← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

كِتَابُ الحَجِّ قَفّى الصوم بالحجِّ؛ لأن كلا منهما عبادة هجران عن المألوف، في الصوم هجران عن المألوف النفساني الداخلي (١)، ونفسه شيء داخلي ومركب فيه. الحجّ هجران عن الأهل والوطن، وهما شيئان خارجان، فكان [أن يُقدّم] (٢) ما هو أكثر لصوقًا به أَولى، وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٣)، أو لأن النفس عدولله تعالى، فكان في الصوم طاعة الله تعالى وقهر عدوّه، وفي الحجّ طاعة مجرّدة، فكان تقديم الشيء الذي هو مشتمل على خصلتين محمودتين أولى من تقديم شيء هو مشتمل على (٤) خصلة فذّة. (٥)

стр. 1297

سبب تقديم الحج على النكاح وأما تقديم الحجّ على النكاح وغيره، فظاهر لما أن الحجّ من الأركان الخمسة في الدِّين والنكاح من المعاملات، ثُمَّ لمّا كانت هذه العبادة أشقّ العبادات كان فيها فوائد مُحرَّضةً (١) على الإتيان بها، فمنها: أنها سميت بالحجّ الذي هوالقصد، فإنه عمل القلب؛ ليكون إشارة إلى شرف هذه العبادة، لما أن شرف العمل يزداد بشرف العامل، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (٢) في حق أزواج النبي ﷺ . فالقلب رئيس الأعضاء، فكذلك عمله رئيس الأعمال، وهذا لأن الحجّ نموذج المحشر؛ لما أنهم يحشرون في العَرَصَات (٣) حُفاًة (٤) عُراةً (٥) بُهمًا (٦). ترك الزينة في الحج مزايلي (٧) [دَعَة] (٨) الزينة مجانبي راحته الأنس (٩) والسكينة، فكما أن أشرف حالات المرء أن يكون مؤمنًا في العَرَصَاتِ، فكذا أشرف أحواله أن يكون محرمًا في عرفات.

стр. 1298

ومنها توطين النفس على فراق الأهل والولد إذ لابدّ من مفارقتهم، فلو فارقهم فجأة (١) بالكلية يلزم الباقين منه أمر عظيم عند صدمة الفراق. من فوائد الحج ترك الشح ومنها نزع مادة الشحّ (٢) عن صدره، فإن الشحيح هو الذي يشح على نفسه أولاً، فإذا خرج إلى هذا السفر لا يمكنه أن يبخل على نفسه لخوف التلف، فيعتاد الجود على نفسه، فيتعدّى عادته حينئذٍ منه إلى غيره، فينال محمدة (٣) الأسخياء. ومن فوائد الحج التوكل على الله ومنها: اعتياد التوكل؛ إذ لا يمكنه أن يحمل مع (٤) نفسه جميع ما يحتاج إليه، فلا بد من التوكل في نفسه، وفيما في يده؛ لأن المسافر على قَلَتٍ (٥) إلا ما وقى (٦) الله تعالى، وكذلك فيما لم يحمل مع نفسه؛ لأنه لا محافظة بنفسه لمفارقته، فلا بد من التوكل فيه، ثُمَّ يتعدى عادة توكله منه إلى غيره، فينال درجة المتوكلين وفوائد أُخر. ثُمَّ يحتاج هاهنا إلى بيان تفسير الحجّ لغةً، وشرعاً، وبيان صفته، وسببه، وشرطه، وركنه، وواجباته، [وسننه، ومحظوراته] (٧). تعريف الحج لغة أما تفسيره لغة: فهو عبارة عن القصد، ومنه قول المُخَبَّل السعدي (٨):

стр. 1299

يحجُّون سِبَّ الزِّبْرَقَانِ (١) المُزَعْفَرا (٢) أي: يقصدون له معظمين إياه. تعريف الحج شرعا وأما تفسيره شرعًا: فهوعبارة عن (٣) زيارة البيت على وجه التعظيم لأداء ركن الدين (عظيم)، ولا يتوسّل (٤) إلى ذلك إلا بقصدٍ وعزيمةٍ وقطعِ مسافة بعيدة، فالاسم شرعي فيه معنى اللغة. صفة الحج وحكمه وأما صفته: فإنه فريضة ثبتت (٥) فرضيتها بالكتاب والسنة والإجماع (٦) أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٧) الآية، قال في «الكشاف (٨)» (٩): (في هذا الكلام أنواع من التأكيد والتشديد، منها: قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (١٠)، يعني أنه حق واجب لله في رقاب الناس لا ينفكُّون عن أدائه، والخروج عن عهدته، ومنها: أنه ذكر النَّاس، ثُمَّ أبدل عنه ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١١)،

стр. 1300

وفيه ضربان من التأكيد: أحدهما: أن الإبدال تثنية للمراد وتكرير له. والثاني: أن الإيضاح بعد الإبهام، والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين. ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ مكان قوله (ومن لم يحج) تغليظًا على تارك الحجّ، ولذلك قال ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إن شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّ» (١). ومنها: ذكر الاستغناء عنه، وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان، ومنها قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ … فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، ولم يقل عنه، وفيه من الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان؛ لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة، ولأنه يدل على الاستغناء الكامل، فكان أدل على عظم السخط. دليل الحج من السنة وأما السنة: فهي ما ذكرنا في (٣) الحديث وقوله ﷺ : «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» (٤) فمنها الحجّ والإجماع (٥) منعقد على فرضيته من [غير] (٦) نكير (٧).

стр. 1301

سبب الحج وشرطه وأما سببه: فالبيت؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (١) فالأحكام تضاف إلى أسبابها وهو الأصل لما عُرف، ولهذا لا يجب في العُمرِ إلا مرةً واحدةً (٢)؛ لأن سببه -وهو البيت - غير متكرر. شروط الحج وأما شرطه فنوعان: شرائط الأداء، وشرائط الوجوب، فشرائط أدائه ثلاثة: الإحرام، والمكان وهو: البقعة المعظمة، والزمان وهو: أشهر الحجّ، فلا يجوز شيء من أفعالها نحو: الطواف والسعي قبل أشهر الحجّ، ويفوت الحجّ بانقضاء الأشهر. وشرائط وجوبه خمس: الاستطاعةُ، والحريةُ (٣)، والعقلُ (٤)، والبلوغُ (٥)، والوقتُ حتى لا يجب قبل أشهر الحجّ. أركان الحجّ وأما ركنه: فشيئان: الوقوفُ بعرفة (٦)، وطوافُ الزيارة،

стр. 1302

ولكن الوقوف أقوى من الطواف، بدليل أنه يفسد الحجّ بالجماع قبلَ الوقوفِ [بعرفة] (١)، ولا يفسدُ بالجماع (٢) قبل الطواف. واجبات الحج وأما واجباته: فخمس: الوقوفُ بمزدلفة (٣)، والسعيُ بين الصفا والمروة (٤)، ورمي الجمار، والحلقُ، وطواف الصدر للآفاقي (٥). سنن الحج وأما سننهُ: فأربع: طوافُ القدومِ (٦)، والرملُ (٧) في الطوافِ، والسعي بين الميلين الأخضرين سعيًا (٨)، والبيتوتةبمنى (٩) في أيام الرميِ.

стр. 1303

محظورات الحج وأما محظوراته فنوعان: أحدهما ما يفعله في نفسه؛ وذلك ست: الجماعُ، والحلقُ، وقلمُ الأظفارِ، والتطيب، وتغطيةُ الرأسِ والوجهِ، ولبس المخيطِ. والثاني: ما يفعل في غيره وهو التعرض للصيد في الحل والحرم، وقطع شجر الحرم. كذا في «الجامع الصغير» (١) لقاضي خان (٢)، و «التحفة» (٣) وغيرهما. قوله ﵀: (الحجُّ وَاجِبٌ عَلَى الْأَحْرَارِ الْبَالِغين) (٤). فجواب ذِكرِ الوجوب هاهُنا كجواب ذِكرِ الوجوب في قوله: (الزكاة واجبة) (٥)، وقد مرَّ في بابه (٦)، فإن قلتَ: ما فائدة الجمع هاهنا بقوله: (على الْأَحْرَار الْبَالِغين الْعُقَلَاء) (٧) مع أن حرف التعريف يُبطل معنى الجمعية لما عُرِف، ولم يُفرِد كما أفرد في الزكاة بقوله: (الزكاةُ واجبةٌ على الحرِ البالغِ العاقلِ) (٨)، [قلتُ] (٩) نعم كذلك إلا أنه قد يُلمَح جانب الجمعية؛ أيضاً في مواضع من الإثبات كما في الإقرار (١٠)، والخلع (١١)، والوصية (١٢) في قوله لفلان: عليَّ من الدراهم؛ وقولها: خالعني على ما في يدي من الدراهم وقوله: أوصيت بثلث مالي للفقراء، فلما كان كذلك فقد أُخرج الكلام هنا مخرج العادة في إرادة الجمعية، فإن العادة جرت فيما بين الحاجّ وقت خروجهم إلى بيت الله بالجماعة الكثيرة، والطائفة الغزيرة من الرفقاء بخلاف الزكاة، فإن الإخفاء خير من الإبداء، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١٣)، أو لأن الوجوب هاهنا أعمّ على المكلف نظراً إلى السبب، فإن سببية البيت في الحجّ ثابتة في حق الكل حتى قال بعض العلماء: بالوجوب على كل صحيح مكتسِب بخلاف الزكاة، فإن سببها النصاب النامي، وهو يتحقق في حق شخصٍ دون شخص، فكانت إرادة زيادة التعميم هاهنا أوفق، فلذلك أتى بصيغة الجمع مع حرف الاستغراق.

стр. 1304

(إِذا قدرُوا على الزَّاد (١) وَالرَّاحِلَة (٢) (٣). أي: إذا قدروا عليهما بطريق الملك أو الاستئجار، لا بطريق الإباحة (٤) والعارية، فإنه ذكر في «التحفة» (٥): لا يجب الحجّ عندنا بوجود الزاد والراحلة بطريق الإباحة سواء كانت الإباحة من جهة مَن لا مِنة له (٦) عليه: كالوالدين والمولودين، أو من جهة من عليه المِنّة كالأجانب. وقال الشافعي (٧) ﵀: إن كانت من جهة مَن لا منة (٨) له عليه يجب الحجّ عليه"، وإن كانت من جهة الأجنبي، فله فيه قولان (٩)؛ وأمّا إذا وهَبَه إنسانٌ مالاً يحج به (١٠) لا يجب عليه القبول عندنا. وعنده يجب في قولٍ، وفي قولٍ: لا يجب، وأصله أن القدرة بالملك هو الأصل في توجه الخطاب.

стр. 1305

(فَاضلاً عَن الْمسكن وَمَا لَا بُد مِنْهُ وَعَن نَفَقَة عِيَاله) (١). وانتصاب فاضلًا على الحال من الزاد والراحلة، كان (٢) من حقه أن يقال: فاضلين، لكن أفرده على تأويل كل واحدٍ منهما. ومعني الكلام إذا قدروا على الزاد والراحلة بطريق الملك أو الاستئجار، وعلى وجه يفضُل قدرُ ذلك الملك والاستئجار عن حاجته الأصلية، فإن المال المشغول بالحاجة الأصلية ملحق بالعدم، فلا يكون به مستطيعًا. وفي «الإيضاح (٣)» (٤). وذكر ابن شجاع (٥): إذا كانت له دار لا يسكنها وعبد لا يستخدمه، وما أشبه ذلك يجب عليه أن يبيعه، ويحج به، ويحرم عليه الزكاة إذا بلغ نصابًا؛ لأنه فاضلٌ عن حاجته، فتحصل الاستطاعة به، فأما المشغول بالحاجة فله حكم العدم، فإن أمكنه بيع منزله وأن يشتري بثُمَّنه داراً أدون (٦) منه، ويحج بالفضل (٧) لم يجب عليه ذلك، وإن أخذ به فهو أفضل؛ لأنه إذا كان مشغولاً بالحاجة صار كالعدم ولم يُعتبر/ في الحاجة قدر ما لابد منه. ب/ ٢٣٥ ألا ترى أنه لا يجب عليه بيع المنزل والاقتصار على السكنى (٨). شروط الحج عند قاضي خان وذكر في «فتاوى قاضي خان» (٩): (ومن الشرائط (١٠) الاستطاعة (١١)، وهي أن يملك الرجل مالاً فاضلًا عن مسكنه، وفُرُشه، وثياب بدنه، وفرسه، وسلاحه، ونفقة عياله (١٢)، وأولاده الصغار مدة ذهابه وإيابه، وأن يكفي ذلك الفاضلُ للزاد والراحلة أو زامله، أو شِقَّ محمل كان عليه الحجّ.

стр. 1306

شروط الحج عند العلماء وقال بعض العلماء: إن كان الرجل تاجراً يملك مالًا ودفع منه الزاد والراحلة لذهابه، وإيابه، ونفقة أولاده وعياله من وقت خروجه إلى وقت رجوعه، ويبقى له بعد رجوعه رأس مال التجارة التي كان يتّجر بها كان عليه الحجّ، وإلا فلا، وفي المحترف (١) مقدار ما يُبقي له آلات حرفته بعد رجوعه كان عليه الحجّ وإلا فلا، وإن كان حرَّاثًا يملك مالًا يكفي للزاد والراحلة، ويبقى له آلات الحراثين من البقر ونحو ذلك كان عليه الحجّ وإلا فلا، هذا إذا كان آفاقيًّا، وإن كان مكيًّا، أو ساكنًا بقرب مكة كان عليه الحجّ، وإن كان فقيراً لا يملك الزاد والراحلة هل الحج واجب على الفور أم على التراخي (ثُمَّ هو واجبٌ على الفورِ (٢) عند أبي يوسف (٣) ﵀. أي: ثُمَّ بَعْدَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ، حَتَّى يَأْثمَّ بِالتَّأْخِيرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَوَاهُ عَنْهُ بِشْرُ بْنُ الْمُعَلَّى (٤). (وعند أبي حنيفة ﵀ ما يدل عليه). أي: على الفور، وهو: ذَكَرَ ابْنُ شُجَاع عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَالَ: سُئِلَ عَمَّنْ لَهُ مَالٌ أَيَحُجُّ بِهِ أَمْ يَتَزَوَّجُ، قَالَ: بَلْ يَحُجُّ بِهِ، فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ عِنْدَهُ عَلَى الْفَوْرِ، كذا ذكره في «المبسوط» (٥) في باب الحجّ، عن الميت وغيره.

стр. 1307

هل يقدم الحج على الزواج ثُمَّ وجه الاستدلال بهذا على الفور، أن بالتزوج يحصل تحصين النفس، والتحصين واجب في كل الأحول، وبالاشتغال بالحجّ يفوت التحصين، فلو لم يكن الوجوب على الفور، فلا معنى للأمر بالاشتغال بالحجّ الذي يفوت به التحصين مع أن الاشتغال بالتزوج لا يؤدي إلى تفويت الحجّ، بل هو أداء في كل وقت يؤديه، ومن الجائز أن يجد مالًا آخر يحج به، لما أن المال غادٍ ورائح، فثبت بأمره بالحجّ أن عنده الوجوب على الفور. قوله ﵀: (وعند محمد (١) والشافعي (٢) -رحمهما الله- على التراخي) (٣). ولكن بين قوليهما فرق، وهو أن عند محمد يسعه التأخير بشرط أن لا يفوته بالموت فإن أخّر حتى مات، فهو (٤) آثِمٌ (٥) بالتأخير، وعند الشافعي (٦) ﵀ لا يأثَم بالتأخير، وإن مات.

стр. 1308

تأخير الرسول ﷺ لحجته واستدل محمد ﵀ بتأخير رسول الله ﷺ الحجّ بعد نزول فرضيته، وإنما نزلت (١) فرضية الحجّ في سنة ست من الهجرة، وحج رسول الله ﷺ في سنة عشر، والمعنى فيه أن الحجّ فرض العمر، فكان جميع الوقت وقت أدائه بدليل أنه إذا أخره كان مؤديًا لا قاضيًا، وأبو حنيفة وأبو يوسف -رحمهما الله- استدلا بقوله ﷺ : «من وجد زادًا وراحلة يبلغانه بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا» (٢). وقال عمر ﵁: «لقد هممت أن أنظر إلى من ملك الزاد والراحلة ولم يحج، فأحرق عليهم بيوتهم، والله! ما أراهم مسلمين قالها ثلاثًا» (٣) والمعنى: هو ما ذُكر في الكتاب. سبب تأخير الرسول ﷺ لحجته وأما تأخير النبي ﷺ فقد منع ذلك بعض مشايخنا، فقالوا: نزول فرضية الحجّ بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٤) وإنما نزلت هذه الآية في سنة عشر، وأما النازل سنة ست فقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٥) وهذا (٦) أمر بالإتمام لمن شرع فيه، فلا يثبت به ابتداء الفرضية، مع أن التأخير إنما لا يحل لما فيه من التعريض للفوت، ورسول الله ﷺ كان يأمن ذلك؛ لأنه مبعوث لبيان (٧) الأحكام للناس، والحجّ من أركان الدين فأمن أن يموت قبل أن يبينه للناس بفعله، ولأن تأخيره كان بعذر؛ وذلك لأن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة ويُلبُّون تلبيةً فيها شرك، وما كان التغيير ممكنًا للعهد، حتى إذا تمت المدة بعث عليًّا ﵁ حتى قرأ عليهم سورة: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٨).

стр. 1309

ونادى: «ألا لا يطوفن بهذا البيت بعد هذا العام مشركٌ ولا عريان» (١)، ثُمَّ حج بنفسه، ومن ذلك أنه كان لا يستطيع الخروج وحده، بل يحتاج إلى أصحاب يكونون معه ولم يكن متمكنًا من تحصيل كفاية كل واحد منهم؛ ليخرجوا معه فلهذا أخره)، كذا في «المبسوط» (٢). الحرية والبلوغ شرطان للحج ثُمَّ ثَمَرة اختلافهم في أن الوجوب على/ الفور، أو على التراخي (٣) إنما يظهر في حق الإثُمَّ لا غير، لا في حق القضاء والأداء، ولا في حق نفي مشروعية التطوع لما عُرف في أصول الفقه. (وإِنما شرط الحرية والبلوغ إلى آخره). الفرق بين الحج والصلاة والصوم فإن قلتَ: ما الفرق بين الصلاة والصوم وبين الحجّ من حيث المعنى في حق العبد حيث وجبت الصلاة والصوم عليه، ولم يجب الحجّ، مع أنَّ كلًّا منهما عبادة بدنية، ولا خلَفَ للحج يقوم مقامه في حق العبد بخلاف الجمعة؟ قلتُ - والكلام للمؤلف -: الفرق (٤) هو: أحدهما: أن عبادة الحجّ لا يتأدى بدون المال غالبًا [أي: فاضلاً] (٥) من الزاد والراحلة، ولا كذلك الصلاة والصوم، والمال ملك المولى، فلا يتملك العبد المال، وإن ملك فلم يجب لعدم ملك ما يتوسل به، فكان هذا نظير الجهاد، فإن ذلك عبادة بدنية، ولكن لا يحصل هو بدون المال ظاهرًا من الكراع (٦) والسلاح، فلم يجب عليه الجهاد لذلك، فكذا هذا، بخلاف الفقير (٧)، فإن اشتراط الزاد والراحلة في حقه لليسر لا لإثبات أهلية الوجوب، فكان سقوط وجوب أداء الحجّ عن الفقير نظير سقوط وجوب أداء الصوم وصلاة الجمعة عن المسافر من حيث إن السقوط في كل منهم للترفيه (٨) [من الرفاهية وهي الواسعة] (٩)، فلذلك وجب على الفقراء بمكة، ولم يجب على العبيد الذين يسكنون مكة.

стр. 1310

والثاني: أن حق المولى في الحجّ يفوت في مدة طويلة فقُدم حق العبد على حق الله تعالى؛ لافتقار العبد، وغنى الله تعالى، فلم يستثن هذه القدرة على مولاه بخلاف الصلاة والصوم، فإنه لا يخرج مولاه باستثنائهما عن ملك مولاه، فكان العبد لذلك في حقهما يبقى (١) على أصل الحرية، وهذا لأن ذات العبد ملك المولى، فكان ما يحصل من منافع بدنه أيضًا ملك المولى، لما أن ملك الذات موجب لملك الصفات تبعًا، إلا ما استُثني عليه من القرب (٢) البدنية التي لا يخرج باستثنائه كثير خرجٍ وهي الصلاة والصوم، فبقي فيما وراءهما على أصل القياس (٣) لذلك. (وكذا صحة الجوارح) (٤). من شروط الحج صحة الجوارح معطوف على قوله: (والعقلُ شرطُ)، أي: صحة الجوارح شرط أيضاً. (لأن العجزَ (٥) دونها لازمٌ). وجوب الحج على الأعمى إذا توافرت الشروط أي: العجز يلزم، بدون صحة الجوارح، أي: بغيرها كما في الأعمى والمُقعد (٦)، فلذلك ذكرهما بعده. (والأعمى إذا وجد من يكفيه مؤنة سفره، ووجد زادًا وراحلةً، لم يجب عليه الحجّ عند أبي حنيفة ﵀).

стр. 1311

توفير المرشد أو القائد للأعمى فإن الأعمى إذا وجد قائدًا يقوده إلى الحجّ، ووجد مؤنة القائد، فعلى قول أبي حنيفة ﵀ في المشهور لا يلزمه الحجّ، وذكر الحاكم الشهيد (١) في «المنتقى» (٢) أنه يلزمه الحجّ. وأما على قولهما فقد ذكر شيخ الإسلام (٣) أنه يلزمه الحجّ على قياس الجمعة، والأعمى إذا ملك الزاد والراحلة إن لم يجد قائدًا لا يلزمه الحجّ بنفسه في قولهم. وهل يجب الإحجاج بالمال عند أبي حنيفة ﵀؟، لا يجب، وعندهما يجب، وإن وجد قائدًا عند أبي حنيفة لا يلزمه الحجّ بنفسه، كما لا يلزمه الجمعة، وعن صاحبيه فيه روايتان هما فرقًا على إحدى الروايتين [بين] (٤) الجمعة والحجّ، وقالا: وجود القائد إلى الجمعة (ليس بنادر، بل هو غالب فيلزمه الجمعة، ولا كذلك القائد إلى الحجّ) كذا في «الذخيرة» (٥) و «فتاوى قاضي خان» (٦). حكم وجوب الحج على المقعد (وأما المُقْعَدُ فعن أبي حنيفة ﵀ أنه يجب). عليه، هذا رواية الحسن (٧) عن أبي حنيفة ﵀.

стр. 1312

(وأما في ظاهر رواية أبي حنيفة: لا يجب الحجّ على الزَّمِن (١)، والمفلُوج (٢)، والمُقعد، ومقطوع الرجلين، وإن ملكوا الزاد والراحلة وهو رواية عنهما حتى لا يجب الإحجاج عليهم بمالهم؛ لأن الإحجاج بالمال بدل عن الحجّ بالبدن، ولم يجب على هؤلاء الحجّ بالبدن لمكان العجز، فكيف يجب عليهم البدل؟! وفي ظاهر روايتهما يجب الحجّ على هؤلاء إذا ملكوا الزاد والراحلة قدر ما يحجون به، ويحج معهم مَن يرفعهم ويضعهم (٣). ويقودهم إلى المناسك (٤)، وإلى حاجتهم، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة حتى يجب على هؤلاء الحجّاج بما لهم؛ لأنه لزمهم الأصل: وهو الحجّ بالبدن فيجب عليهم البدل) كذا في «الذخيرة» (٥). ثُمَّ الإحجاج يصح من هؤلاء المعذورين حال حياتهم، إذا أيسوا عن الأداء بالبدن. وقال في «المبسوط»: (٦) فالمذهبُ عندنا أن المُقعَد والمعضُوب (٧) أي: الزَّمِن لا يجب عليه الحجّ باعتبار ملك المال، وعلى قول الشافعي (٨) ﵀: يجب، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، وحجته في ذلك حديث الخثعمية (٩) حيث قالت: (إنَّ فريضةَ الله الحجّ أدرَكتُ أبي شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة (١٠).

стр. 1313

وقولها: "شيخًا كبيرًا" نصبٌ على الحال، يعني لزمه الحجّ في هذه الحالة، ولم ينكر عليها رسول الله ﷺ ذلك، فدل أن الحجّ يجب على المُقعد والمعضُوب، والمعنى فيه: أن شرط الوجوب التمكن من أداء الواجب، وإذا صار أداء الواجب بالمال عند العجز عن الأداء بالبدن، عرفنا أن شرط الوجوب يتمُّ به، وإذا جاز بقاء الواجب بعد وقوع اليأس عن الأداء بالبدن؛ يُؤَدَّى بالمال، فكذلك يثبت الوجوب بالبدن (١) ابتداء بهذه الصفة: كالصوم في حق الشيخ الفاني (٢)، فيجب باعتبار بدله: وهو الفدية (٣)، وحجتنا في ذلك قول الله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٤)، فإنما أوجب الله الحج على من يستطيع الوصول إلى بيت الله، والزّمِن لا يستطيع الوصول إلى بيت الله، فلا يتناوله هذا الخطاب، ثُمَّ رسول الله ﷺ جعل الشرط مالًا يوصله إلى البيت لقوله ﷺ : «من وجد زادًا وراحلةً يبلغانه بيت الله» (٥). وزاد المقعد وراحلته لا يبلغانه بيت الله، فصار وجوده كعدمه، ولأن المقصود بهذه العبادة تعظيم البقعة (٦) بالزيارة، والمال يشترط؛ [ليتوصل] (٧) به إلى هذا المقصود، وما هو المقصود فائت في حق المَعضُوب، فلا يعتبر وجود الشرط؛ لأن الشرط تبع، والتبع لا يقوم مقام الأصل في إثبات الحكم به ابتداء، وإذا كان يبقى الحكم بعد ثبوته باعتباره، واعتبار الابتداء بالبقاء فاسد، فإنه إذا افتقر بهلاك المال بعدما وجب الحجّ عليه يبقى واجبًا، ثُمَّ لا يجب ابتداء على الفقير وليس هذا نظير الفدية في حق الشيخ الفاني؛ لأنها بدل عن أصل الصوم بالنص، فيجوز أن يجب الأصل باعتبار البدل، وهاهنا المال ليس ببدل عن أصل الحجّ، ألا ترى أنه لا يتأدى بالمال، وإنما يتأدى بمباشرة النائب الحجّ عنه، فإذا لم يكن المال بدلًا عن أصل الحجّ لا يثبت الوجوب باعتباره، والروايات اختلفت في الخثعمية ففي بعضها قالت: «هو شيخٌ كبيٌر» (٨)، وهذا بيان أنه في الحال بهذه الصفة [لا أنه] (٩) في وقت الوجوب بهذه الصفة).

стр. 1314

(وَهُوَ قَدْرُ مَا يَكْتَرِى بهِ شِقَّ (١) مَحْمَلٍ)؛ الشِق الجانب، أي: قدر ما يستأجر به جانب محمل؛ لأن للمحمل جانبين، ويكفي للراكب أحد جانبيه أو رأس زاملة، الزَّامِلة (٢) البعير يحمل عليه المسافر متاعه وطعامه، من زَمل الشيء حمله، يعني: سرباري (٣)، وقدر النفقة ذاهبًا وجائيًا راكبًا لا ماشيًا بنفقة وسط بلا إسرافٍ ولا تقتير (٤)، مع أمن (٥) الطريق وقت خروج أهل بلده كذا في «شرح الطحاوي» (٦) (٧). (وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَكْتَرِي عَقَبَةً). العقبة النوبة وقول صاحب الإيضاح: أن يكتري عقبة فيه توسّع، كذا في «المغرب» (٨)، وعقبة الأجير هو أن يستأجر اثنان بعيرًا يتعاقبان في الركوب فرسخًا فرسخًا، أو منزلًا منزلًا كذا في «الجامع الصغير» (٩) لقاضي خان.

стр. 1315

تقديم حق العبد على حق الشرع (وحقُ العبدِ مقدّمٌ على حقِ الشرعِ بأمره). قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (١). وقال النبي ﷺ : «أجب أخاك وافطر واقض (٢) يوماً مكانه» (٣). وذكر الإمام التمرتاشي (٤) ﵀ في باب الرجل يدرك الفريضة من «الجامع الصغير» (٥): (أن المرأة إذا كانت تَفور قِدرُها (٦) وهي في الصلاة جاز لها القطع، وكذا المسافر إذا ندَّت دابته، وكذا لو خاف الراعي على غنمه الذئب، أو رأى أعمى على حريم بئر وسعه قطعها)، وفي اللآلئ (٧): (تُقطع لأجل الدرهم)، وفي هذا كله تقديم لحق (٨) العبد على حق الشرع لغنى الله وافتقار العبد.

стр. 1316

من شروط الحج أمن الطريق ولابد من أمن الطريق، وهو أن يكون الغالب فيه السلامة، من شروط الحج وجود المحرم مع المرأة فإن كان بينه وبين مكة بحر، فهو عذر بمنزلة فوت الطريق، والفرات (١) والدجلة (٢) والجيحون (٣) أنهار وليست بحاراً، فلا تمنع الاستطاعة، ثُمَّ تكلموا أن أمن الطريق وسلامة البدن على قول أبي حنيفة ﵀، ووجود المَحرَم (٤) [للمرأة] (٥) شرط؛ لوجوب

стр. 1317

حكم حج المرأة من غير محرم أو زوج وبعض أحكامها الفقهية الحجّ أو (١) لأدائه، بعضهم جعلها شرطًا للوجوب، وبعضهم شرطًا للأداء وهو الصحيح (٢)، وثُمَّرة الاختلاف فيما إذا مات قبل الحجّ، فعلى قول الأولين لا يلزمه الوصية، وعلى قول الآخرين يلزمه، وكذا في «الجامع الصغير» (٣) لقاضي خان، وفرق في «الإيضاح» (٤) على قول البعض بين الزاد والراحلة وبين أمن الطريق من حيث إن الزاد والراحلة شرط الوجوب إجماعًا بخلاف أمن الطريق، فإنه شرط الأداء دون الوجوب على قول ذلك البعض فقال هو أن التمكن بالزاد والراحلة/ يتحقق [بها الاستطاعة] (٥)، فإذا عدما (٦) لم تثبت الاستطاعة، فأما خوف الطريق يعجزه عن الأداء بمعارض ومانع، فلا ينعدم به الاستطاعة اُعتبر هذا بالمحسوسات، فإن القيد الممنوع عن الشيء لا يكون نظير المريض الذي لا يقدر. (ويعتبرُ في المرأةِ أنْ يكونَ لها محرمٌ تحجُ به أو زوج). (٧) لشابة كانت أو عجوز، وصفة المحرم كل من لا يجوز مناكحتها على التأبيد (٨) برضاع، أو قرابة، أو صهرية؛ لأن الحرمة تزيل التهمة، والحر والعبد والذمي سواء. (إلا أنْ يكونَ مجوسيًّا) (٩) يعتقد إباحة مناكحتها، فلا تسافر معه، وإن لم يكن لها محرم، لا يجب عليها أن تتزوج ليحج بها، كما لا يجب على الفقير اكتساب المال لأجل الحجّ كذا في فتاوى قاضي خان والولوالجي (١٠).

стр. 1318

ولأنها بدون المحرم يخاف عليها الفتنة، فإن قلتَ: يُشكل على هذا سفر الهجرة، فإن المرأة إذا أسلمت في دار الحرب (١)، فلها أن تهاجر إلى دار الإسلام بغير محرم، مع أن المهاجَرة من دار الحرب إلى دار الإسلام ليست من الأركان الخمسة في الدين، وحَجة الإسلام من تلك (٢) الأركان [الخمسة] (٣)، فيجب أن يجوز لها الحجّ المفروض، وإن لم يكن لها محرم بالطريق الأولى. قلتُ: إن المُهاجِرة لا تُنشئ سفرًا، ولكنها تقصد النجاة، ألا ترى أنها لو وصلت إلى جيش من المسلمين في دار الحرب حتى صارت آمنة، لم يكن لها أن تسافر بعد ذلك من غير محرم، ولأنها مضطرة هناك لخوفها على نفسها. ألا ترى أن العدة (٤) لا تمنعها من الخروج هناك، وهنا لو كانت معتدة لم يكن لها أن تخرج للحج، وتأثير فقد المحرم في المنع من السفر، كتأثير العدة، فإذا مُنعت من الخروج لسفر الحجّ بسبب العدة، فكذلك بسبب فقد المحرم كذا في «المبسوط» (٥). والمعنى الفقهي في هذا: أنَّ هذه سفرة تمنعها العدة، فكذا عدم المحرم قياسًا على سفر المباح، وعكسه سفر الهجرة، وهذا لأن المرأة حرُمَ عليها الخروج في العدة على الخصوص صيانة لحرمة خاصة عليها، وهي حرمة نكاح آخر لحقّ الأول، فإذا انقطع الأول حرم عليها السفر بغير محرم صيانة لحرمة الزنا، فإنها متى سافرت وحدها وخرجت من حصن بيتها طمع فيها الرجال، فإنها لحم على وضم والرجال بمنزلة الذئاب، وحرمة الزنا فوق حرمة النكاح في العدة؛ لأن الزنا يوجب الحد والنكاح في العدة لا، فلما مُنعت عن سفر الحجّ لأدنى الحرمتين، فللأعلى أولى (٦)، وإذا لم يمنع الهجرة عدم المحرم فالعدة أولى.

стр. 1319

فإن قيل: هذا الاستدلال فاسدٌ؛ لأن العدة تمنع أصل الخروج وعدم المحرم لا، فعُلم أن هذه الحرمة أخف. قلنا: إنما افترقا لأن الحرمة بعدم المحرم تعم العمر كله، وهي تحتاج في العمر إلى الخروج لمصالح المعيشة، فالأسباب تضيع بلا مطالعة في العادات، فاستثنى عن التحريم قدر الخروج لمصالح ملكها كذا في «الأسرار» (١). (وَلَنَا أَنَّ حَقَ الزوجِ لا يَظْهَرُ في حَقِّ الفَرَائِضِ). حكم منع الزوج زوجته من حج الفريضة (ألا ترى أنه لا يمنعها من صيام شهر رمضان، والمولى لا يمنع مملوكيه من أداء الصلاة والصيامات المفروضة؛ لأن ذلك مستثنى من حقه، فهذا مثله بخلاف ما إذا لم يجد محرمًا، فإن هناك الفرض لم يتوجه عليها؛ لانعدام شرطه حتى لو كانت لا تحتاج إلى سفر بأن كان بينها وبين مكة دون مسيرة ثلاثة أيام، فليس للزوج أن يمنعها، وإن لم تجد محرمًا؛ لأن اشتراط المحرم للسفر لا لما دونه، حتى لو كان الحجّ نفلًا (٢) له أن يمنعها؛ لأن حج التطوع لم يصر مستثنى من حق الزوج؛ لأن ذلك ليس بفرض عليها، فإذا أحرمت بحجة التطوع كان للزوج أن يمنعها ويُحَلِلهَا، إلا أن هاهنا لا يتأخر تحليله إياها إلى ذبح الهدي (٣)، ولكن يُحَلِلهَا من ساعته، وعليها هدي لتعجيل الإحلال وعمرة، وحجة لصحة شروعها في الحجّ بخلاف حجة الإسلام، فإن هناك لا يتحلل إلا بالهدي؛ لأن هناك لا حق للزوج في منعها، لو وجدت محرمًا، وإنما تعذر عليها الخروج لفقد المحرم، فلا تحلل إلا بالهدي، وهاهنا تعذر الخروج لحق الزوج وكما لا يجوز لهما أن تبطل حق الزوج، لا يكون لها أن تؤخر حق الزوج، فكان له أن يحللها من ساعته وتحليله لها أن ينهاها، ويصنع بها أدنى ما يحرم عليها في الإحرام من قص ظفر أو غيره، ولا يكون التحليل بالنهي، ولا بقوله: حللتكِ وهو نظير الصوم إذا صح الشروع فيه لا يصير خارجًا إلا بارتكاب محظوره) كذا في «المبسوط» (٤).

стр. 1320

لأن إحرامهما انعقد لأداء/ النفل فلا ينقلب لأداء الفرض ثُمَّ هاهنا شبهة ظاهرة ترد على هذا، وهي ما ذكره شمس الأئمة السرخسي (١) ﵀ في «الجامع الصغير» (٢). فقال: (فإن قيل: [فأين] (٣) ذهب قولكم: إن الإحرام شرط في باب الحجّ بمنزلة الطهارة (٤) في حق الصلاة ولو توضأ صبي، ثُمَّ بلغ بالسن، فصلى بتلك الطهارة جازت صلاته). حكم حج الصبي قلنا: الإحرام من وجه يشبه طهارة الصلاة، ومن وجه يشبه سائر أعمال الحجّ، فقد يتصل به أداء الأعمال، فيكون من هذا الوجه ركنًا، والأخذ بالاحتياط في باب العبادات أصل، وذكر هو ﵀ أيضًا في «المبسوط» (٥): (ولو أن الصبي أهَلَّ بالحجّ قبل أن يحتلم، ثُمَّ احتلم قبل أن يطوف بالبيت، أو قبل أن يقف بعرفة لم يُجزِهِ من حجة الإسلام عندنا، وعلى قول الشافعي (٦) ﵀ يجزئه، وهذا بناءً على ما بينا في كتاب الصلاة إذا صلى في أول الوقت (٧)،

стр. 1321

ثُمَّ بلغ في آخره عنده يجزئه عن الفرض، ويجعل كأنه بلغ قبل أداء الصلاة، وهنا أيضًا يجعل كأنه بلغ قبل مباشرة الإحرام، فيجزئه ذلك عن حجة الإسلام. الفرق بين الشروط والأركان قال أي: الشافعي (١): وهذا على أصلكم أظهر؛ لأن الإحرام عندكم من الشرائط دون الأركان، ولهذا صح الإحرام بالحجّ قبل دخول أشهر الحجّ، ولكنّا نقول: حين أحرم هولم يكن من أهل أداء الفرض، فانعقد إحرامه لأداء النفل، فلا يصح أداء الفرض به، وهو نظير الصلاة إذا أحرم بنية النفل عندنا لا يجزئه أداء الفرض به وعنده ينعقد إحرامه للفرض والإحرام وإن كان من الشرائط عندنا ولكن في بعض الأحكام هو بمنزلة الأركان، ومع الشك (٢) لا يسقط الفرض الذي ثبت وجوبه بيقين، فلهذا لا يجزئه عن حجة الإسلام بذلك الإحرام). وذكر في «الجامع الصغير» (٣): (فإذا وجد الإحرام في حالة الصغر لم ينعقد إلا للنفل) فلا يتصور أن ينقلب فرضًا كالصبي يحرم للظهر، ثُمَّ بلغ بالسن في خلال الصلاة فأتم صلاته أن ذلك لا يجزئه عن الفريضة. لأن إحرام الصبي غير لازم؛ لأن ذلك الإحرام الذي يباشره في حالة الصغر كان تخلقًا ولم يكن لازمًا عليه لعذر الصبا (٤). ألا ترى أنه لو أُحصر (٥) لم يلزمه قضاء ولا دم ولو تناول محظورًا لم يلزمه شيء. وإذا جدد والثاني فرض غير الأول؛ لأنه نفل وكان من ضرورة تجديد الثاني فسخ الأول، والأول محتمل للفسخ لكونه غير لازم فانفسخ كرجل باع عبدًا بألف ثُمَّ تبايعا بألف ومائة أن الأول يفسخ ضرورة تجديد الثاني، فكذلك هذا (٦).

стр. 1322

حكم حج العبد وأما إحرام العبد، فلازم في حقه لكونه مخاطبًا (١) حتى أنه لو أصاب صيدًا، فعليه الصيام؛ لأنه صار جانيًا (٢) على إحرامه بقتل الصيد، وهو ليس [من أهل التكفّر] (٣) بإراقة الدم (٤)، ولا بالطعام فيكفّره بالصوم كما إذا حنث (٥) في يمينه كان عليه أن يكفّر بالصوم، فلا يتمكن بعد العتق (٦) من فسخ ذلك الإحرام، وإنما طريق خروجه من ذلك الإحرام أداء الأفعال، فسواء جدّد التلبية، أولم يجدّد فهو باقٍ في ذلك الإحرام، فلا يجزئه من حجة الإسلام، كذا في «المبسوط» (٧) و «الجامع الصغير» (٨) لفخر الإسلام (٩).

стр. 1323

وحاصله: أن الإحرام وإن كان شرطًا بدليل أنه يستدام (١) من أول الأفعال إلى آخرها، كما في سائر الشروط بدليل جواز تقديمه على أشهر الحجّ كالطهارة للصلاة، لكن أثر أحكام الأركان أيضًا قد ظهر في حقه. ألا ترى أن فائت (٢) الحجّ ليس له أن يستديم الإحرام إلى أن يؤدي الحجّ به في السنة القابلة) ذكره في باب المُحصر من «المبسوط» (٣)، ولو كان من الشرائط المحضة؛ لكان له ذلك كما في الطهارة للصلاة، ولما كُره تقديمه على أشهر الحجّ كما لا يكره تقديم الوضوء على الوقت. ولا ينعقد إحرامه لعمرتين أو حجتين معًا عند محمد ﵀ اعتبارًا بسائر الأركان حيث لا يصح كالطواف لعمرتين، فلذلك عمل بالاحتياط (٤) بتجديد الإحرام في حق الصبي إذا بلغ اعتبار يشبه الركنية، والله أعلم بالصواب. فصلٌ: فِي أفعالِ الحَجّ لما ذكر من يجب عليه الحجّ، وذكرشروط الوجوب، وما يتبعها شرع في بيان أول أمكِنة يُبْتَدأُ بأفعال الحجّ فيها، وهي المواقيتُ التي لا يجوز أن يجاوزها الإنسان إلّا محرمًا. المواقيت (٥): جمع الميقات؛ وهو الوقت المحدود، فاستعير للمكان: كالمكان استعير للزمان في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ﴾ (٦). اعلم: أن البيت لما كان معظمًا مُشرَّفًا جُعل له المواقيت المكانية حِصنٌ، وهو مكّة. وحِمى، وهو الحرم. وللحرم حِمى؛ وهو المواقيت حتى لا يجوز لمن دونه أن يتجاوزه إلا بالإحرام (٧) تعظيمًا للبيت، والأصل فيه (٨) أن كل من قصد مجاوزة (٩) ميقاتين لا يجوز إلا بالإحرام، ومن قصد مجاوزة ميقات واحد حل له المجاوزة بغير إحرام، [بناءً على] (١٠) أن من أتى ميقاتًا بنية الحجّ أو العمرة (١١) أو دخول مكة لحاجةٍ لا يجوز إلا بالإحرام؛ لأنه قصد مجاوزة ميقاتين ميقات أهل الآفاق، وميقاتُ أهل الحل (١٢)، والحيلة لمن أراد دخوله بغير إحرام، أن يقصد الآفاقي بستان بني عامر (١٣) أو غيره من الحل فلا يجب الإحرام؛ لأنه قصد مجاوزة ميقات واحد.

стр. 1324

كذا ذكره الإمام المحبوبي (١) (٢). مسافة المواقيت المكانية بالنسبة إلى مكة ثُمَّ اعلم أن قدر المسافة من هذه المواقيت الخمسة إلى مكة كم هو؟ فمن ذات عرق (٣) إلى بستان بني (٤) عامر اثنان وعشرون ميلًا (٥)، ومن البستان إلى مكة أربعة وعشرون ميلًا، ومن ذي الحليفة (٦) إلى الجُحفَة (٧) التي هي ميقاتُ أهل

стр. 1325

الشام (١) مائة وسبعة وخمسون ميلًا، ومنها إلى مكة [مائة] (٢) ميل، ومن المدينة إلى ذي الحليفة أربعة أميال، ومن يلملم (٣) إلى مكة مرحلتان، ومن قرن (٤) إلى مكة مرحلتان، وكل ثلاثة أميال فرسخ، وكل ميل ألفان وثلاثة مائة وثلاث وثلاثون خطوةً، فيكون الفرسخ (٥) على هذا القول سبعة آلاف خطوةً، وكل أربعة فراسخ بريد، ومن بغداد (٦) إلى مكة على طريق المدينة: تسعمائة وثمانية وخمسون ميلًا.

стр. 1326

موقع المسجد الحرام اعلم أن البيت في وسط المسجد الحرام، والمسجد في وسط مكة، والصفا والمروة خارج المسجد من الجانب الشرقي، والصفا في الجنوب، والمروة في الشمال، ومنى خارج مكة من الجانب الشرقي تميل إلى الجنوب قليلًا، ومزدلفةُ فوق منى من الجانب الشرقي أيضاً، وعرفات فوق مزدلفة من الجانب الشرقي أيضاً يميل إلى الجنوب، بحيث لو صلى رجل في موضع من هذه المواضع يتوجه إلى المغرب الشمالي، وهذه صورتها. وصف البيت الحرام اعلم أن الذراع أربعة وعشرون أصبعًا مضمومةً، وذراع البيت إلى جانب السماء سبعة وعشرون ذراعًا، ومن الشامي إلى الغربي اثنان وعشرون، ومن الغربي إلى اليماني أربعة وعشرون وشبرًا (١)، ومن اليماني إلى الحجر الأسود واحد (٢) وعشرون ذراعًا وشبرًا، وعرض جدار البيت ذراعان، وللبيت سقفان أحدهما فوق الآخر، وعرض الباب أربعة أذرع (٣)، قالوا (٤): وعرض سطح الكعبة ثمانية عشر ذراعًا في خمسة عشر ذراعًا، والميزاب (٥) في وسط الجدار الذي يلي الحِجْر (٦)، وطول باب الكعبة إلى جانب السماء ستة أذرع وعشرة أصابع،

стр. 1327

والبابُ من خشبِ الساجِ (١) مُضبّبٌ (٢) بالفضة، وعرض الملتزمِ (٣)، وهو ما بين الباب إلى الحجرِ الأسودِ أربعة أذرعٍ، وعرضُ الحجرِ القدر الذي يُرى شبر وأربعة أصابع مضمومةً، وعرض الحجر الذي يُصلى فيه سبعة أشبارٍ، وطوله عشرةُ أشبارٍ، ومن الحجر الأسودِ إلى المقامِ سبعة وعشرون ذراعًا، وموضع قبة (٤) زمزم من الكعبةِ في بعد ثلاث وثلاثين ذراعًا، وذرع ما بين المقام إلى زمزم إحدى وعشرون ذراعًا، وذرع بئر زمزم من أعلاها إلى أسفلها تسع وستون، وذرع عرض رأس زمزم (٥) أربعة أذرع في أربعة أذرع، وأما المسجد فمن الجانب الشرقي الذي هو مقابل باب الكعبة، والمقام (٦) ثلاثون [طاقًا] (٧) (٨)، ومن الأسطوانة (٩) ستة وتسعون أسطوانةً كلها من مرمرٍ (١٠) أو رخامٍ.

стр. 1328

وفي هذا الجانبِ أربعةُ أبوابٍ: بابُ بني شيبة (١)، وباب النبي ﷺ (٢)، وباب الجنائز (٣)، وباب علي ﵁ (٤). وفي الجانبِ الشامي، وهو مما يلي الحطيم (٥) من الطاقاتِ أربعة وأربعون، ومن الأسطوانة مائة وثمانية وثلاثون.

стр. 1329

وفيه ثلاثةُ أبوابٍ: بابُ دارِ الندوة (١)، وبابُ دارِ العجلة (٢)، وبابُ بني عبد شمس (٣). وفي الجانبِ الغربي، وهو (٤) مما يلي حلق الكعبة من الطاقاتِ تسعة (٥) وثلاثون، ومن الأسطوانةِ مائة وأربعون، وفي هذا الجانبِ أربعةُ أبوابٍ: بابُ العمرةِ، وبابُ دار زبيدة، وبابُ إبراهيم، وبابُ حرورة، وفي الجانب الجنوبي، وهو اليماني أربعة وأربعون من الحجارةِ، وأبوابه سبعة: بابُ أبي جهل، وبابُ العَلاّفِين (٦) (٧)، وبابُ التمارين (٨)، وبابُ الجنادِ، وبابُ الصفَا (٩)، وبابُ الحنَّاطِين (١٠) (١١)، وبابُ القائدِ، وقيل: في ذرع جميع المسجد مائة ألف ذراع وعشرون ألف ذراع، وهو/ صورة المسعى والبيت وجبل أبي قبيس (١٢).

стр. 1330

واعلم أنَّ بابَ الصفا حيال الحجر الأسود، ومنه يُصعد إلى الصفا، والصفا والمروة جبلان يشتد فيهما من سعي، ولم يكن فيهما بناء، ولا درج إلى زمن أبي جعفر فبنى هو على الصفا اثنتي عشرة درجة، وعلى المروة خمس عشرة درجة، ومن الكعبة إلى الصفا مائة ذراع واثنان وستون ذراعًا، والمسعى مائة ذراع واثنا عشر ذراعًا، ومن الصفا إلى المروة طواف واحد سبع مائة، وستة وستون ذراعًا وشبر، وأما هنا فإن حده من العقبة إلى محسّر (١)، ومن جمرة العقبة، وهي أول الجمار مما يلي مكة إلى الجمرة الوسطى أربع مائة ذراع وسبع وثمانون ذراعًا، ومن الوسطى إلى الجمرةِ (٢) الأولى، وهي التي تلي مسجد منى بثلاثمائة ذراع وخمسة أذرع، وصف لأبعاد المواقيت والمشعر الحرام (٣) ما بين جبل (٤) مزدلفة وحد محسّرمن القرن الأحمر إلى منقطع السيل الذي يهبط إلى بطن محسّر.

стр. 1331

ومن مزدلفة إلى مسجدِ عرفات ثلاثة أميال، ومِن مكة إلى منى أربعة أميال، ومِن منى إلى مزدلفة ثلاثة أميال، ومِن أولِ عرفات إلى موقفِ الإمامِ ميل، ومِن مكةَ إلى موقف الإمام بريد، والبريد اثنا عشر ميلًا، وهو أربع فراسخ، وأما الحرم ذكر أبو الليث (١) عن الهندواني (٢) [إلى] (٣) أن الحرم من جانب المشرق ستة أميال، ومن الجانب الآخر اثنا عشر ميلًا، ومن الجانب الثالث ثمانية [عشر] (٤)، ومن الجانب الرابع أربعة وعشرون ميلًا، هذا كله مما ذكره الإمام السيد الزاهد العالم قاضي القضاة جمال الدين أبو سعد المطهر بن الحسين بن سعد بن علي اليزدي (٥) ﵀ في كتاب له مفرد في المناسك. وصف المواقيت ميقات القرن (قرن المنازل) القرن (٦) ميقات أهل نجد جبل مشرف على عرفات قال الشامي:

стр. 1332

أَلَم تَسأَلِ الرَبعَ أَن يَنطِقا بِقَرنِ المَنازِلِ قَد أَخلَقا (١) وفي الصحاحِ بالتحريك وفيه نظر، والقَرَن بفتحتين، حيٌ من اليمن (٢) إليهم يُنسب أويس القرني (٣) هكذا في «المْغُرِْب» (٤). (هكَذَا وقَّتَ رسول الله ﷺ لهؤلاء). وصف لأبعاد المواقيت أي: وقّت هذه المواقيت لمن ذكر من أهلها كذي الحليفة لأهل المدينة، وكذلك في غيرها، وذكر في «الإيضاح» (٥)، وقال أبو حنيفة ﵀: (في أهل المدينة إذا جاوزوا ذا الحليفة فلا بأس بذلك، وأحبّ إلى أن يحرموا من ذي الحليفة)؛ لأنهم إذا وصلوا (٦) في الميقات يجب مراعاة حرمتها قصد الحجّ، أو العمرة أو لم يقصد عندنا. وقال الشافعي (٧) ﵀: (إنما يجب الإحرام عند الميقات على من أراد دخول مكة للحج والعمرة فأما من أراد دخولها [لقتال] (٨)، فليس عليه الإحرام عنده قولًا واحدًا؛ لأن النبي ﷺ دخلها يوم الفتح بغير إحرام، فإن أراد دخولها للتجارة، أو طلب غريم له فله فيه قولان، في أحد قوليه: لا يلزمه الإحرام؛ لأن الإحرام غير مقصود لعينه، بل لأداء النُسك (٩) به، وهذا الرجل غير قاصد أداء النُسك فكان الحرم في حقه كسائر البقاع، فوجه قول علمائنا حديث ابن شريح الخزاعي (١٠) أن النبي ﷺ قال في خطبة يوم الفتح: «أنَّ مكةَ حرامٌ حرمها الله تعالى يوم خلق السموات والأرض، وأنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي،

стр. 1333

وإنما أحلت في (١) ساعة من نهار، ثُمَّ هي حرام إلى يومِ القيامةِ» (٢)، فقد ترخص (٣) لقتال رسول الله ﷺ على وجه الخصوصية له، وإنما يكون كذلك أن لو لم يكن لغيره أن يصنع كصنعه) كذا في «المبسوط». (٤) هل قصد الحرم مثل قصد مكة في وجوب الإحرام ولكن ذكر في «الخلاصةِ الغزالية» (٥): (قوله مثل قولنا) ولأن وجوب الإحرام لتعظيم هذه البقعةِ الشريفة (٦)، لا؛ لأنه شرط للحج بدليل أن من كان داخل الميقات يُحرمُ من دويرة أهله، فالكل سواء في افتراض الحجّ فيستويان في شرط الأداء، فَعُلم أن الوجوب من الميقات لمكان البيت، فإن الله تعالى جعل البيت معظمًا بأن جعله بيته، فجعل مكّة حصنًا (٧) له بناء، والحرم حمى له مأمنًا، وإلى المواقيت من الحل حريمًا للحرم تأكيدًا لحرمة البيت، وجعل داخل مكة كداخل البيت؛ لأنه حصنه فلم يمكنه من الدخول (٨) إلا بإحرام؛ ليكون الدخول على قصد تعظيم البيت، وزيارته بخلاف من كان داخل الميقات؛ لأنهم جُعِلُوا في حكم حاضري المسجد الحرام، وإذا صاروا من حاضريه حُكمًا لم يُتصور منهم القدوم على البيت، فلم يلزمهم ما يجب بحق القدوم، وأنهم كالحرّاس حول الحصن، وإنما يلزمهم الإحرام الذي هو/ شرط الحجّ والعمرة إذا أرادوهما كذا في «الأسرار» (٩).

стр. 1334

هل لأهل مكة وسكانها ميقات ؟ (ومَنْ كانَ داخلِ الميقاتِ لهُ أنْ يدخلَ مكةَ بغيرِ إحرام) (١)، وهذا عندنا، وفي أحد قولي الشافعي (٢) ﵀: ليس له ذلك، فإنه لا يفرّقُ على أحدِ القولين بين أهل الآفاقي (٣) وبين أهل الميقات في أنه لا يدخل منهم مكة إلا محرمًا، وحجتنا في ذلك حديث ابن عباس: «أن النبي ﵇ رخَّصَ للحطَّابين (٤) أن يدخلوا مكة بغير إحرام» (٥) والظاهر: أنهم لا يجاوزون الميقات، فدلّ أن كل من كان داخل الميقات له أن يدخل مكة بغير إحرام، ولو خرج المكِّي من مكّة لحاجة له فبلغ الوقت، ولم يجاوزه حتى عاد، فله أن يدخل مكة بغير إحرام، ولو جاوز الوقت لم يكن له أن يدخل مكة إلا بإحرام لما بيَّنا أن من وصل إلى موضع فحاله في الإحرام كحال أهل ذلك الموضع كذا في مبسوطي شمس الأئمة، وفخر الإسلام، وإتمامها أن يحرم بهما (٦) من دويرة أهلك، كان شيخي ﵀ كثيرًا ما يقول: إن ذكر الدار هاهنا بلفظ التصغير بمقابلة تعظيم بيت الله تعالى، يعني: أن بيت الله تعالى معظّم، وغيره من البيوت مصغّر. معناه، أي: الحل الذي بين المواقيت وبين الحرم؛ لأنه يجوز إحرامه من دويرة أهله، وهذا الدليل لبيان ما ادّعاه في معنى الحل بأن المراد من الحل المطلق في قوله:

стр. 1335

(فَوقْتُهُ الحِلُّ (١)، [الحل] (٢) الذي هو بين الميقات وبين الحرم لا الحل الذي هو خارج الميقات)؛ إذ لو كان المراد منه خارج الميقات لما جاز لمن كان داخل الميقات أن يُحرم من دويرة أهله كما لا يجوز ذلك للآفاقي الذي هو خارج الميقات، فلمّا حلّ لمن كان داخل الميقات أن يُحرم من دويرة أهله عُلم أن المراد [منه] (٣) وهو الحل الذي هو داخل الميقات، فبعد ذلك لا يتفاوت في حق داخل الميقات جميع أمكنة ذلك الحل، فيُحرم من أي موضع شاء لورود الأثر به، وهو ما ذُكر قبيل هذا، وأمر أخا عائشة (٤) ﵄ أن يعمّرها من التنعيم (٥). ثُمَّ اعلم أن الأحاديثَ التي وردت في فضائلِ الحجِّ أوردها الثقات (٦) في كتبهم منها ما ذكره الإمام العالم جمال الدين الأستاجي (٧) في مناسكه قال النبي ﷺ : «[من أعظم الناس] (٨) ذنبًا من وقف بعرفة، وظن أن الله لم يغفر له» (٩)، وقال ﷺ : «أنَّ الحجر ياقوتة من يواقيت الجنة، وأنه يبعث يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، ويشهد لمن استلمه بحق وصدق» (١٠)، وكان ﷺ يقبله كثيرًا، وقال ﷺ : «حجَّة مبرورة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَحجَّة مبرورة لَيْسَ لَهَا جَزَاء إِلَّا الْجنَّة» (١١).
следующие страницы →