← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

الثانيِ: في وجوبِ الكفارةِ، وهو قولُ جمُهورِ العلماءِ، وكانَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ ﵁ (١) يقولُ: لا كفارةَ على المِفْطِرِ [في رمضانَ] (٢)؛ لأنَّ في آخرِ حديثِ الأعرابي أنّ النبيَّ ﵊ قالَ له: «كُلْهَاَ أنتَ وِعيالُكَ» (٣) فانتسخَ بهذا حُكْمُ الكفارةِ، ولنا قولُ النبي ﵊: «مَنْ أفطرَ في رمضانَ متعُمدًا، فعليهِ ما على المُظاهر» (٤)، وفي حديثِ الأعرابي زادَ في بعضِ الرواياتِ: «تجزئُكَ ولا تجُزئُ أحدًا بعدَكَ» (٥)، فإنْ تثبتْ هذهِ الزيادةُ، ظَهَرَ أنهُ كانَ مخصوصًا، وإنْ لم تثبتْ هذهِ الزيادةُ لا يتبينُ بها انتساخُ الكُفارِ، ولكنُه عُذْرُهُ في التأخيرِ للعشرةِ. والثالث: في وجوبِ الكفارةِ في الأَكْلِ، والشُّربِ عَامدًا فعِنْدَنَا يجبُ (٦)، وقالَ الشَّافِعِي ﵀ (٧): لا كفارةَ. [كفارة الفطر] والرابع: أنّ الكفارةَ مرتبةٌ عندَنَا (٨) وعنَد الشَّافِعِي (٩) (١٠)، وقالَ مالكٌ (١١): تثبتُ على سبيلِ التخييرِ (١٢) لا على سبيلِ الترتيبِ.

стр. 1227

والخامس: أنَّ الصَّوْم في الكفارةِ مُقَّدرُ بشهرين (١)، وقالَ ربيعةُ الرأي (٢): الصَّوْم مُقَّدُرُ باثني عشرَ يومًا قالَ: لِأَنَّ السُنةَ اثني عشرَ شهرًا، والمأمورُ بهِ صومُ شهرٍ واحدٍ مِنَ السَّنةِ ليقُومَ ذلكَ مَقامَ اثني عشَر شهرًا، فصومُ كُلِّ يومٍ يقومُ مَقامَ اثني عشَر يومًا، وبعضُ الزُّهادِ يقولُ (٣): الصَّوْم مُقَّدٌر بألفِ يومٍ، فإنَّ في رمضانَ ليلةَ القدرِ، وهي خيرٌ مِنْ ألفِ شهرٍ، فإذا نَوَى صومَ يومٍ منُه فعليهِ أنْ يصومَ ألفَ يومٍ ليقومَ مقامَهُ، ولسنا نأخذُ بشيءٍ منِ هذا، فإنّ الاعتمادَ على الآثارِ المشهورةِ كما رَوينا، وهذهِ آثارٌ تلقاها العلماءُ بالقَبولِ، والعملِ بها فإثباتُ الكفارةِ بمثلهِ جائزٌ. والسادس: أنَّ الصَّوْم مُقَّدرٌ بالشهرينِ بصفةِ التتابع، وقالَ ابْنُ أبي لَيْلَى (٤): إنْ شاءَ فَّرقَ، وإنْ شاءَ تابعَ. كذا في «المَبْسُوط» (٥)؛ لأنها شُرِعَتْ في الوقائعِ؛ لأنَّ النصَّ وردَ في الجِماعِ في حديثِ الأعرابيِّ (٦) حيثُ/ سألَ النبيَّ ﵊: واقعْتُ امرأتي في نهارِ رمضانَ؟ فتصيرُ المواقعةُ سببًا نصًّا فلا يجوزُ التعليقُ بسببٍ آخرَ، وهو الأَكْلُ والشربُ؛ لأنّ الكفاراتِ تجري مجرى العقُوباتِ فلا تثبتُ أسبابُها قِياسًا، وإنمَّا تثبتُ بالنصِّ، فالجِماعُ منصوصٌ عليهِ فصارَ السببُ جِماعًا لا يبقى معهُ صومُ الوقتِ، ولهذا قُلْتُ (٧): تجبُ الكفارة بجِماعِ الميتةِ، وجماعِ البهيمةِ، وكذلكَ إذا أصبحَ فجامَعَ لِأَهلهِ؛ لأنَّ الصَّوْم مُنعدِمُ بسببِ الجِمُاعِ، وإنمَّا علماؤُنا احتجوا بما رَوَى أبو هُريرةُ ﵁: «مَنْ أَفْطَرَ في رمضانَ فعليهِ ما على المُظاهرِ» (٨)، ولم نذكرْ بأيِّ سببٍ أفطرُه، وسألهُ رَجلٌ فقالَ: "يا رسولَ اللهِ أفطْرتُ في رمضانَ؟ فقالَ ﵊: «مِنْ غير مَرُضٍ، ولا سَفَرٍ»؟ فقالَ: نعمْ، فقالَ: «أعتقْ رقبةً» (٩)، ولم يسألْهُ عمَّا أفطرهُ، فَدلَّ أنهُ لا يختلفُ. ألا ترى أنهُ سألَهُ عن حالهِ بالمرضِ، والسفرِ لاختلافِ حُكْمِ الحالِ (١٠).

стр. 1228

ولِأَنَّ فِطْرَهُ تضمَّنَ هَتْكَ حُرْمَةِ الشهرِ فكانَ كالفِطْرِ بالجِمَاعِ بيانهٌ: أنَّ نصَّ التحريمِ تَمَّ بالنَّهارِ، يتناولُ ما تناولَهُ نصُّ الإباحةِ بالليالي، وهَتْكُ حُرمةِ الشهرِ جِنايةٌ كاملةٌ، ثُمَّ نحنُ لا نُوجُب الكفارةُ بالقياسِ، وإنما يُوجبها استدلالًا بالنصِّ؛ لأنَّ السائِلَ ذَكِر المواقعةَ، وعينَها ليستْ بجنايةٍ بل هو فِعْلٌ في محلٍ مملوكٍ، فإنمّا الجنايةُ الفِطْرُ بها فتبينَ أنَّ الموجبَ للكفارةِ فْطِرٌ هو جنايةٌ. ألا ترى أنّ الكفارةَ تُضافُ إلى الفِطْرِ، والواجباتُ تُضافُ إلى أسبابِها، والدليلُ عليهِ: أنها لا تجبُ على الناسِي؛ لانعدامِ الفِطْرِ فَلو كانتْ متعلقةً بالوقاعِ عَينهٍ لما اختلفَ الحُكْمِ بينَ العَمْدِ، والنسيانِ كما في الزِّنا، ثُمَّ إيجابهُا في الأَكْلِ أولى؛ لأنَّ الكفارةَ أوجبت زاجرة، ودعاء الطبع في وقت الصَّوْم إلى الأكل أكثر منه إلى الجماع، والصبرُ عنهُ اشتدَّ، فإيجابُ الكفارةِ فيهِ أولى أنّ حُرمةَ التأفيفِ تقتضَي حُرمةَ الشَّتْمِ بطريقِ دلالةِ النصِّ لا بالقياسِ، وكما في قولهِ ﵊ (١): «لا قَوْدَ إِلاَّ بالسَّيفِ» (٢)، ويجبُ بالرَّمحِ والسَّهمِ دلالةً لا قِياسًا فإنَّ بابَ القياسِ مُنسدٌ في بابِ العقُوباتِ (٣). [الفرق بين الجماع والأكل والشرب] فإنْ قلتَ/: للجِمَاعِ مزيةٌ في استدعاءِ الزاجرِ لغلَطِهِ في الجِنَايةِ، فلا يثَبتُ الحُكْمُ في غيرهِ، وذلكَ مِن وجوهٍ: أحدُها: أنَّ الجِماعَ يوُجبُ الفطْريْن فكانَ اشدَّ بخلافِ الأَكْل، والشُّربِ والثاني: أنَّ الزاجَر شُرِعَ في الوِقَاعِ عندَ عَدَمِ المُلْكِ، ولم يُشَرعْ في الأَكْلِ عندَ عَدَمِ المُلْكِ، وذلكَ دليلٌ على زيادةِ حُرْمةٍ في الوقاع والثالثُ: أنَّ الإِحْرامَ يَفسدُ بسببِ الجِمَاعِ، ولا يفُسدُ بسائرِ محظوِراتِ الحجِّ، والرابع: أنَّ تمامَ الجُوع يُبيحُ الفِطْرَ بحقِّ الضرورةِ، وكانَ بعضُهُ يُوجِبُ شُبهة الإباحةِ، والكفارةُ لا تجبُ مع الشَّبهةِ بخلافِ الوِقاعِ، فإنُه لا يُباحُ أصلًا في حقِّ الصائِم، والخامسُ: أنَّ الوقاعَ بالمرأةِ، وأعيانٍ منَ الطرفين بخلافِ الأَكْلِ، وما كانَ أكثرُ دَعاءً كانَ أشدَّ استدعَاءً للزاجرِ ألا ترى أنّ أَكْلَ الحُصاةِ والنُّواةِ (لا) (٤) يُوجِبُ الكفارةَ، وإنْ ساوى غيرَهُ في إفسادِ الصَّوْم لقِلةَِّ (الدُّعاءِ إلى) (٥) أَكْلِهما (٦).

стр. 1229

قلتُ: أمّا الأولُ فإنهُ لا فرقَ بينَ جِماعِ الصغيرةِ، والكبيرةِ، والمكُرهةِ، والبهيمةِ على أصلهِ، وليس فيهِ فِطْرانٌ، ومع ذلك وَجبتْ الكفارةُ، ولِأَنَّ فِطْرَ المرأةِ جِنايةٌ أخرى على صومِ المرأةِ فلا يزدادُ جنايةً بهِ على صومِ نفسِهِ. وأمّا الجوابُ عنِ الثاني: فإنّا سوَّيْنا بينَ الأَكْلِ، والوِقاعِ في حقِّ الصَّوْم في الركنيةِ حُرمةً، وإباحةً لِوُجُودِ دليلِ المساواةِ؛ وذلكَ لأنّ اللهَ تعالى ذكَر المباشرةَ ليلًا، والأَكْلَ، والشَّربَ، ثُمَّ أَمَرَ بالصَّوْم عنها جُملةً إلى الليلِ فصارَ الرُّكْنُ هو الكفُّ عنها جُملةً فكانَ الكُلَّ كشيءٍ واحدٍ في الاستواءِ في السببيةِ فلمْ يكنْ للجِمَاعِ مزيةٌ على غيرِهِ كالأشياءِ المختلفةِ يتناولُها اسمُ الشيءِ، وليسَ للواحِدِ زيادةُ استحقاقٍ في اسمِ الشيئيةِ على غيرهِ، وإنْ كانتْ الأشياءُ في أنفُسِها مختلفةً بخلافِ عَدَمِ المُلْكِ فإنَّ حُرْمَة الجِمَاعِ فيهِ أغلظُ حتى لا يزولُ بالبدلِ (١). وأمّا الجوابُ عنِ الثالثِ: فإنَّ حُرمةَ الجِمَاعِ في الحجِّ أقوى حتى لا يرتفعَ بالحلْقِ إلى أنْ يطوفَ طوافَ الزيارةِ بخلافِ سائرِ المحظوراتِ حيثُ يرتفعُ بالحَلْقِ، وأمّا هاهنا فكُلَّها سواءٌ لما ذكرنا (٢). وأمّا الجوابُ عن الرابعِ: فقلنا: إنّ تمامَ الجُوعِ لا يُبيح الفِطْرِ، وما ابتلينا بهِ إِلاَّ للجوعِ، والضرورةِ المبيحةِ لخوفِ الهلاكِ على نفسهِ ليستْ مِنَ الجُوعِ؛ لأنَّ الجوعَ عبارةٌ عن الاشْتِهاءِ، ووقوعِ الحاجةِ إلى الأِكْلِ، وهذا لا يُبيحُ بحالِ والضرورةُ، وعبارةٌ عن خُلُوِّ المُعِدَةِ مِنَ الموادِ التي يتعلقُ بها بقاءُ/ القوُة الطبيعيةِ، وذلكَ الخُلوُّ لا يُتصورُ ببعضِهِ، فبعضُ الموادِ إذا بقي فلا خُلوِّ كخُلوِّ الجِرابِ عن ما فيهِ لا يتصورُ ببعضهِ (٣). وأمّا الجوابُ عن الخامسِ: فهو الجوابُ عن الأولِ لما أنَّ شرعتَهُ الكفارةُ في الوقاعِ، أيْ: الإفطارُ فيهِ حتى أنها وجبتْ في جِماعِ الصغيرةِ، والحاملِ، والمرضعِ بالاتفاقِ (٤)، وفي جمِاعِ البهيمةِ، والميتةِ عندَهُ، ولا إفطارَ إِلاَّ مِنْ جانبٍ واحدٍ. هذه فوائدُ مجموعةٌ في «الْأَسْرَارِ» (٥)، والمَبْسُوطين (٦). ولنا أنَّ الكفارةَ تعلقتْ بجنايةِ الإفطارِ في رمضانَ على وجهِ الكمالِ، فإن قلت: هذهِ الدَّعوى مستفادُةُ عِنْدَنَا مِنْ قولهِ ﵊: «مَنْ أفطْرَ في رمضانَ فعليهِ ما على المُظاهرِ» (٧) ولا يمُكنُ إجراءُ هذا الحديثِ على عمومهِ لوجودِ الإفطارِ فيمنَ أَكَلَ الحَصاةَ أو النَّواةَ، ولا كفارةَ فيهِ باتفاقٍ بيننا، وبينَ الخصمِ (٨).

стр. 1230

قلتُ: ثَبتَ بهذا الحديثِ انعدامُ انحصارِ الكفارةِ بالوقاعِ كما هو زَعَم الخصمُ، وأمّا اشتراطُ كمالِ الجِنايةِ في إيجابِ الكَفارةِ، فلسنا عُدةَ الخصمِ؛ وذلكَ لأنّ الكفارةَ هاهنا أقصى عقوبةٍ ثَبتت في حقِّ مَنْ باشَرَ هَتْكَ حُرْمِة صومِ رمضانَ، فيستدعي أقصى جِنايةٍ فيه، وذلكَ إنما يكونُ بالفِطْرِ الذي هو فِطْرُ صُورةٍ، ومعنى مع صفةِ العَمْدِ فثبتَ بهذا المجموعِ منِ (الحديثِ) (١)، والإجماعِ ما قلنا: (إنّ الكفارةَ تعلقتْ بجنايةِ الإفطارِ في رمضانَ على وجهِ الكمالِ) (٢)، وفي «الجامعِ الصغيرِ» للإمام المحبوبي، وحكى عنِ القاضي أبي علي النسفي (٣) أنّهُ قالَ: أتعجَّبُ مِنَ الشَّافِعِي أنهُ يَوجِبُ القضاءَ دُونَ الكفارةِ في الأَكْلِ، والشُّربِ عامِدًا، وفي الحاملِ، والمرضعِ إذا أفطرَتا، وخافتا على ولدِهَمِا أو على أنفسِهِمَا يُوجبُ القضاءَ مع الفديةِ فقد جعلَ القاصِدَ المتُعَمِدَ مَعذورًا حيثُ قالَ: يُكتفى بهِ بقضاءِ يومٍ واحدٍ، وما جعل الحاملَ، والمرضعَ معذورٌ حيثُ ألزمَها مع القضاءِ فديةٌ، وهذا قولٌ فيهِ ما فيهِ لما رَوينا (٤)، وهو قولُهُ ﵊: «مَنْ أَفْطَرَ في رمضانَ فعليهِ ما على المُظاهِر» (٥)، الفرقُ مِكْيالٌ معَروفٌ بالمدينةِ وقد يحَرّكُ. وعن محُمدٍ: الفرقُ ستةُ وثلاثونُ رَطلًا، وقد ذكرنا شِيعًا في الزَّكَاةِ ليسَ بين لابتي المدينةِ أحدٌ أحوجَ مِنيِّ (٦)، اللابةُ (٧) واللُّوبة الحّرُة وهي الأرضُ ذاتُ الحِجَارةِ السُّودِ، والمعنى ليسَ بالمدينةِ أحوجُ مني، وإنما قِيلَ ذلكَ؛ لأنّ المدينةَ بينَ حرتين، ثُمَّ جرى على أفواهِ الناسِ في كُلِّ بلدةٍ، فيقولون: ما بينَ لابتيها مثلَ فلانٍ مِنْ غيرِ إظهارِ صاحبِ الضميرِ. كذا في «المُغْرِب» (٨).

стр. 1231

قولُهُ: (وهو حجةٌ على الشَّافِعِي في قولهِ: يُخَيرُ) كَأنْ وَقَعَ سَهوًا مِنَ الكاتبِ، فإنَّ الشَّافِعِي ﵀ لا يقولُ بالتخييرِ (١)، بلْ يقولُ بالترتيبِ المذكورِ في حقِّ المظُاهرِ كما هو قَولنا (٢)، وهذا منصوصٌ في كتُبِهم من «الوجيزِ» (٣)، و «الخلاصةِ» (٤) المنسوبين إلى الغزالي ﵀ (٥)، وكذلك في كِتبنا من مبسوطي شمسِ الأئمة، وفَخْرُ الْإِسْلَام (٦)، وكذلك في نسبةِ (نفي التتابعِ إلى مَالِكِ نَظَرٌ أيضًا) (٧)، بل القائلُ بالتخيير مَالِكٌ، والقائِلُ بعدَمِ التتابعِ ابْنُ أبي لَيْلَى ذكرهما في «المَبْسُوط» (٨)، واحتجَّ مَنْ قالَ بالتخييرِ بحديثِ سعدٍ بنِ أبي وقاصِ ﵁ أنَّ رجلًا سألَ رسول الله ﵊ فقال: إني أَفطرتُ في رمضانَ؟ فقال: «أعتقْ رقبةً، أو صُمْ شهرين، أو أطعْم ستينَ مِسكينًا» (٩) (١٠)، ولنا ما روينا مِن قولهِ ﵊: «فعليهِ ما على المُظاهر» (١١) فتبينَ بهذا أنّ المرادُ بالحديثِ الآخرِ بيانٌ بأنهُ تتأدّى الكفارةُ في الجملةِ لإتيانِ التخييرِ، ثُمَّ بعدَ العجزِ عن العتقِ كفارتُهُ بالصَّوْم إِلاَّ على قولِ الحسنِ البصري، فإنهُ يقولُ عليهِ بَدَنةً (١٢)، وجعلَ هذا قياسُ الجامعِ في الإحرامِ، ولكنا نقولُ: لا مَدْخَلَ للقياسِ في إثباتِ ما بهِ تتأدَّى الكفارةُ، وإنما طريقُ معرفةِ النصِّ، وليسَ في شيءٍ من النصوص ذِكْرُ البدَنةِ في كفارةِ الفِطْرِ، واحتجَّ مِنْ قالَ: بنفي التتابعِ، وهو ابْنُ أبي لَيْلَى بالقياسِ على القضاءِ (١٣)، وما روينا منَ الآثارِ حُجَةً عليهِ، وكُلُّ صيامٍ لم يذكره اللهُ تعالى في القرآنِ متتابعًا فالصائمُ بالخيارِ إنْ شاءَ تابعَ، وإنْ شاءَ فَرَّقَ، وكُلُّ صومٍ ذُكِرَ في القرآنِ متتابعًا فعليهِ التتابعُ، والصياماتُ المذكورةُ في كتابِ اللهِ تعالى ثمانيةٌ: أربعةٌ منها متتابعةٌ، وأربعُة منها صاحَبِهُا بالخيارِ أما التتابعُ فصومُ رمضانَ متتابعٌ لتتابُع الوقتِ لا مقَصودًا بنفسهِ، فإنَّ وقتهُ شهرُ رمضانَ، والثلاثُ الآخرُ هي كفارةُ القتلِ، وكفارَةُ الظِّهارِ، وكفارةُ اليمينِ عنَدنا، وأمّا الأربعُ التي صاحبها بالخيارِ الأولِ: قضاءُ رمضانَ، والثاني صومُ المتعةِ/ بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (١٤) (١٥)، والثالث: صومُ كفارةِ الخلوةِ بقولهِ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ (١٦) (١٧)، والرابع: كفارةُ جزاءُ الصيدِ بقولهِ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (١٨) (١٩)، ومِنْ مشايخِنا مَنْ قالَ (٢٠): الجُملة في ذلكَ أنَّ كُلَّ كفارةٍ شُرِعَ فيها عْتقٌ فإنّ صومَهُ متتابعٌ، وما لم يُشرَعْ فيها عِتْقٌ، فصاحُبهُ بالخيارِ، فحينئذٍ يدخلُ فيهِ كفارةُ الفطرِ (٢١)، كذا في «المَبْسُوط» (٢٢)، للنصِّ عليه، أي: للتنصيصِ على التتابعِ في حديثِ الأعرابي، فإنه قالَ له: «صُمْ شهرين متتابعين» (٢٣).

стр. 1232

[مسألة الجماع دون الفرج] ومَنْ جامَع فيما دونَ الفرجِ، وأنزلَ فعليهِ القضاءُ أراد بالفرجِ (١) القُبُلَ والدُّبرَ فكانَ مأذونَ الفرجِ هو التفخيذِ (٢) والتبطينِ (٣)، وليسَ في إفسادِ الصَّوْم في غير رمضانَ كفارةُ؛ لأنَّ وجوبَ الكفارةِ بالنصِّ، والنصوصُ وردتْ بالفْطرِ في رمضانَ، والفطْرُ في غيرِ رمضانَ ليسَ في معنى الفِطْرِ في رمضانَ مِنْ كُلِّ وجهٍ؛ لأنَّ هذا اليوَم ما كان متعينًا لقضائِهِ، وهذا بخلافِ الحجِّ فإنَّ الجِماعَ في قضاءِ الحجِّ يُوجبُ ما يوجبهُ في الأداءِ لتحققِ المساواةِ في معنى الجَنِابةِ، ألا ترى أنَّ في الحجِّ النفلَ يتعلقُ بالجَمِاعِ ما يتعلقُ في الحجِّ الفرضِ بخلافِ الصَّوْم، كذا في «المَبْسُوط» (٤). [مسألة الحقنة والسعوط] ومن/ احتقنَ أو استعطَ كلاهما بالفتحِ على بناءِ الفاعلِ مِنْ حَقْنِ المريضِ داواهُ بالحُقنة (٥)، وهي دواءٌ يجُعلُ في خريطةِ منْ أَدمٍ يُقالُ لهُ: الحُقنةُ، واحتُقِن بالضم غيرُ جائزٍ، وإنما الصوابُ حُقِن أو عُوِلجَ بالحقُنةِ والسُّعوطُ: الدواءُ الذي يُصَّبُ في الأنفِ، واستعطته إياه، واستعطَ هو بنفسهِ، ولا تقلْ: استعطَ مبنيًا للمفعول، كذا في «المُغْرِب» (٦)، أو أقطر على بناءِ المفعول كذا وجدتْ بخط شَيْخِي ﵀ (٧). قال شَيْخُ الإسْلَامِ (٨): فهاهنا سبعُ مسائلَ: الوجور (٩)، والسُّعوطُ (١٠)، والإقطارُ في الأُذُنِ في الإحليلِ، والحقنةُ، والجايفةُ (١١)، والأمةُ (١٢) أما الوجورُ، والسعوطُ، والإقطارُ في الأذنِ فمفسدٌ للصومِ (١٣) لوجودِ الأكلِ معنىً لأنهُ وصلَ المغِّذي إلى الجوِفِ، وهو ذاكرٌ لصومهِ، وقولُنا: وصلَ المغذي؛ لأنَّ الدواءَ مُصِلحٌ للبدنِ كالطعامِ. وقولنا إلى الجوفِ، أيْ: إلى جوفِ الرأس، والتعذي كما يحصلُ] بوصولِ المغذي إلى جوفِ البطنِ (١٤) يحصلُ بوصولِ المغذي إلى جوفِ الرأسِ؛ لأنّ الدماغَ يحتاجُ إلى التدويةِ كالبدنِ، ولِأَنَّ بينَ الجوفين مَنفذًا أصليًّا، فما وصلَ إلى جوف الرأسِ يصلُ إلى جوفِ البطنِ، ولهذا تثبتُ] حرمةُ (١٥) الرِّضاعِ بالسُّعوطِ، والإقطارِ في الأُذُنَ، وكذا الجوابُ في الحقنةِ إِلاَّ أنهُ لا تثبتُ بها حرمةُ الرضاعِ؛ لأنَّ حرمةَ الرضاعِ إنما تثبتُ بما يقصدُ به التغذي قالَ ﵊:» الرضاعةُ مِنَ المجاعةِ «(١٦)، والحقنةُ مما لا يقصدُ به التغذي، ثُمَّ لا بأسَ بالاحتقانِ حالةَ الضرورةِ، وهو قولُ إبراهيمَ النخعي (١٧)، وقال مجاهدٌ (١٨)، والشعبي (١٩) (٢٠): يُكُره (٢١)، وفي مبسوط شمسِ الأئمةِ (٢٢)، وفَخْرُ الْإِسْلَام:] وكذا (٢٣) الحقنةُ لمِا قلنا: بخلافِ الصبيِّ إذا احتقنَ بلبنِ امرأةٍ حيث لا تثبتُ بهِ حرمُة الرضاعِ إِلاَّ في روايةٍ شاذةٍ عن مُحَمَّد (٢٤)؛ لأنّ ثبوتَ حرمةِ الرَّضاعِ تُفِطُر بما يحصلُ به إثباتُ اللحمِ، وإنشازُ العظمِ، وذلك إنما يكونُ بما يصلُ إلى المعدَة مِنْ أعالي البدنِ لا مِنْ أسافلهِ، فإنَّ الِفَطْرَ يحصُلُ بِوُصولِ المِفْطِرِ إلى باطنهِ لانعدامِ الإمساكِ بهِ، ولا كفارةَ لانعدامِ الصورةِ؛ لأنّ اقتضاءَ الشَّهوةِ لا يتمُّ بهِ إِلاَّ في روايةِ هشامٍ عن أبي يوسفَ أنَّ عليهِ الكفارةَ (٢٥) إذا لم يكنْ بهُ عْذرٌ، كذا في «المَبْسُوط» (٢٦)، ولو أَقْطَرَ في أُذُنِهِ الماءَ أو دخلهُ لا يفسدُ صومُهُ.

стр. 1233

وفي «الجامع الصغير» لقاضي خان (١): إذا خاض الماءُ فدخلَ الماءُ أذَنهُ لا يفسدُ صومُهُ، وإنْ صبَّ الماءَ في أذُنِهِ اختلفوا فيهِ، والصحيحُ: هو الفسادُ؛ لأنّهُ وصلَ إلى الجوفِ بفعلهِ، فلا يُعتبرُ فيهِ صلاحُ البدنِ كما لو أَدْخَلَ خشبةً في دًبرِه، وغيَّبها، يعني: لم يبقَ في خارجِ مِنْ طرفِها شيءٌ، وإنْ طِعُنَ بِرمحٍ لا يفُسد كما لو أدَخلَ خشبةً في دُبُرِهِ وطرفُها بيدهِ، وإنْ بقيَ الرمح في جوفِه. لم يُذكرْ في الكتابِ، واختلفوا فيهِ قالَ بعضُهم: يفسدُ كما لو أدخلَ خشبةً في دُبُرِهِ وغيّبَها، وهكذا ذَكَر القدوري (٢)، وقال بعضُهم: لا يفسدُ، وهو الصحيحُ (٣)؛ لأنهُ لم يوجْد منه الفصلُ، ولم يصلْ إليهِ ما فيهِ صلاحُهُ، ولو داوَى جائفة الجائفةِ الطعنةِ التي بلغتْ الجوفَ أو نفذتهُ (٤). والآمَّةُ: منِ أممته بالعصاء، وأما منِ بابِ طلبِ إذا ضربْتَ أمَّ رأسهِ، وهي الجِلدةُ/ التي تجمعُ الدماغَ، وإنما قِيلَ: للشَّجَةِ أمَّه على معنىِ ذاتِ أمٍ كعيشةٍ راضيةٍ كذا في «المُغْرِب» (٥)، وذَكَر في «المَبْسُوط» (٦): الجائفةُ اسمُ لجِراحةِ وصلتْ إلى الجوفِ، والآمَّة اسمٌ لجراحةٍ وصلتْ إلى الدماغِ، والذي يصلُ هو الرطب، وإنما قيَّدَ بالرَّطْبِ؛ لأنّ في ظاهرِ الروايةِ (٧) فَرْقٌ بين الدواء الرَّطْبُ واليابسِ، وأكثرُ مشايخِنا على أنّ العبرةَ للوصولِ حتى إذا عَلِمَ أنّ الدواءَ اليابسَ وَصَلَ إلى جوفِه فسدَ صومُهُ، وإنْ َعَلِمَ أنّ الرَّطْبِ لم يصلْ إلى جوفهِ لا يفسدُ صومُهُ عِنُدهُ إِلاَّ أنهُ ذكَر اليابسَ، والرَّطْبَ بناءً على العادةِ، فاليابسُ إنّما يُستعملُ في الجراحةِ لاستمساكِ رأسِها بهِ فلا يتعدّى إلى الباطِن، والرطْبُ يصلُ إلى الباطنِ عادةً فلهذاَ فَرَّقَ بينهما.] أن (٨) المثانةَ (٩) بينهما حائِلُ، أيْ: بينَ الجوفِ وبينَ الإحليلِ، فقدْ وقعَ عنَد أبي يوسفَ أنَّ مِنَ المثانةِ إلى الجوفِ مَنفذًا حتى يخرجَ البولُ منهُ، ووقعَ عنَدَ أبي حنيفةَ، ومُحَمَّد رحمهما اللهُ (١٠) أنهُ ليسَ منَ المثانةِ إلى الجوفِ مَنفذًا حتى يَقْدِرَ المرءُ على استمساكِ البولِ، والأمر على ما قالا (١١)، فإنّ أَهلَ الطِّبِ يقَولونَ: البولُ يخرجُ رَشَحًا، وما يخرجُ رشَحًا [لا يعودُ رشحًا] كالجَّرةِ إذا سُدَّ رأْسُها، والقيءُ في الحوضِ يخرجُ منها الماءُ، ولا يدخلُ فيها، وبعضُهم يقولُ: هناكَ منفذٌ على صورةِ حرفِ الحاءِ، فيخرجُ منهُ البولُ، ولا يتصوُر أنْ يعوَد فيه شيءٌ مما يصبُّ في الإحليلِ هذا إذا وصلَ إلى المثانةِ، فأمّا إذا لم يصلْ، ولكنْ بعَد في قضيةِ الذكرِ لا يفسدُ صومُهُ بالإجماعِ، هكذا حكى عن أبي بكرٍ البلخي (١٢)، كذا في المباسيط الثلاثةِ.

стр. 1234

وتكلموا في الأقطارِ في إقبالِ النساءِ بعضِهم قالوا: على هذا الاختلافِ (١)، وبعضُهم قالوا: هو يشبهُ الحقنةَ، فيفسدُ الصَّوْم بلَا خلافٍ (٢)، وهو الأصحُ (٣)، كذا في مبسوط الإمام الْإِسْبِيجَابِي (٤)، وُيكرهُ لهُ ذلكَ، وقالَ بعضُهم (٥): إنْ كانَ الزوجُ سيئَ الخٌلقِ لا بأسَ للمرأةِ أنْ تذوقَ المرقةَ بلسانِها (٦)، كذا في فَتَاوَى قَاضِي خَانْ (٧)، وذَكَر في التجنيسِ (٨) هذا الذي ذكرهُ مِن كرِاهةِ الذوقِ للصائمِ في الفرضِ (٩)، وأمّا في التطُّوعِ فلا بأسَ للصائمِ أنْ يذوقَ شيئًا بلسانهِ؛ لأنَّ الإفطارَ في صومِ التطوعِ يُباحُ بِعُذْرٍ بالاتفاقِ بغيرِ عُذْرٍ على روايةِ الحسنِ عن أبي حنيفةَ، وعلى ما ذُكِرَ في «المنتقى» عن أبي يوسفَ (١٠)، وهذاَ تعريضٌ على الإفطارِ، فأولى أنْ لا يكونَ مَكروهًا (١١)، هكذا ذكرهُ شمسُ الأئمةِ الحلواني (١٢). [مسألة مضغ العلك] ومضغُ العِلْكِ لا يُفْطُرِ (١٣) قالوا: (١٤) هذا إذا كانَ العِلُكُ أبيضُ مضغه غيره، فإنْ كانَ أسودَ أو أبيضَ ولم يمضغْهُ غيرُهُ فسدَ صومُهُ. أما الأسودُ، فلأَنهُ يذوبُ فَيَصِلُ منهُ إلى جوفهِ شيءٌ، وأمّا إذا كان أبيضَ ولم يمضغْهُ غيرهٌ (فلأنه) (١٥) يتفتَتُ (١٦) وإطلاقُ مُحَمَّد في الْكِتَابِ يدلُّ على أنَّ الكُلَّ واحِدٌ (١٧)، كذا في «الجامع الصغيرِ» لقاضي خان (١٨) إِلاَّ أنّهُ يُكرَهُ (١٩) هذا الاستثناءُ مِن قولهِ، ومضغُ العِلُكِ لا يُفطِرُ، ولأنهُ يُتَّهمُ بالإفطارِ مَنْ رآهُ يتهمُهُ بالأَكْل، وذَكَر في «المَبْسُوط» (٢٠)، و «الجامعِ الصغيرِ» (٢١) للإمامِ المحبوبي (٢٢): وإنّما يُكْرهُ؛ لأنّ مَضْغُ العِلْكِ يدبَغُ المَعِدَةِ، ويُشهِي الطعامَ، ولم يأذنِ لُه فهو اشتغالٌ بما لا يُفيدُ، ولِأَنَّ الناظِرَ إليهِ مِنْ بعيدٍ يظنُّ أنهُ يأكْلُ فيتهُمهُ، وقالَ عليٌّ ﵁: "إيّاكَ وما يسبِقُ إلى القلوبِ إنكارُهُ" (٢٣)، وإنْ كانَ عندَكَ اعتذارُهُ، وليسَ كُلَّ سامعٍ نُكرًا تطيقُ بوسعهِ عُذْرُ القيامةِ، أي: لِقيامِ العِلْكِ مَقَامَ السِّواكِ في حقهنَّ لضعفِ أسنانهنَّ. وعمومُ هذا إشارةٌ إلى أنّهُ لا يُكْرَهُ العِلْكُ لغيرِ الصائِم، ولكنْ يسُتحَبُّ للرجالِ تَرْكُهُ إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ (٢٤)، كذا ذَكَرهُ فَخْرُ الْإِسْلَام (٢٥)، وقِيلَ: لا يُستحبُّ (٢٦)، وذُكِرَ قبَلهُ، ويُكْرَهُ (٢٧)، ولا يُقالُ: لا فرقَ بينُهما، قلنا: بلْ بينهما فَرْقٌ؛ لأنهُ يجوزُ أنْ يكونَ الشيءُ غيرَ مُستحَبٍ، وغيرَ مكروهٍ كالمُباحاتِ مِنَ المشي، والقيامِ، والقعودِ في الأمرِ المباحِ.

стр. 1235

ولَا بأْسَ بالكُحْل، ودَهْنِ (١) الشارِبِ (٢) جازَ أنْ يكونَ كِلَاهُما بلفظِ المصدرِ مِنْ كَحلَ عيَنهُ كحلًا، ودَهَنَ رأسَهُ دَهنًا إذا طَلاهُ بالدُّهنِ، وهما من بابِ طلَبَ، وجازَ أنْ يكونَ كِلاهُما بلفظِ الاسمِ بضم الكاف، والدال، فلذلك قيَّدَ شَيْخِي (٣) بالفتحِ والضمِ معًا فيهما، ولو رَوَىَ بالضمِّ فِيهما كانَ المعنى، ولا بأسَ باستعمالِ الكُحلِ، والدهنِ كما ذُكِرَ في قولهِ: والسواكُ/ سنْةُ، أيْ: استعمالُهُ فإنْ قلتَ: قد ذَكَرَ حُكْمَ الاكتحالِ مرةً في هذا البابِ بقولِهِ: ولو اكتحلَ لم يفطْر. فما فائِدَةُ ذِكْرِهِ ثانيًا هُنا، وثالثًا بعيدٌ. هذا بقولهِ: (ولا بأسَ بالاكتحالِ للرجُل) (٤). قلتُ: لِكُلِّ وَضْعٍ فائدةٌ فإنهُ يُستفادُ مِنَ الأَولِ عَدَمُ تَفْطِيرِ الاكتحالِ، ولا يلزمُ منهُ عدمُ الكراهةِ، بلْ يجوزُ أنْ يكونَ الشيءُ مَكروهًا للصائِمِ، وهو غيرُ مُفْطِرٍ، كما إذا ذاقَ شيئًا بلسانِهِ، وبهذهِ المسألةِ يُعْلَمُ أنهُ غيرُ مَكْرُوهٍ، ثُمَّ قْد كلفَ حُكْمُهُ بينَ الرجالِ، والنساءِ كما في العِلْكِ، فيعلمُ بالمسألةِ الثالثةِ أنهما لا يفترقانِ إذا كانَ قصدُ الرجُلِ شيئًا غيرَ الزينةِ مع أنَّ هذا مِنْ خَواصِ مسائلِ «الجامعِ الصغيرِ» (٥)، وذلكَ مِنْ مسائلِ القدوري، والثالثُ مِنْ مسائلِ الفتاوى. إلى هذا أشارَ فَخْرُ الْإِسْلَام في «الجامعِ الصغيرِ»، والمصنفُ وَعَدَ إيرادَ مسائلَ الكتابينِ وما تمسُّ الحاجةُ إلى مسائِلَ سوِى مسائلَ الكتابينِ، وهذا كذلك، ثُمَّ ذَكَر بلفظِ لا بأسَ مع أنَّ الاكتحالَ قد يكونُ مُستحبًّا، كما في يومِ عاشوراءَ احترازًا عن قولِ إبراهيمَ النخعي (٦)، وابْنُ أبي لَيْلَى (٧)، وقد ذكرنا في تلك المسألة؛ لأنهُ يعملُ عَمَلَ الخِضابِ، وبالخِضَابِ جاءَتْ السُّنةُ، ولكنْ] لم يكن (٨) القصدُ (٩) هو الزينةُ، ولكنْ لحاجةٍ أُخرى، كذا ذكره الإمامُ الكشاني (١٠).

стр. 1236

(ولا يُفعلُ لتطويل اللِّحْيةِ إِذا كانتْ بِقَدَرِ المسنونِ) (١)، وهو القُبْضَةُ بضمِ القافِ، فإنَّ اللحيةَ عِنْدَنَا طولهُا بِقَدَرِ القُبْضَةِ، وما وراءَ ذلكَ يجبُ قطعهٌ هكذا رُوِيَ عنْ رسولِ اللهِ ﵊: أنهُ كانَ يأخذُ من اللِّحْيةِ مِنْ طُولهِا، وعرضهِا أوردَهُ أبو عيسى (٢) في جامعهِ، وقالَ: «مِنْ سعادةِ الرَّجلِ حفُّهُ لحِيته» (٣)، وكانَ عبُد اللهِ بنُ عُمرَ ﵄ يقبضُ على لحِيتهِ، ويقطْعُ ما وراءَ القُبضةِ (٤)، ذَكَرَهُ أبو حنيفةَ في آثارِهِ (٥) عن عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ قالَ: وبهِ أخذَ أبو حنيفةَ (٦)، وأبو يوسفَ (٧)، ومحمدٌ (٨)، كذا ذَكَرَهُ أبو اليُسرِ في «الجامعِ الصغيرِ» (٩).

стр. 1237

[مسألة السواك للصائم] ولا بأسَ بالسِّواكِ الرُطْبِ بالغداةِ والعَشيِّ ولفظُ «الجامعِ الصغيرِ» قالَ: لا بأسَ بالسِّواكِ الرُطْبِ بالماءِ للصائمِ فيِ الفريضةِ بالغداةِ والعشيِّ. واعلمْ أَنَّ محمدَاً ذَكَرَ في الأصلِ أنّهُ لا بأسَ للصائِمِ أنْ يَستاكَ بالسوِّاكِ الرَطْبِ (١)، ولم يذكرْ أنهُ رطوبَتَهُ بالماءِ أو بالرُطُوبةِ الأصليةِ التي تكونُ للأشجارِ (٢)، ولا ذُكِرَ أنهُ بلَّهُ بريقهِ أو بَلَّهُ بالماءِ، فلولا روايةُ «الجامعِ الصغيرِ» لكانَ لقائلٍ أنْ يقولَ: إذا كانَ رَطْبًا بالريقِ لا بأسَ بهِ أمّا إذا كانَ رِطْبًا بالماءِ، فيُكْرهُ لمِا فيهِ مِنْ الحوْمِ حِوْلَ الحِمى وهكذا رُوِيَ عن أبي يوسفَ، فلمَّا نصَّ هاهنا على الرَّطْب بالماءِ أزالَ الإَشكالَ، وأزاحَ الاشتباهَ، ولا مُعتبرَ بما قالَهُ أبو يوسفَ؛ لأن ما يبقى مِنَ الرُّطُوبةِ بعدَ المضمضةِ أكثرُ مما يبقى بعَد السِّواكِ، ثُمَّ لم يُكْرَهُ للصائِمِ المضمضةُ، فكذلكَ لا يُكَرُه السواكُ وقد رُوِيَ عنِ النبي ﵊ "كانَ يأمرُ عائشةَ ﵂ أن تَبُلَّ السِّواكَ بريِقها، ثُمَّ يستعملُهُ وهو صائِمٌ" (٣)، كذا في «الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّةِ» (٤). قلتُ: وبقولِهِ: (ولا بأسَ بالسِّواكِ الرّطْبِ) إلى آخرِه يُعلَمُ أنَّ ما ذَكَرهُ الصدرُ الشهيدُ ﵀ (٥) (٦) في بابِ حُكْم المسجدِ من «الجامع الصغير» (٧): أنَّ كلمةَ لا بأسَ دليلٌ على أنّ المستحبَّ غيرُه، وكذلكُ ما ذَكَرهُ في الْكِتَابِ قُبيلَ بابِ الوِترِ ليسَ بمِجْرَى على عمومهِ في كُلِّ الصُّور؛ إذ دليلُ جوازِ استعمالِ السِّواكِ للصائِمِ هو عينُ الدليلِ الذي جعلوهُ دليلًا على سُنية السِّواكِ، واستحبابهٌ في حقِّ غيرِ الصائِمِ، فكانَ السّواكَ في حقِّ الصائِمِ سُنةً، ومستحبًّا أيضًا كما لغيرِ الصائِم لِعِدَمِ الفَصْلِ في الدليلَ. عُلِمَ بهذا أَنَّ كلمةَ لا بأسَ قد تُستعملُ في موضعٍ كانَ الإتيانُ بالفعل الذي دخلتهُ هي أولى مِنْ تركهِ، بلْ تستُعملُ هي في فعلٍ كانَ الإتيانُ بذلكَ الفِعِل واجبًا، فإنَّ الجُنَاحَ هو] اليأسَ (٨)، أو فوقَهُ في اقتضاءِ السُّدَّةِ، وقد استُعْمِلَ هو بهذهِ الصيغةِ مع أنَّ الإتيانَ بذلك الفعلِ واجبٌ قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٩)، والسعيُّ بينَ الصَّفا والمروةَ واجبٌ عندَنا (١٠)، وفرضٌ عندَ الشَّافِعِي ﵀ (١١)، وقد تُستعملُ فيه كلمةُ لا جُناحَ، ومعناها، ومعنى لا بأسَ واحِدٌ، يثبت بهذا ما ادَّعينَا مِنَ الدَّعوى، واللهُ أعلمُ (١٢).

стр. 1238

من غيرِ فصلٍ، أي: بينَ الغداةِ والعشي، والمرادُ من العشي: ما بعدَ زَوالِ الشمسِ الخُلُوفِ مِنْ خُلْفِ/ فُوْهٍ تغيرتْ رائحتُهُ خُلوفًا (١) بالضمِ لا غيرَ منِ حدِّ دخل وذكَر الإمامُ المحبوبي، ولكنا نستدلُ بقولهِ ﵊: «السِّواكُ مَطهَرةٌ للفم مَرِضَاةٌ للربِّ» (٢) وقالَ أيضًا: «نظِّفُوا أفواهَكُم فإنها طرقُ القرآنِ» (٣)، وقالَ: «صلاةٌ بالسِّواكِ تَعْدِلُ سبعينَ صلاةً بغيرِ سِوَاكٍ» (٤) وقالَ عبدُاللهِ بنُ عامرٍ بنُ ربيعةَ ﵁ (٥): «رأيتُ رسولَ اللهِ ﵊ فيما لا أعدُّ، ولا أُحْصِي يتسوَّكُ وهوَ صائِمٌ» (٦)، وجاء في الحديثِ أنهُ ﵊: «كانَ يشوصُ فاهُ بالسواكِ» (٧)، أي: يغسلُ،] من (٨) هو جامِعٌ للخصالِ الحميدةِ حتى حُكِيَ عن أبي بكرٍ بنِ مُحَمَّد الورَّاقِ الترمذي (٩) قالَ: في السواكِ عشرُ خصالٍ (١٠): يشدُّ اللُّثةَ، وينقي الحفرةَ، ويقطعُ البلغَم، ويُذْهِبُ المُرةَ، ويُطَيِّبُ النكهةَ، وهو تمامٌ للوضوءِ مرضاةٌ للربِّ، ويزيدُ في الحسناتِ، ويُصِحُّ الجِسْمَ، ويوافقُ السُّنةَ (١١)، وقالَ أيضًا: ينبغي أنْ يكونَ السِّواكْ مِنْ أشجارِ مُرةٍ، فإنهُ أَقْطَعُ للبلغمِ، وأنقى للصدرِ، وأهضمُ للطعامِ (١٢)، وليكنْ السّواكُ مستويًا قليلَ] العُقَد (١٣) في غلظِ الخنصَرِ، ولا يكونُ مِنْ شجرةٍ مجَهولةٍ لا تُعَرفُ، فإنهُ لا يُؤْمَنُ مِنْ أنْ يكونَ سُمًّا.

стр. 1239

[السنة في طريقة السواك] وينبغي أنْ يَستاكَ عَرْضًا على الأسنانِ، والحنَكِ، واللِّسانِ، ويغسلُ الفمَ، والأسنانَ بعد الفراغِ بماءٍ باردٍ في الصيفِ، وفي الشتاءِ بماءٍ حارٍّ، وهو مِن رأي الأطباءِ فقالوا مَنْ فعلَ ذلك كانَ أطْلَقَ للسانِهِ، وأصفى للكلامِ، وأفرحَ لقلبهِ، وعن ابنِ سيرينَ (١) قالَ: ثلاثةٌ تُذْهِبُ البلغمَ: قراءةُ القرآنِ، والسِّواكُ، والصِّيَامُ، وقدْ جاءَ في الْكِتَابِ بشرعَيتِهِ أيضًا قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (٢) قِيل: هي عشرُ خِصالٍ منها السِّواكُ، وقدْ ذكرناه في الغُسْلِ قالوا: وهذا في حقِّ الرجالِ، وأمّا في حقِّ النساءِ: فقامَ العِلْكُ فيهنَّ مَقامَ السِّواكِ، وأمّا الحَديثُ فمُرادُهُ ﵊ بيانُ دَرَجةِ الصائِمِ لا عينَ الخُلوفِ، فإنَّ اللهَ تعالى يتعالى أن يلحقه الروائح، ودمُ الشهيدِ يبقى عليهِ ليكونَ شاهدًا لهُ على خصمِهِ يومَ القيامةِ والصَّوْم بينَ العبدِ وبينَ مَنْ يَعلَمُ السِّر، وأخفى فلا حاجةَ إلى الشاهدِ، كذا في المَبْسُوط (٣). وذكرَ فَخْرُ الْإِسْلَام: (٤) (وهو يخُالفُ دَم الشهيدِ؛ لأنَّ ذلك أثُر الظلمِ)،] ولا بأس (٥) بإبدائهِ قالَ اللهُ تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ (٦)، ولا رياءَ بعدَ الموتِ وأمّا الحديثُ فإنما أُرِيدَ بهِ بقولهِ: «أطيبُ عندَ اللهِ منْ ريحِ المِسْكِ» (٧) الترغيب في محادثة الصوام، فمِنَ الناسِ مَنْ يَكرهُ ذلك لنكهةِ أفواهِهِم، وهذه عادةُ أبناءِ الدُّنيا، فنُهوا عن ذلك لما رَوينا، وهو قولُه ﵊: (خيرُ خِلَاْلِ الصائِمِ السِّواكُ) (٨)، واللهُ أعلمُ بالصوابِ (٩).

стр. 1240

فصل [الأعذار المبيحة للفطر] لما ذَكَرَ مسائَل الصَّوْم شَرَعَ في هذا الفصلِ] في بيانِ (١) وجُوهِ الأعذارِ المبيحةِ للإفطارِ في الصَّوْم، وما يتعلقُ بها، ومِنْ كانَ مريضًا] إلى آخره (٢)، وذَكَر فَخْرُ الْإِسْلَام (٣) حاصلَ ذلك، وقالَ: إنّ المرضَ لا يُوجِبُ إباحةَ الفِطْرِ بنفسهِ (٤)، بلْ بعلةِ الحاجةِ، والمشقةُ بخلافِ السفرِ فإنهُ يُوجِبُ بنفسهِ، والفرقُ أنَّ العلةَ الأصليةَ هي المشقةُ، والجرحُ، والمرضُ أنواعٌ: منها ما يُوجِبُ مشقةً، ومِنها ما لا يُوجِبُ مشقةً في حُكْمِ الفِطْرِ، بلْ الكفُّ خيرٌ لهُ، فلم يصلحْ مُوجبًا على الإطلاقِ كالنومِ لم يجُعلْ حَدَثًا على الإطلاقِ لما (٥). قلنا: فأمّا السفُر فُيوجِبُ المشقةَ بُكِّل حالٍ فلذلكَ لم يجبْ الفصْلُ، ثُمَّ عِنْدَنَا خوفُ زيادةِ المرضِ يُرخصُ للمِفْطِرِ كخوفِ الهَلاكِ، وذكرَ الإمامُ المحبوبي (٦) أنَّ طريقَ معرفةِ ذلك إمّا باجتهادهِ (٧)، أو بأنْ يقولَ له طبيبٌ حاذقٌ (٨)، وفي النصاب (٩) (١٠): المريضُ الذي يُباحُ لهُ الإفْطَارُ، أن يزيدَ مرضُهُ بالصَّوْم بأنْ تزدادُ عينُهُ وَجعًا أو حماً شديدة، (وإنما يعلم) (١١) ذلك باجتهادِهِ وقول الطبيبِ، قالَ القاضي (١٢): وإسلامُ الطبيبِ شَرْطٌ أيضًا، فلو بَرَأَ مِنَ المرضِ لكنَّ الضعفَ باقٍ هل يُفطرِ (١٣)؟ سُئلِ القاضي الإمامُ فقالَ: لا، والمبيحُ المرضُ لا الضعفُ، فلو خافَ أنْ يمرضَ لو صامَ قالَ: الخوفُ ليس َبشيءٍ (١٤)، وذكر الإمامُ التُّمُرْتَاشِي (١٥): الأَمَةُ إذا ضَعُفَتْ في الطبخِ، والخُبزِ، والغَسلِ، فخافتْ أفطرتْ وقضتْ،

стр. 1241

وفي الكتاب، وكذا الذي ذهبَ بهِ مُوَكِلُ السُلطان للعمادةِ فاشتدَّ/ الحرب وضعفَ فأكلَ لم يكفْر، وإنْ كانَ مُسافرًا لا يستضرُ بالصَّوْم فصومُه أفضلُ إلى أنْ قال: (وقالَ الشَّافِعِي: الفِطُر أفضلُ) (١). [حكم الصَّوْم في السفر] الكلامُ في هذهِ المسألةِ في فصولٍ: أحدُها: أنَّ أَدَاءَ الصَّوْم في السفرِ يجوزُ في قولِ جُمهورِ العلماءِ (٢)، وهو قولُ أكثرِ الصَّحابةِ (٣)، وعلى قولِ أصحابِ الظواهرِ لا يجوزُ (٤)، وهو مَرْوُيٌّ عنَ ابن عُمرَ، وأبي هريرةَ (٥) وهمْ يستدلونَ بقولهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٦) فصارَ هذاَ الوقُت في حقهِ كالشهرِ في حقِّ المقيمِ، فلا يجوزُ الأداءُ قبلَهُ، وقالَ ﵊: «ليسَ مِنَ البِّر الصِّيَامُ في السَّفَرِ» (٧)، ولنا قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٨)، وهذا يعمُّ المسافرَ، والمقُيمَ، ثُمَّ قولُه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (٩) لبيانِ الترخصِ بالفِطْرِ فينتفي بهِ وُجوبُ الأداءِ لا جوازُهُ وفي حديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ حمزةَ بنَ عمَرو الأسلمي قالَ: يا رسولَ اللهِ إني أسافرُ في رمضانَ أَفَأُصومُ؟ قالَ: «صُم إنْ شِئْتَ» (١٠) وتأويلُ حديثهِ أنُه كانَ يجهدُهُ الصَّوْم حتى يخُافُ عليهِ الهلاكُ على ما رُوِيَ أنهُ ﵊: مرَّ برجُلٍ مَغْشيٍّ عليهِ قْد اجتمعَ الناسُ عليهِ وقد ظُلِّلَ عليهِ، فسألَ عن حالهِ فِقيلَ: إنهُ صائِمٌ، فقال: «ليسَ مِنَ البرِّ الصِّيَامُ في السفرِ» يعني: لمِن هذا حالُهُ.

стр. 1242

والثاني: أنَّ المُسافرةَ في رمضانَ لا بأسَ بها، وعلى قولِ أصحابِ الظواهرِ يستديمُ السفُر في رمضانَ ولا ينشئُهُ (١) والدليلُ على جوازِ المسافرِ حديثُ أبي هريرةَ ﵁: "أنَّ رسولَ اللهِ ﵊ خرجَ من المدينةِ إلى مكةَ لليلتين خَلَتا مِنْ رمضانَ، فصامَ حتى أتى قديدًا (٢) فشَكَاَ الناسُ إليهِ فأفطَر، ثُمَّ لم يزلْ مُفْطرًا حتى دخلَ مكةَ" (٣) فإنْ سافْرتَ في رمضانَ فقدْ سافَر رسولُ اللهِ ﵊، وإنْ صمْتِ فقدَ صامَ، وإنْ أفطْرتَ فقدْ أفْطَرَ، وكُلُّ ذلكَ، واسِعٌ. والثالث: إذا أنْشِئَ السفرُ في رمضانَ فلُه أنْ يترخَّصَ بالفِطْرِ. وكانَ عليٌّ وابنُ عباسٍ يقولان ذلكَ لمَنْ أهلَّ الهلالُ وهو مُسافِرٌ (٤)، وأمّا إذا أُنِشْئَ السفرُ في رمضانَ فليسَ لهُ أنْ يُفْطَر والحديثُ الذي رَوَينا أنهُ ﵊ أفطَر حينَ يتكلمُ الناسُ إليهِ حُجَّةً عليهِ، ولا يُقال: لمَن أهلَّ الهِلالُ، وهو مقيمٌ فقْد لَزِمَهُ أداءُ صومِ الشَّهْرِ، فلا يسقطُ ذلك عنهُ بسَفَرٍ يُنْشِئُهُ باختيارِهِ كاليومِ الذي يُسافر فيهِ؛ لأنا نقولُ: صومُ الشهرِ عباداتٌ، وهو مقيمٌ فقدَ لِزَمَهُ أداءُ صومِ الشهرِ فلا يسقطُ ذلك عنُه بسفرِ ينشِئُهُ باختيارِهِ إلى متفرقةٍ فإنَّما يلزمُهُ مِنَ الأداءِ باعتبارِ اليومِ الذي كانَ مُقيمًا في شيءٍ منهُ مِنْ دُونَ اليومِ الذي كانَ مُسافرًا في جميعهِ قِياسًا على الصلواتِ. والرابع: أنَّ الصَّوْم في السفِر أفضلُ مِنَ الفِطْرِ عندَنا (٥)، وقالَ الشَّافِعِي ﵀ (٦): الفِطْرُ أفضلُ؛ لأنَّ ظاهَر ما روينا يدلُّ على أنَّ الصَّوْم لا يجوزُ في السفرِ، فإنْ تركَ هذا الظاهرَ في حقِّ الجوازِ بِقيَ مُعتبرًا في أنَّ الفِطْرَ أفضلُ، وقاسَ بالصَّلَاةِ، فإنَّ الاقتصارَ على الركعتينِ في السفرِ أفضلُ منِ الإتمامِ فكذلكَ الصَّوْم؛ لأنَّ السفَر يُؤثِرُ فيهما. قالَ ﵊: «إنَّ اللهَ تعالى وضعَ عنِ المسافرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ والصَّوْم» (٧) ولنا ما رُويَ عنِ النبيِّ ﵊ أنهُ قالَ في المسافرِ: «يترخَّصُ بالفِطْرِ، وإنْ صامَ فهو أفضلُ لهُ»، وبدأَ رسولُ اللهِ ﵊ بالصَّوْم حتى شكى الناسُ إليهِ، ثُمَّ أفطرَ (٨)، فذلك] دليلٌ (٩) على أنَّ الصَّوْم أفضلُ، ثُمَّ الفِطْرُ رخصةٌ، وأداءُ الصَّوْم عزيمةٌ، والتمسكُ بالعزيمةِ أولى مِنَ الترخُّصِ بالرُّخْصَة (١٠)، وهذا لأنّ هذهِ الرخصةُ لِدُفْعِ الحرج عنهُ، وربما يكونُ الحرجُ في حقِّهِ في الفِطَرِ أكثرُ، فإنهُ يحتاجُ إلى القضاءِ وَحَدَه بخلافِ] الصَّلَاةِ (١١)، فإنَّ شطر الصَّلَاةِ سقطَ عنُه أصلًا حتى لا يلزمُهُ القضاءُ، فكانَ] الظهر (١٢) في حقِّهِ كالفجرِ في حقِّ المُقيمِ، كذا في «المَبْسُوط» (١٣).

стр. 1243

قلتُ: هذهِ المسألةُ وقعتْ في كتبنا من نسخِ المباسيط (١)، والتُّحفةِ (٢)، والمنظومةِ (٣)، وغيرِهُا على خلافِ ما وقعتْ في كتبِ أصحابِ الشَّافِعِي (٤)، فإنَّ الغزالي ذَكَرَ في وجيزِهِ: والصَّوْم أحبُّ مِنَ الإفطارِ في السفرِ ليُبرِئَ ذِمَتَهُ، وذَكَر في خلاصتهِ (٥): ومهما بلغَ السفُر مرحلتين جِاز الفِطْرُ، والأفضلُ الصَّوْم معِ الطاقةِ، (ولنا أنَّ رمضانَ أفضلُ الوقتين، فكانَ الأَدَاءُ فيهِ أَولى) (٦)، ولا يَشْكُلُ على أحدٍ أنَّ رمضانَ أفضلُ الأوقاتِ، ألا ترى أنَّ عِدَّةً مِنْ أَيامٍ أُخَر كالخَلَفِ عن رمضانَ، والخَلَفُ] لا يساوي (٧) الأصلَ بحالٍ. والنبيُّ/ ﵊ اختارَ لنفسهِ الصَّوْم في السفرِ، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّخصةَ عندَ شَكْواهُمْ، الجَهدُ دليلٌ على أنّ الصَّوْم أفضلُ (٨)، كذا في مبسوطِ فَخْرُ الْإِسْلَام (٩)، وما رواهُ مُحمولٌ على حالِ الجَهدِ بالفتح، أي: المشقةُ على ما ذكرنا بيانه من «المَبْسُوط» (١٠) آنِفًا فإنْ قُلْتَ: هذا الذي ذَكَره مِنْ وجهِ الحَمْل مخُالفٌ لأصْلنِا، فإنَّ الأصلَ عِنْدَنَا أنْ لا يخصَّ العامَ بسببهِ لَمِا عُرِفَ فيهِ مسألةُ (١١)، واللهِ لا أتغدّى اليومَ؛ لأنَّ العبِرةَ عِنْدَنَا لعمومِ اللفظ لا لخِصُوُصِ السببِ ألا ترى أنَّ آيةَ الظِّهارِ، واللعانِ في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (١٢) الآية، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (١٣) الآية، لم يختصْ بصاحبِ الحادثةِ فكيفَ اختصَّ في قوله ﵊: «ليسَ مِنَ البرِّ الصِّيَامُ في السفرِ» (١٤).

стр. 1244

قلتُ: جوابُ هذا، وما يتلاحقُ بهِ مذكورٌ في الوافي (١) عند (٢) ذِكْرِ وُجوهِ] الاستدلالات قبيل (٣) فصلَ الأمرَ لأنهما لم يدركَاْ ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤) وهذا لأنَّ وُجوبِ القضاء يَستْدعِي وُجوَب الأَداءِ فإنَّ بنفسِ الوجوبِ لا يتوجُه القضاءُ عنَد فوتهِ، ألا ترى أنّ مَنْ ماتَ بعدَ ما مضى مِنْ أولِ وقتِ الصَّلَاةِ قَدْرَ ما يتمكنُ مِنَ الأَداءِ لِقَىَ اللهَ تعالى وليسَ عليهِ إثمٌ] بسبب (٥) تلكِ الصَّلَاةِ، وكذلكَ هاهنا لم يخُاطَبْ بالأَداءِ مادامَ المرضُ والسفرُ قائمين، فلما لم يخُاطَبْ بالأداءِ لا يخاطبُ بالقضاءِ بمجردِ فوتِ نفسِ الوجوبِ وفي «المَبْسُوط» (٦): ولِأَنَّ المرضَ لما كانَ عُذرًا في إسقاطِ أداءِ الصَّوْم في وقتهِ لدفعِ الحرجِ فلأنْ يكونَ عُذرًا في إسقاِط القضاءِ أَولى. قولُه: (وذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ ﵀ فيه خلافًا) (٧) إلى قولِه: (وليسَ بصحيحٍ إنما الخلافُ في النُذُر). وهو أَنَّ المريضَ إذا قالَ: للهِ عليَّ أنْ أَصومَ شهرًا، فماتَ قَبْلَ أنْ يصحَّ لم يلزمْهُ (٨)، وإنْ صحَّ يومًا واحداً لَزِمَهُ أنْ يوُصِيَ بجميعِ الشهرِ في قولِ أبي حنيفةَ، وأبي يوسفَ، وقالَ محمدٌ: يلزمُهُ بِقُدَرِ ما صحَّ (٩)؛ لأنَّ إيجابَ العبدِ مُعتبرٌ بإيجابِ اللهِ تعالى فصارَ كقضاءِ رمضانَ وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ رحمهما الله (١٠) يقولان: بأنَّ وجُوبَ الأداء مِضافٌ إلى وقتِ الصِّحةِ، فصارَ كالصحيحِ إذا نَذَرَ صومَ شَهْرِ، ثُمَّ ماتَ قبلَ تمامِ الشهرِ يلزمُهُ أنْ يُوصِيَ بهِ؛ لأنّ الكُلَّ وجبَ في ذِمتهِ، فوجبَ عليهِ تفريغُ ذمتهِ بالحَلَفِ، وهي الفديةُ إذا عجزَ عن التفريعِ بالأصل، فأمّا في صومِ رمضانَ فنفسُ الوجوبِ مُؤَجَّلٌ، أيْ: نفسُ الوجوبِ الذي يتعقبُهُ الأداءُ مُؤَجَّلٌ إلى حينِ القدرةِ، فَبِقَدَرِ ما يَقْدِرُ يظهرُ الوجوبُ (١١) كذا في «الإيضاح» (١٢).

стр. 1245

وفي هذهِ المسألةِ السببُ إدراكُ العِدَّةِ، أي: السببُ المُوجِبُ للأداءِ، وبهذا اللِفظُ صّرحَ في «المَبْسُوط» (١)، فقالَ: بعدما ذَكَرَ قولَ الطَّحَاوِيُّ (٢) بقولهِ: وهذا وَهْمٌ مِن الطَّحَاوِيٍّ، فإنَّ هذا (الخلافَ في النذرِ)، والفرقُ لأبي حنيفةَ، وأبي يوسفَ (٣) أنَّ هناكَ السببُ هو النذرُ إِلاَّ أنهُ ليسَ للمريضِ ذمةٌ صحيحةٌ في التزامِ أداءِ الصَّوْم حتى يبرأَ، فعندَ البرءِ يصيرُ كالمُجددِ للنذْرِ والصحيحُ: إذا قالَ: لله عليَّ أنْ أصومَ شَهرًا، ثُمَّ ماتَ بعدَ يومٍ فعليهِ قضاءُ جميعِ الشهرِ، وهاهنا السببُ الموجبُ للأداءِ إدراكُ عِدَّةٍ منْ أيامٍ أُخَر، فلا يلزمُهُ القضاءُ إِلاَّ بقدَرِ ما أدَركَ، وقضاءُ رمضانَ إنْ شاءَ فَرَّقَهُ، وإنْ شاءَ تابَعهُ لإطلاقِ النصِّ، فإنْ قلتَ: كيفَ اعتبرتُمْ، قراءةَ ابنِ مسعودٍ في صفةِ التتابعِ في كَفارةِ اليمين (٤)، وأوجبتُم متتابعًا، ولم يعتبروا قراءةَ أُبَيّ ﵁ (٥) في قضاءِ رمضانَ مع أنّهُ قراء قولهِ تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٦) متتابعات. [مسألة التتابع في قضاء الصَّوْم] قلت: الفرقُ بينهما مِنْ وجهين: أحدُهما أنَّ قراءة أُبَي لم تشتهْر فيما بينَ السلفِ اشتهارَ قراءةِ عبدِاللهِ ابنِ مسعودٍ، فصارتْ بمنزلةِ خَبَرِ الواحِدِ، وبمثلهِ لا تجوزُ الزيادةُ على كتابِ الله تعالى، وقراءةُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ كانتْ مشهورةً (٧) إلى زمنِ أبي حنيفةَ ﵀ حتى كانَ سليمانُ الأعمشُ يقرأُ حتمًا على حَرْفِ ابنِ مسعودٍ، والزيادةُ تثبتُ بالخبرِ المشهورِ فكذا بالقراءةِ المشهورةِ.

стр. 1246

والثاني: أنهُ وردَ في قضاءِ رمضانَ نصٌّ بخلافِ قراءتِهِ، وهو ما رُوِيَ أنَّ رجلًا جاءَ إلى رسولِ اللهِ ﵊، فقالَ: عليّ قضاءُ رمضانَ، فقالَ رسولُ اللهِ ﵊: «أَحْصِ العِدَّةً وصُمْ/ كيفَ شِئْتَ» (١)، فكانتْ قراءتُهُ منسوخةً بهذا النصِّ، فأمّا النصُ لم يَرِدْ مِنَ النبيِّ ﵊ بخلافِ قراءةِ عبدِاللهِ بنِ مسعودٍ فجازتْ الزيادةُ (بها) (٢) على كتابِ اللهِ تعالى لما بينا. كذا في المَبْسُوطين (٣)، حتى دخل رمضانٌ آخرٌ. قولُهُ: رمضانٌ بالتنوين؛ لأنّ الألفَ والنونَ المزيدتين في غيرِ الصفاتِ شَرْطُ عدمِ انصرافهِ العلميةُ، ووصفُهَ بآخرَ بُكْرَة دليلٌ بكارتهِ (٤). [هل تلزم الفدية مع القضاء] قولُه: ولا فدِيةَ عليهِ (٥) ففيهِ نفي لقولِ الشَّافِعِي ﵀ (٦)، فإنّ عندَه يلزمُهُ معَ القضاءِ لِكُلِّ يومٍ طعامُ مسكينٍ، ومذهُبهُ مَرْوِيُّ عن ابنِ عُمَر ﵄ (٧)،] ومذهبنا مَرْوِيٌّ عن علي، وابن مسعود (٨) (٩)، وحاصلُ الكلام: أنَّ عندَهُ القضاءُ يتوقفُ بما بينَ رمضانينَ يستدلُ فيهِ بحديثِ عائشةَ ﵂ (١٠) أنها كانتْ تُؤَخِرُ قضاءَ أيامِ الحيضِ إلى شعبانَ (١١)، فهذا منها بيانٌ آخرٌ ما يجوزُ التأخير إليهِ، ثُمَّ جعلَ تأخيرَ القضاءِ عن وقتهِ كتأخيرِ الأداءِ عن وقتهِ، فكما أنَّ تأخيرَ الأداءِ عن وقتهِ لا ينفكُّ عن موجبٍ، فكذلكَ تأخيرُ القضاءِ (١٢) عن وقتهِ ولنا ظاهُر قولهِ تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١٣)، وليس فيه توقيتٌ، فالتوقيتُ بما بينَ الرمضانين يكونُ زيادةً، ثُمَّ هذهِ عبادةٌ مؤقتةٌ فقضاؤُها لا يتوقفُ بما قبلَ مجيءِ وقتٍ مثلِها كسائرِ العباداتِ، وإنما كانتْ عائشةُ ﵂ تختارُ للقضاءِ شعبانَ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ ﵊ كان لا يحتاجُ إليها فيهِ، فإنهُ ﵊ يصومُ شعبانَ كُلَّهُ، ولَئِنْ كانَ القضاءُ مؤقتًا بما بينَ رمضانين كانَ التأخيرٌ عن وقتِ القضاءِ كالتأخيرِ عن وقتِ الأداءِ، وتأخيرُ الأداءِ عن وقتهِ لا يُوجبُ عليهِ شيئًا، إنّما وجُوبُ الصَّوْم باعتبارِ السببِ لا بتأخيرِ الأداءِ، فكذلك تأخيرُ الأداءِ عن وقتهِ، ثُمَّ الفديةُ تقومُ مقامَ الصَّوْم عندَ اليأسِ عنهُ كما في حقِّ الشيخِ الفاني، وبالتأخيرِ لم يقعْ اليأسُ عن الصَّوْم، فالقضاءُ واجبٌ عليهِ، ولا معنى لإيجابِ الفديةِ، وكما لا يَتضاعفُ القضاءُ بالتأخيرِ فكذلكَ لا ينضمُّ القضاءُ إلى الفداءِ؛ لأنَّ انضمامَ القضاءِ إلى الفداءِ في معنى التضعيف. كذا في «المَبْسُوط» (١٤).

стр. 1247

[مسألة الحامل والمرضع] والحامُل، والمرضُع إذا خافتا على نفسِهِمَا إلى آخره. الواو بمعنى أو؛ لِأَنَّ هذا الحُكْمَ ثابِتُ في حقِّ كُلِّ واحدٍ منهما على الانفرادِ فكانَ كقولهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) أيْ: ويتبعَ؛ لأنَّ ترتيبَ هذا الجزاءِ المذكورِ على مَنْ يُشْاقِقِ الرسولَ غيرُ متوقِفٍ على اتباعِ غيرِ سبيلِ المؤمنين، بلْ كُلُّ واحدٍ منهما. لكنَّ ذْكِرَ اتباعِ غيرِ سبيلِ المؤمنين لبيانِ علوِّ درجةِ الإجماعِ حيثُ جعلَ مَخالِفَ الإجماعِ كمخالفِ الرَّسولِ ﵊، والدليلُ عليهِ: لفظُ «المَبْسُوط» (٢) بقوله: وإذا خافتْ الحَاملُ والمرضعُ على نفسِها أو ولدِهَا أفْطرَتْ، ولا كَفَّارَة عليهِمَا (٣) (٤). إنّما ذُكِرَ هذا لدفعِ شُبهةٍ؛ لأنهُ يتصورُ بصورةِ مَنْ تجبُ عليهِ الكفارةُ إذا كانَ إفطارُها لأجْلِ الولَدِ؛ لأنهُ إفطارٌ في صومِ رمضانَ بعدَ الشُّروعِ فيهِ من غيرِ عُذْرِ في نفسِها، بل لمعنى في غيرِها فصارَ كالإفطارِ في رمضانَ بالتماسِ المضيفِ وغيرِهِ. [مسألة المكره على الفطر] وذَكَر في «المَبْسُوط» (٥) في بابِ الخيارِ في الإكراهِ، ولو قِيلَ: لرجُل لَتَشْرَبنَّ هذا الخمْرَ، أو لتأْكُلَنَّ هذهِ الميتةَ، أو لتقتلنَّ ابنكَ، أو أباكَ لم يسعَهُ شُرْبُ الخمْرِ، ولا أَكْلِ الميتةِ لانْعِدَامِ الضرورةِ، ألا ترى أنَّ هذا بمنزلةِ التهديدِ [بالحبسِ] في حقّهِ. [هل على المرضع كفارة] قلتُ: فعلى هذا لا يجوزُ إفطارُهُ بسببِ خوفِ هلاكَ ابنهِ في الإكراهِ لما أنّهُ جعلَ ذلكَ بمنزلةِ التهديدِ بالحبسِ، وفي التهديدِ بالحبسِ لا يجوزُ الإفطارُ أصلًا. ثُمَّ الفرقُ بينَ هذهِ المسألةِ، وبينَ مسألةِ الإكراهِ في حقِّ وجُوبِ الكَفارة: هو أنَّ هذا عُذْرٌ في الإكراهِ جاءَ مَنْ قتلَ منْ ليسَ لهُ الحقُّ، فلا يُعذَرُ في سقوطِ الكفاءةِ لصيانةِ نفسِ غيرِهِ بخلافِ الحاملِ والمرضعِ، كما في صلاةِ المعتدِّ والمريضِ، فلِأَنَّ المرضِعَ، والحاملَ مأموُرُ بصيانةِ الولدِ مقَصودًا، وهو لا يتأدَّى بدونِ الإفطارِ عندَ الخوفِ، فكانتْ مأمورةً أيضًا بالإفطارِ، والأمرُ بالإفطِارِ معَ الكفارةِ التي بناؤُها على الزَّجرِ عن الإفطارِ لا يجتمعان بخلافِ الإكراهِ، فإنَّ كُلَّ أَحَدٍ غيرُ مأمورٍ قصدًا بصيانةِ غَيرهِ، بلْ نَشَأَ الأمُر هناكَ مِن ضَرورةِ حُرْمةِ القتلِ، والحُكْمُ يتفاوتُ بتفاوتِ الأمرِ القصديِّ والضمنيِّ هو يعتبره

стр. 1248

بالشيخ الفاني، فوجْهُ الاعتبارِ هو أنّ الفِطْرَ حَصَلَ بسببِ نفسٍ عاجزةٍ عن الصَّوْم خِلْقَةً لا عِلَّةً، فيُوجبُ الفديةَ كفِطْرِ الشيخِ الفاني، وهذا لأنّ في هذا الفِطْرِ منفعةَ شخصين (١): منفعتُها ولدها، فباعتبارِ يجبُ القضاءُ، وباعتبارِ منفعةُ ولدِها تجبُ الفديةُ، ولنا أنَّ هذهِ مُفْطِرةٌ يُرجى لها القضاءُ، فلا يلزمُها الفديةُ كالمريضِ والمسافرِ، وهذا لِأَنّ الفديةَ مشروعةٌ خَلَفًا عن الصَّوْم، والجمعَ بينَ الأصلِ، والخَلَفِ لا يكونُ، وهي خَلَفٌ غيرُ معقولٍ، بل ثابتٌ بالنصِّ في حقِّ مَنْ لا يُطِيقُ الصَّوْم (٢)، ولا يجوزُ [أن يجب] (٣) باعتبارِ الولدِ؛ لأنهُ لا صومَ على الولدِ، فكيفَ تجبُ ما هو خَلَفٌ عنهُ؟ ولأنه لا يجبُ في مالِ الولدِ، ولو كانتْ باعتبارهِ لوجبتْ في مالهِ كنفقتهِ (٤)، ولا تتضاعفُ بتعدُّدِ الولدِ، كذا في «المَبْسُوط» (٥)، ولِأَنَّ الفِدْيَةَ لو وجبتْ إنما تجبُ جبَرًا أو زَجرًا لا وجهَ إلى الأَول؛ لأنهُ حصلَ بالقضاءِ، ولا وجهَ إلى الثاني؛ لأنهُ مَعذورٌ، كذا ذكرهُ الصدرُ الشهيدُ في «شرحِ الكافي» (٦) فتذكّرْ هاهنا تعجَبَ القاضي أبي علي النسفي مِنْ إيجابِ القضاءِ معَ الفديةِ (٧). وقد مرَّ في مسألةِ عدمِ وجوبِ الكفارةِ مع الأكلِ والشُّربِ عامِدًا على قولِ الشَّافِعِي: والشيخُ الفاني سمُاهُ فانيًا بها؛ لأنهُ قَرُبَ إلى الفَناءِ، أو لأنهُ فَنِيَتْ قوتُهُ. ثُمَّ قولُهُ: (الذي لا يَقْدِرُ على الصِّيَامُ صفتُهُ، وقولُه: يُفْطِرُ ويُطعِمُ) (٨) خبرٌ للمبتدأ الموصوفِ، ثُمَّ الفديةُ، وهي: الإطعامُ مذهبنا (٩) وقالَ مالِكٌ (١٠): لا فديةَ عليهِ، قالَ: لِأَنَّ أصلَ الصَّوْم لم يلزمْهُ؛ لِكُوْنِهِ عاجِزًا عنه، فكيفَ يلزمُهُ خَلَفُهُ؛ لأنّ الخَلَفَ مشروعٌ لِيقُومَ مقامَ الأصلِ، ولنا أنَّ الصَّوْم قدْ لَزِمَهُ بشهودِ الشهرِ حتى لو تحمَّلَ المشقةَ، وصامَ كانَ مُؤديًا للتعرضِ، وإنما يُباحُ لهُ الفِطْرُ لِأّجْلِ الحرجِ، وعذرُهُ ليسَ بعرضِ الزوالِ حتى يُصارَ إلى القضاءِ، فوجبت الفديةُ كَمَنْ ماتَ، وعليهِ الصَّوْم، يوضحُهُ أنَّ الصَّوْم لَزِمَهُ لا باعتبارِ عينهِ، بل باعتبارِ خَلَفِهِ كالكفارةِ تجبُ على العبدِ لا باعتبارِ المالِ، بل باعتبارِ خَلَفِهِ، وهو الصَّوْم، كذا في «المَبْسُوط» (١١).

стр. 1249

ومما يلحقُ به مسألةُ ليمسّنَ السماءَ (١) ونحوها، (وقيل: معناهُ لا يُطيقونَهُ)، وحرف لا مضمرَ فيهِ كقولهِ: يبيّنُ اللهُ لكم أنْ تضلوا، أي: لئلا تضِلوا ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ (٢)، أي: لَئلِا تميزُهُم، وقِيلَ: معناه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٣) والآيةُ وردتْ في حقِّ الشيخِ الفاني، كذا في «المَبْسُوط» (٤)، و «شرح الكافي». ولوَ قدُرَ على الصِّيَامِ يُبطلُ حُكْمُ الفِداءِ، أيْ: يبطلُ حُكْمُ الفداءِ الذي فداهُ فصارَ كأنهُ لم يفدْهُ حتى يجبَ عليهِ الصَّوْم، فإنْ قلْتَ: الحُكْمُ التعلقُّ بالحلفِ إذا تَمَّ بهِ لا يُعطى لهُ حُكْمُ البُطلانِ بعدَ التَّمامِ كما إذا صلَّى بالتيممِ، ثُمَّ وَجَدَ الماء، وكما إذا صامَ الحانثُ المُعْسِرُ عن الكفارةِ، ثُمَّ استغنى (٥). قلت: شَرْطُ جوازِ الحَلَفِ عن الصَّوْم هنا دوامُ العَجْزِ عن الصَّوْم إلى موتهِ، لما أنَّ الشيخَ الفاِني هو الذي يزدادُ كُلَّ يومِ ضعفُهُ إلى موتهِ، وإِلاَّ لَا يكونُ شيخًا فانيًا، فكانَ هو نظيرُ الآيسةِ في اشتراطِ دَوام الإياسِ إلى موتهِا لخروجِها عن حُكْم ذواتِ الحيضِ، فصارتْ قُدرتُهُ على الصَّوْم، وإنْ كانتْ بعدَ الفداءِ كَقُدْرَةِ المتيممِ على الماءِ في خلالِ الصَّلَاةِ، واستغناءُ الحانثِ في خلالِ صومهِ عن كفارةٍ، فلما كانَ كذلكَ كانتْ قدرتُهُ علىِ الصَّوْم قُدْرَةً على الأصلِ قبلَ تمامِ الحُكُم بِالخَلَفِ، وهو مُوجبُ بُطلانِ الحُكْمِ التعلُّقِ بِالَخَلفِ، فإنْ قلتَ: لو كانَ هذا نظيرُ الإياسِ ينبغي أنْ لا يبطلُ حُكْمُ الفِداءِ بعَد تحققهِ، كما أنّ العجوزَ الكبيرةَ التي حَكَمَ بإياسِهَا إذا اعتدَّتْ بالشهورِ، وتزوجتْ بزوجٍ آخَر، ثُمَّ رأتْ الدمِ لا يبطلُ الِنّكاحُ. كذا ذكرهُ الإمامُ الزعفراني، ذكره في «المَبْسُوط» (٦). قلتُ: عدمُ بطلانِ الاعتدادِ، والنكاحِ هنا لا باعتبارِ أنَّ دوامَ الإياسِ ليسَ بشرطٍ لكونها آيسةً، بل باعتبارِ أنَّ الذي رأتهُ مِنَ الدمِ بعدَ الحُكمِ بالإياسِ ليسَ بحيضٍ، وقالَ في «المَبْسُوط» (٧): لأنَّ الظاهَر أنَّ الدَم في هذهِ الحالةِ من فسادِ الرَّحمِ أو الفداءِ لا أنهُ حيضٌ، فلذلكَ لم يبطلْ بهِ ما تقدَّمَ مِنَ الحُكْمِ بالإياسِ، وإنْ ماتَ وعليهِ قضاءُ رمضانُ فأوصى بهِ، أي: قَرُبَ إلى الموتِ، فأوصى بهِ في ذلكَ الوقتِ أنَّ بعدَ الموتِ لا يتُصورُ الإيصاءُ أطعمَ عنه ولُيهُ لِكُلِّ يومٍ مسكينًا، نصفُ صاعٍ/ من بُرٍّ، وعندَ الشَّافِعِي ﵀ مقدَّرٌ بالثمِن (٨)؛ لأنهُ عَجَزَ عن الأداءِ في آخرِ عُمرِهِ، فصارَ كالشيخِ الفاني، فإنْ قلتَ: جوازُ الفديةِ في حقِّ الشيخِ الفاني ثبتَ على خلافِ القياس، فكيفَ يلحقُ بهِ مَنْ عليهِ قضاءُ رمضانَ، وهو ليسَ بشيخٍ فانٍ ومِنْ شرائِطِ القياسِ أنْ يكونَ المنصوصُ عليهِ مُوفقًا للقياسِ لمِا عرفْتَ.

стр. 1250

قلتَ: الحكمُ إذا ثبتَ بخلافِ القياسِ لا يَقاسُ عليهِ غيرُهُ إِلاَّ إذا كانَ في معناهُ مِنْ كُلِّ وجهٍ، فحينئذٍ يثُبتُ الحُكْمُ فيهِ بطريقِ الدِّلالةِ لا بالقياسِ، فكذا سمعتُهُ مِنَ الأُستاذِ ﵀ (١) (٢) غيرَ مرةٍ، وهذا الذي ذكُرهُ في معناهُ مِنْ كُلِّ وجهٍ؛ لِأَنَّ الكلَام في مريضٍ عليهِ قضاءُ رمضانَ بأنْ كانَ أَفْطَرَ في سَفرِهِ أو مَرضِهِ، ثُمَّ أدركَ عِدّةً مِنْ أَيامٍ أُخَر ولم يصمْ ثُمَّ مَرِضَ، واستمرَّ مرضُهُ إلى أنْ ماتَ، فأوصى في مرضِه ذلكَ، ألا ترى أنهُ ألحقَ مَنْ عليهِ قضاءُ الصلواتِ بالشيخِ الفاني في حقِّ جوازِ الفديةِ عن الصلواتِ، فِلأَنْ يُلحِقْ بهِ مَنْ عليهِ قضاءُ الصَّوْم بهِ أولى لورودِ النصِّ في حقِّ الصَّوْم (٣). [هل على الميت كفارة] قولُه: ثُمَّ لابُدَّ مِنَ الإيصاءِ عندَنا (٤) هذا اللزومُ للأداء على الوارثِ على نفسِ الجوازِ، فإنهُ إنَّما يجبُ على الورثةِ الفديةُ عن صومِ الميتِ إذا كانَ أوصى الميتُ، وأما إذا لم يكنْ أوصى لم يلزمْهم الفديةُ عنهُ، ولكنْ لو أدَّوها بغيرِ أمرِهِ يجوزُ في الصَّوْم، كما يجوزُ أداءُ الفديةِ عن صلاةِ الميتِ بأمرِهِ، وذكَر شمُس الأئمةِ السَّرَخْسِي في «أُصول الفقهِ» (٥): بعدما ذكَر جوازَ الفديِة عن الصَّلَاةِ بأمرِ الميتِ فقالَ: وكذلكَ قال - أي: مُحَمَّد ﵀ في أداءِ الوارثِ عن المورثِ بغيرِ أمرِه في الصَّوْم يجزئُه إنْ شاَء اللهُ تعالى خِلافًا للشافعي ﵀ (٦)، وخلافهُ في مواضعَ أحدِها في لزومِ الإطعامِ، وهي الفديةُ فإنما يلزمُ الورثةُ الإطعام َعن الصَّوْم عنَدنا (٧) إذا أوصى، ولا يلزمُهم إذا لمِ يوصِ، وعلى قولِ الشَّافِعِي ﵀ يلزمُهُمْ، وإنْ لم يَقضِ، والثاني في اعتبارِ الثلاثِ، فعِنْدَنَا يجبُ الإطعامُ عليهم عنهُ مِنْ ثُلُثِ مالهِ حتى إذا زادَ الإطعاَمُ على ثُلثِ المالِ لا يلزمُهم ذلكّ وإنْ أوصى، وعلى قولِ الشَّافِعِي يلزمُهم ذلكَ مِنَ جميعِ مالهِ، فكانَ هُوَ نظيرَ الخلافِ في دَيْنِ الزَّكَاةِ، والثالثُ في قَدْرِ] قدرتهِ على الإطعامِ (٨) الإطعام، وقد ذكرناه، وعلى هذا الزَّكَاةُ يعني: ومَنْ ماتَ، وعليه زِكاةٌ لم يُؤدِّها، فأوصى بها أدّى عَنهُ وليُه، وعندَ الشَّافِعِي ﵀ لا يحتاجُ إلى الإيصاءِ.

стр. 1251

وفي «المَبْسُوط» (١): رجلٌ ماتُ عندَما وجبتْ عليهِ الصدقةُ في سائمتِهِ فجاءَ المصُدقِ، وهو في يدِ الورثةِ، فليسَ لهُ أنْ يأخذَ منهم صدقتَها إِلاَّ وأنْ يكونَ الميتُ أوصى بذلك، فحينئذٍ يأخذُ مِن ثُلثِ مالهِ، وقالَ الشَّافِعِي (٢): يأخذُ الصدقةَ مِنْ جميعِ مالهِ أوصى أو لم يوصِ، وحجُتُه قولهُ ﵊: في حديثِ الخثعميةِ: «أرأيتَ لو كانَ على أبيكَ دَيْنٌ أتقضيَهُ» فقالَت: نعمْ، فقالَ ﵊: «دَيْنُ اللهِ أحقُّ» (٣) فقد شَّبهَ رسولُ اللهِ ﵊ دَيْنُ اللهِ بدَيْنِ العبادِ، ثُمَّ دَيْنُ العبادِ يُقضي مِنَ التَركَةِ بعدَ الوَفاةِ مُقدمًا على الميراثِ، فكذلك دَيْنُ الله؛ وذلك لأنَّ الوارثَ قائِمٌ مقامَ الموُرِثِ في أداءِ ما يجري النيابةُ في رأيهِ، وحجتُنا قولُه ﵊: «يقولُ ابنُ آدمَ مالي مالي، وهلَ لكَ مِنْ مالِكَ إِلاَّ ما أكلْتَ فأفنيتَ، أو لبسْتَ فأبليْتَ، أو تصدقتَ فأمضيْتَ، وما سوى فذلك فهو مال ومالي الوارثِ» (٤)، وهذا يقتضي أنَّ ما لم يمضْهِ منَ الصدقةِ يكونُ مالُ الوارثِ بعدَ موتهِ، وهذا لِأَنَّ حقُوقَ اللهِ تعالى مع حقوقِ العبادِ إذا اجتمعتْ في محلِّ تقدِّمَ حقَّ العبادِ، ثُمَّ الواجبُ عليهِ فِعْلُ الإيتاءِ، وفعلٌ للإيتاءِ لا يمكنُ إقامتُهُ بالمالِ لتقوَم المالُ فيهِ مقامَ الذِّمَةِ بعدَ الموتِ، والوارثُ لا يمكنُ أنْ يجُعلَ ثانيًا في أداءِ الزَّكَاةِ؛ لأنَّ الواجبَ ما هو عبادةٌ، ومعنى العبادة لا تتحققُ بلا نيّةٍ، وفعلُ ممن يجبُ عليهِ حقيقةً أو حُكْمًا كما في الإيصاءِ، فأمّا خلافةَ الوارثِ المورثِ في أداءِ الزَّكَاةِ مِنْ غيرِ إيصاءٍ يكونُ جبرًا من غيرِ اختيارٍ من المورثِ، وبه لا تتأدّى العبادةُ إِلاَّ أنْ يكونَ أوصى، فحينئذٍ تكون بمنزلةِ الوصيةِ بسائرِ التبرعاتِ ينفذُ من ثلثه، ويظهرُ الفرقُ بما ذكرنا بينَ ديونِ اللهِ تعالى، وبين دُيونِ العبادِ إذا تأملتَ، كذا في المَبْسُوط (٥)، وحديثِ الخثعمية (٦) محمول على إذا جددَ أمَرها بهِ.

стр. 1252

وفي «الْأَسْرَارِ» (١): إذا استهلكَ مالَ الزَّكَاةِ والعشُر، ثُمَّ ماتَ لم يُوجْد مِن تركتهِ، وكذلك الدُيونُ التي تجبُ صلاتٍ، أيْ: بغيرِ عَوِضٍ كالنفقةِ/ والخراجِ، والجزيةِ، وصدقةِ الفطْرِ، والكفاراتِ الماليةِ، والحجِّ، وفديةِ الصَّوْم، وما وَجَبَ عليه منَ الصدقةِ بنذْرِهِ، وإنْ أوصى بها لا يصحُّ إِلاَّ بُعذْرٍ كانَ يصحُّ لو لم تكنْ واجبةً، أمّا ما كانتْ منها عبادةٌ، فلما ذكرنا أنُه لا يتأدّى بنائبٍ تثبتُ ولايتُهُ عليهِ بغيرِ أمرِهِ، وأمّا ما كانَ منها عقوبُةُ، فلِأَنَّ العقوبةَ في ضَرْبٍ مَكروهٍ يلحقُ الإنسانَ باستيفائِهَا، وأنهُ لا يتُصورُ بعدَ الموتِ، وأمّا المعنى الذي يعمُّ الفصولُ كُلَّها فهو أنَّ الواجبَ في ذمةِ مَنْ عليهِ الحقُّ فعلٌ لا مالي فيبطلُ بموتهِ، ولا يتعلقُ استيفاؤُهُ بتركَتِهِ قِياسًا على ما إذا ماتَ وعليهِ صلاةٌ، وهذا لِأَنَّ التَرِكَةَ مالٌ يصلُحُ لاستيفاءِ المالِ منها، ولا يصلحُ لاستيفاءِ الفعلِ منها ألا ترى أنهُ إذا ماتَ وعليهِ القَصاصُ لم يُستوفِ مِنْ تركَتِهِ؛ لأنهُ لا يمكنُ، وكذلكَ الحَدُودُ، وإنمّا قُلنا: إنّ الواجبَ فعلٌ، أمّا العبادةُ منها فلما ذكرنا أنها اسمٌ لفعلِ، وأما ما سِواها فلِأَنَّ هذهِ أموالُ جُعِلَتْ صلاتٍ لمستحِقَها، والمُلْكُ في الصِّلاتِ لا يجبُ إِلاَّ بالتسليمِ، وكانَ التسليمُ فيها بمنزلةِ القَبولِ في المعاوضاتِ كالِهَبةِ بخلافِ الدِّيُونِ التي هي أعواضٌ فإنَها أموالٌ مملوكةٌ كما لو كانتْ أعيانًا، فإنها تُملَكُ بنفسِ السببِ فتعلَقَ استيفاؤُها بالترِكةِ، وعلى هذا خَيِارُ الشْرطِ لا يُورَثُ عندَنا (٢)، وعندَ الخَصْم يُورثُ؛ لِأَنَّ المستوفىِ بهِ حقٌّ ماليٌّ، مَنْ تيممَ مَلَكَ المبيعَ أو رَدَّهُ كِخَيارِ العيبِ إِلاَّ أننا نقوَلُ: الواجبُ للمشترِي في العيبِ جزءٌ من المبيعِ احتبسَ عنَد البائِعِ، وهو مالٌ، والمالُ مما يُورثُ، والواجبُ بشرْطِ الخَيِارِ، أيْ: بِقَي لهُ، ثُمَّ يتصلُ بالتصُّرفِ في المالِ، والرأيُ لا يورثُ فلا يورثُ حُكْمُهُ؛ لأنهُ لا يثبتُ الإيتاءُ على الرَّأْي، فالخصمُ لم يُفرِقْ بينَ الواجبِ مالًا بنفسِهِ وبينَ الواجبِ مَالًا بناءً علىِ فِعلٍ لا وجوبٍ لهُ بُدونِهِ، فهذا سِرُّ المسألِةَ مزِلُّ الإقْدَامِ، ثُمَّ هو تبرَّعَ، وإنما قلنا: إنهُ تبرَّعَ؛ لأَنَّ الزَّكَاةَ فِعلٌ، والمالُ إليها، وقد سقطتْ الأفعالُ بالموتِ، فصارتْ الزَّكَاةُ كأنها سقطتْ في حقِّ الدُّنيا؛ لأنها لو لم يوصِ لا تجبُ على الورثةِ أداؤُها، فكانتْ الوصيةُ بأداءِ الزَّكَاةِ تَبرُعًا بخلافِ دَيْنِ العبادِ، فإنهُ لا يسقطُ بالموتِ؛ لأن المقصودَ ثمَة المالِ، والفعلُ غيرُ مقصودٍ حتى لو ظَفَرَ الغريمُِ بِجِنْسِ حقِّه، لهُ أنْ يَأْخُذَه، فإذا كانَ كذلكَ لا يسقُطُ بالموتِ، ولو أوصى بذلكَ يُعتبُر مِنْ جميعِ المالِ، وكذلكَ في بابِ الفِدْيَةِ أنهُ تبَّرعَ بدليلِ أنُّه لو لم يوصِ لا يجبُ على الوارثِ، فصارَ الإطعامُ مِنْ هذا الوجهِ كسائرِ الوَصايا بالقُربِ بخلافِ الوصيةِ بقضاءِ الدَّيْنِ، فإنهُ لو لم يوصِ يجبُ على الوارثِ قضاءُ الدَّيْنِ، فكانَ مِنْ جميعِ المالِ (٣)، كذا في مبسوطِ شيخِ الإسلامِ (٤). وكُلُّ صَلاةٍ تعُتبُر بصومِ يومٍ هو الصحيحُ (٥) هذاَ احترازَ عمَّا قالَ مُحَمَّد بنُ مُقاتل أولًا: بأنهُ يُطْعَمُ عنهُ لِصَلاةِ كُلِّ يومٍ نصفُ صَاعٍ على قياسِ الصَّوْم، ثُمَّ رجعَ، فقالَ: كُلُّ صلاةٍ فرضٌ على حدّةٍ بمنزلةِ صومُ يومٍ، وهو الصحيحُ؛ لأنهُ أحوط (٦)، كذا في «المَبْسُوط» (٧).

стр. 1253

[قطع الصيام] قولهُ ﵀ (١): ولا يصومُ عنهُ الوَلِيُّ، ولا يُصلِّي احترازاً عن أَحدِ قَوْلَي الشَّافِعِي (٢): فإنهُ يقولُ في قولِ: يجوزُ للَوِليِّ أنْ يَصُومَ عنهُ لمِا رُوِيَ عنْ عائشةَ ﵂ عنِ النبيِّ ﵊ أنهُ قالَ: «مَنْ ماتَ وعليهِ الصِّيَامُ صامَ عنهُ وليُهُ» (٣)، وهذا نصٌّ في البابِ، ولنا حديثُ ابنُ عُمَر ﵁ مَوقوفًا عليهِ، ومَرفوعًا: «لا يصومُ أحدٌ عن أحدٍ، ولا يصُلِّي أحدٌ عن أحدٍ» (٤)، ولِأَنَّ المقصودَ مِنْ عِبادَةِ الصَّوْم لا يحصلُ بِفعْل غَيْرهِ، وهو قهرُ النفسِ الأمارة بالسُّوءِ، وتأويلِ قولهِ ﵊: «صامَ عنهُ وليَهُ» (٥)، أيْ: فعلَ عنهُ ما يقومُ مقامَ الصَّوْم مِنَ الإطعَام، لكنْ إنْ أوصى بذلكَ، كذا في «المَبْسُوط» (٦)، و «شرح الكافي». (ومَنْ دَخلَ في صومِ التطوِّع) (٧) إلى آخره قد ذَكَرَناه مُسبقاً في فصلِ القراءةِ منْ كتابِ الصَّلَاةِ، فالقضاءُ بعدَ الإفسادِ واجبٌ سواءً حصلَ الفسادُ بصنعةِ، أو بغيرِ صُنعةِ حتى إذا حاضَتْ الصائِمةُ تطَّوعًا يجبُ القضاءُ في أصحِّ الروايتين (٨)، وكذلك إذا افتتحَ صلاةَ التَطوُّعِ بالتيممِ، ثُمَّ أبصرَ الماءَ فعليهِ القضاءُ، والخروجُ منها ما كانَ بصنعةٍ. فبيَّنَ أنَّ الصحيحَ أنَّ الشُروعَ مُلزِمٌ للإتمامِ كالنذورِ، ومتى تعَّذرَ الإتمامُ بعدَ صحَة الشُّروعِ فعليهَ القضاءُ، ثُمَّ هذهِ المسألةُ بيننا وبينَ الشَّافِعِي تُبتنَى على أصلٍ، وهو أنَّ بعدَ الشُّروعِ لا يُباحُ لهُ الإفطارُ بِغَيْرِ عُذْر عندَنا (٩) فيصيرُ بالإفطارِ جانبًا فيلزمُهُ القضاءُ، وعند الشَّافِعِي ﵀ (١٠) يُبُاحُ لهُ الإفطارُ مِنَ غَيِرْ عُذرِ فلا يكونُ في الإفطارِ جانبًا، فلا يلزمُهُ القضاءُ، كذا في «المَبْسُوط» (١١)، فلذلك ذَكَر بعدَ هذهِ المسألةِ قولُهُ: في الكتابِ، ثُمَّ عِنْدَنَا لا يباحُ الإفطارُ فيهِ بغيرِ عُذْرِ في إحدى الروايتين (١٢).

стр. 1254

قلتْ: ذِكْرُ إحدى الروايتين في الْكِتَابِ مخُالِفٌ لإطلاقِ ما ذكرهُ شمسُ الأئمةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ في «المَبْسُوط» (١): كما ترى حيثُ ذَكَرَ مُطلقًا أنَّ الإفطارَ بغير عُذْرٍ لا يبُاحُ عندَنا، ولكنْ مُوافِقٌ لَمِا ذُكِرَ في الذخيرِة، ومَبْسُوط شَيْخُ الإسْلَامِ (٢)، فإنهُ ذَكَرَ في الذخيرِة: وأمّا الإفطارُ بغيرِ عُذْرِ بِشَرْطِ القضاءِ ذَكَر في المنتقى عن أبي يوسفَ أنهُ يحَلُّ،] وهكذا رَوى الحسنُ بنُ زياد عن أبي حنيفةُ ﵀ (٣)، وذكرَ الفقيهُ أبو بكر الرازيُّ (٤) عن أصحابنا أنهُ لا يَحِلُّ (٥) والمتأخرونَ اختلفوا فيهِ، وهذا كُلُّهُ في التطوِّعِ (٦)، فأمًّا في الفرضِ، والواجبِ لا يَحِلُّ الإفطارُ إِلاَّ بُعِذْرٍ (٧)، والضيافةُ ليستْ بُعِذْرِ فيهِ، والسفرُ ليسَ بعذْرِ في اليومِ الذي أنشأ السفَر فيهِ عُذْرٌ فيما عداهُ مِنَ الأيامِ (٨). [هل يفطر إذا دعي للوليمة] قولُه: (والضيافةُ عُذْرٌ) (٩)، أيْ: في التطِّوعِ، ومِنَ المشايخِ مَنَ قالَ: إنْ كانِ صاحِبُ الدَّعوى يرضى ِبُمجَردِ حُضُورِهِ، ولا يتأذّى بتْركِ الإفطارِ لا يُفْطِرُ (١٠)، وإنْ كان يتأذّى يُفْطِرُ ويقضِي (١١)، وقالَ شمسُ الأئمةِ الحلواني ﵀ (١٢): إنْ كانَ يِثقَ مِنْ نفسهِ القضاءَ يُفطِرُ دفعًا للأذى عنْ أخيهِ المسلمِ، وإنْ كانْ لا يثقُ مِنْ نفسهِ القضاءَ لا يُفطِرُ، وقد اختلفَ مشايخُ بلخٍ فيِمَنَ حَلَفَ على صائِم بِطلاقِ امرأتِهِ أنْ يفُطِرَ، كذا في «الذخيرة» (١٣).

стр. 1255

وذكرَ في «المَبْسُوط» (١): واختلتْ الرواياتُ في الضيافةِ هل يكون عُذرًا؟ رَوَى هِشام (٢) عن مُحَمَّد ﵀ أنها عُذْرٌ مُبيحٌ للفِطْرِ (٣)، ورَوَىَ الحسنُ عن أبي حنيفةَ ﵀ أنها لا تكونُ عُذرًا، ورَوَى ابنُ أبي مَالِكٍ (٤)، عنْ أبي يوسفَ، عن أبي حنيفةَ ﵀: أنها تكونُ عُذرًا (٥)، وهو الأظهرُ لمِا رُوِيَ عن النبيِّ ﵊: أنهُ كانَ في ضيافةَ رَجُلٍ منَ الأنصارِ، فامتنعُ رَجُلً مِنَ الأكلِ، وقالَ: إني صائِمً، فقال ﵊: «إنّما دعاكَ أخوكَ لُتِكْرمَهُ فأَفْطِرُ، واقضِ يومًا مكانَهُ» (٦) ووجهُ الرِوَايةِ الأُخرى ما رُوِيَ عنْ رسولِ اللهِ ﵊ أنهُ قالَ: «إذا دُعِيَ أحدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فإنْ كانَ مفُطْرًا فليأْكُلْ، وإنْ كانَ صائِمًا فليُصُلِ، أيْ: فَلْيَدْعُ لَهُمْ» (٧)، وقالَ ﵊: «إنَّ أخوفَ ما أخافُ على أُمتي الشِّركُ، والشهوةُ الخفيةُ» قِيلَ: أو تُشْرِكُ أُمتكَ بعدَكَ، فقالَ: «لَاْ، ولكنَّهمُ يُراؤوُنَ بأَعْمالهِم» فَقِيلَ: وما الشهوةُ الخفيةُ؟ فقالَ: «أنْ يصُبِحَ أحدُهُمْ صائِمًا، ثُمَّ يُفْطِرُ على طعامٍ يَشْتُهْيِةِ» (٨).

стр. 1256

وفي «الذخيرة» (١): وهذاَ كُلُّهُ إذا كانَ الإفطارُ قبلَ الزَّوالِ، فأمّا إذا كانَ بعدَ الزوالِ، فلا ينبغي لهُ أنْ يفُطِرَ إِلاَّ إذا كانَ في تَرْكِ الإفطارِ عقُوقٌ بالوالدينِ أو بأحدِهَمِا. [إذا وجب عليه الصَّوْم أثناء اليوم] وإذا بلغَ الصبيُّ، أو أَسْلَمَ الكافِرُ في رمضانَ أمسَكَاْ بقيةَ يوَمِهِمِاَ (٢)، اختلفوا في إمساكِ البقيةِ أنّهُ على طريقِ الاستحسانِ، أو على طريقِ الإيجابِ. ذَكَرَ مُحَمَّد بنُ شُجاعٍ ﵀ (٣) أنّهُ على طريقِ الاستحبابِ (٤)؛ لِأَنّهُ مُفْطِرٌ فكيفَ يجبُ عليهِ الكَفُّ عنِ المُفطِراتِ؟ وقدَ قالَ أبو حنيفةَ ﵀ في كتابِ الصَّوْم (٥): إنَّ الحائضَ إذا طَهُرَتْ في بعضِ النَّهارِ لا يحسنُ لها أنْ تأكَلَ وتشربَ، والناسُ صِيامٌ، وهذا يدُّل على الاستحبابِ. وقالَ الشيخُ الإمامُ الزاهدُ الصفارُ ﵀ (٦): الصحيحُ أنَّ ذلك على الإيجابِ (٧)؛ لِأَنَّ محمدًا ﵀ ذكَرَ في كتابِ الصَّوْم فليصُمْ بَقيُةَ يومِهِ (٨)، والأَمر على الإيجابِ وقالَ في الحائضِ: إذاَ طهُرَتْ في بعضِ النَّهارِ فُلْتدَعْ الأَكْلَ والشُّرْبَ، وهذا أمرٌ أيضًا، والذي قالَ: لا يَحْسُنُ لها أنْ تأكَل وتشربَ معناهُ يقُبحٍ منها ذلكَ، ألا ترى أنهُ قالَ في المسافرِ: إذا أقامَ بعدَ الزَّوالِ أني أستقبحُ أنْ يأكلَ ويشربَ، والناسُ صِيامٌ، وهو مُقيمٌ، فقد فسَّرَ ما لا يَحْسُنُ بالاستقباحِ، ولا يُسترابُ إنْ تركَ ما يُستقْبَحُ شَرعًا واجِبٌ، كذا في «الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة» (٩).

стр. 1257

قلتُ: وفيما يجيءُ بعدَ هذا في الْكِتَابِ إذا قَدِمَ المسِافُر، أو طَهُرَتْ الحائِضُ دِلالةُ عُلى اختيارِ هذا القولِ، وهو الوجوبُ، حيثُ قالَ عِنَدَ مُقابَلةِ قولِنا (١)، وقال الشَّافِعِي ﵀ (٢): لا يجبُ الإمساكُ، ثُمَّ الأصلُ في هذا أنَّ كُلَّ مَنْ صَاْرَ في آخرِ النَّهارِ بِصفةٍ لو كانَ في أولِ النهارِ عليها، لَزِمَهُ الصَّوْم فعليهِ الإمساكُ كالحائضِ، والنُفَسَاءِ تَطْهُرُ بعدَ طُلوعِ الفجرِ أو معهُ، والمجنونُ يفيق، والمريضُ يبرأُ، والمسافرُ/ يَقْدُمُ بعدَ الزوالِ أو الأَكْلِ، والذي أَفْطَرَ عَمْدًا، أو خطأً، أو مُكرهًا، أو أَكَلَ يوَم الشَّكِّ، ثُمَّ استبانَ أنهُ مِنْ رمضانَ، أو أفطرَ، وهو يرى أنَّ الشمسَ قد غَرُبَتْ، أو تسحَّرَ بعدَ الفجرِ ولم يعلَمْ، ومن لم يكنْ على تلكِ الصفةِ لا يجبُ الإمساكُ كما في حالةِ الحيضِ، والنِفاسِ، ثُمَّ قِيلَ: الحائِضُ تأْكُلُ سِرًّا لا جَهرًا، وقِيل: تأْكُلُ سِرًّا وجَهرًا (٣)، وللمريضِ، والمسافرِ الأَكْلُ جَهرًا (٤)، كَذا ذكرهُ الإمامُ التُّمُرْتَاشِي ﵀ (٥). وفي «الجامعِ الصغيرِ» لفَخْرِ الْإِسْلَام ﵀: وأمّا الإمساكُ في بقيةِ النهارِ فمذهُبنا (٦) وقالَ الشَّافِعِي في هذا كُلِّهِ: لا يجبُ الإمساكُ، احتجَّ الشَّافِعِي ﵀ (٧) بأنَّ هذا شخصٌ لم يلزَمْهُ الصَّوْم لا ظاهِرًا ولا باطنًا، فلا يلزمُهُ الإمساكُ كما في حالةِ الحيضِ ولأصحابِنَا أنَّ النبيَّ ﵊ أمرَ بالإمساكِ في يومِ عاشوراَء (٨)، فثبتَ بهِ أنَّ مَنَ عَجَزَ عن حقيقةِ الصَّوْم، وقد صارَ بحالٍ لو كانَ كذلكَ في أولِ النهارِ لَزِمَهُ الصَّوْم أنهُ يلزُمُهُ الإمساكُ قضاءً لِحَقِّ الوقتِ، ولو أفطرا فيهِ لا قضاءً عليهِمَا؛ لأنَّ الصَّوْم غيرُ واجبٍ فيهِ، فإنْ قلتَ: يَشْكُلُ على هذا المجنونِ إذا أفاقَ في يومِ رمضانَ قبلَ الزوالِ، ونوى الصَّوْم يقعُ عنِ الفرضِ (٩)، ولو أفطرَ يجبُ عليهِ القضاءُ مع أنَّ الصَّوْم لم يكنْ واجبًا عليهِ وَقْتَ طُلوعِ الفجرِ (١٠)، كذا ذكره الإمامُ التُّمُرْتَاشِي.

стр. 1258

قلت: لا يسلمُ أنَّ الوجُوبَ لم يكنْ ثابتًا عليهِ في ذلكَ الوقتِ، بلْ الوجُوبَ في حقِّهِ كانَ ثابتًا إِلاَّ أنهُ لم يظهْر أثرُهُ عندَ الاستغراقِ، فإذا لم يستغرقْ ظَهَرَ أثُر الوجُوبِ وقالَ الإمامُ التُّمُرْتَاشِي ﵀ (١): إنَّ الجنونَ إذا لم يستوعبْ لا يمنعُ الوجوبَ كالمرضِ فبعدَ ذلك النيةُ في أكثرِ اليومِ] كالنية في كله بخلاف الصبا ولم يقضيا يومهما ومن العلماء من يقول عليه هذا اليوم (٢) (٣)، والأيامِ الماضيةِ مِنَ الشهرِ، وجعلوا إدراكَ جُزءٍ منَ الشهرِ كإدراكِ جميعِ الشهرِ في كونهِ سببًا لِوُجوبِ صومِ جميعِ الشهر (٤)، كما أنَّ إدراكَ جُزْءٍ منَ وقتِ الصَّلَاةِ بعدَ الإسلامِ كإدراكِ جميعِ الوقتِ والتفريطُ إنَّما جاءَ مِنْ قبلهِ بتأخيرِ الإسلامِ، فلا يُعَذرُ في إسقاطِ القضاءِ، وهو قريبٌ من أصلِ الشَّافِعِي أنَّ الكَفارَ مخُاطبونَ بالشرائِعِ (٥)، ولنا ما رُوِيَ أنَّ وَفْدَ ثقيفٍ حين قَدِموا على رسولِ اللهِ ﵊ أسلموا في النِّصفِ من رمضانَ، فأمرهُم بصومِ ما بقيَ مِنَ الشهرِ، ولم يأمرْهُم بقضاءِ ما مَضَى (٦). وتأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ لا يجوزُ (٧)، ولِأَنَّ وجُوبَ القضاءِ يبتني على خِطابِ الشرْعِ بالأداءِ، وذلكَ لا يكونُ بدونِ الأهليةِ للعبادةِ والكافرُ ليسَ بِأَهْلِ للعِبَادةِ (٨)؛ لأنهُ ليسَ بأهلٍ لِثَوبهُتا فلا يثبتُ خطابُ الأداءِ في حقِّهِ، والصَّوْم عبادةٌ معلومةٌ بِمعيَارِهِ، وهو الزمانُ، ولا تَصَورٌ للصومِ منهُ في الزمانِ الماضي بخلافِ الصَّلَاةِ، فإنها معلومةٌ بأركانِها، والوقتُ طَرَفٌ لها، فجعلَ إدراكَ جُزْءٍ منَ الوقتِ سببًا لِوُجوبِ الأداءِ، ثُمَّ القضاءُ يبنى عليهِ، ومن قالَ: مِنْ أنَّ التأخيرَ كانَ منهُ باطلٌ، فإنهُ ليسَ عليهِ قضاءُ صومِ رمضانَ مِنَ السنينَ الماضيةِ في حالةِ الكفرِ (٩)، كذا في «المَبْسُوط» (١٠)؛ لأنهُ أدركَ وقتَ النِّيةِ، فصارَ كَمَنْ أصبحَ ناوِيًا للفِطْرِ، ثُمَّ نَوَى قبلَ الزّوالِ أنَّ الصَّوْم أَجزأَهُ، ولا شكَّ أنَّ نيةَ الفِطْرِ مُنافِيةٌ للصومِ لكنها منافيةٌ حُكْمًا لا حقيقةً، فلا يمنعُ نيةَ الصَّوْم قبلَ الزوالِ، وكذلِكَ الكُفَر مُنافٍ للصومِ حُكمًا لا حقيقةً وجهُ ظاهِر الرواية أنَّ الخطابَ بالصَّوْم ما كانْ مُتوجهًا عليهِ في أولِ النهارِ، وصومُ اليومِ الواحدِ لا يَحِتَملُ التَحري وجُوبًا، وإمساكهٌ في أولِ النهارِ ما تَوَقَّفَ على صومِ الفرضِ؛ لأنهُ لم يكنْ إهلالُهُ (١١).

стр. 1259

قولُه: (على ما قالوا) (١) إشارةً إلى الاختلافِ (٢)، وفي «المَبْسُوط» (٣): ولو بلغَ في غيرِ رمضانَ في يومٍ فَنَوى الصَّوْم تطوَّعًا أجزأَهُ بالاتفاقِ (٤)، وفي الكافرِ يسلمُ اشتباهُ، فقد ذَكَر في «الجامع الصغير» (٥) في الصبيِّ يبلغُ، والكافِرُ يسلمُ قالَ: هما سواءٌ، وهذا يدلَّ على أنَّ نيةَ كُلِّ واحدٍ منهما للتطوعِ صحيحةٌ، وأكثرُ مشايخنا على الفَرْقِ بينَ الفصلينِ (٦)، فقالوا: لا تصحُّ مِنَ الكافرِ نيةُ صومِ التُّطوعِ بعدَما أسلمَ قبلَ الزَّوالِ؛ لأنهُ ما كانَ أهلًا للعبادةِ في أولِ النهارِ، فلا يتوقفُ إمساكُهُ على أنْ يصيرَ عبِادةٌ بالنيةِ، فأمّا الصبيُّ فكانَ أهلًا للعبادةِ تُطَوُّعًا فتوقفَ إمساكُهُ على أنْ يصيرَ صَومًا بالنيةِ قِبلَ الزوالِ. وإذا نوى المسافُر الإفطارَ (٧)، أيْ: في غير رمضانَ بدليلِ قولهِ: فيما بعدَهُ، وإنْ كانَ في رمضانَ ترجيحًا لجانبِ الإقامةِ، فهذا أولىَ فوجهُ/ الأولويةِ هو أنَّ المرخصَ، وهو السفرُ قائِمٌ وقتَ الإفطارِ في تلكَ المسألةِ، ومع ذلك لم يُبِحْ لهُ الإفطارَ، فلِأَنْ لا يباحُ الفِطْرُ في هذهِ المسألةِ، والمرخصُ ليسَ بقائِمِ وقتَ الفِطرِ بالطريقِ الأوُلى إِلاَّ أنهُ إذا أفطَر في المسألتين، وهما مسافِرٌ أقامَ، ومُقِيمٌ سافَر لا تَجب الكفارةُ لا؛ ِلأَنَّ الفِطْرِ صارَ مُباحًا لهُ؛ لِأَنَّ الفِطْرِ ليسَ بَمُباح فيهما جميعًا لكنْ؛ لِأَنَّ السفَر في الأصلِ مبُيِحٌ للفطرِ فإذا اقترنَ بالسببِ الموُجبِ للكفارةِ يكونُ مُورثاً شُبهةً مُسقطةٍ للكفارةِ، وإنْ لم يَصِر الفِطْرِ مُباحًا لهُ بمنزلةِ النِّكاحِ الفاسدِ يكونُ مسُقطًا للحدِّ، وإنْ لم يكنْ مُبيحًا للوطئِ كذا في نوادرِ صَوْمِ «المَبْسُوط» (٨)؛ لأنها عباداتٌ متفرقةٌ؛ لأَنَّ صَوْمَ كُلَّ يومِ عبادةٌ على حَدِةٍ، ألا ترى أنَّ فسادَ البعضِ لا يمنعُ صِحَةَ ما بَقِيَ، وأنّ انعدامَ الأهليةِ في بعضِ الأيامِ لا يُمنعُ لتقررِ الأهليةِ فيما بَقِيَ، فكانتْ بمنزلِة صلواتِ مختلفةٍ، فَيَسْتَدْعِيْ كُلُّ واحدٍ منهما نيةً على حِدَةٍ.

стр. 1260

[مسألة المغمى عليه] ومَنْ أُغْمِيَ عليهِ في رمضانَ (١) كُلِّهِ قضاهُ (٢) إِلاَّ على قولِ الحسن البصري (٣)، فإنهُ لا قضاءَ عليهِ عندَهُ؛ لأنهُ يقولُ: سببُ وجُوبِ الأداءِ، وهو شُهودُ الشهرِ، لم يتحققْ في حقِّهِ لِزَوالِ عَقْلِهِ بالإغماءِ، ووجوبُ القضاءِ يبتني عليهِ، ولنا أنَّ الإغماءَ، وهو عذرٌ في تأخيرِ الصَّوْم إلى زوالهِ لا في إسقاِطِ، وهذا لِأَنَّ الإغماءَ يُضْعفُ القويَّ، ولا يُزِيلُ الحِمىَ، ألا ترى أنهُ لا يصيرُ موليًا عليهِ، وأنَّ رسولَ اللهَ ﵊ ابُتِلَيَ بالإغماءِ في مرضهِ (٤)، وقدْ كانَ معصومًا عمّا يزُيل العقلَ (٥) قال الله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (٦)، ومَنْ جَنّ رمضانَ كُلَّهُ لم يقضِهِ (٧). قال شمسُ الأئمةِ الحلواني ﵀ (٨): المرادُ مِنْ قولِه: جَنَّ رمضانَ كُلَّهُ، أيْ: فيما يمكنُهُ ابتداءَ الصَّوْم فيهِ حتى لو أفاقَ بعدَ الزوالِ من اليومِ الأخيرِ من شهرِ رمضانَ كُلَّهِ لا يلزمُهُ القضاءُ؛ لأنَّ الصَّوْم لا يصحُ فيه كالليلِ هو الصحيحُ (٩)، فهو يعتبُرهُ بالإغماءِ لمِا أنَّ الجنونَ مَرضٌ يَخِلُ العقلَ فيكونُ عُذرًا في التأخيرِ إلى زوالهِ لا في إسقاطِ الصَّوْم كالإغماءِ، ولنا قولُه ﵊: «رُفِعُ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن الصبيِّ حتى يحتلمَ، وعن المجنونِ حتى يفيقَ، وعن النائمِ حتى يستيقظَ» (١٠) ومَنْ كانَ مرفوعَ القلمِ لا يُتوجهُ الخطابُ إليهِ بأداءِ الصَّوْم والقضاءُ يبتني عليه، ثُمَّ الجنونُ يزيلُ عقلَهُ، فلا يتحققُ معهُ شُهودُ الشهرِ، وهو السببُ الموجبُ للصومِ بخلافِ الإغماءِ، فإنهُ يُعجِزُه عن استعمالِ عقلهِ، ولا يزيلُهُ، فلِبَقَائِهِ جُعِل شاهِدًا للشهرِ حُكْمًا، وهو كابنِ السبيلِ تلزمُهُ الزَّكَاةُ لِقيَامِ مُلْكِهِ، وإنْ عَجَزَ عن ثباتِ يَدِهِ عليهِ بخلافِ مَنْ هَلَكَ مالُهُ فيما يقولان: لم يجبْ عليهِ الأداءُ، أيْ: أداءُ ذلكَ البعضِ مِنْ شهرِ الصَّوْم الذي وُجِدَ فيهِ الجنونُ، وصارَ كالمستوِعبِ، أيْ: في إسقاطِ الُكلِّ، وهذا بعضُهُ فيسقُطُ البعضُ، يعني: أنهُ لو استوعبَ الشهرَ كُلُّهُ مُنًعَ القضاءُ في الكُّلِ (١١)، فإذا وُجِدَ في بَعضِهِ يمُنعُ القضاءُ بعذرِهِ اعتبارًا للبعضِ بالكُّلِ قِياسًا على الصبيِّ، وهذا لِأَنَّ الصبيَّ أحسنُ حالًا مِنَ المجنونِ، فإنهُ ناقِصُ العقلِ في بعضِ أحوالِهِ والجنونُ عديمُ العقلِ، ولهذا جازَ إعتاقُ الصغيرِ عن الكفارةِ دُونَ الجنُونِ، فإذا كانَ الصِّغَرُ في بعضِ الشهرِ يمَنعُ وجُوبَ الشهرِ، يمنعُ وجُوبَ القضاءِ فالجنونُ أولى، وقولهما قِياس.

стр. 1261

ولكنْ استحسنَ علماؤُنا (١) بقولهِ تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢)، والمرادُ منهُ: شهودُ بعضِ الشهرِ؛ لِأَنهُ لو كانَ السببُ شُهودَ جميعِ الشهرِ لِوُقوعِ الصَّوْم في شَّوالَ، فصارَ بهذا النصِّ شهودُ جُزْءٍ مِنَ الشهرِ سببًا لِوُجوبِ صَوْمِ جميعِ الشهرِ، فصارَ تقديُر الآيةِ فَمْن شَهِدَ مِنكمْ بعضَ الشهرِ فليصُم الشهرَ كُلُّهُ، ولا يُقالُ: لو كانَ المرادُ بهِ بعضُ الشهرِ، فينبغي أنْ ينصرفَ الخِطابُ بالصَّوْم إلى صومِ ذلكَ البعضِ الذي شهدَهُ لأَنَّا نقولُ: إنَّ الكنايةَ تنصَرفُ إلى أقربِ الأسماءِ الظاهَرةِ، والاسمُ الظاهُر هاهنا الشهرُ، وأمَّا البعضُ فليسَ بظاهرٍ، بَلْ هو مُضَمُرُ لحِاجةٍ ماسَّةٍ إلى الإضمارِ، وهذا بخلافِ ما إذا استوعَبَ الجنونُ الشهَر كُلُّهُ؛ لِأَنهُ المرادُ منِ قولهِ تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣) مَنْ كان أهلًا للأَمْرِ بالصَّوْم، ومتى استوعبَ الجُنونُ الشهَر كُلُّهُ لم يكنْ أهلًا للأمْرِ بالصَّوْم، ولِأَنَّ الجُنونَ عَارِضٌ أَعْجَزَهُ عن صَومِ بعضِ الشهرِ مع بقاءِ أَثَر الخِطْابِ فيلزمُهُ القضاءُ كالإغماءِ، فأمّا إذا استوعَبَ الجنونُ الشهرَ كُلُّهُ، فإنَّما أسقطْنا القضاءَ لا لِانْعِدَامِ أثرِ الخِطْابِ، بلْ لِدَفْعِ الحرجِ والمشقةِ، والحرجُ عذرُ مُسْقِطٌ للقضاءِ كالحيضِ في حقِّ الصَّلَاةِ، وحَاصِلُ/ الكلامِ (٤): أنَّ الوُجوَب في الذِّمةِ لا ينعدُم ذلك بسببِ الصَبأ، ولا بسببِ الجُنونِ، والإغماءِ إِلاَّ أنَّ الصَبَا يّطولُ عِادة، فيكونُ مُسقطًا للقضاءِ دَفعًا للحرجِ والإغماءُ لا يطولُ عادةً فلا يكونُ مُسقِطًا للقضاءِ، والجنونَ قد يطولُ، وقد يقصُر فإذا طالَ التحقَ بما يطولُ عادةً، وإذا قَصُرَ التحقَ بما يَقْصُرُ عادةً، ثُمَّ فَرْقٌ بينَ الطويلِ والقصيرِ في الصَّوْم أنْ يَستوعبَ الشهرَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ الشهرَ في حُكْمِ الأجلِ، وفي الصَّلَاةِ أنّ يزيدَ على يومِ، وليلةٍ لِيُدخِلَ الفوائِتَ في حدِّ التَّكرارِ هذا كُلُّهُ مِنَ «المَبْسُوط» (٥)، و «الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة» (٦). والأهليةُ بالذِّمةِ، والذِّمةُ عبارةٌ عن كونهِ أهلًا للإيجابِ، والاستحبابِ، وهو بالآدميةِ، وفي الوجوبِ فائدةُ هذا لِرَدِّ شُبهةٍ تردُ على قولهِ والأهليةُ بالذِّمةِ بأنْ يُقالَ: لو كانَ الوجوبُ دِائرًا مع الذِّمة ينبغي أنْ يَجِبُ على الصبيِّ أيضًا، فقالَ: الوجوبُ يتلو الفائِدَةَ وهي أنْ يطلُبَ منهُ الأداءَ على وجهٍ لا يخرجُ، والصبأُ ممتدٌ فيخرجُ هو في الإيجابِ عليهِ، وأمّا هاهنا الأهليةُ بالذِّمةِ موَجودةٌ، وليسَ في الإيجابِ كثيرُ حَرَج؛ لِأَنَّ الكلامَ في عَدَمِ الاستغراقِ، وليسَ فيهِ حَرَجٌ فكانَ الإيجابُ مُعتبرًا فلا فائِدَةَ؛ لأنهُ لو وَجَبَ يسقطُ بسببِ الحَرجِ بعدَ الوُجوبِ فلا فائدِةَ في الوُجوبِ حينئذٍ، قِيلَ: وهذا ظَاهِرُ الروايةِ، أي: عَدَمُ الفْرقِ، ثُمَّ المُرادُ مِن الجنُونِ الأصلي هو أنْ يكونَ متُصلًا بالصَبأ بأنْ بلغ مجَنونًا، ومِنَ الجنُون العارِضِي هو أنْ يبلغَ مُفيقًا، ثُمَّ جُنَّ (٧).

стр. 1262

[ما على المجنون في الصيام] وفي/ «المَبْسُوط» (١): فإنْ كانَ جُنونُهُ أصليًّا بأنْ بَلَغَ مُجنونًا، ثُمَّ أفاقَ في بعضِ الشهرِ فالمحفوظُ عن مُحَمَّد ﵀ (٢) أنهُ ليسَ عليهِ قضاءُ ما مضى؛ لِأَنَّ ابتداءَ الخِطَابِ يتوجهُ عليهِ الآنَ فيكونُ بمنزلةِ الصِبيِّ يبلغُ، ورَوَىَ هِشامٌ عن أبي يوسفَ ﵀ (٣) قالَ في القياسِ: لا قضاءَ عليهِ، ولكنْ استَحْسَنَ، فأوجبَ عليهِ قضاءَ ما مضى مِنَ الشهرِ؛ لِأَنَّ الجنُونُ الأصيلَ لا يُفاِرقُ الجنونَ الطَّارئَ في شيءٍ من الأحكامِ، وليسَ فيهِ رِوايةٌ عن أبي حنيفةَ ﵀، واخُتلِفَ فيه المتأخرِ، ولا على قياسِ مذهَبِهِ. والأصحَّ: أنهُ ليسَ عليهِ قضاءُ ما مضَى (٤). وهذا، أيْ: المرْوِيِّ عن محُمدٍ، وهو الفرقُ بينَ الجُنونينِ مَختارُ بعضِ المتأخرين: منهم الشيخُ أبو عبدِاللهِ الجرجاني (٥)، والإمامُ الرستغفني (٦)، والزاهدُ الصفار ﵏ (٧) ذكره في «الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة» (٨) قالَ شَيْخِي (٩) في تأييدِ قولِ مُحَمَّد ﵀ بالطُّهْرِ الممتدِ، فقالَ: لا يبُعد أنْ يُفارِقَ حُكْمُ الأصِليِّ حُكْمَ العارضِي، وإنْ كانتْ حقيقتُهما واحدةً، فإنَّ الطُّهرَ إذا كانَ أصليًّا بأنْ بلغتْ الصغيرةُ بالسنِ، ولم ترَ بعدَ البلوغِ، وما حُكْمُها حُكْمُ الصغيرةِ في الاعتدادِ بالأشهرِ، وإذا كانَ عارضيًا بأنْ بلغتْ بالحيضِ، ثُمَّ امتدَّ الطُّهرُ ليسَ حُكْمُها حُكْمَ الصغيرةِ، بلْ يُعتدُّ بالحيضِ إلى أنْ يتأنِسَ فكذلك هاهنا ومَنْ لم ينوِ في رمضانَ كُلِّهِ لا صومًا ولا فِطرًا فعليهِ قضاؤُهُ (١٠). وهذه المسألةُ من خَواصِ مسائِل «الجامع الصغير» (١١) ثُمَّ لابُدَّ مِنَ التأْوِيلِ لهذهِ المسألةِ لما أنَّ دِلالةَ حالِ المسلمِ كافيةٌ لِوُجودِ النيةِ ألا ترى أنّ مَنْ أُغِميَ عليهِ بعدَما غربتْ الشمسُ من الليلةِ الأوُلى مِن رمضانَ أنهُ يصيرُ صائِمًا في يومِها، ولم يعرفْ مِن نيةِ الصَّوْم، ولا الفِطْرِ لما أنا حملْنَا أمرَهُ على النيةِ بناءً على ظاهرِ حالِهِ، ثُمَّ قال مشايخنا (١٢): تأويلُ هذهِ المسألةِ أنْ يكونَ مَريضًا أو مُسافرًا أو مُتهتكًا اعتادَ الفِطْر في رمضانَ حتى لا يصلُحُ حالهَ دليلًا على العزيمةِ، ونيةِ الصَّوْم (١٣)، كذا ذَكَر فَخْرُ الْإِسْلَام ﵀ (١٤).

стр. 1263

[هل يكفي نية واحدة لجميع الشهر] (وقال زُفَر: يتأدّى صوُم رمضانَ بِدُونِ النيةِ) (١)، وكانَ أبو الحسنِ الكرخي يُنْكِرُ هذا المذهبَ لِزُفَر، ويقولُ: المذهبُ عندَهُ أنَّ صومَ جميعَ الشهرِ يتأدَّى بنيةِ واحدةٍ (٢) كما هو قولُ مَالِكِ (٣)، وقالَ أبو اليسرِ ﵀ (٤): هذا قولٌ قَالهُ زُفَر في صِغَرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ عنهُ، كذا في «المَبْسُوط» (٥)، و «الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة» في حقِّ الصحيحِ المقُيم إِنما قيُّدَ بهما؛ لِأَنّ المريضَ، والمسافَر لابُدَّ لهما مِن نِيَةِ الصَّوْم بالاتفاقِ (٦)؛ لِأَنَّ إمساكَهُما غيرُ مُستحقٍ للصومِ؛ لِأَنَّ شعبانَ، ورمضانَ في حقِّهَمِا سواءٌ منْ حيثُ إنهما غيرُ مطالبينَ بالأداءِ حالَ قيامِ المرضِ، والسفرِ (٧)، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٨). (كما إذا وَهَبَ كُلّ النِّصابِ مِنَ الفقيرِ) (٩) فإنَّ مْثلَ إعطاءِ النِّصابِ فقيرًا واحداً للزَّكاةِ باطلٌ عْنِدَ زُفَر على ما مَرَّ في الزَّكَاةِ، فكيفَ ذَكَرَ الجوازَ هنا على مذهَبِهِ؟ قِيلَ: جازَ أنْ يكونَ المرادُ منهُ، أيْ: على قَولِ مَذْهَبِكُم، وقِيلَ: تأويُله أنْ يكونَ الفقيرُ مَدْيُونًا فعندَ ذلك يجوزُ أداءُ النِّصابِ زكاةً بالاتفاقِ (١٠)، وفي هِبَةِ النِّصابِ وُجِدَ فيهِ القُرْبَة باختيارِ المَحلَّ، وَوُجَد معنى القُربِة لحاجةِ الحلِّ ألا ترى أنَّ مَنْ وَهَبَ لفقيرٍ شيئًا لا يَمْلِكُ الرجوعَ فيهِ لحصولِ الثوابِ لهُ، ومَنْ أصبحَ غيَر ناوٍ للصْومِ فَأَكَلَ لا كفارةَ عليهِ عندَ أبي حنيفةَ (١١) سواءً أَكَلَ قبلَ الزَّوالِ أو بعدَهُ، وعندَهُما (١٢) على التفصيلِ المذكورِ، وإنْ أصبحَ غيرَ ناوٍ للصومِ، ثُمَّ نَوى قبلَ الزَّوالِ، ثُمَّ أَكَلَ فلا كفارةَ عليهِ إِلاَّ في رِوايةٍ عن أبي يوسفَ أنهُ يلزمُهُ الكفارةُ، كذا في «المَبْسُوط» (١٣). فصارَ كغاصِب الغاصبِ (١٤)؛ وذلك لِأَنّ الإمساكَ قبلَ الزَّوالِ كانَ بغيرِ صفةٍ أنْ يصيرَ صَومًا، فبالأُكْلِ فَوَّتَ هذا الإمكانَ، وتفوِيْتُ الإمكانِ بمنزلةِ تَفْوِيْتِ الأصلِ كما في الغصبِ، فإنّ المغصوبَ منهُ كما يضمَنُ الغاصبُ الأولُ لتفويتِ الأصلِ يضَمُن الغاصبَ الثاني لتفويتِ الإمكانِ؛ لأنهُ لا جائزَ أنْ يضمَنَ الثاني بسببِ الاستهلاك؛ لِأَنهُ شُرْطٌ، والتفويتُ عِلُّةٌ، ولا يُصارُ إليهِ معَ قيامِ صاحِبِ الِعَّلةِ، ولا جائزَ أنْ يضمَنَهُ بسببِ الغَصْبِ؛ لأنهُ ما أزالَ اليدَ المُحَّقَة فتعينَ لتضمِينهِ تفويتَ الإمكانِ (١٥).

стр. 1264

وفي «المَبْسُوط» (١) لفَخْرِ الْإِسْلَام جعلَ هذا قولَ أبي يُوسُفَ خاصةً، فقال: قالَ أبو يُوسُفَ: بأنَّ الإمساكَ قبلَ الزَّوالِ مَوقوفُ على أنْ يصيرَ صومًا بِقَرِاْنِ النِّيةِ، فإذا أَكَلَ فقدْ مَنَعَ نفسَهُ عن تحصيلهِ، وجِنَايةُ المنعِ تضُاهي جِنَايةَ الإبطالِ كما في وَلَدِ المغرورِ، ولهما أنَّ وجُوبَ الكَفَارةِ عُرِّفَ شَرعاً للزجرِ عن جِنايةِ إفسادِ الصَّوْم، ولم يُوجْد الصَّوْم بعدُ، وإذا حاضتْ المرأةُ أو نُفِستْ -بضم النون-، أي: إذا صارتْ نُفَسًَا، ونُفِسَتْ حاضتْ (٢). قولهُ ﵀: (وعلى هذا الخلافِ كُلَّ مَنْ صارَ أهلًا للُزُومِ، ولم يكنْ كذلكَ في أولِ اليومِ)، وبهذا الأصلِ يخرجُ مَنْ أفطرَ عَمدًا، أو خطأً عن مَوضِع الخلافِ حيثُ يلزمُهُما الإمساكُ بالإتفاقِ (٣)، ذَكَرهُ فَخْرُ الْإِسْلَام (٤)، فإنهما كانا في أولِ اليومِ ممن يلزمُهُما الصَّوْم، وكذلك في آخرِ اليومِ كالمفطرِ مُتعمدًا أو مخطِئًا، فإنْ قِيلَ: ما وجهُ المِفطِر مخُطئًا عندَهُ، والفِطْرُ لا يتحققُ عِنَدهُ مِن المخطئِ قلنا: المرادُ مِنَ المخطئِ هو مَنْ لم يصحْ صومُ اليومِ عنهُ لِعَدَمِ قصدِهِ في إفسادِ الصَّوْم كَمَنْ أَكَلَ يوَم الشكِّ، ثُمَّ ظهرَ أنهُ مِنْ رمضانَ، فإنهُ يتحققُ الإفطارُ هاهنا، ويجبُ التشبهُ بالاتفاقِ. [من أكل ظاناً غروب الشمس] وكذا مَنْ تسحَّرَ، وهو يظنُ أنَّ الفجَر لم يطلعْ، فإذا هو قدْ طَلَعَ أو أَفطرَ على ظَنَّ أنَّ الشمسَ قد غَرُبَتْ، وهي لم تغربْ (٥) بعدُ، أو يقولُ بناءً على قولِ مذهَبِكُم، ولنا أنهُ وَجَبَ القضاءُ لَحِقِّ الوقتِ أصلٌ (٦)، هذا ما رُوِيَ عن النبي ﵊ أنهُ أمرَ بالإمساكِ في يومِ عاشوراءَ (٧) فثبتَ بهِ أنَّ مَنْ عَجَزَ عن حقيقةِ الصَّوْم، وقد صارَ بحالٍ لو كانَ كذلِكَ في أولِ النهارِ لِزَمَهُ الصَّوْم أنهُ لِزَمَهَ الإمساكُ قضاءً لَحِقِّ الوقتِ فلِأَنَّ هذا شخصٌ عَجَزَ عن حقيقةِ الصَّوْم مع كَوِنه للصومِ، فيلزمُهُ الإمساكُ قضاءً لحَقِّ الوقتِ كالذي أَفطَرَ عامِدًا، أو ساهيًّا (٨)، كذا ذكره فَخْرُ الْإِسْلَام (٩).

стр. 1265

قولُهُ ﵀ (١): وَجَبَ القضاءُ لَحِقِّ الوقتِ أصلًا لا خلفاً هذا جوابُ عن صَرْفِ الخصْمِ بقولهِ لِتَشَبُّهِ خَلَفٍ فلا يجبُ إِلاَّ على مَنْ يتحققُ الأصلُ، فقالَ: ليسَ الإمساكُ خَلَفًا عن ذاتَ الصَّوْم مجُردًا؛ لأنهُ بعضُ الشيءِ لا يكونُ خَلَفًا عن الكُّلِ، فلا يكونُ خَلَفًا عن ذاتِ الصَّوْم بلْ الإمساكُ خَلَفٍ عنهُ لقضاءِ حقِّ الوقتِ، وذلك معنى معقولٌ؛ لِأَنَّ صومَ رمضانَ وجبَ بالوقتِ قضاءً لِحُرْمَةِ الوقتِ، كما وَجَبَ حَجَّ البيتِ بسببِ البيتِ قضاءً لِحَقِّهِ، ولهذا ثبتَ لِوقتِ رمضانَ زيادةُ فضلٍ على سائِرِ الشَّهورِ، فوجبَ قضاءُ حقِّ الوقتِ بالصَّوْم على مَنْ كان أهلًا، وبالإمساكِ على مِنْ عَجَزَ عنهُ بمعنى سابقٍ لا لمعنى قائِمٍ في الحالِ بخلاف الحائضِ، والنُفَسَاءِ، وإذا لم يكنْ خَلَفٌ عن ذاتِ الصَّوْم لم يُبْنَ على وُجوبِ الصَّوْم، بلْ بُني على كينونةِ الوقتِ وَقتًا لِصَومِ الفرضِ، وأنهُ ثابِتٌ فلذلك يختصَّ الخلفُ بمن هو مِنْ أهل الأصلِ للحالِ، وعَجَزَ عنهُ لمِناقِضٍ سابقٍ، كذا في «الْأَسْرَارِ» (٢). (وإذا تسحَّرَ، وهو يظنُ أنَّ الفجرَ لم يطلعْ) إلى آخرِه، هذهِ المسألةُ تتضمُن أحكامًا خمسةً: أحدٌها: أنهُ أَفسَدَ صومَهُ إِلاَّ على قولِ ابْنِ أبي لَيْلَى (٣)، فإنُه يقَيسَهُ على الناسِي بناءً على أصلهِ أنَّ المخصوصَ من القياسِ بالنصِّ يُقاسُ عليهِ، وعِنْدَنَا المخصوصُ منَ القياسِ/ بالنصِّ لا يقاسُ عليهِ فإنَّ قِياسَ الأصلِ يُعارضُهُ، ولا يلحقُ به إِلاَّ إذا كانَ في معناُه مِن كُلِّ وجهٍ. وهذا ليسَ في معنى الناسِي؛ لأَنَّ الاحترازَ عن هذا الغلطِ ممكنٌ في الجُملةٍ بخلافِ النسيانِ، ثُمَّ فسادُ صومِهِ يفوتِ رُكْنِ الصَّوْم، وهو الإمساكُ. والثاني: أنَّ عليه قضاءَ اليومِ (٤)؛ لأنهُ فَوَّتَ الأداءَ بعدَ تَقَرُّرِ السببِ الموُجبِ لهُ فيضمنهُ بالمثلِ مما هو مشروعٌ لهُ. والثالث: أنهُ لا كفارةَ عليهِ لما ذُكِرَ في الكتابِ (٥).
следующие страницы →