← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

ولكنْ استحسنَ علماؤُنا (١) بقولهِ تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢)، والمرادُ منهُ: شهودُ بعضِ الشهرِ؛ لِأَنهُ لو كانَ السببُ شُهودَ جميعِ الشهرِ لِوُقوعِ الصَّوْم في شَّوالَ، فصارَ بهذا النصِّ شهودُ جُزْءٍ مِنَ الشهرِ سببًا لِوُجوبِ صَوْمِ جميعِ الشهرِ، فصارَ تقديُر الآيةِ فَمْن شَهِدَ مِنكمْ بعضَ الشهرِ فليصُم الشهرَ كُلُّهُ، ولا يُقالُ: لو كانَ المرادُ بهِ بعضُ الشهرِ، فينبغي أنْ ينصرفَ الخِطابُ بالصَّوْم إلى صومِ ذلكَ البعضِ الذي شهدَهُ لأَنَّا نقولُ: إنَّ الكنايةَ تنصَرفُ إلى أقربِ الأسماءِ الظاهَرةِ، والاسمُ الظاهُر هاهنا الشهرُ، وأمَّا البعضُ فليسَ بظاهرٍ، بَلْ هو مُضَمُرُ لحِاجةٍ ماسَّةٍ إلى الإضمارِ، وهذا بخلافِ ما إذا استوعَبَ الجنونُ الشهَر كُلُّهُ؛ لِأَنهُ المرادُ منِ قولهِ تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣) مَنْ كان أهلًا للأَمْرِ بالصَّوْم، ومتى استوعبَ الجُنونُ الشهَر كُلُّهُ لم يكنْ أهلًا للأمْرِ بالصَّوْم، ولِأَنَّ الجُنونَ عَارِضٌ أَعْجَزَهُ عن صَومِ بعضِ الشهرِ مع بقاءِ أَثَر الخِطْابِ فيلزمُهُ القضاءُ كالإغماءِ، فأمّا إذا استوعَبَ الجنونُ الشهرَ كُلُّهُ، فإنَّما أسقطْنا القضاءَ لا لِانْعِدَامِ أثرِ الخِطْابِ، بلْ لِدَفْعِ الحرجِ والمشقةِ، والحرجُ عذرُ مُسْقِطٌ للقضاءِ كالحيضِ في حقِّ الصَّلَاةِ، وحَاصِلُ/ الكلامِ (٤): أنَّ الوُجوَب في الذِّمةِ لا ينعدُم ذلك بسببِ الصَبأ، ولا بسببِ الجُنونِ، والإغماءِ إِلاَّ أنَّ الصَبَا يّطولُ عِادة، فيكونُ مُسقطًا للقضاءِ دَفعًا للحرجِ والإغماءُ لا يطولُ عادةً فلا يكونُ مُسقِطًا للقضاءِ، والجنونَ قد يطولُ، وقد يقصُر فإذا طالَ التحقَ بما يطولُ عادةً، وإذا قَصُرَ التحقَ بما يَقْصُرُ عادةً، ثُمَّ فَرْقٌ بينَ الطويلِ والقصيرِ في الصَّوْم أنْ يَستوعبَ الشهرَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ الشهرَ في حُكْمِ الأجلِ، وفي الصَّلَاةِ أنّ يزيدَ على يومِ، وليلةٍ لِيُدخِلَ الفوائِتَ في حدِّ التَّكرارِ هذا كُلُّهُ مِنَ «المَبْسُوط» (٥)، و «الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة» (٦). والأهليةُ بالذِّمةِ، والذِّمةُ عبارةٌ عن كونهِ أهلًا للإيجابِ، والاستحبابِ، وهو بالآدميةِ، وفي الوجوبِ فائدةُ هذا لِرَدِّ شُبهةٍ تردُ على قولهِ والأهليةُ بالذِّمةِ بأنْ يُقالَ: لو كانَ الوجوبُ دِائرًا مع الذِّمة ينبغي أنْ يَجِبُ على الصبيِّ أيضًا، فقالَ: الوجوبُ يتلو الفائِدَةَ وهي أنْ يطلُبَ منهُ الأداءَ على وجهٍ لا يخرجُ، والصبأُ ممتدٌ فيخرجُ هو في الإيجابِ عليهِ، وأمّا هاهنا الأهليةُ بالذِّمةِ موَجودةٌ، وليسَ في الإيجابِ كثيرُ حَرَج؛ لِأَنَّ الكلامَ في عَدَمِ الاستغراقِ، وليسَ فيهِ حَرَجٌ فكانَ الإيجابُ مُعتبرًا فلا فائِدَةَ؛ لأنهُ لو وَجَبَ يسقطُ بسببِ الحَرجِ بعدَ الوُجوبِ فلا فائدِةَ في الوُجوبِ حينئذٍ، قِيلَ: وهذا ظَاهِرُ الروايةِ، أي: عَدَمُ الفْرقِ، ثُمَّ المُرادُ مِن الجنُونِ الأصلي هو أنْ يكونَ متُصلًا بالصَبأ بأنْ بلغ مجَنونًا، ومِنَ الجنُون العارِضِي هو أنْ يبلغَ مُفيقًا، ثُمَّ جُنَّ (٧).

стр. 1262

[ما على المجنون في الصيام] وفي/ «المَبْسُوط» (١): فإنْ كانَ جُنونُهُ أصليًّا بأنْ بَلَغَ مُجنونًا، ثُمَّ أفاقَ في بعضِ الشهرِ فالمحفوظُ عن مُحَمَّد ﵀ (٢) أنهُ ليسَ عليهِ قضاءُ ما مضى؛ لِأَنَّ ابتداءَ الخِطَابِ يتوجهُ عليهِ الآنَ فيكونُ بمنزلةِ الصِبيِّ يبلغُ، ورَوَىَ هِشامٌ عن أبي يوسفَ ﵀ (٣) قالَ في القياسِ: لا قضاءَ عليهِ، ولكنْ استَحْسَنَ، فأوجبَ عليهِ قضاءَ ما مضى مِنَ الشهرِ؛ لِأَنَّ الجنُونُ الأصيلَ لا يُفاِرقُ الجنونَ الطَّارئَ في شيءٍ من الأحكامِ، وليسَ فيهِ رِوايةٌ عن أبي حنيفةَ ﵀، واخُتلِفَ فيه المتأخرِ، ولا على قياسِ مذهَبِهِ. والأصحَّ: أنهُ ليسَ عليهِ قضاءُ ما مضَى (٤). وهذا، أيْ: المرْوِيِّ عن محُمدٍ، وهو الفرقُ بينَ الجُنونينِ مَختارُ بعضِ المتأخرين: منهم الشيخُ أبو عبدِاللهِ الجرجاني (٥)، والإمامُ الرستغفني (٦)، والزاهدُ الصفار ﵏ (٧) ذكره في «الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة» (٨) قالَ شَيْخِي (٩) في تأييدِ قولِ مُحَمَّد ﵀ بالطُّهْرِ الممتدِ، فقالَ: لا يبُعد أنْ يُفارِقَ حُكْمُ الأصِليِّ حُكْمَ العارضِي، وإنْ كانتْ حقيقتُهما واحدةً، فإنَّ الطُّهرَ إذا كانَ أصليًّا بأنْ بلغتْ الصغيرةُ بالسنِ، ولم ترَ بعدَ البلوغِ، وما حُكْمُها حُكْمُ الصغيرةِ في الاعتدادِ بالأشهرِ، وإذا كانَ عارضيًا بأنْ بلغتْ بالحيضِ، ثُمَّ امتدَّ الطُّهرُ ليسَ حُكْمُها حُكْمَ الصغيرةِ، بلْ يُعتدُّ بالحيضِ إلى أنْ يتأنِسَ فكذلك هاهنا ومَنْ لم ينوِ في رمضانَ كُلِّهِ لا صومًا ولا فِطرًا فعليهِ قضاؤُهُ (١٠). وهذه المسألةُ من خَواصِ مسائِل «الجامع الصغير» (١١) ثُمَّ لابُدَّ مِنَ التأْوِيلِ لهذهِ المسألةِ لما أنَّ دِلالةَ حالِ المسلمِ كافيةٌ لِوُجودِ النيةِ ألا ترى أنّ مَنْ أُغِميَ عليهِ بعدَما غربتْ الشمسُ من الليلةِ الأوُلى مِن رمضانَ أنهُ يصيرُ صائِمًا في يومِها، ولم يعرفْ مِن نيةِ الصَّوْم، ولا الفِطْرِ لما أنا حملْنَا أمرَهُ على النيةِ بناءً على ظاهرِ حالِهِ، ثُمَّ قال مشايخنا (١٢): تأويلُ هذهِ المسألةِ أنْ يكونَ مَريضًا أو مُسافرًا أو مُتهتكًا اعتادَ الفِطْر في رمضانَ حتى لا يصلُحُ حالهَ دليلًا على العزيمةِ، ونيةِ الصَّوْم (١٣)، كذا ذَكَر فَخْرُ الْإِسْلَام ﵀ (١٤).

стр. 1263

[هل يكفي نية واحدة لجميع الشهر] (وقال زُفَر: يتأدّى صوُم رمضانَ بِدُونِ النيةِ) (١)، وكانَ أبو الحسنِ الكرخي يُنْكِرُ هذا المذهبَ لِزُفَر، ويقولُ: المذهبُ عندَهُ أنَّ صومَ جميعَ الشهرِ يتأدَّى بنيةِ واحدةٍ (٢) كما هو قولُ مَالِكِ (٣)، وقالَ أبو اليسرِ ﵀ (٤): هذا قولٌ قَالهُ زُفَر في صِغَرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ عنهُ، كذا في «المَبْسُوط» (٥)، و «الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة» في حقِّ الصحيحِ المقُيم إِنما قيُّدَ بهما؛ لِأَنّ المريضَ، والمسافَر لابُدَّ لهما مِن نِيَةِ الصَّوْم بالاتفاقِ (٦)؛ لِأَنَّ إمساكَهُما غيرُ مُستحقٍ للصومِ؛ لِأَنَّ شعبانَ، ورمضانَ في حقِّهَمِا سواءٌ منْ حيثُ إنهما غيرُ مطالبينَ بالأداءِ حالَ قيامِ المرضِ، والسفرِ (٧)، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٨). (كما إذا وَهَبَ كُلّ النِّصابِ مِنَ الفقيرِ) (٩) فإنَّ مْثلَ إعطاءِ النِّصابِ فقيرًا واحداً للزَّكاةِ باطلٌ عْنِدَ زُفَر على ما مَرَّ في الزَّكَاةِ، فكيفَ ذَكَرَ الجوازَ هنا على مذهَبِهِ؟ قِيلَ: جازَ أنْ يكونَ المرادُ منهُ، أيْ: على قَولِ مَذْهَبِكُم، وقِيلَ: تأويُله أنْ يكونَ الفقيرُ مَدْيُونًا فعندَ ذلك يجوزُ أداءُ النِّصابِ زكاةً بالاتفاقِ (١٠)، وفي هِبَةِ النِّصابِ وُجِدَ فيهِ القُرْبَة باختيارِ المَحلَّ، وَوُجَد معنى القُربِة لحاجةِ الحلِّ ألا ترى أنَّ مَنْ وَهَبَ لفقيرٍ شيئًا لا يَمْلِكُ الرجوعَ فيهِ لحصولِ الثوابِ لهُ، ومَنْ أصبحَ غيَر ناوٍ للصْومِ فَأَكَلَ لا كفارةَ عليهِ عندَ أبي حنيفةَ (١١) سواءً أَكَلَ قبلَ الزَّوالِ أو بعدَهُ، وعندَهُما (١٢) على التفصيلِ المذكورِ، وإنْ أصبحَ غيرَ ناوٍ للصومِ، ثُمَّ نَوى قبلَ الزَّوالِ، ثُمَّ أَكَلَ فلا كفارةَ عليهِ إِلاَّ في رِوايةٍ عن أبي يوسفَ أنهُ يلزمُهُ الكفارةُ، كذا في «المَبْسُوط» (١٣). فصارَ كغاصِب الغاصبِ (١٤)؛ وذلك لِأَنّ الإمساكَ قبلَ الزَّوالِ كانَ بغيرِ صفةٍ أنْ يصيرَ صَومًا، فبالأُكْلِ فَوَّتَ هذا الإمكانَ، وتفوِيْتُ الإمكانِ بمنزلةِ تَفْوِيْتِ الأصلِ كما في الغصبِ، فإنّ المغصوبَ منهُ كما يضمَنُ الغاصبُ الأولُ لتفويتِ الأصلِ يضَمُن الغاصبَ الثاني لتفويتِ الإمكانِ؛ لأنهُ لا جائزَ أنْ يضمَنَ الثاني بسببِ الاستهلاك؛ لِأَنهُ شُرْطٌ، والتفويتُ عِلُّةٌ، ولا يُصارُ إليهِ معَ قيامِ صاحِبِ الِعَّلةِ، ولا جائزَ أنْ يضمَنَهُ بسببِ الغَصْبِ؛ لأنهُ ما أزالَ اليدَ المُحَّقَة فتعينَ لتضمِينهِ تفويتَ الإمكانِ (١٥).

стр. 1264

وفي «المَبْسُوط» (١) لفَخْرِ الْإِسْلَام جعلَ هذا قولَ أبي يُوسُفَ خاصةً، فقال: قالَ أبو يُوسُفَ: بأنَّ الإمساكَ قبلَ الزَّوالِ مَوقوفُ على أنْ يصيرَ صومًا بِقَرِاْنِ النِّيةِ، فإذا أَكَلَ فقدْ مَنَعَ نفسَهُ عن تحصيلهِ، وجِنَايةُ المنعِ تضُاهي جِنَايةَ الإبطالِ كما في وَلَدِ المغرورِ، ولهما أنَّ وجُوبَ الكَفَارةِ عُرِّفَ شَرعاً للزجرِ عن جِنايةِ إفسادِ الصَّوْم، ولم يُوجْد الصَّوْم بعدُ، وإذا حاضتْ المرأةُ أو نُفِستْ -بضم النون-، أي: إذا صارتْ نُفَسًَا، ونُفِسَتْ حاضتْ (٢). قولهُ ﵀: (وعلى هذا الخلافِ كُلَّ مَنْ صارَ أهلًا للُزُومِ، ولم يكنْ كذلكَ في أولِ اليومِ)، وبهذا الأصلِ يخرجُ مَنْ أفطرَ عَمدًا، أو خطأً عن مَوضِع الخلافِ حيثُ يلزمُهُما الإمساكُ بالإتفاقِ (٣)، ذَكَرهُ فَخْرُ الْإِسْلَام (٤)، فإنهما كانا في أولِ اليومِ ممن يلزمُهُما الصَّوْم، وكذلك في آخرِ اليومِ كالمفطرِ مُتعمدًا أو مخطِئًا، فإنْ قِيلَ: ما وجهُ المِفطِر مخُطئًا عندَهُ، والفِطْرُ لا يتحققُ عِنَدهُ مِن المخطئِ قلنا: المرادُ مِنَ المخطئِ هو مَنْ لم يصحْ صومُ اليومِ عنهُ لِعَدَمِ قصدِهِ في إفسادِ الصَّوْم كَمَنْ أَكَلَ يوَم الشكِّ، ثُمَّ ظهرَ أنهُ مِنْ رمضانَ، فإنهُ يتحققُ الإفطارُ هاهنا، ويجبُ التشبهُ بالاتفاقِ. [من أكل ظاناً غروب الشمس] وكذا مَنْ تسحَّرَ، وهو يظنُ أنَّ الفجَر لم يطلعْ، فإذا هو قدْ طَلَعَ أو أَفطرَ على ظَنَّ أنَّ الشمسَ قد غَرُبَتْ، وهي لم تغربْ (٥) بعدُ، أو يقولُ بناءً على قولِ مذهَبِكُم، ولنا أنهُ وَجَبَ القضاءُ لَحِقِّ الوقتِ أصلٌ (٦)، هذا ما رُوِيَ عن النبي ﵊ أنهُ أمرَ بالإمساكِ في يومِ عاشوراءَ (٧) فثبتَ بهِ أنَّ مَنْ عَجَزَ عن حقيقةِ الصَّوْم، وقد صارَ بحالٍ لو كانَ كذلِكَ في أولِ النهارِ لِزَمَهُ الصَّوْم أنهُ لِزَمَهَ الإمساكُ قضاءً لَحِقِّ الوقتِ فلِأَنَّ هذا شخصٌ عَجَزَ عن حقيقةِ الصَّوْم مع كَوِنه للصومِ، فيلزمُهُ الإمساكُ قضاءً لحَقِّ الوقتِ كالذي أَفطَرَ عامِدًا، أو ساهيًّا (٨)، كذا ذكره فَخْرُ الْإِسْلَام (٩).

стр. 1265

قولُهُ ﵀ (١): وَجَبَ القضاءُ لَحِقِّ الوقتِ أصلًا لا خلفاً هذا جوابُ عن صَرْفِ الخصْمِ بقولهِ لِتَشَبُّهِ خَلَفٍ فلا يجبُ إِلاَّ على مَنْ يتحققُ الأصلُ، فقالَ: ليسَ الإمساكُ خَلَفًا عن ذاتَ الصَّوْم مجُردًا؛ لأنهُ بعضُ الشيءِ لا يكونُ خَلَفًا عن الكُّلِ، فلا يكونُ خَلَفًا عن ذاتِ الصَّوْم بلْ الإمساكُ خَلَفٍ عنهُ لقضاءِ حقِّ الوقتِ، وذلك معنى معقولٌ؛ لِأَنَّ صومَ رمضانَ وجبَ بالوقتِ قضاءً لِحُرْمَةِ الوقتِ، كما وَجَبَ حَجَّ البيتِ بسببِ البيتِ قضاءً لِحَقِّهِ، ولهذا ثبتَ لِوقتِ رمضانَ زيادةُ فضلٍ على سائِرِ الشَّهورِ، فوجبَ قضاءُ حقِّ الوقتِ بالصَّوْم على مَنْ كان أهلًا، وبالإمساكِ على مِنْ عَجَزَ عنهُ بمعنى سابقٍ لا لمعنى قائِمٍ في الحالِ بخلاف الحائضِ، والنُفَسَاءِ، وإذا لم يكنْ خَلَفٌ عن ذاتِ الصَّوْم لم يُبْنَ على وُجوبِ الصَّوْم، بلْ بُني على كينونةِ الوقتِ وَقتًا لِصَومِ الفرضِ، وأنهُ ثابِتٌ فلذلك يختصَّ الخلفُ بمن هو مِنْ أهل الأصلِ للحالِ، وعَجَزَ عنهُ لمِناقِضٍ سابقٍ، كذا في «الْأَسْرَارِ» (٢). (وإذا تسحَّرَ، وهو يظنُ أنَّ الفجرَ لم يطلعْ) إلى آخرِه، هذهِ المسألةُ تتضمُن أحكامًا خمسةً: أحدٌها: أنهُ أَفسَدَ صومَهُ إِلاَّ على قولِ ابْنِ أبي لَيْلَى (٣)، فإنُه يقَيسَهُ على الناسِي بناءً على أصلهِ أنَّ المخصوصَ من القياسِ بالنصِّ يُقاسُ عليهِ، وعِنْدَنَا المخصوصُ منَ القياسِ/ بالنصِّ لا يقاسُ عليهِ فإنَّ قِياسَ الأصلِ يُعارضُهُ، ولا يلحقُ به إِلاَّ إذا كانَ في معناُه مِن كُلِّ وجهٍ. وهذا ليسَ في معنى الناسِي؛ لأَنَّ الاحترازَ عن هذا الغلطِ ممكنٌ في الجُملةٍ بخلافِ النسيانِ، ثُمَّ فسادُ صومِهِ يفوتِ رُكْنِ الصَّوْم، وهو الإمساكُ. والثاني: أنَّ عليه قضاءَ اليومِ (٤)؛ لأنهُ فَوَّتَ الأداءَ بعدَ تَقَرُّرِ السببِ الموُجبِ لهُ فيضمنهُ بالمثلِ مما هو مشروعٌ لهُ. والثالث: أنهُ لا كفارةَ عليهِ لما ذُكِرَ في الكتابِ (٥).

стр. 1266

والرابعُ: أنهُ يمُسكُ بقيةُ يومهِ لما ذُكِرَ (١). والخامس: أنهُ لا إثمَ عليهِ لقولهِ تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ (٢) (٣)، كذا في شروح «المَبْسُوط» (٤) أو نفيًا للتهمة، فإنه إذا أَكَلَ، ولا عُذْرَ لهُ اتهمهُ الناسُ بالفسقِ، والتحرزِ عن موضَعِ التُّهمةِ واجبٌ للحديثِ: «منَ كانْ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلا يَقَفِّنَ مواقفَ التُّهمِ» (٥)، وقد مرَ ما رُوِيَ عن علي ﵁: «إياكَ وما يقعُ عندَ الناسِ إنكارٌه» (٦)، وفي رِوايةِ ما يسبقُ إلى القلوبِ إنكارُهُ إلى آخرهِ وفيهِ قالَ عُمر ﵁: «ما تجانفنا لإثمٍ»، فإنهُ ﵁ كان جالسًا في رحبةِ مسجدِ الكوفةِ عندَ الغُروبِ في شهرِ رمضانَ فأتى بعُسٍ [قدح] من لَبَنٍ فشرِبَ منهُ هو وأصحابهٌ، فأمرَ المؤذِنَ أنْ يؤُذِنَ فلما رُقِيَ المِئْذَنةَ رأى الشمسَ لم تغبْ، فقال: الشمسُ يا أميرَ المؤمنينَ، فقالَ عُمر ﵁: «بعثناك دَاعيًا، ولم نبعثْكَ رَاعيًا ما تجانَفْنَا لإثمٍ» (٧)، ثُمَّ يقضي يومًا مكانهَ، وقضاءُ يومٍ يسيرٍ، دَلَّ هذا الحدِيثُ على لزومِ القضاءِ، وعدمِ الإثمِ، وإنما قالَ ذلك عُمر ﵁ لإساءةِ أدَبِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ حقِّهِ أنْ يجيءَ، ويخُبرَ فالِنَداءُ مِنَ المئَذَنةِ كانَ إساءةً منهُ في الأَدبِ، فردَّ عليهِ بقولهِ لم نبَعْثكَ رَاعِيًا، كذا في مبسوط الإمام الْإِسْبِيجَابِي، وغيره وهو يرى على بناءِ المفعولِ مِنَ الرأْي لا مِنَ الرِوَايةِ، أي: يُظُّن الجنفَ المثلِ، ومنهُ جَنَفَ عليها ذَا ظُلْمٍ مِنْ بابٍ ليسَ ما تجُانفنا لإثمٍ، أيْ: لم ينحرفْ إليهِ، ولم يملْ، يعني: ما تعمدَّنا في هذا ارتكابَ المعصيةِ، كذا في المُغْرِب (٨). هذا إذا أفطرَ، وهو يرى أنَّ الشمسَ قدْ غابتْ. (أمّا إذا شكَّ في غُروبِ الشمسِ) (٩)، فأفطرَ فإنهُ تلزمُهُ الكفارةُ (١٠). هكذا حُكِيَ عن أبي جعفرٍ (١١)، ووجههُ هو أنَّ الثابتَ حالُ غَالِبِ الرَّأْيِ. شُبْهةُ الإباحةِ لا حقيقة الإباحة ففي حالة الشك، وهي حال تساوي الظنين (١٢) لابد أن يكون ذلك، ودُونَ ذلكَ شُبْهَةُ الشُّبهةِ، وبِشُبْهةِ الشُّبهةِ لَا تسقطُ العقوباتُ، وهذا بخلافِ ما إذا شكَّ في طلوعِ الفجرِ فأَكَلَ لا تلزمُهُ الكفارةُ، والفرقُ بينهما هو: أنَّهُ متى شكَّ في غُروبِ الشمسِ فأفطَرَ فقدْ كَمُلَ الفِطْرُ على سبيلِ التقديرِ؛ لأنهُ كانَ مُتيقنًا بالنَّهارِ شاكّّاً بالليلِ، واليقينُ لا يزولُ بالشكِّ،] وفي طلوعِ الفجرِ على عكسْهِ؛ لأنهُ كانَ مُتيقنًا بالليلِ شاكَّاً بالنهارِ، واليقينُ لا يزولُ بالشكِّ (١٣) فبقَي الليلُ، فلا يكونُ قاصِدًا للفِطْرِ، كذا ذِكره شيخ الإسلام.

стр. 1267

[مسألة السحور] السَّحَرَ آخُر الليلِ (١). وعن الليثِ (٢) قال: هو السَّدسُ الآخرُ، والسحورُ اسمٌ لمِا يُؤْكَلُ في ذلكِ الوقتِ، فعلى هذا كانَ المُضاف في قولهِ: «فإنَّ في السُّحُورِ بَرَكَةٌ» (٣) محذوفًا، أي: في أَكْلِ السُّحورِ، ثُمَّ قِيلَ: المرادُ مِنَ البركةِ: هو زيادةُ قُوةٍ في أداءِ الصَّوْم (٤) بدليل حديثِ آخرَ ذكرهُ في «المَبْسُوط» (٥): فقالَ ﵊: «استعينوا بقائلةِ النَّهارِ على قيامِ الليلِ، وبِأَكْلِ السُّحورِ على صيامِ النَّهارِ» (٦). وجازَ أنْ يكونَ المُرادُ مِنَ البركةِ هو: نيلُ زيادةِ الثوابِ لاستيفائهِ بأكْل ِالسَّحورِ بِسُنِنَ المرسلينَ ﵈، وعملهُ بما هو مخصوصُ أهلِ الإسلام، فإنّ النبيَّ ﵊ قالَ: «فَرْقٌ ما بينَ صِيامِنا وصيامِ أهلِ الْكِتَابِ أَكْلُ السُّحورِ» (٧)، ثُمَّ تأخيرُ أَكْلِ السَّحورِ مُستحَبٌّ في مُستحَبٍّ لمِا أنَّ نفسَ التسحُّرِ، وهيَ أَكْلُ السُّحورِ مُستحبٌّ، وتأخيرٌه إلى آخرِ الليلِ مُستحبٌّ أيضًا، فكانَ التأخيرُ استحبابًا في استحبِابِ لقولهِ ﵊: «ثلاثٌ مِنَ أخلاقِ المرسلينِ: تعجيلُ الإفطارِ، وتأخيرُ السُّحورِ، والسِّواكُ» (٨) وفي النافعِ ذَكَر وضعَ اليمينِ على الشِّمالِ في الصَّلَاةِ مكانَ السِّواكِ (٩)، ولكنْ ما ذُكِرَ هنا مُوافِقٌ لما ذُكِرَ في «المَبْسُوط» (١٠) ثُمَّ تعجيلُ الإفطارِ، وتأخيرُ السُّحورِ إنّما يكونُ مُستحبًّا إذا لم يكنْ في السماءِ عِلّةٌ، وهو غيرُ شاكٍّ في وُقوعِ أَكْلِهِ في النَّهارِ، وسألَ الإمامُ بدرُ الدِّينِ النَّوريِ ﵀ (١١) شَيْخِي عن هذا الحديثِ، فقالَ: كيفَ يكونُ تأخيرُ السحورِ مِنَ أخلاقِ المرسلينِ، ولم يكن في مِلَّتهِمْ.

стр. 1268

حِلُّ أَكْلِ السُّحورِ، كما كانَ في ابتداءِ مِلَتِنَا فقالَ شَيْخِي ﵀ وأثابهُ الجنةَ: المرادُ بهِ الأَكْلَةُ الثَانيةُ، فإنها كانتْ تجري مجَرى السُّحورِ في حقِّهِمْ لقولهِ ﵊: «دَعْ ما يُريْبكَ إلى ما لا يُريْبكُ» (١)، تمامهُ فإنَّ الكَذِبَ رَيبُةُ، وأنّ الصِدْقَ طُمأنينُةُ. مِنْ رابَهُ رَيْبًا شكَكَهُ، والمريبةُ: الشكُّ، والتهمةُ، أيْ: ما مِشْكُكَ، وتحصلُ فيكَ الريبةُ، وهي في الأِصلِ قلقُ النفسِ، واضطرابهُا، ألا ترى كيف قاَبَلها بالطُمأْنيِنَةِ، وهي السكونَ، وذلكَ أنَّ النَّفسِ لا تستِقُر متى شَكَتْ، وإذا تيقنتهُ سكنتْ، واطمأنتْ، كذا في «المُغْرِب» (٢)، وعلى ظاهر الرِوَايةِ لا قضاءَ عليهِ، وهو الصحيحُ؛ لأنَّ الليلَ هو الأصلُ فلا ينتقلَ عنه إِلاَّ بيقين، كذا في «الإيضاح» (٣)، (وإنْ كانَ أكبرَ رَأْيهٍ أنهُ أَكلَ قَبْلَ الغُروبِ فعليهِ القضاءُ روِايةٌ واحدةُ) (٤)، أيْ: فعليهِ القضاءُ والكفارةُ؛ لأنَّ النهارَ كان ثابِتًا، وقد انضمَ إليهِ أكثرُ رَأْيِهِ، فصار بمنزلةِ اليقين (٥)، كذا في فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. (ولو كانَ شاكَّاً فيهِ، وتبين أنها لم تغُربْ ينبغي أنْ تجبُ الكفارةُ) (٦) نظرًا إلى ما هو الأَصْلَ، وهو النهار، فإنْ قلْتَ: يَشْكُلُ على هذا ما إذا شَهِدَا اثنانِ أن الشمْس قد غَابَتْ، وشهدَ آخرانِ أنها لم تغب فأفطر، ثُمَّ ظهر أنها لم تَغْبُ، عليهِ القضاءُ دُونَ الكفارةِ بالاتفاقِ (٧) مع أنَّ تعارُضَ الشهادتين يُورثُ الشكَّ لا محَالةَ، فلمْ تجبْ الكفارةُ هناك بالاتفاقِ مع أنَّ الشكَّ فيهِ موجودٌ فكيفَ وجبتْ هاهنا بالشكِّ (٨).

стр. 1269

قلتُ: تعارضُ الشهادتين لم يُورِثُ الشكَّ هناكَ شَرْعًا لما أنَّ شهادةَ مِنْ شَهِدَ أنها لم تغبْ ليستْ بشهادةٍ لتَكوُنَ الشهادةُ على المنفي، والشهادةُ على النفي لا تُقبل، فبقيَتْ شهادةُ مَنْ شَهِدَ يَشْهَدُ أنَّ الشمسَ قدْ غابَتْ خاليةً عن المعارضِ، فيقبلُ. فلذلك لم تجبْ الكفارةُ لكون الأَكْلِ بعَد غُروبِ الشَّمسِ حتى أنَّ تعارُضَ الشهادتين لو كانَ في طُلوعِ الفجرِ بأنْ شَهِدَا اثنانِ على طُلوعِ الفجرِ، وشَهِدَ آخرانِ بأنهُ لم يطلعْ فأَفْطَرَ، ثُمَّ ظَهَرَ أنهُ كانُ قد طَلَعَ عليهِ القضاءُ، والكفارةُ بالاتفاقِ لهذا المعنى، وهو أنَّ المقبولَ من الشهادتينِ هو الشهادةُ على الإثباتِ، ولا تُعارِضُها الشهادةُ على النفي كما في حقوقِ العبادِ، فحينئذٍ كانَ وُجودُ الأَكْلَ منهُ بعدَ طُلوعِ الفجرِ الذي ثبتَ طُلوعُهُ بِحُجةٍ شرعيةٍ فتجبُ الكفارةُ؛ (لِأَنَّ الاشتباهَ استندَ إلى القِياسِ) (١) لما أنَّ القياسَ الصحيحَ يقتضي أنْ لا يبقى صائمًا يأكلُهُ عندَ النِّسيانِ قِيلَ: إنْ يأكلْ متُعمدًا، فإذا أَكَلَ بعدَ ذلكَ مُتعمدًا فقد أتى أَكلُه حالَهُ هو غيرُ صائِمٍ فيها، فلا تجبُ الكفارةُ، فوجهُ القياسِ هو أنَّ رُكْنَ الصَّوْم ينعدِمُ بأكلهِ ناسيًا أو عامِدًا أو بدونِ الرَّكْنِ لا يُتصوُر أداءُ العبادةِ فيفسدُ صومُهُ، وإنْ بلغُهُ الحديثُ وعَلِمَهَ، أي: وعَلِمَ بمعنى الحديثِ بأنَّ الصَّوْم لا يفسدُ بالأَكْلِ ناسِيًا، ثُمَّ أكلَ مُتعمدًا فكذلك في روايةٍ عن أبي حنيفةَ ﵀ (٢)، أيْ: لا تجبُ الكفارةُ، وقال في فَتَاوَى قَاضِي خَانْ (٣): إنهُ لا كفارةَ عليهِ. هو الصحيحُ (٤). قولُه ﵀: (لِأَنّهُ لا اشتباهَ فلا شُبهة)، أي: لا اشتباهَ في أنَّ القياسَ مَتروكٌ فلا يورثُ ذلك القياسُ المتروكُ شُبْهةً في سُقوطِ الكفارةِ. وجهُ الأولِ هو عدمُ وجُوبِ الكفارةِ، قيامُ الشُبهةِ الحُكْمِيَةِ، وهو أنَّ الشيءَ لا يبقى مع فواتِ رُكْنِهِ. يستوي في هذا الأصلِ المطرِدِ العالمُ، والجاهلُ، فلا تجبُ الكفارةُ لِذلكَ خُصوصًا ما إذْ تأيدتْ تلكَ الشَّبهةُ باختلافِ العلماءِ؛ لأنّ عندُ مَالِكٍ (٥)، وربيعةَ الرأي (٦)، وابْنُ أبي لَيْلَى (٧) يفسدُ صومُهُ بالأَكْلٍ ناسِيًا، وهو اختيارُ مُحَمَّد بنُ مُقاتل الرازي مِن أصحابنا (٨).

стр. 1270

واختلافُ العلماءِ يُورِثُ الشَّبهةَ لاحتمالِ أنْ يكونَ أُلحِقَ مع ذلكَ البعضِ لمكانِ الاجتهادِ في الكفارةِ نوعُ عُقوبةٍ فتندرِأُ بالشُّبهة (١)، كذا في «الفوائد»، وغيرها. وقالَ الإمامُ الْمَحْبُوبِيّ ﵀ (٢) في وجهٍ: أنْ لا تلزمُهُ الكفارةُ، وإنْ كان عالمِا؛ لأن الشبهة تمكنتْ في المحلِ باعتبارِ انعدامِ رُكْنِ الصَّوْم حقيقةً، وفي مثلِ هذه الشبهةِ، العالمُ يساوي الجاهلَ، كالأَبِ إِذا وَطِئَ جاريةَ ابنهِ لا يلزمُهُ الحدُّ سواءٌ عَلِمَ حرمُتها عليهِ أو ظَنَّ أنها تَحِلُّ لهُ؛ لِأَنَّ الظنَ ما استندَ إلى دليلٍ شرعي؛ لِأَنَّ انعدامَ الرُّكنِ، إمّا بوصولِ شيءٍ إلى باطِنهِ، وبقضاءِ الشَّهوةِ، ولم يُوجدْ منهما شيءٌ لا صورةً، ولا معنى وحُكْمُ الاستقاءِ ثابِتٌ بالنَصِّ بخلافِ القياسِ، وكذا فسادُ الصَّوْم بالحيضِ، والنفاسِ مخُالِفٌ للقياسِ، وهذا ليسَ في معناهُ؛ لِأَنَّ الحيضَ يُوجِبُ الغُسلُ، وهذان (٣)، كذا في «المختلفات» (٤). [الحجامة هل تفطر ؟] وذَكَر/ في «الفوائد» (٥): وإنمّا وَجَبَتْ الكفارةُ إذا لم يبلغْهُ الحديثُ؛ لِأَنّهُ ظنُّ لا في موطنِهِ؛/ لِأَنَّ الِحجَامةَ لاتضُاد الصَّوْم؛ لِأَنَّ الفِطْرِ يتعلقُ بالدُّخولِ، ولم يُوجدْ بخلافِ ما إذا أكلَ ناسِيًا لِوُجودِ الدَّخولِ هُناك، وكانَ ظنًّا في موطنهِ فافَتَرقا إِلاَّ إذا أفتاهُ فقيُهُ بالفسادِ، أيْ: فقِيُهُ يُؤخَذُ منهُ الفِقْهُ (٦)، وقالَ الإمامُ المحبوبيِ: (٧) ويُشترطُ أنَ يكونَ المفتي ممن يُؤخَذُ منهُ الفقهُ، ويُعتمدُ على فتواهُ في البلدِة، ولا مُعتبرَ بِغيرهِ. هكذا رَوَى الحسنُ عن أبي حنيفةَ ﵀ (٨)، وابنُ رُستم (٩) عن محمدٍ، وبشر بنٍ الوليدِ (١٠) عن أبي يوسفَ ﵀. حينئذٍ تصُير فتوى المفُتىِ شُبْهةً (١١)، وظاهِرُ الحديث لا يَصَيرُ شبهةً، ولو بلغَهُ الحديثُ واعتمدَهُ، وهو قولُهُ ﵊: «أَفْطَرَ الحاجِمُ والمحجُومُ» (١٢) رُوِىَ بالواوِ، وبغيرِ الواوِ، ويُنصَبُ المحجومُ. فكذلكَ عندَ محُمدٍ، أيْ: لا تجبُ الكفارةُ (١٣)، وعن أبي يوسفَ ﵀ (١٤) خلافُ ذِلكَ، أيْ: لا تسقطُ الكفارةُ عندَ أبي يوسفَ ﵀ إذا بلغَهُ حديثُ الحِجَامةِ بالفِطْرِ بخلافِ فتوى المفتي بالفسادِ، فإنَّ هُناكَ تسقطُ الكفارةُ عندَ أبي يوسفَ، وقال (١٥): لِأَنَّ العامِيَّ إذا سَمِعَ حديثًا ليسَ لهُ أنْ يأخذَ بظاهرِهِ لجوازِ أنْ يكونَ مَصروفًا عن ظاهِرِهِ أو منسوخًا بخلافِ الفتوى، وإنْ عَرَفَ تأوِيلَهُ تجبُ الكفارةُ (١٦)، وتأويلُهُ: "أنَّ النبيَّ ﵊ مرَّ بهما: وهما مَعْقِل بنِ سِنانٍ مع حاجِمِهِ، وهما يَغتاَبانِ آخرَ فقالَ: «أَفطرَ الحاجِمُ، والمحجومُ» (١٧) "، أيْ: ذهبَ بِثَوابِ صَومِهِمَا الغيبةُ، وقِيلَ: الصحيحُ أنهُ غُشِىَ على المَحجومِ فَصَبَّ الحاجِمُ الماءَ في حَلْقِهِ، فقالَ ﵊: «أفطَر الحاجِمُ، والمحجومُ» (١٨)، أيْ: فِطْرٌه بما صنعَ بهِ فوقعَ عندَ الراوي أنهُ قالَ: «أفطرَ الحاجِمُ، والمحجومُ»، كذا في «المَبْسُوط» (١٩). لا توُرثُ الشبهةُ لمخالفتهِ القياسَ، فإنَّ الفِطْرَ مما دخلَ لا مما خَرَجَ بخلافِ قولِ مَالِكِ في أَكْل الناسِي (٢٠).

стр. 1271

(ولو أَكَلَ بعدَما اغتابَ) إلى قولهِ: كيفَ ما كانَ، أيْ: سواءً بلَغَهُ الحديثُ أو لمَ يبلغْهُ، وسواءً عرفَ تأويَلهُ أو لمْ يعرفْ، وسواءً أفتاهُ مُفِتي بالفسادِ أو لم يفْتِ (١). وفي «المَبْسُوط» (٢): فظنَّ أنَّ الغيبةَ فطَّرتْهُ فأَكَلَ بعدَ ذلك مُتعمدًا فعليهِ القضاءُ، والكفارةُ سواءً اعتمدَ حديثًا أو فتوى (٣)؛ لِأَنَّ هذا الظنَّ، والفتوى في غيرِ موضعهِ؛ إذ لا خلافِ بينَ العُلماءِ أنَّ الصَّوْم لا يفسدُ بهذا (٤)، والفتوى بخلافِ الإجماعِ غير معتبرةِ (٥)، والحديثُ هو قولُهُ ﵊: «يُفَطِّرْنَ الصائِمَ، وَيْنقُضْنَ الوُضوءَ، ويَهْدِمْنَ العَقْلَ؛ الغيبةُ والنميمةُ، والنظرُ إلى محاسنِ المرأةِ» (٦)، كذا ذكرهُ الإمامُ الْمَحْبُوبِيّ ﵀، وقال فَخْرُ الْإِسْلَام في «الجامع الصغير»: والحديثُ الواردُ فيه أنَّ النبيَّ ﵊ قالَ: «الغيبةُ تُفِطِّرُ الصائِمَ» (٧)، وهو قولٌ بالإجماعِ (٨). [مسألة جماع النائمة والمجنونة] وإذا جُومِعَتُ النائمةُ أو المجنونةُ، وهي صائمةٌ عليها القضاءُ (٩)، أمّا صومُ النائمةِ فظاهِرٌ (١٠)، وأمّا المجنونةُ فقد تكلموا في صِحَّةِ صَوْمِها، فإنَّ صِحَةَ الصَّوْم لا تجامعْ المجنونةَ، وحكى عن أبي سليمانَ الجرجاني (١١) قالَ: لما قرأْتُ على مُحَمَّد هذهِ المسألةُ قلْتُ لهُ: كيفَ تكونُ صائمةً وهي مجنونةٌ؟ (١٢) فقالَ لِي: دعْ هذا فإنهُ انتشرَ في الأُفْقِ من المشايخِ مَنْ قالَ كأنهُ كتبَ في الأصلِ، وهي مجبورةٌ فظَنَّ الكاتبُ أُنها مجنونةٌ (١٣)، ولهذا قالَ دَعْ، فإنهُ انتشرَ في الأُفقِ، وأكثرُ المشايخِ قالوا: تأويلُهُ إذا كانتْ عاقلةً بالغةً في أولِّ النِّهارِ، ثُمَّ جَنَّتْ (١٤)، كذا ذكره المحبوبي.

стр. 1272

وفي «الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة» (١)، وعن عيسى بن أبان ﵀ أنهُ قالَ: قْلتُ لمُحَمَّد ﵀: هذه المجنونةُ فقالَ: لا بلْ الجبورةُ، أي: المُكْرَهَةُ، فقلتُ: ألا تجعلْها مجبورةً فقالَ: بلى، ثُمَّ قالُ: كيفَ وقدْ سارتْ بها الرِكَابُ دَعُوهَا (٢)، ولنا أنَّ النسيانَ يغلبُ وجُودُهُ، ولِأَنَّ الناسِيَ مخصوصٌ عن القياسِ بالأثرِ فلا يلحقُ بهِ ما ليسَ في معناهُ، والمتنازعُ فيهِ ليسَ في معناهُ؛ لِأَنهُ لا صُنعَ لهُ في النسيانِ، وباعتبارهِ يُخرِجُ الفِعْلَ مِن أنْ يكونَ مُضافًا إليهِ كما قالَ ﵊: «أنَّ اللهَ أطعمكَ، وسَقاكَ» (٣). فقدْ أضافَ الفِعلُ إلى اللِه، وهاهنا الفعلُ مضافٌ إلى الزَّوجِ الذي جامَعَها، وإلى من صَبّ في حَلْقِ النائِمِ، وما يكونُ مُضافًا إلى صُنعِ العبادِ لا يكونُ بمنزلةِ مالا صُنِعَ للعبدِ فيهِ. ألا ترى أنَّ المريضَ إذَا صلَّى قاعِدًا لا يلزمُهُ القضاءُ إذا بَرَأَ، بخلافِ المُقَيّدِ إذا صلّى قاعِدًا، ثُمَّ أُطلقَ حيثُ يجبُ عليهِ القضاءُ، واللهُ أعلمُ بالصوابِ (٤). فصل: فيما يُوجبه على نفسهِ لمَاَّ فرغَ مِن بيانِ ما أَوْجَبَ اللهُ على العبادِ، شرعَ في بيانِ ما أوجبَ العبادُ على أنفسِهِم؛ إذ هذا فرعٌ على ما أوجبَ اللهُ على العبادِ؛ لأنّ إيجابَ العبدِ مُعتبرٌ بإيجابِ اللهِ تعالى فكانَ مرتبًا عليهِ، والأصلُ في هذا ما ذَكَرَ شَيْخِي ﵀ (٥): أنَّ النذَر لا يَصِحُّ إِلاَّ بِشُروطِ ثلاثةٍ في الأصلِ إِلاَّ إذا قامَ الدليلُ على خلافهِ: أحدُها: أنْ يكونَ الواجبُ مِن جنسِهِ شرعًا. والثاني: أن يكونَ مُقصودًا لا وَسيلةً. والثالث: أنْ لا يكونَ واجباً عليهِ في الحالِ، أو في ثاني الحالِ فلذلكَ لم يصَح النذُر بعيادة المريضِ لانعدامِ الشرطِ الأولِ، ولا بالوُضوءِ، وسجدةِ التِّلاوةِ لانعدامِ الشرطِ الثاني، ولا بصلاةِ الظَّهرِ، وغيرها منَ المفروضاتِ لانعدامِ الشرطِ الثالثِ فإنْ قلتَ: يَشْكُلُ على هذا النَذْر بالحجِ ما شاءَ، والِاعْتِكَافُ، وإعتاقُ الرقبةِ حيثُ تجبُ هذه الأشياءُ في النذِر مع أنَّ الحجًّ بصفةِ المشيِ غيرُ واجبٍ شَرْعًا، وكذلك نفسُ الإعتاقِ، ونفسُ الإعتاقِ منْ غيرِ مباشرةٍ سببٌ مُوجِبُ الإعتاقِ غيرَ واجبٍ، وكذلك الِاعْتِكَافُ غيرُ واجبٍ (٦).

стр. 1273

[إذا نذر صوم يوم النحر] قلتُ: هذه الصُّورَ من المستثنى الذي قامَ الدليلُ على وجُوبهِ بخلافِ القِياسِ ويَذْكُرُ دلائِلَها في مواضِعها التي تأتي. قوله: (وإذا قالَ: للهِ عليَّ صومُ يومِ النَّحْرِ أَفْطَرَ وقَضَى) (١)، وعندَ زُفَر (٢)، والشَّافِعِي (٣) رحمهما اللهُ لا يِصحُّ نذْرُهُ، وهو رِوايةُ ابنِ المباركِ (٤) عن أبي حنيفةَ، ورَوَىَ الحسنُ عن أبي حنيفةَ (٥) قالَ: للهِ عليّ صومُ يومِ النَّحرِ لم يُصحَّ نذرُهُ، ولو قالَ: غدًا، وغداً يومُ النّحرِ صحَّ نذْرُهُ، فوجهُ رِوايةِ الحسنِ (٦) أنهُ إذا نصَّ على يومِ النَّحرِ، فقدْ صرَّحَ في نَذْرِهِ بما هو مَنِهيٌّ عنهُ فلم يصحَّ، وإذا قالَ: غدًا، فلمْ يُصرِحْ في نذرِهِ بما هو مَنِهيٌّ عنهُ فصحَّ نذْرُهُ، وهو كالمرأةِ إذا قالتْ: للهِ عليّ أنْ أَصومَ يومَ حَيضٍ لم يصحَّ نذرُهُا، ولو قالتْ: غدًا، وغدا يومُ حيضِها صحَّ نذْرُهُا، ووجهُ قولهِما أنَّ الصَّوْم غيرُ مشروعٍ في هذهِ الأيامِ، وليسَ للعبدِ شَرْعٌ ما ليسَ بمشروعٍ كالصَّوْم ليلًا، وبيانه: أنَّ الشرعَ عينَّ هذا الزمانَ للأكْلِ بقولهِ: فإنها أيامُ أَكْلٍ، وتعينُهُ لِأحَدِ الضدينِ ينفي الضَّدَ الآخرَ، ولِأَنَّ الصَّوْم في هذهِ الأيامِ منَهِيُّ عنهُ، وأدنى درجاتِ النَّهيِ عنهُ أنْ يكونَ ممنوعًا، والممنوعُ لا يكونُ مأذونَ التحصيلِ. ومِنْ شَرْطِ صِحَةِ النذرِ يكونُ المنذورُ بهِ مأَذونُ التحصيلِ، ولنا أنَّ الدلائِلَ المقتضيةَ لِشرعِيُةِ الصَّوْم لا تفصلُ بينَ صومِ وصومٍ، والنهيُ إنّما كانَ لمِعنى اتصلَ بهِ، وهو تركُ إجابةِ دعوةِ اللهِ تعالىِ، وهذا لا يُوجِبُ إعدامُ شرعيةِ ذاتِ الصَّوْم فبقيَ الصَّوْم في ذاتهِ عِبَادُةٌ، وهذا لِأَنّ المشروعاتِ أصلُها حَسَنُ عُقلًا؛ لِأَنّ العباداتِ إظهارُ الخضُوعِ للهِ تعالى، وتعظيمُ مَنْ هُو مُستحِقُ التعظيمِ، وشُكْرُ المُنْعِمِ ومتى تعلَّقِ بها نَهْيٌ يجبُ صَرْفُ ذلك النهيِ إلى مَحاورَ لها لا إليها صِيانةً عنِ التناقِضِ لِأَدلةِ الشَّرعِ، وهذا الفقهُ، وهو أنَّ الأفعالَ إنّما تَحِلُّ، وتحرمُ باعتبارِ الجهاتِ لا باعتبارِ الذَّاتِ فإنَّ الفِعْلُ لو كانَ يَحْرُمُ لِذَاتِهْ لكانتْ الأفعالُ كُلُّها حَرامًا لِكُونِها أفعالًا، ولو كانتْ تَحِلُ أيضًا باعتبارِ كونهِ فعِلًا لكانتْ الأفعالُ كُلُّها حلالًا لكونها أفعالًا ألا ترى أنَّ واحداً مِنَّا إذا سُئِلَ عن الوَطْئِ أَيَحِلُّ أمْ يحَرِمُ؟ لا يستجيزُ منْ نفسهِ أنْ يقولَ: بالحِلِّ أو بالحرمُة بِلا تعرضِ جهةِ وأقربُ نظيرِ لمسألتنا في هذا مِنْ إذا رأى حَربيًّا، ومُسلمًا فرماهما رَميةً واحدة فهذا الرْميُ يوُصَفُ بالحلِ باعتبارِ كونهِ] قتلًا للحربي، وبالحُرمة باعتبارِ كونهِ قتلًا للمُسِلم [، (٧) فكذلك هاهنا الصَّوْم في هذا اليومِ مِنْ حيثُ إنهُ تَرْكُ إجابةِ دعَوْةِ اللهِ تعالى فيهِ قَبحٌ، ومِنْ حيثُ إنهُ قَهْرٌ للنفسِ الأمارةِ بالسَّوءِ على قَصْدِ التُّقربِ إلى اللهِ تعالى حَسَنٌ فيصِحُ الندبُ بهِ لهذا، ويلزمُهُ الإفطارُ لذاكَ، فإنْ قلتَ: إنَّما يصِحُّ لحُسْنِ قَهْرِ النفسِ أنْ لو كانَ مأذونًا فيهِ حتى أنهُ لو مَنَعَ نفسَهُ مِن طعامِ نفسهِ الحلالِ حتى أشرفَ إلى الهلاكِ فهو حرامٌ لِكَوْنهِ غيرُ مأذونٍ فيهِ، وهاهنا أيضًا النهْيُ يقتضي عدمَ الإذْنِ فلا يحسُنَ القهرُ حينئذٍ قلْتُ: لا بلْ فهنا مأذونٌ منْ حيثُ أنَّ صومَهُ لا في النَّهارِ، لا الليل فإنَّ يومَ العيدِ يومٌ كسائرٍ الأيامِ في أصلِهِ.

стр. 1274

وإنَّما جاءَ النهْيُ باعتبارِ تُرْكِ إجابةِ دَعوةِ اللهِ تعالى، وتَرْكُ الإجابة إنَّما نَشأ مِن صفةِ هذا اليومِ، وهو كونُهُ يومٌ عيدٍ لا من أصلِهِ، فبالنظرِ إلى أصلهِ يكونُ مأذونًا في الصَّوْم/ وبالنظرِ إلى وصفهِ لا يكونُ مأذونًا فَعَمِلْنا بهما بما ذَكَرْنا مِن صِحَّةِ النَّذْرِ، ولُزومِ الإفطارِ، فإنْ قلتَ: قولنُا يومُ العيد مثلَ قولِنا يومُ الحيضِ للمرأةِ منْ حيثُ الوصفِ، ثُمَّ المرأةُ إذا نذرتْ أنَ تصوَم يوَم حيضِها لا يَصِحُّ، فينبغي أنْ لا يصِحَّ النذْرُ بصومِ يومِ العيدِ، كما لا يَصِحُ ذلكَ (١). قلتُ: لا يُسِلّمُ أنَّ الحيضَ وَصفٌ لليوم، بلْ ذاكَ وَصْفٌ للمرأةِ لا لليومِ، ثُمَّ كونُها طاهِرَةً عن الحيض شَرْطٌ لِعَدَمِ سَبْق الأكْل، ثُمَّ الرجلُ إذا قالَ: للهِ عليَّ أنْ أصومَ يومًا أَكَلْتُ فيهِ لا يَصِحُّ حتى أنهّا إذا لم يذكَرْ الحيضَ يَصِحُ، وإنْ كانَ ذلك اليومُ يومُ حيضِها، وقد ذكرناهُ، والحجةُ الدامغةُ لنا على الشَّافِعِي فيِ بقاءِ الصَّوْم في يومِ العيدِ (٢) هي أنَّ الشَّافِعِي يقولُ للمتمتعِ أنْ يصومَ صومَ المُتعةِ في أيامِ النَّحرِ، وأيامِ التشريقِ في أظهرِ أقوالِهِ وكذلكَ الفطرُ فيها يقطعُ التتابعَ، والتتابعُ إنمّا يجبُ في أوقاتِ الصِّيَام لا في نفسِ الصيامِ؛ لأنَّ نفسَها لا تقعُ إِلاَّ متفرقةً بالليالي، فلو لم تكنْ هي أوقاتُ الصِّيَام انقطعَ التتابُع في التفُرقِ، وأمّا ما قالا (٣): إنَّ الصَّوْم غيرُ مَشروُعٍ في هذهِ الأيامِ، قلنا: عَدَمُ الشرعيةِ مُوجِبُ النَّسخِ، وموُجبُ النهيِ غيرُ موُجبِ النَّسْخِ، فلمّا كانَ موُجبَ النسخِ رُفِعَ المشروعُ، عَرفنا أنهُ ليسَ موُجبُ النهيِ رفعَ المشروعِ، والمعنى الذي لأجلهِ كانَ الصَّوْم مَشروعًا في سائرِ الأيامِ كونُ الإمساكِ لله تعالى بخلافِ العادةِ، وهذا المعنى في هذهِ الأيام أظِهرُ، والشرعُ أمرَ بالفِطْرِ فيهِ بالأكلِ، والبعال (٤)، لا أنْ جَعَلَهُ مفُطِرًا بخلافِ الليلِ فقدْ جُعِلَ مفطرًا بدخولِ الليلِ بقوله: فقد أفطرَ الصائِمُ، أكلَ أو لم يأكلْ. هذهِ فوائدُ مجَموعةٍ مِنْ شُروحِ «المَبْسُوط» (٥)، و «الْأَسْرَارِ» (٦)، و «الفَوَائِد الظَّهِيرِيَّة» (٧)، وإنْ صامَ فيهِ يخرجُ عَنْ العُهْدةَ؛ لأَنّهُ أدّاهُ كما التزمَ، والأصلُ في هذا أنَّ مُطلقَ النذرِ يتناولُ الكاملَ فلا يخرجُ عَنْ عُهَدةِ النذْرِ فيهِ بالناقصِ، وأمّا إذا كانَ نَذْرُهُ مُضافًا إلى الناقصِ فيَؤِّدي بهِ؛ لأَنهُ ما التزمَ إِلاَّ هذا القدرَ، وقد أدَّى كما التزَم كَمَنَ قالَ: للهِ عليَّ أنْ أَعْتِقَ هذهِ الرقبةَ، وهي عمياءُ، خَرَجَ عن نَذْرِهِ بإعتاقِها، وإنْ كانَ مُطلق النذْرِ، أو شيء من الواجباتِ لما يتأدّى بها، وكَمَنَ نَذَرَ أنْ يُصَلَّي عندِ طُلوعِ الشمسِ، فعليهِ أنْ يُصليِّ في وقتِ آخرَ، وإنْ صلَّى في ذلكِ الوقتِ خرجَ من مُوجبِ نذرهِ، كذا في «المَبْسُوط» (٨).

стр. 1275

(وهذهِ المسألةُ على وُجوهٍ ستةٍ) (١): ففي الثلاثةِ الأَولِ يكونُ نذرًا بالإجماعِ (٢)، وهي ما إذا لم ينوِ شيئًا أو نَوى النذَر لا غيرَ أو نوى النْذَر، ونوى أنْ يكونَ يمينًا، وفي الواحدِ يكونُ يمينًا بالإجماعِ (٣)، وهو ما إذا نوى اليمينَ، ونوى أنْ لا يكونَ نذرًا، وفي الاثنين على الخلافِ، وهو أن ينويَهما يكونُ نذرًا، ويمينًا عندَهما، وعند أبي يوسفَ يكونُ نذرًا (٤)، ولو نوى اليمينَ لا غيرَ فكذلك عندَهمُا (٥)، وعند أبي يوسفَ ﵀ يكونُ يمينًا، ثُمَّ مُوجبُ النذْرِ الوفاءُ بالمنذُوْرِ، ومُوجِبُ اليمينِ الِبرِّ، وإنْ حَنَثَ فالكفارةُ، فوجْهُ قولِ أبي يوسفَ ﵀ (٦) أنَّ حُكْمَ النذرِ مخالِفُ لحِكُمْ اليمين، فلا يجتمعانِ في كلامٍ واحدٍ (٧) كقولهِ لامرأتهِ: أنتِ عليَّ حرامٌ إنْ نوى بهِ الطلاقَ كانْ طلاقًا، وإنْ نوى به اليمينَ كانَ يمينًا، ولا يجتمعانِ وإنْ نَوَاْهُما ووجهُ قولهِما (٨): إنّ هذا تحريمَ الحلالِ، وهو الأكلُ لكنّ إيجابَ الصَّوْم مِقصودٌ، وتحريُم الأكلِ غيرُ مقصودٍ، ولكنْ يلزمُ ضِمنًا لذلكَ فإذا نواهمُا اعتبرَ كونهُ مقَصورًا بصيغتهِ، واعتبرَ كونهُ يمينًا بمعناهُ، كالإقَالةِ فسخَ في حقِّهمِا بصفتِها بَيْعٌ في حقِّ الثالثِ بمعناهُ. كذا في «المَبْسُوط» (٩)، و «الجامع الصغير» للإمام التُّمُرْتَاشِي ﵀ (١٠). قولُهُ ﵀: (لَا تنافي بينَ الجِهتين) (١١)، أي: بينَ جهتي اليمينِ، والنذرِ (لأنهما يقتضيان الوجُوب) فجازَ أنْ يكونَ الشيءُ واجِبا لعينهِ، وواجبًا لغيرِهِ، كما إذا حَلَفَ، واللهِ لأُصَلِّيَن ظُهرَ هذا اليومِ إِلاَّ أنَّ النذْرَ يقتضيهِ، أيْ: يقتضي الوجُوبَ لعينهِ، وهو وفاءُ المنذورِ بقولهِ تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١٢) واليمينُ لغيرهِ وهو صِيانَةُ اسمِ اللهِ تعالى عن الهتْكَ أو صيانةِ ما أوجبهُ على نفسِهِ بالنذْرِ عن الحَلْفِ فلا يُنافي بينهما كما ذَكْرنا.

стр. 1276

وهذا معنى ما ذُكِرَ في الإيضاحِ (١) أنَّ النذرَ للإيجابِ في الذَّمةِ، والوجوبُ في الذِّمةِ يلزمُ الخُروجَ عن العُهْدةِ، واليمينُ يُؤَّكِدُ/ معنى اللزومِ فلم يكنْ بينَ الموجبينِ تَنَاْفِ (٢)؛ لِأَنَّ ما يُؤَكِّدُ الشيءَ لا ينُافيهِ، وأمّا وجُوبُ القضاءِ، والكفارةِ حالَ عَدَمِ الوفاءِ فهو حُكْمٌ آخرَ سِوى الموجبِ الأصلي، وإذا لم يتحققْ التنافي فيما هو الموجبُ الأصلي، وهو لزومُ الوفاءِ بهِ جعلناهُ مُؤكِدًا لهُ (٣). قولُهُ ﵀: (كما جمعنا بين جهتي التبرعِ، والمعاوضةِ في الهِبَة بِشرطِ العِوَضِ) حيث اعُتَبِرتْ في الأحكام الثلاثةِ جهةُ التُّبرعِ، وهي اشترِاطُ التقابضِ، والبطلانِ بالشيوعِ، وعدمِ جوازِ تصرّفَ المأذونِ فيها، واعتُبرت في الأحكامِ الثلاثةِ جهةُ المعاوَضةِ، وهي خِيار الُّردِ بِالعيبِ، وخيارُ الرُّدِ بالرؤيةِ، واستحقاقُ الشفعةِ على ما تأتي الأحكامُ في مواضِعها إنْ شاءَ اللهُ تعالى. (أفطرَ يومَ الفطِرِ، ويومَ النحرِ، وأيامَ التشريقِ، وقضاها،) وهذا أحكُم لبيانِ الأفضلِ، ولصيانةِ ارتكابِ المنْهِي عنهُ لا أنَه لو صامَها لا يخرجُ عن عُهدِة نَذَرِهِ بلْ إذا صامَ هذهِ الأيامَ الخمسةَ يجوزُ، ويَخرجُ عن عُهدِة نذرهِ لمَا أنَّ السنةَ المعينةَ لا تخلو عن هذهِ الأيامِ فِلما نذرَ بصومِ السنةِ المعينةِ كان ناذرًا بصومِ هذه الأيامِ أيضًا فيخرجُ عن عُهدِة نذرهِ بِصومِ هذه الأيامِ لذلكَ؛ لأنه أداءُ كما التزم، وأشارَ إلى هذا الحكُم في الْكِتَابِ بعد هذا في قوله: بخلافِ ما إذا عينَها؛ لأنهُ التَزمَ بوصفِ النقَصان ِإلى آخرِهِ، وكذلك إذا لم يُعينْ، أي: لم يعيْن السنَة بلْ مُكرهًا، ولكنْ وصُفها بالتتابعِ فقال للهِ عليَّ أنْ أصوَم سنةً متتابعةَ، فهو كما لو عينَ السنةَ بقولهِ لله عليَّ أنْ أصوَم هذهِ السنةَ ففي هاتين الصورتين لا يجب عليهِ قضاءُ رمضانَ؛ لأنَّ صومَ رمضانَ لم يجبْ بهذا النْذرِ، ولكنْ يقضي تلكَ الأيامَ الخمسةَ؛ لأنهُ لم يضمهَّا (٤)، كذا في فتاوى الإمام الولوالجي، والتجنيسِ.

стр. 1277

ولو لم يشترطْ التتابعَ لم يجزْهُ صومُ هذهِ الأيامِ، أيْ: لم يُشتَرطْ التتابعُ، ولم يعينْ السنةَ أيضًا؛ لأنهُ لو عيَّنَ السنةَ مع] عدمِ (١) اشتراطِ التتابعِ يجوزُ صومُ هذهِ الأيامِ إلى هذا أشارَ بقولهِ بخلافِ ما إذا عيَّنها، ثُمَّ في هذهِ الصُّورةِ، وهي ما إذا لم يشترطْ التتابعَ لم يعينْ السنةَ يقضي خمسَاً وثلاثين يوماً، ثلاثون يوماً لِرمضانَ وخمسةَ أيامٍ قَضَاءً عن تلكَ الأيامِ الخمسةِ المنهي عنها لِأَنَّ السنةَ مُنكِرًا اسمَ لأيامٍ معدودةِ، ويمكنُ فَصْلُ الأيامِ المعدودةِ عن رمضانَ، وعن تلكَ الأيامِ لما أنَّ صومَ رمضانَ لا يكونُ عن المنذورِ لِعَدَمِ شرطِ صِحَةِ النذرِ بهِ فإنهُ واجبٌ منْ غيرِ إيجابٍ فلا يُفيد نذرُهُ؛ لِأَنَّ الشَّروعَ مُلزمٌ كالنذرِ، أي: كنذرِ صومِ يومِ النَّحرِ أو يومِ الفِطرِ على ما قرأَ في أولِ هذا الفصلِ بأنَّ النذْرَ بهِ صحيحٌ عندَنا (٢)، والفرقِ لأبي حنيفةَ ﵀، وهو ظاهِرُ الروايةِ (٣)، أي: الفَرْقُ بينَ الصَّوْم الذي شُرِعَ في يومِ النّحرِ بأنهُ لا قضاءَ عليهِ إذا أفطرَ، وبينَ النذرِ بصومُ يوَم النَّحرِ، والصَّلَاةُ التي شُرِعتْ في الوقتِ المكَروهِ بأنَّ عليهِ القضاءَ إذا أفسدَهُما، وحاصِلُ الفَرْقِ بينَ الشُروعِ في صومِ يومِ النَّحرِ، والناذِرُ يصومُ يومَ النحرِ هو أنَّ القضاءَ إنما يبتني على سلامةِ المُوجِبِ عن شائبةِ الحُرمةِ فإنه لم يخلصْ الموجبُ عن شُبهةِ الحُرمةِ، لم ينهضْ شيئًا موُجبًا للقضاءِ لِوُجُودِ الشكِّ في الإيجابِ، ثُمَّ الصَّوْم في هذا الوقتِ لا ينفكَّ عن الحرامِ فإنْ وَجَبَ صيانتُهُ مِنْ حيثُ إنهُ قُرْبَةٌ، فلا يجبُ منْ حيثُ إنهُ معصيةٌ فلم تجبُ الصيانةُ بالقضاءِ عندَ الشَّكِّ، ووجوبُ القضاءِ عندَ الفِطْرِ يبتنى على وجوبِ الإلمامِ صيانةً لِما أدّى، وما أدّى غيرَ واجبِ الصيانةِ فلا يجبُ القضاءُ؛ وذلك لأنَّ القَدَرَ المؤدَّي صارَ فاسدًا لِمَا فيهِ من ارتكابِ النْهيِ فلا يجبُ عليهِ حِفْظُهُ، ووجوبُ الإتمامِ، والقضاءِ لحفظِ المُؤدَّى وأما النذرُ بصومِ هذا اليومِ فليسَ فيهِ شائبةُ الحُرمَةِ إذ ليسَ فيهِ ارتكابَ النهيَ بلْ فيهِ إيجابُ الفعلِ على نفسِه بتسميةِ اللهِ تعالى، واسمُ الله تعالى واجِبُ الصيانةِ، وإنّما الارتكابُ مِن وجهٍ في فعلهِ مكانَ الناذِرِ بهِ داخلًا تحتَ الخطابِ في قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٤)، وقولهِ ﵊: «أوفِ بنذْرِكَ» (٥) فيجبُ الوفُاء بالمنذورِ على وجهٍ لا يلزُم فيهِ ارتكابُ النهيِ، وهو القضاءُ في غيرِ هذا اليومِ.

стр. 1278

وأما الفرقُ بينَ الشُّروعِ في الصَّلَاةِ في الأوقاتِ المكروهةِ، وبينَ الشُّروعِ في صومِ هذا اليومِ من وجهينِ: أحدُهما ما ذُكِرَ في الكتابِ (١)، وإيضاحٌه أنَّ بالشُّروعِ هناكَ لا يصَيرُ/ مُرتكبِا للمنهي عنهُ؛ لِأَنَّ بمجردِ التكبيرِ لا يَصيرُ مُصلِّيًا حتى لو حَلَفَ أنْ لا يُصلِّي فكبَّرَ (للصلاةِ) (٢) لا يحنثُ (٣)، فلذلكَ صَحَّ الشُّروعُ، فوجبَ صيانتُهُ بالقضاءِ، وأما هاهنا فمُجَرَدِ الشَّروعِ صارَ صائمِا، ومُرتكِبًا للمنْهِي بدليلِ أنَّ تَرْكَ إجابةِ دَعوةِ اللهِ تعالى لقومٍ بأصلِ الصَّوْم، وكما أمسكَ صارَ صائِمًا بدليلِ مسألةِ اليمين، والثاني: أنّ هناك يمكنهُ الأداءُ بذلكَ الشَّروعِ لا بصفةِ الكراهةِ بأنْ يصبرَ حتى تبيضَّ الشمسُ فلذلك لِزَمتهُ، وهاهنا بعدَ الشروعِ لا يمكنهُ الأداءُ بدُونِ صفةِ الكراهةِ فلذلك لم يلزمْهُ. كذا في «المَبْسُوط» (٤) وغيره (٥)، واللهُ أعلمُ بالصوابِ. بابُ الاعتكافِ أخرَّ الِاعْتِكَافَ عن الصَّوْم لما أنَّ الصَّوْم شَرْطُهُ، والشْرطُ مُقِدَّمٌ طبعًا (٦)، فُيَقدَّمُ وَضْعًا كما قُدِّمَتْ الطَّهارةُ على الصَّلَاةِ،] أما محاسنُ الِاعْتِكَافِ فظاهِرَةٌ، فإنَّ فيهِ تسليمَ المعتكفِ كُلِّيتِهِ إلى عبادِة اللهِ تعالى، وتبعيدِ النفسِ عن شٌغْل الدَّنيا التي هي مانعةٌ لما يستوجُبِهُ العبدُ مِنَ القرُبى، ولهذا كِرَهَ إحضارَ السِّلَعِ في المساجدِ، لما أنها حُرة منجاةٌ عن مثلِ هذهِ المقاصدِ، ومِن محَاسنِ الِاعْتِكَافِ أيضًا استغراقُ المعتكفِ، أو كأنهُ في الصَّلَاةِ إما حقيقةً أو حُكْمًا؛ لِأَنَ القَصْدَ الأصلي مِن شرعَيتِهِ انتظارُهُ أداءَ الصَّلَاةِ بالجَماعاتِ، ولهذا لم يُشرَعْ في مسجدٍ لم يُصَلَّى فيهِ بالجَماعَةِ، وقد جاءَ في الحديثِ المنُظِمِ لِلصَّلاةِ كأنهُ في الصَّلَاةِ. [استحباب الصَّوْم للمعتكف] ومن محاسِنهِ أيضًا اشتراطُ الصَّوْم في حقِّه، والصائِمُ ضيفُ اللهِ تعالى، فَالأليَقُ أنْ يكونَ في بيتِ اللهِ تعالى، ومن محاسنهِ أيضًا تشبيهُ المعتكِفِ نفسُهُ بِمَنَ لا يعصُوَنَ اللهَ ما أمرَهُم، ويفعلونَ ما يُؤْمَرونَ، وبالذين يَسبحونُ لهُ بالليلِ والنهارِ وهم لا يسأَمُونَ أنّ في كُلٍّ منهم تَرْكُ الأَكْلِ والشُرْبِ بَقَدِرِ الإمكانِ لِطَلَبِ الخيراتِ، وامتثالِ لِأَوامرَ اللهِ تعالى في الإتيانِ بالطاعاتِ) (٧)، ثُمَّ يحتاجُ هاهنا إلى معرفةِ عشرةِ أشياءٍ إلى تفسيرِ الِاعْتِكَافِ لغةً، وشريعةً، وصفتهُ، وُركنَهُ، وشرطُه، وسببُهُ، وحكْمُهُ، ونقائِضُهُ، ومحظوراتُهُ، وآدابهُ (٨).

стр. 1279

[تعريف الاعتكاف] أما تفسيرُهُ لُغةً (١): فإنهُ افتعالٌ من عَكَفَ، وهو مُتَعَدِّ فمصْدَرُهُ العَكْفُ (٢)، ولَاْزَمَ فمصدَرُهُ العُكوفُ فالمتعدِي بمعنى الحَبْسِ، والمنعِ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ (٣)، ومنه الِاعْتِكَافُ في المسجدِ، وأمّا اللاُزم فهو الإقبالُ على الشيِء بطريقِ المواظبةِ (٤)، ومنهُ قولهُ تعالى: ﴿عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ (٥) (٦). وأمّا تفسيرَه شريعةً (٧): فهو اللُبْثُ، والقَراْرَ في المسجدِ مع نيةِ الاعتكافِ، فكانَ التفسيرُ الشرعيُّ مبنيًا على التفسيرِ اللُّغوي مع زيادةِ اشتراطِ المسجدِ، والنيةِ (٨). [صفة الاعتكاف] وأما صفُتُه: فإنهُ سُنةٌ لما ذُكِرَ في الكتابِ (٩)، وأمّا رُكَنْهُ: فما هو تفسيرُهَ شريعةً؛ لأنهُ يقومُ بهِ. وأما شْرطُهُ: فالصَّوْم، ومسجِدُ الجَماعةِ، ونيةُ الِاعْتِكَافِ في حقِّ الرجالِ (١٠)؛ لأَنّ الرَّكْنَ يوُجدُ صحيحًا عندَنا، وفي حقِّ المرأةِ مسجدُ بيتهِا (١١) قائِمٌ مَقامَ مَسْجِدِ الجَماعةِ في حقِّ الرجالِ وإنْ كانَ يجوزُ لها في رِوايةٍ أنْ تعتكفَ في مسجدِ الجَماعةِ، ولكنْ الأفضلَ هو الأولُ. وأمَّا سببُهُ إنْ كانَ واجباً فالنذْرُ، وإنْ كانَ تطوُعًا فالنشاطُ الدَّاعِي إلى طلبِ الثوابِ كما في سائرِ النذوراتِ والتطوعاتِ، وأمّا حُكْمُهُ: إنْ كانَ واجبًا ما هو حُكْمُ سائِر الواجباتِ، وإنْ كَانَ هذا ما هو حُكْمُ سائرِ النوافلِ، وأمّا نقيضُهُ فالخروجُ من المسجِدِ لا لحاجةٍ لازمةٍ مُتَطبِعًا أو شَرْعًا.

стр. 1280

[محظورات الاعتكاف] وأمّا محظوراتُهُ الجِماعُ، ودَواعِيهِ، وبيانُ كونِ الخُروجِ مِنَ نقائِضِهِ، والجِماعُ مِن محظوراتِهِ يأتي بعدَ هذا. وأمَا آدابُهَ: فأنْ لا يتكلمَ إِلاَّ بخيرِ، وأنْ يلاِزمَ بالِاعْتِكَافِ عَشرًا مِنْ رمضانَ، وأنْ يختارَ أفضلَ المساجدِ كالمسجدِ الحرامِ، والمسجدِ الجامعِ (١). قولُه ﵀: (والصحيحُ أنُه سُنةٌ مٌؤَكَدَةٌ) (٢) احترازاً عمّا ذَكِرَ في مُخْتَصرُ القُدُوري (٣) بأنهُ مُستحبٌّ، ودليلُ ما ادّعاه بأنهُ سُنة مؤكدةً ظاهِرَ، وهو ما رُوِيَ في الْكِتَابِ مِن مُواظبةِ النبيِّ ﵊، فإنْ قلتْ: مُطلَقُ المواظبةِ يحُمل على المواظبةِ مِنْ غيرِ تَرْكٍ، فحينئذٍ كانَ هو دليلًا على الوجُوبِ لا على السَّنةِ، فحسبْ خصُوصًا ما رُوِيَ عن النبي ﵊: «أنهُ ما تَرَكَ الِاعْتِكَافَ حتى قُبِضَ» (٤)، فحينئذٍ كيفَ تَثْبُتُ المطابقةُ بينَ الدليلِ والمدلُولِ (٥). قلت: نعم كذلك إِلاَّ أنّ النبَي ﵊ بعدَ المواظبةِ كانَ يأمُر في الوجوبِ بفعلهِ، وُينكِرُ علىَ تارِكِهِ، ولم يأمرِ الناسَ بهِ، ولم يُنكِرْ على تارِكِهِ فلو كانَ واجبًا لأنكرَ على ذلكَ/ دلّ أُنّهُ غيرُ واجبٍ، أشار إلى هذا في مبسوطِ شيخِ الإسلامِ، وذكر في «المَبْسُوط» (٦): الِاعْتِكَافَ قُرْبَةٌ مشروعةٌ بالكتابِ، والسُّنةِ أمّا الْكِتَابُ فقولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٧)، فالإضافةِ إلى المساجدِ المختصةِ بالقُرْبِ، وتَرْكِ الوطئِ المُباح لِأجْلهِ دليلٌ على أنهُ قُرْبةٌ، وأمّا السُّنةُ لحديثِ أبي هريرةَ، وعائشةَ ﵂: «أنّ رسولَ اللهِ ﵊ كانَ يعتكِفُ في العشرِ الأواخِرِ منَ رمضانَ حين قَدِمَ المدينةَ إلى أنْ توفَّاهُ اللهُ تعالى» (٨)، وقال الزُّهري (٩) (١٠): عجبًا مِنَ الناسِ كيفَ تركوا الاعتكاف، ورسولُ الله ﵊ كانَ يفعلُ الشيءَ ويتُركُهُ، وما ترك الِاعْتِكَافُ حتى قُبِضَ، وفي الِاعْتِكَافِ تفريغُ القلبِ عن أمورِ الدَّنيا، وتسليمُ النفسِ إلى بارئِها، والتحصُّن بِحُصْنِ حَصِيْنٍ، وملازمةُ بيتِ اللهِ تعالى. قالَ عطاءُ ﵀ (١١): مَثَلُ المعتكِف كرُجلٍ لهُ حاجَةُ إلى عظيمٍ فيجلسُ على بابهِ، ويقولُ: لا أبرحُ حتى يقضيَ حاجِتي، فالمعتكفُ يجلسُ في بيتِ اللهِ، ويقولُ: لا أبرحُ حتى يغفَر اللهُ لي، فهوَ أشرفُ الأعمالِ إذا كانَ عن إخلاصٍ.

стр. 1281

والصَّوْم مِنْ شرطِهِ عندَنا (١) خلاِفًا للشافعي (٢)، ومذهبنا مَرْوِيٌّ عن ابنِ عباسٍ (٣) (٤)، وعائشةَ أنَهما قالا: «لا اعتكافَ إِلاَّ بالصَّوْم» (٥)، ومذهبُهُ مَرْوِيٌّ عن ابنِ مسعودٍ ﵁، وعن علي ﵁ روايتان (٦): فالشَّافِعِي استدَلَّ بهذا، وبحديثِ عُمَر في سؤالهِ: «إني نذرْتُ أنْ أعتكفَ ليلةً في الجاهليةِ فأَمَرهُ ﵊ بالوفاءِ» (٧)، والليلُ لا يُصامُ فيهِ، ولِأَنَّ ابتدأَ الِاعْتِكَاف مِنْ وقتِ غرُوبِ الشمسِ في حقِّ مَنْ نَذَرَ أنْ يعتكفَ شَهرًا، وما يكونُ شرْطُ العبادةِ شرطِ إقترانهِ بأولهِ كالطَّهارةِ، ولِأَنَّ الصَّوْم أحدُ أركانِ الدِّينِ فلا يكونُ شرطًا لما هو دونَهُ، إذ في الشرطِ معنى التبِعَيِة، ولنا أنّ النبيَّ ﵊ ما اعتكفَ إِلاَّ صائمًا (٨) والأفعالُ المتفقةُ في الأوقاتِ المختلفةِ، لا تجري على نَمِط واحدٍ، إِلاَّ لِدَاعٍ يدعو إليهِ، وليسَ ذلك إِلاَّ لبيانِ أنهُ من شرائطِ الاعتكافِ، وعن كلامهِ جوابان: أحدُهما أنَّ الصَّوْم شرْطُ الاعتكافِ، والشرائِطُ إنما تثبتُ بحسَبِ الإمكانِ، ولا يُمكنُ اشتراطُ الصَّوْم ليلًا فسقطَ للتعُّذرِ، وجعلَ الليالي تِبعًا للأيام ِكما أنَّ الشُّربَ، والطريقَ يجُعلُ تْبِعًا في بيعِ الأرضِ.

стр. 1282

والثاني: أنَّ شرطَ الِاعْتِكَافِ أنْ يكونَ مُؤَدَّى في وقتِ الصَّوْم، وبوجودِ الصَّوْم في النَّهارِ بنصفِ جميعِ الشهرِ بأنهُ وقتُ الصَّوْم، دليلُهُ شهرُ رمضانَ، فصارَ الشرطُ بهِ مَوجودًا، وحديثُ عُمر دليلُنا، فإنَّ النبيَّ ﵊ قالَ له: «اعتكفْ، وصُمْ» (١) هكذا ذكرهُ أبو عيسى ﵀ في المسندِ، وبلفظ رسولِ اللهِ ﵊ تبيَّنَ أنَّ الصحيحَ من الروايةِ: "إني نذرتُ أنْ أعتكفَ يومًا" (٢)، كذا في المَبْسُوط (٣) وغيره (٤). وأما جوابُ كونِ الرَّكن تِبعًا لغيرِه فقدُ ذكرناهُ في بابِ قضاءِ الفوائِتِ منْ كتابِ الصَّلَاةِ (٥). فإنْ قِيلَ: إنَّ شرطَ الشيءِ إمّا أنْ يكونَ شرطَ انعقادِهِ، وهو ابتداءُ فعلهِ أو شرطَ دوامهِ، وبالإجماعِ هذا ليسَ بشرطِ انعقادِهِ، فإنَّ مَنْ نَذَرَ أنْ يعتكفَ أيامًا يلزمُهُ الابتداءُ منَ الليلِ، والصَّوْم لا يتُصورُ في الليلِ، وكذلكَ يدومُ في الليالي، ويبقى، ولا صومَ في الليالي عَلِمْنَا أنَّ هذا ليسُ بِشَرْطٍ أصلاً (٦). قلنا: الصَّوْم شرطٌ دائِمٌ منْ أولهِ إلى آخرِه لكنْ سقطَ اعتبارُهُ بالليالي لِعَدَمِ الإمكانِ كالمرأةِ عليها صومُ شهرِ] رمضانَ (٧) متتابعٌ يلزمُها بصفةِ التتابُعِ، فلو أفطرتْ بعُذْرِ الحيضِ لم ينقطعْ التتابعُ، ولو أفطرتْ بعذرٍ آخَر استقبلتْ، وكالمُستحاضةُ تصلي، والدَّمُ يسيلُ منها، والشرطُ أنْ لا تصلي مع الحدثِ، ولكنْ سقَط اعتبارُ هذا الحديثِ في حقِّها التعذرُ، فكذلكَ أمرُ الصَّوْم في الليالي هاهنا، ألا ترى أنَّ الرُكنَ يسقطُ اعتبارُه للضرورةِ، فالشرطُ أولى لما أنَّ اللبثَ في المسجدِ رُكنُ الِاعْتِكَافِ حتى لا يبقى بالخروجِ منهُ، وأمّا إذا خرجَ للبولِ، والغائطِ، والتوضئِ كانَ الِاعْتِكَافُ قائمًِا للضرورةِ إلى هذا أشارَ في «الْأَسْرَارِ» (٨) فإن قلْتُ: يلزُم في اشتراطِ الصَّوْم هاهنا فسادٌ من وجهٍ آخَر، وهو أنّ اللهَ شرعَ الِاعْتِكَافَ مُطلقًا بقولهِ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٩) على ما ذكرنا من «المَبْسُوط» (١٠) بغير شرِط الصَّوْم، والقولُ باشتراطِ الصَّوْم قولٌ بالزيادةِ على النصِّ، وذلك لا يجوزُ بالخبرِ الواحدِ لما أنهُ يجري مجَرى النَّسْخِ.

стр. 1283

قلتُ: قالَ شَيْخِي ﵀ في جوابهِ: بأنَّ الإمساكَ عن الجِماعِ (١) ثبتَ شَرطُ الصِّحَةِ الِاعْتِكَافُ بهذا النصِّ القَطْعِيِّ، والإمساكَ عن الجِمَاعِ أحدُ رُكني الصَّوْم فبعدَ ذلك يلحقُ الإمساكُ/ عن الأَكْلِ، والشَّربِ بهِ بطريقِ الدلِالَةِ لاستواءِ هذه الثلاثةِ في الإباحةِ، والحظرُ منْ كُلِّ وجهِ (٢) لما عُرِفَ في قولهِ تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣) كما ألحُقَ الأكلُ، والشُّربُ بالجِمَاعِ في كفارةِ رمضانَ، وألُحِقَ الجماعُ بالأكلِ، والشُّربِ ناسيًا في حقِّ بقاءِ الصَّوْم بدلالةِ النصِّ لهذا المعنى، ثُمَّ لما ثبتَ وجُوبُ الإمساكِ على المعتكفِ عن الجِمَاعِ، والأكلِ، والشَّربِ لله تعالى بهذا الطريقِ كانَ صومًا؛ إذ الصَّوْم عبارةٌ عن هذا، فكانَ الصَّوْم شرطًا على المعتكفِ بدلالةِ النصِّ، والحديثُ وَرَدَ مُؤيدًا لهذه الدِلالةِ لا زيادةً على النصِّ، ثُمَّ الصَّوْم شرطٌ لِصِحَّةِ الواجبِ منهُ، روايةٌ واحدةُ إلى منَ غيرِ ترددَ في الروايةِ. فكان معناهُ الصَّوْم شرطٌ لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ في جميعِ الرواياتِ، ثُمَّ لما اشترطَ الصَّوْم في حقِّ الِاعْتِكَافِ الواجبِ يجبُ أنْ يكونَ الصَّوْم مُستغِرقًا عليهِ من أَولِهِ حتى أنْ رجلًا لو صامَ يومًا تطوُعًا، ثُمَّ قالَ: في بعضِ النهارِ على اعتكافِ هذا اليومِ، لا اعتكافَ عليهِ سواءً قالَ ذلكَ قِبلَ: نصفُ النهارِ أو بعدَهُ (٤)؛ لأنّ الِاعْتِكَافَ لا يَصِحُّ إِلاَّ بالصَّوْم، وإذا وَجَبَ الِاعْتِكَافُ وَجَبَ الصَّوْم، والصَّوْم في أولِ النَّهارِ انعقدَ تطوُعًا فتعذرَ جعلُهُ واجبًا (٥)، كذا ذكرهُ الإمامُ الولوالجي ﵀ (٦). وفي روايةِ الأصلِ (وهو قولُ مُحَمَّد أقلَّهُ ساعةً (٧)، فيكونُ من غيرِ صوم) (٨). جعلَ هذه الروايةُ في شُروحِ «المَبْسُوط» (٩)، وشرحِ الطَّحَاوِيّ (١٠)، وفَتَاوَى قَاضِي خَانْ (١١)، و «الذخيرة» (١٢) ظاهر رواية علمائنا الثلاثة (١٣)، فقالَ في مبسوطِ فَخْرُ الْإِسْلَام، و «الذخيرة»: وفي ظاهر الروايةِ ليسَ بشرطٍ، وهو قولهما (١٤)، وذكر في «المَبْسُوط» (١٥): وفي ظاهرِ الرواية (١٦) يجوزُ النفلُ مِنَ الِاعْتِكَافِ من غيرِ صومٍ، فإنهُ قال: في الْكِتَابِ إذا دخلَ المسجدَ بنيةِ الِاعْتِكَافِ فهو مُعتكِفٌ ما أقامَ تاركَهُ إذا خرجَ، وهذا لِأَنَّ مبنيَّ الفعلِ على المساهَلَةِ حتى تجوزَ صلاةُ النفلِ قاعِدًا مع القدرةِ على القيامِ، وراكبًا مع القُدرةِ على النزولِ، والواجبُ لا يجوزُ.

стр. 1284

وذكرَ في «الذخيرةِ»: يُشَترطُ وجودُ ذاتِ الصَّوْم لا الصَّوْم بجهةِ الِاعْتِكَافِ حتى أنّ مَنْ نذرَ باعتكافِ رمضانَ صحَّ نذرُهُ، وإنْ لم يقبلْ صومُ رمضانَ أنْ يكونَ لجَِهةِ الاعتكافِ، وذَكَرَ فيها أيضًا أنَّ الرجُلَ إذا أرادَ الإيجابَ على نفسهِ ينبغي أنْ يَذْكُرَ بلسانهِ، ولا يكفي لإيجابهِ النيةُ بالقلبِ، ذكرَه شمسُ الأئمةِ الحلواني ﵀ (١)؛ لِأَنَّ بمجرَدِ النِّيةِ لا يجبُ على الإنسانِ شيءٌ مِنَ الصَّلَاةِ، والصَّوْم فكذا الاعتكاف (٢). وذكر في «التحفةِ»، و «الإيضاحِ» مُطلقًا (٣): ويبتِنى على هذا الأصلُ، أنّ الإيجابَ لا يجوزُ بالليلِ وحدَهُ عِنْدَنَا خِلافًا للشَّافِعي؛ لِأَنَّ الصَّوْم شَرْطُ الاعتكافِ، ولا وُجوَد للشيءِ بدُونِ شْرطٍ، ويجوزُ في الليلِ الذي هو تبعٌ للنهارِ بصومُهُ، ولو شَرَعَ فيهِ، أي: في الِاعْتِكَافِ النفلِ، ثُمَّ قطعهُ لا يلزمُهُ القضاءُ في روايةِ الأصلِ (٤)، وفي روايةِ الحسنِ يلزمُهُ (٥)، ثُمَّ فائدةُ تقييدِهِ بالشُّروعِ دُونَ الإيجابِ، وليبينَ هذا الاختلافَ لما أنَّ القضاءَ واجِبٌ في الِاعْتِكَافِ الواجبُ في الرواياتِ كُلهِّا، ومكانُ اختلافِ الرِوايةِ هنا مَبْنِيَّاً على اختلافٍ آخرَ، وهو أنَّ الصَّوْم: هلْ هوَ شَرْطٌ للتطُوعِ من الِاعْتِكَافِ أم لا؟ فعلى رِوَايةِ الأصل، وهي ظاهِرُ الروايةِ ليسَ بشْرطٍ (٦)، وعلى روايةِ الحسنِ شْرطٌ على ما ذكرنا (٧)، فكانَ لزومَ القضاءِ في روايةِ الحسنِ في] التطوعِ من الِاعْتِكَافِ لِضَرورِةِ لِزُومِ القضاء في شْرِطهِ لا أنْ يكونَ اعتكافُ التطوَّعِ (٨) لَاْزِمُ الإتمامِ في نفسهِ (٩)، وإلى هذا أشارَ الإمامُ الْإِسْبِيجَابِي ﵀ في مبسوطهِ، وذكَر في «شرحِ الكافي»: وإنْ اعتكفَ الرجُلُ مِنْ غيرِ أنْ يوصِيَ على نفسهِ فهو مُعتكِفٌ، فإنْ قطعَهُ فليسَ عليهِ شيءٌ فَرْقٌ بينَ هذا، وبينَ ما إذا صامَ مِنْ غير أنْ يوجَبهُ على نفسهِ، ثُمَّ قطعَهُ، فإنَّ عليهِ القضاءُ، ووجهُ الفْرقِ بينهما أنَّ كُلَّ جُزءٍ منَ اللبثِ في المسجدِ غيرُ مفتقِرٌ إلى جُزْءٍ آخرَ في كونهِ عبادةً؛ لِأَنَّ اللبثَ في المسجدِ، وإنْ قلَّ يقعُ على خلافِ العادةِ، فصلحَ عِبَادةً بنفسهِ. أمّا كُلُّ جُزءٍ مِنَ الإمساكِ مفتقِرٌ إلى جُزءٍ آخرَ في كونهِ عِبادةٌ؛ لِأَنَّ أحوالَ الإنسانِ على ما عليهِ العادةُ لا يخلو عن قليلِ إمساكٍ، فجزْءٌ منهُ لا يقعُ عبادةً تامةً. ثُمَّ الِاعْتِكَافُ لا يَصِحُّ إِلاَّ في مسجدِ الجماعةِ (١٠) هذا لبيانِ حُكْمِ شرطِ الجوازِ، فقالَ في «المَبْسُوط» (١١): ثُمَّ جوازُهُ يختصُّ لمساجدِ الجماعاتِ.

стр. 1285

ورَوى الحسنُ عن أبي حنيفةَ ﵀ (١) قالُ: كُلُّ مسجدٍ لهُ إمامٌ، ومَؤذِنٌ معلومٌ، ويصلي فيه الصلواتِ الخمسَ بالجماعةِ، فإنهُ يعتِكفُ فيهِ./ [المسجد هو مكان الاعتكاف] وفي «الإيضاح» (٢): ورَوَى الحسنُ عن أبي حنيفةَ ﵀: أنهُ لا يَصِحُّ إِلاَّ في مسجدٍ يُصليِّ فيه الصلواتِ كُلهَّا (٣). وفي «الذخيرة» (٤) قِيلَ: أرادَ أبو حنيفةَ ﵀ هذا غيرَ المسجدِ الجامعِ، فإنّ في المسجِد الجامعِ يجوزُ الِاعْتِكَافُ فيه، وإنْ لم يُصلُّوا فيهِ الصلواتِ كلُهَّا بجماعة (٥). وفي المنتقى (٦) عن أبي يوسفَ ﵀: أنَّ الِاعْتِكَافَ الواجبَ لا يجوزُ أداؤُهُ في غير مسجدِ الجماعةِ، وأمّا النفلُ فيجوزُ أداؤُهُ في غيرِ مَسْجدِ الجَماعةِ (٧)، وكانَ سعيدُ بنُ المسيبِ ﵀ (٨) (٩) يقولُ: لا اعتكافَ إِلاَّ في مسجدينِ: مسجدِ المدينةِ، ومسجدِ الحرام، ومن العلماء (١٠) من قال: لا اعتكاف إِلاَّ في ثلاثة مساجد (١١)، وضموا إلى هذين المسجدينِ، المسجدِ الأقصى، لقولهِ ﵊: «لا تُشَدُّ الرِحَالُ إِلاَّ إلى ثلاثةِ مساجدَ» (١٢)، وهي هذه المساجدُ والدليلُ على الجوازِ في سائرِ المساجدِ قولُه تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (١٣)، فعمَّ المساجَد في الذِكْرِ (١٤)، وذُكِرَ عن حُذيفةَ ﵁ قالَ: «لا اعتكافَ إِلاَّ في مسجدِ جمَاعةٍ» (١٥) هذا بيانُ حُكْمِ الجوازِ فأمّا الأفضلُ، فهو الِاعْتِكَافُ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ منهُ في سائرِ المساجدِ، وفي سائرِ البلادِ الِاعْتِكَافُ في الجامعِ أفضلُ منهُ في سائرِ المساجدِ.

стр. 1286

وَروَىَ مُحَمَّد عن أبي حنيفةَ ﵀ أنهُ كانَ يكرُه الجوارَ بمكةَ (١)، ويقولُ: إنها ليستْ بدارِ هِجَرةِ، فإنَّ رسولَ اللهِ ﵊ هاجَر فيها إلى المدينةِ وعلى قولِ أبي يوسفَ، ومُحَمَّد رحمهما اللهُ: لا بأسَ بذلكَ (٢)، وهو أفضلُ، وعليهِ عَمَلُ الناسِ اليوَم. [مكان اعتكاف المرأة] (أمّا المرأةُ تعتكفُ في مسجدِ بيتِها) هذا عندنا (٣)، وقالَ الشَّافِعِي ﵀: لا اعتكافَ إِلاَّ في مسجدِ جمَاعةِ الرجالِ، والنساءُ فيهِ سواءٌ (٤) قالَ: لِأَنَّ مسجدَ البيتِ ليسَ لهُ حُكْمُ المسجدِ (٥) بدليلِ جوازِ تبعه، والنومُ فوقَهُ للجُنُبِ، والحائضِ، ويَحِلُّ للجُنُبِ، والحائضِ المكثُ فيهِ كِسائرِ البقَاعِ بخلافِ المساجدِ، ولماَّ لم تثبتْ لهُ حرمةُ المساجِد لم يصلُحْ موضعُ الاعتكافِ، وهذا لِأَنَّ المقصودَ منَ الِاعْتِكَافِ تعظيمُ البقُعةِ، فيختصُّ ببقعةٍ تعظمها شرعًا، وذلك لا يُوجد في مساجدِ البيوتِ، ولنا أنَّ موضِعَ أدل الاعتكاف في حقِّ الموضِعِ الذي تكونُ صلاتهُا فيهِ أفضلُ، كما في حقِّ الرجُلِ، وصلاتهُا في مسجدِ بيتهِا أفضلُ. فإنَّ النبيَّ ﵊ لما سُئِل عن أفضلِ صَلاةِ المرأةِ قالَ: «أشدَّ مكانٍ منْ بيتِهَا ظلمة» (٦)، وفي الحديث: أنَّ النبيَّ ﵊ لما أرادَ الِاعْتِكَافَ أمرَ بُقَبِةٍ، فضُرِبَتْ في المسجدِ، فلما دَخَلَ المسجدَ رَأَى قِبابًا مَضروبةً فقالَ: «لَمِنْ هذِه»، فقالَ: لعائِشَةَ، وحفصةَ ﵄ فغضبَ فقالَ: «آلبرُّ يُرِدْنَ بهنَّ»، وأمرَ بقُبتهِ فنُقِضَتْ، فلم يعتكفْ في تلِكَ العشر» (٧)، فإذا كِرَهَ لَهُنَّ الِاعْتِكَافُ في المسجدِ مع أنهَّن كُنَّ يخرجْنَ إلى الجماعةِ في ذلكِ الوقتِ، فلأنْ يمُنعْنَ في زمانِنا أوَلى (٨).

стр. 1287

وقد رَوَى الحسنُ عن أبي حنيفةَ ﵀ (١) أنها إذا اعتكفتْ في مسجدِ الجماعةِ جازَ ذلك، واعتكافُها في مسجدِ بيتهاِ أفضلُ، وهذا هو الصحيحُ؛ لِأَنَّ مسجدَ الجماعةِ يَدخُلُ كُلَّ أَحدٍ، وهي طولَ النَّهارِ لا تقدِرُ أنْ تكونَ مُستتُرةً، ويخُافُ عليها الفتنةُ من الفَسَقَةِ فالمنعُ لهذا، وهو ليس بمعنَى راجعٍ إلى غيرِ الاعتكافِ، فلا يمنعُ جوازُ الاعتكافِ، والحُرمةِ التي ذكرنا إنّما تثبتُ للمسجدِ المُطلقِ لا للمسجدِ المُقيدِ، ونحنُ لا نسلم أنَّ شرطَ الِاعْتِكَافِ في حقهِنَّ المسجدُ المطَلقُ، فإنْ قِيلَ: اللهُ تعالى ذَكَرَ المساجدَ مُطلقةً فلابُدَّ منْ إقامةِ الدليلِ في حقِّ جوازِ اعتكافِها بالمساجدِ المقيّدةِ قلنا: إنما كانتْ المساجُد المطلقةُ شرطًا، والله أعلم؛ لِأَنَّ حالَ الصَّلَاةِ حالُ الُقْربِ، والتحلي باللهِ للنجاةِ، والبناءِ، والاستغفارِ، والإخلاصِ للهِ تعالى بُكلِّ جارَحةٍ بالتحريم من جميعِ أفعالِ الدُّنيا، فإنَّ نفسَ اللبثِ من المعتكفِ هو العبادةُ في المكانِ المعدِّ للصَّلاةِ، ولمّا كانَ المسجُد شرِطًا؛ لِأَنهُ مكانُ الصَّلَاةِ لم يُشَترطْ معهُ معنىً آخرَ، وهو مكانَ صَارَ للهِ تعالى وقد ذَكَرْنا أنَّ صلاتهِا في بيتهِا أفضلُ، فلذلكَ كانَ الِاعْتِكَافُ لها في مسجدِ بيتهِا أفضلُ، وإذا اعتكفتْ في مسجِد بيتِها فتلك َالبقُعةُ في حقِّ المسجدِ الجماعةِ في حقِّ الرجلِ (لا يخرجُ منهُ إِلاَّ لِحَاجةِ الإنسانِ) (٢) (٣)، فإنْ حاضتْ خرجتْ، ولا يلزمُها بهِ الاستقبالُ إذا كانَ اعتكافُها شَهرًا أو أكثَر، ولَكنَّها تَصِلُ قضاءَ أيامِ الحيضِ بِطُهْرِهَا، ومسجدُ بيتهِا الموضِعُ الذي تُصلِّي فيهِ الصلواتِ الخمسَ من بيتِها. هذا كُلُّهُ منَ «المَبْسُوط» (٤)، و «الْأَسْرَارِ» (٥). (لا يخرجُ مِنَ المسجدِ إِلاَّ لحِاجةِ الإنسانِ)، ثُمَّ في خُروجهِ لقضاءِ تلكَ الحاجةِ لا يتفاوتُ بينَ أنْ يدخُلَ تحتَ السقفِ أو لا فإنهُ جِائزٌ، وكانَ مالِكٌ ﵀ (٦) يقولُ: إذا خَرجَ لحاجةِ الإنسانِ لا ينبغي أنْ يدخلَ تحتَ سقفٍ، وإن أُواهُ سقفٌ غيرُ سقفِ المسجدِ فسدَ اعتكافُهُ/ وهذا ليسَ بشيءٍ فإنَّ النبيَّ ﵊ كانَ يدخُلُ حجَرَتُه إذا خرجَ لحاجَتِهِ، كذا في المَبْسُوط (٧)، لأنهُ يمكنهُ الِاعْتِكَافُ في الجامعِ فإنَّهُ إذا كانَ اعتكافُهَ دَونَ سبعةِ أيامٍ اعتكفَ في أيِّ مسجدٍ شاءَ، وإنْ كانَ سبعةٌ أو أكثَر اعتكفَ في مسجدِ الجامعِ؛ وذلك لِأَنَّ رُكْنَ الِاعْتِكَافِ هو المقامُ، فالخروجُ ضِدَّهُ فيكونُ مُفْسِدًا لهُ إِلاَّ بقدَرِ ما تحققتْ الضرورةُ فيهِ، ولا ضرورةَ في الخُروجِ للجُمعةِ على ما ذكرنا؛ لأنهُ يمكنُهُ أنْ يعتكفَ في الجامعِ على وجهٍ لا يحتاجُ إلى هذا الخُروجِ، وإنّما احتاجَ إليها بسببِ اختيارِهِ مَسجدًا آخَر فلا يكونُ عَفوًا شَرعًا، كما إذا اختارَ الخَروجَ إلى عِبادَةٍ، أو رَأَى إنسانًا يغَرقُ فأنجاهُ فَسَدَ الِاعْتِكَافُ، وإنْ كانَ ذلك عليهِ فَرْضًا لِأَنها وجبتْ بِعَارضِ وُقوعِ ذلكَ الإنسانِ في الماءِ، وأمّا بهِ غنيمةٌ عنها في أصلِ الوضْع بِخلافِ الخُروجِ إلى الغائِطِ، والبولِ؛ لأَنّهُ لابُدَّ منهُ فكانَ مستثنى بِحُكْمِ الوضْعِ فصارَ كما لو استثنى بالنصِّ لمِا أنَّ الِاعْتِكَافَ لُبْثٌ، والخروجُ ضِدَّهُ فلا يبقى معهُ كالصَّوْم مع الأَكْلِ، ولنا ما رُوِيَ عن عليِّ ﵁ أنهُ قالُ: «المعتكِفُ يخرجُ للغائِطِ، والبولِ، والجُمعةِ» (٨). فجعلَ الخُروجَ إلى الكُلِّ خُروجًا واحداً، ولِأَنَّ الخُروجَ إلى الجُمعةِ مِعْلومٌ وُقُوعُهُ في زَمانِ الاعتكافِ، فصار مستثنىً مِن نَذْرِهِ كالخُروجِ للحاجةِ، وإذا اعتكفَ في الجامعِ رُبَّما كانَ خُروُجهُ أكثَر؛ لِأَنّهُ يحتاجُ في الخُروجِ لحاجةِ الإنسانِ إلى الرُجوعِ إلى بيتهِ، وإذا كانَ بيتُه بعيدًا يزدادُ خُروجُه إذا اعتكفَ في الجامعِ على ما إذا اعتكفَ في مسجدِ حِّيهِ (٩).

стр. 1288

وأمّا قولُه: (أنَّ الخُروجَ للجُمعةِ) يلزمُهُ بسبَب اختيارِهِ بُقْعَةَ أخُرى، فَغَلطٌ (١)؛ لِأَنّا نقولُ: الخروجُ إلى الجُمعةِ مِنْ وَظائِفِ العُمْرِ في كُلِّ إنسانٍ قبلَ أنْ يعتكِفَ؛ لِأَنهُ لابُدَّ لِكُلِّ إنسانٍ مخُاطبٍ مِنَ الخُروجِ إلى المسجدِ الجامعِ شَرْعًا، كما لابُدَّ مِنَ الخُروجِ لقِضَاءِ الحاجةِ طَبعًا، وإنّما سقطَ الخُروجُ إلى الجُمعةِ باختيارِه الجامعَ، والمصيرُ إليهِ قبلَ الوُجوبِ لا أنْ يصيرَ الخروجُ وظيفةً باختيارِهِ البُعدَّ عنْ الجامِعِ فإنهُ على أصلِ سُكْنَاهُ خارجاً عن المسجدِ، فكانَ الخروجُ كانَ عليهِ قبلَ الِاعْتِكَافِ فورَدَ الِاعْتِكَافُ على هذا الأصلِ، فبقى الخروجُ مستثنى فإنْ قِيلَ: إنَّ الجُمعةُ تسقطُ بأعذارٍ كَثيرةٍ مِنَ السفرِ، والرِّقِ، فجازَ أنْ تسقطَ بهذا. قلنا: لا يجوزُ أنْ تسقطَ الجُمعةُ صِيانةً للاعتكافِ؛ لأَنَّ الِاعْتِكَافَ دُونَ الجُمعةِ وُجوبًا لِأَنّهُ واجبٌ بالنذْرِ، وذلكَ بإيجابِ اللهِ تعالى، وما وَجَبَ بإيجابِ اللهِ تعالى ليسَ للعبدِ أنْ يُسقطَهُ بإيجابهِ بنذْرِهِ فإنهُ إذا نذَر صومَ رَجَبَ فصامَ عن الكفارةِ صُحَّ، ولم يتغيرْ حُكْمُ الكفارةِ فيهِ بإيجابهِ، ولم يصير كإيجابِ اللهِ تعالى رمضانَ، كذا في «المَبْسُوط» (٢)، و «الْأَسْرَارِ» (٣). (ولو أقامَ في المسجدِ الجامعِ أكثرَ منْ ذلكَ لا يفسدُ اعتكافُهُ)؛ (٤) لأَنَّ المفسِدَ للاعتكافِ الخروجُ من المسجدِ لا المكْثِ في المسجدِ (٥) (فلا يُتِمُهُ في مسجدينِ منْ غيرِ ضَرورةٍ) (٦)، وإنّما قَيدنا لِضَرورةٍ فإنهُ إذا أتمهُ في مسجدينِ لضرورةٍ جازَ، فإنهُ إذا اعتكفَ في مسجدٍ فانهدمَ فهذا عذرُهُ، (٧) ويخرجُ إلى مسجدٍ آخرَ؛ لأنهُ مضطرٌ في الخروجِ فصارَ عَفوًا، ولِأَنَّ المسجدَ بَعْدَ الانَهدامِ خَرَجَ منْ أنْ يكونَ مُعتكفًا، والمعتكفُ مسجدٌ يصلِّي فيهِ الصلواتِ الخمسِ بالجماعةِ، ولَا يتأتى ذلكَ في المسجدِ المَهدومِ فكانَ عُذرًا في التحُّولِ إلى مسجدٍ آخرَ، كذا في شروح المَبْسُوط (٨)، (ولو خرجَ من المسجدِ ساعةً بغيرِ عُذْرٍ فَسَدَ اعتكافُهُ) (عندَ أبي حنيفةَ ﵀ (٩)، وفي «المَبْسُوط» (١٠): وقولُ أبي حنيفةَ ﵀ أقيسُ (١١)، وقولهُما أوسعُ (١٢) قالا (١٣): اليسيرُ مِنَ الخُروج عَفْوٌ لِدَفْعَ الحرجِ، وإنْ لم يُوجُد فيهِ كثيرُ ضَرورةٍ، فإنهُ إذا خرجَ لحاجةِ الإنسانِ لا يُؤْمَرُ بأنْ يشرعُ المشيَ، ولهُ أنْ يمشَي على التُؤَدَةِ فظهَرَ أنَّ القليلَ منَ الخروجِ عَفْوٌ، والكثيرُ ليسَ بعفْوٍ فجعلنا الحدَّ الفاصِلَ أكثرَ منْ يومٍ وليلةٍ، كما قلنا: في نيةِ الصَّوْم في رمضانَ إذا وُجِدَتْ في أكثِر اليوم جُعِلَتْ كوجودِها في جميعِ اليومِ لِمَا أنَّ الأقلَ تابِعٌ للأكثرِ، وأبو حنيفةَ ﵀ يقولُ: رُكْنُ الِاعْتِكَافِ هو المقامَ في المسجدِ (١٤)، والخروجُ ضِدُّهُ فيكونُ مُفَوِتًا رُكْنُ العبِادَةِ، والقليلُ، والكثيرُ في هذا سواءٌ كالأَكْلِ في الصَّوْم، والحدثِ للطَّهارةِ.

стр. 1289

وذكر في «الذخيرة» (١): هذا كله في الِاعْتِكَافِ الواجبِ بأنْ أوجبَ/ الِاعْتِكَافَ على نفسهِ، وأمّا في الِاعْتِكَافِ النفلِ، وهو أن يَشْرعَ فيهِ منْ غيرِ أنْ يوجَبهُ على نفسه، لِا بأسَ بأن يخرجَ بُعِذْرٍ، وبغيرِ عُذْرِ في ظاهِرِ الرِوايةِ (٢)، فإنَّ اعتكافَ التطوُعِ غيرُ مُقَدَرِ في ظاهرِ الروايةِ على ما ذكرنا؛ لِأَنَّ النبيَّ ﵊ لم يكنْ لهُ مَأَوَى إِلاَّ المسجدَ في غالب أِحوالهِ، لم يتخذْ مَوْضِعًا آخرَ مأوَىَ إِلاَّ المسجدَ، فكانَ أَكْلُهُ متحقِقًا فيهِ حينئذٍ (٣). (ولا بأسَ بأنْ يَبيِعُ، ويُبُتاعُ (٤) مِنْ غيرِ أنْ يُحضِرَ السِّلْعَة) (٥)، أيْ: منْ غيرِ أنْ تحضُرَ المسجدَ السِّلعَةُ (٦) لِما أنَّ الإحضارَ يتعدى إلى مفعولين كقوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (٧)، ثُمَّ هذا الذي ذَكَرهُ منْ إباحَةِ البيعِ والشِّرَى معناهُ: إذا باعَ واشترَى لنفسِهِ حاجَتهُ الأصليْة (٨)؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لابُدَّ منهُ، وأمّا إذا باعَ، واشتَرى للتِّجارةِ يُكْرَهُ (٩)؛ لِأَنَّ المسجدَ بُنيِ للصَّلاة لِا للتِّجارةِ (١٠)، كذا في التجنيسِ (١١)، ويُّدلُ على صحة هذهِ الروايةُ أيضًا، ما ذَكَرهُ في الْكِتَابِ بقولهِ: وُيكُرهُ لغيرِ المعتكِفِ البيعُ، والشِّرى في المسجِدِ (١٢) للحديثِ (١٣) فُعِلمَ بهذا أنَّ إباحةَ البيعِ والشِّرى لِأَجْلِ الضرورةِ، والثابتُ بالضرورةِ يتقدَّرُ بِقَدَرِ الضَرورةِ (١٤)، وهي الشِّرى والبيعُ فيما لابُدَّ منهُ في معاشِهِ دُونَ غيرِه، ولا يتكلمُ إِلاَّ بخيرٍ فإنْ قلتَ: هذا النفيُ، والإثباتُ من المستثنى منهُ، والمستثنى ثابِتٌ في حقِّ كُلِّ مُسلمِ. فما وجهُ تخصيصِهِ بالمعتكِفِ؟ قلنا: كانَ هذا من نظيرِ قولهِ تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (١٥)، وقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ﴾ (١٦) (١٧)، ولفظُ مُخْتَصرُ القُدُوري (١٨) في الحجِّ يقولُ: ويبقى ما نهى اللهُ تعالى عنهُ مِنَ الرفَثِ، والفُسوقِ، والجِدالِ، والظُلم حَرَامٌ في كٌلِّ وَقْتٍ، ومكانٍ، والاتقاءُ مما نهى اللهُ تعالى مِنْ تلكَ الأشياءِ الثلاثةِ المذكورةِ واجِبٌ في كُلِّ وَقْتٍ، ومع ذلك خصَّهُ بالذِّكْرِ في ذلكَ الوقتِ، والمكانُ لِبَيانِ عِظَمِ حُرْمَةِ الظُلمِ في ذلكِ الوقتِ، والمكانُ بالنسبةِ إلى سائرِ الأوقاتِ، والأماكنُ فكانَ معناهُ، ولا يتكلمُ إِلاَّ بخيرٍ في جميع الأوقاتِ خُصوصًا في حالةِ الِاعْتِكَافِ فإنَّ حُرمةَ التَكَلُّمِ بالشِّر فيها أشدُّ بالنسبةِ إلى سائِرِ الأوقاتِ، وُيكْرَهْ لهُ الصمتُ (١٩)، قِيلَ: معنى الصمتِ: أنْ ينذُرَ بأنْ لا يتكلمُ أصلًا كما في شريعةِ مَنْ قَبَلنا، وقِيلَ: إنْ يصمُتُ، ولا يتكلمُ أصلًا منْ غيرِ نَذْرِ سابقٍ، كذا قالهُ الإمامُ بدُر الدَّينِ الكردري (٢٠). لكنَّ تعليلَ الْكِتَاب بقولهِ: لِأَنْ صومَ الصمتَ ليسَ بِقُرْبَةٍ في شريعتِنا (٢١)، وكذلك في «المَبْسُوط» (٢٢) يأتي هذا التأويلُ حيثُ أطلقَ اسمَ الصَّوْم، وهو ينصرفُ إلى الصَّوْم المعَهودِ، وكان معناهُ، وُيكَرهُ أنْ ينويَ الصَّوْم المعهودَ، وهو الإمساكُ عن المفطراتِ الثلاثِ مع زيادةِ نَيةِ أنْ لا يتكلمَ، ويؤيدُ هذا التأويلُ ما ذُكِرَ في الكشَّافِ، والتيسير (٢٣) (٢٤)، فقالَ في الكُشَّاف (٢٥) في قولهِ تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (٢٦): وقِيل: صيِامًا إِلاَّ أنهم كانوا لا يتكلمونَ في صيامِهم، وقد نهى رسولُ اللهِ ﵊ عن صومِ الصمتِ لأنِّهُ نُسِخَ في أمتهِ، وفي التيسير (٢٧) قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾، أي: التزمْتُ صمتًا، وإمْساكًا عن الكلامِ، وقِيلَ: (٢٨) أيْ حقيقةَ صومِ، وكانَ صومُهم فيهِ الصمتُ فكانَ ذِكْرٌه، والتزامُهُ، وكانَ جوازُ ذلك في تلكِ الشريعةِ، وقد نُسِخَ ذلك فينا، وقد وُجِدَتْ رِوايةٌ منصوصةٌ مؤثِرةٌ لِما ذَكَرْتُ من التأويلِ بخطِّ شَيْخِي ﵀ (٢٩) منقولًا عن كشفِ الْأَسْرَار (٣٠) قال: حدثنا مُحَمَّد بنُ قدامةَ الزاهدُ البلخي (٣١) قالَ: حدثنا شجاعُ بنَ مخلدِ البغدادي (٣٢) قالَ: حدثنا زكريا بن [أبي] (٣٣) زائدة (٣٤) قال: حدثنا أبو حنيفة، عن عدي بن ثابت (٣٥)، عن أبي حازم (٣٦)، عن أبي هريرةَ ﵁ قال: «نهى رسولُ اللهِ ﷺ عنِ صومِ الوِصَالِ، وصومِ الصَّمْتِ» (٣٧) قالَ زكريا بنُ [أبي] (٣٨) زائِدُةَ: فقلتُ لأبي حنيفةَ ﵀: ما صَوْمُ الصمْتِ؟ قالَ: أنْ يصومَ ولا يُكِلمَ أحدًا في يومِ الصَّوْم (٣٩)، ويحرمُ على المعتكفِ الوَطْئُ (٤٠)،] ولا يُقالُ: كيفَ يتهيأُ لهَ الوطْئُ، وهو في المسجدِ (٤١) لأنا نقولُ: جازَ للمعتكِفِ الخروجُ للحاجةِ الإنسانيةِ فعندَ ذلك أيضًا يحرُمُ عليهِ الوطئُ حتى يفسدَ اعتكافُهُ لما أنَّ اِسَم المعتكِفِ لا يزولُ عنهُ بُخِروجِهِ ذلك، ورتَّبَ ذلك الحُكْمَ على المعتكفِ.

стр. 1290

(وكذا اللمسُ والقُبلةُ)؛ (١) لأنهُ مِنْ دَواعيهِ فيحُرُم عليهِ إلى آخرِه (٢)، وشرحُ هذا ما ذُكِرَ في «الإيضاح» (٣) فقالَ: فَرْقٌ بينَ هذا وبينِ الصَّوْم فإنْ التِقبيلَ، والمسَّ لا يحرمُ بالصَّوْم، ويحرمُ بالاعتكاف (٤)؛ ِ لِأَنَّ الجِماعَ ليسَ بحرامٍ في بابِ الصَّوْم؛ لِأَنَّ الصَّوْم عَبِادةُ، والكُفُّ عن الجِمَاعِ رُكْنٌ فيهِ، ورُكْنُ العبادةِ/ يجبُ أنْ يكونَ بالكفِّ عن الفعلِ الحلالِ والحُرَمةُ إنما تثُبتَ لِفَواتِ الرَّكْنِ فإذاُ بِقيَ الفِعْلُ حلالًا في نفسهِ، والحُرمَةُ لغيرهِ، وهو ضرورةُ وجُوبِ الكَفِّ عن الجِمَاعِ لم يتعدَّ الحرُمةَ (٥)، إلى القُبلةِ والملُامسةِ إِلاَّ إذا خافَ الوقُوعَ في الجِمَاعِ، وفي بابِ الِاعْتِكَافِ الرُكْنُ هو اللبثَ في المسجِد لا الكفُّ عن الجِمَاعِ، فكان الجِمَاعُ من محظوراتِ اللبثِ، والدليلُ عليهِ: أنْ ثبتَ بالنهي، وموجِبُ النَّهيِ الحرُمةَ فبَعُدَتْ الحُرمةُ إلى التقبيلِ، واللَّمْسِ؛ لأنهُ مِن تَوابِعِ المحظورِ كما في الإحرامِ، وحاصِلُ هذا الكلامُ راجِعٌ إلى ما أشرنا إليهِ في الوافي في فصلِ حُكُمِ الأثر (٦)، والمنهي في ضدِّ ما نُسِبَ إليهِ، وهو أن حُرمةَ الوطئِ أينما تثُبتُ بالنهي تعدَّتْ الحرمَة إلى دَواعيِ الوَطْئ ِ، كحرُمَةِ الوطْئِ في حقِّ المُحرِمِ، والمعتكفِ، ويشتري الجاريةَ فَإنَّ الحرمةَ تثبتُ في هذه المواضعِ بقولهِ تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ (٧)، ويُقال: ولا ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٨)، وقوله ﵊: «أّلاَّ تُوطَأُ الحُبالى حتى يضعْنَ حمَلهُنَّ، ولا الحُبالى حتى يستبرِئْنَ بحيضة» (٩)، وإنما تثبتُ حُرمُة الوْطئِ بالأمرِ لا يتعدَّى الحُرمَة إلى دَواعيهِ، كما في حالةِ الحيضِ، وحالةِ الصَّوْم، فإنَّ الحُرمَة فيهما تثبتُ بقولهِ تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (١٠)، وقالَ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١١) بعدَ ذِكْرِ المفطراتِ الثلاثِ، أي: كُفُّوا عن هذهِ الجُملةِ، ثُمَّ المعنى الدَّاعِي إلى الفرقِ هو أنَّ الحُرمةَ حُكْمٌ خاصٌ للنهي؛ لأنهُ لتحريمِ الفِعْلِ، والمنعُ عنهُ فكانتْ الحُرمةُ مقصودةً فيهِ فبعُدَتْ إلى دواعِيها لِقُوةِ زِيادَةِ الاهتمامِ فيها، وأمّا الحُرمةُ في الأمرِ إنما تثبتُ بسببِ النَّهي الثابتِ في ضِمْنِ الأمْرِ، فكانَ تحققُ تلك الحُرمةِ منْ ضَرورةِ أنْ لا يفوتَ المأموُر بهِ، فلم تكنْ الحُرمةُ فيهِ مقصودةً فلم يتعدَّ إلى دَواعيهِ لانعدامِ زيادةِ القُوةِ في الحُرمةِ (١٢).

стр. 1291

قولُه ﵀: بخلافِ الصَّوْم؛ لِأَنَّ الكَفَّ رُكْنُهُ لا محظورةً، أي: لِأَنَّ الكَفَّ رُكْنُ الصَّوْم لا محَظورَ الصَّوْم، فإنْ قلتَ: في هذا اللفظِ اشتباهٌ فإنهُ إنما ذَكَرَ قولُه: لا محظورةَ للفرقِ بينَ الصَّوْم، وبينَ الِاعْتِكَافِ فحينئذٍ يجبُ أنْ يكونَ الكّفُّ عن الوطْئِ، ودَواعيهِ محظورُ الاعتكافِ (١)، وليسَ كذلكَ، بلْ الوطُئ، ودواعيهِ محظورُ الِاعْتِكَافِ لا الكفَّ عنهُ (٢). قلتُ: معنى قولِه: لِأَنَّ الكفَّ رُكْنَهُ لا محظوَرهُ، أيْ: لِأَنَّ الكَفَّ إنّما وَجَبَ في الصَّوْم لتحقيقِ رُكْنِيَةِ الكفِّ لا للاحترازِ عنهُ المحظورِ بخلافِ الاعتكافِ، فإنَّ وجُوبَ الكّفِّ هناك للاحترازِ عن مَحظورِ الِاعْتِكَافِ لا لتحقيقِ رُكْنِ الاعتكافِ، فإنّ جْامَعَ ليلًا، أو نهارًا عامِدًا أو ناسِيًا بطلَ اعتكافُهُ سواءً أنزل أو لم ينزل (٣)؛ لقولهِ تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٤)، فصارَ الجِمَاعُ بهذا النصِّ محظورُ الِاعْتِكَافِ فكان مُفسدًا له بُكلِ حالٍ كالجِماعِ في الإحرام، وذَكَر ابنُ سمَاعة روايةً عن أصحابِنا (٥): أنهُ إذا كانَ ناسِيًا لا يفسدُ اعتكافُهُ بهِ فإنَّ الِاعْتِكَافَ فَرْعٌ علىِ الصَّوْم، والفرعُ مُلْحَقٌ بهِ الأصلُ في حُكْمِهِ، وإذا أَكَلَ المعتكِفُ نهارًا ناسِيًا شيئًا لم يضْرهُ؛ لِأَنَّ حرُمةَ الأَكْلِ لا حِلَّ الصَّوْم لا لِأَجْلِ الِاعْتِكَافِ حتى اختصَّ بوقْتِ الصَّوْم (٦)، والأَكل ناسِيًا لا يفسِدُ الصَّوْم بخلافِ ما إذا جَامَعَ ناسِيًا فحرمةَ الجِمُاع لِأجْل الِاعْتِكَافِ حتى يدومَ الليلُ، والنهارُ جميعًا، وقد بيّنا أنّ ما كانتْ حرمتُه لِأَجلِ الِاعْتِكَافِ يستوي فيهِ الناسِي، والعامِدُ بالقياسِ على الإحرامِ، ومعنى الفرقِ أنهُ متى اقترن بحالهِ ما يذكُرَه لا يُبلى بالنسيان فيه عادةً، وإذا لم يقترنْ بحالهِ ما يذكُرُهُ يُبتلى فيهِ بالنسيانِ عادةً فيُعذَرُ لِأَجْلِهِ ففي الإحرامِ هيئةُ المحرمينِ مُذَكِرَةً لهُ وفي الِاعْتِكَافِ كونُهُ في المسجدِ مُذَكِرٌ لهُ وأمّا في الصَّوْم فلم يقترنْ بحالهِ ما يُذَكِرَهُ؛ لأنّهُ غيرُ ممنوعٍ عن التصُّرفِ في الطَّعامِ في حالةِ الصَّوْم ألا ترى أنّ في الأَكْلِ في الصَّلَاةِ سوِى بينَ النسيانِ، والعَمْد؛ لأنهُ اقترنَ بحالةٍ ما يُذَكِرَهُ، وفي السلامِ فصلٌ بينَ النسيانِ، والعمْدِ؛ لِأَنَّهُ من جنسِ أذكار الصَّلَاةِ، كذا في «المَبْسُوط» (٧). (ولو جامعَ فيما دُونَ الفَرْجِ فأنزلَ أو قَبَّلَ أو لَمَسَ يَبْطُلُ اعَتكافُهُ) (٨).

стр. 1292

قولهُ ﵀: فأنزلَ مَشرُوطٌ في التقبِيلِ (١)، واللَّمسِ أيضًا في حقِّ بُطلانِ الاعتكافِ، وإنْ كانَ ظاهِرَ اللفظِ لا يقتضيهِ حيثُ أطلقهما عن ذلكَ/ الشرطِ، فكانَ هذا نظيرُ أنهُ الظِّهارُ منْ حيثُ الظاهِرُ على أصلنِا في أنَّ المُطلقَ غيرُ محُمولٍ على المقيدِ (٢)، وإنْ كانَ في حادثةٍ واحدةٍ، ولكنَّ الرِوايةَ منصوصةٌ في فتاوى الإمامِ الولوالجي ﵀ (٣): على أنَّ الإنزالَ شَرْطٌ في التقبيلِ، واللَّمْسِ لإفسادِ الاعتكافِ، فقالَ: إنّ التقبيلَ، واللَّمْسِ بِدُونِ الإنزالِ لا يُفسِدُ الاعتكافَ (٤) (٥)، ولكنهُ حَرَامُ؛ لِأَنَّهُ إذا اتصلَ بهِ الإنزالُ حُرِّمَ؛ لِأَنَّ الجِمَاعَ مَحظورٌ اعتكافُهُ فما هو مِن تَوابِعِهِ يَكونُ محَظورًا أيضًا بخلافِ الصَّوْم؛ لأَنَّ الجَمِاعَ ليسَ بمحظورِ الصَّوْم، بل هو نقيضٌ؛ لِأَنَّ الرُكْنَ هو الكفُّ عن قضاءِ الشهوتين، وهذا الركنُ لا يفوتَ باللمسِ، والتقبيلِ، وإنما يفوتُ بالجِمَاعِ، ولو لم يُنزلْ لا يَفْسُدُ، وإنْ كانُ محُرِمًا؛ لأنهُ ليسَ في معنى الجِمَاعِ، ويُقالُ: لأنهُ ليسَ في معنى الجِمَاعِ دليلٌ؛ لِقولِه: لا تفسدُ لا لِقولِه: وإنْ كانَ محُرِمًا؛ لِأَنَّ كونَهُ ليسَ في معنى الجِمَاعِ لا يصلحُ لإثباتِ الفَرْقِ في أنّ ذلكَ الفِعْلَ مُحرَّمٌ في الاعتكافِ، وغيرُ محُرُّمٍ في الصَّوْم، ولكنْ يصلحُ دليلًا لإثباتِ التسويةِ في عَدَمِ إفسادِ الِاعْتِكَافِ والصَّوْم، ولِأَنَّ معنى الفرقِ بينَ كونِهِ محُرِمًا هنا، وغير مُحرِمٍ في الصَّوْم قد ذكرناه مرتين فتذكَّرْ فإنْ قِيلَ: هلا جعلتَ نفسَ المُباشَرةِ (٦) مُفِسدَةٌ من غيرِ إنزالٍ بظاهرِ قولهِ تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ (٧)، وتلكَ تتحققُ في الجِمَاعِ دونَ الفرجِ قلنا: لِأَنَّ مجازَها، وهو الجَمِاعُ قرارٌ فيبطلُ أنْ تكونَ الحقيقةُ مُرادُهُ (٨)؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ مُعتَبُرُ بالصَّوْم فيهاِ، ونفسُ المباشرةِ لا يفسدُ الصَّوْم كذا هنا (٩)، كذا ذُكِرَ السؤالُ، والجوابُ في «الْأَسْرَارِ» (١٠) ومَنْ أوجبَ على نفسهِ اعتكافَ أيامٍ لَزِمَهُ اعتاكفُها بلياليها (١١) بأنْ قالَ: للهِ عليّ أنْ أعتكفَ ثلاثينَ يومًا، وكذلك لو قالَ: للهِ عليَّ أنْ أعتكفَ شهرًا، ولم ينوِ شهرًا بعينهِ فهو مُتتابِعٌ عليه ليلًا، ونهارًا يفِتتحُهُ متى شاءَ (١٢)، وإنْ فَرَّقَهُ استقبلهُ، وقالَ زُفَر: هو بالخِيارِ إنْ شاءَ تابعَ، وإنْ شاءَ فَرّقَ (١٣)؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ فَرْعٌ على الصَّوْم فإنْ قالَ: لا أصلَ لهُ في الفرائضِ لا يَصِحُّ التزامُهُ بالنذْرِ، ولا أصلَ للاعتكافِ في الفرائضِ سوِى الصَّوْم، ثُمَّ التتابعُ في الصَّوْم لا يجبُ بمَطَلقِ النذْرِ، فكذلكَ في الاعتكافِ، ولنا أنَّ الِاعْتِكَافَ يدومُ الليلَ، والنهارَ جَميعًا فمُطلقُ ذِكْرِ الشَّهرِ، والأيامِ فيهِ يكونُ مُتتابعًا، كاليمينِ إذا حَلَفَ لا يُكُلِمُ فُلانًا شَهرًا أو عَشَرة أيام والآجالُ، والإجاراتُ بخلافِ الصَّوْم فإنهُ لا يدوُم الليلُ، والنهارُ، كذا في شروح «المَبْسُوط» (١٤).

стр. 1293

قلتُ: وحاصِلُ هذا أنَّ اعتكافَ الأيامِ مُنكرًا يُلحَقَ بالإجاراتِ والأيمانِ في شَرْطِ التتابُعِ، ويلحقُ بالصَّوْم في حقِّ عَدَمِ الاتصالِ بالوقتِ الذي نَذَرَ فيهِ بلْ لهُ أنْ يُعِّينَ أيَّ أيامٍ شاءَ، وأيَّ شَهْرٍ شاءَ؛ لِأَنهُ التزمَ أيامًا مُنكرةً فلا يتعينُ إِلاَّ بالتعيينِ، فإنْ قلتَ: ما ذُكِرَ في أصلِ المسألةِ، وهو قولُهُ: ولو أَوُجَبَ على نفسهِ اعتكافَ أيامٍ لزم اعتكفَها بلياليها (١)، مُشْكِلٌ على ما ذُكِرَ في أصولِ الفقه (٢): أنَّ اليومَ إذا قَرِنَ بفعلٍ ممتدٍ يُرادُ بياضُ النَّهارِ خاصةً كما في قولهِ: أَمرُكَ بيدِكَ يوَم يَقْدُمِ فلانٌ، ثُمَّ هاهنا الِاعْتِكَافُ فِعْلٌ ممُتدٌ يجبُ أنْ يُرادَ بالأيامِ النهارُ دُونَ الليالي، وعندَ الإطلاقِ عليهما يكونُ اليومُ بمعنى الوقتِ مع أنَّ الفعلَ المقرونَ بهِ ممتدُ، وهو خِلافُ رِوايةِ أُصولِ الفقهِ. قلتُ: سقوطُ اختصاصِ بياضِ النهارِ مُنفردًا، قلنا: إنما يشاءُ يذكرُ الأياَم بلفظِ الجمعِ، وهي متناولُةُ ما بإزائِها مِنَ الليالي لا أنْ يكونُ اسمُ اليومِ مُنطلقًا على الوقتِ بخلافِ مسألةِ الأمرِ باليدِ فإنَّ اليوَم هُناكَ مذكورً بلفظِ الفردِ فوزان تلكَ المسألةِ أنْ يُوجِبَ على نفسهِ هاهنا بلفظِ اليومِ بأنْ قالَ: للهِ عليَّ أنْ أعتكفَ يَومًا حيثُ يختصُّ ذلكَ ببياضِ النهارِ دُونَ الليلِ، والمسألةُ في «التحفة» (٣)، وفي الْكِتَابِ أيضًا إشارةٌ إليه بعدَ هذا، وأمّا لو نَوَى أيامًا مُعينةٍ أو شَهرًا مُعينًا يجبُ عليهِ اعتكافُ تلكَ الأيامِ، وذلك الشهرِ، ولو تَرَكَ اعتكافَ يومٍ يجبُ عليهِ باقِي الشهرِ، ويقضي يومًا، ولا يلزمهُ الاستقبالُ؛ لِأَنَّ التتابعَ ثبتَ لِتَجاوُزِ الأيامِ لا بالنذرِ، كذا في «التحفة» (٤)، وإنْ نَوَى الأيامَ خاصةً صحتْ نيتُهُ (٥)؛ لِأَنَّ حقيقةَ اليومِ لِبيَاضِ النَّهارِ (٦)، فكانَ نَاويًا بالحقيقةِ، كلامه فيصِحَّ، وهذا بخلافِ ما لو أوجبَ على نفسهِ اعتكافَ شهرِ بغيرِ عينهِ، فَنَوىَ الأيامَ دَونَ الليالي أو الليالي/ دُونَ الأيامِ لا تَصِحُّ لمِا أنَّ الشهُر اسمٌ لِعَدَدِ ثلاثينَ يومًا، وثلاثينَ ليلةً، أو تسعَةَ وعشرينَ يومًا وليلةً، وليسَ باسمٍ عامٍ، واسُم العددِ لنا على ما دُونَ ذلك العددِ أصلٌ كاسمِ العَشْرةِ لا ينطلقُ على الخمسةِ لِا حقيقةً، ولا مجازًا، أمّا العددُ فيحْتَمِلُ الاستثناءَ، فلذلك صَحَّ أنْ يُوجِبَ على نفسهِ اعتكافَ شهرٍ إِلاَّ الأيامَ أو إِلاَّ الليالَي؛ لأَنَّ الاستثناَء تَكَلَمَ بالباقي بعدِ الشتاءِ، فصارَ كأنهُ قالَ: لله عليَّ أنْ اعتكفَ ثلاثينَ نهارًا، لكنْ عنَد استثناءِ الأيامِ لا يجبُ عليه شيءٌ، كما إذا أوجبَ عليهِ اعتكافُ ثلاثينَ ليلةً، ونوى الليلَ دونُ النهارِ تصدَّقَ (٧)، ولا يَصِحَّ الِاعْتِكَافُ لِعَدَمِ وقتِ الصَّوْم (٨)، كذا في مبسوط فَخْرُ الْإِسْلَام، و «التحفة» (٩).

стр. 1294

ومَنْ أَوْجَبَ اعتكافَ يومين يلزمُه بليليتهما حتى إذا اعتكفَ يجبُ عليهِ أنْ يدخُلَ المسجدَ قبلَ غُروبِ الشمسِ، فأقامَ فيهِ ليلةً، ويومَها، والليلةَ الأُخرى، ويومَها إلى أنْ تغربَ الشمسُ، وكذلك هذا في الأيامِ الكثيرةِ، وإذا ذَكَرَ ثلاثةَ أيامٍ أو أكثَر، فالجوابُ في قولهم جميعًا على ما ذُكِرَ قَبلَ هذا (١). قولُه (٢): (وقالَ أبْو يوسفَ ﵀: لا تدخلُ الليلةُ الأَولى) (٣)، قلتُ: كانَ مِن حقِّهِ أنْ يُقالَ: وعن أبي يوسفَ كما هو المذكوُر بلفظٍ عن نسخ شروح «المَبْسُوط»، و «الجامع الكبير» (٤) لما أنَ هذه الروايةَ غيرُ ظاهرٍة عنهُ، والدليلُ على هذا ما ذَكَرَ في الْكِتَابِ حجتهما بقولهِ: وجهُ الظاهِرِ، وهو الأوفَقُ لمذهبِهِ أيضًا؛ لِأَنَّ المثنى غيرُ الجَمْعِ (٥)، فلما كانَ غيرُ الجمعِ كانَ لفظُ المثنى، ولفظُ الفردِ سواءً، ثُمَّ في لفظِ الفردِ بأنْ قالَ: للهَ عليَّ أنْ أعتكفَ يومًا لا يدخلُ ليلتهَ بالاتفاقِ (٦)،] فكذا في التثنية (٧)، إِلاَّ أنَّ الليلةَ المتوسطةَ تدخلُ لِضَروُرةِ اتصالِ بعضِ الأجزاءِ بالبعضِ، وهذهِ الضرورةُ لا تُوجدُ في الليلةِ الأُولى (٨)، ووجهُ ظاهِر الرِوايةِ (٩) أنّ المثنى معنى الجَمْعِ، قالَ ﵊: «الاثنانِ فما فوقَهما جُماعْةُ» (١٠) فكانَ هذا، والمذكور بلفظِ الجمعِ سواء، ألا ترى أنهُ لو قالَ: ليلتين صحُّ نذرُهُ بخلافِ ما لو قالَ: ليلةً واحدةً. كذا في «المَبْسُوط» (١١)، قلت: قولُه في «المَبْسُوط» (١٢): لو قال: ليلتين صحَّ نذرُهُ، أيْ: إذا لم ينو الليلتين خاصةً، بل نَوى اليومين مع الليلتين، فأمّا إذا نوى الليلتين خاصةً لا يَصِحَّ نَذرُهُ، وَقدْ ذكرنا، فإنْ قلتَ: كيفُ تركَ علماؤُنا الثلاثةُ (١٣) أصلُّهم في هذهِ المسألةِ حيثُ أَلحقَ أبو يوسفَ التثنيةَ بالفردِ هنا، وهما ألحقَاهَا بالجَمْعِ، وهذا عكسُ مذهِبهم بعينهِ في مسألةِ الجُمعةِ، فكانُ هذا منهم تناقضًا.

стр. 1295

قلتُ: إنما تركوا بدليلٍ لَاَحَ لهم في الموضعين، والعملُ بالدليلِ في كُلِّ موضعٍ على ما يليقُ بذلك الموضع لا يكونُ تناقضًا، وقد ذكرنا مثل هذا في بابِ الإمامةِ في مسألةِ إمامةِ المتيممِ للمتوضئين أما الوجُه لهما فظاهِرٌ، وهو العملُ بالاحتياطِ في الموضعين جميعًا. أمّا في الجٌمعةِ فالجَماعةُ شَرْطٌ على حِدَةٍ بالاتفاقِ، وفي إقامةِ التثنية مقامَ الجَمعِ نَوْعُ تُرددٍ لتجاذبُ طُرُقِ الفردِ، والجمعُ؛ إذ هي بينهما، وفي الاكتفاءِ بالفرضِ الأصلي، وهو الظُهرُ خُروجٌ عن فرضِ الوقتِ يتعينُ فيما إذا استجمعْتَ شرائطَ الجُمعةِ خصُوصًا فيما إذا وقَعَ الترددُ في وجُودِ شرطِها، فكانَ في توقيفِ أمرِ الجمُعةِ إلى وجُودِ الجِمَاعةِ يتعينُ عملُ بالاحتياطِ؛ لِأَنَّ مَنْ وقَفَ أمُر الجمُعةِ إلى الجُماعِة تعَّينَ يصُلَّي فرضَ الظَّهرِ عندَ وقُوعِ التَرُددِ في وُجودِ الجماعةِ، وفيه خروجٌ عن عُهدةِ فرضِ الوقتِ بتعينٍ، فكانَ عملًا بالاحتياطِ، وأمّا وجَه الاحتياطِ هنا فظاهِرٌ؛ لِأَنَّ فيهِ إيجابُ اليومين مع الليلتين، فكانَ هو أحوطَ من إيجابِ يومين بليلةِ، وإلى هذا أشارَ في الْكِتَابِ بقولهِ: احتياطًا لأَمرِ العبادةِ (١). وأمّا أبو يِوسفَ ﵀ فيقول: كانَ من حقِّ حُكْمِ التثنيةِ أنْ يغُايِرَ حُكْمَ الجَمْعِ في كُلِّ موضعٍ؛ لأنَّ فيهِ عَملًا بالأَوَضاعِ، وهي وحدان، وتثنية، وجمعٌ إِلاَّ أني قدْ وَجَبَ في الجُمعةِ أنْ يكونَ حُكْمُ التثنيةِ كَحُكُمِ الجَمْعِ، وهو مخصوصٌ بذلكَ الموضعِ لا في غيرهِ لما أنّ في التثنيةِ معنى الاجتماعِ، وفي الجَماعِة، والجُمعةِ معنى الاجتماعِ أيضًا، فكانتْ التثنيةُ في تحقيقِ معنى الاجتماعِ كالجمعِ، فكانتْ جمَاعةً لما أنَّ الجُمعةَ إنمّا سُميتْ جمعةٌ لِوُجودِ الاجتماعِ، وقد وُجِدَ هو في التثنيةِ، وأمّا في غيرِها لم يُوجْد شيءٌ يدلَّ على الاجتماعِ، فكانَ العملَ بحُقيقةِ الأوضاعِ أولى، واللهُ أعلمُ بالصواب (٢).

стр. 1296

كِتَابُ الحَجِّ قَفّى الصوم بالحجِّ؛ لأن كلا منهما عبادة هجران عن المألوف، في الصوم هجران عن المألوف النفساني الداخلي (١)، ونفسه شيء داخلي ومركب فيه. الحجّ هجران عن الأهل والوطن، وهما شيئان خارجان، فكان [أن يُقدّم] (٢) ما هو أكثر لصوقًا به أَولى، وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٣)، أو لأن النفس عدولله تعالى، فكان في الصوم طاعة الله تعالى وقهر عدوّه، وفي الحجّ طاعة مجرّدة، فكان تقديم الشيء الذي هو مشتمل على خصلتين محمودتين أولى من تقديم شيء هو مشتمل على (٤) خصلة فذّة. (٥)

стр. 1297

سبب تقديم الحج على النكاح وأما تقديم الحجّ على النكاح وغيره، فظاهر لما أن الحجّ من الأركان الخمسة في الدِّين والنكاح من المعاملات، ثُمَّ لمّا كانت هذه العبادة أشقّ العبادات كان فيها فوائد مُحرَّضةً (١) على الإتيان بها، فمنها: أنها سميت بالحجّ الذي هوالقصد، فإنه عمل القلب؛ ليكون إشارة إلى شرف هذه العبادة، لما أن شرف العمل يزداد بشرف العامل، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (٢) في حق أزواج النبي ﷺ . فالقلب رئيس الأعضاء، فكذلك عمله رئيس الأعمال، وهذا لأن الحجّ نموذج المحشر؛ لما أنهم يحشرون في العَرَصَات (٣) حُفاًة (٤) عُراةً (٥) بُهمًا (٦). ترك الزينة في الحج مزايلي (٧) [دَعَة] (٨) الزينة مجانبي راحته الأنس (٩) والسكينة، فكما أن أشرف حالات المرء أن يكون مؤمنًا في العَرَصَاتِ، فكذا أشرف أحواله أن يكون محرمًا في عرفات.

стр. 1298

ومنها توطين النفس على فراق الأهل والولد إذ لابدّ من مفارقتهم، فلو فارقهم فجأة (١) بالكلية يلزم الباقين منه أمر عظيم عند صدمة الفراق. من فوائد الحج ترك الشح ومنها نزع مادة الشحّ (٢) عن صدره، فإن الشحيح هو الذي يشح على نفسه أولاً، فإذا خرج إلى هذا السفر لا يمكنه أن يبخل على نفسه لخوف التلف، فيعتاد الجود على نفسه، فيتعدّى عادته حينئذٍ منه إلى غيره، فينال محمدة (٣) الأسخياء. ومن فوائد الحج التوكل على الله ومنها: اعتياد التوكل؛ إذ لا يمكنه أن يحمل مع (٤) نفسه جميع ما يحتاج إليه، فلا بد من التوكل في نفسه، وفيما في يده؛ لأن المسافر على قَلَتٍ (٥) إلا ما وقى (٦) الله تعالى، وكذلك فيما لم يحمل مع نفسه؛ لأنه لا محافظة بنفسه لمفارقته، فلا بد من التوكل فيه، ثُمَّ يتعدى عادة توكله منه إلى غيره، فينال درجة المتوكلين وفوائد أُخر. ثُمَّ يحتاج هاهنا إلى بيان تفسير الحجّ لغةً، وشرعاً، وبيان صفته، وسببه، وشرطه، وركنه، وواجباته، [وسننه، ومحظوراته] (٧). تعريف الحج لغة أما تفسيره لغة: فهو عبارة عن القصد، ومنه قول المُخَبَّل السعدي (٨):

стр. 1299

يحجُّون سِبَّ الزِّبْرَقَانِ (١) المُزَعْفَرا (٢) أي: يقصدون له معظمين إياه. تعريف الحج شرعا وأما تفسيره شرعًا: فهوعبارة عن (٣) زيارة البيت على وجه التعظيم لأداء ركن الدين (عظيم)، ولا يتوسّل (٤) إلى ذلك إلا بقصدٍ وعزيمةٍ وقطعِ مسافة بعيدة، فالاسم شرعي فيه معنى اللغة. صفة الحج وحكمه وأما صفته: فإنه فريضة ثبتت (٥) فرضيتها بالكتاب والسنة والإجماع (٦) أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٧) الآية، قال في «الكشاف (٨)» (٩): (في هذا الكلام أنواع من التأكيد والتشديد، منها: قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (١٠)، يعني أنه حق واجب لله في رقاب الناس لا ينفكُّون عن أدائه، والخروج عن عهدته، ومنها: أنه ذكر النَّاس، ثُمَّ أبدل عنه ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١١)،

стр. 1300

وفيه ضربان من التأكيد: أحدهما: أن الإبدال تثنية للمراد وتكرير له. والثاني: أن الإيضاح بعد الإبهام، والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين. ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ مكان قوله (ومن لم يحج) تغليظًا على تارك الحجّ، ولذلك قال ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إن شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّ» (١). ومنها: ذكر الاستغناء عنه، وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان، ومنها قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ … فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، ولم يقل عنه، وفيه من الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان؛ لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة، ولأنه يدل على الاستغناء الكامل، فكان أدل على عظم السخط. دليل الحج من السنة وأما السنة: فهي ما ذكرنا في (٣) الحديث وقوله ﷺ : «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» (٤) فمنها الحجّ والإجماع (٥) منعقد على فرضيته من [غير] (٦) نكير (٧).
следующие страницы →