← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

أمّا الآيُة فقد قالَ ابنُ عباسٍ: المرادُ بيانُ المصارفِ (١) قال: أيُّها صَرَفَتْ أَجْزَاكَ كما أنّ الله تعالى أمرنا باستقبالِ الكعبةِ فيِ الصَّلَاةِ، فإذا استقبلْتَ جُزءًا مِنها كُنِتَ ممتثلًا للأجْرِ ألا ترى أنّ الله تعالى ذَكَر الأصنافَ بأِوْصَافٍ تُنبئُ عن الحاجةِ، فعرفنا أنَّ المقصودَ سد خُلَة المحتاجُ، فصاروا صِنفًا واحداً في التحقيقِ، واسُمَ الجمْعِ مُستعارٌ عن الجِنْسِ لمِا عُرِفَ بخلافِ الوصيةِ (٢)؛ لأنا ألفينا الأسماءَ في الواجبِ عليهِ صدقةٌ؛ لأَنّ ما تجبُ صدقةٌ يجبُ الإخراجُ إلى الله تعالى، ثُمَّ الصرفُ إلى الرِزقِ، حتى أنّ رجلًا لو نَذَرَ (٣) فقالَ: للهُ عليَّ أنْ أتصدقَ بمالٍ على الأصنافِ السبعةِ كانَ لهُ أنْ يُؤدِيْها إلى فقيرٍ واحدٍ؛ لأِنهُ التزم بلفظِ الصَّدَقَةِ فأمّا الوصيُّ فما ثَبَتَ لهُ وِلايةُ التصُّرفِ بِحُكْمٍ أنها صدقةٌ، بل بأمرِ الموُصِي بالصَّرْفِ إلى حيثُ سماهُ، وإنما سمىَّ سبعةَ أسماءٍ، فيجبُ الصرفُ على ذلك، كذا في "المَبْسُوط"، و"الْأَسْرَارِ"، و"الجامعِ الصغيرِ" للتمرتاتشي (٤). (ولا يَدْفَعُ الزَّكَاةَ إلى ذِميِّ) (٥)، وقال زُفَرُ ﵀: الإسلامُ ليسَ بشرطٍ في مَصْرفِ الزَّكَاةِ وغيرِها؛ لأنَّ اللهَ تعالى حيثُ ذَكَر الفقراءَ في الصدقاتِ، لم تقيدُ بِصفة الإسلامِ، فإثباتُ القيدِ يكونُ زيادةً فيجري مَجْرىَ النَّسخِ ألا ترى أنُه يجوزُ صَرْفُ الكَّفاراتِ إلى أهلِ الذِّمةِ، وهي واجبةٌ لما أنّ لله تعالى لم يقيْد المسكينَ بالإسلامِ، كذا في "الْأَسْرَارِ" (٦) (٧).

стр. 1157

«خُذْها مِن أغنيائِهم، وُرَّدها في فقرائِهم» (١)، أي: فقراءِ المسلمينَ لما أنّ ضميرَ فقرائِهم يرجعُ إلى ما يرجعُ/ إليه ضمُير أغنيائِهم، وإِلاَّ يختلُّ الكلامُ، وُيفَكُّ النَّظْمُ، ثُمَّ الإجماعُ يَنعقِدُ على أنّ ضميرَ الأغنياءِ مُنصَرِفٌ إلى أغنياءِ المسلمين؛ لأنّ الزَّكَاةَ لا تجبُ على الكافرِ، فكذا ضميرِ فقرائِهم كان راجعًا إلى فُقراءِ المسلمين فإنْ قلْتَ: هذا زيادةٌ على النَّصِّ بخبرِ الواحدِ، وذلك لا يجوزُ، كما قالَ زُفَرُ ﵀ (٢). قلتُ: نعمْ الأصلُ هكذا إِلاَّ أنّ هذا النَّص عامٌ، قد خّصَّ منُه البعضَ بالدليلِ القطْعِيِّ بالإجماعِ، فيخصُ الباقي بخبرِ الواحدِ كما هُوَ الأصْلُ؛ وذلك لأِنّ الفقيرَ الحربيَّ مخصوصٌ منه بقولهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ (٣) الآية، وكذلك والدُه وولدهٌ، ومنكوحتُه مخصوصون بالإجماعِ، فيخصُّ الباقي بخبرِ الواحدِ مع أنَّ القاضيَ الإمامَ أبا زيدٍ ﵀ ذَكَر في "الْأَسْرَارِ" (٤): أنّ هذا الحديثَ، حَديثٌ مشهورٌ، مَقبولٌ بالإجماعِ فزدْنا هذا الوصفَ به، كما زِدْنَا صفةَ التتابُع على صَوْمِ كفارةِ اليمينِ بقراءةِ ابنِ مسعودٍ، فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعاتٍ (٥)، فإن قلْتَ: جازَ أنْ يكونَ المرادُ منِ الحديثِ صدقةُ الفطْرِ، والكفارتِ حيثُ يجوزُ صرفُها إلى الذي عنَدنا. قلتُ: ثبوتُ إرادةِ صدقةِ الفطرِ، والكفاراتِ منه بطريقين: أحدهُما: وجوبُ اتحِّادِ الضميرين على مَا ذكرتْ، فإنْ أخذَ صدقةَ الفطرِ، والكفاراتِ منِ أغنياءِ الكُفارِ لا يُتصوُر، فلمَّا لم يُردْ الكفارَ بالضميرِ الأولِ لم يُرِدْ بالثاني أيضًا. والثاني: أنهُ ليسَ للسَّاعِي فيها وِلايةٌ الأَخْذِ، فكانَ الحديثٌ مُنصرِفًا إلى الزَّكَاةِ، إلى هذا أشارَ شمسُ الأئمةِ السَّرَخْسِي ﵀ (٦)، (ويَدفُع ما سِوى ذلك منِ الصدقةِ) (٧)، أيْ: إلى الذِّمِّي لا إلى الحربي، والمستأَمَنِ.

стр. 1158

قال في "المَبْسُوط" (١): وفقراءُ المسلمينَ أحبُّ إليّ؛ لأِنهُ أبعدُ عن الخلافِ، ولأنهم يتقومُونَ على الطاعةِ، وعبادةِ الرحمنِ، والذِّمِّي يتَقَوى بهِ في طاعةِ الشيطانِ، تصدَّقُوا على أهلِ الأديانِ كُلهِّا إِلاَّ أنّ هذا الحديثَ مخصوصٌ في حقِّ الحربي، والمستأمنِ بقوله: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ﴾ (٢) لقُلنا: بالجوازِ في الزَّكَاةِ لإطلاق قولِه تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٣)، فإنَ اسمَ الفقيرِ لا يُفرّقُ بينَ المُسلمِ والكافرِ لانعدامِ التمليكِ، وهو الركنُ؛ وذلك لأِنّ الأصلَ في دفعِ الزَّكَاةِ تمليكُ فَقيرِ مسلَمٍ غيرِ بني هاشمٍ، ولا مولاهُ مع قَطْعِ منفعةِ المدفوعِ عن نفسهِ مقرونًا بالنيةِ جازَ ذَلك وإِلاَّ فلا وقيَّدناً بالتمليكِ احترازًا عن إطعامِ الطعامِ بَطريقِ الإباحةِ، فإنهُ لا يجوزُ وسائُرِ القيودِ ظاهرٌ يخرجَ عليه كثيٌر مِنَ المسائلِ، والدليلُ على أنّ التمليكَ لم يتحققْ في تكفينِ الميّتِ، أنَّ الذِّئْبَ لو أكل الميتَ يكونُ الكفنُ للمُكَفِنِ لا لِورثةِ الميتِ، والحِيلةُ في بِنَاءِ المسجدِ بمالِ الزَّكَاةِ، أو إعتاقٌ لعبدٍ، وغيرِه لَمِنْ أرادُ ذلك أنْ يتصدَّقَ مقدارَ زكاتهِ على فقيرٍ، ثُمَّ يأمرُهُ بعدَ ذلك بالصْرِف إلى مُدّةِ الوجوهِ، فيكونُ لِصاحبِ المالِ ثوابُ الصدقةِ، ولذلك الفقيرِ ثوابُ هذه القُرب. كذا في "المحيط" (٤)؛ (لأَنَّ قضاءَ دَيْنِ الغيرِ لا يقتضِي التمليكَ) (٥) منهُ بدليل أنّ الدائِنَ، والمديونَ إذا تصادقا على أنْ لا دَيْنِ بينهما، فللمُؤَدِي أنْ يِسْتَرِدَ المقبوضَ مِنَ القابضِ، فلم يصير هو مُلكًا للقابِضِ، وإنما قُيّدَ بقوله: (ولا يُقضي بها دَيْن ميتٍ) (٦)، فإنُه لو قضى بها دَينَ حيِّ بأمرِه فهو جائزٌ، ويقعُ عن الزَّكَاةِ لمِا ذُكِرَ أنهُ في شَرْح الطَّحَاوِيِّ، ولو قضى دَيْنَ حيٍّ، والمديونُ فقيرٌ، فإنْ قضى بغيرِ أمرِه يكون مُتبرعًا، ولا تجوز زكاةُ مالهٍ، ولو قضى بأمرِه جازَ كأنّه تصدّقَ على الغريمِ، فيكون القابِضُ كالوكيلِ لَهُ في قَبْضَ الصدقةِ (٧).

стр. 1159

وذَكَرَ الإمامُ الولوالجي (١) (٢): ولو أمرَ فقيرًا بقبضِ دَيْنٍ لهُ منِ زكاةِ ماله جازَ؛ لأنهُ قبض عينًا، والعُين يجوزُ عنِ العينِ والدَّين جميعًا، وأما لو تصّدقَ بمالهِ على الذي هُوَ لهُ عليهِ، وهو فقيرٌ جازَ عن ذلك الدَّينِ، ولم يجْز عن العينِ؛ لأِنّ في الوجهِ الأولِ أدّى الناقصَ عن الناقصِ وفي الوجهِ الثاني أدّى الناقصَ عن الكاملِ فلا يجوزُ. (ولا يَدفعُ الزَّكَاةَ إلى أبيهِ وَجَدَهُ وإنْ عَلَا، ولا إلى وَلَدِهِ وإنْ سَفَل) (٣) وكذلك لا يجوزُ دَفْعُ عُشّرهِ، وسائرُ واجباتهِ إلى هؤلاءِ، ولا إلى مماليكهِ، وزوجتهِ بخلافِ الرِّكَاز إذا أصابَهُ، له أنْ يُعطي خمُسةُ مِن أصلِ الحاجةِ منهم؛ لأِنّ له أن يمُسِكَهُ لحاجةِ نفسهِ، وإنْ بِقَيَ [ولد] أم ولده لم يعطهِ/ وكذا إلى المخلوقِ مِنْ مَائِه بالزّنا، ولو تزوجتْ امرأةُ الغائبِ، فولدتْ، قال أبو حنيفة ﵀: الأولادُ مِنَ الأولِ ومع هذا يجوزُ لِلأَولِ دَفْعُ الزكاة إليهم، وتجوزُ شهادتهُم له، كذا ذَكَره الإمامُ التُّمُرْتَاشِي (٤). والأصلُ: أنّ كُلَّ مِنْ يَنْسِبْ إلى المؤدِّي بالولادِ أو يُنسبْ إليه المؤدي بالولاد لا يجوزُ صرفُ الزَّكَاةِ إليهِ، أمّا مَنْ سِواهم مِن القَرابة فيتمَّ الإيتاءُ بالصرفِ إليهِ فيجوز، وهو أفضلُ لما فيه من صِلةٍ بالرحم، كذا في "المَبْسُوط" (٥)، رَجُل يَعُولُ أختَه، أو أخاه، أو عمَّهُ، فأرادَ أنُ يُعِطَيهُ الزَّكَاةَ فهذا على وجهين: إما أنْ لم يَفُرِضْ القاضِي النفقةَ عليهِ، أو فَرَضَ لزمانته (٦)، ففي الوجهِ الأولِ جازَ؛ لأَنّ التمليكَ منِ هؤلاءِ يتحققُ بصفةِ القُربة منِ كُلِّ وجهٍ، فيتحققُ رُكنُ الزَّكَاةِ، وفي الوجهِ الثاني: إنْ لم يحتسِبْ مَنْ نفعهم جازَ، وإن كانَ يحتسبُ لا يجوزُ؛ لأَنّ هذا أداءُ الواجبِ بالواجبِ الآخرِ، كذا في التجنيسِ (٧).

стр. 1160

(ولا إلى امرأته) (١) (للاشتراكِ في المنافعِ) (٢) قال الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ (٣) قِيل: مالُ خديجةَ ﵂ (٤) وعنَد الشَّافِعِي ﵀ (٥) يجوزُ بناءً على شَهادةِ الزوجِ لزوجتهِ على ما يجيء، كذا في "المَبْسُوط" (٦). إجراءُ الصدقةِ، وإجراءُ الصِّلةِ، ولأنهُ لا حقَّ للزوجةِ في مالِ زوجِها، فيتم الإِيتِاءُ كالصَّرفِ إلى الإِخوةِ بخِلافِ الزوجِ إلى الزوجةِ وأبو حنيفةَ ﵀ يقولُ: الزوجيةُ أصلُ الوِلادِ، ثُمَّ ما يتفرعُ مِن هذا الأصلِ يمنعُ صَرْفَ زَكاةِ كُلِّ واحدٍ منهما إلى صاحبهِ فكذلكِ الأصلُ، ألا ترى أنّ كُلَ واحدٍ فيهما يُتَهمُ في حقِّ صاحبهِ حتى لا تجوزُ شهادتُه لهُ، وإنَّ كُلَ واحدٍ منها يَرِثُ صاحَبهُ مِنْ غيرِ حَجْبٍ كما بالولادِ وحديثُ زينبَ (٧) محَمُولٌ على صَدَقةِ التطوُّعِ، فقدْ رُوِيَ أنها كانتْ امرأٌة ضيقةَ اليدينِ تعملُ للناسِ، وتتصدقُ بذلك فيه، يقولُ: إنه يجوزُ صُرْفُ صدقةِ التطوعِ لِكُلِّ واحدٍ منهما إلى صاحبهِ، كذا في "المَبْسُوط" (٨).

стр. 1161

ولا يجوزُ دَفْعُ] الزَّكَاةِ (١) إلى مُعْتّدتِهِ المبتوتةِ (٢) روايةً واحدةً تعتدُّ عن بائِنٍ واحدٍ أو ثلاث. واعلم: أنّ في شهادةِ أحدِ الزوجين لصِاحِبٍ يُعْتبرُ الزوجيةَ وقتَ الأداءِ، وفي الرجوعِ في الِهبةِ وقتَ الِهَبةِ، وفي الوصيةِ وَقْتَ الموتِ، وفي الحدُودِ يَعتِبرُ كُلَّ الطرفين حتى لو سرق مِن امرأتهِ، ثُمَّ أبانها، أو مِن أجنبيةٍ، ثُمَّ تزوّجَها ثُمَّ اختصما لم يقطَعْ (٣) كذا ذكره الإمام التُّمُرْتَاشِي، وله حقٌّ في كَسْبِ مُكاتبهِ حتى أنهُ لو تزوجَ جاريةً مُكاتِبةً لا يجوزُ، كما لو تزوجَ جاريةَ نفسهِ بخلافٍ بالوادي، زكاتُه إلى مُكاتِبٍ غَنَّيِ] فإنه يجوزُ؛ لأنّ ذلك منصوصٌ عليهِ مُطلقًا، قال الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٤)، كذا في "المَبْسُوط" (٥) [، (٦) وقالا: يدفُع إليه؛ لأنُه مديونُ عندهما، وعلى هذا التعليل يجبُ أنْ يصُورَ المسألة في عَبْدٍ بين اثنين، أعتقَ أحدَهما، نصيَبه حتى يتأتى هذا التعليل فأما إذا كانَ العبدُ كُلَّه لهُ فأعتقَ بعضَهُ فإنَّهُ حُرٌّ كُلهُّ بغير دَيْنٍ عندهما؛ لأنُه لا سِعايةَ عليه عندهما، فلذلك ذكر فَخْرُ الْإِسْلَام ﵀ في "الجامع الصغيرِ"؛ لأنهُ حُرٌ كُلهُّ ُمِن غيرِ ذِكر الدَّيْنِ، وإنْ كانتْ نفقتُه عليهِ أنّ هذِهِ للوصْلِ بأنْ كان ذِميًّا، أو أعمى بخلاف امرأةِ الغنيِّ حيثُ يجوزُ دفعُ الزَّكَاةِ إليها (٧). وقال شمسُ الأئمةِ السَّرَخْسِي ﵀ في "الجامع الصغير" (٨): ولو أعطى زوجةَ غَنيِ، وهي محتاجةٌ أجزأَهُ في ظاهرِ الرِواية (٩) وَروى أصحابُ "الأمالي" عن أبي يُوسُف ﵀: أنه لا يجزيه؛ لأنها مكفية المؤنةِ بما يستوجبُ مِن النفقةِ على الغِني حالتي اليَسرِ، والعُسرة فالصرفُ إليها بمنزلةِ الصرفِ إلى وَلَدِ صغيرٍ لغنيِّ. وجهُ ظاهرِ الرِوايةِ أنها تستوجبُ النفقةَ عليه، وبهِ لا يخرجُ مِن أنْ تكونَ فقيرةً عن الأجُرِة، فيجوزُ الصرف إليها فأما الولدُ الصغيرُ للغِني يستوجبُ النفقةَ عليه بالِجزيةِ، فكان الصرفُ إليه بمنزلةِ الصرفِ إلى الغني، ولا يدفعُ إلى بني هاشمٍ. رَوى أبو عصمة (١٠) عن أبي حَنِيفَةَ ﵀: أنه يجوزُ دفعُ الزَّكَاةِ إلى الهاشمي، وإنما كان لا يجوزُ في ذلك الوقتِ، ويجوزُ النفلُ بالإجماعِ، وكذا يجوز النفلُ للغني (١١). كذا في فتاوى الْعَتَّابِيِّ (١٢).

стр. 1162

وذَكَر في "المحيطِ" (١) بعدما ذَكَر هذه الروايةَ: ورَوى ابنُ سماعةَ عنْ أبي يُوسُف ﵀ أنه قال: لا بأسَ بصدقةِ بني هاشمٍ بعضِهم على بعضٍ، ولا أدَّى الصدقة عليهم، ولا على مواليهم منِ غيرِهم بخلاف التطوع أي: يجوزُ (صرفُ) (٢) صَدَقِة التطوَّعِ إلى بني هاشم؛ لأنّ المالَ هنا كالماءِ إلى قوله: بمنزلةِ التُّبردِ بالماءِ. فإنْ قَبَلِهُ/ لِمَ لم يجعلْ صدقَة التطوعِ بمنزلةِ الوضوءِ على الوضوءِ حيثُ يصيرُ الماءُ به مستعملًا؟ وإنْ كانَ تطوعًا فكذا هاهنا يصيرُ المالُ وَسِخًا، وإنْ كان تطوعًا لما أنّ إلحاقَ صدقةِ التطوعِ بالوضوء، التطوعُ أقربُ مِن إلحاقِه بالتُبردِ بجامعِ التطوعِ فيهما، فلا يجوزُ صرفُه إليهم حينئذٍ قلنا: المالُ ليسَ بِنَجِسٍ لا حقيقةً، ولا حُكْمًا. إِلاَّ أنهُ لما أدَّى الفرضَ بهِ أنسخت ضرورة أنه صار مطهرًا بالنص لسقوطِ الفرضِ به لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ (٣) فبقي ما وراءَهُ على ما يقتضِيهِ القياسُ وأما الوضوءُ على الوضوء، فإنُه أزالَ الظلمةَ بالنصِّ اقتضاءً ازديادُ النورِ يقتضي زوالَ الظُلمةِ بَقَدِرِه لا محالةَ ولم يردْ النصُ بمثلهِ، ولم يسقطْ الفرضُ في صدقةِ التطوعِ، فبقي المالُ على حقيقتهِ طاهرًا مِن كُلِّ وجهٍ (٤)، فلذلكَ أُلَحقِ بالتبُردِ ويُعتبرُ حالُ المعتوهِ (٥)؛ لأَنهُ القياسُ بفتح التاء على بناء المفعول، أي: القياسُ أنْ لا يلحقَ المعتوهُ بالمعتقِ في جميعِ الصُّورِ؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما أصلٌ بنفسهِ من حيثُ البلوغُ، والعقلُ، والحريةُ، وخطابُ الشَرع فلا يكونُ اتصالهُ بالإعتاقِ أكثَر من اتصالهِ] في جميع الصور (٦) بالنسبِ، فإنهُ يجوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلى وَلَدِ الغنيِّ إذا كانَ كبيرًا إِلاَّ أنّ النصَّ الخاصَ وَرَدَ في حُرمةِ الصدقةِ على مولى بني هاشم (٧) كما ذكر في الكتاب (٨)، فيبقى في حقِّ أحدٍ الحريةَ مِن معتقِ القرشي إذا كانَ المعتقُ نصرانيًّا على أصلِ القياسِ.

стр. 1163

وذكر في "شرح الطحاوي": فإنَّ مولى القوِم منهم: يعني في حِلّ الصَدقة وحرمِتها، وإِلاَّ فإنّ مولى القومِ ليسَ منهم في جميع الوجوه. ألا ترى أنهُ ليسَ بكفؤٍ لهم، وأنّ مولى المسلمِ إذا كانَ كافرًا تؤُخذُ منه الجزيةُ، وأنَّ مولى التغلبي تؤُخذُ منه الجزيةُ، ولا تُؤخذُ منه الصدقةِ مضاعفةً، وإنما يكونُ منهم في حُكْمٍ واحدٍ، وهو حرمةُ الصدقةِ إذا دَفَعَ إلى رجلٍ يظنهُ فقيرًا، ثُمَّ بانَ أنهُ غَنِيٌّ إلى آخرهِ وهذا لا يخلُو عنْ ثلاثةِ أوجه: إما أنْ ظهرِ أنه كان محُلًا للصدقةِ، أو لم يظهرْ حالهُ عنده أصلًا، أو ظهَر أنُه غني. ففي الأولين يجوزُ بالاتفاقِ (١) (٢)، وفي الثاني على الخلافِ المذكورِ (٣). كذا في "شرح الطحاوي". ثُمَّ إذا جاز، والحالُ هذهِ هلْ يطيبُ للقابضِ؟ ذكر الحلواني ﵀ لا رِوايةَ لهذا (٤)، واختِلفتْ فيه. فعلى قول مِنْ لا يطيبُ ماذا يصنعُ بها؟ قِيل: يتصدقُ، وقِيل: يردُّهُ على المعُطي على وجه التمليكِ ليُعيَد الإيتاءَ (٥). كذا ذكره الإمام التُّمُرْتَاشِي ﵀، (وقال أبو يُوسُف ﵀: عليه الإعادة) (٦) (٧)، ولكنْ لا يسترد ما أدَّاهُ (٨). كذا في "شرح الطحاوي"، (وصار كالأواني، والثياب) (٩)، فإنّهُ إذا اختلطتْ الأواني الطاهرةُ مع الأواني النجسةِ، فإنهُ ينظرُ إنْ كانتْ الغلبةُ للطاهرةِ، فإنه يتحرَّى فيها، ولا يجوزُ أنْ يتركَ التحرِّيَ كما إذا كان ثلاثًا، وأنّ إناءين منهماَ طاهران، والواحدُ نجَسٌ، فإنه يتحرَّى] فيها (١٠) أما إذا كانتْ الغلبةُ للنجسِ، وكانا سواءً فإنه لا يتحرَّى، بل يتيمم، ثُمَّ فيما جاز التحري فتحرَّى فتوضأ، ثُمَّ تبين أنهُ نجس يُعيُد الوضوءَ (١١).

стр. 1164

وأما في الثياب: إذا اختلطتْ الطاهرةُ بالنجس، وليس بينهما علامةٌ لأحدِهما، فإنه يتحرَّى في ذلك سواء كانتْ الغلبةُ للطاهرِ أو للنجسِ أو استويا ثُمَّ إذا صلّى بثوبٍ منها بالتحري، ثُمَّ تبّينَ أنه كانَ نجسًا يُعيُد الصَّلَاةَ (١)، كذا ذكره في طهارة شرح الطحاوي. وذكر في "المَبْسُوط" (٢): هذا كَمَن توضأَ بهما، ثُمَّ تبيَّن أنهُ نجَِسٌ] أو صلّى في ثوبٍ، ثُمَّ تبينَ أنهُ نجسٌ (٣)، أو قضى القاضي في حادثةٍ باجتهادِهِ، ثُمَّ ظهرَ نصٌّ بخلافهِ، ولأبي حَنِيفَةَ ومُحَمَّد رحمهما الله: أنّ الواجبَ عليه الصْرفُ إلى مَنْ هو فقيرٌ عنده، وِقد فَعَل، فيجوزُ كما إذا صلّى إنسانٌ إلى جهةٍ بالتحِّري، ثُمَّ ظهَر الأمُر بخلافهِ، وهذا لِأَنَّ الفَقْرِ والغِنى لا يُوقَفُ عليهما، وقد لا يقفُ الإنسانُ على غِنى نفسهِ فصلًا مِن غيره والتكليفُ إنما يثُبتُ بحسَب الوسغِ بخلافِ النصِّ، فإنه يُوِقَفُ على حقيقتهِ، وكذلك يُوقَف على نجاسةِ الماءِ، وطهارتهِ بالإخبارِ، وإِلاَّ يبقى على الطَّهارةِ إِلاَّ إذا عَلِمَ أنهُ فقيرٌ، أي: حينئذٍ يجوز. قولُه ﵀: هو الصحيحُ احتراز عمّا زَعَمَ بعضُ مشايخنا أنّ عند أبي حَنِيفَةَ، ومُحَمَّد -رحمهما الله- (٤) لا يجوز وحاصِلُ ذلك: أنّ المسألةَ على أربعةِ أَوْجُهٍ: أمّا إنْ كان يُعطي زكاةَ مالهِ رجلًا منِ غيرِ شكٍّ،] ولا نجس (٥)، ولا سؤال، فإنهُ يجزيه ما لمْ/ يتبيْن أنهُ غَنِي؛ لأنَّ الفقرَ في القابض أصلٌ، أو شَكٌّ في أمرِه، فإنْ كانَ عليه هيئةُ الأغنياء، فإنهُ لا يجزُئهُ حتى يَعلمَ أنُه فقيٌر؛ لأِنهُ في بعضِ الشكِّ يلزمُهُ التحري كما في الصَّلَاةِ، فإذا تركَ بعدما لزِمَهُ لمْ يقْع المؤدِّي موقعَ الجوازِ إِلاَّ أنْ يعلمَ أنهُ فقيرٌ، فحينئذٍ يجوز؛ لأنّ التحري كانِ المقصودَ، وقد حصلَ ذلك المقصودُ بدونِهِ، كالسعيِّ إلى الجُمعةِ، أو وقَع في أكثرِ رأيهِ أنهُ غَنِي، ومع ذلك دفع إليهِ، فإنُه لا يشكلُ أنهُ لا يجزيه ما لم يعلمْ أنهُ فقيرٌ، وأمّا إذا عَلِمَ بفقرهِ قال شمسُ الأئمةِ السَّرَخْسِي ﵀: الصحيح: أنهُ يجوزُ، وقد زَعَمَ بعضُ مشايخنا أنّ عنَد أبي حَنِيفَةَ ومحمد: لا يجوزُ كما لو اشتبهتْ عليه القِبلةُ فتحرَِّى إلى جهةٍ، ثُمَّ أعرضَ عن الِجهةِ التي أدَّى إليها اجتهادهٌ، وصلّى إلى جِهةٍ أُخرى، ثُمَّ تَّبينَ أنهُ أصاب القِبلةَ يلزمُهَ إعادةِ الصلاة عند أبي حَنِيفَةَ، ومُحَمَّد، حتى رُوِيَ عن أبي حَنِيفَةَ ﵀ قال: هناك أخشى عليه: يعني الكُفر لإعراضهِ عن القِبلَةِ عنده والأصَحُّ هو الفرقُ، فإنّ الصَّلَاةَ لغيرِ القِبلةِ مع العلم لاِ تكونُ طاعةً، فإذا كانَ عندَه أنَّ فعلَهُ معصيةٌ لا يمكنُ إسقاطَ الواجبِ عنُه] به (٦). وأمّا التصدقُ على] الَغِنىَ (٧) صحيح،] وليسَ (٨) فيه مِن معنى المعصية شيءٌ، ويمكنُ إسقاطُ الواجبِ عند إصابةِ محِّلهِ بفعِلهِ، فكانَ العملُ بالتحِّري لحِصولِ المقصودِ، وقد حَصَل بغيرهِ أو تحرّى بعد الشكِّ، ووقَع في قلبهِ أنهُ فقيٌر فدَفَعَ إليه، وهو الوجهُ الرابعُ إنْ ظهَر أنهُ فقيرٌ، أو لم يظهْر مِن حالهٍ شيءٌ جازَ بالاتفاقِ (٩)، وإنْ ظهرَ أنه كان غنيًّا، فكذلك الجوابُ عنَد أبي حَنِيفَةَ، ومُحَمَّد -رحمهما الله- (١٠)، وهو قول أبي يُوسُف ﵀ أولًا، وعند أبي يُوسُف آخرًا يلزَمُهُ الإعادةَ (١١)، وهو قولُ الشَّافِعِي ﵀ (١٢)، كذا ذَكَرَه الإمامُ الْمَحْبُوبِيّ ﵀ (١٣) لعَدِمِ أهليةِ المَلِكِ، وهو الرُّكْنُ، فيُعلَمُ بهذا قوةُ مرتبةِ الرُّكْنِ، وانحطاطِ مرتبةِ الشرطِ، وإنْ كانَ جوازُ الأداءِ يتوقفُ بهما فإنَّ في مسألةِ الغِنىّ وغيرِه فاتَ بشرطُ الأداءِ؛ لأِنَّ فقُر المدفوعِ إليهِ شَرْطُ جوازِ الزَّكَاةِ، وفي عَبْدِهِ ومُكاتِبِهِ فاتَ التمليكُ هو الركنُ في الزكاة فلذلك جَازَ الأداءُ في الأُولى مع ظُهورِ الخطأ عندَ أبي حَنِيفَةَ، ومُحَمَّد -رحمهما الله-، ولم يجزْ هاهنا بالاتفاق (١٤)، والشرط أنْ يكونَ فاَضلًا عن الحاجةِ الأصليةِ، أي: شرطُ عدمِ جوازِ دَفْعَ] الصدقةِ (١٥) إليه، وإنمّا قُيِّدَ بهذا؛ لأنّهُ إذا مَلَكَ نِصابًا مِن الأموالِ سواءً كانت من الدراهمِ، والدنانيرِ أو في غيرِهما، ولكنْ ليست هي بفاضلةٍ عن الحاجةِ الأصليةِ يجوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إليه، والحاجةُ الأصلية في حقِّ الدَّراهِم، والدنانيرِ هي أنْ يكون الدين مشغولًا بها، وفي غيرها احتياجُه إليهِ في الاستعمالِ، وأَمْرِ المعاشِ (١٦) وعن هذا ذُكِرَ في "المَبْسُوط" (١٧): رَجُلٌ له ألفُ دِرْهَمٍ، وعليهِ ألفُ دِرْهَمٍ، ولهُ دَاْرٌ، وخادِم لغيرِ التجارةِ قيمتُهما عشرةُ آلافِ دِرْهم فلا زكاةَ عليهِ؛ لأنَ الدينَ مصروفٌ إلى المالِ الذي في يدهٍ؛ لأنهُ فاضلٌ عن حاجتهِ بعد للتغلب، والتصرف به، فكان الدَّيْنُ مَصروفًا إليه، فأمّا الدارُ والخادِمُ مشغولٌ بحاجتهِ فلا يُصرِفُ الدَّينُ إليهِ، ثُمَّ] قال (١٨): قال في الكتابِ: أرأيتَ لو تصدّقَ عليه ألم يكن موضعًا للصدَقَة؟ يريد به أنَّ المالَ مشغولٌ بالدّيْن فهو كالمعدومِ، وَمِلكَ الدّاْرِ، والخادمُ لا تحرمُ عليه أخذَ الصدقةِ، ولأَنَّه لا يُزيلُ حاجتَه، بل يزيدُ فيهاَ فالدارُ تُسترم، والعبدُ سَينفَقُ فلا بُدَّ لهُ مِنها، وهو في مَعنى ما نِقل عن الحسنِ البصريِّ ﵀ (١٩) أنّ الصدقَة كانتْ تَحُلُّ للرجُلِ، وهو صاحب عشرةِ آلافِ درهمِ] هل (٢٠) وكيف يكون ذلك؟ قال: يكون له الدارُ، والخادمُ، والكِراعُ، والسِلاحُ كانوا ينهون عن بيع ذلك، وعلى هذا قال مشايخنا: إنّ الفقيَه إذا مَلَكَ مِنَ الكُتبِ ما يساوي مالًا عظيمًا، ولكنهُ محتاجٌ إليها يحِلُّ له أَخْذُ الصدَقةِ إِلاَّ أنْ يملكَ فضَلًا عن حاجتهِ ما يُساوي مائتي درهم.

стр. 1165

وذكر في فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: ولَا يحِلُّ السؤالَ لمِن كانَ عنَده قوتُ يومٍ عندَ البعضِ، وقال بعضهم: لَا يحِلُّ السؤالُ لمِنْ كان (١) كَسولا أو يملكُ خمسينَ ِدرهمًا، ويجوز صُرفُ الزكاة إلى مِنْ لا يحِلُّ له السؤالُ إذا لم يملكْ نِصَابًا ثُمَّ قال: ولو كانَ له حوانيتُ (٢) أو دارهٌ غلته تساوي ثلاثة آلافٍ، (٣) وغلتُها لا تكفي لِقوتِه، وقوتِ عيالهِ يجوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إليه في قول مُحَمَّد، وفي/ الكتب إذا كانتْ تساوي مائتي درهم، وهو لا يحتاجُ إليها لا يجوزُ صرفُ الزَّكَاةِ إليه، (وإنما النَّماءُ شَرْطُ الوجوبِ، أي: شرطُ وجوبِ الزَّكَاةِ (٤)، (ويجوزُ دفعها إلى مِنْ يملِكُ أقلَّ من ذلك) (٥) أراد به الجواز بغير الكراهية، فأما الجوازُ بالكراهةِ، فيُوجَدُ في الدّفْعِ بالنصابِ إلى فقيرٍ خلاِفًا لِزُفَر (٦)، (وإنْ كان صحيحًا مكتسبًا)، (٧) وهذا عندنا (٨) وقالَ الشَّافِعِي ﵀ (٩): لا يجوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلى الفقيرِ الكسوبِ؛ لقوله ﵊: «لا تحَلُّ الصدقةُ لِغَني، ولا لِذِيْ مِرَّةٍ سَوِي» (١٠) وتأويله (عندنا) (١١) حُرمةُ الطَّلبِ، والسؤالُ: ألا ترى إلى ما رُوِيَ عن رسولِ اللهِ ﵊ أنهُ كانَ يُقسِمُ الصدقاتِ، فقامَ إليهِ رَجُلانِ يسألانه فنظَرَ إليهما، ورآهما جلدين فقال: «أما أنَهُ لا حَقَّ لكما فيهِ، وإنْ شئتما أعطيتكما» (١٢). معناه: لا حَقَّ لكما في السؤّالِ. ألا ترى أنّهُ جَوَّزَ الإعطاءَ إياهما، كذا في "المَبْسُوط" (١٣).

стр. 1166

ويُكْرَهُ أنْ يَدفَعَ إلى واحدٍ مائتي دِرْهَمٍ فصاعدًا، عِنْدَنَا يجوزُ ويُكُرهُ، وعند زُفَر (١): لا يجوزُ أصلًا، وعن أبي يُوسُف ﵀ (٢): أنهُ لا بأسَ بإعطاءِ المائتين إليه، وإنمّا يْكَرُه أنْ يعطَيهُ فوقَ المائتينِ، قال بعضُ المتأخرين مِن مشايخنا: صورةُ المسألةِ فيما إذا لم يكنْ لهُ عِيالٌ، ولا دَيْنٌ عليه، فإنْ كُن عليه دَين، فلا بأسَ بأنْ يعُطيَهُ مائتين، أو أكثرَ مقدارَ ما إذا قضى بَرِدِّ دَيْنهِ يبقى له دُونَ المائتين، وكذلك إذا كان مَعِيلًا فلا بأسَ بأنْ يعُطيه مقدارَ ما لو وَزّعَهُ على عيِالِهِ أصابَ كُلّ واحدٍ منهم دونَ المائتين؛ لأنّ التصدقَ عليه في المعنى تَصَدّقٌ عليه، وعلى عيِالِهِ، كذا ذكر شمس الأئمة السَّرَخْسِي ﵀ في "الجامع الصغير" (٣). وكذلك ذَكَرَ هذه المسألةَ في "المَبْسُوط": (٤) يُقيده بهذين القيدينِ، فقال: ويُكْرَهُ أنْ يَعطِي رجلًا مِن الزَّكَاةِ مائتي دِرْهَم إذا لم يكنْ عليه دَيْن أو عِيالَ فوجْهُ قَولِ زُفَر ظاهرٌ: وهو أنّ الزَّكَاةَ تتمَّ بالأداءِ، والأخذِ معًا، ثُمَّ مُلْكُ المائتين منِ الدراهم مَانِعٌ مِن الأخذِ، فيجبُ أنْ يكون مانِعًا منِ الأداءِ، ولأنهُ يجبُ أنْ يتمَّ إعطاءه إلى الفقيرِ، وتمامُ الإعطاءِ باُلملْكِ له، وهو عند ذلك غني،] وكان إعطاء إلى غني (٥)، ووجْهُ قولِ أبي يُوسُف ﵀ أنْ جَّزأ من المائتين مُستحِقُ بحاجتهِ للحالِ، والباقي دونَ المائتين، فلا تَثبُتُ به صفةُ الِغَني إِلاَّ أنْ يعطيهَ فوق المائتين. (قلنا:) (٦) (إنّ الغِنيَّ حُكْمُ الأداءِ يتعقُبُه) (٧)، فإنْ قلتَ: هذا الذي ذكره ليسَ بمستقيمٍ على ما هو الأصحَّ مِن مذهبنا: وهو أنّ حُكْمَ الِعَلةِ الحقيقيةِ لا يجوزُ تَأَخُرهُ عنها، بل هما تقتربان كالاستطاعةِ مع] الفعل (٨) ذكره شمسُ الأئمة، وفَخْرُ الْإِسْلَام في فصل (يقسم) (٩) العلةُ من أصولِ الفقهِ، فما وجه ذِكْر التعقب هاهنا؟

стр. 1167

قلت: معنى قولِه: (الغني حُكْمُ الأداءِ) (١)، أي: الغِنى حُكِمَ حُكْمُ الأداءِ؛ وذلك لأنّ الأداءَ عِلَةُ المُلْكَ، والمُلْكُ عِلَةُ الغِنى،] فكان (٢) الغنُى مضافًا إلى الأداءِ لكن بواسطةِ المُلْك فكانَ للعلةِ الأَولى، وهي الأداءُ شُبهةُ السببِ، والسببُ الحقيقيُّ] هو (٣) الذي يتقدّمُ على الحُكَمَ حقيقةً، وما كانَ يْشبهُ السببُ مِن العِلَلِ لَهُ شُبهةُ التقّدمِ، وكان هذا مِن قَبيِل شَرِى القُربِ للإعتاق، فإنّ الشِرى عِلَّةُ المُلكِ، والملكُ في القريبِ عِلّةُ العِتْقِ بالحديثِ، فكان العِتْقُ حُكْمُ الشِّرِى، فلذلك جازت منُه الكفارةُ عنَد الشِرى؛ لِشُبهةِ تقدّمِ الشرِى على العتق لِوجودِ الواسطةِ، فكذا هنا لما شابه الأداءُ السببَ باعتبارِ أنَّهُ عِلّةُ الغنىِّ كان للأداءِ على الغِنى شبهة التقدّم، فيجوز وصفُ الغِنى حينئذٍ بالتعقبِ، والتأخَّرِ. فَلِمَّا تأخرَ الغنىُّ عن الأداءِ بهذا الطريق كان الأداءُ ملاقيًا المدفوَع إليه، وهو فقيرٌ فيجوز الأداءُ لما أنّ بقاءَ المدفوعِ إليهِ على صفةِ الفقرِ ليس بشرطٍ لصحةِ الأداءِ (٤)، ومما يُؤنِسُ صِحَّةَ هذا الجوابِ ما ذُكِرَ في "الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة "، (فقال:) (٥) قال علماؤنا: المُلكُ وإنْ كان يُقارِنُ التمليكَ، ولكنّ الغني (٦) يثبت [عقُيبه؛ لِأَنّ الغِنى: ما يقعُ به الاستغناءُ والاستغناءُ إنما يَثبَتُ بالتمكُّنِ، والاقتدارِ على التصُرفاتِ (٧)، وذلك مما يعقبُهْ، ولا يقترِنُ بهِ، ولِأَنَّ حُكْمَ الشيءِ لا يمنعُ عليه، وإنْ كانَ لا يُتصَّورُ إثباتُ تلكَ العِلَّةِ بعد ثُبوتِ ذلك الحُكْمِ كالطلقات الثلاث، وكالإعتاق فإنّ المطلقةَ الثلاثَ ِبحال لو طلقَّها لا يصُحُّ، وكذلكَ/ المعُتقُ لا يَصُحُّ فيه الإعتاقُ، ومعَ ذلك لا يمنعانِ علتهما، فلو كانَ حُكْمُ الِعّلةِ مانعًا للِعَّلةِ لما تَثْبُتُ الِعلَّةِ في صُورةٍ مَاْ، وهذا معنى ما ذَكَره الإمامُ الْإِسْبِيجَابِي ﵀ في مبسوطه: أنهُ تمليكٌ منَ الفقيرِ مِنْ كُلَّ وجهٍ؛ لأنّهُ حينِ وَجَدَ فِعْلَ التمليكِ كانَ المَلِكُ فيه فقيرًا حقيقةً، وإنما ثَبُتَ الغِنى حُكمًا لهُ، فلا يمنعُ الحُكْمَ عليهِ، ككسرِ الكُوزِ (٨) هو كَسْرُ محَلًّ صحيحٍ من كُلَّ وجه [، وإنْ كانَ حُكْمُ هذا الفعلِ انكسارَ المحلِّ، وقتلَ الحيِّ يكونُ قتلًا للحيِّ، وإنْ كان حُكمُهُ زوالَ الحياةِ، ولهذا لا يُقَالُ: بأنهُ قتلَ الميتَ مِن وجهٍ، أو كَسَر المنكِسَر مِن وجهٍ، فكذلك هاهنا يجبُ أنْ لا يُقال: دَفْعُ الغِنى مِن وجهِ، ولكنهُ يُكرهُ؛ لأَنّ فيهِ شبهةُ المقارنَةِ، وحقيقةُ المقارنةِ تمنع الجوازَ فشبهتُها لاُبَّد أنْ يوجبَ الكراهةَ إِلاَّ إذا كانَ عليه دَيْنٌ أو له عِيالٌ لم يثبتْ بهذا الفعلِ معنى الغِنى أصلًا، فلا يُكْره (٩).

стр. 1168

وقال فَخْرُ الْإِسْلَام ﵀: ولأصِحابِنا أنّ الأداءَ يلاقِي الفقرَ، وإنما يثُبتُ الغِنى بحكمهِ، وحُكْمُ الشيءِ لا يَصلُحُ مانعًا له؛ لِأَنّ المانعَ (١) ما سبقُه، لا ما لا يلحقه والجوازُ لا يحَتملُ البُطلانَ؛ لِأَنَّ البقاءَ يستغنى عن الفقرِ، (وإنْ تُغني به إنسانًا أحبُّ إليّ) (٢)، هذا خِطابٌ يخَاطِبُ به أبو حنيفةَ أبا يُوسُف ﵀ وإنما صار هذا أحبَّ؛ لأنهَ يحصُلُ به الإغناءُ عن المسألةِ، وهو المأمورُ به، والسؤالُ ذِلُّ، وكان فيهِ صِيانةٌ للمُسلم عِنِ الوقوعِ في الذَّلِ، وأداءِ الزَّكَاةِ فكان أفضل لوجودِ المعنيين، ولهذا قلنا: إنّ مِنْ أرادَ أنْ يتصَّدقَ بدرِهم، فاشترى به فُلوسًا، ففرقها، فقد قَصَّرَ في أّمْرِ الصدقةِ (٣)، كذا ذَكَره شمسُ الأئمة (٤)، وفَخْرُ الْإِسْلَام في "الجامعِ الصغيرِ" (٥). (ويُكْرَهُ نَقْلُ الزَّكَاةِ منِ بلدٍ إلى بلدٍ (٦)، وإنمّا تفرقُ صدقةُ كُلِّ فريقٍ فيهمْ) (٧). هذا ليس بمجَرى ظاهره، فإنَّ مُسلمًا لو دَخَلَ دارَ الحربِ بأمانٍ، ومَكَثَ فيها سنين، فعليهِ الزَّكَاةُ في مالهِ الذي خَلّفْ، وفيما استفادَ في دارِ الحربِ؛ لأنهُ مخُاطَبٌ بحكْمِ الإسلامِ حيثما يكونُ، ولكنه يَعني مَنْ عليهِ بالأداءِ إلى فُقراءِ المسلمينَ: الذين يسكنونَ في دارِ الإسلامِ بخلافِ ما إذا وجبتْ عليه الزَّكَاةُ في دارِ الإسلام، فإنُه يُؤْمَرُ بالدَّفعِ إلى أهلِ بلدةٍ، فأمّا في دارِ الحربِ فقلَّ ما يجدُ فقراءُ المسلمينَ، ولو وُجِدَ فالفقراءُ الذينَ يسكنونَ في دارِ الإسلامِ أفضلُ مِنَ الذينَ يسكنون في دارِ الحرب، كذا في نوادر زكاة "المَبْسُوط" (٨). فإنْ قلتَ: (ما الفرقُ) (٩) بينَ هذه المسألةِ، وبينَ صدقةِ الفِطِر فإنّ هناك الاعتبارَ بمكانِ مَنْ يجبُ عليهِ في ظاهرِ الرِوايةِ، لا بمكانِ مَنْ وَجَبَ عنهم،] وهم الأولادُ الصغارُ، والعبيدُ، وهاهنا الاعتبارُ بمكانِ المالِ لا بمِكان مَنْ وَجَبَ عليه؟ (١٠).

стр. 1169

قلتُ: لما أنّ الوجوبَ في صدقةِ الفِطْرِ على المولى في ذِمته، ورأسُ المماليكِ في حقِّهِ كرأسهِ؛ لأنَّ الأصلَ أنّ وجوبَ صدقةِ فِطْرِه نَفسهِ على نفسِهِ لوجودِ مُؤَنتِهِ، وولايتهِ على نفسهِ، ثُمَّ يُلحقا بهِ مَنْ هو في معنى نفسهِ في هذين الوصفين، فكما أنّ في أداءِ صدقةِ فِطْرِه عن نفسهِ يَعتِبُر موضعه فكذلك عن مماليكهِ؛ لأنهم في معنى نفسهِ وأمّا هاهنا الواجبُ جزءٌ مَن المالِ حتى تسقطَ الزَّكَاةُ بهلاكِ المالِ، فيعَتِبرُ بمكان المالِ لذلك، وهناكَ لا تَسقطُ الفِطرةُ بهلاكِ المماليكِ بعد الوجوبِ على المولى، فَاعْتُبِرَ بمكان المولى، لذلك أشارَ إلى هذا في "المَبْسُوط" (١)، وفيه رعايةُ حقِّ الجِوار، ومهما كانتْ المجاورةُ أقربُ كانتْ (رعايتها) (٢) أوجبَ لقولهِ ﵊: «أَدْناكَ أدناكَ» (٣)، ولمّا سأَلهُ رَجُلٌ، وقال: إنّ له جارين فإلى أيِّهما أَمُرّ؟ فقالَ: «إلى أقربِهم منكَ بابًا» (٤)، ولو نقل إلى غيرِهم أجزأُهُ، وللشافعي ﵀ (٥) قولٌ: (إنه) (٦) لا يجوزُ لحديثِ مُعاذ ﵁، «مَنْ نقَل عشرةً، وصدقتهٌ مِن مخلاف عشيرتِه إلى غيرِ مخلاف عشيرته فعشرةٌ وصدقُته إلى مخلاف عشيرته» (٧) أي: مردودةٌ عليهم، ولنا ظاهُر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٨)، وتخصيصُ فقرِ البلدةِ ليس بمعنى في أعيانهم فلا يمنعُ الجوازَ إذا صُرِفَ إلى غيرِهم؛ لأنَّ ما هُوَ المقصوُد، وهو سدَّ الخلةِ قد حصل وحديثُ معاذُ محُمولٌ على بيانِ الأَولى.

стр. 1170

ألا ترى أنّهُ كانَ بالثمنِ كانَ ينقلُ الصدقَة إلى المدينةِ (١) على] ما قال في خطبته، وأنفع مَنْ بالمدينة منِ المهاجرين، والأنصارِ، وإنما كان ينقلَ إلى المدينة (٢)؛ لأنَّ فقراءَها كانوا أشرفَ الفقراءِ حيثُ هجروا أوطانهم، وهاجروا لِنصُرةِ/ رسولِ الله ﵊ وتعلُّم أحكامِ الدِّينِ. كذا في "المَبْسُوط" (٣). قْلتُ: بهذا التعليلِ الذي ذَكَره في زكاةِ "المَبْسُوط"، وتعليلِ المسألةِ التي ذَكره في نوادرِ زكاة "المَبْسُوط"، وحُكْمِها، يعلمُ أنّ نقلَ الزَّكَاةِ منِ بلدٍ إلى بلدٍ في حَقِّ غيرِ المستثنين (٤) في الْكِتَابِ بقوله: (إِلاَّ أنْ ينقلَها إنسانٌ إلى قرابتهِ أو إلى قومٍ هُمْ أحوجُ مِنْ أهلِ بَلَدِهِ) (٥) ثابتٌ جوازه أيضًا مِن غيرِ كراهةٍ بأنْ يكونَ الفقيرُ الذي في بلدٍ آخَر أَوْرَعُ، وأنفعُ للمسلمين بتعليمِ شرائعِ الإسلامِ وتعلّمِها، وأنْ يكونَ مَن أحيا عُمْرَهُ في أبوابِ الصّلاح، والطاعاتِ ألا ترى أنّ معاذًا ﵁ كيف نقلها منِ اليمنِ إلى المدينةِ (٦) لهذه المعاني، وهي تعلّمُ أحكام الدِّينِ، ونُصرةِ الحقِّ اليقين، والله أعلمُ بالصّوابِ.

стр. 1171

بابُ صدقةِ الفِطْرِ لصِدَقةِ الفِطْرِ مُناسبةُ الاتصالِ تَعْقُبُ الزَّكَاةَ، والصومَ. أما في حقِّ الزَّكَاةِ، فإنها مِن الوظائفِ الماليةِ مِعَ انحطاطِ درجتها عنِ الزَّكَاةِ، وأمّا في حَقَّ الصومِ باعتبارِ الترتيبِ الوجُودِيِّ، فاوردها لذلك في "المَبْسُوط" (١) بعد الصوم رِعِايةً لجانبِ الترتيبِ الوجُودي، وأوردها في الْكِتَابِ هاهنا رِعايةً لجانبِ الصدقةِ، وإنما رَجَّحَ هذا الترتيبَ هنا لمِا أنّ المقصودَ مِن الكلامِ المضافِ لا المضافِ إليه، خُصوصًا ما إذا كانَ المضافُ (٢) مضافًا إلى شرطِهِ، وهذا كذلك، ثُمَّ الصدقةُ هي العُطِيةُ التي يُرادُ بها التوبةُ مِن اللهِ تَعالى، سمُيِتْ بها؛ لأَنّ بها يظهرُ صِدْقُ رغبةِ الرجلِ في تلكَ المثوبةِ، كالصداقِ يظهُر بهِ صِدْقُ رغبةِ الرجلِ في المرأةِ (٣)، ومِنَ الإضافةِ: إضافةُ الحُكْمِ إلى شَرْطٍ، كما في حِجَةِ الإسلامِ، وهي مجَازٌ (٤) (٥) لما أنّ الحقيقةَ (٦) هي إضافةُ الحُكْمِ إلى سببٍ كما في حجِّ البيتِ، وصلاةِ الظُّهرِ. فيحتاجُ هاهنا إلى بيانِ أحدَ عشَر شيئاً: سُببها، ومتُنها، وشرطُها، ورُكُنها، وحُكْمُها، ومَنْ يجبُ عليهِ، وقَدْرُ الواجبِ، وما يتأدَّى به الواجبُ، ووقتُ الوجوبِ ووقتُ الاستحبابِ، ومكانُ الأداءِ. أمّا سبُبها فهو رأسُ يمونه، ويلي عليهِ، وأمّا صفُتها: فإنها واجبةٌ ثبتَ وجوبهُا بالأحاديثِ المشهورةِ على ما يجيءُ، وأمّا شرطُها فأنواعٌ ففي مَنْ يجبُ عليه الحريةُ، والإسلامُ، والغِنى،] وفي الوقتِ طلوعَ الفجرِ مِنْ يومِ الفِطْرِ (٧). في الواجبِ أنْ لا ينقصُ مِن نصفِ صاعٍ من البرِّ وغيره وأمّا ركٌنُها: فإذا قُدِّرَ الواجبُ لمِنْ يستحقُه، وأمّا حُكْمُها: فهو الخروجُ عن عُهْدَةِ الواجبِ في الدُّنيا، ووصولُ الثوابِ في الآخرة، وأمّا مَنْ يجبُ عليه: فهو كُلُّ حُرٍّ مُسلمٍ غني، وأمّا قَدْرُ الواجبِ: فهو نِصْفُ صاعٍ من بِرٍّ، وغيره على ما يجيء، وأمّا ما يتأدَّى به الواجبُ فهو مِن أربعةِ أشياء: مِنَ الحنْطَة، والشعيرِ، والّتمرِ، والزبيبِ في المشاهير من الأحاديث، وأمّا وقتُ الوجوبِ: فهو طُلوعُ الفجرِ منِ يومِ الفِطْرِ، وأمّا وقتُ الاستحبابِ فهو قَبْلَ الخروجِ إلى المُصلّى، وأمّا مَكانُ الأداءِ: فهو مكانُ مَنُ يجَبُ عليه في ظاهرِ الرِوايةِ بخلافِ الزَّكَاةِ فإنّ الاعتبارَ فيها لمكانِ المالِ، وقدَ مَّر في بابِ مَنْ يجوزُ دَفْعُ الصدقةِ إليهِ (٨).

стр. 1172

قولُه ﵀: (صدقَةُ الفِطر واجبةٌ) (١)، ذَكَر الوجوبَ هاهنا على حقيقتهِ الاصطلاحيةِ، وهي أنْ يكونَ بينَ الفرضِ، والسُّنةِ (٢). وذَكَر الإمامُ الْمَحْبُوبِيّ ﵀ واجباتِ الإسلامِ سَبْعٌ (٣): صدقَةُ الفِطْرِ، ونفقةُ ذَوي الأرحامِ، والوِتْرُ، والأُضحيةُ، والعمرةُ، وخِدُمةُ الوالدينِ، وخِدمُة المرأةِ لزوجها. وقال الشَّافِعِي ﵀ (٤): إنها فريضةٌ بناءً على أصلهٍ أنهُ لا فرقَ بينَ الواجبِ، والفرضِ فاضلًا عَنْ مسكنِهِ حتى لو كانتْ لهُ داران: دَاْرٌ يسكُنُها، و الدارُ الأُخرى لا يَسْكُنها، ويؤاجِرُها، أو لا يُؤاجِرُها تُعتبُر قيمتها في الغِنى حتى لو كانت قيمتُه (٥) مائتي دِرهمٍ يجبُ عليه صدقةُ الفِطْرِ، وكذلك لو كانَ له دارٌ واحدةٌ يسكنها، وفَضْلٌ عن سَكَنٍ، وشيءٍ تُعتبُر قيمةُ الفاضِلِ في النِّصابِ، وكذلك في الثيابِ، (والأثاث) (٦)، وغيرهما إلى هذا أشار في "المحيط" (٧). قولُه ﵀: صغيرٌ أو كبيٌر في الحديثِ: «أدُّوا عن كُلِّ حُرٍّ وعبدٍ، صَغيرٍ أو كبيرٍ» (٨). صفتان لعبدٍ، وهذا ظاهرٌ، ولا يجوزُ أن يكونا صِفتين لحِرٍّ، وعبدٍ؛ لأنهُ لا تجبُ عليهِ صدقةُ الفِطْرِ عن وَلَدِه الكبيرِ، اللهم إِلاَّ أنْ يكونَ المُرادُ في حقِّ الولدِ الكبيرِ] بأمرٍه، وتوكيلٍ، فحينئذٍ، يجوزُ أنْ يكونا صفتين لحِرٍّ، وعبدٍ فأمّا على الإطلاق فلا (٩). على الإطلاق فلا (رَواهُ ثعلبةُ بنُ صعيرٍ العَدَوِي، أو صَغيرٍ العُذُري) (١٠) (١١) العذرة] وَجَعُ في الحلقِ مِنَ الدَّمِ، (١٢) وبها سمُيَتْ القبيلةَ المنسوبُ إليها عبدُالله بنُ ثعلبةَ بن صغيرِ] أو إلى صغير العذري (١٣)، ومَنْ رَوى العذُري فكأنه نسبه إلى جَدِّهِ الأكبر (١٤)، وهو عَدِيُّ بنُ صغيرٍ العبدي (١٥) في معرفة الصحابة لأبي نعيم (١٦) (١٧)، والأولُ هو الصحيحُ ذُكِرَ في "المُغْرِب" (١٨) في باب العين مع الذال المعُجمة، وكذلك في الأنساب لابن ماكولا أيضًا بالدال نسبه ابن عمر (١٩).

стр. 1173

قوله ﵀: (لِعَدمِ القَطْع) (١) تعريضٌ لمذهب الشَّافِعِي ﵀ (٢) أي: هذا خبرٌ واحدٌ ليس بدليلِ مقطوع بِه حتى يثُبتَ الغرضُ، كما هو مذهبُ الشَّافِعِي ﵀، وشَرْطُ الحريةِ بلفظِ الماضيِ لِيقَعَ قُرْبَةً (٣)، ولقولهِ ﵊ في زكاةِ الفطرِ: «طُهرةٌ للصائمين من اللغوِ والرَّفَثِ» (٤)، وقالَ عُمر ﵁: «الصومُ محَبوسٌ بيَن السماءِ والأرضِ حتى تُؤدَّى زكاةُ الفِطْرِ لا صدقةً إِلاَّ عن ظَهْرِ غِنَى» (٥) أي: صادرةً عن غنى، فالطَّهرُ فيه مُقْحَمٌ كما في طُهْر القلبِ، كذا في "المُغْرِب" (٦). وقالَ الشَّافِعِي ﵀: (يجبُ على الفقير إذا كانتْ له زيادةٌ على قُوتِ يومهِ) (٧) (٨)؛ لأنهُ ذُكِرَ في آخرِ حديثِ (ابن) (٩) عُمَرَ غنيٌ أو فقيرٌ (١٠) ولأنّهُ وَجَبَ طُهْرةً للصائِم فاستوى فيه الغني، والفقيرُ، ولنا الحديثُ المذكور في الكتابِ (١١)، ولِأَنَّ الفقيَر مَحَلٌّ للصْرفِ إليه، فلا يجبُ عليه الأداءُ كالذي لا َيملكُ إِلاَّ قوتَ يومهِ، وهذا لأنّ الشرْعَ لا يَرِدُ بما لا يُفيدُ، فلو قلنا: بأنهُ يأخذُ مِن غيرهِ، ويُؤَدِّي بنفسهِ، كان اشتغالًا بما لا يُفِيدُ، وحديثُ ابنُ عُمَر ﵁ محَمولٌ على ما كانَ في الابتداءِ، ثُمَّ نُسِخَ بقولهِ ﵊: «إنّما الصدقُة ما كانَ عن ظَهْرِ غِنىً» (١٢) أو هو محُمولٌ على النَدْبِ، فإنهُ قالَ في آخره: «أمّا غنيُكُم فُيزكِيهِ اللهُ تُعالى، وأمّا فقيرُكُم فيعطيهِ اللهُ تعالى أفضلَ مما أُعْطِيَ» (١٣)، كذا في "المَبْسُوط"، و"الإيضاح" (١٤). فإنْ قلتَ على قولِه، ولِأَنَّ الفقيرَ محُلٌّ للصرفِ إليه فلا يجب عليه الأداءُ بِرَدِّ الكفاراتِ، فإنهُ يعتبرُ فيها بيسرِ الأداءِ دُونَ الغِنى مع (أنه) (١٥) محلٌّ لصرفِ الكفاراتِ إليه، ولم يقلْ فيه: إنهُ اشتغَل بما لا يُفيدُ.

стр. 1174

قلتُ: بينهما فرقٌ؛ وذلك لِأنّ] الكفارةَ (١) شُرِعَتْ تطهيرًا عن الإثُمَّ مقصودًا مِنْ غَيرِ أنْ يُقصَدَ فيها الإغناءُ حتى أنها تتأدَّى بالصومِ، والإعتاقِ، فعنَد الاجتماع صورةٌ إذا كانَ ما لا يجبُ اعتبارُه على الانفصالِ، وأما الزَّكَاةُ فإنّ الفقيرَ ما استَحَقَّ الصدَقةَ إِلاَّ برزقِهِ مِن اللهِ تعالى، وما أَمْرُ اللهِ تعالى بإخراجِ المالِ صدقةً إِلاَّ رْزِقًا للمحتاجين، فَمَنْ تحَلُّ لهمْ شَرعًا؟ فإذا كانَ الرجلُ مِمنْ يحِلُّ له الرزقُ بهذا الطريقِ لم يجْز أنْ يكوَن أهلًا للوُجوبِ عليهِ، فيفوتُ عنه حِكْمةُ الأغنياءِ بإعطاءِ الرزقِ إذا أَخَذَ خمسَهُ رِزقًا، ثُمَّ أعطى الخمسَة رِزْقًا بمثله (٢). كذا في "الْأَسْرَارِ" (٣). (ولا يُشَترطُ فيهِ النمُو) (٤)؛ لأَنّ اشتراطَهُ لليُسرِ، والسهولةِ، ولا يُعتبرُ اليُسر هاهنا حَسْبَ اعتبارِه في الزَّكَاةِ بدليلِ بقاءِ الواجبِ بعدَ هلاكِ النصابِ، ووجوبُهُ برأس الحُرِّ؛ وذلك لأنّ سببَ هذا رأسُ يمونه ويلى عليهِ، وهو يستدعِ زيادةُ الضيقِ لا اليُسرِ، واشتراطُ الغِنى هاهنا مع ذلك لا للِيُسر، بلْ ليكونَ المأمورُ به أصلًا للأغنياءِ بخلافِ الزَّكَاةِ، فإنّ سببهَا المالُ، والواجِبُ فيه القليَلُ عن الكثيرِ على وجهٍ لا يُؤدِّي وجوبَها إلى الإجحافِ، والاستئصالِ حتى أنَّ دَيْنَ الزَّكَاةِ يمنعُ وجوبَ الزَّكَاةِ إذا كان الدَّيْنُ يُنْقِصُ النّصِابَ، فلذلك رُوْعيَتْ فيه غايةُ السهولةِ لَهُ فاشتَرطَ النمَّو، ويتعلقَّ بهذا النصابِ حْرِمانُ الصدقةِ (٥). فالحاصِلُ: أنّ النِّصابَ على أنواعِ ثلاثةٍ: نِصابٌ يجبُ] به (٦) الزَّكَاةُ، وسِائرُ الأحكامِ المتعلقةِ بالمالِ، وهو ما ذكرنا أنّ تَملُكَ الحِجرين (٧) بالقَدْرِ الذيْ ذَكَره خاليًا عنِ الحاجةِ الأصليةِ، وأعني بالحاجةِ الأصلية في حقَّهما: الدَّينُ المشغولُ به، أو يَملِكُ غيرَهُما مِنَ العُروضِ المُعدَّةِ للتجارةِ الحاليةِ عن الحاجةِ الأصليةِ، وهي تُساوي نِصابَ الحجِرين قيمةً ونصابٌ يجبٌ الأحكامَ الأربعةَ، وهذهِ الثلاثةَ المذكورةَ، وهي: حِرمانُ الصدقةِ، ووجوبُ الأُضحيةِ،] والفِطْرِ (٨)، والرابع: وُجوبُ نفقةِ الأقاربِ، ولا يُشترطُ فيه النمُّو بالتجارةِ أو بالحْولِِ لما ذكرنا، ونِصابُ تثُبتُ بهِ حُرمةُ السؤالِ، وهو مَنْ كانَ عِنَدُه قُوتُ يومٍ عنَد البعضِ، وقالَ بعضُهم: لا يحِلُ السؤالُ لمِنْ كان كَسُوبًا، أو يَمِلكُ خمسيَن دِرهمًا، وقد ذكرناه.

стр. 1175

(ولهذا يتعّددُ بتَعّددِ الرأسِ مع اتحادِ اليومِ) (١)، عُلِمَ أنّ الرأسَ هو السببُ دونَ/ الوقتِ فإنْ قلتَ: مِثَل هذا التعُّددِ، والاتحادِ يُوجدُ في طَرَفِ الوقتِ أيضًا بعينهِ حيثُ يتعددُ بتعددِ الوقتِ، وهو تكررٌ للسنةِ الثانيةِ، والثالثةِ مع اتحادِ الرأسِ، فلو كانَ الرأسُ هو السببُ لما تعدّد الواجبُ في السنةِ الثانيةِ لا (تحال) (٢) الرأسِ كما في الحجِّ حيثُ لا يتعددُ؛ لأنَّ السبب، وهو البيتُ واحِدٌ (٣). قلتُ: تَكَرُر الوجوبِ هاهنا يتكررُ الفِطْرِ مع اتحادِ الرأسِ بمنزلةِ تكررِ وجوبِ الزَّكَاةِ يتكررُ الحولُ في المالِ الواحدِ، وذلك لأنّ وصفَ صدقَةِ الِفطْرِ بأنها مُؤنةٌ تُرجِحُ الرأسَ في كونهِ سببًا؛ لأنّ المؤنةَ عبارةٌ عن الفوتِ، يُقالُ مائةٌ أيْ فإنهُ وهو يتعلقَّ بالرأسِ، ولِأَنَّ مؤنةَ الشيءِ سببٌ لبقاءِ ذلك الشيءِ، وذلك يتُصورُ في الرأسِ دُونَ الزمانِ الذي لا يمُكنُ لأحدِ إيفاؤُه،] ولِأَنَّ التسبيب (٤) لبقائَه ليس إِلاَّ لخالقِ الزمانِ فهُوَ الموُجدُ، والمبِقي، والمحدثُ، والمغِني في كُلُّ أوانٍ غيرَ أنّ اعتبارَ تجددِ المؤنةِ في كُلِّ ساعةٍ لإيجابِ صدقةِ الفِطْرِ يُؤدِّي إلى الإجحافِ، فوجبَ أنْ يعُتبرَ (التجددُ التقديري هاهنا بالتجددِ التقديري) (٥) في موضعِ آخرَ مِنَ الوظائفِ الماليةِ، فوجدنا ذلك في الزَّكَاةِ فألحقناها بها، وإنما جعلنا المؤنةَ وصفُ السببية استدلالًا بقولهِ ﵊: «أدُّوا عَمَّنْ تمونون» (٦) لما عُرف، (ومماليكُه) (٧)، أي: ومماليكَه معطوف على قولهِ:] كأولادهِ (٨) الصغارِ، ثُمَّ في اسمِ المماليك: القنّ (٩)، والمدبرُ (١٠)، وأمُّ الولدِ (١١) سواءً فإنّ ولايته عليهم لا تنعدمُ بالتدبيرِ، والاستيلادِ، وإنما تحتلُّ الماليةُ بهذا السببِ، ولا عِبرةَ للماليةِ، فإنه يُؤدِّي عن نفسهِ، وعن أولادِه الصغارِ، ولا ماليةَ منهم ما خلا المكاتبين، فإنُه لا يُؤدَّي عنهم؛ لأنّ وِلايةَ عليهم قدْ أُجبِلتْ بسبب الكتابةِ، فإنَّ المكاتَب صار بمنزلةِ الحُرّ في حقِّ اليدِ، والتصرفِ، وحكى عن عطاءٍ ﵀ (١٢) أنهُ يؤدِّي عنهم (١٣) لقولهِ ﵊: «أدُّوا عن كُلِّ حُرٍّ، وعبدٍ» (١٤)، وقال: المكُاتِبُ: عَبْدُ ماَ بِقيَ عليه دْرِهَمٌ، ولكنّا نستدِلُ بقوله ﵊: «أدُّوا عَمَّنْ تمونون» (١٥)، وهؤلاءِ يمَونُونَ إِلاَّ المكاتبَ، وعن ابنِ عمَر ﵄ أنهُ كانَ يؤُدي عن زكاةِ الفِطْرِ عن جميع ممَاليكِه (١٦) إِلاَّ المكاتبين لهُ، وليس على المُكاتبِ أنْ يؤدِّي عن نفسهِ، وعن مماليكهِ إِلاَّ على قولِ مالكٍ ﵀ (١٧)، فإنهُ يجعلُ المُكاتبِ مالكًا لكْسبِهِ بناءً على أصلِهِ أنّ المملوِكَ مِنْ أهلِ مُلْكَ المالِ إذا مَلَكَهُ المولى، وعِنْدَنَا المملوكُ مالًا ليسَ مِن أهلِ مُلْكَ المالِ التَّضادِ بين المالكيةِ، والمملوكيةِ، والدليل عليه: إباحةُ الأخذِ لهُ، وإنْ كانَ في يدهِ كَسْبٌ (١٨).

стр. 1176

وذكر في "الإيضاح": وكذلك لا يُؤدّي المولى عَنْ رقيقِ مكاتبهٍ (١)، وفي "شَرْحِ الطحاوي" (٢): ويجبُ عن عَبْدِهِ المؤاجِرِ، والمرهونِ، والعاريةِ، والوديعةِ، وعن عَبْدةِ المديونِ المستغرق في الدَّينِ، أو كانتْ في رقبتهِ جناية، ولا يؤدّي عن عَبْدهِ الآبِقِ، ولا عَنْ عْبدِهِ المغصوبِ، والمأسورِ، وإذا أوصى بخِدمةِ عبدِهِ لرجلٍ، وبرقبتهِ لاخَرَ فإنّ صدقةَ الفِطْرِ تجبُ على المُوصِى لهُ بالرقبةِ دُونَ الموصَى لُه بالخِدمةِ (٣). وفي "المَبْسُوط" (٤): وإنْ كانَ على العبد دَيْنٌ مُستغرقٌ لكسبهِ، ورقبتهِ، فعلى قولِ أبي حَنِيفَةَ ﵀ لا تجبُ على المولى صدقةُ الفِطْرِ عنه على أصلهِ أنهُ لا يمِلكُ رقبَتهُ، وعلى قول] أبي يُوسُف، ومحمد (٥) رحمهما الله: يجُب بناءً على أصلهما أنَّ دَيْنَ العبدِ لا يمنع مُلْكَ المُولى في كَسْبِه كما لا يمنعُ مُلكَهُ في رقبتهِ. وهذا إذا كانوا للخْدِمةِ - أي: خلافًا للشافعي ﵀ (٦) - فإنّ عِنْدَنَا لا يُؤدِّي صدقةَ الفِطْرِ عن عَبيدِ التجارةِ، وعِنَدُه يُؤدِّي على ما يجيءُ، فإنْ كانَ لهم مالٌ يؤدِي مِنْ مَالِهمْ عنَد أبي حَنِيفَةَ، وأبي يُوسُف -رحمهما الله- (٧)، أي: يُؤدِّي الأبُ، والوصِيُّ، وكذلك يُضحَى عنه مِن مالهِ استحسانًا في قولِ أبي حَنِيفَةَ ﵀ خلافًا لمحمد (٨)، وزُفَر فإنهما يقولان: يُؤدّي الأبُ مِنَ مالِ نَفُسِهِ، ولو أدَّى مِن مالِ الصغيرِ ضَمِنٌ، والقياسُ ما قاله مُحَمَّد وزُفَر ﵀؛ لأنها] في الشريعة كزكاةِ (٩) المالِ فلا يجبُ على الصغيرِ (١٠)، ولأنها عبادةٌ، والصبيُّ ليسَ بأهلٍ لوجوبِ العبادةِ عليه (١١).

стр. 1177

ولكن استحسنَ أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُف -رحمهما الله- (١) فقالا: فيها معنى المؤُنةِ بدليلِ الوجوبِ على الغيرِ بسبب الغير فهو كالنفقةِ ونفقةُ الصغيرِ في مالهِ إذا كانَ لهُ مالٌ، ثُمَّ هذه طُهْرةُ شَرْعِيةٌ، ويُقاسُ بِنفعهِ الخِتانُ، وهذا لأنا لو لم نُوجِبْ عليهْ أصبحتا إلى الإيجابِ، وعلى الأبِ، ومالِ الصبيِّ يحتملُ حُقوقَ/ العبادِ، وبهِ فارقَ الزَّكَاةَ، ثُمَّ على قولِ أبي حَنِيفَةَ ﵀، وأبي يُوسُف كما تُؤدِّي عن الصغير مِنِ مالِه، فكذلك عن مماليك الصغيرِ يُؤدّي منِ مالِ الصغيرِ، وِعندَ مُحَمَّد لا تُؤدَّى عن مماليكهِ أصلًا والمعتوهُ، والمجنونُ في ذلكَ بمنزلةِ الصغيرِ، (ولا يُؤدِّي عن زوجتهٍ) (٢)، وقال الشَّافِعِي ﵀ (٣): يجبُ الأداءُ عنها لقوله ﵊: «أدُّوا عَمَّنْ تمونون» (٤) زوجُته، ومُلكُهُ عليها نظيرَ مُلْكِ المولى على أمِّ ولدِهِ، فإنهُ تثبُتُ بهِ الفراش، وحَلُّ الوطئِ، فكما يجبُ عليه الأداءُ عن أمِّ وَلدِه، فكذلك] عن (٥) زوجتهِ، ولنا أنّ عليها الأداء عن مماليكِها، ومَنْ يجبُ عليهِ الأداءُ عنْ غيرهِ لا يجبُ على الغيرِ الأداءُ عنهُ، وهذا لأنّ نفسَها أقربُ إليها مِن نفسِ مماليكها، ثُمَّ النفقةُ على الزوجِ باعتبار العُقْدِ فلا يكونُ مُوجبًا للصدقِة، كنفقةِ الأجيرِ على المستأجرِ، وهذا لِأَنّ في الصدقةِ معنى العِبادةِ، وهو ما يُزوجُها لِيَتحمَّل عنها العباداتِ، وقد بيّنا أنَّ مجُردَ المؤنةِ بدونِ الولايةِ المطلقةِ لا تنهضُ سببًا، وبِعْقدِ النكاحِ لا تثبتُ له عليها الوِلايةُ فيما سوى حقوقِ النكاحِ بخلافِ أمَّ الولدِ (٦)، فإنّ المولى عليها ولَاية مطلقة بسبب مُلكِ الرقبةِ، (ولا عن أولادهِ الكبارِ، وإنْ كانوا في عيالِه) (٧) بأنْ كانوا زمنى (٨).

стр. 1178

وقال الشَّافِعِي ﵀ (١): إنْ كانوا زمنَى معسرينَ فعليهِ الأداءُ عنهم، وإنْ كانوا أصحاءَ مُعسريَن في عيالِه فلهُ فيه وجهان، واستدَلّ بقولهِ ﵊: «أدّوا عَمّنَ تمونون» (٢)، وهو َعوْنُ وَلَدِهِ الزمنَ المعُسر، وأصحابنا قالوا (٣): بأنّ السببَ رأسٌ يمؤنة بولايته عليه ليكون في معنى رأسهِ، ولا ولِاية له على أولادهِ الزمنى إذا كانوا كبارًا، وبدون تَقَرُرِ السببِ لا يثُبُت الوجوبُ، ولا يُؤدِّي الحرَّ عن نوافلهِ الصغارِ (٤)، وإنْ كانوا في عيالهِ (٥). وروى الحسنُ، عن أبي حَنِيفَةَ ﵀ (٦): أنّ عليه الأداءَ عنهم بعدَ موتَ الأبَ، وهذهَ أربعُ مسائلَ يخُالِفُ الجدَّ فيها الأبَ في ظاهرِ الروايةِ، ولا يخالفُ في روايةِ الحسنِ: إحديها: وجوبُ صدقةِ الفِطْرِ، والثانية: التبعيةُ في دارِ الإسلامِ، والثالثةِ: حتى الولاءِ، والرابعة: الوصيةُ بقرابة فلان، فلأنَّ وجهَ رِوايةِ الحسنِ أنّ وِلايةَ الجدِّ عندَ عَدَمِ الأبِ، وِلايهٌ مُتكامِلةٌ، وهو بمِوتهِم فيتقرُر السببُ في حقّهِ وجهٌ ظاهِرُ الرِوايةِ أنّ ولايةَ الجدِّ متنقلةٌ مِنَ الأبِ إليهِ فهي نظيرُه، ولِأنّهُ الوصِيُّ، وهذا لأنّ السببَ إنما يتقررُ إذا كانَ رأسهٌ في معنى رأس نفسِهِ باعتبارِ الولايةِ، وذلك ليتقررَ في حقِّ الجدِّ؛ لأنّ ثبوتَ ولايتهِ بواسطةِ ولايتهِ على نفسِهِ ثابِتةٌ بدونِ الواسطةِ أجزاه استحسانًا، وهو رِوايةٌ عن أبي يُوسُف (٧)؛ لأنّ العادةَ أنّ الزوج هو الذي يُؤدِّي مكانَ الأمرِ منها ثانيًا باعتبارِ العادةِ، فيكونُ كالثابتِ بالنصِّ، وهذا كلُّهُ مِن "المَبْسُوط" (٨). فإنْ قيِل: إذاً زكاةُ الغيرِ بغيرِ إذنهِ لا يخُرجُهُ عن عُهَدِة الزَّكَاةِ، وإنْ كانَ قد أدَّى الزوجُ عَنْ زوجتهِ فكيف يجوزُ فيها؟

стр. 1179

قلنا: لِأنّ الزَّكَاةَ عبادةٌ محضةٌ فيُشترطُ الإذِنُ صريحًا؛ لأنهُ لا يجوزُ لأَحدٍ أنْ يُؤدِّي عبادة غيرهِ إِلاَّ أنَّ في العباداتِ المالية تجري النيابةُ إذا أنابَهُ صريحًا لتحققِ معنى الطاعةِ، والابتلاءِ بالإنابةِ، وأمّا صدقةُ الفِطْرِ، وفيها معنى المؤنةِ، فيجوزُ أنْ تسقطَ بأداءِ الغيرِ، وإنْ لم يوُجْدَ الإذِنُ صريحًا كما في سائرِ المُؤنِ هكذا أفادَ الإمامُ العالمُ الرباني مولانا حميدُ الدينِ الضرير ﵀ (١) (٢)، وعِنْدَنَا وجوبهَا على المولى بسببهِ كالزَّكَاةِ، فيؤدِّي إلى الغني: يعني الزَّكَاةُ واجبةٌ على المولى بسببهِ، فلو قلنا: بوجوبِ] سبب (٣) صدقةِ الفِطْرِ على المولى أيضًا لسببهِ، لكانَ فيهِ سببُ الصدقةِ على المولى في سَنةٍ واحدةٍ بسبب مالٍ واحدٍ، وهذا لا يجوزُ لإطلاقِ قوله ﵊: «لا ثني في الصدقةِ» (٤) الثنيَّ مكسور مقصور، أي: لا تُؤخذُ في السنةِ مرتين (٥) وعن أبي سعيدٍ الضريرٍ ﵀ (٦) معناه: لا رُجوعَ فيها، ولا استردادَ لها، وأنكَر الأولُ. كذا في "المُغْرِب" (٧). بنى ثني لا لنفي الجنسِ، ولهذا سقطَ التنويُن كذا ذكره الإمام الزرنوجي ﵀ (٨) فإنْ قلتَ: في عَبيدِ التجارة اختلفَ سببا الزَّكَاةِ، وصدقةِ الفطر، ومحلاهما فلا يُؤدِّي إلى الثني؛ وذلك لأنّ سببَ الزَّكَاةِ الماليةِ فيهم، وسببُ صدقةِ الفِطْرِ مؤنةُ رأسِهم، وكذلك المحلّ فإنَّ محلَّ أحدهِما الذمةِ، ومحلَّ الآخرِ بعضُ النصابِ فلما كانا حقينِ مختلفينِ يجبانِ بسببين مختلفين في محلينِ مختلفين لم يلزْم الثني/ لما أنّ الثنيَ عبارةٌ عن تثُبتِ شيءٍ واحدٍ، وهما شيئان مختلفان فيجبانِ كَأُجرةِ رَعْي السائمةِ مع الزَّكَاةِ، ونفقةِ عَبيدِ التجارةِ مع الزَّكَاةِ (٩).

стр. 1180

قلتُ: الفرقُ بين النفقةَ، والأُجرةِ، وبين صدَقَةَ الفِطْرِ، كانتْ لما أنّ في صدقةِ الفِطْرِ جهةَ الصدقةِ غالبةً، فكانَ حديثُ الثني متناولًا لها بإطلاقهِ، فتنتفي صدقةُ الثني بالحديثِ بخلافِ الأُجرة، ونفقةِ العبيد؛ لأنه ليسَ فيهما شائبةُ الصدقةِ، فلا يلزمُ الثناءُ، وذكر في "الْأَسْرَارِ" (١) وجهاً آخَر، وقال: إنّ الشرعَ بنى هذه الصدقةَ على المؤنةِ، فقال: «أدُّوا عَمّنْ تمونون» (٢)، وهذا العبدُ مُعَدٌّ للتجارةِ لا للمُؤنةِ والنفقةُ التي يغرمُها فيهم لطلبِ الزيادةِ منهم فيكونُ ساقطَ العبرةِ بحُكْمِ القصدِ إلا ترى أنّ المضارِبَ يملكُ هذا الاتفاقَ، وهو غيُر مأذونٍ إِلاَّ بالتجارةِ إذا سقطتْ المؤنةُ حُكْمًا في مالِ التجارةِ أشبهَ السقوطَ حقيقةً، ولو سقطَ حقيقةً بالإباقَ، أو الغصبِ، أو الكتابةِ كانَ لم تجبْ صدقةُ الفِطْرِ لانعدامِ المؤنةِ، فكذا هذا فعلم بهذا أنّ سقوطَ صدقِة الفِطْرِ هنا لِزوالِ سببِ الوجوبِ، وهو المؤنةٍ لا لتنافٍ بين الواجبين، (والعبد بين شريكين) (٣): أيْ العبدُ الذي هو للخِدمةِ، ولا للتجارةِ (٤)، وبهِ صّرحَ في "المَبْسُوط" (٥): (لا فِطْرةَ على واحدٍ منهما) (٦)، وهذا عندنا (٧)، وقال الشَّافِعِي ﵀ (٨): يجبُ عليهما، وهو بناءً على الأصلِ الذي تقدّمُ بيانهُ في مسألةِ عَبيدِ التجارةِ (٩)، فإنّ عندَهُ الوجوبَ على العبدِ، وهو كاملٌ في نفسهِ، وعِنْدَنَا الوجوبَ على المولى عن عبدِه، وواحدٌ منهما لا يملكُ ما سمُيِ عَبدًا فإنْ نصفَ العبد ليس بعبدٍ، وعلى سبيلِ الابتداءِ، وهو يستدلِ بقولهِ ﵊: «أدُّوا عمن تمونون» (١٠)، وهما يمونانه فإنّ نفقتَه عليهما، فكذلك الصدقةُ عنه،] ولنا (١١) أنّ السببِ رأسٌ يحويهِ بولايته عليه، ولا وِلايَة لواحدٍ منهما عليهِ على الكمال حتى لو أرادَ أنْ يزوجَه لا يملِكُ ذلك، ولِأَنَّ الرأسَ هو السببُ، والرأسُ لا يتحرَّى ثبوتُه، فإنهُ يفوتُ بالتبعيضِ، فُعلِمَ بهذا أنّ البعضَ ملك مال لا رأس ولايه، ولأنهُ لا يلتحقُ برأسهِ إلى أنْ لا يملِكُ كُله، ويمونُ كُلَّ المؤنةِ، فهذهِ مسائلُ تخرجُ بانعدامِ العِلةِ، والعدمُ لا يوُجب نفيًا، ولكن لا وجوبَ بدونِ العِلةِ إذا ثبتَ أنه العِلَةُ لا عن لا يَوجد الحكم بدونها. كذا في "المَبْسُوط"، و"الْأَسْرَارِ" (١٢).

стр. 1181

ثُمَّ الذي يجبُ على الشريكين عنَد الشَّافِعِي ﵀ (١) إنما يجبُ على وجه التنصيف لا على وجه الكمال، فإنهُ ذَكر في "الخُلَاصَة الغزاليَّة" (٢): والعبدُ المشترِكُ تجبُ فِطْرتُه على (سيديِه) (٣) بالشركةِ، ولا يخرجُ نصفُ صاعٍ في الفِطْر إِلاَّ في هذا الموضع (وقالا: على كُلَّ واحدٍ منهما ما يخصُه مِنَ الرؤوسِ دونَ الأشقاصِ) (٤) (٥) حتى لو كان بينهما خمسةُ أَعْبدٍ يجبُ على كُلٍّ منهما صدقةُ الفِطر عن العبدين، ولا يجبُ عن الخامس (٦). ثُمَّ إلحاقُ أبي يُوسُف ومُحَمَّد هاهنا مخالفٌ لما ذكره في "المَبْسُوط" (٧)، فقال فيه: فإن كان بينهما مماليكٌ للخدمةِ، فعلى قولِ أبي حَنِيفَةَ ﵀ لا تجبُ على واحدٍ منهما صدقةُ الفِطر عنهم، وعند مُحَمَّد ﵀، تجبُ على كل واحدٍ منهما الصدقةُ في حِصّتهِ إذا كانتْ كاملةً في نِفسها ومذهبُ أبي يُوسُف ﵀ مُضطرِبُ. ذُكَرِ في بعض روايات هذا الْكِتَاب كقول مُحَمَّد ﵀، والأصَحُّ: أنّ قولَه: كقولِ أبي حَنِيفَةَ، فأبوحنيفة مرّ على أصلهِ، فإنه لا يرى قسمةَ الرقيقِ جبرًا] فلا يملكُ كُلُّ واحدِ منهما ما يُسمى عبدًا، ومُحَمَّد مّر على أصله فإنه يرى قسمةَ الرقيقِ جبرًا (٨)، وباعتبار القِسمةِ مُلْكُ كُلّ واحدٍ منهما في البعض متكاملِ، وكذلكِ مذهبُ أبي يُوسُف إنْ كان قوله كقولِ مُحَمَّد ﵀ (٩)، وإنْ كانَ قوله كقولَ أبي حَنِيفَةَ ﵀، فعذره أنّ القِسمةَ تُبنى على المَلك، فأمّا وجوبُ صدقةِ الفِطْرِ، فينبني على الولِاية لا على المُلك حتى تجبُ الصدقة عن الولدِ الصغيرِ، وليس بواحدٍ منها ِولايةٌ كاملةٌ على شيءٍ من هذهِ الرؤوسِ؛ لأنّ الوجوبَ عنَده على العبدِ، وهو ليسَ من أهله ويستدِلُّ لإثباتِ هذا الأصل بحديث] ابن (١٠) عمر ﵁: «أنّ النبيَّ ﵊ فرضَ صدقةَ الفِطْرِ على كُلّ حُرٍّ وعبدٍ» (١١)، ولأنها طُهْرةٌ للصائِمِ، ووجوبُ الصومِ على العبدِ.

стр. 1182

ولنا قوله ﵊: «أدُّوا عمن تمونون» (١)، فإنما الوجوبُ على مَنْ خُوطِبَ بالأداءِ، وجعله بمنزلة النفقةِ، ونفقةُ المملوك على المولى، فكذلك صدقةُ/ الفِطْرِ عنُه عليهِ، ثُمَّ هذه صدقةٌ واجبةٌ باعتبارِ مُلكِه فكان عليه ابتداءً كزكاةِ المالِ عن عَبْدٍ التجارةِ، وهذا لأنّ حالَ العبدِ دُونَ حالِ فقيرٍ لا يملكُ شيئًا؛ لأنّ ذلك الفقيرَ مِن أهلِ المُلك، والعبدُ لا، فإذا لم يجبْ على الفقيرِ الذي لا يملكُ شيئًا، فلأن لا يجبُ على العبدِ أولى، ولدليلٍ عليه أنهُ لا يخُاطَبُ بالأداءِ بحالٍ بخلافِ الصغيرِ الذي لهُ مالٌ، فإنهُ يخاطَبُ بالأداءِ بعدَ البلوغِ إذا لم يؤدِّ عنه وليهُ وحرفُ (على) في حديث ابن عمر بمعنى حرف] عن [قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ (٢) أي: عن الناسِ بدليلِ سائرِ الأخبارِ، ولا يُعتبر بالصومِ، فإنهُ يجبُ على الرضيعِ، ولا صومَ عليه، ولو كانَ على العَكسِ، فلا وجُوبَ بالاتفاقِ (٣). أمّا عِنْدَنَا فظاهُر (٤)؛ لأنّ المولى ليسَ بأهلٍ للوجوبِ عليه، ولا للِأداءِ. وأمّا عند الشَّافِعِي (٥) فإنْ يحملْ الوليَ عن مملوكهِ يَستدعي أهليةَ أداءِ العبادةِ والكافرُ ليس بأهلٍ له، والوجوبُ عنده باعتبارِ تحمَّلِ الولي الأداءَ عنه، فإذا انعدمَ ذلك في حقِّ المملوكِ لم يجبْ أصلًا. كذا في "المَبْسُوط" (٦). وفطرتُه علَى مَنْ يصيرُ له حتى إذْ تَّم البيعُ فعلى المشتريِ، وإنْ انتقض فعلى البائع، وقال زُفر: على مَنْ له الخِيار (٧)، وقال الشَّافِعِي ﵀ (٨): على مَن له الملُك. قلتُ: هذا الخلافُ الذي ذُكِرَ بينهما مُوافِقٌ لما ذكره في "المَبْسُوط" (٩) و"شرح الطحاوي"، ومخالف لما ذُكِرَ في "الْأَسْرَارِ" (١٠)، وفَتَاوَى قَاضِي خَانْ (١١)، فإنّ المذكور فيهما على عكسِ ما ذُكَرِ لكُلِّ واحدٍ منهما (١٢) من المذهبِ في الْكِتَابِ حيثُ اعتبرَ زُفَر المُلك، والشَّافِعِي الخيارَ، وإنْ كانَ الخِيار لهما، فعلى البائعِ واحتجَّ مِنْ اعتبرَ الخيارَ فاقل قرار الملك لما كان شرطًا قَبْلَ هذا الخِيار بالاتفاقِ قام مَنْ له الخِيار مَقامَ مَنْ له المُلكِ على القرارِ؛ لأن الزوالَ حينئذٍ يكون باختيارهِ، فلا يُعتبر في حقِّ إبطالِ الصدقةِ كمن شُرِعَ في الصومِ، ثُمَّ سافَر لا يُباحُ له الفِطْرِ؛ لأنهُ باختياره حصل، ولو مَرِض أُبيحَ لهُ الفِطْرِ؛ لأنهُ لا خيارَ له فيهِ، وإنْ كانَ المرضُ، والسفرُ أباحا الفِطر بنصٍّ واحدٍ، كذا في "الْأَسْرَارِ" (١٣).

стр. 1183

وقال الشَّافِعِي ﵀: على مَنْ له المُلك (١)، وهو المشتري عنَده، وأنّ المذهبَ عند الشَّافِعِي: أنّ خيارَ الشرطِ لا يمنعُ ثبوتَ المُلك للمشتري كخِيار العيبِ (٢) كذا وُجِدَتْ بخط شَيْخِي ﵀ (٣)؛ لأنه مِن وظائفهِ، أي: لأنّ صدقة الفِطر بمعنى التصدّقِ من وظائفِ الملك، ويقول: هذه مؤُنة يجب بسببِ الملك،] وكان نظير (٤) النفقةِ يجبُ على من له المُلك وقتَ الوجوبِ فكذلكَ الصدقةُ؛ لأنهُ لو رُدَّ يعودُ إلى] قديم مُلكِ البائع (٥)، فكذلك وجوبُ صدقةِ الفِطْرِ تكون على البائعِ، ولهذا قال في فَتَاوَى قَاضِي خَانْ (٦): والعبد لو كان مبيعًا بيعًا فاسدًا فمَّر يومَ الفِطر قبلَ قَبْضِ المشتري، ثُمَّ قبضُه المشتري، وأعتقه فالصدقةُ على البائعِ؛ لأنّ الملك للبائعِ كان ثابتًا قبلَ القبضِ، وإنما يثبتُ للمشتري عند القبضِ مقصورًا عليه، وكذا إذا مرَّ يومَ الفِطر، وهو مقبوضٌ للمشتري، ثُمَّ اشتراهُ البائعُ؛ لأنّ حقَّ البائعِ ما انقطع] بالقبضِ (٧) لبقاءِ ولاية الاستردادِ، وكان بمنزلة بيعٍ فيه خِيار، وإنْ لم يسترد بالبائعِ، وأعتقه المشتري، فصدقةُ فِطْرِه على المشتري؛ لأنَ مُلك المشتري، تَمَّ بالإعتاقِ كما يَتِمَّ بإسقاطِ الخيار في بيعٍ فيه خِيارٌ فيتوقف ما يُبتنى عليه مِن حقوقِ الملكِ، فإنْ قيِل: أليسَ أنَّ العتاقَ منِ حقوقِ الملكِ ثُمَّ لو أعتقه المشتري، والبائعُ بالخِيار لم (يعفُ) (٨) العتاقَ (٩). قلنا: نفسُ الإعتاقِ ليستْ منِ الحقوق، بل هي تُصرف مبتدأَ يُزيل المُلك، لكنْ إذا وقعَ صار منِ حقوقهِ؛ لأنه نهايةٌ للملكِ، والبيع إذا كان فيه خِيار (١٠) المنافعِ مُعدومٌ حُكْمًا في حقِّ المشتري، فلا يُعتبر حينئذ إعتاقه قبلَ المُلك مِنْ حيثُ النفاذِ بوجهٍ، فلا يصيرُ وصفًا له فأمّا الصدقةُ ففي نفسها منِ حقوقِ الملك كالنفقةِ، فلما توقفَ حِالُ الملُك بالبيعِ على أنْ يصيرَ للمشتري منِ أولِ البيع يُوقف معه أمرُ الصدقة، فإن قِيل: يبطلُ عن تزوج امرأةٍ على عبد بعينهِ، ولم يسلمْ إليها حتى قضى يومَ الفِطر، ثُمَّ طلقها لم يجبْ على الزوج، وقد عاد إليه من الأصلِ، ولا عليها. قلنا: أمّا المرأةُ فلا وجوبَ عليها؛ لأن السببَ وهو المؤنةُ بسبب الولاية، ولا مؤنة عليها قبلِ التسليم، وإن/ يثبت للمالك، ونفسَ الملك بلا يدٍ لم يوجِب له حقُّ النفقةِ، وقد انقطعَ ملكها عن نصفهِ قبلَ التمامِ بالقبضِ، فصار كأنَّ ذلك القدرَ لم يكنْ مملوكًا لها، وأمّا الزوجُ، فكان عليه المؤنةُ بلا مُلكِ، والمؤنةُ في العبدِ بلا مُلك لا تُوجبُ صدقةَ الفطرِ، كذا في "الْأَسْرَارِ"، وفتاوى الإمام الولوالجي ﵀ (١١) (١٢)، وزكاةُ التجارةِ على هذا الخلاف، يعني: إذا اشترى عبدًا للتجارة على أنهُ بالخيارِ فحالَ الحولُ، والخِيار باقٍ، فإن قلت: أنّ المشتري إذا اشترى على أنهُ بالخِيار فمنِ يومِ الفِطْرِ، والخيارُ باقٍ، ينبغي أنْ تجبُ فطرتهُ على المشتري على قولهما لما أنّ خيارَ المشتري لا يمنعُ ثبوتَ الملك للمشتري عندهما، وهذا حُكْم دائرٌ مع الملك (١٣).

стр. 1184

قلت: لا بل هي حكم دائر مع قرارِ الملكِ لا نفسَ الملك ألا ترى أنّ ترددَ قرارِ الملك هاهنا أكثر من التردد فيما إذا اشتراه بشراءٍ فاسد، وقبضَه، ومرَّ يومُ الفِطْر، وهو مقبوضً المشتري، ثُمَّ ردّه بفسادِ الشرى، وقد ذكرنا أنّ فطرتَه لا تجبُ على المشتري، وإنْ كانَ مُلكه في ذلكِ اليومِ عُلِمَ أنّ ولايةَ الردِ، والاستردادِ كافيةٌ لمنعِ وجوبِ الفِطْرِة عَمَّنْ له الملك في الحالِ. وفي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ (١): وتجبُ عليه صدقةُ فِطَرِ عبدهِ المأذونِ، وإنْ كانَ على العبد دَيْنٌ مُستغرقُ (٢)، ولا تجبُ صدقةُ الفِطر على عَبيدِ عبدِه المأذونِ (٣)؛ لأنه إذا كان على المأذون دَيْن لا يملك المولى عَبيدهَ، وإنْ لم يكنْ عليه دَين كانَ العبدُ للتجارة (٤)، والله أعلمً بالصواب (٥). (٦) فَصلٌ في مقدار الواجب لما ذُكِرَ وجوبُ صدقةِ الفطرِ، (وشروطه) (٧)، ومن يجبْ عليه، (ومن يجبْ عنه) (٨) شُرِع في بيان ما يؤدِّي به صدقةَ الفِطر، وقدّرهُ (٩) قال ﵀ (الفطرةُ نصفُ صاعٍ من بُرّ) (١٠) معناه (صدقةُ الفِطْرِ) وقد جاءتْ في عباراتِ الشَّافِعِي وغيره (١١)، وهي صحيحةٌ منِ طريقِ اللُّغةِ، وإنْ لم أجْدها فيما عندي من الأصولِ (١٢). كذا في "المُغْرِب" (١٣). (وقال أبو يُوسُف، ومُحَمَّد -رحمهما الله- (١٤): الزبيبُ بمنزلةِ الشعيرِ، وهو رِوايةٌ عن أبي حَنِيفَةَ ﵀ (١٥) (١٦)، قال أبو اليُسرِ في جامعهِ الصغيرِ: هذا هو الصحيحُ، فإنهُ رُويَ في بعضِ الروايات أو صَاعًا من زبيبٍ؛ لأنّ الزبيبَ عندَهم في معنى التمرِ (١٧) وقال الشَّافِعِي ﵀: منِ جميعِ ذلك صاعٌ (١٨)، واستدلَّ بحديثِ ابنِ عُمر ﵁ (١٩)، فإنه ذَكَر فيه صاعًا من بُرِّ، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ (٢٠)، والتقدير بنصفِ صاعٍ شيءٌ أحدثَهُ معاويةُ ﵁ برأيهِ على ما قالَ أبو سعيدٍ الخدري ﵁ (٢١): "كنا نخُرِجُ في زكاةِ الفِطْرِ صاعًا من طعامٍ حتى قَدِمَ مُعاوِيةُ من الشامِ، فقال: لا أرى إِلاَّ مَدَّيْنِ مِن سَمُرِ الشامِ يَعدِلُ صَاعًا منِ طعامِكم هذا" (٢٢). وأكثرُ ما في البابِ أنّ الآثارَ فيه قد اختلفتْ، والأخذُ بالاحتياطِ في باب العباداتِ واجبٌ، والاحتياطُ في إتمامِ الصّاعِ (٢٣)، وقياسهِ بالشعيرِ، والتمرِ بِعلَّةِ أنهُ أخذُ الأنواعِ التي تتأدّى به صدقةُ الفِطْرِ، ولنا ما روينا، وهو ما رواهُ مِن حديثِ ثعلبة بن صغير في أول الباب، وهو مذهبُ جماعةٍ من الصحابة ﵃ حتى قال أبو الحسن الكرخي ﵀ (٢٤) (٢٥) لم يُنْقل عن أحدٍ منهم أنهُ لا يجوزُ أداءُ نصفِ صاعٍ من بُر، وبهذا تندفعُ دعواه أنُه رأى معاويةَ، بل فيهِ ما يُوجِبُ ردَّهُ؛ لأنّ الناسَ في زمنِ معاويةَ كانَ أكثرُهم أصحابَ رسولِ اللهِ ﵊، وما كانوا يتركون السنة بقولِ معاويةَ، فدَّلَ التركُ على أنهُ رَوى نصًّا عرفوا صحتهُ.

стр. 1185

وعن مروانَ بن الحَكَمِ (١): أنهُ كتب إلى أبي سعيدٍ الخدري يسألهُ عن صدقةِ الفِطْرِ؟ فقال: "كنا نخُرِجُ على عهدِ رسولِ اللهِ ﵊ صاعًا مِنَ الطعام، صاعًا من التمرِ، أو صاعًا من شعيرٍ" (٢)، فيحملُ أنّ الراوي لم يسمعْ التفسيرَ، وظنَّ الطعامَ حِنَطةً، ينقلُ بالمعنى، ويقيُسه على كفارةِ الأذى نقلهُ أنها وظيفةُ المسكينِ ليومهِ، وليس البّرُ نظيرَ التمرِ، والشعيرِ] فإن التمرَ يشملُ الشعيرَ على ما ليسَ بمأكولٍ (٣)، وهو النواةُ، وِالنخالةُ، وعلى ما هو مأكولٌ. فأما البُّرُ، فمأكولُ كُلُّهُ، فإنَّ الفقيرَ يمكنهُ أَكْلُ دقيقِ الحِنطةِ بنخِالتهِ بخلافِ الشعيرِ أنه والتمر، أي: (أنّ الزبيبَ، والتمرَ يتقاربان في المقصودِ) (٤)، وهو التفكُّهُ، والاستخلاءُ فإنهُ يشبهُ التمَر من حيثُ إنّهُ/ هو مأكولٌ، وله عُجْمٌ، وثفروق (٥) كما للتمرِ نُواةٌ، وذَكَر فَخْرُ الْإِسْلَام ﵀، ولأِنّهُ مثلُ التمرِ بلْ أنقصُ؛ لأنُه ليس نقدًا، ولكنه فاكهةً، فصارَ التقديُر منهُ بصاعٍ أولى وله أنه،] والبُر (٦)، أي: أنّ الزبيبَ، والبُرَ يتقاربان في المعنى؛ لأنّ كُلَّ واحدٍ منهما مأكولٌ كُلُّهُ، فكما يتقدُر منِ البُرُ بنصفِ صاعٍ بهذا المعنى، فكذلك من الزبيبِ، والأثرُ فيه شاذ (٧)، وبمثلهِ لا يثبتُ التقديُر فيما تعمُّ به البلوى (٨)؛ لأنه لو كان صحيحًا لاشتْهر بعملهم به، وكان أبو بكر الأعمشُ ﵀ (٩) لا يثبتُ الاختلافُ بينهم في الحقيقةِ (١٠)، ويقولُ: إنّ أبا حنيفةَ ﵀ إنما قالَ ذلك لما رأى للزبيبِ عزةً في زمانهِ كما للحنطةِ، ولم يُرِيَا ذلك، كذا في "المَبْسُوط"، و"الفوئد الظهيرية" (١١).

стр. 1186

والأَولى أنْ يراعيَ فيهما، أي: في الدقيقِ، والسويقِ القدرِ، والقيمةِ احتياطًا، حتى إنْ كانَ منصوصًا عليهما ينادي باعتبار القدرِ، وإنْ لم يكنْ منصوصًا عليهما يتأدّى باعتبارِ القيمةِ، وتفسيرهِ: أنْ يؤُدِّي نصف صاعٍ من دقيقِ البُرِ، ولكنْ تبلغُ قيمتُه قيمةَ نصفِ صاعٍ من البُر، وأمّا لو أدَّى منًا ونصفًا من دقيق البُر تبلغُ قيمتَه قيمةَ] نصفِ صاعٍ من البُر (١) أو أدَّى نصفَ صاعٍ من دقيقِ البُر، ولكنْ لا تبلغُ قيمتُه قيمةَ نصفِ صاعٍ من البُر لا يكون عاملًا بالاحتياط، وإنْ نصَّ على الدقيقِ في بعضِ الأخبارِ، وهو ما رَوى أبو هريرة ﵁ أنّ النبيَّ ﵊ قال: «أدُّوا قبلَ خُروجِكم زكاةَ فِطْرِكم، وأنّ على كُلِّ مسلمٍ مدّينِ منْ قمحِ أو دقيقٍ» (٢)، كذا في "المَبْسُوط" (٣). ولم يبينْ ذلك في الْكِتَابِ، أي: احتياط المراعاةِ فيها بالقدر، والقيمةُ اعتبارًا للغالبِ، فإنّ الغالبَ أنَّ قيمةَ نصفِ صاعٍ من الدقيقِ، يساوي نصفَ صاعٍ من البُرِ، أو يزيدُ فلذلك لم يسنه، ولكنّ غيرَه متوهمٌ، وهو أنْ لا تبلغُ قيمةُ نصفِ صاعٍ من دقيقِ البُرِ قيمةَ نصفِ صاعِ من البُرِ بأنْ كانَ وقتُ البذر مثلًا، فلذلك كانَ الأحوطُ ما قلنا حتى أنهُ إذا كان هكذا، وهو أَنْ لا تبلغ قيمةُ نصفِ صاعٍ من الدقيقِ قيمةَ نصفِ صاعِ من البُرِ ينبغي أن يزيدَ من الدقيقِ إلى أنْ تبلغ قيمتهُ قيمةَ نصفِ صاعٍ من البرُ والخبزُ تعتبر فيه القيمةُ هو الصحيح] هذا احتراز عن قولِ بعض المتأخرين، فإنّ منهم مِنْ قال: يجوزُ باعتبار العين (٤) فإنه إذا أدّى منوين من خُبزِ الحِنطةِ يجوزُ؛ لأنهُ لما جازَ منَ الدقيقِ، والسويقِ باعتبار العينِ فمِنَ الخُبزِ أجوز؛ لأنهُ أنفعُ للفقيرِ، ومنهم مَنْ قال: لا يجوزُ إِلاَّ باعتبارِ القيمةِ، وهو الصحيحُ؛ لأنهُ لم يَرِدْ شيءٌ في الخبزِ مِنَ النصوصِ فكانَ بمنزلةِ الذرةِ، والجاورس (٥) (٦). كذا في مختلفاتِ المغِنى (٧)، ثُمَّ وجُه ترجيحِ القيمةِ بالصحةِ، ما ذكرهُ شيخُ الإسلامِ (٨): هو أنَّ الخبزَ، وإن كان نظيرَ الحِنطةِ منْ حيثُ القوتِ، فليس نظيرَها مِن حيثُ القدرِ؛ لأنّ الحِنطَةَ كيليةٌ، وهذا موزونٌ فإذا انعدمَ الكيلُ لا يجوُز إِلاَّ باعتبار القيمةِ، كذا ذَكَره الإمامُ الْمَحْبُوبِيّ ﵀ (٩) وحاصله: أنّ فيما هُو منصوصٌ لا تعتبُر القيمةُ حتى لو أدّى نصفَ صاعٍ من تمر تبلغ قيمتهُ قيمةَ نصفِ صاعٍ من بُر أو أكثَر لا يجوزُ؛ لأن في اعتبارِ القيمةِ هنا إبطالُ التقديرِ المنصوصِ في المؤدَّى، وذلك لا يجوزُ فأمّا ما ليس منصوصٌ عليه، فإنهُ يلحقا بالمنصوص باعبتار القيمةِ؛ إذ ليس فيه اعتبارُ التقديرِ المنصوصِ، كذا في "المَبْسُوط" (١٠).

стр. 1187

ثُمَّ يعتبرُ نصفَ صاعٍ من بُرِ وزنًا. هكذا رواهُ أبو يُوسُف عن أبي حَنِيفَةَ ﵀ (١)، فوجهه: أنّ العلماءَ حين اختلفوا في مقدارِ الصاعِ أنه ثمانيةُ أرطالٍ، أو خمسةُ أرطالٍ، وثلثُ رطلٍ، فقد اتفقوا على التقديرِ بما يُعْدِلُ بالوزنِ فإنما يقعُ عليه كيلُ الرطل، وهو وزُنه. قال ابن رستم (٢): عن مُحَمَّد ﵀: كيلًا حتى قال: قلتُ: له لو وَزَنَ الرجلُ مِنوين من الحنطةِ، وأعطاها الفقيرَ هل يجوزُ مِنْ صدقته؟ فقال: لا قد تكون الحِنَطةُ ثقيلة الوزنِ، وقد تكون خفيفةً، فإنما يعتبرُ نصفَ الصاعِ كيلًا، ووجهه أنّ الآثارَ جاءتْ في التقديرِ بالصاعِ، وهو اسمٌ للمكيال، كذا في "المَبْسُوط" (٣). (ثمانيةُ أرطالٍ بالعراقي) (٤) العِراقي] علم صاع كل رطل عشرون أستارًا [وكانَ ذلك الصاعُ قد فُقِدَ فأخرجه الحجاج (٥)، وكان يمنُّ على أهلِ العراقِ يقول في خطبته: يا أهلَ العراقِ، يا أهل الشِقَاقِ والِنفِاقِ، ومساوئِ الأخلاقِ ألمْ أُخرِجْ لكمْ صاعَ عُمر؟ ولذلك سمُيَ حجاجيًّا، وهو صاعُ العراقِ (٦) حينئذٍ صاعنا أصغر الصيعان (٧)، وهذا أصغر؛ لأن خمسةً أرطال/ وثُلثَ رَطْلِ أصغُر بالنسبة إلى ثمانية أرطالِ (٨)، وعن أبي يُوسُف ﵀: أنه لما دخلَ المدينةَ عام الحجِ سألهم عن صيعانهم؟ فقالوا: خمسةُ أرطالٍ، وثلثُ رطلِ، فطالبهم بالحَجةِ، فقالوا: غدًا فجاء سبعونَ شيخًا من الغدِ، كُلُّ واحدٍ منهم أخذَ صاعَهُ تحتَ ردائهِ، فقال: هذا صاعي ورثته عن أبي، وورث أبي عن جُدِّهِ حتى انتَهوا به إلى رسولِ اللهِ ﵊، فرجعَ أبوُ يُوسُف ﵀ عن قولِه (٩). وأما علماؤُنا فقد احتج] محمد (١٠) لهم بما رَوى لنا أستاذنا القاضي] الإمام (١١) أبو جعفر الأستروشني (١٢)، عن القاضي الخليل بن أحمد (١٣) بإسناده عن عائشةَ ﵂ أنها قالتْ:» مضتْ السُّنةُ عن رسولِ الله ﵊ في الاغتسالِ عن الجنابةِ صاع، والصاعُ: ثمانيةُ أرطالٍ، وفي الوضوء رطلان» (١٤).

стр. 1188

فدلّ نصُّ تفسيرِ الصاعِ على ما قلنا، ودلَّ الوضوءُ برطلينِ أيضًا؛ لأنهُ ثبتَ بالأخبارِ أنّ النبيَّ ﵊ كانَ يتوضأُ بالمدِّ، فَعِلَمَ أنَّ رطلين هو المدِّ، والمدُّ ربعُ الصاعِ بالإجماعِ (١)، فأمّا حديثُ أبي يُوسُف ﵀ فَوَهْمٌ؛ لأنّ مُحَمَّد بن الحسن هو أعلمُ بمذهبهِ، وهو لمَ يحك عنه رجوعًا على أنّ الأمرَ إنْ كانَ على ما حكى فهو حجُتنا؛ لأنّ رطلَهم ثلاثون أستارًا، ورطلُ العراقِ عشرونَ أستارًا (٢)، وخمسةُ أرطالٍ، وثلثُ رطلٍ كُلُّ رطلٍ ثلاثون أستارًا في ثمانيةِ أرطالِ، كُلُّ رطلٍ عشرون أستارًا سواء، كذا في "الْأَسْرَارِ" (٣). ثُمَّ لابُدَّ من معرفةِ الصاعِ الذي يُقدرِ الحنطةَ بنصفهِ، والشعيرَ بِكُلِّه. قال الطحاوي ﵀ (٤): ثمانيةُ أرطالٍ بما يستوي كيلُه ووزُنُه، والذي يستوي كيلَه ووزُنه العدسُ، والماشُ فإذا كانَ يسعُ ثمانيةَ أرطالٍ منَ العَدَسِ، والماشِ فهو الصاعُ الذي تُكالُ به الحنطةُ، والشعيرُ، والتمرُ. كذا ذكره الإمام الولوالجي وغيره (٥)، (وهو أصغُر مِن الهاشمي) (٦)؛ لأنّ الصّاعَ الهاشميَ اثنان وثلاثون رطلًا أو العرِاقي ربعه، والهاشميُ علم للصاع أيضًا كالعراقي. كذا وجدت بخطِّ شَيْخِي ﵀ (٧). (ووجوبُ الفِطْرِة يتعلقُ بطلوعِ الفجرِ من يومِ الفِطْرِ) (٨)، أي: يتعلقُ تَعلُقَ وجوبِ الأداءِ بالشرطِ، لا تَعلُقَ وجوبِ الأداءِ بالسببِ؛ إذ الفِطْرِ شرطُ وجوبِ الأداءِ لا سببه لما ذكرنا، وتظهرُ ثمُرة ذلك بمسألتين: أحديهما أنّ الرجلَ إذا قالَ لعبدهِ: إذا جاءَ يومُ الفِطْرِ فأنتَ حُرٌّ، فجاءَ يومُ الفِطْرِ عتق العبد، ويجبُ على المولى صدقةُ فِطْرِه قبلَ العتقِ بلَا فَصْلٍ (٩).

стр. 1189

والثانية: أنّ العبدِ إذاَ كانِ للتجارةِ يجبُ على المولى زكاةِ التجارةِ إذا تَمَّ الحولُ بانفجار الصبحِ مِنْ يومِ الفِطْرِ (١). قلت: هاتان المسألتان شاهدَتان على الأصل المعهودِ هو أنّ المعلولَ مُقارِنٌ للِعلَّةِ في الوجودِ، وللشروطِ متعقب عن الشرطِ في الوجودِ، وكذلك في البيعِ إذا قالَ لعبدهِ: إنْ بعُتكَ فأَنتَ حُرٌّ حيثْ يَصِحُّ البيعُ على ما يجيء في موضعهِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى، (وعلى عكسه مَنْ ماتَ فيها مِن مماليكه، أو ولده) (٢)، أي: عِنْدَنَا لا يجبُ لِعَدَم تحققُ شَرْطِ وجوبِ الأداءِ، وهو طلوعُ الفجرِ مِنْ يومِ الفِطْرِ، وعنَدهُ يجبُ لتحققِ شُرْطِ وجوبِ الأداءِ عندِه، وهو غروبُ الشمسِ في اليومِ الأخيرِ منْ رمضانَ، وهو حيٌّ، ومَنْ ماتَ بعَد طُلوعِ الفجرِ تجبُ الفِطْرِة عنه بالاتفاقِ (٣). ولا خلافَ أنَّ وجوبَ الصدقَة يِتعلقُ بالفِطْرِ منْ رمضانَ (٤)، وإنما الخلافُ في وقتِ الفِطْرِ من رمضانَ عندنا (٥) وقتَ الفِطْرِ عنَد طلُوعِ الفجرِ مِنْ يومِ الفِطْرِ، وعندهُ (٦) وقتُ غروبِ الشمسِ مِنَ الليلةِ التي يُهِلُّ فيها هِلالُ شوال، (والاختصاصُ للفِطْرِ باليومِ دُونَ الليلٍ) (٧)؛ لأنّ حقيقةَ الفطرِ عندَ غُروبِ الشمسِ، كما يكونُ في اليومِ الآخرِ كذلك كان فيما قبلَهُ فالفِطْرِ من رمضانَ إنما يتحققُ بما يكونُ مخالفًا لما تَقَّدم، وذلك عنَد طُلوعِ الفجرِ؛ لأنّ فيما تقدّمَ كان يلزمُهُ الصومُ في هذا الوقتِ، وهذا اليومُ مُسمى بيومِ الفطر، والأوُلى من الحجةِ في هذا ما رُوِيَ عن النبيِّ ﵊ أنهُ قال: «أنهاكم عن صومِ يومين: يوم تفطرونَ فيهِ منْ صومِكم، ويومٍ تأكُلُ فيهِ لحمَ نُسكِكِم» (٨)، ويُستحبُ أن يخُرِجَ الناسُ الفِطْرِة قبلَ الخروجِ إلى المصُلّى (٩)؛ لأنّ هذا مِن السُّنةِ المستحبةِ التي ذكرناها، وهي الاغتسالُ، والاستياكُ، والتطيّبُ، ولبسُ أحسنِ ثيابهِ، وأداءُ الفِطْرِة، وتناولُ الشيءِ قبلَ الخُروج (١٠).

стр. 1190

قولهُ ﵀: هو الصحيحُ احترازاً عن قول الحسنَ بن زياد (١)، وقولُ خلف بن أَيوب (٢)، وقول نوح بن [أبي] (٣) مريم ﵀ (٤)، فإن الحسَن بن زياد يقول: لا يجوزُ تعجيلها أصلًا كالأضُحيةِ، وقال/ خلف بن أيوب: (٥) يجوزُ تعجيلها بعَد دخُولِ شهر رمضانَ لا قبلَهُ، فإنهُ صدقةُ الفِطْرِ، ولا فِطْرِ قبلَ الشُروعِ في الصومِ، وقال نوحَ بن أبي مريمَ (٦): (يجوزُ تعجيلُها في النصفِ الأخيرٍ من رمضانَ) (٧)؛ لأن بمضي النصف، قَرُبَ الفطر الخاص فأخذ حكمه، ومنهم مَنْ قال: (في الْعُشْرِ الأواخرِ منه) (٨) (٩). فَوجْهُ الصحةِ مذكورٌ في الْكِتَابِ لما أنُه إذاً بعدَ وجُودِ السببِ، فيجوُز كما في الزَّكَاةِ، (وإنْ أخرُوَها عن يومِ الفِطْرِ لم تسقط) (١٠)، وإنْ طالتْ المدةُ إِلاَّ على قولِ الحسن بن زياد (١١)، فإنه يقولُ: يسقطُ بمضي يومِ الفِطْرِ؛ لأنها قُرَبُةُ اختُصَتْ بيومِ العيد فكان قياسُ الأُضحيةِ يسقطُ بمضي أيامِ النحرِ، ولنا أنَّ هذه صدقةٌ ماليةٌ، فلا تَسقطُ بعد الوجوبِ إِلاَّ بالأداءِ كزكاةِ المالِ، ولا يقولُ بسقوطِ الأضُحيةِ، ولكن ينتقلُ الواجبُ إلى التصدّقِ بالقيمةِ؛ لأن إراقَة الدّمِ لا تكونُ قربةً إِلاَّ في وقتٍ مخَصوصٍ، أو مكانٍ مخَصوصٍ، فأمّا التصدّقُ بالمالِ فَقُرْبُةُ في كُلِّ وقتٍ. هذا كُلُّهُ من المَبْسُوط (١٢).

стр. 1191

ولو ماتَ ولدُهُ الصغيرُ، أو مملوكُهُ يومَ الفِطْرِ لم يسقطْ عنه؛ لأنّ الواجبَ إذا مال مطلق بخلاف الزَّكَاةِ،] ولا يسقطُ بتأخيرِ الأداءِ، وإنْ افتقَر (١)؛ لأنها متعلقةٌ بالذمةِ دُونَ المالِ بخلافِ الزَّكَاةِ (٢) كذا ذكره الإمام الولوالجي ﵀ (٣)، وقاضي خان (٤)، واللهُ أعلمُ. كتاب الصيام [من حِكمِ الصِّيَام] أخّرَ الصَّوْم (٥) عنِ الزَّكَاةِ (٦) معَ أنّهُ عبادةٌ بِدنيةٌ كالصَّلَاةِ إِلاَّ أَنَّهُ يجري مجَرى الوسيلةِ؛ لأنَّهُ عبادةٌ رياضيةٌ لمِاَ عُرِفَ في الأمرِ، والرياضةُ وسيلةٌ إلى المقاصدِ، ولكنْ لا على وجهٍ يتوقفُ أمرُ المقاصدِ إليه، وجوازاً بخلافِ الطَّهارةِ في حقِّ الصَّلَاةِ، وانحطاطُ درجةِ الوسيلةِ عن المقصودِ ظاهرٌ، ولِأَنَّ الصَّوْمَ عبارةٌ عن الامتناعِ، والسكونِ على ما يُذْكَرُ، وذُكِرَ ما يمنع بعد ذِكْرَ ما يَثْبُتُ كذِكْرِ النَّهي بعدَ ذِكْرِ الأمرِ، ولِأَنَّ كونَهُ قربةٌ بواسطةِ قهرِ العدوِ (٧)، وهو النفْس، وقهرُ العدوِ لله جهادٌ فكانَ دُونَ الصَّلَاةِ والزَّكَاةِ] أمّا (٨) محاسِنُ الصَّوْم، فَهِيَ أنّ الصَّوْم محَمودٌ عندَ كُلِّ ذي عَقْل وبَصَرٍ، ويشهدُ على صحتهِ العقلُ والنظر، لما أنّ حقيقةَ الصَّوْم هي تَرْكُ ما تحبه النفوسُ الشهوانيةُ، واتصفَ بصفةِ الملائكةِ الرُوحانيةِ، ولو لم يكنْ فيه إِلاَّ ما وَرَدَ في الخبر عن الله تعالى: «الصَّوْم لي وأنا أجزي بهِ» (٩) لكانَ كافياً، إذ ما جزى الله تعالى لفعلٍ جزاءً وافياً، وذلك مَوعودٌ مِن اللهِ بالفضلِ والثوابِ بقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١٠)، ثُمَّ إنَّما استحقَ الصَّوْم بهذا الثوابِ على الخصوصِ، واستعلى به على سائرِ الأعمالِ مبيناً بالآثارِ، والنصوصِ؛ لأنّهُ عِبارةٌ شرعاً عن الإمساكِ عن الشهوتين: شهوةِ البطنِ (١١)، وشهوةِ الفرجِ، والجري على مقتضاها مِنْ غيرِ قذعِ (١٢) النفسِ عنهما، فهما قذع وأصلُ كُلِّ شرٍ، فكانَ الإمساكُ عنهما بإذنِ الشرعِ أُمَ كلُّ خيرٍ، ولِأَنَّ الله تعالى قهرَ البشرَ بهذا النوعِ منَ القهرِ لِعِلْمهِ أنَّ فيهم مَنْ يَدَّعِي الربوبيةَ، فلو لم يقهْرهُمْ بما ذَكرنا مِنَ الصَّوْم لادَّعى كُلُّ واحدٍ منهم الربوبيةَ، وكان شَيْخِي ﵀ (١٣) كثيراً ما يقولُ: ففي تسليطِ اللهِ تعالى الجوعَ، والعطشَ على العبادِ إبطالٌ لِدَعواهُم الألوهيةِ، فإنَّ مَنْ يدَّعي الألوهيةَ مَقهورٌ بهذينِ العرضينِ حتى قهراه، وإلجاءَهُ إلى الأكلِ، والشَّربِ، وقُهِرَ بعدَهمُا، واضطَّراهُ إلى أنْ يدخُلَ إلى نَتنِ المواضِعِ، وكشفِ العورةِ، وإحساسِ النجاساتِ، ولحوقِ الذلةِ، ونتنِ الرائحةِ الكريهِة، فكيف تَصحُّ دعواهُ الربوبيةَ مع هذا الاضطرارِ بكونهِ مقهوراً لهذينِ العرضينِ بهذه الصفةِ؟! فكانَ اختيارُ الخلاصِ عن مثلِ هذهِ العاقبةِ، وإنْ قلَّ مستحسناً عندَ العقلاءِ، ومستمكناً عندَ البصُراءِ، ومنِ محاسنهِ أيضاً أنْ جوعَ بطنهِ يدِفعُ جُوعاً كثيراً منِ حواسِهِ، فإنهُ إذا أشبعَ بطُنهُ جاعَت عينهُ، ولسانُهُ، وفرجُهُ، وأركانَهُ، فالحِكْمة في تشنيعِ هذه الأشياءِ كيلا يُورِطَ صاحِبَها عندَ تجويعِها على حُفرِ الوَبال، وأَعونةِ الضَّلالِ، ومِنْ جمُلةِ محاسنهِ عِلْمُهُ حالَ الفقراءِ في جُوعِهم، فيرحَمَهُم، ويعطيهمْ ما يسَدُّ به جَوْعَتَهُمْ على ما قِيلَ ليس الخبرُ كالمعاينةِ (١٤)، ومنِ جمَلةِ محاسنهِ أيضاً موافقتُهُ مع الفقراءِ في مُقاساةِ الجُوعِ؛ إذ لا يمكنهُ إطعامُ كُلِّهِمْ لِيشبعَهُمْ كما يشبعُ فيصوم، ويوافقُ جميعَ الفقراءِ في تحمُّلِ شدائدِ الجوعِ، فيُقالُ: ثوابُ جميعِ الفقراءِ ينفعهُ، ومنه ما حُكِىَ عن بعضِ الصالحين (١٥) أنُه كانْ يخرجُ مِن/ بيتهِ في البردِ الشديدِ بإزارٍ واحدٍ، فِقيلَ له في ذلك، فقال: أَوافقُ الفقراءَ في مَقاساةِ شدةِ البردِ لما لا أقدُر على الموُاساةِ فكلهم في الكسوِة (١٦) (١٧)، ثُمَّ يُحتَاجُ هاهنا إلى معرفةِ تفسيرِ الصَّوْم لغةً، وشريعةً، وسببهُ، وشرطُهُ، وركنهُ، وحِكْمهُ (١٨).

стр. 1192

[تعريف الصيام] أمّا تفسيرُهُ لغةً: فهو عبارةٌ عن الإمساكِ عن أيِّ شيءٍ كان في أيِّ وقتٍ كانَ. قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (١)، أي: إمساكاً عن الكلامِ، وقال ﵊ في صومِ عاشوراءَ: «ومَنْ أَكَلَ فليصُمْ بقيةَ يومهِ» (٢)، أي: فليمُسكْ بقيةَ يومهِ، ويُقال: صامتْ الشَمسُ إذ أمسكتْ عن السيرِ وقتَ الزَّوالِ (٣)، ومنه قول النابغة (٤): خيلٌ صُياِمٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ تحتَ العجاجِ وأُخرى تعلكُ اللجما (٥) أي: ممسكةٌ عنِ العَلفِ في الرعي وغيرُ ممسكة (٦). وفي الشريعةِ: عبارةٌ عنْ إمساكٍ مخصوصٍ، هو الكفُّ عن قضاءِ الشهوتينِ: شهوةُ البطنِ، وشهوةُ الفرجِ مِنْ شخصٍ] مخصوصٍ (٧)، وهو أنْ يكونَ طاهراً عن الحيضِ والنفاسِ في وقتٍ مخصوصٍ، وهو ما بعدَ طُلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشمسِ بصفةٍ مخصوصةٍ، وهي أنْ يكونَ على قصدِ التُّقربِ، فالاسمُ شرعيُّ فيهِ معنى اللُّغةِ (٨). وأمَّا سَببُه فشهودُ الشهرِ (٩)؛ لأنَّ الصَّوْم يُضافُ إليهِ، يُقالُ: صومُ الشهرِ، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١٠)، ففيه بيانُ السببِ الذي جعلهُ الشرعُ مُوجباً، وهو شهودُ الشهرِ، وأمرٌ بالأَداءِ (١١).

стр. 1193

وأمَّا شرطُهُ (١): فثلاثةُ أنواعٍ: شرطُ نَفْسِ الوجوبِ، وهو: الإسلامُ، والعقلُ، والبلوغُ، وشرطُ وُجوبِ الأداءِ (٢)، وهو: الصِّحةُ، والإقامةُ، وشرط صِحَّةِ الأداءِ (٣)، وهو: صلاحيةُ المُؤَدِى بالقُدرةِ، والتمييزِ، والطهارةِ عمَّا يمنعهُ، والوقتُ العاملُ له، والنيةُ. وأمَّا رُكنهُ: فالكفُّ عنهُ بالمفطراتِ منْ أوَّلِ النهارِ إلى آخرِهِ (٤). [حُكُمُ الصِّيَام] وأمّا حُكْمُهُ: فسقوطَ الواجبِ عن ذمتهِ في الدنيا، ونيلُ الثوابِ في الآخرةِ، ثُمَّ جوازُ الصَّوْم إنما اختصَّ بالنهارِ دوَن الليالي شَرْعاً ومعنىً، أمّا الشرعُ: فقولهُ تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ إلى قوله: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٥) حيثُ أمرَ اللهُ تعالى بالكفِّ عنِ المفطراتِ الثلاثِ في النهارِ، وأمّا المعنى: فهو أنَّ صومَ الوِصالِ (٦) غيُر ممُكنِ؛ لأنَّ الآدميَّ لا يحيى بدونِ الأكلِ على ما عليهِ جبلتُهُ (٧)، فلابُدَّ مِنْ أنْ يعيّنِ بعضَ الزمانِ للصومِ، وبعضَهُ للفِطْرِ، والقِسمةُ منْ حيثُ الساعاتِ مُتعذرةٌ؛ لأنُه لا يُوقَفُ عليها إِلاَّ بحرج، فوجبتْ القِسمةُ بالأيامِ والليالي، والأيامُ للأَكْلِ عادةً، والليالي للنومِ عادةً، مكانُ تعيينِ النهارِ للصومِ، وأنُه مخالِفٌ للعادةِ أولى مِن تعيينِ الليالي، فإنَّ أصلَ بِناءِ العبادةِ على مخُالفةِ العادةِ (٨)، كذا في المَبْسُوطين (٩). [صوم النذر] قولُهُ ﵀ (١٠): الصَّوْم ضربان: ذَكَرَ التقسيمَ قبلَ التجديدِ؛ لِيسْهُلَ أمرُ التجديدِ، والمنذوُر واجبٌ لِقولهِ تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (١١) (١٢)، فإنْ قِيلَ: هذه الآيةُ تقتضي/ فرضيةَ المنذورِ لِثبوتِهِ بالْكِتَابِ بالأمرِ فصارَ كصومِ رمضانَ، ولأنهُ عاهدَ اللهَ فيجبُ أنْ يكونَ الوفاءُ فرضاً لقولهِ تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (١٣) ألا تَرى أنَّهُ ذمَّ مَنْ تركَ الوفاءَ بالعهدِ في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١٤) قلنا: نعم، كذلك إِلاَّ أنُه قد خَصَّ منهُ بالإتفاقِ (١٥) المنذورَ الذي ليسَ مِنْ جنسٍ واجبٍ شرعاً كعيادةِ المريضِ، أو ما هو ليسَ بمقصودٍ في العبادةِ كالنذرِ بالوضوءِ لِكُلِّ صلاةٍ، والنذرُ بالمعصيةِ، فلما خُصَّتْ هذه المواضعُ بقي الباقي حُجةً مجوزةً لا مُوجبةً قطعاً كالآيةِ المؤلةِ، وخبرِ الواحدِ، والقياسِ، فيثبتُ الوجوبُ بمثلهِ لا الفرضِ، وكُلُّ يومٍ سببُ وُجوبِ صومهِ؛ لأنّ مجيءَ كل يومِ سَبُبُ لِوُجوبِ صومِ ذلك اليومِ؛ لأنّ] صيام (١٦) رمضانَ بمنزلةِ عباداتٍ متفرقةٍ؛ لأنهُ يحُلِّلُ بينَ كُلِّ يومين زمانٌ لا يصلحُ للصومِ لا قضاءً، ولا أداءً، وهو اللِيالي، فصارَ كالصلواتِ، ثُمَّ المعتبرُ هاهنا في الوجوبِ أولُ الوقتِ، وهو أولُ اليومِ؛ لأنَّ الصَّوْم يتأَدَّى بجميعِ اليومِ، فتكونُ العِبْرةُ في الوجوبِ لبعضِ الوقتِ لا لجميعِ الوقتِ، فلو قلنا: هاهنا بأنهُ يَحِلُّ التأخيرُ عن أولِ الوقتِ، وهو أولُ اليومِ فيكونُ هذا تفويتاً لا تأخيرَ،، أو في الصَّلَاةِ يكون تأخيراً لا تفويتاً، والتأخيرُ مُباحٌ، والتفويتُ حرام (١٧)، كذا في مبسوطِ شيخِ الإسلامِ (١٨).

стр. 1194

«لا صيامَ لَمِنْ لم يَنْوِ الصِّيَامَ» (١) لَفْظُ الصِّيَامِ يقُع مصدراً، وجمعُ الصائمِ يقال: صامَ صوماً، وصِياماً فهو صائمٌ، وهم صُوَّمٌ، وصِيَاْمٌ، كذا في «المُغْرِب» (٢)، [وقت النية] والمراُد في الحديثِ المصدرُ، ورُوِيَ برواياتٍ مختلفةٍ: «لمَنْ لم يعزِم الصِّيَامَ» (٣)، «لَمِنْ لم يُثْبِتْ الصيامَ» (٤)، «لَمِنْ لم ينوِ الصِّيَامَ» (٥) كذا ذكرهُ شيخُ الإسلامِ (٦) ﵀ بخلافِ النفلِ؛ لأنُه منُجزٌ عندَهُ، ذَكَرَ في «الوجيزِ الغزالي» (٧) (٨) تجوزُ نيةُ التطوِّعِ قبلَ الزوالِ، وبعدَهُ قولان (٩)، وهذا بِشرْطِ خُلوِّ أولِ اليومِ عن الأَكْلِ، وفي اشتراطِ خُلُوِّ الأَولِ عن الكفرِ، والجنونِ، والحيضِ خلاِفٌ (١٠)، وذَكَرَ في «الْأَسْرَار» (١١)، ولِأَنَّ ما مضى مِنَ النهارِ لم يكنْ صوماً لِعَدَمِ الشْرطِ، وما بقَي لا يكفي للواجبِ؛ لأنَّ الواجبَ صومُ يومٍ كَاملٍ بخلافِ التطوِّعِ؛ لأنُه ليسَ بواجبٍ، فيصحُّ بقَدَرِ ما بقيَ، كالِاعْتِكَافِ الذي ليسَ بواجبٍ يتأدّى بقَدَرِ ما يكونُ مِنَ النهارِ، ولِأَنَّ القياسَ في النفلِ أنْ لا يجوزُ إِلاَّ بالنيةِ مِن الابتداءِ كما في نَفْلِ الحجِّ، والصَّلَاةِ، وإنما جوّزَ به بخلافِ القياسِ بالأثرِ، فلمْ يجزْ قياسُ نحوِهِ عليهِ، ولعلمائِنا قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١٢)، أي: الشهرُ، أي: ليجعلَ الإمساكَ للهِ تعالى فيهِ، وبالنيةِ في أكثرِ النَّهارِ يصيرُ للهِ تعالى كما في غير رمضانَ فلا تجبُ الزيادةُ؛ لأنهُ نسخٌ، وفي حديثٍ مَشَهورٍ عنِ النبي ﵊ أصبحواَ يومَ الشَّكِ مُفطرينَ متلوِّمينَ، أي: غيرَ عازمينَ الصَّوْم، ولا آكلينَ، فإنه بعدَ الأَكْل يتعينُ الفِطْرِ، ولا يبقى بعدَهُ تَلَوَّمٌ (١٣) وانتظاُر، وإنما يتحققُ التلوُّمِ مع الإمساكِ بلا نيةٍ حتى أنْ يتبينَ أنهُ مِن شعبانَ أَكَلَ بِلا حَرَجٍ، وإنْ تبّينَ أنهُ مِن رمضانَ صامَ بلا حَرجٍ، ولو كانَ الصَّوْم لا تَصِحُّ نيتهُ في النّهارِ في الفرضِ لم يكنْ للتلوُّمِ معنى، وفي حديثِ مُشهور عنِ النبيِّ ﵊ أنهُ قالَ يومَ عاشوراءَ: «ألا مَنْ أَكَلَ فلا يَأْكُلُ بقيةَ يومِهِ، ومَنْ لم يَأْكُلْ فَليُصُمْ» (١٤) أمرهُمْ بالصَّوْم مِنْ النهارِ، فثبتَ أنهُ جائُزُ، فإنْ قِيلَ: يحُتملُ أنْ يكونَ هذا في النَّفْلِ، وفي النفلِ يجوُز. قلنا: الأمُر على وجوبِ، وأنُه قِبْلَ رمضانَ] كانَ واجباً (١٥) فكانَ النبيُّ ﵊ يأمُرهُمْ (١٦) بعدَ ذلك، ألا ترى أنهُ أمَر مَنْ أَكَلَ بالإمساكِ، وأنهُ لا يجبُ في وقتِ نفلِ الصَّوْم، ويختصُّ بوقتِ الفرضِ كما في رمضانَ اليومَ، ثُمَّ انتساخُ الفرضيةِ لمِا يدلُّ على انتساخِ جوازِهِ بنيتهِ منَ النهارِ حينَ كانَ فرضاً، بلْ يدلُ على سقوطِ فرضيتِةِ في المستقبلِ لا غير، «ومَنْ لم يَأْكُلْ فليَصُمْ» (١٧)، وهذا نصٌّ في البابِ لا يَحْتِملُ التأويلَ، ولا يجوزُ الحَمْلُ على صَوْمِ اللُّغةِ؛ لأنهُ لو كانَ كذلكَ لكانَ الأَكْلُ وغيُرهُ سواءً، كذا في «الْأَسْرَار» (١٨).

стр. 1195

(أو معناهُ لم يَنْوِ أنّهُ صومٌ مِنَ الليلِ) (١)، معناهُ مَنْ ينوي في وقتِ النيةِ أنهُ صائِمٌ مِنَ الليلِ، أمّا إذا نَوى أنهُ صائِمٌ مِنْ وقتِ النيةِ لم يصح صومُهُ، أو المرادُ منه هو النهيُّ عن تقديمِ النيةِ على الليلِ (٢)، كذا وُجِدَتْ بخِطّ شَيْخِي ﵀ (٣)، وتأويلُ حديثهِ أنَّ المرادَ هو النهيُّ عن تقديمِ النيةِ على الليلِ، ثُمَّ هو عامُ دَخَلَهَ الخصوصُ بالاتفاقِ (٤)، وهو صومُ النفلِ، ويخصُّ هذا الصَّوْم بالقياسِ، وهو أنّ هذا يومُ صومٍ فالإمساكُ في أولِ النهارِ يَتوقَفُ على أنّ يصيرَ صَوماً بالِنيةِ قبلَ الزَّوالِ كالنَّفلِ، (وهذا لأنَّ الصَّوْم رُكْنٌ وَاْحِدٌ) (٥)، وهو الإمساكُ مِنْ أَولِ النهارِ إلى آخرِهِ، فإذا اقترنَتْ النيةُ بِأكْثرِهِ يُرجحُ جانِبُ الوجودِ على جانبِ العَدَمِ، فيُجْعَلُ كاقترانِ النيةِ بجميعهِ، ثُمَّ اقترانُ النيةِ بحالةِ الشروعِ ليسَ بشرطٍ في بابِ الصَّوْم بدليلِ جوازِ التقديمِ فصَارِت حالةُ الشروعِ هاهنا كحالةِ البقاءِ في سائرِ العباداتِ، وإذا جازَ بنيةٍ متقدمةٍ دَفْعاً للحَرَجِ جازَ بنيةِ مُتأخرةٍ عنْ حالةِ الشروعِ بالطريقِ الأُولى؛ لأنهُ إنْ لم يقترنْ بالشروعِ هاهنا فقد اقترنَ بالأداءِ، ومعنى الحرج لا يندفعُ بجوازِ التقديمِ في جنسِ الصائمينَ؛ لأنَّ منهم مَنْ يبلغ في آخرِ الليلِ، وحَائِضٌ تطْهر، ونائِمٌ لا ينتبه إِلاَّ بعدَ طُلوعِ الفجرِ، وفي أيامِ الشكِّ لا يمُكِنُهُ أنْ ينويَ الفرضَ ليلاً. كذا في «المَبْسُوط» (٦). فإنْ قلتَ: قياسُ النيةِ المتأخرةِ عَنْ أولِ الصُّبحِ على النيةِ المتقدمةِ عليهِ ليسَ بصحيحٍ فضلاً عن إثباتِ الأولويةِ، وذلك لأنّا نجدُ مِن جنسِ العباداتِ ما يجعلُ فيهِ النيةَ المتقدمةَ متأخرةً كما في الصَّلَاةِ، والزَّكَاةِ، فإنهُ إذا حضرتهُ] النيةُ (٧) وقتَ] الوضُوءِ (٨)، ثُمَّ] لم يعترضْ بعدَها ليسَ مِن جنسِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ شَرَعَ في الصَّلَاةِ بغيرِ نيةٍ حضرتهُ وقْتَ الشُّروعِ في الصَّلَاةِ يجوزُ (٩) وكذلك في الزَّكَاةِ، إذ نوى عندَ عَزْلِ مقدارِ الواجبِ، ولم يحضرْهُ وقتُ الأداءِ يجوزُ (١٠)، وأمّا المتأخرةُ عنها فلا، والقياسُ يقتضي هذا أيضاً، فإنَّ الموجودَ في وقتٍ يصحُّ/ أنْ يبقى وجودَهُ حُكماً بالاستصحابِ، وله نظائرٌ كما في المفقودِ، وكذا البيعُ، والشراءُ، والنكاحُ، وأمّا المعدوُم الذي سيوجدُ أنْ يجُعَلَ كأنهُ موَجودٌ حُكماً قبلَ وُجُودِهِ، ولا نظيرَ لهُ فكانَ القولُ به حينئذٍ مخُالفاً للحقيقةِ، والحُكْمِ (١١).
следующие страницы →