قُلتَ: ينبغي أنْ يجبَ الْعُشْرِ في التِّبْنِ؛ لأنهُ كانَ واجبًا وَقْتَ كَوْنِ الزرعِ قَصَبًا، والتبنُ: هو الفصيلُ، ذاتًا إِلاَّ أنه زادت فيه اليَبوسةُ، وبها لا يتغيرُ الواجبُ، قُلْتُ: إَنما لا يجبُ الْعُشْرِ في التِّبنِ؛ لأنّ الْعُشْرِ كان واجبًا قَبْلَ إِدراكِ الزّرع في الساقِ حتى لو فُصِلَ يجبُ الْعُشْرِ في الفَصِيلِ، فإذا أدركَ تحَوَّلَ الْعُشْرِ منِ الساقِ إلى الحّبِّ كما تحوّلَ الخَراجُ مِن المكَنَةِ عنَد التَعطيل إلى الخارج عنَد الخروج (٨)؛] لأنّ المقصودَ الحبُّ والتمرُ دونهما، أي: لأن المقصود الحبُّ والتمرُ لا السعفُ والتبنُ، فإنهما ليسا بمقصودين، الغرب: الدّلو العظيمةُ (٩) والدّاليةُ المنجنون تديرها البقرةُ، والناعورةُ تديرُها الماءُ مِن دَلَوْتُ الدَّلْوَ عنها، كذا في "الصِّحَاح" (١٠)، وذَكُر في "المُغْرِب" (١١): الدالية: جُذْعٌ طويلٌ تُركَبُّ تركيبَ مذاقِ الأرزِ، وفي رأسِهِ مِغَرفةُ كبيرة يستقى بها على القولين، أي: على حَسَبِ اختلافِ القولينِ فيما يُستنمى مِن عدمِ اشتراطِ النصابِ، وبقائِهِ أو اشتراطهما؛ لأنّ المؤنة تكثُر فيه، ونُقِل فيما يُستقى بالسّماءِ، ذَكر في "المَبْسُوط" (١٢).

стр. 1136

[العلة في تحديد العُشّر] وعلّلَ بعضُ مشايخنا بِعلَةِ المؤنةِ فيما سقْتهُ السماءُ، وكثُرتْ للمؤنة فيما سقى بغربٍ أو داليةٍ، فقالوا: الكثرةُ المؤنة تأثيرٌ في نُقصانِ الواجبِ، وهذا ليس بقويِّ، فإنّ الشَرْعَ أوجبَ الخُمس في الغنائِم، والمؤنة فيها أعَظَمُ منِها في الزِراعةِ، ولكنّ هذا تقديرٌ شرعيٌّ فتِبُعُه، ويعتقدُ فيه المصلحةَ، وإنْ لم تقفْ عليها، وإنْ سقىِ سيحًا وبداليةٍ، وإنما ذكر المعطوف بالياء دونَ المعطوفِ عليه لما أنّ السيحُ اسمٌ للماءِ دون الداليةِ،] فإن الدالية: آلةُ الاستقاءِ، فلا يَصحُّ أنْ يقُالَ: وإنْ سقى داليهً؛ لأنّ الداليةَ (١) غيرُ مَسْقية، بلْ هي آلةُ السقي فلذلك ذكرها بالياء؛ لأنُه لا يمكنُ التقديرُ الشرعي، وهو الوَسَقُ فيهِ، أي: فِيما لا يُوسَقُ كالزعفرانِ، والقطنِ الإحمالِ (٢) - جمع حمِلٍ بكسر الحاء - كذا في "المُغْرِب" (٣)؛ لأنّ التقديرَ بالوَسَقِ كان باعتبار أنه أعلى ما تُقَدَّرُ به؛ لأنّ الوَسَقُ أقصى ما يُقْدرٌ من معياره؛ لأنه يقدر أولًا بالصياع، ثُمَّ بالكيلِ، ثُمَّ بالوسقِ، فكان الوَسَقُ أقصى ما يُقَدَّرُ مِن معيارهِ، وأقصى ما يُقدَّرُ في السُّكر، والزعفرانُ إنما هَو المُنّ؛ لأنهُ تُقَدَرُ أولًا بالسنجاتِ (٤)، ثُمَّ بالأساتيرِ (٥)، ثُمَّ بالمَنَّ (٦) فكان المَنُّ أَقصى ما تقدرُ به الزعفرانَ مِن معيارِه في العَسَل الفِرقُ، وفي القُطْنَ أقصى ما يقدر به الحِمْل؛ لأنه لا يقدر بالسنجات، وإنما يقدر بالأسانينِ، ثُمَّ بالحمل فكان الحمل أعلى ما تَقُدْرُ به القِطْنُ، كذا في مبسوط شَيْخُ الإسْلَامِ (٧)، وفي العسل إذا أخذ من أرض الْعُشْرِ، وإنما قُيِّدُ بأرضِ العُشّر؛ لأنه إذا كان في أرضِ الخراجِ فلا شيءَ فيهِ لا خراجَ، ولا عُشر كما تبين (٨).

стр. 1137

وقِيلَ في المنِّ: تسقط] الْعُشْرِةُ (١) على الفواسح في أرض إنسانِ الْعُشْرِ، وفيهِ نَظَرٌ؛ لأنّهُ اتفاقي، كذا ذكرهُ الإمامُ التُّمُرْتَاشِي ﵀ فأشبه الإبريسمِ، أي: فأشبه الإبريسمَ الذي يكونُ من دُوْدِ القَزِّ؛ وذلك لأنّ العسلَ نِزُل طائرٍ فَسَكنَ الأرضَ كِفراخِ الحمامِ، وليس بنزلٍ خارج من الأرض، والْعُشْرِ إنما وَجَبَ/ مما تخرجُهُ الأرضُ، ولنا ما رَوَىَ عبدُ الله بنُ عمرو بن العاص ﵁: «أنّ بني شبابةَ قومٌ مِن جُرْهم كانتْ لهم] نحلٌ (٢) عسّالةٍ يؤُدون إلى رسولِ الله ﵊ مِن كُلِّ عشرِ قُربٍ قِرّبَة، وكانْ يحمي لهم واديهم، فلما كانَ في زَمنِ عُمرَ ﵁ استعملَ عليهم سفيانَ بنَ عبدِ الله الثقفي ﵁، فأَبَوا أنْ يُعطوهُ شيئًا، فكتب في ذلك إلى عمر، «فكتبَ إليه عمرُ أنّ النحلَ ذبابُ غيثٍ يسوقهٌ اللهُ تعالى إلى مَنْ شاء. فإنْ أدَّوا إليكَ مَاْ كانوا يُؤدُونَهُ إلى رسولِ اللهِ ﵊ فاحمِ لهم واديهم، وإِلاَّ فخلِّ بينهما وبينَ الناسِ، فدفعوا إليه الْعُشْرِ» (٣). وعن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ «أنَّ النبَّي ﵊ كتَب إلى أهلِ اليمنِ في العسلِ الْعُشْرِ» (٤)، والمعنى: فيهِ أنّ حديثَ النحلِ يأكلُ مِن أنوارِ الشجرِ (٥) وثمارهاِ. كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ (٦) وما يكونُ منها العسلُ مُتَولِدُ مِن الثمارِ، وفي الثِّمارِ إذا كانتْ في الأرضِ الْعُشْرِيةِ الْعُشْرِ، فكذا فيما يتولد فيها، ولهذا لو كانتْ في الأرضِ الخراجيةِ لم يكنْ فيها شيءٌ فإنهُ لِيس في ثمارِ الأشجار النابتةِ في أرضِ الخراج شيءٌ، وِبهذا فارقْ (دُودَ القَزِّ فإنهُ يأكلُ الورقَ) (٧)، وليس في الأوراقِ شيءٌ فكذلك ماَ يَتولّدُ منها، ولِأَنَّ الأراضيَ يُسْتَنَمى في بلادِ العسلِ باتخاذِ الخلايا، فالتَحقَ النماءُ بالعسلِ بالنماءِ الخارجِ من الأرضِ بالعُرفِ، والعادةُ بخلافِ بُرجِ الحمامِ، فإنهُ يبنى مروة استنماءِ الأرض، كذا في "المَبْسُوط"، و"الْأَسْرَارِ" (٨).

стр. 1138

قُلتَ: الذي ذكرته أنَّ العسلَ إذا أُخِذَ مِن أرضِ الخراجِ لا شيءَ فيه لاِ عُشر، ولا خراج، هو روايةُ مبسوطِ شمسِ الأئمةِ السَّرَخْسِي ﵀ (١)، ولكنْ ذكر في "الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة "، ولا يُقال: بأنّ العسلَ لو كانَ مِن إنزالِ الأرض، وَجَبَ أنْ يجبُ فيهِ الخراجُ إذا كان في أرضِ الخراجِ، ثُمَّ قال: لِأنَّا نُقول: إنما يجبُ أنْ لو كان الإنزالُ محلًا لإيجابِ الخراج، وليس كذلك؛ لأِنّ الخراجَ إنما يجبُ في الذمةِ، ولا كلامَ فيهِ إنما الكلامُ في الوجوبِ فيه، وقولُ مُحَمَّد في الكتابِ: (وإنْ كانَ في أرضِ الخراج، فلا شيءَ فيه) (٢) أيْ لا شيء في العسلِ، ولكنْ يجبُ الخراج ُباعتبارِ التمكُّنِ مِن الاستنزالِ، فكذا ذكره شيخُ الإسلام (٣). [زكاة العسل] وإذا وَجَبَ الخراجُ في الأرضِ، لم يجبُ الْعُشْرِ في العسلِ تحَرزًا عن الجمع بين الْعُشْرِ، والخراج، كذا في "الفوائد" (٤)، ولهذا الاختلافُ في الروايةِ أبهم المصنِّفَ في الْكِتَابِ ذكرها إذا كانَ العسلُ في أرضِ الخراجِ لحديث بني شبابة، وفي بعض النَّسخ بني سيارة، بنو شبابة قومٌ بالطائفِ منِ خثعم (٥)، كانوا يتخذون النحلُ حتى نُسِبَ إليهم العسل فِقيل: عَسلٌ شبابي، وشبّابه تصحيف، كذا في "المُغْرِب" (٦)، ومنه لفظُ النوافعِ كان عَصٌر شبابي أحلى من العسل الشباني، (أنه تُعتبر فيه القيمةُ) (٧) كما هو أصله، (أي: قيمةُ خمسة أوسق) (٨) مِن أدنى ما يُوسق، لا شيءَ فيهِ (حتى يُبلغَ عشَر قُرَبٍ) (٩)، كُلُّ قُرَبةٍ خمسونَ مِن كُلِّ فِرَق ستة وثلاثون رطلاً (١٠) (١١).

стр. 1139

ذكَر المطرزي في "المُغْرِب" (١): الفَرَقُ بفتحتين: إناءٌ يأخذ ستة عشر رطلًا، وذلك ثلاثةُ أَصْوُعٍ، هكذا في "التهذيب" (٢) عن ثعلبَ، وخالد بن يزيد (٣). قال الأزهري (٤): والمحدثون على السكون، وكلامُ العربِ على التحريك في "الصِّحَاح"، الفَرَقُ مِكْيالٌ معروف بالمدينة، وهو ستةَ عشَر رطلًا، قال: وقد يحُركُ، ثُمَّ قال المطرزي: قلت: وفي نوادرٍ (٥) هشام [عن مُحَمَّد ﵀ (الفرقُ ستةٌ وثلاثون رطلًا) (٦)، ولم أجد هذا فيما عندي من أُصول اللَّغةِ (٧). وذكر في شرح الطحاوي: (كُلُّ فَرْقٍ ستة وثلاثون رطلًا)، وهي ثمانيةَ عشرَ قِنًّا، فيكون جمُلتُه تسعين قنًا. [زكاة القطن] وفي القِطْنِ: يجبُ في خمسةِ أَحمالٍ كُلّ حِملٍ ثلاثُ مائة قِنٍّ فيكونُ جملتهُ ألفًا وخمسمائة. أن المقصودَ حاَصلٌ وهو الخارجُ، ولا مُعتبر بِكونِ الأرضِ مملوكةً له بدليلِ وجوبِ الْعُشْرِ على] المستعير إذا زُرَعَ، وإنْ لم تكنَ الأرضُ مملوكةً له لما أنّ الخارجَ سَلِمَ لهُ مِن غيرِ عِوضٍ كذا هنا، ووجهُ الرِواية (٨) عن أبي يُوسُف، والحسن بن زياد (٩): أنهُ مباحٌ، ولا شيءَ في المُباح: كالصيدِ والحشيشِ.

стр. 1140

[أجرة النقل] (وكُلُّ شيءٍ أخرجتُه الأرضَ مما فيهِ الْعُشْرِ لا يُحتسبُ أجرُ الحمال ونفقةُ البقر) (١) فكان منِ حِّقهِ أنْ يقولَ: الْعُشْرِ أو نِصف الْعُشْرِ؛ إذ الواجبُ أحدُ هذين في أحد هذين على ما جاءَ في الحديث: ما سقتهُ السماءُ ففيهِ الْعُشْرِ، وما سُقِي بغرب، أو دالية ففيه نِصْفُ الْعُشْرِ (٢) [وفي رواية لأنس عن النبي ﵊ أنه قال: «في كُلِّ ما أخرجته الأرضُ ففيه الْعُشْرِ، أو نِصْفُ الْعُشْرِ» (٣) (٤) [. قال الفقيه أبو جعفر ﵀ (٥) في "كشفِ الغوامضِ" (٦):/ إنما ذَكَرَ أبوُ حنيفةَ ﵀ ذلك تسميةً للشيءِ بأغلبِ الاسمين؛ لِأنّ وجَوبَ الْعُشْرِ في بلادِ المسلمين أكثر؛ إذ الأراضي التي تسقيها السماءُ، أو تُسَقَى سَيّحًا أكثر، وما سُقِي بالدّوالي، والسّواقِي أقل، ونظيرُه العمرانُ؛ لأنّ وِلاية عَمر كانتْ أحدُ (٧) مِن وِلاية الصديقِ ﵁، كذا في "الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة (٨) " (٩). لا يحَتسبُ فيه أجُر العمّالِ، ونفقهُ البقر، أي: لا يرفعَ المؤنة مِن الْعُشْرِ مِثَل أجرِ العُمّالِ، وكَرَىَ الأنهار وغير ذلك أي: لا يُقال بعدم وجوبِ الْعُشْرِ في قدرِ الخارج الذي بمُقابلةِ المؤنةِ مِنُ حيثُ القِيمةِ، بل يجبُ الْعُشْرِ في كُلِّ الخارج، ومِنِ الناسِ مِنْ قال: يجبُ النظرُ إلى قدرِ قِيم المؤنِ منِ الخارج، فيسلم ذلك القدْرِ بلا عشر، ثُمَّ يَعْشُر الباقي؛ لِأنَّ قدرَ المؤن بمنزلة السَّالمِ لهُ بعوضٍ كأنهُ اشتراه ألا ترى أنَّ مَنْ زرعَ في أرضٍ مغصوبةٍ سَلِمَ لهُ مِن الخارج بِقَدرِ ما غَرِمَ مِن نُقصانِ الأرض، فطاب له كأنه اشتراه ووجهُ قولنا ما روينا أنّ النبيَ ﵊ قال: «ما سقته السماءُ ففيه الْعُشْرِ، وما سُقَى بغرب] أو دالية (١٠) ففيهِ نصفُ الْعُشْرِ» (١١). حُكْمٌ بالتفاوتِ، بتفَاوُت المؤنِ، فلو رُفعِتْ المؤنُ لصار الواجبُ متفقًا، فهذا نصٌّ في البابِ، ولا قِياسَ مع النصِّ فلأن هذا حقٌ لم يُشرعْ متكررًا باعتبار خارج واحد، فلمْ يعتبر سِرٌّ زائدٌ يرفعُ المؤنَ، ألا ترى أنّ المؤنَ لا تُرفَعُ في نِصابِ الزَّكَاةِ مثلَ أُجرةِ حفِظِ السائمة وغيرها، ففي هذا أولى، وهذا مِن الخواص، كذا في "الجامع] الصغير (١٢) " لفَخْرِ الْإِسْلَام فلا معنى لرفعهِا؛ لِأنّهُ لو جاز رَفَّعُ المؤنةِ لما حَكَمَ الشارِعُ بتِفاوُتِ الواجب عنَد تفاوُت المؤنةِ؛ لِأنَّه عنُد الدَّفْعِ يصيرُ الواجبُ مُتفِقًا مع اختلاف المؤنة، بيان هذا ما إذا كانَ الخارجُ - مثلًا- فيما تسقيهِ السماءُ أربعين قَفِيزًا (١٣)، واستحقتْ قِيمةُ القفزين لحفظِ الزرعِ، واستئجارِ العُمالِ، والثيرانِ فإن الواجب فيه على قولِ العامةِ، وهو ظاهرُ الروايةِ أربعة أَقْفِزَةٍ، واعتبارُ المجموعِ الخارجِ وعلى قولِ ذلك البعضِ الذي ذكرنا كانَ الواجبُ عليه قَفِيَزيْنِ ولا غيَر؛ لِأن ما يُقابل المؤنة مِن الخارج بمنزلة السَالم له بالِعوَضِ كما في الغصبِ على ما ذكرنا، فلا يجبُ في قدر ما يقابله شيءٌ مِن الْعُشْرِ وأنّا نقول: لو قلنا هكذا كان الواجبُ مُتحِدًا مع اختلاف المؤنة، فإنهُ إذا كان الخارجُ أربعين قفيزًا فيما سُقِيَ بغرب أو دالية، فإنّ الواجبُ فيه قفيزان بحِكم الشرعِ ولو قلنا: بِرَفْعِ المؤنةِ فيما سقتُه السماء، أي: لو قلنا: بعدم وجُوبِ الْعُشْرِ فيما يقابلهُ مِن المؤنةِ، لكانَ الواجبُ عليه أيضًا قَفيِزينِ كما كان للواجبِ على الذي سقى بغربٍ أو داليةٍ قفيزين، هذا هو تفسيُر اتحادِ الواجبِ مع اختلافِ المؤنة، وهو خلافُ حُكْمِ الشرعِ فلا يجوز وذكر صدُر الإسلام أبو اليسر في "الجامع الصغير"، فإنه لا يحُتسبُ أجرُ العمال، ولا نفقةُ البقر؛ لأنه سَلّمَ لهُ تسعةُ الأعشارِ، أو تِسعةُ أعشارٍ، ونِصْفُ عشرٍ إذا كَثُرتْ النفقُة بسبب الغرب، والدالية (١٤) فقد نُظر له بهذا الطريق، فلا يجب له النظر بطريق آخر (١٥).

стр. 1141

قلت: ألا لا باركَ اللهُ، ولا متّعَ لمِنْ لم يغتنمْ ما أتعبتُ نفسي في تفتيحِ المضايقِ، وتبيين الطرائقِ، بل اعتنى بنشر مطاعن لم تكنْ هي فيه، وإنمّا تعاصِر دَرَكهُ لجهلهِ عمّا يستوفيه، أو خرجتْ مطاَعِنُ بحيثُ دخلته فيهِ، وزادَ اللهُ اطلاعًا وانشراحًا لصدورِ مِنْ أنصفَ، واغتنمِ، وافتتحَ أمَره بالسعادةِ واختتم، والتغلِبي (١) بكسر اللام منسوب إلى بني تغلب، والِنسبةُ إلى نمِرين قاسِطُ بمزي بالفتح، والكوفيون على العكس وقد ذَكَرّنَاهُ مستوفى فيما تقدّمَ في فصلِ الفصلان، والحمِلان. (تغلبي له أرض عُشّر عليهِ الْعُشْرِ مضاعفًا) (٢)، والجملة فيه أنّ الواجبَ في الأرضِ ثلاثهُ الْعُشْرِ، والخراج، والتضعيف، والملاَّكَ ثلاثةٌ: مسلمٌ، وذميٌ، وتغلبي (٣). أمّا الأرضُ الخراجيةُ إذا اشتراها مُسْلمٌ، فلمْ تنبتُ خراجيةً بالإجماعِ؛ لِأَنهُ يؤتهِ فيها شبهة العقوبةِ، فالإسلامُ لا ينُافي العقوبةُ، فوجب القولُ بالبقاءِ وإذا كانتْ الأرضُ عشريةً فاشتراها كافرٌ تغلبي ضُوعِفَ عليه بالإجماع (٤) أيضًا لما قلنا من قضية عمَر ﵁، كذا ذكره فَخْرُ الْإِسْلَام ﵀. وذُكر في نوادر زكاة "المَبْسُوط" (٥): ولو أن تغلبيًا اشترى أرضًا من أرض الْعُشْرِ، فعليه الْعُشْرِ مضاعفًا، هذا قولُ أبي حَنِيفَةَ، وأبي يُوسُف أمّا عنَد أبي حَنِيفَةَ ﵀ فلأن الصُلْحَ وقع بيننا،/ وبينهم على أنْ يضُيفَ عليهم ما يُؤخذُ مِن المُسلمِ، والْعُشْرِ يؤُخذ مِن المسلمِ، فيضّعفَ عليهم وأما (عنَد أبي يُوسُف) (٦): فلأنَّ كافرًا آخَر لو اشترى أرضًا عشريةٌ (كانَ عليهِ الْعُشْرِ مُضاعفًا) (٧) عنده فالتغلبي أولى، (وأما عند مُحَمَّد فعليه عشرٌ واحدُ) (٨)؛ لأنّ تضعيفَ الْعُشْرِ في الأراضي الأصلية لهِم، وهي التي وقعَ الصُّلحُ عليها، وأما فيما سِوى ذلك منِ الأراضي فالتغلبيُّ كغيرهِ منِ الكفارِ، وما صار وظيفةَ الأرضِ لا تتبدلُ بتبدلِ المالِ عند مُحَمَّد ﵀ قال: ألا ترى أنه لو اشترى أرضًا خراجيةً كانَ عليه الخراجُ على حالةِ، ولو اشترى أرضًا من أرضِ نجرانَ (٩) كان عليه الحلل على حالهِ، ولكنا نقول: إنما وقع الصلح بيننا وبينهم على أنْ يضّعفَ عليهم ما يَبتدأ به المسلم والخراج، والحلل مما لا يبتدأُ به المسلمُ فلا يضعّف وأما الْعُشْرِ فمِما يَبتدأُ به المسلمُ فيضعّف عليهم باعتبار الصُّلحِ، كما لو اشترى سائمةً مِن مُسلم تجِبُ عليه الصدقة فيها مضّعفة وعن مُحَمَّد أنَّ فيما اشتراهُ التغلبي مِن المسلمِ عشرًا واحدًا وذكر هذه المسألة في زكاةِ "المَبْسُوط" (١٠)، وقال: وإنْ اشترى تغلبيٌّ أرضَ عشر من مُسلم ضُوعِفَ عليه للصلح الذي جرى بيننا وبينهم وذكر ابنُ سماعَة عن مُحَمَّد ﵀ (١١) أنّ تضعيف الْعُشْرِ عليهم في الأراضي التي كانتْ لهم في الأصل فأما مَنْ اشترى منهم] أيضًا (١٢) عشرية مِن مسلم، فعليه عشرٌ واحدٌ بناءً على أصلهِ أنَّ ما صار وظيفةً للأرض تقررُ، (ولا تتغيرُ بتغيّرِ المالكِ) (١٣)، وإنْ اشتراها منه ذِميٌّ.

стр. 1142

[مسألة إذا تغير مالك الأرض] أي: مٍن التغلبي الذي لم يشترها من مسلم، بل كانتْ له إرثًا مضاعفًا، عَشَّرَها كما إذا مّر على العاشر، فإنّ الذِّمِّي إذا مرَّ على العاشرِ بمالِ الزَّكَاةِ، فإنهُ يؤُخذ منه ضِعف ما يؤخذ من المسلم، وكذا إنْ اشتراها منُه مُسلم أو أَسلم التغلبي، أي: يبقى عشراً مضاعفًا كما كانْ، سواءً كان التضعيف أصليًّا بأنْ كانتْ الأراضي الْعُشْرِيةُ التي ضَوعِفَ عُشّرَها على بني تغلبٍ موروثهً مِن آبائهم، أو حارثًا بأن اشتراها التغلبي مِن المسلم كالخراجِ، فإنّ المسلمَ إذا اشترى الأرض الخراجية مِن كافر يبقى الخراج على المسلم، كما كان لزوالِ الداعي إلى التضعيف، وهو الكِفر، فعاد إلى الوظيفةِ الأصلية التي اقتضاها الآثار منِ الْعُشْرِ، أو نصفُ الْعُشْرِ ألا ترى أنَّ التغلبي إذا كانتْ له خمسٌ مِن الإبلِ سوائمَ، يجبُ عليه فيها شاتان، فلو باعها مِن مُسلِم أو أَسْلَمِ هو يؤُخذ مِنه شاةٌ واحدةٌ لمِا ذكرنا ولأبي حَنِيفَةَ ﵀: أنّا أجمعنا على أنّ الخراجَ يبقى بعدَ الإسلامِ، والبيع مِن المسلمِ وهذا الفِقهُ: وهو أنّ بقاءَ الحُكْمِ يستغني عنْ بقاءِ السببِ الابتداء يبنى؛] لأنه بيع باستصحاب الحال (١) (٢) [، ألا ترى أنّ المُلَكَ في المَهْرِ بعد ارتفاعِ النَّكْاحِ، وكذلك الرَّمْلُ (٣)، والاضطباعُ (٤) بَقيا بعدَ زَوْالِ الحاجةِ إلى إظهار الَتَجلُّدِ، ثُمَّ الفرقُ بينَ هذا وبين مسألةِ السَّوَائِم، وهُوَ أَنّ مالَ الزَّكَاةِ أَقْبَلُ للِتحُّولِ مِنْ وصفٍ إلى وصفٍ، ألا ترى أنّ مالَ التجارةِ يُبطِلُ عنه وصفُ الزَّكَاةِ بِنيِة القنيةِ، وكذلِك السَّوَائِم يبطلُ عنها وصفُ الزَّكَاةِ يجعلهُا عَلوُفةً، ولا كذلك الأراضي ألا ترى أنه إذا عطَّلها أعوامًا ما يُؤخذُ مِنه الخراجَ ومُحَمَّد هكذا يقول: إنّ الوظيفةَ إذا استقرتْ في الأراضي لا تتغيرُ مِن وصفٍ إلى وصف (٥)، كذا في "الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة".

стр. 1143

وذكر في "المَبْسُوط" (١): وهذا بخلافِ السَّوَائِم فإنهُ لا وظيفةَ فيها باعتبارِ الأصل، حتى إذا كانتْ لغيرِ التغلبِّي مِن الكُفارِ لا يجبُ فيها شيءٌ، فَعرْفنَا أنَّ التضعيفَ كان باعتبارِ المالِكِ، فيسقطُ بتبدُّلِ المالِك، أو تُبدُّلِ حالةِ الإسلامِ قالَ في الْكِتَابِ - أيْ في كتابِ الزَّكَاةِ من "المَبْسُوط"-: وهو قولُ مُحَمَّد فيما صَحَّ عنه، وهذا يقولُ الْكِتَاب الذي قالَ في الْكِتَاب عنه، أي: (عن مُحَمَّد اخُتُلِفَ النَسْخُ في بيانِ قولِه: أيْ اختلف نَسْخُ) (٢) "المَبْسُوط" في بيانِ قولِ مُحَمَّد أنّهُ مع أبي حَنِيفَةَ، أم مع أبي يُوسُف؟ فإنُه ذَكَرَ في مبسوط شمسِ الأئمةِ (٣) بعد ذِكْرِ التغلبيِّ: فإنْ أَسْلَمَ عليها أو باعَها مِن مُسلمٍ، فعليهِ الْعُشْرِ مُضاعفًا في قولِ أبي حنيفةَ، ومحمد، وفي قولِ أبي يُوسُف عليه عُشُر واحد، ثُمَّ قال: وذَكَر في رِوايةِ أبي سليمانَ المسألةَ بعدَ هذا، وذكَر قولِ مُحَمَّد كقولِ أبي يُوسُف في بقاءِ التضعيفِ، أي: في بقاءِ التضعيف على المُسلمِ إِلاَّ أنَّ قولَهُ، أي: قولُ مُحَمَّد؛ (لأنَّ التضعيفَ الحادثَ لا يتحققُ عندَهُ) (٤)؛ لأِنَّ التغلبي إذ اشترى أرضًا عُشريةً مِن مُسلمٍ بَقِيَتْ كذلكَ غيرَ تضعيف عنَد مُحَمَّد. وإذا لم يَثُبتْ التضعيفُ الحادثُ عنَده لا يَتأَتى السقوطُ، فَعُلِمَ بهذا أنَّ الخلافَ بينَ أبي حَنِيفَةَ، ومُحَمَّد، وبين أبي يُوسُف في سقوطِ/ التضعيفِ في الأراضي التي كانتْ أصليةً في حُكْمِ التضعيفِ، ولوِ كانتْ الأرضُ لمسُلمٍ باعَها مِن نَصْرانيِ يُريُد به دنيا غير تغلبيِّ، وإنما قّيدَ بهذا؛ لأِنَّ لفظ النصراني، ولفظَ الذِّمِّي يتناولان، التغلبي، وغيَر التغلبي النصراني، وذَكَر بَيع المُسلم مِنَ التغلبي قَبْلَ هذا في قوله: وعن مُحَمَّد أنّ فيما اشتراهُ التغلبيُّ مِن المسلم فِي هذه المسألةِ: وهي مسألةُ ما إذا باعَ المسلمُ أرضًا عُشريةً مِن ذميّ سبعةُ أقوالٍ مِنْ سبعةٍ مِنَ العلماءِ، والأقوالُ الثلاثةُ مِن علمائِنا الثلاثةِ مذكورةٌ في الكتاب (٥). وقال مالك (٦): يجُبْرُ الذِّمِّي على بيعهِ مِنَ المسلمينَ (٧). وعلى أَحَدِ قولي الشَّافِعِي ﵀ (٨): لا يجوزُ البيعُ أصلًا، وفي قوله الآخر، وهو قولُ ابْنُ أبي لَيْلَى (٩) (١٠): يُؤخذُ منهُ الْعُشْرِ، والخراجُ، وكانَ شريكُ بنُ عبدِاللهِ (١١) (١٢) يقولُ: لا شيءَ فيها، وجعل هذا قياسَ السَّوَائِم إذا اشتراها كافر مِنْ مُسلمٍ، ولكن هذا ليسَ بِصحيحٍ، فإنَّ الأراضي الناميةَ في دِيارنا لا تخلى عن وظيفةٍ بخلافِ سائرِ الأموال، والشَّافِعِي في أحدِ القولين: لا يجوزُ البيعُ أصلًا، كما هو مذهبه في الكافرِ يشتري عَبدًا مُسلمًا، وفي قوله: الآخر بأنَّ ما كانتْ وظيفة لهذه الأرض تبقى، وباعتبارِ كُفْرِ المَلِكِ الحادثِ يجُب الخراجُ بناءً على أصلهِ في الجمع بيَنُهما وِمالكٌ يقولُ: يُجْبِرُ على بيعهِ مِنَ المسلمين؛ لِأنَّ حقِّ الفُقراءِ تعلَّقَ بها، وَمْالُ الكافرِ] يصلحُ (١٣) لذلك، فُيجَبُر على بيعها] لإبقاء (١٤) حقِّ الفقراءِ فيها، كذا في "المَبْسُوط" (١٥).

стр. 1144

إنما قُيِّدَ بقولهِ: وقبضَها ليُعَلمَ بهِ تأكُّدُ مُلْكُ الذِّمِّي فيها، وتقررُ الأرضُ عليه حتى إذا أخذها مُسلمِ بالشفعةِ أو رُدَّتْ على البائعِ تبقى عُشريةً كما كانتْ، وهي المسألةُ الثانيةُ التي تجيءُ (١). [هل على الكافر خراج ؟] وذَكَر في نوادِرِ زكاةِ "المَبْسُوط" (٢): ولو أنّ كافرًا اشترى أرضاً عُشْريةً، فعليهِ فيها الخراجُ في قولِ أبي حَنِيفَةَ ﵀ ولكنّ هذا بعدَمَا انقطعَ حقُّ المسلمِ عنها مِنْ كُلِّ وجهٍ حتى لو استحقها مُسلمٌ، أو أخذها مُسلمٌ بالشَّفْعَةِ كانتْ عشريةً على حالها سَواءً وُضِعَ عليها الخراجُ، أو لم يوُضَعْ؛ لأَنَّهُ لم ينقطعْ حقُّ المسلمِ عنها، ولو وَجَدَ المشتري بها عيبًا لم يستطعْ أنْ يردَّها بعدما وَضَعَ عليها الخراجُ؛ لأنّ الخَراجُ عيبٌ، وهذا عيبٌ] حدث (٣) في مُلْكِ المشتري، فمنعُه مِنَ الردِّ بالعيبِ؛ لأنهُ أليقُ بحالِ الكافرِ؛ وذلك لأنهُ تعَّذرَ الأخذُ بوصفِ التضعِيفِ إذ ذاك يُعتَمدُ الصّلحُ، والتراضِي كما في التغالبةِ فبعدَ ذلك، أمّا أنْ يصُارَ إلى إبقائِها عُشريةً، ولا سبيلَ إليه؛ لأِنَّ الْعُشْرِ فيه معنى القُربةِ والكافرُ بمعزلٍ فيه وأما أنْ يصُارَ إلى الخراجِ، وهو الأْليَقُ بهِ، فلذلكَ تَعيَّنَ المصيرُ إلى إيجابِ الخراجِ] وقال أبو يُوسُف (٤): إنّ ما كانَ مأخوذًا مِن المسلم إذا وَجَبَ أخذُهُ مِن الكافرِ، يضعفُ عليه كصدقةِ بني تَغلِبٍ وماَ يمرُّ به الذِّمِّي على العاشرِ، كذا في "المَبْسُوط" (٥) فلا يتبدلُ كالخراجِ، وهذا لأِنَّ معنى العِبادةِ في الْعُشْرِ تابعٌ فيمكنُ إلغاؤُهُ كالخراجِ لمِا كانَ معنى العقُوبةِ فيهِ تابعًا ألغيناهُ في حقِّ المسلمِ،] وبقينا (٦) الخراج في حقِّهِ باعتبار المؤنةِ فكذا هذا، ثُمَّ في رِوايةٍ يُصرفُ مَصارفَ الصدقاتِ، أي على قولِ محُمد (٧)، وقد صَرّحَ به في "المَبْسُوط" (٨) وقال: ثُمَّ الْعُشْرِ الذي يؤُخذُ عنَد مُحَمَّد ﵀ يُوضع مَوْضِعَ الصدقاتِ (٩)، كما ذُكِرَ في السِيَرِ؛ لأنَّ حقَّ الفقراءِ تَعلّقَ بهِ فهو كتعلُّقِ حقِّ المعاملةِ بالأراضي الخراجية، ورَوَى ابنُ سماعةَ عن محمدٍ: أنّ هذا الْعُشْرِ يُوضعُ في بيتَ مالِ الخراجِ (١٠)؛ لأنُه إنما يُصرفُ إلى الفقراءِ ما كانَ لله تعالى بطريقِ العبادِة ومالُ الكافرِ لا يُصْلُح لذلكَ، فيُوضعُ مَوْضِعُ الخراجِ كما يأخذُ العاشُر مِن أهلِ الذمةِ.

стр. 1145

[مسألة انتقال الأرض بالشفعة] (فإنْ أخذها منه مُسلم) (١)، أي: فإنْ أخذَ الأرضَ الْعُشْرِيةُ التي اشتراها النصرانيُّ، مُسلم (بالشفعةِ)، (٢) أي: أخذَ مُسلمُ مِن النصراني بالشفعةِ كأنُه اشتراها، أي: كأنَ المسلمُ اشترى الأرض (٣) منِ المسلمِ لِتحُّولِ الصفقةِ إلى الشفيعِ فإن قُلْتَ: لو كانتْ صفقةُ البائعِ متحولةً مِن المشتري إلى الشفيعِ، وصارَ كأنَ الباِئعُ باعها مِن الشفيعِ، لما رَجَعُ الشفيعُ بالعيبِ إذا وَجَدَهُ على المشتري إذا قبضَها منِ المشتري. قلتُ (٤): قال شَيْخِي ﵀ (٥) في جوابِ هذه الشَّبهةِ: فلو كانَ هذا عقدًا جديدًا بيَّن المشتري، والشفيعُ لأَمْكَنَ البائعُ أخذَها بطريقِ الشفعةِ، ولم يكنْ عَلِمَ بهذا أنُه تحوّلَتْ الصفقةُ مِن المشتري إلى الشفيعِ/ وإنما لم يتمكنْ الشفيعُ بالردِّ بالعيبِ على البائعِ؛ لأنهُ لم يأخذْ منه حقيقةً، والعُهدةُ على مَنْ وَجَدَ الأخذَ منه، كما في الوكيلِ بالبيع، فإنه يَردَّ المشتري بالعيبِ على الوكيلِ لا على الموُكَّلِ لأِخذهِ مِنَ الوكيلِ حتى لو كان الشفيعُ أخذهُ مِن البائعِ، ثُمَّ وَجَدَ فيها عيبًا يردُّها على البائعِ لا على المشتري وأما الثاني فلأنهُ بالردِّ (جعل البيعَ كأنْ لم يكنْ) (٦)، وكذلك (لَوْرُدَّتْ على البائعِ) (٧) بخيارِ هذا إذا كانْ الردُّ بالعيبِ بقضاءِ قاضٍ، فإنها عادتْ عُشريةً كما كانتْ لِزوالِ المانعِ قَبْلَ تَقَررِهِ، وأمّا إذا رَدَّها بغيرِ قضاءٍ أو باعها مِن مسلمٍ أو أَسْلَمَ، فَهُوَ بقيتْ خراجتَهَ؛ لأَنَّ الإسلامَ لا يرفعُ الخراجَ (٨)، كذا ذَكَرهُ الإمامَ التُّمُرْتَاشِي ﵀ (ولِأَنَّ حقَّ المسلم) (٩)، وهو البائعُ لكونه مُستحَقٌ الردَّ بفتح الحاء، وإذا كانَ لمِسلمٍ دارً خطَّها، فجعلها بُستانًا، فعليهِ الْعُشْرِ دارٌ خَطها بالإضافةِ للبيان، كما في خَاتم فِضَةٍ كذا كانَ مُقيدًا بقيدِ شَيْخِي ﵀ (١٠) ويجوزُ نَصْبٌ بالتمييزِ عن اسمِ تامٍ بالتنوينٍ، كما في عندي رَاقود (١١) خَلَاْ، ثُمَّ إنما قيدَ بِقولهِ لمسلم لِيستقيَم ترتُيب جوابِ الْعُشْرِ، فإنَّهُ لو كانَ لكافرٍ دارٌ، (فجعلها بستانًا كان عليهِ الخراجُ) (١٢)؛ لأِنه ابتدأ وضع، والخراجُ أليقُ بالكافِر، وإنما قُيّدَ بالدارِ التي جعلها بَستانًا؛ ليبينَ أنّ الحُكْمَ الأصليَّ للشيءِ يتغيرُ بتغُيرِ صفِتهِ، فإنها لو بقيتْ دارِاً كَما كانتْ لم يكنْ فيها شيءٌ سواءً كان مالِكُها مُسلمًا أو ذِميًّا (١٣)، لما روي أنَّ عُمر ﵁ حين وظّفَ الخراجَ، والجزيةَ سُِئلَ عن المساكنٍ؟ فقال: "المساكِنُ نحو كذا" (١٤)، ذَكَرَهُ الإمام الْمَحْبُوبِيّ ﵀.

стр. 1146

] وإنما قُيَّدَ بالخطِّة لِيقينٍ به ابتداَء الوضعِ في حقِّ المسلم أنهُ ماذا؟ وقال الإمامُ المحبوبي (١): فإنّ المسلمَ لما جعلها بستانًا صارتْ أرضًا ناميةً في أراضِي الإسلامِ، والأراضي الناميةُ لاتخلو عن مُؤنةٍ، وفي ابتداءِ وضعِ الخراجِ معنى الصِّغارِ، فيَصان المسلمُ عنه فأوجبَ عليها الْعُشْرِ؛ لأنها صدقةٌ والمسلم مِنْ أهِلها، ولأنهُ ذَكَرَ فيما تقَّدمَ أحكامَ ما اشتراه المسلمُ أو الكافرُ مِن الأراضي التي فيها المُؤنِ، وبَيّنَ ها هنا ما يبتدأُ به وضعُ المُؤنِ في حقِّ الفريقينِ، فقيّدَ لذلك بالخِطَة (٢): وهي ما خطَّهُ الإمامُ بالتمليكِ عِنَد فتحِ دارِ الحربِ وقد ذكرناه فيما تقّدم، فإنْ قلتَ: ذُكَرِ في الْكِتَابِ معناه إذا سقاه بماءِ الْعُشْرِ، وفيه دليلٌ على أنْ وَضْعَ الْعُشْرِ عليه باعتبار سقيْهِ الماء الْعُشْرِي لا باعتبار التوظيفِ على المسلمِ (٣). قلتُ: نعم الاعتبارُ للماءِ في وَضْعَ الْعُشْرِ، لكنْ مع دِعايةِ جانبِ ابتداءِ التوظيفِ على المسلم ألا ترى أنّ المجوسيَّ لو جعلَ دَارَهُ بستانًا، وسقاها بماءِ الْعُشْرِ كان عليه الخراجُ، فلو كانَ الاعتبارُ للماءِ مجُردًا لما وجبَ عليه الخراجُ عنَد سقيهِ ماءِ الْعُشْرِ، بلْ وَجَبَ عليهِ الخراجُ في ظاهِر الروايةِ بالإجماعِ (٤) على ما يجيءُ، عَلِمَ أنهُ يعتبرُ ابتداءَ التوظيفِ على] المسلم (٥)، وُقيِّد بَقوله: (فجعلها بستانًا) (٦)، فإنه إذا لم يجعلْ دارَهُ بستانًا، ولكنْ فيها نخيلٌ يخرجُ إكرارًا مِن ثمرٍ فهي في حُكْمِ الدارِ حتى أنهُ لم يكنْ فيها عشرً، ولا خراجٌ، كذا ذكره الإمامُ السَّرَخْسِي ﵀ في بابِ الْمَعَادِنِ منِ زكاة "المَبْسُوط" (٧)، وكذا ذكره الإمامُ المحبوبي. [إذا جعل الأرض بستاناً] وأما البستان: فهو عبارةٌ عن كُلِّ أرضٍ يحوطها حائط، وفيها نخيلٌ متفرقةٌ، وأشجارٌ، كذا ذُكِرَ في هذا الْكِتَابِ في بابِ الْعُشْرِ، والخراجِ من كتابِ السَيرِ (٨)، فحينئذٍ كان اسمُ الدارِ عنه مسلوبًا، فلذلك لا يبقى فيه ما هو حُكْمُ الدارِ مِن عفوِ المساكنِ، وهذهِ هي المسألةُ التي عَرَضْتُها على شَيْخِي ﵀ وإثابةُ الجنةِ بهذه القيودِ في منامي بعد وفاتهِ، واستحسَنَ هو ﵀ ما ذكرتهُ مِن القيودِ مترضيًا بشر طَلْقٍ، ولسان ذَلِقٍ.

стр. 1147

وذُكَر في "الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة ": منِ مشايخنا مُنْ قالَ هذا إذا كانتْ الأرضُ في الأصلِ عُشرية بأنْ أسلمَ أهلهُا طوعًا إِلاَّ أَنهُ سَقَطَ عُشرهًا بالاختطاطِ للدارِ فإذا جعلها بستانًا عادتْ كما كانتْ، فأما إذا كانتْ خراجيةً في الأصلي عادتْ خراجيةً كما كانتْ، وقال بعضهم: العِبْرُة فيه للماءِ كما هو المذكور في الكتابِ؛ لأنّ وظيفة الأراضي باعتبارِ إنزالها، وحيويتها، وهي إنما يكونُ بالماءِ، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (١). وهذا تنصيصٌ علَى أنّ المسلمَ يبتدأُ بتوظيفِ الخراجِ عليه، وهو يَعْضُدُ ما ذَكرهُ القاضي الإمام أبُو الُيسْر ﵀ مِنْ قولهِ: ضَرْبُ الخراجِ على المُسلم ابتداءً جائز؛ لأِنهُ لا يجبُ على الكافرِ بطريقِ/ الذُّلِ، والصَّغارِ، قال شمسُ الأئمةِ السَّرَخْسِي ﵀: لا صغارَ في خراج الأراضي، إنما الصّغارُ في خَراج الجماجمِ فإن قِيلَ: قد ذَكَر مُحَمَّد ﵀ (٢) في أبوابِ السِيَرِ مِنَ الزياداتِ (٣) (٤)، قُلَنَا: قال شمسُ الأئمةِ السَّرَخْسِي ﵀: معنى هذا أنه لا يُبتدأُ بتوظيفِ الخراجِ عليه (٥) إذا لم يكنْ منه صُنعٌ يستدعي ذلك وهاهُنا وُجِدَ منهُ صُنعٌ يستدعي ذلك: وهو السَقيُ منِ ماءِ الخراج إذ الخراجُ يجبُ حقًّا للمُقابلةِ، فيختصُّ وجوبُ الخراجِ فيما يسقى ماءُ جهة المقابلة، والماء الذي جَهُة القابلة ماءُ الخراجِ، فلذلك يجبُ الخراجِ إذا سقاه بماءِ الخراجِ؛ (لأنّ المؤنةَ في مِثْل هذا تدوُر مع الماءِ) (٦)، أي في الشيء الذي لم يَتَقَرّرْ أمُرُه على أنهُ عُشّري أو خراجي، فحصل الخارجِ بالماء، كانتِ العبرة للماءِ كما في إحياء المواتِ، وليسَ على المجوسي في دارِهِ شيءٌ، فإنُ قِيَلَ: لماذا خٌصَّ المجوسي بالذِكْرِ والحُكْمِ في اليهودِ والنصارى هكذا؟

стр. 1148

قلنا: إنما خصّهُ بالذكْرِ؛ لأن المجوسيَ أبْعَدُ عن الإسلامِ من اليهودِ، والنصارى بدليلِ حُرمةِ نِكاحِ نسائِهم وذبائِحهم وإذا لم تجبْ الوظيفةُ في دارِ المجوسيَّ، والحالةُ هذِه أولى أنْ لا يجبُ في دارِ اليهود والنصارى (١)، كذا في "الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة "، وذكره شيخُ الإسلامِ (٢) إنما خصّهُ بالذكْرِ؛ لأنهُ قِيل لعمر ﵁: إن المجوسَي كُثَرٌ بالسّوادِ (٣)، فقال: "أعياني أمُر المجوسي" وفي القومِ عبدُالرحمن بنُ عوفٍ (٤) ﵁، فقال: سمعتُ رسولَ الله ﵊ يقول: «سنَوا بالمجوس سُنةَ أهلِ الْكِتَابِ غيرَ ناكحي نسائهم» الحديث (٥) فلما سمَعَ عُمر بذلك عَمِلَ به، وأمرَ عُمّالَهُ بأنْ يمَسَحَوا أراضِيهم، وعامرِهمْ فيوظّفوا الخراجَ على أراضيهم بقدرِ الطاقةِ والرّيْعِ،] وعفا عنِ رِقاب دوُرهم (٦)، وعن رقابِ الأشجارِ فيها، فلما ثَبُتَ العفوُ في حقهم مع كونهم أبعد عن الإسلام يَثُبتُ في حقِّ اليَهودِ والنصارى بالطريق الأُولى، وإِنْ جعلها بستانًا فعليِه الخراجُ، وإنْ سقاهُ بماءِ الْعُشْرِ، وأنّ الثانيةَ للوصْلِ (٧)، وذَكَرَ الإمامُ الكشاني ﵀ (٨)، فقال: وكذلك إذا سَقَاهَا بماءِ الْعُشْرِ] يَجبُ (٩) الخراجُ أيضًا؛ لأن الْعُشْرِ عبادةٌ، والكفرُ يُنَافيه (١٠)، وكذا ذُكَر في عامةِ شُروحِ "الجامعِ الصغيرِ" (١١) فقال الإمامُ التُّمُرْتَاشِي ﵀: ولو أحيا ذِميٌّ أرضاً أو اتخذَ دارَهُ بستانًا، أو رُضِخَتْ له أرضٌ لشهود القتالِ، فهي خراجية، وإنْ سقاها بماءِ الْعُشْرِ وعلى قياسِ قولهِما] ينبغي (١٢) أنْ يجبُ فيها الْعُشْرِ كالذِّمِّي إذا اشترى أرضًا عشريةً بخلافِ المسلمِ إذا جَعل دارَهُ بستانًا، وسقاها بماءِ الخراجِ حيث يوظفُ عليه الخراجُ عند الكُلِّ لما أنّ الإسلامَ لا يُنافي العقوبةَ، (والماءُ الخراجيُّ الأنهار التي حفرتها الأعاجمُ) (١٣) مِثلُ نهرِ المُلكِ (١٤)، ونهر (١٥) يزدجرد، ومروروذ (١٦)؛ لأنّ أصلَ تلكَ الأنهارِ بمالِ الخراجِ فصار ماؤُها خراجيًّا، وصارتْ الأرضُ خراجيةً تِبعًا (١٧)، كذا في مبسوطِ فَخْرُ الْإِسْلَام ﵀ (١٨)، (جَيْحُون) (١٩) نَهرُ تِرمِذْ بكسر التاء، والذالِ المعُجمِة، (وسَيَحُون) (٢٠) نَهر الُّتركِ، وهو نهر خجند، (ودجلة) (٢١) بغير حرف التعريف نهر بغداد، (وفراتٌ) (٢٢) نهرُ الكوفة، كذا في "المُغْرِب" (٢٣)؛ (لأنهُ لا يحميها أحدٌ) (٢٤)، فلما لمْ يحمها أحد شابهتْ ماءُ البحارِ، وماءُ السماءِ، وهو عُشريُ بالاتفاقِ (٢٥)، فكذا هذا.

стр. 1149

[حكم أرض الصبي والمرأة] (وفي أرضِ الصبيِّ، والمرأةِ التغليبيين ما في أرضِ الرجل) (١)؛ لأنَّ الواجبَ هُنا مؤنةً ليستْ بزكاةٍ، ولا عقوبةٍ، ولكنهُ مُركّبٌ مِن خَراجٍ وعُشْرٍ، (٢) والصبيُّ أهلٌ لهما، كذا ذكره الإمامُ الكشَّاني؛ لأنه ليس منِ إنزالِ الأرض، ولا يمكن تحصيلها بحيلة. وذكر في "المَبْسُوط" (٣): ولا شيءَ في القِير، والِنفطِ، والمِلح؛ لأنها فوارةٌ كالماءِ، وأما ما حولها منِ الأرضِ، فقد قال بعضُ مشايخنا: لا شيءَ فيها منِ الخراجِ، وإنْ كانت هذه العيونُ في أرضِ الخراجِ؛ لأنها غيرُ صالحةٍ للزراعةِ فكانت كالأرض السبخةِ، وما لا يبلغها الماءُ، وكان أبو بكر الرازي ﵀ (٤) يقول: لا شيء في موضع القبِر، وأما حريمُهُ مما أعدّه صاحُبِه لإلقاءِ ماءٍ يحصُلُ له فيهِ فيمسحُ، فيوجبُ فيه الخراجُ؛ لأنهُ في الأصلِ صالحاً للزراعةِ إنما عَطلَهُ صاحبُه لحاجته، فلا يسقطُ الخراجُ عنه، والله أعلم. بابُ مَنْ يجوزُ دفع الصدقةِ إليهِ وَمنْ لا يجوز لما ذَكَرَ الزَّكَاةَ، وما يلحُقها مِن خمُس المعادِنِ، وعُشّرِ الزُّروعِ احتاجَ إلى بيانِ مَنْ يُصرفُ إليهِ هذه الأشياءُ، فشَرعَ في بيانهِ في هذا الباب، قولُه/ تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٥) قَصْرٌ لجنسِ الصدقاتِ على الأصنافِ المعدودةِ، وأنها مختصةٌ بها لا تتجاوزُها إلى غيرِها، كأنُه قِيل: إنما هِي لهمْ لا لغيرِهم كقولك: إنما الخلافة لقريش يريدُ لا يتعداهم، ولا يكون لغيرهم، ثُمَّ ذكر الأربعة الأَولَ باللامِ، والأربعةُ الأخيرةُ بفي للأبدانِ بأنهم] أرجحُ (٦) في استحقاق التّصدقِ عليهم ممنْ سبق ذِكْرهُ؛ لأنّ في للوعاءِ فنبهَ على أنهم أحقاءُ بأنْ تُوضَعُ فيهم الصدقاتُ، وذلك لما في فكِّ الرِقابِ من الكتابة أو الرِّقِ أو الأَسْرِ، وفي فكِّ الغارمينَ منِ الغُرمِ مِنَ التخليصِ، والإيقادِ، ولجمعِ الغارمِ الفقيرِ، (٧) أو المنقطعِ في الحجِّ بينَ] الفْقرِ (٨)، والعبادةِ، وكذلك ابنَ السبيلِ جامعٌ بين الفَقْرِ، والغُربةِ عن الأهلِ والمالِ، وتكريرٌ في قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٩) فيه فَصْلٌ، وترجيحٌ لهذين على الرِقاب والغارمين، كذا في الكَشّافِ (١٠) (١١)، (وقد سقطَ منها) (١٢) ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (١٣) إلى قوله: (وعلى ذلك انعقدَ الإجماعُ) (١٤) (١٥)، فإن قِيل: إنّ النسخَ بالإجماع لا يجوزُ (١٦)، بل لا يُتصّورُ لأنَ وقتَ حجتهِ الإجماعُ لم يبقَ، أوانُ النسخِ ووقتُ جوازِ النسخَ لا ينعقدُ بالإجماعِ؛ لأنّ جوازَ النسخِ وقْتَ حياةِ النبيِّ ﵊، وفي ذلك الوقتُ الإجماعُ ليسِ بحُجةٍ، وفيما صار حُجةً، وهَو بعد وفاة النبِّي ﵊ لم يبقَ، فلمّا تعاقَبا وقتاً لم يُتصوْر للاجتماعِ بينَ جوازِ النسخ، وحجيةِ الإجماعِ، فلابُدَّ أنْ يكونَ الناسُخ حجةً (١٧).

стр. 1150

قلنا: قد ذَكَر شمسُ الأئمةِ السَّرَخْسِي، وفَخْرُ الْإِسْلَام -رحمهما الله- (١): أنَّ النسخَ بالإجماعِ جوَّزهُ بعضُ مشايخِنا، بطريقٍ أنّ الإجماعَ، مُوجِبٌ عِلْمَ اليقينِ كالنِّص، فيجوزُ أنْ يَثْبُتَ النَّسخُ بهِ، والإجماعُ في كونِهِ حُجةً أقوى مِن الخبرِ المشهورِ، فإذا كان يجوزُ النسخُ بالخبرِ المشهورِ بالزيادة، فبالإجماع أَوْلَى وأمّا اشتِراطُ حياةِ النبيِّ ﵊ في حقِّ جوازِ النسخَ، فجائزُ أنْ لا يكونَ مشَروطًا على قول ذلك البَعْضِ، ألا تَرَى أنَّ النسخَ بالمتواترِ، وبالمشهورِ بطريقِ الزيادةِ جائزٌ، ولا يُتَصّورُ النسخُ بالمتواترِ، والمشهورِ، والآحادِ إِلاَّ بعدَ وَفاةِ النبيِّ ﵊ لما أنَّ المتواترَ، والمشهورَ، والآحادَ إنما يُعَرفُ بالتفرقَةِ بينها، بهذه الأسامِي في القَرْنِ الثاني، والثالث لما عُرفَ في أصول الفقه؛ لِعدَم الاحتياجِ إلى التواترِ، والشُّهرَةِ حالَ حياةِ النبيِّ ﵊ وقالَ الشيخُ الإمامُ بدرُ الدِّينِ الكردري ﵀: في جوازِ نسخِ المُؤلَفَةِ قلوبهُم ثلاثُةَ أُوْجُهٍ: أحدهُا: … جازَ أَنْ يكونَ في ذلك نصٌّ وكانَ عُمَرُ ﵁ يذكرهُ دونَ غيره (٢)، كما أنَّ قراءةَ التتابُع في قوله: (ثلاثةُ أيامٍ متتابعاتٍ)، فَذَكَرَهُ ابنُ مسعودٍ ﵁ دونَ غيرِه (٣). والثاني: … أنْ يكونَ هذا انتهاءُ الشيءِ بانتهاءِ عِلتِهِ، كانتهاءِ جوازِ الصومِ بانتهاء وقتهِ، وهو النهارَ، وانتهاءُ وجوبِ كَفارةِ الفِطْرِ بانتهاءِ شهرِ رَمضان (٤). والثالث: … أنّ كُلَّ شيءِ يعودُ على موضوعِه بالنقصِ باطلٌ (٥) فلو قلنا: ببقاءِ جوازِ الدَّفع إلى المُؤلَفَةِ قلوبهُم يلزَمُ هذا؛ لأنهُ إنما يبذُلُ لهمْ المالَ لِدَفعِ شِّرهِمْ، لتكُونَ بيضةُ الدّينِ محميةً، ولا يَؤُولُ إلى الدِّينِ ذُلٌّ وصَغارٌ من] جانبهم (٦)، فلما وَقَعَ الأمُر عن شِّرهِم يكونُ الإعطاءُ ذُلًا وصغارُ للإسلامِ فلا يُعْطَوْنُ (٧).

стр. 1151

وذكَر فَخْرُ الْإِسْلَام ﵀: أنّ المؤلفةَ قلوبهُم كانُوا على ثلاثةِ أنواعٍ: نوعٌ كان يتألَفُهم رسولُ اللهِ ﵊ لِيُسلِمُوا، ويسْلِمَ قومُهم بإسلاِمهم، وَنَوعٌ منِهم أسلَمُوا، ولكن على ضَعْفٍ، فيريدُ تقريَرهم لِضَعفِهم، وَنوْعٌ منِهم لِدَفْعِ شَرِّهِمْ. مثل:] عينيه (١) بن حِصْنِ (٢)، والأقرعُ بنُ حابسِ (٣)، والعباسُ بنُ مُرداسِ (٤)، وكانُوا هؤلاءِ رُؤساءُ قُريشٍ، ولم يكنْ رَسُولُ اللهِ ﵊ يُعطيِهم خوفًا منِهم، فَإنّ الأنبياءَ ﵈ لا يخافونَ أحدًا سِوى الله تعالى، وإنمّا أعطاهم خشيةَ أن يكبّهُم اللهُ على وُجوهِهم في نارِ جهنمَ، ثُمَّ صار ذلك منسوخًا بإجماعِ الصحابةِ (٥) في خِلافة أبي بكرٍ لمعرفتهم بالدّاعي إليهِ، وأجمعوا عند زوالِ الداعيِ على سقوطهم (٦)، وذَكَر في "المَبْسُوط" (٧): وقيِل: كانوا وَعَدَوا أن يُسلموا، ثُمَّ قال: فإنْ قيِل: كيف يجوز أن يُقَالَ: بأنهُ يصُرَفُ إليهم وهَمْ كفارٌ؟ قلنا: الجهادُ واجِبٌ على الفقراءِ مِن المسلمينَ، والأغنياء لِدَفْعِ شرِّ المشركينَ، فكان يَدفَعُ إليهم جُزءًا مِن مالِ الفقراء لِدفع ِشرِّهم، وذلك قائِمٌ مَقامَ الجهادِ في ذلك الوقتِ، ثُمَّ سقطَ هذا السهمُ بوفاة النبي ﵊.

стр. 1152

هكذا قال/ الشعبيُ ﵀ (١)، وُروِيَ أنهم في خِلافِة أبي بكرٍ ﵁، استبدِلوا الحظّ لنصيبهِم فَبَذَلَ لهم، وجاؤَوا إلى عُمرَ ﵁، فاستبدلوا حظّهُ فأَبى، وَمزَّقَ حظّ أبي بكرٍ ﵁ وقال: هذا شيءٌ كان يعطيكم رسولُ اللهُ ﵊ تأليفًا لَكُمْ، فأما اليومَ فقد أعزَّ اللهُ الدِّينِ، فإنْ شِئْتُم على الإسلامِ، وإِلاَّ فبيننا وبينكُم السيفُ، فعادوا إلى أبي بكرٍ ﵁، فقالوا: أنت الخليفةَ أمْ عُمر بَذَلْتَ لنا الحظَّ، ومزّقَهُ عُمَر؟] فقال (٢): هو إنْ شاءَ فلمْ يخُالفْه (٣) (٤). وهذا مَروْيٌّ عنْ أبي حَنِيفَةَ ﵀ (٥) وقدْ قِيلَ: على العكسِ (٦) وفائِدةُ هذا الخلافِ (٧) إنما تظهُر في الوَصَايا والأوقافِ، أمّا الزَّكَاةُ فيجوزُ صرْفُها إلى صِنفٍ واحدٍ عِنْدَنَا، فلا يظهرُ هذا الخلافُ، كذا في "المَبْسُوط" (٨).

стр. 1153

وعن أبي يُوسُف ﵀: أنهما صِنْفٌ واحدٌ حتى] قال: فيمِن] (١) أوصى بثُلُثِ مالِهِ لفلانٍ، وللفقراءِ، والمساكينِ أنّ لفلانَ نصفُ الثُّلُثِ، وللفريقينِ نصفُ الثلثِ كأنهما صِنفَ واحدٌ، وقالَ أبو حنيفةَ ﵀: لفلانٍ ثلثُ الثلثِ فجعلهما صِنفين، وهو الصحيحُ كذا ذَكَره فَخْرُ الْإِسْلَام ﵀ (٢)، ولِكُلٍ وجهٌ، أمّا وَجْهُ مَنْ قال بالأولِ، وهو أنّ المسكينَ أسوأُ حالًاِ من الفقيرِ، فقال: الفقيرُ هو الذي يمِلكُ شيئًا، ولا يُغنيهِ قالَ الراعي (٣): أما الفقير الذي كانت حلوبته … وفق العيال فلم يترك له سَبَدُ (٤) (٥) والمسكينُ مَنْ لا يمِلكُ شيئًا قال الله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٦) أي: لاصِقًا بالتُرابِ مِنَ الجوعِ والعِرِىِّ، وأمّا وجهُ مَنْ قال بالثاني: وهو أنّ الفقيرَ أسوأُ حالًا مِنَ المسكينِ، فقال: المسكينُ مَنْ يملكُ مالًا يُعنيه، قال الله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (٧)، وقال القائل (٨): هل لك من أجرٍ عظيم تُؤْجَرُه … تُغيث مسكيناً كثيراً عسكرُه عشر شياه سمعه وبصرُه والفقيرُ هو الذي لا يمِلكُ شيئًا، مُشتقٌ مِن انكسارِ فُقْار الظهر، والحديث يشهد لهذا، وهو ما روي عن النبي ﵊ قال: «اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مِسْكينًا، واحشرني في زُمرةِ المساكينِ» (٩) (١٠) غير مُقَّدرٍ بالثمنِ خلافًا للشافعي ﵀، وقالَ الشَّافِعِي: يُعطيهم الثُمَن (١١)؛ لأَنّ القِسمةَ تقتضي المساواةَ في الأصل، فيكونُ بيانًا لحِصَتِهِ، وأنَّا نقولُ: بأنهُ يستحقُهُ عَمالةً، ألا ترى أنّ صاحبَ المالِ لو حَمَلَ الزَّكَاةَ إلى الإمامِ لم يستحقِ العاملُ شيئًا، فيتَقَدرُ بِقَدرِ العملِ، ولو هَلَكَ ما جمعوهُ قَبلَ أنْ يأخذوا منه شيئًا سقط حقُّهم؛ يعني لو مَلَك المالَ الذي في يدِ العاملِ سقط حقُّهُ، وأجزتْ الزَّكَاةُ عن المؤدين؛ لأنهُ بمنزلةِ الإمامِ في القبضِ أو أنهُ نائِبٌ عن الفقيرِ في القبضِ فإذاَ تمّ القبضُ سقطتْ الزَّكَاةُ لكنّ حِقّهُ وَجَبَ عمالةً، وذلك في معنى الأُجرةِ، وأَنهُ مُتعلقٌ بالمحَلِّ الذي عَمِلَ فيه فإذا مَلَكَ سقطَ حقّهُ كالمضُارِبِ إذا مَلَكَ مالَ المضُارَبةَ ِفي يدهِ بعد التصّرفِ، كذا في "المَبْسُوط"، و"الإيضاح" (١٢)، إِلاَّ أنّ فيه شبِهةُ الصدقةِ،] ولا (١٣) يأخذُهُ العاملُ الهاشمي (١٤) (١٥)، فذا جوابُ شُبهة تُردُّ على قولهِ؛ لأِنّ استخفافه بطريقِ الكفايةِ لا بطريقِ الصدقةِ، فيقولُ: إنّ ما يأخذُهُ العاملونَ، وإنْ كانَ] في الحقيقةِ (١٦) أُجرةً لعملهِم، ولكنْ فيه شُبهة الصدقةِ، بدليلِ سُقوطِ الزَّكَاةِ عن صَاحِبِ المالِ بأَخْذِهِ، فَنَزّهَ قرابةَ النبيِّ ﵊ عن شُبهةِ الصدقةِ، وفي المنُتقى (١٧) رَجُلٌ مِن بني هاشم اسُتعْمِلَ على الصدقةِ،] وأخرى (١٨) له منها رِزقًا فإنه لا ينبغي أن يأخذ منِ ذلك، وإن عَمِلً فيها، وُرزِقَ منِ غيرِها، فلا بأسَ بذلك، كذا في "المحيط" (١٩).

стр. 1154

(وفي الرقاب يُعان المكاتَبون منها) (١)، أي: المُرادُ مِن الرقابِ إعانةُ المكاتبين على أداءِ بَدَلِ الكتابة تصُرفُ الصدقةُ إليهم عِنْدَنَا، وقال مالك ﵀ (٢): المرادُ أنْ يَشري بالصدقةِ عبدًا فيعتقُهُ، وهذا فاسِدٌ؛ لأنّ التمليكَ لاُبَّد منهُ، ومَنْ يأخذْ بائعَ العبدِ عَوضاً عن مُلكِه، والعبدُ يُعتقُ على مُلْكِ المولى، ولا يُوجدُ فيه التمليك (٣). قوله ﵀ (٤) (هو المنقول) ُ (٥)، أيْ عن رسولِ الله ﵊، فإنه رُوِيَ أنّ رجلًا قال: أيْ رَسولَ اللهِ «دُلَنِي على عَمَلٍ يُدخلُني الجنة َ»، قال: «فُكَّ الرقبة، أو أعِتقْ النَسْمةَ» قال: أو ليسا سواءً يا رسولَ اللهِ؟) (٦) قال: «فَكُّ الرقبةِ أنْ تُعينَ في عتقِهِ» (٧). (وفي سبيل الله مُنقطَعُ الغزاةِ) (٨)، أيْ فقراءُ الغزاةِ، وكذلك المراد مِن مُنقطع الحاجِ، أي فقراءُ الحاجَ المنقطع بهم، ولا يصُرفُ إلى أغنياءِ الغزاة عِنْدَنَا خلافًا للشافعي ﵀ (٩) فإنه يقول: يُصرفُ إلى أغنيائِهم/ واستدلَّ بقوله ﵊: «لا تحلُّ الصدقةُ لغِني إِلاَّ لخمسه» (١٠) مِن جملتهم الغزاةُ في سبيل الله، ولكنْ نقول، المرادُ الغنيُّ بقوةِ البدنِ، والقُدرة عِلى الكَسْبِ إنما يكونُ بالبَدَنِ لا يملِكُ المالَ بدليلِ الحديثِ الآخرِ: «ورُدهَّا في فقرائِهم» (١١)، كذا في "المَبْسُوط" (١٢)، وذكر تلكَ الخمسةَ (١٣)، فقال: «لا تحُلُّ الصدقةُ لغني إِلاَّ لخمسةٍ: الغازي في سبيلِ الله، والعاملِ عليها، والغارمِ، ورَجُلٍ اشتراها بمِاِلهِ، ورجلٍ تصدّقَ بها على المسكينِ فأبداها المسكينُ إليه» (١٤).

стр. 1155

وذَكَرَ في "المصابيح" (١) وفي روايةٍ «وابنِ السبيل»، فإنْ قلتَ: قولُه: وفي سبيلِ الله مُكررٌ بأحدِ الفريقينَ، وهُما الفقراءُ، وابنُ السبيلِ، فإنهُ إنْ لم يكنْ في وطنِهِ مالٌ فهو، والفقيرُ سواءٌ، وإنْ كان في وطنهِ مالٌ فهو، وابنُ السبيل سواءٌ، فبأيِّ شيءٍ يمتازُ مَنْ هو في سبيلِ اللهِ عن هذين الفريقين؟ وحتى يُتِمَّ عدَد السبعةِ به. قلتُ: هوُ فقيرٌ إِلاَّ أنُه ازدادَ فيه شيِء آخرَ سوِى الفقيرِ، وهو الانقطاعُ في عبادةِ اللهِ من جهادٍ أو حجٍ، فلذلكَ غايرَ الفقيرَ المطُلقَ الذي هُو خَاْلٍ عن هذا القيدِ، ولاشَكَّ أنَّ المقيدَّ غيرَ المطلقِ وظهَر أثرُ التغايرُ في حُكمْ ٍآخرَ أيضًا، وهو زيادةُ تحريصٍ، وترغيبٍ في رعايةِ جانبِه التي استُفيدَتْ مِن العدُولِ عن اللامِ إلى كَلِمِهِ فَّي وتكرارُها أيضًا على ما ذكرناِ مِن الكشَّافَ، فلما غايرهمُا لفظًا، وحُكْمًا لم ينتقضْ الصارفُ عن السبعةِ، ثُمَّ هؤلاءِ الأصنافُ مصارفُ الصدقاتِ، لا يستحقونَ لها عِنْدَنَا حتى يجوزُ الصرف إلى واحدٍ منهم وقال الشَّافِعِي ﵀ (٢): هُمْ يستحقونَ لها حتى لا يجوزُ ما لم يصُرفْ إلى الأصنافِ السبعةِ من كُلِّ صنف ثلاثةُ، وهم واحدٌ وعشرون؛ لأِنّ الله تعالى أضافَ إليهم بلامِ التمليكِ، وقالَ ﵊: «إنّ الله تعالى لم يرضَ في الصدقاتِ بِقسمِة مَلِكٍ مُقَربٍ، ولا نبيِّ مُرسَلٍ حتى تولى قسمتَها مِن فَوقِ سبعةِ أَرْقِعَةٍ» (٣)، واعتبرَ أمرَ الشرْعِ بأمرِ العبادةِ، فإنّ مَنْ أوصى بثُلثِ مالهِ لهؤلاء الأصنافِ، لم يجزْ حُرمانُ بعضهِم، فكذلك في أمرِ الشرْعِ، ولنا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٤). وقال ﵊ لمعاذ ﵁: «خُذْهَا مِن أغنيائِهم (٥)، ورُدَّها في فقرائِهم» (٦) وبعثَ عُمر ِ ﵁ بِصدَقةٍ إلى أهلِ بيتِ رَجُلٍ واحدٍ (٧)، وهكذا نُقِلَ عنِ ابنَ عباسٍ (٨)، وحُذيفةَ (٩) ﵄؛ ولِأَنَّ المقصودَ إغناءُ المحتاجِ، وذلك حاصٍلُ بالصَّرْفِ إلى واحدٍ وبهِ فارقَ أوامرَ العباد؛ لأنّ المعُتبرَ فيها اللفظُ دُونَ المعنى، فقد تقعُ ضالتُه عن حِكْمَةٍ حميدةٍ بخِلافٍ أوامر الشَّرْعِ، فإنّ المعُتبرَ في أوامِر اللهِ تعالى المعنى، وفي أوامرِ العبدِ الاسمُ كَمَنْ قال لآخر: كَاِتْبْ عبدي إِنْ عَلِمْتَ فيهِ خيرًا، وكَاْتَبهُ، ولم يعلمْ فيهِ خيرًا لم يجْز، وفي أمرِ الله تعالى بالكتابةِ على هذا الشرطِ، ومع أنُه لو كَاتَبَ، ولم يَعلمْ فيه خيرًا جَازَ (١٠).

стр. 1156

أمّا الآيُة فقد قالَ ابنُ عباسٍ: المرادُ بيانُ المصارفِ (١) قال: أيُّها صَرَفَتْ أَجْزَاكَ كما أنّ الله تعالى أمرنا باستقبالِ الكعبةِ فيِ الصَّلَاةِ، فإذا استقبلْتَ جُزءًا مِنها كُنِتَ ممتثلًا للأجْرِ ألا ترى أنّ الله تعالى ذَكَر الأصنافَ بأِوْصَافٍ تُنبئُ عن الحاجةِ، فعرفنا أنَّ المقصودَ سد خُلَة المحتاجُ، فصاروا صِنفًا واحداً في التحقيقِ، واسُمَ الجمْعِ مُستعارٌ عن الجِنْسِ لمِا عُرِفَ بخلافِ الوصيةِ (٢)؛ لأنا ألفينا الأسماءَ في الواجبِ عليهِ صدقةٌ؛ لأَنّ ما تجبُ صدقةٌ يجبُ الإخراجُ إلى الله تعالى، ثُمَّ الصرفُ إلى الرِزقِ، حتى أنّ رجلًا لو نَذَرَ (٣) فقالَ: للهُ عليَّ أنْ أتصدقَ بمالٍ على الأصنافِ السبعةِ كانَ لهُ أنْ يُؤدِيْها إلى فقيرٍ واحدٍ؛ لأِنهُ التزم بلفظِ الصَّدَقَةِ فأمّا الوصيُّ فما ثَبَتَ لهُ وِلايةُ التصُّرفِ بِحُكْمٍ أنها صدقةٌ، بل بأمرِ الموُصِي بالصَّرْفِ إلى حيثُ سماهُ، وإنما سمىَّ سبعةَ أسماءٍ، فيجبُ الصرفُ على ذلك، كذا في "المَبْسُوط"، و"الْأَسْرَارِ"، و"الجامعِ الصغيرِ" للتمرتاتشي (٤). (ولا يَدْفَعُ الزَّكَاةَ إلى ذِميِّ) (٥)، وقال زُفَرُ ﵀: الإسلامُ ليسَ بشرطٍ في مَصْرفِ الزَّكَاةِ وغيرِها؛ لأنَّ اللهَ تعالى حيثُ ذَكَر الفقراءَ في الصدقاتِ، لم تقيدُ بِصفة الإسلامِ، فإثباتُ القيدِ يكونُ زيادةً فيجري مَجْرىَ النَّسخِ ألا ترى أنُه يجوزُ صَرْفُ الكَّفاراتِ إلى أهلِ الذِّمةِ، وهي واجبةٌ لما أنّ لله تعالى لم يقيْد المسكينَ بالإسلامِ، كذا في "الْأَسْرَارِ" (٦) (٧).

стр. 1157

«خُذْها مِن أغنيائِهم، وُرَّدها في فقرائِهم» (١)، أي: فقراءِ المسلمينَ لما أنّ ضميرَ فقرائِهم يرجعُ إلى ما يرجعُ/ إليه ضمُير أغنيائِهم، وإِلاَّ يختلُّ الكلامُ، وُيفَكُّ النَّظْمُ، ثُمَّ الإجماعُ يَنعقِدُ على أنّ ضميرَ الأغنياءِ مُنصَرِفٌ إلى أغنياءِ المسلمين؛ لأنّ الزَّكَاةَ لا تجبُ على الكافرِ، فكذا ضميرِ فقرائِهم كان راجعًا إلى فُقراءِ المسلمين فإنْ قلْتَ: هذا زيادةٌ على النَّصِّ بخبرِ الواحدِ، وذلك لا يجوزُ، كما قالَ زُفَرُ ﵀ (٢). قلتُ: نعمْ الأصلُ هكذا إِلاَّ أنّ هذا النَّص عامٌ، قد خّصَّ منُه البعضَ بالدليلِ القطْعِيِّ بالإجماعِ، فيخصُ الباقي بخبرِ الواحدِ كما هُوَ الأصْلُ؛ وذلك لأِنّ الفقيرَ الحربيَّ مخصوصٌ منه بقولهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ (٣) الآية، وكذلك والدُه وولدهٌ، ومنكوحتُه مخصوصون بالإجماعِ، فيخصُّ الباقي بخبرِ الواحدِ مع أنَّ القاضيَ الإمامَ أبا زيدٍ ﵀ ذَكَر في "الْأَسْرَارِ" (٤): أنّ هذا الحديثَ، حَديثٌ مشهورٌ، مَقبولٌ بالإجماعِ فزدْنا هذا الوصفَ به، كما زِدْنَا صفةَ التتابُع على صَوْمِ كفارةِ اليمينِ بقراءةِ ابنِ مسعودٍ، فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعاتٍ (٥)، فإن قلْتَ: جازَ أنْ يكونَ المرادُ منِ الحديثِ صدقةُ الفطْرِ، والكفارتِ حيثُ يجوزُ صرفُها إلى الذي عنَدنا. قلتُ: ثبوتُ إرادةِ صدقةِ الفطرِ، والكفاراتِ منه بطريقين: أحدهُما: وجوبُ اتحِّادِ الضميرين على مَا ذكرتْ، فإنْ أخذَ صدقةَ الفطرِ، والكفاراتِ منِ أغنياءِ الكُفارِ لا يُتصوُر، فلمَّا لم يُردْ الكفارَ بالضميرِ الأولِ لم يُرِدْ بالثاني أيضًا. والثاني: أنهُ ليسَ للسَّاعِي فيها وِلايةٌ الأَخْذِ، فكانَ الحديثٌ مُنصرِفًا إلى الزَّكَاةِ، إلى هذا أشارَ شمسُ الأئمةِ السَّرَخْسِي ﵀ (٦)، (ويَدفُع ما سِوى ذلك منِ الصدقةِ) (٧)، أيْ: إلى الذِّمِّي لا إلى الحربي، والمستأَمَنِ.

стр. 1158

قال في "المَبْسُوط" (١): وفقراءُ المسلمينَ أحبُّ إليّ؛ لأِنهُ أبعدُ عن الخلافِ، ولأنهم يتقومُونَ على الطاعةِ، وعبادةِ الرحمنِ، والذِّمِّي يتَقَوى بهِ في طاعةِ الشيطانِ، تصدَّقُوا على أهلِ الأديانِ كُلهِّا إِلاَّ أنّ هذا الحديثَ مخصوصٌ في حقِّ الحربي، والمستأمنِ بقوله: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ﴾ (٢) لقُلنا: بالجوازِ في الزَّكَاةِ لإطلاق قولِه تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٣)، فإنَ اسمَ الفقيرِ لا يُفرّقُ بينَ المُسلمِ والكافرِ لانعدامِ التمليكِ، وهو الركنُ؛ وذلك لأِنّ الأصلَ في دفعِ الزَّكَاةِ تمليكُ فَقيرِ مسلَمٍ غيرِ بني هاشمٍ، ولا مولاهُ مع قَطْعِ منفعةِ المدفوعِ عن نفسهِ مقرونًا بالنيةِ جازَ ذَلك وإِلاَّ فلا وقيَّدناً بالتمليكِ احترازًا عن إطعامِ الطعامِ بَطريقِ الإباحةِ، فإنهُ لا يجوزُ وسائُرِ القيودِ ظاهرٌ يخرجَ عليه كثيٌر مِنَ المسائلِ، والدليلُ على أنّ التمليكَ لم يتحققْ في تكفينِ الميّتِ، أنَّ الذِّئْبَ لو أكل الميتَ يكونُ الكفنُ للمُكَفِنِ لا لِورثةِ الميتِ، والحِيلةُ في بِنَاءِ المسجدِ بمالِ الزَّكَاةِ، أو إعتاقٌ لعبدٍ، وغيرِه لَمِنْ أرادُ ذلك أنْ يتصدَّقَ مقدارَ زكاتهِ على فقيرٍ، ثُمَّ يأمرُهُ بعدَ ذلك بالصْرِف إلى مُدّةِ الوجوهِ، فيكونُ لِصاحبِ المالِ ثوابُ الصدقةِ، ولذلك الفقيرِ ثوابُ هذه القُرب. كذا في "المحيط" (٤)؛ (لأَنَّ قضاءَ دَيْنِ الغيرِ لا يقتضِي التمليكَ) (٥) منهُ بدليل أنّ الدائِنَ، والمديونَ إذا تصادقا على أنْ لا دَيْنِ بينهما، فللمُؤَدِي أنْ يِسْتَرِدَ المقبوضَ مِنَ القابضِ، فلم يصير هو مُلكًا للقابِضِ، وإنما قُيّدَ بقوله: (ولا يُقضي بها دَيْن ميتٍ) (٦)، فإنُه لو قضى بها دَينَ حيِّ بأمرِه فهو جائزٌ، ويقعُ عن الزَّكَاةِ لمِا ذُكِرَ أنهُ في شَرْح الطَّحَاوِيِّ، ولو قضى دَيْنَ حيٍّ، والمديونُ فقيرٌ، فإنْ قضى بغيرِ أمرِه يكون مُتبرعًا، ولا تجوز زكاةُ مالهٍ، ولو قضى بأمرِه جازَ كأنّه تصدّقَ على الغريمِ، فيكون القابِضُ كالوكيلِ لَهُ في قَبْضَ الصدقةِ (٧).

стр. 1159

وذَكَرَ الإمامُ الولوالجي (١) (٢): ولو أمرَ فقيرًا بقبضِ دَيْنٍ لهُ منِ زكاةِ ماله جازَ؛ لأنهُ قبض عينًا، والعُين يجوزُ عنِ العينِ والدَّين جميعًا، وأما لو تصّدقَ بمالهِ على الذي هُوَ لهُ عليهِ، وهو فقيرٌ جازَ عن ذلك الدَّينِ، ولم يجْز عن العينِ؛ لأِنّ في الوجهِ الأولِ أدّى الناقصَ عن الناقصِ وفي الوجهِ الثاني أدّى الناقصَ عن الكاملِ فلا يجوزُ. (ولا يَدفعُ الزَّكَاةَ إلى أبيهِ وَجَدَهُ وإنْ عَلَا، ولا إلى وَلَدِهِ وإنْ سَفَل) (٣) وكذلك لا يجوزُ دَفْعُ عُشّرهِ، وسائرُ واجباتهِ إلى هؤلاءِ، ولا إلى مماليكهِ، وزوجتهِ بخلافِ الرِّكَاز إذا أصابَهُ، له أنْ يُعطي خمُسةُ مِن أصلِ الحاجةِ منهم؛ لأِنّ له أن يمُسِكَهُ لحاجةِ نفسهِ، وإنْ بِقَيَ [ولد] أم ولده لم يعطهِ/ وكذا إلى المخلوقِ مِنْ مَائِه بالزّنا، ولو تزوجتْ امرأةُ الغائبِ، فولدتْ، قال أبو حنيفة ﵀: الأولادُ مِنَ الأولِ ومع هذا يجوزُ لِلأَولِ دَفْعُ الزكاة إليهم، وتجوزُ شهادتهُم له، كذا ذَكَره الإمامُ التُّمُرْتَاشِي (٤). والأصلُ: أنّ كُلَّ مِنْ يَنْسِبْ إلى المؤدِّي بالولادِ أو يُنسبْ إليه المؤدي بالولاد لا يجوزُ صرفُ الزَّكَاةِ إليهِ، أمّا مَنْ سِواهم مِن القَرابة فيتمَّ الإيتاءُ بالصرفِ إليهِ فيجوز، وهو أفضلُ لما فيه من صِلةٍ بالرحم، كذا في "المَبْسُوط" (٥)، رَجُل يَعُولُ أختَه، أو أخاه، أو عمَّهُ، فأرادَ أنُ يُعِطَيهُ الزَّكَاةَ فهذا على وجهين: إما أنْ لم يَفُرِضْ القاضِي النفقةَ عليهِ، أو فَرَضَ لزمانته (٦)، ففي الوجهِ الأولِ جازَ؛ لأَنّ التمليكَ منِ هؤلاءِ يتحققُ بصفةِ القُربة منِ كُلِّ وجهٍ، فيتحققُ رُكنُ الزَّكَاةِ، وفي الوجهِ الثاني: إنْ لم يحتسِبْ مَنْ نفعهم جازَ، وإن كانَ يحتسبُ لا يجوزُ؛ لأَنّ هذا أداءُ الواجبِ بالواجبِ الآخرِ، كذا في التجنيسِ (٧).

стр. 1160

(ولا إلى امرأته) (١) (للاشتراكِ في المنافعِ) (٢) قال الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ (٣) قِيل: مالُ خديجةَ ﵂ (٤) وعنَد الشَّافِعِي ﵀ (٥) يجوزُ بناءً على شَهادةِ الزوجِ لزوجتهِ على ما يجيء، كذا في "المَبْسُوط" (٦). إجراءُ الصدقةِ، وإجراءُ الصِّلةِ، ولأنهُ لا حقَّ للزوجةِ في مالِ زوجِها، فيتم الإِيتِاءُ كالصَّرفِ إلى الإِخوةِ بخِلافِ الزوجِ إلى الزوجةِ وأبو حنيفةَ ﵀ يقولُ: الزوجيةُ أصلُ الوِلادِ، ثُمَّ ما يتفرعُ مِن هذا الأصلِ يمنعُ صَرْفَ زَكاةِ كُلِّ واحدٍ منهما إلى صاحبهِ فكذلكِ الأصلُ، ألا ترى أنّ كُلَ واحدٍ فيهما يُتَهمُ في حقِّ صاحبهِ حتى لا تجوزُ شهادتُه لهُ، وإنَّ كُلَ واحدٍ منها يَرِثُ صاحَبهُ مِنْ غيرِ حَجْبٍ كما بالولادِ وحديثُ زينبَ (٧) محَمُولٌ على صَدَقةِ التطوُّعِ، فقدْ رُوِيَ أنها كانتْ امرأٌة ضيقةَ اليدينِ تعملُ للناسِ، وتتصدقُ بذلك فيه، يقولُ: إنه يجوزُ صُرْفُ صدقةِ التطوعِ لِكُلِّ واحدٍ منهما إلى صاحبهِ، كذا في "المَبْسُوط" (٨).
следующие страницы →