← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

ولو ماتَ ولدُهُ الصغيرُ، أو مملوكُهُ يومَ الفِطْرِ لم يسقطْ عنه؛ لأنّ الواجبَ إذا مال مطلق بخلاف الزَّكَاةِ،] ولا يسقطُ بتأخيرِ الأداءِ، وإنْ افتقَر (١)؛ لأنها متعلقةٌ بالذمةِ دُونَ المالِ بخلافِ الزَّكَاةِ (٢) كذا ذكره الإمام الولوالجي ﵀ (٣)، وقاضي خان (٤)، واللهُ أعلمُ. كتاب الصيام [من حِكمِ الصِّيَام] أخّرَ الصَّوْم (٥) عنِ الزَّكَاةِ (٦) معَ أنّهُ عبادةٌ بِدنيةٌ كالصَّلَاةِ إِلاَّ أَنَّهُ يجري مجَرى الوسيلةِ؛ لأنَّهُ عبادةٌ رياضيةٌ لمِاَ عُرِفَ في الأمرِ، والرياضةُ وسيلةٌ إلى المقاصدِ، ولكنْ لا على وجهٍ يتوقفُ أمرُ المقاصدِ إليه، وجوازاً بخلافِ الطَّهارةِ في حقِّ الصَّلَاةِ، وانحطاطُ درجةِ الوسيلةِ عن المقصودِ ظاهرٌ، ولِأَنَّ الصَّوْمَ عبارةٌ عن الامتناعِ، والسكونِ على ما يُذْكَرُ، وذُكِرَ ما يمنع بعد ذِكْرَ ما يَثْبُتُ كذِكْرِ النَّهي بعدَ ذِكْرِ الأمرِ، ولِأَنَّ كونَهُ قربةٌ بواسطةِ قهرِ العدوِ (٧)، وهو النفْس، وقهرُ العدوِ لله جهادٌ فكانَ دُونَ الصَّلَاةِ والزَّكَاةِ] أمّا (٨) محاسِنُ الصَّوْم، فَهِيَ أنّ الصَّوْم محَمودٌ عندَ كُلِّ ذي عَقْل وبَصَرٍ، ويشهدُ على صحتهِ العقلُ والنظر، لما أنّ حقيقةَ الصَّوْم هي تَرْكُ ما تحبه النفوسُ الشهوانيةُ، واتصفَ بصفةِ الملائكةِ الرُوحانيةِ، ولو لم يكنْ فيه إِلاَّ ما وَرَدَ في الخبر عن الله تعالى: «الصَّوْم لي وأنا أجزي بهِ» (٩) لكانَ كافياً، إذ ما جزى الله تعالى لفعلٍ جزاءً وافياً، وذلك مَوعودٌ مِن اللهِ بالفضلِ والثوابِ بقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١٠)، ثُمَّ إنَّما استحقَ الصَّوْم بهذا الثوابِ على الخصوصِ، واستعلى به على سائرِ الأعمالِ مبيناً بالآثارِ، والنصوصِ؛ لأنّهُ عِبارةٌ شرعاً عن الإمساكِ عن الشهوتين: شهوةِ البطنِ (١١)، وشهوةِ الفرجِ، والجري على مقتضاها مِنْ غيرِ قذعِ (١٢) النفسِ عنهما، فهما قذع وأصلُ كُلِّ شرٍ، فكانَ الإمساكُ عنهما بإذنِ الشرعِ أُمَ كلُّ خيرٍ، ولِأَنَّ الله تعالى قهرَ البشرَ بهذا النوعِ منَ القهرِ لِعِلْمهِ أنَّ فيهم مَنْ يَدَّعِي الربوبيةَ، فلو لم يقهْرهُمْ بما ذَكرنا مِنَ الصَّوْم لادَّعى كُلُّ واحدٍ منهم الربوبيةَ، وكان شَيْخِي ﵀ (١٣) كثيراً ما يقولُ: ففي تسليطِ اللهِ تعالى الجوعَ، والعطشَ على العبادِ إبطالٌ لِدَعواهُم الألوهيةِ، فإنَّ مَنْ يدَّعي الألوهيةَ مَقهورٌ بهذينِ العرضينِ حتى قهراه، وإلجاءَهُ إلى الأكلِ، والشَّربِ، وقُهِرَ بعدَهمُا، واضطَّراهُ إلى أنْ يدخُلَ إلى نَتنِ المواضِعِ، وكشفِ العورةِ، وإحساسِ النجاساتِ، ولحوقِ الذلةِ، ونتنِ الرائحةِ الكريهِة، فكيف تَصحُّ دعواهُ الربوبيةَ مع هذا الاضطرارِ بكونهِ مقهوراً لهذينِ العرضينِ بهذه الصفةِ؟! فكانَ اختيارُ الخلاصِ عن مثلِ هذهِ العاقبةِ، وإنْ قلَّ مستحسناً عندَ العقلاءِ، ومستمكناً عندَ البصُراءِ، ومنِ محاسنهِ أيضاً أنْ جوعَ بطنهِ يدِفعُ جُوعاً كثيراً منِ حواسِهِ، فإنهُ إذا أشبعَ بطُنهُ جاعَت عينهُ، ولسانُهُ، وفرجُهُ، وأركانَهُ، فالحِكْمة في تشنيعِ هذه الأشياءِ كيلا يُورِطَ صاحِبَها عندَ تجويعِها على حُفرِ الوَبال، وأَعونةِ الضَّلالِ، ومِنْ جمُلةِ محاسنهِ عِلْمُهُ حالَ الفقراءِ في جُوعِهم، فيرحَمَهُم، ويعطيهمْ ما يسَدُّ به جَوْعَتَهُمْ على ما قِيلَ ليس الخبرُ كالمعاينةِ (١٤)، ومنِ جمَلةِ محاسنهِ أيضاً موافقتُهُ مع الفقراءِ في مُقاساةِ الجُوعِ؛ إذ لا يمكنهُ إطعامُ كُلِّهِمْ لِيشبعَهُمْ كما يشبعُ فيصوم، ويوافقُ جميعَ الفقراءِ في تحمُّلِ شدائدِ الجوعِ، فيُقالُ: ثوابُ جميعِ الفقراءِ ينفعهُ، ومنه ما حُكِىَ عن بعضِ الصالحين (١٥) أنُه كانْ يخرجُ مِن/ بيتهِ في البردِ الشديدِ بإزارٍ واحدٍ، فِقيلَ له في ذلك، فقال: أَوافقُ الفقراءَ في مَقاساةِ شدةِ البردِ لما لا أقدُر على الموُاساةِ فكلهم في الكسوِة (١٦) (١٧)، ثُمَّ يُحتَاجُ هاهنا إلى معرفةِ تفسيرِ الصَّوْم لغةً، وشريعةً، وسببهُ، وشرطُهُ، وركنهُ، وحِكْمهُ (١٨).

стр. 1192

[تعريف الصيام] أمّا تفسيرُهُ لغةً: فهو عبارةٌ عن الإمساكِ عن أيِّ شيءٍ كان في أيِّ وقتٍ كانَ. قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (١)، أي: إمساكاً عن الكلامِ، وقال ﵊ في صومِ عاشوراءَ: «ومَنْ أَكَلَ فليصُمْ بقيةَ يومهِ» (٢)، أي: فليمُسكْ بقيةَ يومهِ، ويُقال: صامتْ الشَمسُ إذ أمسكتْ عن السيرِ وقتَ الزَّوالِ (٣)، ومنه قول النابغة (٤): خيلٌ صُياِمٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ تحتَ العجاجِ وأُخرى تعلكُ اللجما (٥) أي: ممسكةٌ عنِ العَلفِ في الرعي وغيرُ ممسكة (٦). وفي الشريعةِ: عبارةٌ عنْ إمساكٍ مخصوصٍ، هو الكفُّ عن قضاءِ الشهوتينِ: شهوةُ البطنِ، وشهوةُ الفرجِ مِنْ شخصٍ] مخصوصٍ (٧)، وهو أنْ يكونَ طاهراً عن الحيضِ والنفاسِ في وقتٍ مخصوصٍ، وهو ما بعدَ طُلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشمسِ بصفةٍ مخصوصةٍ، وهي أنْ يكونَ على قصدِ التُّقربِ، فالاسمُ شرعيُّ فيهِ معنى اللُّغةِ (٨). وأمَّا سَببُه فشهودُ الشهرِ (٩)؛ لأنَّ الصَّوْم يُضافُ إليهِ، يُقالُ: صومُ الشهرِ، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١٠)، ففيه بيانُ السببِ الذي جعلهُ الشرعُ مُوجباً، وهو شهودُ الشهرِ، وأمرٌ بالأَداءِ (١١).

стр. 1193

وأمَّا شرطُهُ (١): فثلاثةُ أنواعٍ: شرطُ نَفْسِ الوجوبِ، وهو: الإسلامُ، والعقلُ، والبلوغُ، وشرطُ وُجوبِ الأداءِ (٢)، وهو: الصِّحةُ، والإقامةُ، وشرط صِحَّةِ الأداءِ (٣)، وهو: صلاحيةُ المُؤَدِى بالقُدرةِ، والتمييزِ، والطهارةِ عمَّا يمنعهُ، والوقتُ العاملُ له، والنيةُ. وأمَّا رُكنهُ: فالكفُّ عنهُ بالمفطراتِ منْ أوَّلِ النهارِ إلى آخرِهِ (٤). [حُكُمُ الصِّيَام] وأمّا حُكْمُهُ: فسقوطَ الواجبِ عن ذمتهِ في الدنيا، ونيلُ الثوابِ في الآخرةِ، ثُمَّ جوازُ الصَّوْم إنما اختصَّ بالنهارِ دوَن الليالي شَرْعاً ومعنىً، أمّا الشرعُ: فقولهُ تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ إلى قوله: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٥) حيثُ أمرَ اللهُ تعالى بالكفِّ عنِ المفطراتِ الثلاثِ في النهارِ، وأمّا المعنى: فهو أنَّ صومَ الوِصالِ (٦) غيُر ممُكنِ؛ لأنَّ الآدميَّ لا يحيى بدونِ الأكلِ على ما عليهِ جبلتُهُ (٧)، فلابُدَّ مِنْ أنْ يعيّنِ بعضَ الزمانِ للصومِ، وبعضَهُ للفِطْرِ، والقِسمةُ منْ حيثُ الساعاتِ مُتعذرةٌ؛ لأنُه لا يُوقَفُ عليها إِلاَّ بحرج، فوجبتْ القِسمةُ بالأيامِ والليالي، والأيامُ للأَكْلِ عادةً، والليالي للنومِ عادةً، مكانُ تعيينِ النهارِ للصومِ، وأنُه مخالِفٌ للعادةِ أولى مِن تعيينِ الليالي، فإنَّ أصلَ بِناءِ العبادةِ على مخُالفةِ العادةِ (٨)، كذا في المَبْسُوطين (٩). [صوم النذر] قولُهُ ﵀ (١٠): الصَّوْم ضربان: ذَكَرَ التقسيمَ قبلَ التجديدِ؛ لِيسْهُلَ أمرُ التجديدِ، والمنذوُر واجبٌ لِقولهِ تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (١١) (١٢)، فإنْ قِيلَ: هذه الآيةُ تقتضي/ فرضيةَ المنذورِ لِثبوتِهِ بالْكِتَابِ بالأمرِ فصارَ كصومِ رمضانَ، ولأنهُ عاهدَ اللهَ فيجبُ أنْ يكونَ الوفاءُ فرضاً لقولهِ تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (١٣) ألا تَرى أنَّهُ ذمَّ مَنْ تركَ الوفاءَ بالعهدِ في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١٤) قلنا: نعم، كذلك إِلاَّ أنُه قد خَصَّ منهُ بالإتفاقِ (١٥) المنذورَ الذي ليسَ مِنْ جنسٍ واجبٍ شرعاً كعيادةِ المريضِ، أو ما هو ليسَ بمقصودٍ في العبادةِ كالنذرِ بالوضوءِ لِكُلِّ صلاةٍ، والنذرُ بالمعصيةِ، فلما خُصَّتْ هذه المواضعُ بقي الباقي حُجةً مجوزةً لا مُوجبةً قطعاً كالآيةِ المؤلةِ، وخبرِ الواحدِ، والقياسِ، فيثبتُ الوجوبُ بمثلهِ لا الفرضِ، وكُلُّ يومٍ سببُ وُجوبِ صومهِ؛ لأنّ مجيءَ كل يومِ سَبُبُ لِوُجوبِ صومِ ذلك اليومِ؛ لأنّ] صيام (١٦) رمضانَ بمنزلةِ عباداتٍ متفرقةٍ؛ لأنهُ يحُلِّلُ بينَ كُلِّ يومين زمانٌ لا يصلحُ للصومِ لا قضاءً، ولا أداءً، وهو اللِيالي، فصارَ كالصلواتِ، ثُمَّ المعتبرُ هاهنا في الوجوبِ أولُ الوقتِ، وهو أولُ اليومِ؛ لأنَّ الصَّوْم يتأَدَّى بجميعِ اليومِ، فتكونُ العِبْرةُ في الوجوبِ لبعضِ الوقتِ لا لجميعِ الوقتِ، فلو قلنا: هاهنا بأنهُ يَحِلُّ التأخيرُ عن أولِ الوقتِ، وهو أولُ اليومِ فيكونُ هذا تفويتاً لا تأخيرَ،، أو في الصَّلَاةِ يكون تأخيراً لا تفويتاً، والتأخيرُ مُباحٌ، والتفويتُ حرام (١٧)، كذا في مبسوطِ شيخِ الإسلامِ (١٨).

стр. 1194

«لا صيامَ لَمِنْ لم يَنْوِ الصِّيَامَ» (١) لَفْظُ الصِّيَامِ يقُع مصدراً، وجمعُ الصائمِ يقال: صامَ صوماً، وصِياماً فهو صائمٌ، وهم صُوَّمٌ، وصِيَاْمٌ، كذا في «المُغْرِب» (٢)، [وقت النية] والمراُد في الحديثِ المصدرُ، ورُوِيَ برواياتٍ مختلفةٍ: «لمَنْ لم يعزِم الصِّيَامَ» (٣)، «لَمِنْ لم يُثْبِتْ الصيامَ» (٤)، «لَمِنْ لم ينوِ الصِّيَامَ» (٥) كذا ذكرهُ شيخُ الإسلامِ (٦) ﵀ بخلافِ النفلِ؛ لأنُه منُجزٌ عندَهُ، ذَكَرَ في «الوجيزِ الغزالي» (٧) (٨) تجوزُ نيةُ التطوِّعِ قبلَ الزوالِ، وبعدَهُ قولان (٩)، وهذا بِشرْطِ خُلوِّ أولِ اليومِ عن الأَكْلِ، وفي اشتراطِ خُلُوِّ الأَولِ عن الكفرِ، والجنونِ، والحيضِ خلاِفٌ (١٠)، وذَكَرَ في «الْأَسْرَار» (١١)، ولِأَنَّ ما مضى مِنَ النهارِ لم يكنْ صوماً لِعَدَمِ الشْرطِ، وما بقَي لا يكفي للواجبِ؛ لأنَّ الواجبَ صومُ يومٍ كَاملٍ بخلافِ التطوِّعِ؛ لأنُه ليسَ بواجبٍ، فيصحُّ بقَدَرِ ما بقيَ، كالِاعْتِكَافِ الذي ليسَ بواجبٍ يتأدّى بقَدَرِ ما يكونُ مِنَ النهارِ، ولِأَنَّ القياسَ في النفلِ أنْ لا يجوزُ إِلاَّ بالنيةِ مِن الابتداءِ كما في نَفْلِ الحجِّ، والصَّلَاةِ، وإنما جوّزَ به بخلافِ القياسِ بالأثرِ، فلمْ يجزْ قياسُ نحوِهِ عليهِ، ولعلمائِنا قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١٢)، أي: الشهرُ، أي: ليجعلَ الإمساكَ للهِ تعالى فيهِ، وبالنيةِ في أكثرِ النَّهارِ يصيرُ للهِ تعالى كما في غير رمضانَ فلا تجبُ الزيادةُ؛ لأنهُ نسخٌ، وفي حديثٍ مَشَهورٍ عنِ النبي ﵊ أصبحواَ يومَ الشَّكِ مُفطرينَ متلوِّمينَ، أي: غيرَ عازمينَ الصَّوْم، ولا آكلينَ، فإنه بعدَ الأَكْل يتعينُ الفِطْرِ، ولا يبقى بعدَهُ تَلَوَّمٌ (١٣) وانتظاُر، وإنما يتحققُ التلوُّمِ مع الإمساكِ بلا نيةٍ حتى أنْ يتبينَ أنهُ مِن شعبانَ أَكَلَ بِلا حَرَجٍ، وإنْ تبّينَ أنهُ مِن رمضانَ صامَ بلا حَرجٍ، ولو كانَ الصَّوْم لا تَصِحُّ نيتهُ في النّهارِ في الفرضِ لم يكنْ للتلوُّمِ معنى، وفي حديثِ مُشهور عنِ النبيِّ ﵊ أنهُ قالَ يومَ عاشوراءَ: «ألا مَنْ أَكَلَ فلا يَأْكُلُ بقيةَ يومِهِ، ومَنْ لم يَأْكُلْ فَليُصُمْ» (١٤) أمرهُمْ بالصَّوْم مِنْ النهارِ، فثبتَ أنهُ جائُزُ، فإنْ قِيلَ: يحُتملُ أنْ يكونَ هذا في النَّفْلِ، وفي النفلِ يجوُز. قلنا: الأمُر على وجوبِ، وأنُه قِبْلَ رمضانَ] كانَ واجباً (١٥) فكانَ النبيُّ ﵊ يأمُرهُمْ (١٦) بعدَ ذلك، ألا ترى أنهُ أمَر مَنْ أَكَلَ بالإمساكِ، وأنهُ لا يجبُ في وقتِ نفلِ الصَّوْم، ويختصُّ بوقتِ الفرضِ كما في رمضانَ اليومَ، ثُمَّ انتساخُ الفرضيةِ لمِا يدلُّ على انتساخِ جوازِهِ بنيتهِ منَ النهارِ حينَ كانَ فرضاً، بلْ يدلُ على سقوطِ فرضيتِةِ في المستقبلِ لا غير، «ومَنْ لم يَأْكُلْ فليَصُمْ» (١٧)، وهذا نصٌّ في البابِ لا يَحْتِملُ التأويلَ، ولا يجوزُ الحَمْلُ على صَوْمِ اللُّغةِ؛ لأنهُ لو كانَ كذلكَ لكانَ الأَكْلُ وغيُرهُ سواءً، كذا في «الْأَسْرَار» (١٨).

стр. 1195

(أو معناهُ لم يَنْوِ أنّهُ صومٌ مِنَ الليلِ) (١)، معناهُ مَنْ ينوي في وقتِ النيةِ أنهُ صائِمٌ مِنَ الليلِ، أمّا إذا نَوى أنهُ صائِمٌ مِنْ وقتِ النيةِ لم يصح صومُهُ، أو المرادُ منه هو النهيُّ عن تقديمِ النيةِ على الليلِ (٢)، كذا وُجِدَتْ بخِطّ شَيْخِي ﵀ (٣)، وتأويلُ حديثهِ أنَّ المرادَ هو النهيُّ عن تقديمِ النيةِ على الليلِ، ثُمَّ هو عامُ دَخَلَهَ الخصوصُ بالاتفاقِ (٤)، وهو صومُ النفلِ، ويخصُّ هذا الصَّوْم بالقياسِ، وهو أنّ هذا يومُ صومٍ فالإمساكُ في أولِ النهارِ يَتوقَفُ على أنّ يصيرَ صَوماً بالِنيةِ قبلَ الزَّوالِ كالنَّفلِ، (وهذا لأنَّ الصَّوْم رُكْنٌ وَاْحِدٌ) (٥)، وهو الإمساكُ مِنْ أَولِ النهارِ إلى آخرِهِ، فإذا اقترنَتْ النيةُ بِأكْثرِهِ يُرجحُ جانِبُ الوجودِ على جانبِ العَدَمِ، فيُجْعَلُ كاقترانِ النيةِ بجميعهِ، ثُمَّ اقترانُ النيةِ بحالةِ الشروعِ ليسَ بشرطٍ في بابِ الصَّوْم بدليلِ جوازِ التقديمِ فصَارِت حالةُ الشروعِ هاهنا كحالةِ البقاءِ في سائرِ العباداتِ، وإذا جازَ بنيةٍ متقدمةٍ دَفْعاً للحَرَجِ جازَ بنيةِ مُتأخرةٍ عنْ حالةِ الشروعِ بالطريقِ الأُولى؛ لأنهُ إنْ لم يقترنْ بالشروعِ هاهنا فقد اقترنَ بالأداءِ، ومعنى الحرج لا يندفعُ بجوازِ التقديمِ في جنسِ الصائمينَ؛ لأنَّ منهم مَنْ يبلغ في آخرِ الليلِ، وحَائِضٌ تطْهر، ونائِمٌ لا ينتبه إِلاَّ بعدَ طُلوعِ الفجرِ، وفي أيامِ الشكِّ لا يمُكِنُهُ أنْ ينويَ الفرضَ ليلاً. كذا في «المَبْسُوط» (٦). فإنْ قلتَ: قياسُ النيةِ المتأخرةِ عَنْ أولِ الصُّبحِ على النيةِ المتقدمةِ عليهِ ليسَ بصحيحٍ فضلاً عن إثباتِ الأولويةِ، وذلك لأنّا نجدُ مِن جنسِ العباداتِ ما يجعلُ فيهِ النيةَ المتقدمةَ متأخرةً كما في الصَّلَاةِ، والزَّكَاةِ، فإنهُ إذا حضرتهُ] النيةُ (٧) وقتَ] الوضُوءِ (٨)، ثُمَّ] لم يعترضْ بعدَها ليسَ مِن جنسِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ شَرَعَ في الصَّلَاةِ بغيرِ نيةٍ حضرتهُ وقْتَ الشُّروعِ في الصَّلَاةِ يجوزُ (٩) وكذلك في الزَّكَاةِ، إذ نوى عندَ عَزْلِ مقدارِ الواجبِ، ولم يحضرْهُ وقتُ الأداءِ يجوزُ (١٠)، وأمّا المتأخرةُ عنها فلا، والقياسُ يقتضي هذا أيضاً، فإنَّ الموجودَ في وقتٍ يصحُّ/ أنْ يبقى وجودَهُ حُكماً بالاستصحابِ، وله نظائرٌ كما في المفقودِ، وكذا البيعُ، والشراءُ، والنكاحُ، وأمّا المعدوُم الذي سيوجدُ أنْ يجُعَلَ كأنهُ موَجودٌ حُكماً قبلَ وُجُودِهِ، ولا نظيرَ لهُ فكانَ القولُ به حينئذٍ مخُالفاً للحقيقةِ، والحُكْمِ (١١).

стр. 1196

قلتُ: لا يجعلُ النيةَ المتأخرةَ متقدمةً، بل يجعلُ الإمساكاتِ التي في أولِ اليومِ مَوْقوفةً، ومُنتظَرةً إلى النيةِ إذا كانَ ذلك اليومُ متعَيناً لذلك الصَّوْم الذي نوى في أكثرِ النهارِ، كما في النفلِ بالاتفاقِ بخلافِ صومِ القضاءِ، والكفارةِ، فإنّ اليومَ ليس بمتعيَّنٍ لهُ فلا تكون الإمساكاتُ موقوفةً إلى نيتهِ، فَلما وُجِدَتْ النيةُ في مثلِ هذا الصَّوْم الذي تعيَّنَ اليومُ لهُ انقلبتْ الإمساكاتُ الموقوفةُ إلى صلاحيةِ الصَّوْم صوماً بالنيةِ كما (١) في يومِ الشكِّ، كانت الإمساكاتُ بالتلوِّمِ في أولِ يومٍ منتظرةً إلى تبينِ الأمرِ بأنهُ مِن رمضانَ أمْ لا، فإنْ تبيَن أنهُ منَ رمضانَ تنقلبُ الإمساكاتُ الموقوفةُ إلى الصَّوْم صَوماً بالنية، كما في بعضِ النهارِ عندَ التبينِ فَكذا هنا (٢)، وليسَ ببعيدٍ أنْ يْعطى للمعدُومِ الذي سَيوُجِدُ حُكْمَ الوُجودِ قبلَ وُجُودِهِ شَرعاً، ألا ترى أنهُ لم تُشَرعْ النوافلُ بعدَ انفجارِ الصُّبحِ سِوى ركعتيهِ بالحديثِ تعظيماً لِأمْرِ فرضِ الفجرِ، ويجُعلُ كأنهُ مَوجودٌ حُكماً فلمْ تشُرعْ النوافلُ سِوى ركعتين لِئلَا يلزمُ خَلَطُ النوافلِ بالمكتوبةِ التقديريةِ، وإنما لم يجُعْلْ هكذا في الصَّلَاةِ لما أنَّ لها إنْ كانت مختلفةً، فلمْ يتوقفْ فعلُ الرُّكْنِ الأولِ إلى ما يُوجَدُ في رُكْنٍ آخرَ مِنِ الشرطِ، وتكبيرةِ التحريمةِ، وإنْ لم يكنْ رُكناً لكنْ يجري مجَرى الرُّكْنِ حتى لا يصحُّ تحريمةُ فرضٍ لتحريمةِ فرضٍ آخر، فلذلك لم تكفِ النيةُ الموجودةُ في أولِ القيامِ بعدَ تكبيرةِ الافتتاحِ، وكذلكَ في الزَّكَاةِ لم يصح أيضاً لما أنهُ بعدَ الأداءِ إلى الفقيرِ تمتْ العبادةُ، والنيةُ الموجودةُ بعدَ التمامِ غيرُ كافيةٍ، وأمّا هاهنا فالصَّوْم كُلُّ مِنْ أولِ النهارِ إلى آخرِهِ ركنٌ واحدٌ، وهوَ الإمساكُ عنِ المفطراتِ الثلاثِ، والوقتُ معيارٌ، وعندَ النيةِ لم يُوجدْ تمامُ الصَّوْم، ولا حُكْمُ التمام؛ لِأنَّ الكلامَ فيما إذا لم يُوجْد أكثُر اليومِ فيجوزُ، وبخلافِ القضاءِ؛ لأنهُ توقفَ على صَوْمِ ذلك اليومِ، وهو النفلُ، أيْ: كُلّ يومٍ خارجَ رمضانَ مُتوقَفٌ على صومِ ذلك اليومِ، وهو النفلُ؛ لأنَّ النفلَ مُوجِبُ ذلكَ اليومِ، فلمْ يكنْ ذلك اليومُ متوقفاً على صومِ القضاءِ، فلذلكَ لم يصحْ صومُ القضاءِ بنيةِ في النهارِ، ويعني بصومِ اليومِ ما تعلقتْ شرعيتُهُ بمجيءِ اليومِ لا بسببٍ آخرَ مِنْ نحوِ القضاءِ، والكفارةِ (٣).

стр. 1197

وفي «الجامعِ الصغيرِ» (١): قبلَ نصفِ النهارِ، وهو الأصحُّ، أي: مِن الذي ذَكَرهُ في المختصر (٢)، والمراَدُ من انَتصافِ النّهارِ: قبلَ الضَحْوةِ الكُبرى؛ لأنَّ النهارَ في حقِّ الصَّوْم من حين طلوعِ الفجرِ فنصفُ النهارِ مِنْ ذلك الوقتِ، وقتِ الضَّحْوَةِ الكُبرى (٣)، فعلى هذا لو نَوى قُبَيلَ الزوالِ لا يجوزُ؛ لأنهُ خَلا أكثَر اليومِ عن النيةِ (٤) كذا في مختلفاتِ المغنى (٥)، ولا فَرْقَ بينَ المسافرِ والمقيمُ (٦) خلافاً لزُفَر ﵀ (٧)، وذَكَر في «المَبْسُوط» (٨): أنَّ المسافَر إذا نوى قبلَ الزوالِ، وقد قَدِمَ مَصْرَهُ أو لم يِقْدِمْ، ولم يكنْ أَكَلَ شيئاً جازَ صومُهُ عن الفرضِ عِنْدَنَا خلافاً لِزُفَر ﵀، وهو يقولُ: إنَّ إمساكَ المسافرِ في أولِ النهارِ لم يكنْ مُستحقاً لصومِ الفرضِ فلا يتَوقَفُ على وُجودِ النيةِ بخلافِ إمساكِ المقيمِ، ولنا أنّ المعنى الذي لِأجلِهِ جُوِّزَ في حقِّ المقيمِ إقامةُ النيةِ في أكثرِ وقتِ الأداءِ مقامَهُ في جميعِ الوقتِ، والمسافرُ في هذا الوقتِ أسوةُ المقيمِ، وإنَّما يفارقُهُ في الترخصِ بالفِطْرِ، ولم يترخصْ بهِ، ولِأَنَّ أداءَ العبادةِ في وقِتها مع ضربِ نُقصانٍ أولى مِن تفويتهِا عن وقتهِا، والمسافرُ، والمقيمُ في هذا سواءٌ، وبهذا فارقَ صومَ القضاءِ، فإنه دَيْنٌ في ذمتهِ، والأيامُ في حقهِ سواءٌ فلا يفوتُهُ شيءٌ إذا لم يحرزُهُ مع النقصانِ، فلهذا اعتبرنا صفة الكَمالِ فيه: وذَكَرَ الإمامُ الولوالجي (٩): أنّ صيامَ المسافرِ بالنيةِ قبلَ الزوالِ جَاْزَ؛ لأنُه كالمقيمِ إذا اختارَ تعجيلَ الواجبِ، (وهذا الضربُ مِن الصَّوْم) (١٠)، أيْ: الضَّرْبَ الذي يتعلقُ بزمانِ تعينهِ على ما ذَكَر في أولِ هذا الْكِتَاب (يتأدَّى بمُطلَقِ النيةِ) (١١) بأنْ قالَ: نَوَيْتُ الصَّوْم (١٢)،

стр. 1198

وقالَ مالكُ ﵀ (١): في الإطلاقِ إنْ كانَ يعلمُ أنَّ اليومَ مِن رمضانَ، ونوى النفلَ لم يكنْ صائماً، وإنْ كانَ لا يعلمُ جازَ صومُهُ عن النفلِ؛ لأنَّ الخطابَ بأداءِ الفرضِ لا يتوجهُ عليهِ إِلاَّ بعدَ العِلْم بهِ، وقال ابْنُ أبي لَيْلَى ﵀ (٢): إنْ كانَ يعلمُ أنَّ اليومَ منْ رمضانَ جازَ صومُهُ عن الفرضِ، وإنْ كانَ لا يعلمُ لم يكنْ صائماً؛ لأنَّ قصدَّهُ عندَ عَدَمِ العِلْم كانَ إلى أداءِ النفلِ، والنفلُ غيرُ مشروعٍ في هذا اليومِ فهو كنيةِ أداءِ الصَّوْم في الليلِ لغو لِكَوْنِهِ غيرُ مشروعٍ فيه. كذا في «المَبْسُوط» (٣). قولُه ﵀ (٤): (ونيتُهُ واجبٌ آخر) (٥) مستقيمٌ في صومِ رمضانَ، وأمَّا في النَّذْرِ المعَّينِ فلا؛ لأنهُ يقعُ عمّا نوى مِن الواجبِ إذا كانتْ النيةُ منَ الليلِ هو عابثٌ، يعني: لا يكونُ صائماً أصلاً لا فرضاً، ولا نفلاً، وفي مطلقِها له قولان: معناهُ يقُع عندِ الإطلاقِ عن فرضِ الوقتِ في قولٍ لا يقعُ عنهُ فوجهُ القولِ الذي لا يقعُ: هو أنَّ صفةَ الفرضيةِ قُرْبَةٌ كأَصْلِ الصَّوْم، فكما لا يتأدَّى أصلُ الصَّوْم إِلاَّ بالنيةِ فكذلك الصفةُ، وبانعدامِ الصفةِ ينعدمُ الصَّوْم ضرورةً، وعلى هذا إذا أطلقَ النيةَ لا يجوزُ، والثاني: (أن بنيةِ النّفلِ صارَ مُعْرِضاً عن الفرضِ) (٦) لما بينَهُما من المغايرةِ، فصارَ كإعراضِهِ بِتْركِ النية، ولا يجوزُ أن يصير ناويا للصوم المشروعِ في هذا الوقتِ بنيةِ] النفل (٧)، فإنهُ لو اعتقدَ المشروعَ في هذا الوقتِ أنهُ نَفْلٌ يَكْفُرُ، وعلى هذا إذا أطلقَ النيةَ يجوزُ؛ لأنهُ ما صارَ تعرضَ بهذه النيةِ (٨)، ولنا حديثُ علي (٩)، وعائشةَ (١٠) ﵄: أنهما كانا يصومانِ يومَ الشكِّ، وكانا يقولان: «لِأَنْ نَصومَ يوماً مِن شعبانَ أحبُّ إلينا مِنْ أنْ نُفْطَرِ يوماً مِنْ رمضانَ» (١١)، وإنما كانا يصومان بنيةِ النفلِ لإجماعِنا (١٢) على أنهُ لا يباحُ صومُ يومِ شكِّ بنيةِ الفرضِ، فلولا أنَّ عندَ التبيُّنِ يجوزُ الصَّوْم عن الفرضِ لم يكنْ هذا التحرزُ منهما مَضَى، ثُمَّ معنى القربةِ في أصلِ الصَّوْم يتحققُ لبقاءِ الاختيارِ للعبدِ فيهِ، ولا يتحققُ في الصفةِ؛ إذ لا اختيارَ لهُ فيها فلا يتُصورَ منه إبدالُ هذا الوصفِ بوصفٍ آخرَ في هذا الزمانِ، فيسقطُ اعتباُر نيةِ الصفةِ، ونيةِ] النفل (١٣) لغوٌ بالاتفاقِ (١٤)؛ لأنّ الفعلَ غيرُ مشروعٍ في هذا الوقتِ، والإعراضُ عن الفرضِ يكونُ بنيةِ النفلِ فإذا لَغَاَ نيةَ النفل لم يتحققِ الإعراضُ، وهو نظيرُ الحجِّ على قولهِ، وبهِ يَبطُل قولُهُ: إنه لو اعتقَد فيهِ أنّهُ نَفْلَ يكفرُ إذا صامَ المريضُ، والمسافرُ بنيةِ واجبٍ آخَر يقعُ عنه، أي: يقُع عمّا نوى (١٥).

стр. 1199

قلتُ: هذا الذي ذكرهُ هنا مِن تسويةِ حُكْمِ المريضِ، والمسافرِ في صحةِ نيةٍ واجبٌ آخرَ على قولِ أبي حنيفةَ ﵀ (١) موافُقٌ للإيضاح (٢)، ومبسوط شيخ الإسلام (٣)، وفتاوى الإمام الولوالجي ﵀ (٤)، وقاضي خان (٥)، ومخالف لمبسوط شمس الأئمةِ، وفَخْرُ الْإِسْلَام (٦)، وأصولهما (٧)، وذَكَرَ في مبسوطِ شمسِ الأئمةِ (٨): فأمَا المريضُ إذا نوى واجباً آخرَ فالصحيحُ أنه يقعُ صومُهُ من رمضانَ (٩)؛ لأنَّ إباحةَ الفِطْرِ لهُ عنَد العجزِ عن أداءِ الصَّوْم، فأمّا عنَد القُدرةِ، فهو والصحيحُ سواءً بخلافِ المسافرِ، ثُمَّ قالَ: وذَكَر أبو الحسن الكرخي ﵀ (١٠) أنَّ الجوابَ في المريضِ، والمسافرِ سواءٌ على قولِ أبي حنيفة وهو سهوٌ أو مُؤولَ ويرادُ به مريضٌ يطيقُ الصَّوْم، ويخافُ منهُ زيادةَ المرضِ. وذَكَرَ في الإيضاحِ وكانَ بعضُ أصحابِنَا يَفْصِلُ بينَ المُسافرِ والمريضِ (١١)، وأنهُ ليسَ بصحيح أنهَما مُتساويان (١٢)، وقد رَوَى أبو يوسفَ عن أبي حنيفةَ رحمهما اللهُ (١٣) في المريضِ نصّاً أنهُ إذا نوى التَطَوَّعَ يقعُ عن التطوعِ، واللهُ أعلمُ (١٤).

стр. 1200

(لتحتمهِ للحال، وتخيرِهِ في صومِ رمضانَ) (١)؛] لأنَّ القضاءَ لَازِمُ للحالِ فَيُؤَاخَذُ بهِ (٢)، وصومُ رمضانَ لا يلزَمُ ما لم يُدْرِكِ العدةَ حتى إذا ماتَ قبلَ الإدراكِ ليسَ عليهِ شيءٌ، وعنهُ في نيةِ التطوعِ روايتان، أيْ: في روايةٍ يقعُ عن فرضِ الوقتِ لما ذُكر في الكتابِ: (أنهُ ما صرفَ الوقتَ إلى الأهَمِّ) (٣)، وهو إسقاطُ الفرضِ عن ذمتِهِ، وإنما قصدَ تحصيلَ الثوابِ، والثوابُ في الفرضِ أكثرُ، ولِأَنَّ صومَ النفلِ يستغنى عن ذكرِ النَّفل، فكان التقييدُ بالنفلِ لُغواً، فيلحقُ بمُطلقِ النيةِ، وفيهِ يقعُ عن الفرضِ فكذا هنا، وفي روايةٍ: يقعُ عمّا نَوى مِنَ النفلِ؛ لأنَّ رمضانَ في حقِّ المسافرِ كشعبانَ في حقِّ المقيمِ على معنى أنهُ مخُيرٌ بيَن أنْ يصومَ أو يُفْطِرَ، فلذلك يقعُ عمّا نَوى سواءً كانَ نفلاً أو واجباً، وصومُ الكفارةِ، وهي كفارةُ اليمينِ، والظهارِ، وكفارةِ القتلِ، وجزاءِ الصيدِ، والحلقِ، والمتعةِ، وكفارةِ رمضانَ،/ وكذلك النَّذْرُ المطلقُ أيضاً لا يَصَحَّ إِلاَّ بنيةٍ من الليلِ، كذا في الفتوى (٤)، والنفلُ كُلُّهُ تجوزُ نيتُهُ قبلَ الزوالِ (٥)، أيْ: قبلَ انتصافِ النهارِ سواءً كانَ مُسافراً أو مُقيماً (٦)، فإنهُ يتمسَّكُ بإطلاقِ ما رَوَيْنَا، وهو قولهُ ﵊: «لا صِيامَ لمَنِ ْلم يَنْوِ الصِّيَام مِنَ الليل» (٧)، ولنا قولُه ﵊ بعدَ ما كانَ يصِبحُ غيرَ صائِمٍ: «إني إذاً صائِمٌ»، عن عائشةَ ﵂: أنّ رسَولَ اللهِ ﵊ كانَ يدخلُ على نِسائِهِ، ويقولُ: «هَلْ عْنِدَكُنَّ مِنْ غَدَاْء» فإنْ قُلْنَ: لَاْ، قالَ: «إني إذاً لصائِمٌ» (٨)، وفي حديِث عاشوراءَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «ومَنْ لم يأكلْ فَلْيَصُمْ» (٩)، فإنَّ كانَ صومُ عاشوراءَ نفلاً فهو نصٌّ، وإنْ كانَ فرضاً فجوازُ الفرضِ بنيةٍ مِنَ النهارِ دَليِلٌ على جوازِ النفلِ بها بالطريقِ على ما ذكرنا، هو قولُه، ولأنهُ يومُ صومٍ فيتوقفُ الإمساكُ في أولِهِ على النيةِ المتأخرةِ المقترنَةِ بأكثرِهِ كِالنفلِ (١٠).

стр. 1201

فَصلٌ في رؤيةِ الهلالِ [رؤية الهلال] وينبغي للناسِ أنْ يلتمسوا الهلالَ في اليومِ التاسعِ والعشرينَ (١)؛ لأنَّ الشهرَ قد يكونُ تسعةً، وعشرينَ يوماً قال ﵊: «الشهرُ هكذا، وهكذا، وهكذا، وهكذا، وأشارَ بأصابعهِ، وخُنْسِ إبهامِهِ في الثالثةِ» (٢) [خنُسِ ابهامهِ أيْ قَبَضَ بها [، وقال عبُد اللهِ بنُ مسعود ﵁: «ما صمنا على عهدِ رسولِ اللهِ ﵊ رمضانَ تسعةَ وعشرين يوماً أكثَر مما صمنا ثلاثينَ يوماً» (٣)، وهكذا عن عائشةَ ﵂ (٤)، كذا في «المَبْسُوط» (٥). فإن رَأَوهُ صاموا لكنْ بنفسِ رُؤْيةِ هلالِ رمضانَ يتحققُ شهودُ شهرِ رمضانَ، فَعندَ شُهودِهِ يثبتُ وُجوبُ الصَّوْم؛ لقولهِ ﵊: «صوموا لرؤيته» (٦) ليكونَ الحسيُّ مضافاً إلى الحسيِّ، والمعنويِّ إلى المعنويِّ، ولا يصومونَ يومَ الشك (٧)، فيومُ الشكِ هو اليومُ الآخرُ من شعبانَ الذي يحُتملُ أنهُ أولُ رمضانَ أو آخرُ شعبانَ (٨).

стр. 1202

وفي «المَبْسُوط» (١): إنما يقُع الشكُّ من وجهين: إمّا أنْ يَغُمَّ هِلالُ شعبانَ فوقعُ الشكُّ في اليومِ الثلاثينَ أنهُ مِن رمضانَ، وإمّا أنْ غَمَّ هِلالُ شعبانَ فوقعُ الشكُّ أنهُ اليومُ الثلاثون، أو الحادي والثلاثون. [صيام يوم الشك] وفي «الفوائدِ» (٢) /: يومُ الشكِّ هو اليوم ُالذيَ يَتِمَّ به ثلاثون (٣) من المستهلِ، ولم يَهُلْ الهلالُ ليلتَهُ لاستتارِ السماءِ بالغمامِ. وذَكَر شَيْخُِ الإسْلَامِِ في المَبْسُوط (٤): اعلمْ بأنَّ صومَ هذا اليومِ لا يخلو مِن سبعةِ أوجهٍ: أنْ ينويَ أنْ يصومَ فيه التطوعَ بِناءً، أو ابتداءً عن رمضانَ، أو عن رمضانَ إنْ كانِ مِنَ رمضانَ، [وعن التطوع إنْ كانَ من شعبانَ، أو عن رمضانَ، ولا يصومُ إنْ كانَ من شعبانَ، أو عن رمضانَ إنْ كانَ مِن رمضانَ]، وعن واجبٍ آخَر عليهِ إنْ لم يكنْ مِن رمضانَ، أو عن واجبٍ آخرَ عليه ابتداءً، والأقسامُ كلهُّا مذكورةٌ في الْكِتَابِ إِلاَّ أنُه لم يذكرْ التطوعَ البنيان باسْمٍ على حِدَةٍ، ولكنْ ذَكَرُه أيضاً، ولا الوجهَ السابعَ باسْمٍ على حِدَةٍ، ولكنْ ذَكَره أيضاً، وهو قولُه: وإنْ نوى عن رمضانَ إنْ كانَ غداً منه، وعن التطوع إنْ كانَ مِن شعبانَ فوجْهُ الحضرِ في الخمسةِ المذكورةِ ظاهرٌ، وهو أنهُ لو نوى صومَ يومِ الشكِّ لا يجوز، إمّا أنْ يكونَ متردداً في النيةِ، أو كانَ متردداً فيها، فإن لم يكنْ مُتردداً كانَ قاطعاً في النيةِ، ثُمَّ بعدَ ذلك قطعه لا يجوز، إمّا أنْ كانَ في الذي عليهِ، أو في الذي ليسَ عليهِ فإنْ كانَ في الذي عليهِ فلا يجوز أمْ إنْ كانَ في الوقتي أو غيرِ الوقتي فالأولُ هوَ الوجهُ الأولُ، والثاني هو الوجهُ الثاني، وإنْ كانَ في الذي ليسَ عليهِ فهوَ الوجهُ الثالثُ، وإنْ كانَ متردداً فلا يخلو، أما إنْ كانَ الترددُ في أصلِ النيةِ أو في وضعِها، فإنْ كانَ في أصلِها فهو الوجهُ الرابعُ، وإنْ كانَ في وصفِها فهو الوجهُ الخامسُ (٥).

стр. 1203

قولُه ﵀: (لأنّهُ في معنى المظنونِ) (١)، ولم يَقُلْ: لأنهُ مظنونٌ؛ لأنَّ حقيقةَ المظنونِ أنْ يَثْبُتَ له الظَّنُ بعدَ وُجوبِهِ بيقينٍ، والحالُ أنهُ قد أدَّاهُ فشرعَ فيهِ على ظَنٍّ أنهُ لم يُؤَدِّهِ، ثُمَّ عَلِمَ أنهُ أدّاهُ، وأمّا هاهنا فلمْ يَثْبُتْ وجوبُهُ بيقينٍ، فلمْ يكنْ هو مظنوناً حقيقةً إِلاَّ أنهُ في كُلِّ واحدٍ منهما شُرِعَ مُسْقِطاً للواجبِ عندَه لا مُلزماً كانَ كُلُّ واحدٍ منهما في معنى الآخرِ لمِا روينا، وهو قولُه ﵊: «لا يُصامُ اليومُ الذي يُشكُّ فيهِ أنهُ مِن رمضانَ إِلاَّ تطوعاً» (٢) فهو بعمومِهِ مُتناولٌ] كُلَّ يومٍ (٣) سوِى التطوعِ بالنَّهيِ، وهذا كذلك إِلاَّ أنَّ هذا دونَ الأولِ في الكراهةِ لاستلزامِ الأولِ التشُّبهَ بأهلِ الكتابِ دونَ الثاني؛ (لأنهُ منهيٌ عنه فلا يتأدَّى بهِ الواجبُ) (٤) اعتباراً بصومِ يومِ العيدِ (٥). والأصحُ: أنهُ ينوبُ عمّا نوى؛ لأنهُ/ يومٌ يجوزُ فيهِ التطوعُ بخلافِ يومِ العيدِ، وأصلُ الكراهةِ لا يمنعُ الجوازَ كالصَّلَاةِ في الأرضِ المغصوبةِ، ولأنهُ قد أدَّى الواجبَ في شعبانَ فيجوزُ، وهو الأصحُّ احترازاً عن القولِ الأولِ؛ لأنَّ المنهَي، أيْ: المنهَي عنُه، وهو التقدمُ على صومِ رمضانَ بصومِ رمضانَ لا يقومُ كُلُّ صومِ، أي: كراهة صومِ يومِ الشكِ بسببِ التقدمِ على رمضانَ يَصومُ للحديثِ الذي يَرويهِ بعدَ هذا، وهو قولُه ﵊: «لا تتقدموا بصومِ يومٍ، ولا بصومِ يومين» (٦)، وذلك المنهيُّ عنهُ إنما يُوجدُ أنْ لو صامَ يومَ الشكِّ بصومِ رمضانَ هذا، ولا يُوجدُ بصومِ القضاءِ، والكفارةِ، ولا بصومِ التطوعِ، فينبغي على هذا الطريقِ أنْ لا يُكرهَ أصلاً بصومِ واجبٍ آخرَ؛ لانعدامِ هذا المعنى إِلاَّ أنَّ استثناءَ الكراهةِ لتناوُلِ عُمومِ نفي حديثٍ آخَر لقولهِ: «لا يُصامُ اليوُم الذي يُشكُّ فيهِ» (٧) بخلافِ صومِ يومِ العيدِ، قال: وذلك مكروهٌ، أيُّ صومٍ كانَ، لما أنّ معنى النهي هناك تركُ إجابةِ دعوةِ الله تعالى، وهو يُوجدُ بِكلِّ صوم منْ صَوْمِ التطوعِ، والقضاءِ أو الكفارةِ بخلافِ ما نحن فيهِ، فلما افترقَ المعنيانِ في النَّهي في صومِ يومِ الشكِّ، وصومِ يومِ العيدِ افترقَ الحكمانِ أيضاً (٨).

стр. 1204

قولُه ﵀ (١): (لا يقومُ بكُلِّ صومٍ)، أيْ: لا يُوجدُ بُكلِّ صومِ، بل يُوجدُ بصومِ رمضانَ هذا لا غيرَ، فالمرادُ من القيامِ الوجودِ، والمرادُ بقولهِ ﵊ إلى أنْ قالَ: التقدمُ بصومِ رمضانَ؛ وذلك لأنّ قبلَ الشهرِ وقتٌ للتطوعِ، فلا يصيرُ مُتقدماً بالتطوِّعِ، فخرجَ الجوابُ عن قولهِ: لا تتقدوا بصومِ يومٍ إِلاَّ أنْ يوُافِقَ صومَ أحدِكُمْ كانْ يصَومُهُ، فإنَّ النبيَّ ﵊ أباحَ بشرطِ أنْ يكونَ بناءً لا ابتداءً (٢). قلت: أليسَ فيه نفي الإباحةِ إذا كانَ ابتداءً، بل هو مسكوتٌ عنه فيكونُ موقوفاً إلى قيامِ الدليلِ، وقد قامَ الدليلُ، وهو النَّص المطلقُ، وهو قولُهُ ﵊: «لا يُصامُ … » (٣) الحديث، والمذهبَ عِنْدَنَا أن المطلقَ لا يحُملُ على المقيدِ (٤). وأمّا قولُهُ: «مَنْ صَامَ يومَ الشكِّ فقد عصى أبَا القاسِم» (٥)، قلنا: هذا نصٌّ محُتَمَلُ يحتمل النهَي عن الفرضِ (٦)، وعن التطوعِ (٧)، وما روينا مُفِسرُ في إباحةِ التطوعِ؛ لأنه إثباتٌ من النفي، وكان أولى (٨)، كذا وجدْتُ بخطِّ الأستاذِ (٩) ﵀ (١٠) محالاً إلى مختلفات المغني، والمراد من قوله: على سبيل الابتداء هو] أنْ لا يكونَ (١١) له اعتبارُ صومِ يومِ الخميسِ مثلاً فاتفقَ يومَ الخميس كونه يومَ الشكِّ فصامَهَ، والمرادُ بالموافقةِ: أن يعتادَ صيامَ الجمعةِ، أو الخميسِ، أو الاثنينِ، أو يصوم كَلَّ الشهرِ، أو يصوم عشرةِ من آخره، أو ثلاثةً فصاعداً كذا ذَكَره فَخْرُ الْإِسْلَام (١٢).

стр. 1205

قولُه ﵀ (١): (ويفتي العامةُ بالتلَوُّمِ) (٢)، والفاصِلُ بين الخاصةِ والعامةِ هو أنَّ كُلَّ مِنْ يَعَلمُ نيةَ صومِ يومِ الشكِّ فهو مِن الخواصِ، وإِلاَّ فهوَ مِن العوامِ، والنيةُ أنْ ينويَ التطوعَ مِنْ لا يعتادُ الصَّوْم، ولا يخطرُ ببالهِ أنهُ إنْ كانَ مِن رمضانَ فعن رمضانَ نفياً للتُّهمةِ، أي: تهَمةِ الروافضِ (٣). وذَكَر في «الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة» (٤): لا خلافَ بينَ أهل السنةِ والجمَاعةِ (٥): أنه لا يُصامُ اليومُ الذي يُشكُّ فيه أنهُ من رَمضانَ عنْ رمضان، وقالتْ الروافضُ: إنْ يُصامُ يومُ الشكِّ عن رِمضانَ. وذَكَر الإمامُ الكشاني ﵀ (٦): بأنُه لو أفتى للعامةِ بأداءِ النفلِ فيهِ عسى يقعُ عندَهُمْ أنهُ خالفَ رسولَ الله ﵊ حيثُ نهى رسولُ اللهِ ﵊ عن صومِ يومِ الشكِّ، وهو أطلقُه أو يقعُ عندَهُمْ أنهُ لما جازَ النفلُ يجوزُ الفرضُ، بل أولى، فلا ينبغي أنْ يفتيَ لهم بِذّلكَ (٧)، وذَكَر فَخْرُ الْإِسْلَام في هذا حكاية أبي يوسفَ ﵀ (٨)، وهي: ما رَوى أسدُ بنُ عمرو ﵀ (٩) أنه قالَ: أتيتُ بابَ الرشيدِ (١٠)، فأقبلَ أبو يوسفَ القاضِي، وعليه عِمامةٌ سودَاءَ، ومُدِرَعةٌ سوداءَ وصف أسود، وهو راكبٌ فرساً أسوداً عليه سرجٌ أسودٌ، ولِبَدٌ أسودٌ، وما عليهِ شيءٌ مِنَ البياضِ إِلاَّ لحيتهٌ البيضاءُ، وهو يومُ الشكِ فأفتى الناسَ بالفِطْرِ، فقلتُ له: أتفطِرُ أنتَ، فقالَ: ادنُ إليَّ، قال في أذني: إني صائِم (١١)، وإنما يُفتيِ بالفِطْرِ بعد التلوُّمِ زماناً لمِاَ رُوِيَ عن النبيِّ ﵊ أنهُ قالَ: «أصبحوا يومَ الشكِّ مفطرين متلومِينَ» (١٢)، (والرابع: أنْ يضجِعَ في أصلِ النيةِ) (١٣)، التضجْيِعُ في النيةِ الترددُ فيها بأنْ لا يبيُّتها مِن ضَجَعَ في الأمِر إذا وَهَنَ فيه، وقَصَر كذا في «المُغْرِب» (١٤).

стр. 1206

(كما إذ نوى أنهُ وجَدَ غداءً يُفطِرُ، وإن لم يجدْ يصوم) (١) لم يجْز الصَّوْم بحال؛ لأن العزيمة لم تُوجَدْ، ولهذا قلنا: فِيْمَنْ تركَ صلاةً/ وَاحدةً، وقد نسيها أنهُ إنْ صلَّى أربعَ ركعاتٍ يقعُدُ في الثانيةِ، والثالثةِ، وينوي ما عليهِ لم يجزّهُ؛ لأنَّ الصلواتِ مختلفةٌ، ولم يغرمْ على شيءٍ منها، فلمْ تصحَّ الصَّلَاةُ (٢). كذا ذَكرهُ فَخْرُ الْإِسْلَام ﵀ (٣) لتردُدِهِ بينَ أمرين مكروهين، وهما: صومُ رمضانَ، وصومُ واجبٍ آخرَ إِلاَّ أنَّ كراهةَ أحدِهما أشُّد من الآخرِ لشروعهِ فيه مسقطاً لا ملزماً؛ لأنَّ الكلامَ فيما إذا نوى عن واجبٍ آخرَ على تقدير، وعن فرضِ رمضانَ على تقدير، فكان مسقطاً للواجب عن ذمته، ثُمَّ إنْ ظَهرَ أنهُ مِن رمضان أجزاءَهُ عنه لما مر، وهو قولُه: لِعَدمِ الترددِ في أصل النيةِ، ومن المشايخِ مَنْ قالَ: إذا ظهرَ أنهُ مِنْ رمضانَ لا يكونُ صائماً عنْ رمضانَ، ورُوِيَ ذلك عن مُحَمَّد ﵀ (٤) قالوا: هذا بناء على ما ذُكِر في «الجامع الكبير» (٥) إذا كبّرَ ينوي الظهرَ، والتطوعَ على قول أبي يوسف يصير شارعاً في الظهرِ، وعلى قولِ مُحَمَّد لا يصيرُ شارعاً في الصَّلَاةِ، كذا ذَكَرُه قاضي خان (٦). وَمَنَ رأى هِلالَ رمضانَ وَحَدْه صامَ، وإنْ لم يَقْبَلْ الإمامُ شهادتَهُ (٧)، أيْ: رأى (هلالَ) (٨) رمضانَ وحدَهُ، والسماءُ مُصحيةً لا يَقْبَلُ الإمامُ شهادَتْهُ، وعن أبي حنيفةَ ﵀ (٩) يقبلُ؛ لأنهُ اجتمع في هذهِ الشهادةِ ما يُوجبُ القبولَ، وهي العدالةُ، والإسلامُ، وما يُوجِبُ الرُّد، وهو مخالفةُ الظاهرِ، فترجَّحَ ما يوجبُ القبولَ احتياطاً؛ لأنه إذا صامَ يوماً منْ شعبانَ كانَ خيراً مِنْ أنْ يفُطِرَ يوماً مِنْ رمضانَ وجهُ ظاهرِ الروايةِ اجتمع ما يُوجبُ القبولَ، وما يُوجِبُ الردَّ فترجَّحَ جانبُ الرِّد؛ لأنَّ الفِطْرِ في رمضانَ مِنْ كُلِّ وجهٍ جائزٌ بعذرٍ كما في المريضِ، والمسافرِ، وصومِ رمضانَ قبلَ رمضانَ لا يجوز بعذرٍ من الأعذارِ، فكان المصيرُ إلى ما يجوزُ بُعذرِ أولى (١٠)، كذا ذَكَره الإمامُ الولوالجي ﵀ (١١). وفي «المَبْسُوط» (١٢): وإنما يردُّ الإمامُ شهادَتَهُ إذا كانتْ السماءُ مُصحيةً، وهو من أهلِ المِصْر، فأمّا إذا كانتَ السماءُ متغيمةً، أو جاء من خارجِ المِصْرِ، أو كانْ من مَوْضِعِ نشز، فإنهُ تُقبلُ شهادتُه عِنْدَنَا (١٣)، فإنْ قيلَ: جَمَعَ مُحَمَّد ﵀ في هذهِ المسألةِ بين الشُّبهةِ، واليقينِ، فقال: لا كفارةَ عليهِ (١٤)؛ لأنهُ أفطرَ عن شُبْهةٍ، ويلزمُهُ الصَّوْم؛ لأنهُ استيقنَ أنَّ هذا اليومَ منْ رمضانَ، والشبهةُ قيدَ اليقينِ، فلا يتحققُ الجمعُ بينهما.

стр. 1207

قلنا: جَمَعَ بينهما في حقِّ حُكْمينِ مختلفينِ لا في حقِّ حُكْمِ واحدٍ، والممتنعُ في حُكْمٍ واحدٍ نظيرُ هذا ما قالوا فيمنَ اشترى أختَهُ مِنَ الرَّضاعةِ، فالوطئُ حرامٌ بيقين في حقِّ الاستيفاءِ، ومع ذلك لو وَطَئَهاْ لا يجبُ عليهِ الحدُّ للشُّبهةِ، فالوطئُ حرامٌ بيقينٍ بالنَّصِّ القَطْعِيِّ، ولكنْ مُلْكُ الرقبةِ أورثَ شُبهة في حقِّ الحدِّ، فَجمعَ بينَ الشبهةُ، واليقينِ في حقِّ حُكْمينِ مختلفين (١) كذا هنا؛ لأنهُ أفطرَ في رمضانَ حقيقةً، وتحريُر نُكْتَتِهِ هو أنْ يقولَ: إنهُ أفطرَ في يوم مِنْ رمضانَ بِلَاْ شُبْهةٍ، فوجبَ أنْ تلزمَهُ الكفارةُ قِياساً على اليومِ الثاني، وقولنا في يومٍ مِنْ رمضانَ بدليلِ الحقيقةِ، والحُكْمُ إمّا لحقيقةٍ، فلأنهُ رأى الهلالَ، وأمّا الحُكْمْ فلأنهُ يلزَمُ الصَّوْم، وقولنا: بلا شُبهةٍ؛ لأنَّ موضوعَ المسألةِ فيما إذا تَيقَّنَ بِرُؤْيَةِ الهلالِ، ولنا أنَّ هذا مُفْطِرٌ عن شُبهةٍ فلا تلزمُهُ الكفارةُ قِياساً على مَا لو تَسحَّرَ، وهو لا يعلمُ بِطلُوعِ الفجرِ؛ لأنَّ هذهِ الكفارةَ مخصوصةٌ منِ بين نظائِرِهَا فيما يَدرأ بالشّبهاتِ كالحدودِ، وهذا كلامٌ لا إِشْكَالَ فيهِ لكنَّ الشاذةَ في إثباتِ الشُّبهةِ، وعليهِ دليلان: أحدهُمُا أنَّ الإمامَ رَدَّ شهادَتَهُ، وقضى بأنها كُذِبٌ بدليلٍ شَرعي أوجبَ ذلك؛ لأنَّ موضوعَ المسألةِ فيما إذا كانتْ السماءُ مُصُحيةً، ولم يجئْ مِن مكانٍ آخرَ، ومتى كانتْ الحالةُ هذهِ، فهوَ وسائِرُ الناسِ في الرُّؤيةِ سواءً، وإذا تكنْ شُبهةُ الغَلَطِ، فقلنا: بأنهُ لا تلزمُهُ الكفارةُ لمِا أنَّ القضاءَ أوجبَ شُبهةَ كَذِبَ الشَّهادةِ، وإنْ قامَ عِندَ الشاهِد دليلُ فَسادِ القضاءِ، ألا ترى أنّ شهوداً لو شَهِدُوا بالقَصاصِ على رجلٍ قضى به القاضي فقتلَهُ الوليُّ، وهو يعلمُ أنَّ الشهودَ كَذَبَه، ثُمَّ جِيءَ المشهودُ بقتلهِ حيّاً فلا قِصاصَ على الوليِّ عندَنا، الشبهةُ الثانيةُ بالقضاءِ؛ لأنهُ قضى بدليلٍ ظاهرٍ أوجبَ الشرعُ العملَ بهِ، فأوجبَ الشُّبهةَ في حقِّ الوليِّ، وإنْ كانَ اليقينُ أنهُ مخُطِئٌ، والثاني أنَّ هذا اليومَ فيهِ شُبهةُ يومِ شعبانَ، وشُبهةُ إباحةِ الفِطْرِ؛ لأنّ الناسَ/ سواء لا يلزمُهم صومُ هذا اليومِ لا أداءً، ولا قضاءً، ويومُ رمضانَ لايج عن أحدِهما لقولهِ ﵊: «صومُكم يومَ تصومونَ، وفطِرْكُم يومَ تُفطرون» (٢) معناه: وقتُ صومِكم المفروضِ يومَ يصوُم الناس، ووقْتُ فِطْرِكُمْ يومَ يُفِطرُ الناسُ، ليسَ المرادُ منهُ نفسُ الصَّوْم؛ لأنَّا نعلمُ يقيناً أنَّ نفسَ صومِنَا إنما يكونُ إذا صِمْنَا، وأنهُ حتى لا يحُتَاجُ فيه إلى البيانِ، وإنما الاحتياجُ للحِكْمِيِّ، وهوُ شهرُ الصَّوْم فإنهُ يَثْبتُ شَرعاً لا بفعل الناسِ، فبيّنَ النبيُّ ﵊ أنَّ شهرَ الصَّوْم يومَ يصومُهُ الناسُ، أيْ: يومَ يكونُ يومَ يصومُ الناسُ: أيْ: أنهُ لا يتحرَّى ثبوتهُ في حقِّ البعضِ دُونَ البعضِ، فهذا دليلٌ على أنَّ هذا لا يكونُ صوماً لهذا الرجل لما لم يكنْ يومَ صومِ الناسِ حيثُ لم يلزمْهم أداءٌ، ولا قضاءٌ، فلما كانَ هذا اليومَ يومَ الفِطْرِ في حقِّ الناسِ وجبَ أنْ يكونَ يومُ الفِطْرِ في حقِّ هذا الرجلِ أيضاً عملاً بظاهرِ هذا النصِّ، وإنْ لم يكنْ يوماً للفِطْرِ حقيقةً في حِّقهِ لمِعارضَةِ نَصٍّ آخرَ، وهو قوله: «صوموا لِرؤيته» (٣) فلا أقلَّ مِنْ أن يورثَ شبهةَ الإباحةِ فيما يُدَرأُ بالشُّبهاتِ، فمَنَ سَلَكَ هذه الطريقةَ قالَ: بسقوطِ الكَفارةِ قبلَ القضاءِ وبعدَهُ، والطريقةُ الأُولى تخصُّ ثبوتَ الشبهةِ بعدَ القضاءِ، وعن هذا اختلفَ المشايخُ فيهِ كذا في «الْأَسْرَارِ» (٤)، ومَبْسُوطِ شيخِ الإسلام (٥).

стр. 1208

(ولو أفَطَرَ قبلَ أنْ يَرُدَّ الإمامُ شهادَتَهُ اختلفَ المشايخُ فيهِ) (١)، أي: في وجُوبِ الكفارةِ، والصحيحُ (٢): أنهُ لا تجبُ عليه الكفارةُ (٣) كذا في فَتَاوَى قَاضِي خَانْ (٤)، وهذهِ الكفارةُ تندرِئُ بالشُّبهاتِ بدليلِ أنها لا تجبُ على المعذورِ والمخِطئِ، وإنما تجبُ على مَنْ تعمَّدَ الفِطْرِ بخلافِ سائرِ الكفاراتِ، فإنها تجبُ على المعذورِ والمخِطئِ، فُعِلمَ أنَّ هذهِ الكفارةِ أُلْحِقَتْ بالعقُوباتِ، وهي لا تثبتُ مع الشبهاتِ، (ولو أكملَ هذا الرجلُ ثلاثين يوماً لم يُفْطِرْ إِلاَّ مع الإمامِ) (٥) والجماعةِ، ولعلَّ الغلطَ وقعَ لهُ كما رُوِيَ في حديثِ عُمرِ ﵁: «أنهُ أمرَ الذي قالَ: رأيتُ الهلالَ أنْ يمسحَ حاجبيهِ بالماءِ، ثُمَّ قال: أينَ الهلالُ؟ فقالَ: فقدتُهُ، فقالَ: شعرةٌ قامتْ من حاجبكَ فحسِبْتها هِلالاً» (٦)، وإنما أمرنا بالصَّوْم في الابتداءِ احتياطاً مِنْ غيرِ أن يحكُمَ أنَّ اليومَ مِنْ رمضانَ، فالاحتياطُ هاهنا في أنْ لا يُفِطرَ إِلاَّ مع الجماعةِ، كذا في «المَبْسُوط» (٧). [شهادة الواحد] وفي إطلاقِ جوابِ الكتُّابِ، وهو قولُه: قبلَ الإمامِ شهادةُ الواحدِ العدلِ (٨)، وهو ظاهرُ الروايةِ (٩)؛ لأنهُ خبرٌ، أي: أنهُ خبرٌ وليسَ بشهادةٍ، ولهذا لم يختصْ بلفظِ الشهادةِ، ولِأَنَّ شهادةَ العبدِ هاهنا مقبولةٌ، وإنْ لم يكنْ للعبدِ شهادةٌ حتى لا ينعقِدَ النكاحُ بشهادتِهِ فلأنْ يقبلَ شهادةَ المحدودِ بعدَ التوبِة، والنكاحُ ينعقِدُ بشهادتِهِ أولى، ولِأَنَّ الصحابةَ كانوا يقبلونَ رِوايةَ أبي بَكْرةَ (١٠) بعدما أُقِيمَ عليهِ حدُّ القذفِ (١١)؛ لأن شهادته من وجهٍ من حيثُ إنَّ وجوبَ] العملَ إنما (١٢) كانَ بعدَ قضاءِ القاضي منْ حيثُ اختصاصهِ بمجلسِ القضاءِ، ومنْ حيثُ اشتراطِ العدالةِ، والحجةِ عليهِ ما ذكرنا (١٣)، وهو قولُه: (لأنهُ أَمْرٌ ديني، ثُمَّ إذا قَبِلَ الإمامُ شهادةَ الواحدِ، وصاموا ثلاثينَ يوماً لا يُفطرون) (١٤)، أي: وصاموا ثلاثين يوماً، فلم يَرَوْا الهلالَ لا يفُطرونَ (١٥) إلى أنْ يتيقنوا بانسلاخِ رمضانَ للأخذِ بالاحتياطِ في الحالتينِ، وعن مُحَمَّد ﵀ (١٦): أنهم يفُطرون، (ويثبتُ الفِطْرِ بناءً على ثُبوتِ الرمضانيةِ بشهادةِ الواحدِ، وإنْ كان لا يثُبتُ بها ابتداءً) (١٧)؛ لأنَّ الشيءَ قد يثبتُ في ضِمْنِ شيءِ، وإنْ كانَ لا يثبتُ ابتداءً كبيعِ الطريقِ، والسّرِبُ (١٨) يصحَّ في ضمنِ بيعِ الأرضِ، وإنْ كانَ لا يصحَّ ابتداءً، وله نظائرٌ (١٩).

стр. 1209

وفي «المَبْسُوط» (١): قال ابنُ سماعةَ: فقلت لمحمدٍ: كيفَ تُفطرونَ بشهادةِ الواحد؟ فقال: لا تُفطرونَ بشهادةِ الواحدِ، بل بحُكْمِ الحاكِمِ؛ لأنهُ لَمَّا حَكَمَ بِدُخولِ شَهرِ رمضانَ، وأَمَرَ الناسَ بالصَّوْم، فَمِنْ ضرورتِه الحكمُ بانسلاخِ رمضانَ بعدَ مُضي ثلاثين يوماً، فالحاصلُ: أنَّ الفطرَ هاهنا مما تفضي إليهِ الشهادةُ لا أنْ يكونَ ثابتاً بشهادةِ الواحدِ، وهو نظيرُ شهادةِ القابلةِ على النسبِ، فإنها تكون مقبولةً، ثُمَّ يفضي ذلك إلى استحقاقِ الميراثِ، والميراثُ لا يثبتُ بشهادةِ القابلةِ ابتداءً، (كاستحقاقِ الإرثِ بناءً على النسبِ الثابتِ بشهادةِ القابلةِ) (٢)، وهذا الاستشهادُ إنَّما يصحُّ على قولهِما دونَ قولِ أبي حنيفةَ ﵀ (٣)، كذا ذكره في «الإيضاحِ» (٤)، وفي المنظومةِ: لو شَهِدَتْ قابلةٌ بالولدِ لم يُعتبرْ ذلك بلا مُؤيدٍ، وهو/ فراشُ قائمٍ، أو ما ظهرَ من حِيَلِ، أو اعترافٌ قد صَدَرَ، وإذا لم يَكُنْ بالسماء عِلّةٌ لم تُقبلْ الشهادةُ حتى يراهُ جَمْعٌ كثيرٌ، أي: في هلالِ رمضانَ، وكذلك الحكمُ أيضاً في هلالِ الفِطْرِ عنَد عَدَمِ العِلَّةِ بالسماءِ إِلاَّ أنَّ سُوقَ الكلامِ هاهنا لهلالِ رمضانَ. وعن أبي يوسفَ ﵀: خمسونَ رجلاً اعتباراً بالقسامة، وعن خلف بن أيوب ﵀ (٥): أنهُ قال: خمسُمائةٍ ببلخٍ قليلٌ، (وإليهِ الإِشارةُ في كتابِ الاستحسانِ) (٦)، ولفظُ كتابِ الاستحسان: فإنْ كانَ الذي شَهِدَ بذلك في المِصْرِ، ولا عِلَّةَ في السماءِ لم تُقبلْ شهادتُهُ؛ لأنَّ الذي يقعُ في القلبِ مِنْ ذلك أنهُ باطلٌ (٧).

стр. 1210

قلتُ: فكانَ تخصيصَهُ بالمِصْرِ، ونفي العِلَّةِ في عَدَم قُبولِ الشهادةِ دليلاً على قبولِ الشهادةِ إذا كانَ الشاهدُ خارجَ المِصْرِ، وكانَ في السماءِ عِلَّةٌ، وذَكَر في الاستحسانِ (١) بعدَ هذا (٢)، وكذا ذَكَر الطَّحَاوِيِّ في كتابهِ (٣)؛ لأنهُ يتفقُ من الرؤيةِ في الصحاري ما لا يتفقُ في الأمصارِ لما فيها من كَثْرةِ الغُبارِ، (وكذلكَ إذا كانَ في المِصْرِ على مكانٍ مُرتفعٍ) (٤)، فقدْ يتفقُ لهُ مِنَ الرؤيةِ ما لا يتفقُ لمِنْ دُوَنهُ في الموقفِ (٥)؛ لأنهُ تعلَّقَ به نَفْعُ العبدِ، وهو الفِطْرُ، وتُشْتَرطُ فيهِ الحرية، (٦) وكما تُشترطُ فيهِ الحريةُ والعددُ ينبغي أن يُشترطُ فيه لفظُ الشهادة (٧). وأما الدعوى فينبغي أنْ لا تُشترط كما لا يشترطُ في عَتْقِ الأَمةِ، وطلاقُ الحرَّةِ عندَ الكُّلِ (٨)، وعتقُ العبدِ في قولِ أبي يوسفَ، ومحمد (٩)، وأمّا على قياسِ قولِ أبي حنيفةَ ﵀ (١٠) فينبغي أن تُشترط الدعوى في هلالِ الفِطْرِ، وهلالُ رمضانَ كما في عتقِ العبدِ عند القضاءِ دونَ الكفارةِ، كذا في التجنيس (١١). قولُه ﵀: وهو الأصحُّ احترازاً عمّا رُوِيَ عن أبي حنيفةَ ﵀ في النوادرِ (١٢): بأنَّ الشهادةَ على هلالِ الأضحى كالشهادةِ على هلالِ رمضانَ (١٣) لما يتعلقُ بها مِن أَمْرِ ديني، وهو ظُهورُ وقتِ الحجِّ (١٤).

стр. 1211

قولُه ﵀ (١): (لأنهُ تعلَّقَ به نفعُ العبادِ) (٢) دليلُ الأصحِّ، وإنْ لم يكنْ بالسماءِ عِلَّةُ لم تقبلْ إِلاَّ شهادةُ جماعةٍ (٣) (٤)، أي: في هلالِ الفِطْرِ، وكذلك الحُكْمُ في هلالِ رمضانَ أيضاً إِلاَّ أنَّ سوقَ الكلام هِاهنا في حقِّ هلالِ الفِطْرِ كما ذكرنا إشارةُ إلى قولهِ (٥)؛ لأنّ التفردَ بالرؤيةِ إلى آخره ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ (٦) ذَكَرَهُ في «الكَشَّاف» (٧): الخيطُ الأبيضُ أولُ ما يبدو مِن الفجرِ المعترضِ في الأفقِ كالخيطِ الممدودِ، والخيطُ الأسودُ ما يمتدُّ معهُ مِنْ غَبَشِ الليلِ، شُبِهَا بخيطينِ: أبيضَ وأسودَ،] وقال (٨): مِنَ الفجرِ بيانٌ للخيطِ الأبيضِ، واكتفى به عن بيانِ الخيطِ الأسودِ، أي: مِن أنْ يقولَ: إنهُ من الليلِ؛ لأنَّ بيانَ واحدِهما بيانٌ للثاني. (والصَّوْم هو الإمساكُ عن الأَكْلِ، والشُرْبِ، والجِماعِ نهاراً مع النيةِ) (٩). قال الشيخُ الإمامُ بدرُ الدينِ الكردري ﵀ (١٠): هذا الحدُّ ينتقضُ طرداً، وعكساً، أما طرداً ففي أَكْلِ النَّاسِي فإنَّ صوَمهُ باقٍ، والإمساكُ فائِتٌ، وفيمَنْ أَكَلَ قَبْلَ طُلوعِ الشمسِ بعدَ طلوعِ الفجرِ لما أنّ النهارَ اسمٌ لزمانٍ هو مع الشمسِ (١١)، وأما عكساً ففي الحائضِ، والنفساءِ، فإنّ هذا المجموعَ موجودٌ، والصَّوْم فائَتٌ، ثُمَّ قالَ: أمّا الجوابُ عن الأولِ فإنّ الإمساكَ الشرعيَ موجودٌ حيثُ جعلَ الشرعُ أكله كلها أكل إذ للشارع ولايةُ الإيجادِ، والإعدامِ فإنَّ الصَّوْم حقُّهُ، ولهُ أنْ يُبقَيهُ حُكْماً مع وجُودِ المنافي، ولِأَنَّ المأمورَ بهِ هو الإمساكُ القصدِي، فيكونُ ضِدَّ المنافي لهُ الأكلُ قصداً، وعن الثاني أنَّ المرادَ مِنَ النهار (١٢) اليوم بالحيضِ (١٣) خرجتْ عن أقليةِ الأداءِ شرعاً، وقِيلَ: الصَّوْم هو الإمساكُ عن المفطراتِ لله تعالى بإذنهِ في وقتهِ، وهذا هو المنقولُ عن الإمامِ المحققِ مولانا بدُر الدينِ الورسكي ﵀ (١٤) (١٥)، وهذا أجمعُ، (والطهارةُ عن الحيضِ، والنفاسِ شَرْطُ المرادِ مِنَ الطهارةِ) (١٦) منهما عدمهما إِلاَّ أنْ يكونَ المرادُ منها الاغتسالُ، واللهُ أعلَمُ (١٧).

стр. 1212

بابُ ما يُوجبُ القضاءُ والكفارةُ لماَّ فرغَ مِن بيانِ أنواعِ الصَّوْم في حقِّ النيةِ، وتفسيرهُ لغةً، وشرعاً، وما يتبعُها شَرَعَ في بيانِ ما يجبُ عنَد الإتيانِ بما يضادُهُ، وإذا أكلَ الصائِمُ أو شَرِبَ أو جامَعَ ناسياً لم يُفْطِرْ (١) في هذا المجموعِ لا خلافَ بيننا (٢)، وبينَ الشَّافِعِي (٣) فإنهُ ذَكَرَ في الخُلَاصَة الغزاليَّة: فإنْ جامعَ ناسياً لم يُفْطِرْ (٤)، وفي «المَبْسُوط» (٥): وقال سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ﵀ (٦): إنْ أَكَلَ أو شَرِبَ لم يفطرْه (٧)، وإنْ جامَعَ ناسياً فطره قال: لأنَّ/ النصَّ وَرَدَ في الأَكْلِ، والشُّرْبِ، والجماعِ ليسَ في معناهُ وجهُ الاستحسانِ (قولهُ ﵊ للذي أَكَلَ وشَرِبَ ناسياً: «تُمْ على صومِك») (٨)، فإنْ قِيلَ: هذا الحديثُ معارضٌ للكتابِ فكيفَ العملُ به؛ لأنّ الكتابَ يقتضي أنْ يُفسِدَ صومِهُ؛ لأنّ المأموَر بهِ بالْكِتَابِ الصَّوْم، والصَّوْم هو الإمساكُ عن الأكلِ، والشربِ، والجماعِ، ولم يبقَ الإمساكُ لوجودِ الأكلِ حقيقةً، والحديثُ يقتضي بقاءُ الصَّوْم، والْكِتَابُ ينفيه، ولا معنى للمخالفةِ سوى هذا. قلنا (٩): في كِتَابِ الله تعالى إشارةٌ إلى أنَّ النسيانَ مَعْفُوٌ لقولهِ تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ (١٠)، فكانَ الحديثُ موافقاً للكتابِ حينئذٍ فيعُملُ بهِ، ويحُملُ الْكِتَابُ على حالةِ العَمْد لتكونَ الدلائِلُ بأسرِهَا معمولةً، كذا نُقِلَ عن الإمامِ المحققِ مولانا حميدِ الدينِ الضريرِ ﵀ (١١)، ولِأَنَّ كتابَ اللهِ تعالى يُوجبُ فسادَ الصَّوْم إذا تركَ الإتمامَ مخُتاراً؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمرنا بذلك بقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١٢)، والإتمامُ أنْ لا يتركَ الصَّوْم مختاراً، وهذا ليس بمختار، بل هو كالمجبول عليهِ (١٣) من قِبَل مِنْ لَهُ الحقُّ؛ لأنهُ خُلِقَ كذلك؛ لأنهُ لا يَقْدِرُ على أنْ لا ينسى، ولِأَنَّ فيه عملاً بكتاب اللهِ تعالى فإنَّ اعتبارَهُ يؤُديِ إلى الحرجِ قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١٤) (١٥)، كذا ذكرهُ الإمامُ الكاساني ﵀ (١٦) (١٧).

стр. 1213

(وإذا ثبتَ هذا في الأكلِ ثبتَ في الوقاع للاستواءِ) (١) هذا جوابٌ عمَّا ذُكِرَ للسؤال في هذا الموضعِ فإنهُ ذُكِرَ في مبسوط شَيْخُ الإسْلَامِ (٢): فإنْ قِيلَ: النصُّ وَرَدَ في الأَكْلِ بخلافِ القياسِ، فلمِاذا قِيسَ عليه الجِماعُ؟ [حكم جماع الناسي] قلنا: الجِماعُ ما ثبتَ بالقياسِ، وإنما ثبتَ بدلالةِ النصِّ، وأنهُ نظيرُهُ مِن كُلِّ وجهٍ (٣)؛ لأنَّ الكفَّ عن كُلِّ واحدٍ منهما] ذكر في بابِ الصَّوْم، ولِأَنَّ لِكُلِّ واحدٍ من الأكلِ والشربِ، ومِنَ الجماعِ كمالاً وقصوراً، فصارا سواءً فيلحقُ بِكُلِّ واحدٍ منهما بالآخرِ (٤) لما عُرِّف في الوافي (٥) (٦)، وذكر في المَبْسُوط (٧): وقال أبو حنيفةَ ﵀ ذكره في «الجامع الصغير» (٨): لولا قولُ الناسِ لقلتُ: يقضي، أي: لولا روايتهم الأثرَ، ولولا قولُ الناسِ أنَّ أبا حنيفةَ خالفَ الأثَر. ثُمَّ ذكَر قولَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، ثُمَّ قالَ: لكنا نقولُ: قد ثبتَ بالنصِّ المساواةُ بين الأَكْل، والجماعِ في حُكْمِ الصَّوْم، أي: في وُجوبِ الكَفِّ، فإذا وَرَدَ نصٌّ في أحدهِما كان وُروداً في الآخرِ باعتبارين، المقدمةُ كَمَنْ يقولُ لغيرهِ: اجعل زيداً، وعمراً في العطية سواءً، ثُمَّ يقولُ أعطِ زيداً دِرْهماً كانَ ذلك تنصيصاً على أنهُ يُعطي عمراً أيضاً درِهماً، ولا فرقَ بينَ الفرضِ، والنفلِ قال مالك (٩)، وابْنُ أبي لَيْلَى، ومُحَمَّد بن مقاتل الرازي (١٠) (١١): في الفرضِ يقضي، وهو القياسُ، كذا ذكره الإمامُ المحبوبي (١٢)، ولو كانَ مخطئاً (١٣)، وهو أنْ يكونَ ذاكراً للصومِ غيرَ قاصدٍ للشربِ كما إذا تمضمض، وهو ذاكرٌ للصوم، والناسِي على عَكْسِهِ (١٤).

стр. 1214

[المضمضة للصائم] وفي «المَبْسُوط» (١): وإذا تمضمضَ الصائِمُ، فسبقَهُ الماءُ، فدخلَ حَلْقَةُ، فإنْ لم يكنْ ذاكراً للصومِ، فصومُهُ تامٌ كما لو شَرِبَ، وإنْ كانَ ذاكراً صومَهُ فعليهِ القضاءُ (٢) عِنْدَنَا خلافاً للشافعي ﵀ (٣)، واستدلَّ بقولهِ ﵊: «رُفِعَ عن أمتي الخطأُ والنسيانُ، وما اسْتُكْرِهُوا عليه» (٤)، ثُمَّ عُذْرٌ يزالُ بين مَنْ عَذَرَ الناسِي، فإنَّ الناسِي قاصداً إلى الشربِ غيرَ قاصدٍ إلى الجنابةِ على الصَّوْم، وهذا غيرُ قاصدٍ لا إلى الشربِ، ولا إلى الجنابةِ على الصَّوْم فإذ لم يُفسِدْ الصَّوْم ثمةَ فهاهنا أولى، ولنا ما رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﵊ قالَ للقيطِ بن صبرةَ (٥): «بالغْ في المضمضةِ والاستنشاقِ إِلاَّ أنْ تكونَ صائماً» (٦)، فالنهيُّ عن المبالغةِ التي فيها كَمالُ السُّنةِ عندَ الصَّوْم دليلٌ على أنَّ دخولَ الماءِ في حَلْقِهِ مُفْسِدٌ لصومِهِ، ولأنهُ وَصَلَ المعنى، أو المرويَ إلى خوفهِ من خارجٍ، وهو ذَاكرٌ له لصومهِ فيفسدُ صوَمهُ قياساً على ما لو قَصَدَ إلى الفِطْرِ، ولا يلزمُ على ما قلنا: إذا ابتلعَ ما في أسنانهِ أو ابتلعَ البُزاقَ حيثُ لا يفسدُ صومَهْ؛ لأنا احترزنا في العبادةِ بقولنا من خارجٍ وثمةَ وصلِ منِ الفمِ، ولا يمكنُ التحرزُ عنه، ولا يلزُم أيضاً إذا دخلَ الذُبابُ جوفَهُ حيثُ لا يفسدُ؛ لأنَّ هناكَ لم يوجدْ ما هو ضدَّ الصَّوْم، وهو إدخالُ الشيءِ منِ الخارجِ إلى الباطنِ صورةً ومعنى، ولِأَنَّ رُكنَ الصَّوْم قد انعدمَ مع عُذْرِ الخطأ،] وأن (٧) العبادةَ بدونِ رُكْنِها لا تتصورُ، وهكذا القياسُ في الناسِي، ولكنا تركنا القياسَ بالسُّنةِ هناك هذا، وليس في معناه.

стр. 1215

لأن التحرزَ عن النسيانِ غيرَ ممُكنٍ، والتحرزُ عن مثلِ هذا الخطأ ممكنٌ، ثُمَّ رُكْنٌ الصَّوْم قد/ انعدمَ معنىً، فإنَّ الذي قد حصلَ لُه، وإنْ كانَ مخُطئاً، ولو انعدمَ صورةً لا معنىً، فإنْ تَناوُلَ حصاةٍ فَسَدَ صومُهُ، فإذا انعدمَ] معنى (١) أولى؛ لأنَّ مُراعاةَ المعاني في بابِ العباداتِ أبينُ مِنْ مُراعاةِ الصُّورِ. وكان ابْنُ أبي لَيْلَى يقولُ (٢): إنْ كانَ وضوءُهُ فرضاً لم يفسْد صومُهُ، وإنْ كانَ نفلاً يَفْسُدُ صَومُهُ، وقالَ بعضُ أهل الحديث (٣): إنْ كانَ في الثلاثِ لا يَفسدُ صومُهُ، وإنْ جَاوزَ الثلاثَ فَسَدَ صومُهُ، ومنهم مَنْ فَصَلَ بينَ المضمضةِ في الوضُوءِ، والجنابةِ، والاعتمادِ على ما ذكرنا (٤). وتأويلُ الحديثِ: أنَّ المرادَ رَفْعُ الإثمِ دُونَ الحُكْمِ، وبه يقولُ إِلاَّ أنَّ رَفْعَ الحُكْمِ هنا غيرُ ثابتٍ نصّاً، ولو ثبتَ إنما يثُبتُ اقتضاءً، والمقتضى لا عمومَ له عِنْدَنا؛ لأنهُ ثابتٌ بالضرورةِ فَيُتَقَدَّرُ بَقَدرِ الضَروُرَة، كذا في المَبْسُوطين (٥)، كالمقيّد، والمريضِ في قضاءِ الصَّلَاةِ (٦)، أيْ: أنَّ المقيّد يقضي، والمريضُ لا يَقضي إذا أدَّيا في حالِ العُذْرِ قاعِداً لمِا ذكرنا أنَّ القيدَ مَنْ قَبِلَ مَنْ ليسَ لَهُ الحقُّ بخلافِ المرضِ. وكذا إذا نظرَ إلى امرأة فَأمْنَى (٧)، أيْ: لو نَظَرَ إلى وجهِ المرأةِ أو فرجِها (٨)، أيْ: لم يُفْطِرْ بخلافِ حُرْمِة المصُاهرةِ في النظرِ إلى فَرجِ المرأةِ على ما يأتي إنْ شاءَ اللهُ تعالى (٩) لما بينا (١٠)، وهو أنهُ] لم (١١) تُوجْد صورةُ الجِماعِ، ولا معناه (١٢).

стр. 1216

[مسألة إذا نزل المني من غير جماع] وفي «المَبْسُوط» (١): ولو نَظَرَ إلى فرجِ امرأتِهِ فأنزلَ فصومُهُ تامٌّ ما لم يمسَّها. وقالَ مالكُ ﵀ (٢): إنْ نَظَرَ مرةً فكذلك، وإنْ نَظَر مرتين فَسَدَ صومُهُ لِمَا رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﵊ قالَ لعلي: «لا تَتْبِعْ النظرةَ النظرة فإنَّما الأُولى لَكَ، والأُخرى عليكَ» (٣)، ولِأَنَّ النظَر يقعُ نعتُهُ فلا يَنِعدِمُ بالإمْسَاك، فإذا تعمَّدَ النظرَ بعدَ ذلك حتى أَنْزَلَ، فَقدْ فَوَّتَ رُكْنَ الصَّوْم. ولنا أنَّ النظَر كالتَّفَكُّرِ على معنى أنهُ مقصورٌ عليهِ غيرُ متصلٍ بها، ولو تَفَكَّرَ في جمالِ امرأةٍ فأنزلَ لم يَفْسدْ صومُهُ فكذلك إذا نظَر (٤)، ولو كانَ هذا مُفسداً للصومِ لم يُشترطْ التكررَ فيه كالمسِّ، وتأويلِ الحديثِ المؤاخذةِ بالماءِ، ثُمَّ إذا تعمَّدَ النظَر إلى ما لا تحلُّ لهُ، كذا في «المَبْسُوط» (٥). (كالمستَمْنِي بالكفِّ على مَاْ قالوا): إذا عالجَ ذَكَرَهُ بيدِهِ حتى أَمْنى، قالَ أبو بَكْرٍ (٦)، وأبو القاسِمِ ﵀ (٧) (٨): لا يَفسدُ صومُهُ، وعامةُ المشايخِ (٩) (١٠) على أنهُ يفسدُ صومُهُ، وعلى هذا الخلافِ إذا أتى بهيمةً فأنزلَ، فإنْ لم ينزلْ لا يفسدُ صومُهُ بلا خلافٍ، ولو مسَّ فرجَ بهيمةٍ، وأنزلَ لا يفسدُ صومُهُ بالاتفاقِ (١١)، كذا في «الذخيرةِ» (١٢) (١٣). وذَكَر في التجنيسِ (١٤): الصائِمُ إذا عالجَ ذَكَرَهُ حتى أَمنى يجبُ عليهِ القضاءُ، هو المختارُ؛ لأنهُ وَجَدَ الجِماعَ معنىً، بل يِحلُّ لهُ أن يفعلَ ذلكَ إنْ أرادَ الشهوةَ لا يَحِلُّ لقول النبيِّ ﵊: «نِاكحُ اليدِ ملعونٌ» (١٥)، وإنْ أرادَ تسكينَ ما بهِ مِنَ الشهوةِ أرجو أنْ لا يكونُ عليهَ وبالٌ.

стр. 1217

وكذا إذا احتَجمَ (١) (لهذا) (٢)، أيْ: لِعَدَمِ المنافي، (ولمِا رَوينا)، (٣) وهو ما ذُكِرَ قبله «ثلاثٌ لا يُفَطِّرْنَ الصائِمَ» (٤)، ولو اكتحلَ لم يُفطِرْ (٥)، وإنْ وَجَدَ طعمهُ في حَلْقِهِ (٦). [الإكتحال للصائم] وكانَ إبراهيمُ النخعي ﵀ (٧) (٨) يكرهُ للصائِمِ أنْ يكتحلَ، وابْنُ أبي لَيْلَى (٩) كانَ يقولُ: إذا وَجَد طعمَهُ في حَلْقِهِ فَطَّرَهُ لوصولِ الكُحلِ إلى باطنِهِ، ولنا حديثُ أبي رافعٍ: «أنّ النبيَّ ﵊ دَعا بمكحلةِ إثمدٍ (١٠) في رمضانَ فاكتحلَ وهوَ صائِمٌ» (١١) وعن أبي مسعودٍ ﵁ قالَ: (خرجَ رسولُ اللهِ ﵊ يومَ عاشوراءَ مِن بيتِ أمِّ سَلَمَةَ، وعيناهُ مملوءتانِ كُحلاً كَحليةِ أمِّ سلمةَ) ﵂ (١٢) وصومُ عاشوراءَ في ذلك الوقتِ كانَ فرضاً (١٣)، ثُمَّ صارَ منسوخاً، ثُمَّ ما وَجَدَ مِنَ الطَّعمِ في حلقهِ أثراً للكُحلِ لأَعينهِ كمنْ دقَّ شيئاً مِنَ الأدويةِ المُرةِ يجدُ طعمهُ في حلقهِ فهو قياسُ الغَبارِ، والدخانِ، ولَئِنْ وَصَلَ غَبَنُ الكُحلِ إلى باطنهِ فذلكَ مِن قِبَلِ المُسَاْم لا مِنْ قِبَلِ المسالِكِ إذ ليسَ مِنَ العينِ إلى الحلقِ ينفذُ، فهو نظيرُ الصائمِ يشرعُ في الماءِ، فيجدُ برودةَ الماءِ في كبدِهِ، وذلك لا يضرُهُ. كذا في «المَبْسُوط» (١٤).

стр. 1218

والاغتسالُ، وصَبُّ الماءِ، والتلففُ في الثوبِ المبلولِ، فقدَ قالَ أبُو حنيفةَ ﵀ (١): إنهُ يُكرهُ؛ لأنهُ يُظهِرُ الضجَر في إقامةِ العبادةِ، وقالَ أبو يوسفَ ﵀ (٢): لا يُكْرهُ لِمَا رُوِيَ عن النبيَّ ﵊ «أنهُ صبَّ على رأسهِ مِنْ ماءٍ شدة الحر وهو صائم» (٣)، وعن ابنِ عُمرَ ﵁: «أنهُ كانَ يَبُلُّ الثوبَ ويُلَفُّ عليهِ وهو صائِمٌ» (٤)، كذا في «الإيضاح» (٥) ولا يُقال: رَوَىَ معبدُ بنُ هودةَ الأنصاري عن النبي ﵊ قال: «عليكمْ بالإثمدِ (٦) المروحِ (٧) / وقتَ النومِ، وليتقهِ الصائِمُ» (٨)؛ لأنا نقولُ: هذا حديثٌ وَرَدَ على طريق التعطُّفِ والأسواقِ؛ لأنَّ للصومِ تأثيراً في إيراثِ اليبوسةِ، والإثمدُ كذلك، فإذا اجتمعنَ ضّرهُ ذلك، ولِأَنَّ الأُمةَ قاطبةً اجتمعتْ على الاكتحالِ يومَ عاشوراءَ، وقد نَدَبَ رسولُ اللهِ ﵊ إلى صومِ عاشوراءَ، والاكتحالِ فيهِ، فَدلَّ أنهُ لا بَأْسَ بهِ، كذا في «الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة» (٩). (والدمعُ يترشَحُ كالعَرَقِ). جوابُ سؤالٍ يَردُ على قولهِ: (ليسَ بينَ العينِ، والدماغِ مَنفذٌ) (١٠) بأنْ قِيلَ: لو لم يكنْ مَنفذٌ بينهما لَمَا خرجَ الدمعُ فأجابْ عنه، وقالَ: إنما خَرجَ الدمعُ مِنَ المَسَاْمِ لا مِنَ المنافذِ والذي يضُّر الصَّوْم منِ الداخلِ هو الداخلُ مِنَ اليدِ يدخلُ مِنَ المنافذِ كمَوْضِعَي المدْخِلِ، والمخرجِ لا من المسَامِ الذي هو جميعُ البدنِ؛ لأنّ الحُكْم بينا لكَ، أي: في الرجعةِ، والمصاهرةِ أدير على السببِ (١١).

стр. 1219

[حكم القبلة للصائم] وبيان هذا ما ذَكرهُ فَخْرُ الْإِسْلَام (١)، فقالَ: إنّ حرمةَ المصاهرةِ تثبتُ على الاحتياطِ، فتعدَتْ من الحقيقةِ إلى الشُبهاتِ، وللنَسبِ شَبَهٌ بالنسبِ، ولذلك تعدَّى إلى عُقْدِ النِّكاحِ، فكذلك تعدَّى إلى المسِّ بعلةِ النسبيةِ، وذلك نصفُ الشهوةِ مْنِ غيرِ إنزالٍ؛ لأنهُ يصيرُ سبباً للوطئِ، والنظرِ إلى الفرجِ بالشهوةِ أو المسِّ بالشهوةِ يصلحُ سبُبُ بخلافِ النظرِ إلى وجهِ المرأةِ حيثُ لا تثبت به حرمةُ المصاهرةِ، وإنْ كانَ هو سبباً أيضاً كالنظرِ إلى الفرجِ؛ لعَدمِ إمكانِ الاحتراز عنهُ، وأمّا هَاهُنا فإنَّ الغُسلَ أنْ يكونَ بوجودِ المواقعةِ صورةً أو معنىً دونَ السببيةِ؛ لأنَّ الفسادَ هاهنا بالمناقضةِ يكونُ ألا ترى أنّ النكاحَ لا يفسدُ الصَّوْم، ثُمَّ المسُّ عن شهوةٍ بغير إنزالٍ ليس بمواقعةٍ لا صورةً ولا معنى، فلم تثبتْ المناقضةُ، وكذلك النظرُ إلى الفرجِ، وإنْ اتصلَ بهِ الإنزالُ فليسَ لهُ معنى المواقعةِ بالمرأةِ؛ لأنهُ ليسَ باستمتاعِ بالمرأةِ، فصارَ كالإنزالِ بالتفكُّرِ، أي: الكفارةُ تفتقرُ إلى كَمالِ الجِنايةِ لما أنَّ الكفارةَ منِ أَعلى عقوباتِ المفُطرِ لإفطارِهِ، فلا يُعاقَبُ بها إِلاَّ بعدَ بلوغِ الجنايةِ نهايتَها، ولم تبلغْ نهايتها؛ لأنَّ هاهنا جنايةً من جنسهِ أبلغُ منها، وهو الجِماعُ في الفرجِ (٢). كذا ذكرهُ الإمامُ الْإِسْبِيجَابِي ﵀. ولا بأسَ/ بالقُبلةِ إذا أَمِنَ على نفسهِ، أي: الجِماعُ، أو الإنزالِ صحتْ الرِوايةُ بكلمةٍ أو كذا في نسخة الشيخين (٣)، وإنما رَدَّدَ بينهما؛ لأَنَّ المشايخَ اختلفوا في تأويلِ قولِ مُحَمَّد ﵀ (٤) إذا أَمِنَ على نفسهِ قالَ بعضُهُمْ: أرادَ بهِ الأمنُ عنِ الوقوعِ في الجماعِ، وقالَ بعضُهم: أرادَ بهِ الأمَن منِ خُروج المني، وجاءَ عُمر إلى رسولِ اللهِ ﵊ فقالَ: «أذنبتُ ذنباً فاستغِفْر لي، فقالَ: (وما ذاك؟) فقالَ: هششْتُ إلى امرأتي وأنا صائِمٌ، ثُمَّ قبلتُها، فقالَ: (أرأيت لو تمضمضتَ بماءٍ، ثُمَّ مججتُهُ أكانَ يضُرُّكَ)، فقالَ: لا، قالَ: (فَتِمْ إذاً)» (٥)، وهذا إشارة إلى معنى بقاءِ رُكْنِ الصَّوْم، وانعدامِ انقضاءِ الشهوةِ بنفسِ التقبيلِ، فإنْ كانَ لا يأمنُ على نفسهِ فالتحرزُ أولى؛ لما رُوِيِ أنَّ شابّاً سألَ رسولَ اللهِ ﵊ غيرَ القُبلةِ للصائِمِ فمنعُه، وسألهُ شيخٌ عن ذلك فأَذِنَ لهُ فيهِ، فنظَر القومُ بعضُهم إلى بعضٍ، فقال: «قد عَلِمْتُ لِمَ نَظَرَ بعضُكُمْ إلى بعضٍ؛ إنْ الشيخَ يمِلكُ نفسَهُ» (٦)، وهكذا رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ فإنَّ الشابَ قالَ له: إنَّ ديني ودينَهُ واحِدٌ قالَ: «نعمْ، ولكنَّ الشيخَ يمِلكُ نفسَهُ» (٧)، وهو إشارةٌ إلى معنى تعريضِ الصَّوْم بالفسادِ بالتجاوزِ عن القُبلةِ إلى غيرِها، وقالَ رسولُ اللهِ ﵊: «إنَّ لِكُلِّ مَلَكٍ حِمىً، وإنَّ حمِى اللهِ محارِمُهُ، فمَنْ رَتَعَ حولَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يقعَ فيهِ» (٨)، وعلى هذا رَوَىَ الحسُن (٩) عن أبي حنيفةَ ﵀ (١٠): (أنهُ كَرِهَ المباشرةَ الفاحشةَ) للصائِمِ، وذلك بأنْ يعانِقَها، وهما متجردانِ، ويمسُّ ظاهرُ فرجْهِ ظاهِرَ فرجِهَا، كذا في «المَبْسُوط» (١١). (وجهُ الاستحسانِ أنهُ لا يُستطاعُ الامتناعُ عنهُ)، فإنَّ الصائِمَ لا يجدُ بُدّاً من أنْ يفتحَ فمَهُ فيُتحَدِثَ مع الناسِ، وما لا يمكنُ التحرزُ عنُه فهو عفوٌ.

стр. 1220

[ما يبقى في الفم من الطعام] قولُه ﵀: والأصح ُّاحترازاً عن قولِ بعضهِم: إنهُ لا يفسدُ (١)، (ولنا أنَّ القليلَ تابِعٌ لأسنانهِ بمنزلةِ ريقهِ)؛ (لأنهُ لا يُستطاع) (٢). الامتناعُ عنه فإنّ مَنْ تسحَّرَ بالسَّويْقِ، فلابُدَّ مِن أنْ يبقى بينِ أسنانِهِ، ولهاتهِ شيءٌ فإذا أصبحَ يدخلُ ذلك في حَلْقِهِ مع ريقهِ، ثُمَّ ما يبقى بينَ الأسنانِ تَبَعٌ لريقهِ، فكَما أنهُ إذا ابتلعَ ريقَهُ لم يضرُّهُ فكذلك ما هو تَبَعٌ لهُ، وهذا إذا كانَ صغيراً يبقى بينَ الأسنانِ/ عادةً، وهو بخلافِ ما لو أدخلَ ذلكَ القدرَ في فمهِ؛ لأنَّ ذلك مما يُستطاعُ الامتناعُ منهُ، كذا في «المَبْسُوط» (٣). [مسألة مقدار القليل] (والفاصلُ مِقدارُ الحِمصَةِ) (٤) هذا مبتدأٌ وخبرٌ، وقليلُ خبرٍ لقولهِ: وما دونها، ومقدارُ الحِمصَةِ مُلْحَقٌ بالكثيرِ؛ لأنَّ قَدْرَ الحِمصةِ لا يبقى في فُرَجِ الأسنانِ ومناحاتهِا، وما دونها يبقى، ومِنَ المشايخِ (٥) مَنْ قاَلَ: إنْ كانَ ما بقيَ بينَ أسنانهِ بحيثُ يحتاجُ في ابتلاعهِ إلى الاستعانةِ بالريقِ فهو قليلٌ، وإنْ كانَ لا يحتاجُ إلى ذلكَ فهو كثيرٌ، وهذا بخلافِ ما إذا أخرجَهُ، ثُمَّ أُدخِلَ؛ لأنهُ يعدُّ ما أخرجهُ صارَ بحيثُ يسُتطاعُ الاحترازُ عنه، كذا في «الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة» (٦). فإنْ قِيلَ: ما الفرقُ بينَ هذا، وبين فَصْلِ النجاسةِ المغلظةِ؟ (٧) فإنَّ الفاصلَ بينَ القليلِ، والكثيرِ هنُاكَ، وهو قَدْرُ الدِّرهَمِ أُلحِقَ بالقليلِ، والفاصلُ بينَ القليلِ والكثيرِ هُنا، وهو قْدَرُ الحِمصَةِ أُلحِقَ بالكثيرِ، وكلُّ واحدٍ منهما في كونهِ فاصلاً بينِ القليلِ والكثيرِ سواءً قَلْتَ: لأنَّ قدرَ الدرِهمِ هناكَ أُخِذَ منِ قدرِ مَوضعِ الاستنجاءَ،] وذلك القدرُ في موضعِ الاستنجاء معفوٌ بالإجماعِ حتى لم يفترضْ الاستنجاءَ، واكتفى في إقامةِ سُنَّةِ الاستنجاءِ بالحجرِ أو المدرِ (٨)، وهو لا يقلعُ النجاسةَ أصلاً، فلذلك صارَ قدرُ الدِّرهَم في غيرِ موضعِ الاستنجاءِ عفواً بالقياسِ عليه، أمّا هاهنا، فلما ذَكَرَ أنَّ قدَر الحِمصِة لا يبقَى في فُرجِ الأسنانِ غالباً، فلا يمكنُ إلحاقُهُ بالريقِ فلذلك أُلحِقَ بالكثيرِ (أنَّ الصائَم إذا ابتلعَ سمسمةً بينَ أسنانهِ لا يفَسدُ صومُهُ) (٩) (١٠)؛ لأنهُ قليلٌ فجُعِلَ بمنزلةِ الريقِ، وإنْ ابتلعَها منَ الخارجِ يفسدُ صومُهُ، وتكلموا في وُجوبِ الكفارةِ والمختارُ: أَنهُ يجبُ إن ابتلعها، ولم يمضغْها؛ لأنها منِ جنسِ ما يتعدَّى بهِ، كذا في فتاوى الولوالجي ﵀ (١١).

стр. 1221

وإن ابتلعَ حباتِ سمسمٍ متداركاً كما هي عليهِ الكفارةُ، وإن ابتلعَ سمسمةً واحدَةَ رُوِىَ عن أبي يوسفَ (١) أنهُ لا قضاءَ عليهِ، وعن مُحَمَّد ﵀ روايتان في رواية عليهِ الكفارةُ، وبهِ أخذَ مُحَمَّد بنُ مُقاتلِ، وفي روايةٍ قالَ: عليه القضاءُ، وسكتَ عن ذِكَرِ الكفارةِ، وأَكْلِ حبةِ عُنِب فإنْ مضغَها عليهِ القضاءُ والكفارةُ، وإنْ ابتلعَها فإنْ لم يكنْ معها بعروقِها عليهِ الكفارةُ بالاتفاقِ (٢)، وإنْ كانَ معها بِعرُوقِها، اختلفَ المشايخُ فيهِ (٣)، كذا في «الجامعِ الصغير» لقاضي خان. ولأبي يُوسُفَ ﵀ (٤) أنهُ يعافهُ الطبعُ، فصارَ نظيرَ الترابِ، ثُمَّ للفمِ حُكْمُ الباطنِ من وجهٍ، وحُكْمُ الظاهرِ منْ وجهٍ، والكفارةُ تسقطَ بالشُبهةِ، فلهذا أسقطنا عنه الكفارةَ كذا في «المَبْسُوط» (٥). ذرعَهُ القيءُ (٦): سبقَ إلى فيه، وغلبهُ فخرجَ منهُ. [حكم القيء] قوله ﵀: «ومَنْ استقاءَ عَمداً فعليهِ القضاءُ» (٧) هذا من تتمةِ الحديثِ استقاءَ بالمدِّ؛ لأنهُ استفصلَ مِن قاءَ يُقال: قاء ما أَكَلَ إذا أَلقاهُ، واستقاءَ، وتقيءَ يكلفُ في ذلك، وفي الاستقاءِ القضاءُ بالحديثِ، ولِأَنَّ بفعلْهُ يفوتُ رُكْنَ الصَّوْم، وهو الإمساكُ ففي تكلفهِ لابُدَّ أنْ يعودَ شيءٌ إلى جوفِهِ، ولا كفارةَ عليهِ إِلاَّ على قولِ مالكٍ (٨) فإنهُ يقولُ: كل مُفْطِرٍ غيرُ معذورِ فعليهِ الكفارةُ، كذا في «المَبْسُوط» (٩). ومنهم مَنْ عَلَل لفِسَادِ الصَّوْم بالنفي، وقال: لإن ما بقيَ في المِعدةِ إنما يستمرئُ السببَ النفي، فكان معنى التعدِّي إنما حصلَ للباقي بهذا السبب فقلنا: بأنهُ يفسدُ لحصولِ معنى التعدي للباقي كذا في مبسوط شيخِ الإسلام (١٠). ويستوي أنَّ القيءَ الذي ذَرَعُه مستوفي عدَم إفسادِ الصَّوْم (بأنْ كانَ ملءَ الفمِ، أو ما دوَنُه فلو عادَ) (١١)، أي: القيءُ الذي ذرعَهُ عادَ بنفسهِ، (وعند مُحَمَّد لا يفسدُ) (١٢) (١٣)، وهو الصحيحُ؛ لأنهُ كما لا يمكنُ الاحترازُ عن خروجهِ لا يمكنُ الاحترازُ عن عَودهِ، فجعل عفواً، كذا في فَتَاوَى قَاضِي خَانْ (١٤). وإنْ كانَ أقلَّ منِ ملءِ الفمِ، فعادَ لم يفسدْ صومُهُ بالاتفاقِ (١٥) لكنْ على اختلافِ التخريجِ فعندَ أبي يوسفَ ﵀ (١٦)؛ لأنهُ ليسَ لهُ حُكْمُ الخارجِ، فلا يكونُ عَوْدُهُ دخولاً، وعندَ مُحَمَّد لعدَمِ الفعلِ (١٧)، فلذلكَ تعّرضَ لهذين التعليلينِ في الْكِتَابِ إجمالاً، وإنْ عادَ فكذلك عنَد أبي يوسفَ، أي: لا يفسدُ صومُهُ؛ لأنّ القليلَ ليسَ بخارجٍ فلا يتصورُ إدخالُهُ، والصحيحُ في هذا قولُ أبي يوسفَ (١٨)، ويفسدُ في قولِ مُحَمَّد ﵀ لوجود الفِعلِ (١٩)، كذا في فَتَاوَى قَاضِي خَانْ (٢٠).

стр. 1222

[ابتلاع الحصى والحديد] وإنْ استقاءَ عامِداً ففيهِ إشارةٌ إلى أنهُ لو استقاءَ ناسياً لصومِهِ لا يفسدُ صومُهُ كما لو أَكَلَ لمِا رَوَيْنا (١)، وهو قولُه: ومَنْ استقاءَ عَمْداً فعليهِ القضاءُ (٢)، والقياسُ متروكٌ، أي: القياسُ يقتضي أنْ لا يفسدُ صومُهُ بالاستقاءِ/ وإنْ كانَ ملءَ الفمِ لما أنَّ فسادَ الصَّوْم بما يدخلُ؛ لا أنّ يخرجَ لكنَّ القياسَ تُرٍكَ بالحديثِ لعدمِ الخروجِ حُكْماً لِعَدَمِ انتقاصِ الطَّهارةِ، ثُمَّ إنْ عادَ لم يفسدْ صومُهُ عندَهُ، أيْ: عندَ أبي يوسفَ ﵀ (٣)، وإنْ أعادَ، أي: القيُء الحاصلُ الذي مِن الاستقاءِ، وهو أقلُّ مِن ملءِ الفم فعنهُ، أي: فعنْ أبي يوسفَ لما ذكرنا، وهو عدمُ الخروجِ، وعنه، أيْ: وعن أبي يوسفَ لكثرةِ الصُنع (٤)، وهو صنعُ الاستقاءِ، وصنعُ الإعادةِ، ومَنْ ابتلعَ الحَصاةَ أو الحديدَ أَفْطَرَ (٥) إِلاَّ على قولِ بعضِ مَنْ لا يُعتَمدُ على قولهِ فإنهُ يقولُ: حصُولُ الفِطْرِ بما يكونُ بهِ اقتضاءُ الشهوةِ (٦)، ولكنا نقولُ: رُكْنُ الصَّوْم الكفُّ عن اتصالِ الشيءِ إلى باطنهِ، وقد انعدمَ ذلك بتناوُلِ الحصاةِ، ثُمَّ لا كفارةَ عليهِ إِلاَّ على قولِ مالكٍ (٧)، فإنهُ مُفطرٌ غيرُ معذورٍ، وكانت جنايتُهُ هاهنا أظهرُ إذا عرضَ له في هذا الفعلِ سِوى الجنايةِ على الصَّوْم بخلافِ ما يتعدّى بهِ، ولكنا نقولُ (٨): عدمُ دُعاءِ الطبعِ إليهِ، يعني: عن إيجابِ الكفارةِ فيه زاجراً كما لا يُوجبُ الحدَّ في شُربِ الدمِ، والبولِ بخلافِ الخمرِ، ثُمَّ تمامُ الجناية بانعدامِ رُكْنِ الصَّوْم صورةً ومعنى، فانعدمَ المعنى هاهنا (٩)؛ لأنُه لم يحصلْ اقتضاءُ الشهوةِ، فإذا انعدمَ لم تتمَّ الجنايةُ] بانعدام ركن الصَّوْم (١٠) [، وفي النقصانِ شُبهةُ العدَم. والكفارةُ، تسقطُ بالشُبهةِ، كذا في «المَبْسُوط» (١١)، فعليهِ القضاءُ خِلافاً للأوزاعي (١٢)، ولا كفارةَ خلافاً لسعيدِ بنِ جبيرٍ (١٣) (١٤) على ما يأتي بيانهُا (١٥).

стр. 1223

(ولا يُشترطُ الإنزالُ في المحلينِ) (١) (٢)، وقال سُليمانُ الأعمشُ (٣): لا قضاءَ عليهِ، ولا اغتسالَ ما لم يُنزلْ، واحتجَّ بما رُوِيَ عن النبيِّ ﵊ أنهُ قالَ: «الماءُ مِنَ الماءِ» (٤)، والمعنى في ذلك أنَّ الجماعَ وُجِدَ صورةً، ولم يُوجْد معنى، ولا عِبرةَ للصورةِ، ولهذا قالَ بأنهُ إذا أكلَ مالا يتغذى به لا يفسدُ صومُهُ، وبهِ قالَ الحسنُ بنُ حي، وعامةُ العلماءِ احتجوا بما رُوِيَ عن النبي ﵊ أنهُ قالَ: «إذا التقى الختانان، وغابتْ الحشفةُ وَجَبَ الغسلُ أنزلُ أو لم يُنزِلْ» (٥). ولأنهُ وُجِدَ الجماعُ صورةً ومعنىِ، وهو إدخالُ الفرجِ في الفرجِ، واقتضاءُ الشهوةِ إِلاَّ أنهُ عدمُ الشبعِ، وذلك ليس بشرطٍ كَمَنَ أَكَلَ لقُمةً تجب الكفارةُ، ولم يوُجدْ الشبعُ، كذا في مبسوط شيخِ الإسلام (٦)، وهذا لأنَّ قضاءَ الشهوةِ يتحققُ دونَهُ، أي: دُونَ الإنزالِ، وهذا لجوابِ سؤالِ ذَكَرهُ في «المَبْسُوط» (٧) فقالَ: فإنْ قُلتَ: تمامُ الجنابةِ شَرْطٌ لإيجابِ الكفارةِ، وذلك في اقتضاءِ الشهوةِ، وذلك لا يحصلُ بدونِ الإنزالِ. قلنا: اقتضاءَ شهوةِ المحلِّ تتمُ بالإيلاجِ، فأمّا الإنزالُ فمتبعٌ لا يُعتبُر بهِ في تكميل الجنابةِ، ولو جامَعَها في الموضعِ المكروهِ فعليهما الغسلُ لاستطلاقِ وكاءِ المني بفعلهِ، ولَاشكَّ في إيجابِ الكفارةِ على قولهِمَا، وعن أبيِ حنيفةَ فيه روايتان (٨): رَوَى الحسنُ عن أبي حنيفةَ ﵀: أنهُ لا كفارةَ عليهما، وهو ظاهرٌ على أصلهِ فإنُه لا يجعلُ هذا الفعلَ كاملًا في إيجابِ العقوبةِ التي تندرأُ بالُشبهاتِ كالحدِّ، وفي جانبِ المفعولِ بهِ ظاهرٌ فليسَ لها فيهِ اقتضاءُ الشهوةِ، ورَوَى أبو يوسفَ عن أبيِ حنيفةَ أنَّ عليهما الكفارةَ، وهو الأصحُّ فإنَّ السببَ قديمٌ، وهو الفِطْرُ بجنبهِ مُتكامِلٌ إنما يدَّعِي أبو حنيفةَ ﵀ النقصانَ في معنى الزِنّا مِن حيثُ إنهُ لا يحصلُ به إفسادُ الفِراشِ، ولا مُعتبرَ بهِ في إيجابِ الكفارةِ فلا كفارةَ أنزلَ أو لم يُنزِلْ فإنْ أنزلَ فعليهِ القضاءُ؛ لأنهُ فاتَ صورةَ الكفِّ فصارَ كالجماعِ فيما دُونَ الفرجِ (٩). كذا في «الإيضاحِ» (١٠) خلِافًا للشافعي ﵀ (١١) فإنَّ السببَ للكفارةِ عندَهُ الجِماعُ المعدِمُ للصورةِ، وقَدْ وُجِدَ، ولكنْ نقولُ: الجنابةُ لا تتكاملُ إِلاَّ باقتضاءِ شهوةِ المحلِّ، وهذا المحلُّ غيرُ مشتهى عندَ العقلاءِ، فإنْ حصلَ بهِ قضاءُ الشهوةِ فذلكَ لغلبةِ الشهوةِ، أو لِفْرطِ السفَهِ، وهو كمَنْ يتكلَّفُ لقِضاءِ شهوتِهِ (بيدهِ) (١٢) لا تتمُ جنابتُهُ في إيجابِ الكفارةِ فهذا مثلُهُ، كذا في «المَبْسُوط» (١٣).

стр. 1224

[الكفارة في حق المرأة] وقال الشَّافِعِي في قولِ (١): لا تجبُ عليها، وللشافعي في هذا ثلاثة أقوالٍ: قولٌ مِثْلُ قولنا، وهذان القولان؛ لأنها متعلقةٌ بالجِماع، والجماعُ يُضافُ إلى الرجلِ لا إلى المرأةِ يقُال: جامعَ، ولا يقُالُ: جامعتْ، ويُقالُ: جُومِعَتْ. ولما كانَ الجِماعُ يُضافُ إلى الرجلِ دونها لم يشترِكا في سببِ وجوبِ الكفارةِ، فلا يشتركانِ في الوجوبِ بخلافِ حَدِّ الزِنّا؛ لأنَّ سببَهُ الزِنّا، وهو يُضاف إليها يُقالُ: زَنَتْ، والمعنى في المسألةِ، وهو أنَّ هذا حقُّ ماليٌّ يتعلق/ بالجماعِ، فيختصُ به الرجلُ دونَ المرأةِ قياسًا على المهرِ. وأمّا وجُه قولهِ: بأنَّ الكفارةَ تجبُ عليها إِلاَّ أنّ الزوجَ يتحمل عنها بقول بأنها حقٌّ يتعلقُ بالجِماعِ ينقسمُ إلى ماليِّ، وبدني. فما كان مالياً يجبُ على الزوجِ، وما كان بَدنيًا يجبُ عليها كثمنِ ماءِ لِلاغتسالِ، الثمنُ عليه، والاغتسالُ فكذا هنا (٢). قولُه ﵀: وفي قولِ يَتَحَمَّلُ عنها الزوجُ (٣)، أيْ: الزوجُ يتحَمَّلُ عنها التكفيَر بالمالِ إنْ كانَ مُوسِرًا، وإنْ كانَ مُعسِرًا فلا يتحمَّلُ عنها التكفيرَ بالصَّوْم، وعلماؤُنا قالوا: بأنها ساوتْهُ في السببِ فتُساويهِ في وُجوبِ الكَفارةِ قِياسًا على سائرِ الكفاراتِ وحدِّ الزِّنا، وإنْ قلنا: ذلكَ؛ لأنَّ سببَ وُجوبِ الكَفارةِ الفِطْرُ لا نفسَ الجِمَاعِ على ما يأتي، والفِطْرُ كما يُضافُ إليها. وأمّا تعلقُهُ بحديثِ الأعرابيِّ (٤) قُلنا: (٥) بيانُ النبيِّ ﵊ الحُكْمَ في جانبِ الأعرابيِّ بيانٌ منه في جانبِ امرأتهِ دلاِلةٌ، كما جُعِلَ بيانًا في] حقِّ الأعرابي (٦) من الرجالِ دِلالةٌ.

стр. 1225

وأمّا اعتبارُهُ بالمهرِ قلنا: ليسَ كالمهرِ إنما وَجَبَ على الزوجِ بسببِ مُلْكِ النِّكاحِ، ومُلْكِ النِّكاحِ إنما يثبتُ للرجلِ على الخصوصِ لا للمرأةِ، فلا يشتركانِ في الوجوبِ كالنفقةِ، وأمّا هاهُنا سببُ وجُوبِ الكفارةِ الفِطْرُ، وقد اشتركا فيهِ، وأما ثمنُ ماءُ الاغتسالِ فلا يسلمُ أنهُ يجبُ عليهِ، بلْ يجبُ عليها؛ لِأنَّ بالجِماعِ يستوفي منافَع البُضْعِ، وقد ضمَّنَ بإزائهِ عِوضًا فلا يُضمَّنُ إِلاَّ آخرَ كالبيعِ. وذَكَرَ الفقيهُ أبو الليث ﵀ (١): أنَّ ثمنَ ماءِ الاغتسالِ لا يجبُ على الزوجِ، وعن بعضِ مشايخِ بلخ (٢) أنهم اعتبروهُ بثمنِ ماءِ الشُّربِ (٣)، كذا في مبسوطِ شَيْخُ الإسْلَامِ ﵀ (٤). وكلمة مَنْ تظمُ الإناث كقولهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٥). ولو أَكَلَ أو شَرِبَ ما يتغذى بهِ أو يتداوى فعليهِ القضاءُ والكفارةُ، (وقال الشَّافِعِي ﵀: لا كفارةَ عليهِ) (٦). [مسألة أكل مايتداوى به] الكلام/ هاهنا في ستةِ مواضعَ: أحدٌها: في وجوبِ القضاءِ، وهو قولُ جمهورِ العلماءِ (٧)، وقالَ الأُوزاعِيُّ (٨): ليسَ عليه القضاءُ، واستدلَّ بحديثِ الأعرابي، فإنَّ النبيَّ ﵊ بيّنَ حُكْمَ الكفارةِ لهُ، ولم يُبيّنْ حُكْمَ القضاءِ في موضعِ الحاجةِ، وقالَ ﵊: «مَنْ أَفْطَرَ في رمضانَ متُعمدًا، فعليهِ ما على المُظاهرِ» (٩)، وليسَ على المظاهرِ شيءٌ سِوى الكفارةِ، ولنا أنهُ وجبَ عليه أداءُ الصَّوْم بشهورِ الشَّهرِ، وقد انعدمَ الأداءُ عنهُ فلزِمُهُ القضاءُ كما لو كانَ معَذورًا، أو فَوَّتَ ما لزِمَهُ مِنَ الأداءِ لتضمُنِهِ بمثلِ مَنْ عندَهُ كما في حقوقِ العبادةِ، وإنما أرادَ بقولهِ فعليهِ ما على المُظاهرِ بسببِ الفِطْرِ، وبه يقولُ: إنَّ وجُوبَ القضاءِ ليسَ بسببِ الفِطْرِ، وإنما بيّنَ الأعرابيُّ ما كانَ مُشكلًا.

стр. 1226

الثانيِ: في وجوبِ الكفارةِ، وهو قولُ جمُهورِ العلماءِ، وكانَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ ﵁ (١) يقولُ: لا كفارةَ على المِفْطِرِ [في رمضانَ] (٢)؛ لأنَّ في آخرِ حديثِ الأعرابي أنّ النبيَّ ﵊ قالَ له: «كُلْهَاَ أنتَ وِعيالُكَ» (٣) فانتسخَ بهذا حُكْمُ الكفارةِ، ولنا قولُ النبي ﵊: «مَنْ أفطرَ في رمضانَ متعُمدًا، فعليهِ ما على المُظاهر» (٤)، وفي حديثِ الأعرابي زادَ في بعضِ الرواياتِ: «تجزئُكَ ولا تجُزئُ أحدًا بعدَكَ» (٥)، فإنْ تثبتْ هذهِ الزيادةُ، ظَهَرَ أنهُ كانَ مخصوصًا، وإنْ لم تثبتْ هذهِ الزيادةُ لا يتبينُ بها انتساخُ الكُفارِ، ولكنُه عُذْرُهُ في التأخيرِ للعشرةِ. والثالث: في وجوبِ الكفارةِ في الأَكْلِ، والشُّربِ عَامدًا فعِنْدَنَا يجبُ (٦)، وقالَ الشَّافِعِي ﵀ (٧): لا كفارةَ. [كفارة الفطر] والرابع: أنّ الكفارةَ مرتبةٌ عندَنَا (٨) وعنَد الشَّافِعِي (٩) (١٠)، وقالَ مالكٌ (١١): تثبتُ على سبيلِ التخييرِ (١٢) لا على سبيلِ الترتيبِ.

стр. 1227

والخامس: أنَّ الصَّوْم في الكفارةِ مُقَّدرُ بشهرين (١)، وقالَ ربيعةُ الرأي (٢): الصَّوْم مُقَّدُرُ باثني عشرَ يومًا قالَ: لِأَنَّ السُنةَ اثني عشرَ شهرًا، والمأمورُ بهِ صومُ شهرٍ واحدٍ مِنَ السَّنةِ ليقُومَ ذلكَ مَقامَ اثني عشَر شهرًا، فصومُ كُلِّ يومٍ يقومُ مَقامَ اثني عشَر يومًا، وبعضُ الزُّهادِ يقولُ (٣): الصَّوْم مُقَّدٌر بألفِ يومٍ، فإنَّ في رمضانَ ليلةَ القدرِ، وهي خيرٌ مِنْ ألفِ شهرٍ، فإذا نَوَى صومَ يومٍ منُه فعليهِ أنْ يصومَ ألفَ يومٍ ليقومَ مقامَهُ، ولسنا نأخذُ بشيءٍ منِ هذا، فإنّ الاعتمادَ على الآثارِ المشهورةِ كما رَوينا، وهذهِ آثارٌ تلقاها العلماءُ بالقَبولِ، والعملِ بها فإثباتُ الكفارةِ بمثلهِ جائزٌ. والسادس: أنَّ الصَّوْم مُقَّدرٌ بالشهرينِ بصفةِ التتابع، وقالَ ابْنُ أبي لَيْلَى (٤): إنْ شاءَ فَّرقَ، وإنْ شاءَ تابعَ. كذا في «المَبْسُوط» (٥)؛ لأنها شُرِعَتْ في الوقائعِ؛ لأنَّ النصَّ وردَ في الجِماعِ في حديثِ الأعرابيِّ (٦) حيثُ/ سألَ النبيَّ ﵊: واقعْتُ امرأتي في نهارِ رمضانَ؟ فتصيرُ المواقعةُ سببًا نصًّا فلا يجوزُ التعليقُ بسببٍ آخرَ، وهو الأَكْلُ والشربُ؛ لأنّ الكفاراتِ تجري مجرى العقُوباتِ فلا تثبتُ أسبابُها قِياسًا، وإنمَّا تثبتُ بالنصِّ، فالجِماعُ منصوصٌ عليهِ فصارَ السببُ جِماعًا لا يبقى معهُ صومُ الوقتِ، ولهذا قُلْتُ (٧): تجبُ الكفارة بجِماعِ الميتةِ، وجماعِ البهيمةِ، وكذلكَ إذا أصبحَ فجامَعَ لِأَهلهِ؛ لأنَّ الصَّوْم مُنعدِمُ بسببِ الجِمُاعِ، وإنمَّا علماؤُنا احتجوا بما رَوَى أبو هُريرةُ ﵁: «مَنْ أَفْطَرَ في رمضانَ فعليهِ ما على المُظاهرِ» (٨)، ولم نذكرْ بأيِّ سببٍ أفطرُه، وسألهُ رَجلٌ فقالَ: "يا رسولَ اللهِ أفطْرتُ في رمضانَ؟ فقالَ ﵊: «مِنْ غير مَرُضٍ، ولا سَفَرٍ»؟ فقالَ: نعمْ، فقالَ: «أعتقْ رقبةً» (٩)، ولم يسألْهُ عمَّا أفطرهُ، فَدلَّ أنهُ لا يختلفُ. ألا ترى أنهُ سألَهُ عن حالهِ بالمرضِ، والسفرِ لاختلافِ حُكْمِ الحالِ (١٠).

стр. 1228

ولِأَنَّ فِطْرَهُ تضمَّنَ هَتْكَ حُرْمَةِ الشهرِ فكانَ كالفِطْرِ بالجِمَاعِ بيانهٌ: أنَّ نصَّ التحريمِ تَمَّ بالنَّهارِ، يتناولُ ما تناولَهُ نصُّ الإباحةِ بالليالي، وهَتْكُ حُرمةِ الشهرِ جِنايةٌ كاملةٌ، ثُمَّ نحنُ لا نُوجُب الكفارةُ بالقياسِ، وإنما يُوجبها استدلالًا بالنصِّ؛ لأنَّ السائِلَ ذَكِر المواقعةَ، وعينَها ليستْ بجنايةٍ بل هو فِعْلٌ في محلٍ مملوكٍ، فإنمّا الجنايةُ الفِطْرُ بها فتبينَ أنَّ الموجبَ للكفارةِ فْطِرٌ هو جنايةٌ. ألا ترى أنّ الكفارةَ تُضافُ إلى الفِطْرِ، والواجباتُ تُضافُ إلى أسبابِها، والدليلُ عليهِ: أنها لا تجبُ على الناسِي؛ لانعدامِ الفِطْرِ فَلو كانتْ متعلقةً بالوقاعِ عَينهٍ لما اختلفَ الحُكْمِ بينَ العَمْدِ، والنسيانِ كما في الزِّنا، ثُمَّ إيجابهُا في الأَكْلِ أولى؛ لأنَّ الكفارةَ أوجبت زاجرة، ودعاء الطبع في وقت الصَّوْم إلى الأكل أكثر منه إلى الجماع، والصبرُ عنهُ اشتدَّ، فإيجابُ الكفارةِ فيهِ أولى أنّ حُرمةَ التأفيفِ تقتضَي حُرمةَ الشَّتْمِ بطريقِ دلالةِ النصِّ لا بالقياسِ، وكما في قولهِ ﵊ (١): «لا قَوْدَ إِلاَّ بالسَّيفِ» (٢)، ويجبُ بالرَّمحِ والسَّهمِ دلالةً لا قِياسًا فإنَّ بابَ القياسِ مُنسدٌ في بابِ العقُوباتِ (٣). [الفرق بين الجماع والأكل والشرب] فإنْ قلتَ/: للجِمَاعِ مزيةٌ في استدعاءِ الزاجرِ لغلَطِهِ في الجِنَايةِ، فلا يثَبتُ الحُكْمُ في غيرهِ، وذلكَ مِن وجوهٍ: أحدُها: أنَّ الجِماعَ يوُجبُ الفطْريْن فكانَ اشدَّ بخلافِ الأَكْل، والشُّربِ والثاني: أنَّ الزاجَر شُرِعَ في الوِقَاعِ عندَ عَدَمِ المُلْكِ، ولم يُشَرعْ في الأَكْلِ عندَ عَدَمِ المُلْكِ، وذلكَ دليلٌ على زيادةِ حُرْمةٍ في الوقاع والثالثُ: أنَّ الإِحْرامَ يَفسدُ بسببِ الجِمَاعِ، ولا يفُسدُ بسائرِ محظوِراتِ الحجِّ، والرابع: أنَّ تمامَ الجُوع يُبيحُ الفِطْرَ بحقِّ الضرورةِ، وكانَ بعضُهُ يُوجِبُ شُبهة الإباحةِ، والكفارةُ لا تجبُ مع الشَّبهةِ بخلافِ الوِقاعِ، فإنُه لا يُباحُ أصلًا في حقِّ الصائِم، والخامسُ: أنَّ الوقاعَ بالمرأةِ، وأعيانٍ منَ الطرفين بخلافِ الأَكْلِ، وما كانَ أكثرُ دَعاءً كانَ أشدَّ استدعَاءً للزاجرِ ألا ترى أنّ أَكْلَ الحُصاةِ والنُّواةِ (لا) (٤) يُوجِبُ الكفارةَ، وإنْ ساوى غيرَهُ في إفسادِ الصَّوْم لقِلةَِّ (الدُّعاءِ إلى) (٥) أَكْلِهما (٦).

стр. 1229

قلتُ: أمّا الأولُ فإنهُ لا فرقَ بينَ جِماعِ الصغيرةِ، والكبيرةِ، والمكُرهةِ، والبهيمةِ على أصلهِ، وليس فيهِ فِطْرانٌ، ومع ذلك وَجبتْ الكفارةُ، ولِأَنَّ فِطْرَ المرأةِ جِنايةٌ أخرى على صومِ المرأةِ فلا يزدادُ جنايةً بهِ على صومِ نفسِهِ. وأمّا الجوابُ عنِ الثاني: فإنّا سوَّيْنا بينَ الأَكْلِ، والوِقاعِ في حقِّ الصَّوْم في الركنيةِ حُرمةً، وإباحةً لِوُجُودِ دليلِ المساواةِ؛ وذلكَ لأنّ اللهَ تعالى ذكَر المباشرةَ ليلًا، والأَكْلَ، والشَّربَ، ثُمَّ أَمَرَ بالصَّوْم عنها جُملةً إلى الليلِ فصارَ الرُّكْنُ هو الكفُّ عنها جُملةً فكانَ الكُلَّ كشيءٍ واحدٍ في الاستواءِ في السببيةِ فلمْ يكنْ للجِمَاعِ مزيةٌ على غيرِهِ كالأشياءِ المختلفةِ يتناولُها اسمُ الشيءِ، وليسَ للواحِدِ زيادةُ استحقاقٍ في اسمِ الشيئيةِ على غيرهِ، وإنْ كانتْ الأشياءُ في أنفُسِها مختلفةً بخلافِ عَدَمِ المُلْكِ فإنَّ حُرْمَة الجِمَاعِ فيهِ أغلظُ حتى لا يزولُ بالبدلِ (١). وأمّا الجوابُ عنِ الثالثِ: فإنَّ حُرمةَ الجِمَاعِ في الحجِّ أقوى حتى لا يرتفعَ بالحلْقِ إلى أنْ يطوفَ طوافَ الزيارةِ بخلافِ سائرِ المحظوراتِ حيثُ يرتفعُ بالحَلْقِ، وأمّا هاهنا فكُلَّها سواءٌ لما ذكرنا (٢). وأمّا الجوابُ عن الرابعِ: فقلنا: إنّ تمامَ الجُوعِ لا يُبيح الفِطْرِ، وما ابتلينا بهِ إِلاَّ للجوعِ، والضرورةِ المبيحةِ لخوفِ الهلاكِ على نفسهِ ليستْ مِنَ الجُوعِ؛ لأنَّ الجوعَ عبارةٌ عن الاشْتِهاءِ، ووقوعِ الحاجةِ إلى الأِكْلِ، وهذا لا يُبيحُ بحالِ والضرورةُ، وعبارةٌ عن خُلُوِّ المُعِدَةِ مِنَ الموادِ التي يتعلقُ بها بقاءُ/ القوُة الطبيعيةِ، وذلكَ الخُلوُّ لا يُتصورُ ببعضِهِ، فبعضُ الموادِ إذا بقي فلا خُلوِّ كخُلوِّ الجِرابِ عن ما فيهِ لا يتصورُ ببعضهِ (٣). وأمّا الجوابُ عن الخامسِ: فهو الجوابُ عن الأولِ لما أنَّ شرعتَهُ الكفارةُ في الوقاعِ، أيْ: الإفطارُ فيهِ حتى أنها وجبتْ في جِماعِ الصغيرةِ، والحاملِ، والمرضعِ بالاتفاقِ (٤)، وفي جمِاعِ البهيمةِ، والميتةِ عندَهُ، ولا إفطارَ إِلاَّ مِنْ جانبٍ واحدٍ. هذه فوائدُ مجموعةٌ في «الْأَسْرَارِ» (٥)، والمَبْسُوطين (٦). ولنا أنَّ الكفارةَ تعلقتْ بجنايةِ الإفطارِ في رمضانَ على وجهِ الكمالِ، فإن قلت: هذهِ الدَّعوى مستفادُةُ عِنْدَنَا مِنْ قولهِ ﵊: «مَنْ أفطْرَ في رمضانَ فعليهِ ما على المُظاهرِ» (٧) ولا يمُكنُ إجراءُ هذا الحديثِ على عمومهِ لوجودِ الإفطارِ فيمنَ أَكَلَ الحَصاةَ أو النَّواةَ، ولا كفارةَ فيهِ باتفاقٍ بيننا، وبينَ الخصمِ (٨).

стр. 1230

قلتُ: ثَبتَ بهذا الحديثِ انعدامُ انحصارِ الكفارةِ بالوقاعِ كما هو زَعَم الخصمُ، وأمّا اشتراطُ كمالِ الجِنايةِ في إيجابِ الكَفارةِ، فلسنا عُدةَ الخصمِ؛ وذلكَ لأنّ الكفارةَ هاهنا أقصى عقوبةٍ ثَبتت في حقِّ مَنْ باشَرَ هَتْكَ حُرْمِة صومِ رمضانَ، فيستدعي أقصى جِنايةٍ فيه، وذلكَ إنما يكونُ بالفِطْرِ الذي هو فِطْرُ صُورةٍ، ومعنى مع صفةِ العَمْدِ فثبتَ بهذا المجموعِ منِ (الحديثِ) (١)، والإجماعِ ما قلنا: (إنّ الكفارةَ تعلقتْ بجنايةِ الإفطارِ في رمضانَ على وجهِ الكمالِ) (٢)، وفي «الجامعِ الصغيرِ» للإمام المحبوبي، وحكى عنِ القاضي أبي علي النسفي (٣) أنّهُ قالَ: أتعجَّبُ مِنَ الشَّافِعِي أنهُ يَوجِبُ القضاءَ دُونَ الكفارةِ في الأَكْلِ، والشُّربِ عامِدًا، وفي الحاملِ، والمرضعِ إذا أفطرَتا، وخافتا على ولدِهَمِا أو على أنفسِهِمَا يُوجبُ القضاءَ مع الفديةِ فقد جعلَ القاصِدَ المتُعَمِدَ مَعذورًا حيثُ قالَ: يُكتفى بهِ بقضاءِ يومٍ واحدٍ، وما جعل الحاملَ، والمرضعَ معذورٌ حيثُ ألزمَها مع القضاءِ فديةٌ، وهذا قولٌ فيهِ ما فيهِ لما رَوينا (٤)، وهو قولُهُ ﵊: «مَنْ أَفْطَرَ في رمضانَ فعليهِ ما على المُظاهِر» (٥)، الفرقُ مِكْيالٌ معَروفٌ بالمدينةِ وقد يحَرّكُ. وعن محُمدٍ: الفرقُ ستةُ وثلاثونُ رَطلًا، وقد ذكرنا شِيعًا في الزَّكَاةِ ليسَ بين لابتي المدينةِ أحدٌ أحوجَ مِنيِّ (٦)، اللابةُ (٧) واللُّوبة الحّرُة وهي الأرضُ ذاتُ الحِجَارةِ السُّودِ، والمعنى ليسَ بالمدينةِ أحوجُ مني، وإنما قِيلَ ذلكَ؛ لأنّ المدينةَ بينَ حرتين، ثُمَّ جرى على أفواهِ الناسِ في كُلِّ بلدةٍ، فيقولون: ما بينَ لابتيها مثلَ فلانٍ مِنْ غيرِ إظهارِ صاحبِ الضميرِ. كذا في «المُغْرِب» (٨).
следующие страницы →