← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

ومن مزدلفة إلى مسجدِ عرفات ثلاثة أميال، ومِن مكة إلى منى أربعة أميال، ومِن منى إلى مزدلفة ثلاثة أميال، ومِن أولِ عرفات إلى موقفِ الإمامِ ميل، ومِن مكةَ إلى موقف الإمام بريد، والبريد اثنا عشر ميلًا، وهو أربع فراسخ، وأما الحرم ذكر أبو الليث (١) عن الهندواني (٢) [إلى] (٣) أن الحرم من جانب المشرق ستة أميال، ومن الجانب الآخر اثنا عشر ميلًا، ومن الجانب الثالث ثمانية [عشر] (٤)، ومن الجانب الرابع أربعة وعشرون ميلًا، هذا كله مما ذكره الإمام السيد الزاهد العالم قاضي القضاة جمال الدين أبو سعد المطهر بن الحسين بن سعد بن علي اليزدي (٥) ﵀ في كتاب له مفرد في المناسك. وصف المواقيت ميقات القرن (قرن المنازل) القرن (٦) ميقات أهل نجد جبل مشرف على عرفات قال الشامي:

стр. 1332

أَلَم تَسأَلِ الرَبعَ أَن يَنطِقا بِقَرنِ المَنازِلِ قَد أَخلَقا (١) وفي الصحاحِ بالتحريك وفيه نظر، والقَرَن بفتحتين، حيٌ من اليمن (٢) إليهم يُنسب أويس القرني (٣) هكذا في «المْغُرِْب» (٤). (هكَذَا وقَّتَ رسول الله ﷺ لهؤلاء). وصف لأبعاد المواقيت أي: وقّت هذه المواقيت لمن ذكر من أهلها كذي الحليفة لأهل المدينة، وكذلك في غيرها، وذكر في «الإيضاح» (٥)، وقال أبو حنيفة ﵀: (في أهل المدينة إذا جاوزوا ذا الحليفة فلا بأس بذلك، وأحبّ إلى أن يحرموا من ذي الحليفة)؛ لأنهم إذا وصلوا (٦) في الميقات يجب مراعاة حرمتها قصد الحجّ، أو العمرة أو لم يقصد عندنا. وقال الشافعي (٧) ﵀: (إنما يجب الإحرام عند الميقات على من أراد دخول مكة للحج والعمرة فأما من أراد دخولها [لقتال] (٨)، فليس عليه الإحرام عنده قولًا واحدًا؛ لأن النبي ﷺ دخلها يوم الفتح بغير إحرام، فإن أراد دخولها للتجارة، أو طلب غريم له فله فيه قولان، في أحد قوليه: لا يلزمه الإحرام؛ لأن الإحرام غير مقصود لعينه، بل لأداء النُسك (٩) به، وهذا الرجل غير قاصد أداء النُسك فكان الحرم في حقه كسائر البقاع، فوجه قول علمائنا حديث ابن شريح الخزاعي (١٠) أن النبي ﷺ قال في خطبة يوم الفتح: «أنَّ مكةَ حرامٌ حرمها الله تعالى يوم خلق السموات والأرض، وأنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي،

стр. 1333

وإنما أحلت في (١) ساعة من نهار، ثُمَّ هي حرام إلى يومِ القيامةِ» (٢)، فقد ترخص (٣) لقتال رسول الله ﷺ على وجه الخصوصية له، وإنما يكون كذلك أن لو لم يكن لغيره أن يصنع كصنعه) كذا في «المبسوط». (٤) هل قصد الحرم مثل قصد مكة في وجوب الإحرام ولكن ذكر في «الخلاصةِ الغزالية» (٥): (قوله مثل قولنا) ولأن وجوب الإحرام لتعظيم هذه البقعةِ الشريفة (٦)، لا؛ لأنه شرط للحج بدليل أن من كان داخل الميقات يُحرمُ من دويرة أهله، فالكل سواء في افتراض الحجّ فيستويان في شرط الأداء، فَعُلم أن الوجوب من الميقات لمكان البيت، فإن الله تعالى جعل البيت معظمًا بأن جعله بيته، فجعل مكّة حصنًا (٧) له بناء، والحرم حمى له مأمنًا، وإلى المواقيت من الحل حريمًا للحرم تأكيدًا لحرمة البيت، وجعل داخل مكة كداخل البيت؛ لأنه حصنه فلم يمكنه من الدخول (٨) إلا بإحرام؛ ليكون الدخول على قصد تعظيم البيت، وزيارته بخلاف من كان داخل الميقات؛ لأنهم جُعِلُوا في حكم حاضري المسجد الحرام، وإذا صاروا من حاضريه حُكمًا لم يُتصور منهم القدوم على البيت، فلم يلزمهم ما يجب بحق القدوم، وأنهم كالحرّاس حول الحصن، وإنما يلزمهم الإحرام الذي هو/ شرط الحجّ والعمرة إذا أرادوهما كذا في «الأسرار» (٩).

стр. 1334

هل لأهل مكة وسكانها ميقات ؟ (ومَنْ كانَ داخلِ الميقاتِ لهُ أنْ يدخلَ مكةَ بغيرِ إحرام) (١)، وهذا عندنا، وفي أحد قولي الشافعي (٢) ﵀: ليس له ذلك، فإنه لا يفرّقُ على أحدِ القولين بين أهل الآفاقي (٣) وبين أهل الميقات في أنه لا يدخل منهم مكة إلا محرمًا، وحجتنا في ذلك حديث ابن عباس: «أن النبي ﵇ رخَّصَ للحطَّابين (٤) أن يدخلوا مكة بغير إحرام» (٥) والظاهر: أنهم لا يجاوزون الميقات، فدلّ أن كل من كان داخل الميقات له أن يدخل مكة بغير إحرام، ولو خرج المكِّي من مكّة لحاجة له فبلغ الوقت، ولم يجاوزه حتى عاد، فله أن يدخل مكة بغير إحرام، ولو جاوز الوقت لم يكن له أن يدخل مكة إلا بإحرام لما بيَّنا أن من وصل إلى موضع فحاله في الإحرام كحال أهل ذلك الموضع كذا في مبسوطي شمس الأئمة، وفخر الإسلام، وإتمامها أن يحرم بهما (٦) من دويرة أهلك، كان شيخي ﵀ كثيرًا ما يقول: إن ذكر الدار هاهنا بلفظ التصغير بمقابلة تعظيم بيت الله تعالى، يعني: أن بيت الله تعالى معظّم، وغيره من البيوت مصغّر. معناه، أي: الحل الذي بين المواقيت وبين الحرم؛ لأنه يجوز إحرامه من دويرة أهله، وهذا الدليل لبيان ما ادّعاه في معنى الحل بأن المراد من الحل المطلق في قوله:

стр. 1335

(فَوقْتُهُ الحِلُّ (١)، [الحل] (٢) الذي هو بين الميقات وبين الحرم لا الحل الذي هو خارج الميقات)؛ إذ لو كان المراد منه خارج الميقات لما جاز لمن كان داخل الميقات أن يُحرم من دويرة أهله كما لا يجوز ذلك للآفاقي الذي هو خارج الميقات، فلمّا حلّ لمن كان داخل الميقات أن يُحرم من دويرة أهله عُلم أن المراد [منه] (٣) وهو الحل الذي هو داخل الميقات، فبعد ذلك لا يتفاوت في حق داخل الميقات جميع أمكنة ذلك الحل، فيُحرم من أي موضع شاء لورود الأثر به، وهو ما ذُكر قبيل هذا، وأمر أخا عائشة (٤) ﵄ أن يعمّرها من التنعيم (٥). ثُمَّ اعلم أن الأحاديثَ التي وردت في فضائلِ الحجِّ أوردها الثقات (٦) في كتبهم منها ما ذكره الإمام العالم جمال الدين الأستاجي (٧) في مناسكه قال النبي ﷺ : «[من أعظم الناس] (٨) ذنبًا من وقف بعرفة، وظن أن الله لم يغفر له» (٩)، وقال ﷺ : «أنَّ الحجر ياقوتة من يواقيت الجنة، وأنه يبعث يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، ويشهد لمن استلمه بحق وصدق» (١٠)، وكان ﷺ يقبله كثيرًا، وقال ﷺ : «حجَّة مبرورة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَحجَّة مبرورة لَيْسَ لَهَا جَزَاء إِلَّا الْجنَّة» (١١).

стр. 1336

وقال ﷺ : «الحَجّةُ المبرورةُ كفارةُ سبعينَ سنة» (١)، وفي الخبر «النظر إلى الكعبة بغير طواف، وبغير صلاة أفضل عند الله تعالى من عبادة سنة بصيام نهارها، وقيام ليلها» (٢)، وروي عن الحسن البصري ﵀ «أن صوم يوم فيها يعدل بمائة ألف يوم، وتصدق درهم بمائة ألف درهم، وكذا كل حسنة تعدل بمائة ألف» (٣)، والله أعلم. بَابُ الإحرامِ [فصلٌ] (٤) لما ذكر المواقيت شرعَ في بيانِ كيفيةِ الإحرامِ الذي يُفعل في تلك المواقيت، اعلم: أن المرء في أمور الحجّ يتبرأُ عن العقلِ، ويأتسي بالنقلِ (٥)؛ إذ أي عقل يهدي إلى أن لبس غير المخيط عبادة ذوي الحصافة، وودع نظافة الطيب عين النظافة، ولا (٦) إلى رمي جمار معدودة في أماكن محدودة من غير مرمي إليه يشار، ولا غير ظنين به يهادُ، فإنه يلبس لباس الأموات، ويصنع صنيع من لحقته الوفاة حيث لا يحلق رأسه، ولا يقلم أظفاره، ولا يقطع شاربه، ولا يزيل أوضاره، ولا يقضي شهوته، ولا يصطاد، ولا يرتاد (٧) قاتل ابنه، ولا يستاد يشير بذلك كله إلى أنه مات في سبيل الله تعالى لينال الموعود في قوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٨) الآية.

стр. 1337

أو يشير إلى أنه ائتمرَ بأوامرِ الشرعِ، وَقَمُؤ (١) في سبيله قماءة النزعِ، والنقع غير راجع إلى عقله، ومسكنته، وحولهِ وقوته. من سنن الإحرام قوله ﵀: (والغُسلُ أفضل) (٢). وهذا الاغتسالُ ليسَ بواجبٍ (٣) لما رُوي أن أبا بكر ﵁ قال لرسول الله ﷺ : إن أسماء (٤) قد نفست فقال: «مُرهَا فَلتغتَسل، وَلتحرم بالحجّ» (٥). ومعلومٌ أنَّ الاغتسالَ الواجب مع الحيضِ لا يتأدى فعرفن أنَّ الاغتسال لمعنى النظافة، وما كان لهذا المقصود فالوضوء/ يقوم مقامه كما في العيدين، والجمعة لكن الغسل أفضل؛ لأن معنى النظافة فيه أتم)، فلا بد من الوضوء؛ لأنه يحتاج إلى أن يصلي، كذا في «المبسوط» (٦) وغيره. (اختاره). بالخاء المعجمة، أي: آثره على الوضوء. كيفية إرتداء ملابس الإحرام (إزارًا (٧) ورداءً (٨): الإزار من الكتف، والرداء من الحقو، ويُدخل الرداء تحت يمينه، ويلقيه على كتفه الأيسر، ويبقى كتفه الأيمن مكشوفًا كذا في «الجامع الصغير (٩)» (١٠) للإمام المحبوبي، وعن محمد أنه يكره أن يتطيب بما يبقى عينه كالمسك (١١)،

стр. 1338

والغالية (١)؛ لأنه منتفع بالطيب بعد الإحرام؛ لأنه لمّا كان الطيب مما يبقى عينه بعد الإحرام كان منتفعًا بعين الطيب، وهو ممنوع عن ذلك، وذلك لأن للبقاء حكم الابتداء كما في [الثوب] (٢)، والدليل عليه ما روي عن النبي ﷺ : أنه رأى أعرابيًا عليه الخَلُوف (٣) فقال: «اغسل عنك هذا الخَلُوف» (٤). ولنا ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: «طيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِإِحْلَالِهِ حِينَ أَحَلَّ، قبل إنْ يَطوفَ بالبيتِ» (٥) «ولقدْ رأيتُ وبيصَ الطيبِ في مفارقِ رسولِ اللهِ ﷺ بعدَ إحرامهِ» (٦)، ولأنه إذا تطيب صار الطيب كالتابع له لاتصاله به، وأطلق له ذلك لما حرم عليه في الإحرام؛ ليندفع به ما يوجد في الإحرام من معنى [التفل] (٧)، وأنه على مثال السحور تقدم على الصوم ليندفع به أذى الجوع، فيحصل له معنى العبادة، ويندفع عنه (٨) الأذى، رحمة من الله وفضلًا بخلاف الثوب؛ لأنه مباين عنه، فلم يمكن أن يُعتبر تابعًا له وحديث الأعرابي محمولٌ على هذا، وهو كون الطيبِ على ثوبه لا على بدنه كذا في «الإيضاح» (٩).

стр. 1339

نية الحج اللهم إني أريد الحج قال ﵀: (قال: ([وقال] (١): اللهم إني أريدُ الحجّ) (٢). أي: قال محمد ﵀ قال الذي يريد الحجّ: اللهم إني أريد الحجّ. وفي بعض النسخ لم يذكر قال الأول، وألحقه بحديث جابر ﵁، أي: «صلى النبي ﷺ بذي الحليفة» (٣). و (قال) أي: النبي ﷺ ، والصحيح هو الأول لأنه هو المثبت في الكتب المتقنة عند الأساتذة (٤)، ولأنه موافق لرواية «المبسوط» (٥)؛ لأنه ذكر في «المبسوط» (٦) حديث جابر بلفظ الماضي الغائب كما ذُكر هنا. ثُمَّ قال (وقل اللهم إني أريد الحجّ) خطابًا من أبي حنيفة لأبي يوسف -رحمهما الله- كما خاطب فيما قبله، وفيما بعده، وهذا اللفظ كما ترى لا يحتمل أن يكون معطوفًا على حديث جابر لتنافر الكلام. التلبية أول الأقوال بعدالإحرام (ثُمَّ يلبي عقيب صلاته) (٧). والكلام هاهنا في [فصول] (٨). الاختلاف في التلبية أحدها: في اشتقاق التلبية قيل: هي مشتقة من قولهم: لبَّ الرجل إذا أقام في مقام، فمعنى قول القائل: لبيك أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة (٩)؛ لأن التثنية (١٠) (١١) للتكرير (١٢)، والتكثير (١٣) كما في قوله تعالى ﴿كَرَّتَيْنِ … يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ … خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (١٤)، فالمراد به: التكرير، والتكثير؛ لأن انقلاب البصر خاسئًا وهو حسير يدل عليه.

стр. 1340

وقيل: هي مشتقةٌ من قولهم: داري تلب دارك، أي: تواجهها، فمعنى قولك لبيك، أي: اتجاهي لك، وقيل: هي مشتقةٌ من قولهم: امرأةٌ لبّة، أي: محبّةٌ لزوجها، فمعناه محبتي لك يا رب. (والثاني): أن المختار عندنا أن يلبي في دبر صلاته، وهو قول ابن عباس ﵄، وكان ابن عمر ﵄ يقول يلبي حين يستوي على راحلته، وذكر جابر ﵁: أن النبي ﷺ يلبي حين علا البيداء (١)، إلا أن ابن عمر ردّها (٢) فقال: " [إن بيداكم] (٣) يكذبون فيها على رسول الله ﷺ ، وإنما لبّى رسول الله حين استوى به راحلته". وعن سعيد بن جبير (٤): قلتُ لابن عباس: كيف اختلف الناس في وقت تلبية رسول الله ﷺ وما حج إلا مرة واحدة؟ فقال: «لبّى رسول الله ﷺ في دبر صلاته، فسمع ذلك قوم من أصحابه فنقلوا، وكان القوم يأتونه أرسالًا فلبّى حين استوت به راحلته فسمع تلبيته قوم، فظنوا أنها أول تلبية فنقلوا ذلك، ثُمَّ لبّى حين علا البيداء فسمعه قوم آخرون، فظنوا أنها أول تلبيته فنقلوا ذلك، وأيمُ الله ما أوجبها إلا في مصلاه» (٥).

стр. 1341

والثالث: أنه لا خلاف أن التلبية جواب الدعاء، والكلام في أن الداعي من هو؟ فقيل الداعي هو الله تعالى كما قال تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ (١)، وقيل: الداعي رسول الله ﷺ ، كما قال ﷺ : «إن سيدًا بنى دارًا، واتخذ فيها مأدبة، وبعث داعيًا» (٢) وأراد بالداعي نفسه. والأظهر أن الداعي هو الخليل/ ﵇ (٣) على ما روي أنه لما فرغ من بناء البيت أُمر بأن يدعو الناس إلى الحجّ، فصعد أبا قبيس، وقال: «ألا إن الله تعالى أمر ببناء بيت له، وقد بُني، ألا فحجّوه فبلّغ الله تعالى صوته الناس في أصلاب (٤) آبائهم، وأرحام أمهاتهم، فمنهم من أجاب مرة ومرتين، وأكثر من ذلك، وعلى حسب جوابهم يحجّون» (٥)، وبيان هذا في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٦)، فالتلبية إجابة لدعاء الخليل صلوات الله عليه) كذا في «المبسوط» (٧)، و «الفوائد الظهيرية» (٨).

стр. 1342

حكم الزيادة أو النقصان في صيغة التلبية وقوله: (إنَّ الحمْدَ بكسر الألف). هكذا رواه ابن عمر، وابن مسعود في صفةِ تلبيةِ رسول الله ﷺ ؛ لأن بكسر الألف يكون ابتداء بالثناء، وبفتح الألف يكون وصفاً لما تقدّم، وبناءً على ما قبله فكان معناه؛ لأن الحمد أو بأن الحمد، وابتداء الثناء أولى. على ما هو المعروف في القصة، وقد ذكرنا كيفية القصة، ثُمَّ ظاهر المذهب عندنا أن غير هذا اللفظ من الثناء، والتسبيح يقوم مقامه في حق من يحسن التلبية أو لا يحسن، وكذلك لو أتى بها (١) بالفارسية، وهي والعربية سواء، أما على قول أبي حنيفة ﵀ فظاهرٌ؛ لأن لفظ الفارسيةِ والعربيةِ في تكبيرةِ الافتتاح عنده سواء. ومحمد يفرق بينهما حيث يجوّز هاهنا؛ لأن غير الذِكر هاهنا يقوم مقام الذِكر، وهو تقليد الهدي، فكذلك غير العربية يقوم مقام العربية بخلاف الصلاة، وبهذا يفرق أبو يوسف بين الصلاة والتلبية (٢) كذا في «المبسوط» (٣)، وذكر في «فتاوى قاضي خان» (٤)، ولكن العربية أفضل، ولو قال: اللهم، ولم يزد عليه قال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل (٥): هو على الاختلاف الذي ذكرنا في الشروع في الصلاة من قال: يصير به شارعًا في الصلاة قال: يصير به محرمًا وقال: فلما (٦) زادوا على المأثور قال عبد الله بن مسعود ﵁: في هذه المسألة أجَهِل الناسُ أم طال بهم العهد لبيكَ عدد التراب لبيكَ (٧)، وأراد بالعهد عهد رسول الله ﷺ ، وزادوا في رواية: لبيكَ حقًّا حقًّا لبيك تعبّدًا ورقًّا (٨)، لبيكَ عدد التراب لبيكَ لبيكَ ذا المعارج، لبيكَ لبيكَ إله الخلق لبيكَ لبيكَ،

стр. 1343

والرغباء (١) إليك، لبيكَ من عبدٍ آبق (٢) لبيك. كذا ذكره صاحب «الأسرار» (٣)، والمحبوبي (٤). التشهد تلي التلبية مباشرة وأما الجواب عن التشهدِ فإنه روي في تعليم التشهد زيادة تأكيد، قال ابن مسعود ﵁ «أن رسول الله ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ» (٥)، ولأن شرعية التلبية على سبيلِ الشِعار (٦)، والزيادة عليه مقرونًا بالتلبية لا يفوت معنى الشعار، فلا يكره بخلاف التشهد، فإنا نكره الزيادة بعدما أدّى حق النظم المنقول؛ لأن فيه إخلالًا بنظم الصلاة كما يُكره تكرار التشهد حتى إذا كان في آخر الصلاة لا يُكره الزيادة؛ لأنه فرغ من أفعال الصلاة، وكذلك في الأذان؛ لأنه للإعلام، وقد صار معروفًا بهذه الكلمات، فلا يبقى إعلامًا بغيرها، وليس في المسألة كثير خلاف فإنه جعل المنقول أفضل؛ لأنه أبلغ في الشِعار، ونحن لا ننكر هذا كذا في «الأسرار» (٧) وغيره. (ولا يَصِيرُ شَارِعًا) إلى قوله (ما لَمْ يأتِ بالتَّلْبِيةِ (٨).

стр. 1344

أوما يقوم مقامها وهو التقليد خلافًا للشافعي، أي: في أحد قولي (١) [الشافعي] (٢) ينعقد الإحرام بمجرد النية، وجَعلَ الإحرام قياس الصوم من حيث إنه التزم الكف عن ارتكاب المحظورات (٣)، ومثل هذه العبادة يحصل بالشروع فيها بمجرد النية كالصوم، وعلى قولنا: الإحرام هذا (٤) قياس الصلاة، لأن الإحرام لأداء الحجّ والعمرة، وذلك يشتمل على أركان مختلفة كالصلاة، وكما لا يصير شارعًا بالنية بدون التحريمة، فكذلك في الإحرام بخلاف الصوم، فإنه ليس للصوم إلا ركن واحد، وهو الإمساك، وذلك معلوم بزمانه، فكان الوقت للصوم معيارًا، ولهذا لا يسع في كل زمان إلا صوم واحد فبعد وجود النية ودخول وقت الأداء لا حاجة إلى مباشرة فعل الأداء، فلهذا صار شارعًا فيه بمجرد النية، وهذا الزمان ليس بمعيار للحج، ولهذا صح أداء [الحجّ] (٥) النفل في الزمان الذي يؤدى فيه الفرض، وإنما أداؤه بأفعاله، وبمجرد النية لا يصير مباشراً للفعل، فلا يصير شارعًا في الأداء أيضًا، ولكن لو قلّد البدنة (٦) بنية الإحرام، أو/ أمر فقلدت له، وهو ينوي الإحرام صار محرمًا عندنا، وقال الشافعي (٧): "لا يصير محرمًا إلا بالتلبية" على القول الذي يقول: لا ينعقد الإحرام بمجرد النية، وحجته في ذلك: أن الفعل لا يقوم مقام الذكر في التحرم للعبادة كما في الصلاة لما كان الشروع فيها بالتكبير لا يقوم الفعل فيه مقامه، حتى لو ركع وسجد بنية الشروع في الصلاة لا يصير شارعًا، وحجتنا في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ (٨) (٩)، إلى أن قال تعالى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١٠) ولم يتقدم ذكر، الإحرام ففي قوله ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١١) إشارة إلى أن الإحرام يحصل بتقليد الهدي، وذلك مروي عن الصحابة عمر، وابن مسعود، وابن عباس ﵃ حتى روي أنَّ قيس بن سعد (١٢) كان يغسل رأسه فبعدما غسل أحد شقي رأسه نظر، فإذا هداياه قد قُلِّدَت فقامَ، وتركَ غسل الشق الآخر، فقال: أما أن من قُلِّدَت هذه الهدايا له فقد أحرم، والمعنى فيه: أن الحجّ يشبه الصلاة من وجه، والصوم من وجه فمن حيث إنه ليس في أثنائه ذكر مفروض كان مشبهًا بالصوم.

стр. 1345

محرمات الإحرام ومن حيث إنه يشتمل على أركان [مختلفة كان] (١) مشبهًا بالصلاة، فيوفي على كل واحد من الشبهين حظه، فنقول: لشبهه بالصلاة لا يصير شارعًا [فيه] (٢) بمجرد النية، ولشبهه بالصوم يصير شارعًا فيه، وإن لم يأت بالذكر إذا أتى بفعل يقوم مقام الذكر، وهذا لأن المقصود بالتلبية إظهار الإجابة للدعوة، وبتقليد الهدي تحصل الإجابة)، وسيجيء بيان التقليد، كذا في «المبسوط» (٣). (والرَّفَثُ (٤) الجِمَاعُ). منع الجماع أثناء الحج فترة الإحرام قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (٥). (أو ذِكرُ الِجماعِ بِحَضرةِ النساءِ) (٦). وإنما قيده بحضرتهن؛ لأن ذكر الجماع في غير حضرتهن ليس من الرفث (٧)، حتى روي أن ابن عباس (٨) كان ينشد في إحرامه: وهُنَّ يمشينَ بنا هميسًا (٩) إن يصدُقِ الطَّير نَنِكْ لميسًا

стр. 1346

فقيل له: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث بحضرة النساء، وقال أبو هريرة ﵁: كنا ننشد الأشعار في حالة الإحرام، فقيل له: مثل ماذا فقال مثل قول القائل: قَامَتْ تُرِيكَ رَهْبَةً أَنْ تَصْرَمَا … سَاقَا بَخَنْدَاةً وَكَعْبًا أَدْرَمَا (١) البخنداة، والخبنداة (٢)، من النساء التامة القصب (٣)، القصب كل عظم مستدير أجوف، والدرم في الكعب أن يوازيه اللحم حتى لا يكون له حجم، وكعب أدرم [وقد درِم] (٤) بالكسر، والمرأة درماء. منع الصيد (ولا يقْتُلُ صَيداً) (٥). المراد من الصيد: المَصيد لا المصدر، بدليل إضافة القتل إليه. (وأنتم حرم أي: محرمون جمع حرام كردخ في جمع رَدَاخ، وهو الجعبة العظيمة. وحاصله: أن الذي يَحرُم على المُحرِم ثمانية أشياء: الجماعُ، وحلقُ الرأسِ، والإبطِ (٦)، والعانةِ (٧)، والطيبُ، والنُورَةُ (٨)، ولبسُ المخيط، ولبس

стр. 1347

الخف (١)، والاصطيادُ في البر مما يؤكل لحمه أو لا يؤكل، وتقليم الأظفار، والأدَّهانُ، فإن فعل شيئاً من ذلك يذبح شاة، إلا الجماع فإن حكمه مختلف على ما يجيء، كذا ذكره الإمام المحبوبي ﵀. (ولا يُشِيرُ إليه، ولا يَدلُّ عَليه). الإشارةُ تقتضي الحضرة، والدلالة تقتضي الغيبة، وهو الفرق بينهما، ولأنه إزالة الأمن عن الصيد، وهو حرام على المُحرِم، وذلك يحصل بالدلالة، والإشارة، وما يكون محرَّم العين فهو محرَّم بدواعيه كالزنا. (والكَعْبُ هُنَا المِفْصَلُ التي في وَسَطِ القَدَمِ عِندَ مَعقدِ الشِّرَاكِ). وعلى هذا قال المتأخرون (٢) من مشايخنا لا بأس للمحرم بأن يلبس التُمشكَ؛ لأنه لا يستر الكعب فهو بمنزلة النعلين (٣) كذا في «المبسوط» (٤) التُمُشْكُ لغةٌ بُغدادية بضم الأول والثاني، وسكون الثالث، وهو مما لم يُذكر في الأصول كذا في «المغرب» (٥). (ولنا قوله ﷺ : «لا تُخَمِّروا (٦) وَجْهَهُ، ولا رَأسَهُ، فإنهُ يبعثُ يومَ القيامةِ ملبياً» (٧) قاله في محرم تُوفي)، وهو الأعرابي الذي وقصت (٨) به ناقته في أخانيق جرذان وهو محرم فمات.

стр. 1348

فإن قلتَ: كيف يتمسك أصحابنا بهذا الحديث ومذهبنا على خلاف حكم هذا الحديث في محرم يموت في إحرامه حيث يُصنع به ما يُصنع بالحلال من تغطية رأسه ووجهه بالكفن عندنا خلافًا للشافعي (١)، وهو يتمسك هناك بهذا الحديث. قلتُ: في الحديث دليل على أن للإحرام تأثيرًا في ترك تغطية الرأسِ والوجهِ، فإنه ﷺ علل لترك التغطية بأنه يبعث ملبياً، أي: محرمًا، ثُمَّ الحجّة لنا في تغطية رأس المحرم ووجهه إذا مات، منع خمر الوجه والرأس ما روى عطاء (٢) أن النبي ﷺ سئل عن/ محرم مات؟ فقال: «خمروا رَأسَهُ ووجههُ، ولا تُشَبِهوه باليهودِ» (٣)، وسُئلتْ عائشةُ ﵂ في ذلك فقالت: «اصْنَعُوا بِهِ مَا تَصْنَعُونَ بِمَوْتَاكُمْ» (٤)، ولأنه انقطع بموته قال النبي ﷺ : «إذا مَاتَ ابنُ آدمَ انقطعَ عملهُ إلا مِنْ ثَلاثة» (٥)، والإحرام ليست منها فينقطع بالموت.

стр. 1349

وحديث الأعرابي تأويله «أنَّ النبي ﷺ عرف بطريق الوحي خصوصيته ببقاء إحرامه بعد موته، وقد كان رسول الله ﷺ يخص بعض أصحابه بأشياء، وكذا أيضًا في وجوب كشف الوجه للمحرم هو أن النبي ﷺ رخص لعثُمَّان حين اشتكت عينه في حالة الإحرام أنْ يغطي وجهه، فتخصيصه حال الضرورة بالرخصة، دليل على أنَّ المُحرمَ منهي عن تغطيةِ الوجهِ» هذا كله من «المبسوط» (١). منع الطيب على المحرم (ولا يَمَسُّ طِيبًا) (٢). الطيبُ ما له رائحة طيبة. (الْحاجُّ الشَّعِثُ) (٣). هذا جملة من مبتدأ أو خبر، والشَعِثُ من الشَعَثِ بكسر العين نعت، وبفتحها مصدر، وهو انتشار الشعر، وتغبره لقلة التعهد (٤)، وكذلك التَفَلُ من التَفَلِ، وهو أنْ يتركَ التطيب حتى يوجد منه رائحة كريهة. وامرأةٌ تفلةٌ أي: غير متطيبة، ومنها وليخرجن تفلات كذا في «المغرب» (٥). لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ (٦) الآية. فإن قلتَ: في هذه الآية نهيٌ عن حلقِ الرأسِ، فما وجه التمسك بها في النهي عن حلق شعر البدن؟ قلتُ: حلق شعر البدن في معنى حلق شعر الرأس من حيث الارتفاق (٧)، فكانت الآية عبارة في حق حلق [شعر] (٨) الرأس، ودلالة في حق شعر البدن، وذلك لأن الشعر له حياة نامية فينمو ويزداد، فإذا نُهي عن حلق الرأس استحق شعر رأسه الأمن عن الإزالة، فيشاركه في ذلك ما هو في معناه، وشعر البدن في معناه، فيلتحق به في حق استحقاق الأمن عن الإزالة إلى هذا أشار في «مبسوط شيخ الإسلام» (٩).

стр. 1350

الوَرسُ (١) صبغ أصفر، وقيل: نبت طيب الرائحة، وفي «القانون» (٢) الوَرسُ شيء أحمر قانئ يشبه سحيق الزعفران، وهو مجلوب من اليمن. (إلا أنْ يَكونَ غَسِيلًا، لا يَنْفُضُ) (٣). النفض تحريكُ الشيء ليسقطَ ما عليه من غبارٍ أو غيره يقال: نَفَضَه فانتفض، ومنه ثوبٌ نافضٌ ذهبَ بعضُ لونهِ من حمرةٍ أو صفرةٍ. والنفض عند الفقهاء التناثر (٤)، وعن محمد ﵀: أن لا يتعدى أثر الصبغ إلى غيره أو لا تفوح منه رائحة الطيب، ومنه قوله: (إلا أنْ يَكونَ غَسِيلًا) (٥) كذا في «المغرب» (٦). وذكر في «فتاوى قاضي خان» (٧): إلا أن يكون غسيلًا. (لا ينفض). منع الطيب العصفر والزعفران على المحرم أي: لا يوجد منه رائحة العصفر (٨)، والزعفران (٩)، وتعليل الكتاب (١٠) يدل على هذا التفسير. ومذهبنا في حرمةِ العصفر على المحرم مذهبُ عائشةَ ﵂ وهي لا ترد بأسماء ﵂ ولا تعارض بها، لأن أسماء لم تكن من أهل الاجتهاد، ثُمَّ نص الحديث ورد في تحريم الوَرْسِ، فهو دليل على تحريم المعصفر بالطريق الأولى، إذ الورس دون العصفر في الرائحة كذا في «الأسرار» (١١).

стр. 1351

(إنْ كَانَ لَا يُصِيب رَأسه وَلَا وَجهه فَلَا بَأْس بِهِ) (١). منع تغطية الرأس على المحرم لأن التغطية إنما تحصل بما يمس بدنه وإن كان الستر يصيب رأسه و وجهه كُرهت له ذلك لتغطية الرأس والوجه، وعلى هذا لو حمل المحرم شيئاً على رأسه، فإن كان شيئاً من جنس ما لا يغطى به الرأس كالطَّشْت والإِجَّانة (٢) ونحوهما فلا شيء عليه، وإن كان من جنس ما يغطى به الرأس من الثياب (٣) فعليه الجزاء، لأن ما لا يُغطى به الرأس يكون هو حاملًا لا مستعملاً. ألا ترى أن الأمين لو فعل ذلك لا يصير ضامنًا كذا في «المبسوط» (٤). الهمْيان فِعلان، من هَمَي الماءُ والدمع، يهميَ همياً إذا سال، وسُمي به لأنه يهمي بما فيه، وقول الحريريّ، هَمّن، بمعنى جعل الشيء في الهمْيان، على توهم أصالة النون، كقولهم بَرهَنَ، من البرهان، كذا وجدت بخط الإمام الزرنوجي (٥) ﵀. سُئلتْ عائشة ﵂ فقيل هل يلبس المحرم الهمْيان؟ [فقالت] (٦) «استُوثقْ في نَفَقَتِكَ بِمَا شِئت» (٧)، ولنا أنه ليس في معنى لبس المخيط. (فاستوت فيهِ الحَالتان).

стр. 1352

أي: نفقة نفسه، ونفقة غيره، فإن قلتَ: يشكل على هذا شد الإزار والرداء بحبل أو غيره، فإن ذلك مكروه إجماعًا مع أن ذلك أيضًا ليس في معنى لبس المخيط. قلتُ: تثبت الكراهة (١) هناك بحديث خاص ورد فيه، وهو ما روي عن النبي ﷺ «أنه رأى رجلًا قد شد فوق/ إزاره حبلًا فقال: ألق ذلك الحبل، ويْلَك!!» (٢)، وكذلك [لا] (٣) يكره أن يحل [له] (٤) رداؤه بحلال؛ لأنه لا يحتاج إلى تكلف في حفظه على نفسه، ولكنه مع هذا لو فعل لا شيء عليه؛ لأن المحظور عليه الاستمتاع بلبس المخيط، ولم يوجد ذلك، فإن قلتَ: يُشكل على هذا عصب العصابة على رأسه، فإن ذلك مكروه، فلو فعل يوماً إلى الليل فعليه صدقة مع أنه لم يوجد الاستمتاع بلبس المخيط هنا (٥) أيضًا. قلتُ: وجوب الصدقة هناك لا باعتبار الاستمتاع بالمخيط، بل باعتبار (تغطية بعض الرأس بالعصابة، وهو ممنوع من تغطية الرأس إلا أن ما يُغطى به جزء يسير من رأس، فتكفيه الصدقة لعدم تمام جنايته (٦) كذا في «المبسوط» (٧). لأنه نوع طيب، ولأنه يقتل هوامّ الرأس فلوجود هذين المعنيين تكاملت الجناية، فوجب الدم عند أبي حنيفة ﵀ إذا غسل رأسه بالخطميّ (٨)، فإن له رائحة وإن لم يكن ذكية.

стр. 1353

(وفي قول أبي يوسف ﵀: عليه صدقة؛ لأنه ليس بطيب، بل هو كالأشنان (١) يُغسل به الرأس، ولكنه يقتل الهوام (٢)، كذا في «المبسوط» (٣). (وَكُلَّما عَلا شَرَفاً) (٤). بفتحتين أو كلما علا مكانًا مرتفعًا. وروى الأعمش (٥) عن خيثُمَّة (٦) كانوا يستحبون التلبية عند ست: في أدبار الصلاة، وإذا استعطف الرجل راحلته، وإذا صعد شرفاً (٧)، وإذا هبط واديًا (٨)، وإذا [لقي] (٩) بعضهم بعضًا، وبالأسحار (١٠).

стр. 1354

رفع الصوت بالتلبية (ويَرفعُ صَوتهُ بالتلبِيةِ) (١). التكبير عند رؤية الكعبة والمستحب عندنا في الدعاء والأذكار: الخِفْيةُ، إلا فيما تعلق بإعلامه مقصود كالأذانِ، والخطبةِ، وغيرهما، والتلبية أيضًا للشروع فيما هو من أعلام الدين، فلهذا كان (المستحب رفع الصوت [بها] (٢) هكذا في «المبسوط» (٣). (وَإذا عَاَينَ (٤) البَيتَ كَبَّرَ وهَلَّلَ) (٥). والمعنى فيه أن الله أكبر من هذه الكعبة المعظمة، أي: أن (٦) حرمتك وجلالك من الله الأكبر لا منك، ومعنى التهليل يقول: لا إله إلا الله تبرؤاً عن كل شيء إلى الله، ويشير إلى قطع شركه إلى الغير في الألوهية، وكمال العظمة والجلال. ماذا يقول المحرم عند رؤية الكعبة (وإنْ تَبَركَ (٧) بِالْمنَقولِ منها فَحَسن). ومن المنقول هو «أنه إذا وقع بصره على البيت يقول: اللهم زد بيتك تشريفًا، وتكريمًا، وتعظيمًا، وبرًّا، ومهابةً، وزد من شرفه، وكرمه، وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفًا، وتكريمًا، وتعظيمًا، ومهابةً، بسم الله، الله أكبر» (٨). وعن عطاء: أن النبي ﷺ كان إذا لقِيَ البيت قال: «أَعُوذُ بِرَبِّ الْبَيْتِ مِنْ الدَّيْنِ، وَالْفَقْرِ وَمِنْ ضِيقِ الصَّدْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ» (٩)، ويدخل مسجد الحرام من باب بني شيبة، ويقول عند الدخول: «اللهم صل على محمد وسلم، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، اللهم هذا حرمك، وأمنك، الذي من دخله كان آمنًا، أسألك يا حنان ويا منان أن تحرّم لحمي، ودمي، وشعري، وبشرتي على النار، اللهم أمّني من عذابك يوم تبعث عبادك، اللهم جنبنا عقوبتك، ووفقنا لصالح الأعمال والأخلاق، فإنه لا يهدي لصالحها إلا أنت، واصرف عني سيئها، فإنه لا يصرف [عني] (١٠) سيئها إلا أنت، ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب» كذا ذكره الإمام المحبوبي ﵀.

стр. 1355

(وَاسْتَلَمَهُ إنْ اسْتَطَاعَ) (١). استلام الحجر واستلم الحجر (٢) تناوله باليد، أو بالقبلة، أو مسحه بالكف من السَلِمة بفتح السين، وكسر اللام، وهي الحجر كذا في «المغرب» (٣)، وعن عمر ﵁ أنه استلم الحجر الأسود، وقال: «رأيت أبا القاسم (٤) بك حفيًا» (٥)، وعن ابن عمر ﵁: (أن النبي ﷺ قبّل الحجر، ووضع شفتيه [عليه] (٦)، وبكى طويلًا [ثُمَّ نظر] (٧) فإذا هو بعمر ﵁ فقال: يا عمر هاهنا تُسكب العبرات (٨)، وإن عمر ﵁ في خلافته لما أتى الحجر الأسود وقف فقال: «أما إني أعلم أنك حجر لا تضر، ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ استلمك ما استلمتك» (٩) فبلغ مقالته عليًّا ﵁ (١٠)، فقال: أما أن الحجر ينفع، فقال له عمر ﵁: وما منفعته يا ختن (١١) رسول الله ﷺ ، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله تعالى لما أخذ الذرية من ظهر آدم، وقررهم بقوله:

стр. 1356

﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (١)، أودع إقرارهم الحجر فمن استلم (٢) الحجر فهو يجدد العهد بذلك الإقرار، والحجر يشهد له يوم القيامة» (٣)، وفي رواية (٤): «مناسك البزدوي» (٥). فقررهم أنه الرب، وهم العبيد، ثُمَّ كتب ميثاقهم في رق، فقال له: افتح فاك (٦) فَأَلْقَمَهُ ذلك الرق، فقال: تشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة. واستلام الحجر للطوف بمنزلة التكبير للصلاة ليبدأ به طوافه. (والتحَرُزُ عَنْ أذَى المسلمِ/ واجبٌ) استلام الحجر باليد وبالإشارة له فلا ينبغي له أن يؤذي مسلمًا لإقامة السُّنة، ولكن إن استطاع تقبيله فعل، وإلا مس الحجر بيده وقبّل يده، وإن لم يستطع ذلك أمسَّ الحجر شيئًا في يده من عُرجون أو غيره، ثُمَّ قبّل ذلك الشيء، وإن لم يستطع شيئاً من ذلك استقبله، وكبّر، وهلّل، ويجعل باطن كفيه إلى الحجر، فلا يجعل باطن كفيه إلى السماء كما يُفعل في سائر الأدعية؛ لأن في حقيقة الاستلام باطن كفيه إلى الحجر، فكذا في البدل كذا وجدت بخط شيخي ﵀ وهذا استقبال مستحب غير واجب؛ لأن استقبال الحجر عند الطواف لو كان واجبًا كان في جميع الطواف كاستقبال القبلة في الصلاة، ولكنه مستحب لحديث ابن عباس ﵁ قال: «إنْ الحجرَ يبعثُ يومَ القيامةِ له عينانِ يبصرُ بِهما، ولسانٌ ينطقُ به يشهدُ بالحقِ لمن اسْتَلمَهُ واسْتَقَبَلَهُ» (٧).

стр. 1357

العُرجون (١): العذق الذي يعوج، ويقطع منه الشماريخ، فيبقى على النخل يابسًا. والحجَن بالتحريك الاعوجاج، والمِحجَن (٢) كالصولجان، وهو عود مُعوجّ الرأس، ثُمَّ إذا استقبل الحجر الأسود يقول عند أول طواف يطوف: (بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك، [اللهم هذا البيت بيتك] (٣) اللهم هذا الحرم حرمك، وهذا الأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار)، كذا ذكره الإمام الأستاجي. قوله: (وَاسْتَلَمَ الأركَانَ بِمحجَنِه). بداية الطواف أراد بالأركان الحجر الأسود، والركن اليماني، وجمعه باعتبار تكرر الأشواط، وإنما قلناه؛ لأنه ذُكر في الكتاب بعد هذا، فإنه لا يستلم غيرهما. (ثُمَّ أخَذَ عَنْ يَمَينه) (٤). أي (٥): عن يمين نفسه، وهو يمين الطائف فطاف بالبيت، فكان ابتداء الطواف من الحجر الأسود إلى جانب الباب. وذكر في «المبسوط» (٦): (ثُمَّ طف، على يمينك) على باب الكعبة، وأما لو افتتح الطواف من غير الحجر الأسود) لم يذكر محمد ﵀ هذا الفصل في الأصل، وقد اختلف فيه المتأخرون بعضهم قالوا: لا يجوز، وهكذا ذُكر في «الرّقَيَّاتِ (٧)» (٨) فوجهه أن الأمر بالطواف مجمل في حق البداية فالتحق فعل النبي ﷺ بيانًا له فتفترض البداية (٩)، وبعضهم قالوا: يجوز؛ لأن الأمر بالطواف مطلق لكن السنة ما ذكر في الكتاب (١٠).

стр. 1358

وإنما قيد بقوله: (ثُمَّ أخذ عن يمينه) (١) فإنه لو أخذ عن يساره، وهو الطواف المنكوس (٢)، وطاف كذلك سبعة أشواط يعتد به طوافه عندنا، ويعيده مادام بمكة، وإن رجع إلى أهله قبل الإعادة (٣) فعليه دم (٤). وقال الشافعي (٥): "لا يعتد بطوافه" كذا في «الذخيرة» (٦)، و «مبسوط شيخ الإسلام» (٧). (وَقَدْ اضطَبَعَ رِدَاءهُ) (٨). وذكر في «المْغُرِب» (٩)، وهو سهو، وإنما الصواب: بردائه، وفي «الصحاح» (١٠): وإنما سمي هذا الصنيع بذلك لإبداء الضبعين، وهو التأبط أيضًا عن الأصمعي، ويلقيه على كتفه الأيسر، ويبدي منكبه الأيمن، ويغطي الأيسر. الطواف وراء الحطيم (وَيجعَلُ طَوَافَهُ مِنْ وَرَاءِ الحْطَيمِ) (١١). الحطيم: اسم لموضع بينه وبين البيت فرجه، وتسميته بالحطيم على أنه محطوم من البيت. حدود الكعبة الأصلية (الحطيم جزء من الكعبة) أي: مكسَّر منه، فعيل، بمعنى مفعول، وقيل: بل فعيل بمعنى فاعل، أي: حاطم كالعليم بمعنى العالم، وبيانه فيما جاء في الحديث: «من دعا على من ظلمه فيه حطّمه الله» (١٢) لقوله ﷺ في حديث عائشة ﵂ وهو ما روي أن عائشة

стр. 1359

-﵂ «نذرتْ إنْ فَتحَ اللُه مكةَ على رسولهِ أنْ تصلي في البيتِ ركعتين، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها وأدخلها الحطيم فقال: صلي هاهنا فإن الحطيمَِ مِن البيتِ إلا أنَّ قومك قصرت بهم النفقة، فأخرجوه من البيت، ولولا حِدثان (١) قومك بالجاهلية لنقضت بناء الكعبة، وأظهرت قواعد الخليل وأدخلت الحطيم في البيت، وألصقت العتبة بالأرض، وجعلت لها بابًا شرقيًا، وبابًا غربيًا، ولئن عشت إلى قابل لأفعلن ذلك فلم يعش» (٢)، ولم يتفرغ لذلك أحد من الخلفاء الراشدين حتى كان زمن عبد الله بن الزبير، وكان سمع الحديث فيها ففعل ذلك، وأظهر قواعد الخليل، وبنى البيت على قواعد الخليل ﵇ بمحضر من الناس فأدخل الحطيم في البيت، فلما قُتل، كره الحَجَّاجُ بناء البيت على ما فعله ابن الزبير، فنقض بناء الكعبة، وأعاده على ما كان عليه في الجاهلية، فإذا ثبت أن الحطيم من البيت فالطواف بالبيت كما قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣) (٤)، نبغي له أن يطوف من وراء الحطيم، ولا يقال: لو استقبل الحطيم في الصلاة لا تجوز صلاته، ولو كان الحطيم من البيت لجازت؛ لأنّا نقول: إن الحطيم من البيت إنما ثبت بخبر الواحد (٥)، وفرضية استقبال الكعبة (٦) ثبت بالنص (٧)، فلا يتأدى بما ثبت بخبر الواحد) (٨).

стр. 1360

فالحاصل: أنه يحتاط (١) في الطواف، والصلاة جميعًا، وذكر الإمام الأستاجي فقال: إذا بلغ الطائف مقابل الباب يقول: "اللهم بيتك عظيم، ووجهك كريم، وأنت أرحم الراحمين فأعذني من النار، ومن الشيطان الرجيم، وحرّم لحمي ودمي على النار، وأمّني من أهوال يوم القيامة، واكفني مؤنة الدنيا والآخرة"، وإذا بلغ الركن العراقي يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الشرك، والشك، والنفاق، والشقاق، وسوء الأخلاق، وسوء المنظر في الأهل، والمال، والولد" (٢)، وإذا بلغ الميزاب يقول: "اللهم أظلني تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك ولا إله غيرك يا أرحم الرحمين، اللهم اسقني بكأس محمد ﷺ شربة لا أظمأ بعدها أبدًا" (٣)، وإذا بلغ الركن الشامي يقول: "اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا، وتجارة [لن تبور (٤) يا عزيز يا غفور، رب اغفر، وارحم، وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم" (٥)، وإذا بلغ الركن اليماني يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر، وأعوذ بك من الفقر، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من الخزي في الدنيا، والآخرة" (٦)، ويقول فيما بين الركن اليماني، والحجر الأسود: "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا برحمتك عذاب القبر، وعذاب النار" (٧)، ويقول أيضًا عند الحجر [الأسود] (٨) إذا بلغه: "اللهم اغفر لي برحمتك، وأعوذ برب هذا الحجر من الدين، والفقر وضيق الصدر، وعذاب القبر"، وهذا الذي ذكرته شوط واحد من الأشواط السبعة، وذكر في «المغرب» (٩) الشوط جري مرة إلى الغاية.

стр. 1361

(وَيَرْمُلُ في الثَّلاث الأُول) (١). كيفية الطواف الرَّمل، والرملَان بالتحريك فيها، الهرولة من حد نصَرَ، وكان ابن عباس ﵁ يقول: لا رمل في الطواف، وإنما فعله رسول الله ﷺ إظهارًا للجلادة للمشركين على ما روي في عمرة القضاء، وهو أن النبي ﷺ لما قدم مكة للعمرة في عام الحُدَيْبيةُ (٢) صده المشركون عن البيت، فصالحهم على أن ينصرف، ثُمَّ يرجع في العام الثاني، ويدخل مكة بغير سلاح فيعتمر ويخرج، فلما قدم في العام الثاني أخلوا له البيت ثلاثة أيام، وصعدوا الجبل. طاف رسول الله ﷺ مع أصحابه، فسمع بعض المشركين يقول لبعض: أضناهم حُمى يثرب. فاضطبع رسول الله ﷺ رداءه فرمل، وقال لأصحابه: «رحم الله امرءًا أرى من نفسه قوة» (٣)، فإذا كان ذلك لإظهار الجلادة يومئذ، وقد انعدم ذلك المعنى الآن فلا معنى للرمل. والمذهب عندنا: أن الرَّمل سنة لحديث جابر، وابن عمر (٤) ﵃: «أنَّ النبي ﷺ طافَ يومَ النحرِ في حجةِ الوداعِ فرمل في الثلاث الأول» (٥)، ولم يبق المشركون بمكة في عام حجة الوداع، وروي [أن] (٦) عمر ﵁ لما أراد الرمل في طوافه فقال: "عَلامَ أهزُ كتفي وليس هاهنا أحدٌ رأيته، ولكني رأيتُ رسولَ الله ﷺ يفعلهُ فأفعلهُ اتباعًا له" (٧).

стр. 1362

وأكثر ما فيه أن سببه ما ذكره ابن عباس ﵁، [لم يبق] (١) ولكنه صار سنة لذلك السبب، فيبقى بعد زواله كرمي الجمار سببه رميُ الخليلِ الشيطانَ الذي كان يراه، ثُمَّ بقي بعد زوال ذلك السبب. (وَيَمشِي في البَاقِي عَلَى هَيْنَته) (٢). أي: على السكينةِ، والوقارِ (فَعْلَة) من الهون. (وَالرَّمَلُ مِنْ الحْجَرِ إلى الحْجرِ) (٣). أي: من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، وهذا عندنا، وقال سعيد بن جبير: "لا رمَل بين الركن اليماني، والحجر". وروي في بعض الآثار: أن النبي ﷺ كان يرمُل من الحجر إلى الركن اليماني؛ لأن المشركين كانوا يطلعون عليه، فإذا تحول إلى الجانب الآخر حال البيت بينه وبينهم، فكان لا يرمل لكنّا نأخذ بحديث جابر، وابن عمر أنه ﷺ رمل في الثلاثة الأُول من الحجر إلى الحجر. (فَإنْ زَحَمهُ النَّاسُ في الرَّملِ قَامَ) (٤). أي وقف، ولا يطوف بدون الرمل في تلك الثلاث، (ويستلم الركن اليماني) (٥). اليمن خلاف الشام؛ لأنها بلاد على يمين الكعبة، والنسبة إليها يمنيّ بتشديد الياء أو يَمانٍ بتخفيف على تعويض الألف من إحدى يائي النسب كذا في «المغرب» (٦). (وَهو حَسن). أي: مستحب، وذكر في «فتاوى قاضي خان» (٧) واستلام الركن اليماني مُستحب في قول أبي حنيفة ﵀ وليس بواجب. الصلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم (ثُمَّ يأتي [المقام]) (٨). أي: مقام إبراهيم ﵇، وذكر في «المغرب» (٩) المقام بالفتح (١٠) موضع القيام، ومنه مقام إبراهيم، وهو الحجر الذي [ظهر] (١١) فيه أثر قدميه، وموضعه أيضًا، فأما المقام بالضم فموضع الإقامة، وهي واجبة عندنا، فإن قيل: روي أن النبي ﷺ علّم الأعرابي الصلوات الخمس [فقال: هل عليّ غيرهن؟ فقال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَتَطَوَّعَ» (١٢) فقد جعل النبي ﷺ ما زاد على الخمس] تطوعًا، فكيف يثبت الوجوب مع وجود هذا الحديث؟

стр. 1363

قلنا: هذا الحديث متروك الظاهر، فإنّا أجمعنا أن صلاة الجنازة وصلاتي العيدين واجبة وليس في الحديث بيانها، أو يحتمل أن ذلك الحديث كان قبل هذا الحديث لورود التخلف بالإجماع. أنواع الطواف وهذا الطواف طواف القدوم، وله أربعة أسماء: هذان، وطواف اللقاء، وطواف أول العهد. وفيما رواه سماه تحية، وهو دليل الاستحباب؛ لأن التحية في اللغة اسم لإكرام يُبتدأ به الإنسان على سبيل التبرع (١)، فلا يدل على الوجوب وإن كان على صيغة الأمر كما في قوله: (أكرموا الشهود). يعتبر الطواف تحية للبيت فإن قلتَ: يشكل على هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ … فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٢)، وجواب السلام واجب، وإن كان بلفظة التحية. قلتُ: عنه جوابان. أحدهما: أن الجواب المقيد بالأحسن ليس بواجب، فكانت التحية لمعنى الأحسن والثاني: أن لفظة التحية هنا مُخرَّج على طريق المطابقة (لقوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ﴾ (٣)، فلا يدل على عدم الوجوب، ولأن الطواف الذي هو ركن مؤقت بيوم النحر بالإجماع (٤) فلا يتكرر ركن واحد في الإحرام كالموقوف، فجعلناه سنة لهذا بخلاف طواف الصدر، فإنه يؤتى به بعد تمام التحلل فلو جعلناه واجبًا لا يؤدي إلى تكرار الطواف الواجب في الإحرام، فكان هذا الطواف بمنزلة ثناء الافتتاح في الصلاة؛ لأن التلبية عند الإحرام هاهنا كالتكبير هناك، وثناء الافتتاح بعد التكبير هناك سنة، فكذا الطواف عقيب الإحرام هنا سنة. (ثُمَّ يَخْرُجُ إلى الصَّفا فَيَصعَدُ عَلَيْه) (٥) إلى آخره. وذكر في «التحفة» (٦): والمفرد بالحج إذا طاف طواف اللقاء تحية للبيت، فالأفضل له أن لا يسعى بين الصفا والمروة؛ لأن طواف اللقاء سنة، والسعي واجب فما ينبغي أن يجعل الواجب تبعًا للسنة، ولكن يؤخر إلى طواف الزيارة؛ لأنه ركن، والواجب يجوز أن يجعل (٧) تبعًا للفرض، ومتى أخر السعي عن طواف اللقاء، فإنه لا يرمل فيه، وإنما الرمل سنة في طواف يعقبه السعي عرفناه بالنص بخلاف القياس، فيقتصر على مورد النص، ولكن العلماء رخصوا في [إتيان] (٨) السعي عقيب طواف اللقاء؛ لأن يوم النحر الذي هو وقت طواف الزيارة يوم شغل من الذبح، ورمي الجمار، ونحو ذلك، وكان فيه تخفيف بالناس.

стр. 1364

الدعاء عند الفراغ من الطواف (وَيَدْعُو اللهَ لحاجَتِه) (١). ذكر الدعاء هاهنا، ولم يذكر عند استلام الحجر؛ لأن تلك الحالة حال ابتداء العبادة، وهذا حال ختْم العبادة، فإن ختم الطواف يكون بالسعي، والدعاء عند الفراغ من العبادة لا عند ابتدائها كما في الصلاة، وروى جابر أن النبي ﷺ لما صعد الصفا قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» (٢)، ثُمَّ قرأ مقدار خمس وعشرين آية من سورة البقرة، ثُمَّ نزل وجعل يمشي نحو المروة، فلما انصبَّت قدماه في بطن الوادي سعى حتى التوى إزاره بساقيه، وهو يقول: «رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم» (٣).

стр. 1365

الشروع في السعي بعد الطواف وذكر الإمام الأستاجي يقول في ابتداء السعي: "اللهم استعملني لسنتك، وسنة نبيك، وتوفني على ملتك، وملة رسولك، وأعذني من مضلات الفتن برحمتك يا أرحم الراحمين". وذكر في «فتاوى قاضي خان» (١): «يرفع بهذا التكبير، والتهليل صوته». (فإذا بلغَ بَطْن الوَادِي) (٢). ولم يبق اليوم بطن الوادي؛ لأن السيول كبسته وقد جعل هناك ميلان ليعلم أنه بطن الوادي حتى يسعى الناس بينهما. (يَسعَى بَينَ الميلينِ الأخضرين) (٣). هذا على طريق التغليب، فإن أحد الميلين أخضر، والآخر أحمر، كذا ذكره الإمام الإسبيجابي (٤) ﵀. وذُكر في «المغرب» (٥)، و «الصحاح» (٦): (الميل (٧) في كلام العرب مقدار منتهى مد البصر). وقيل: للأعلام المبنية في طريق مكة أميال؛ لأنها بُنيت على مقادير مدى البصير، وأما الميلان الأخضران (٨) فيهما شيئان على شكل الميلين منحوتان من نفس المسجد الحرام لا أنهما منفصلان عنه، وهما علامتان لموضع [الهرولة (٩) (١٠) في ممر بطن الوادي بين الصفا والمروة، وقيل: أصل هذه السنة أن إبراهيم ﵇ لما هاجر بها وابنه إسماعيل إلى واد غير ذي زرع، فتركها عند الكعبة، فعطشت أمه فصعدت الصفا لترى الماء فلم تر، فنزلت تمشي على هينتها (١١) تنظر إلى ولدها، فلما بلغت بطن الوادي سعت، فلما خرجت مشت، فعلت هكذا سبعًا فلما أيست (١٢) جاءت إلى ولدها فرأت ماءً قد نبع تحت رجل ولدها، فخافت الضياع، فجعلت تضع حولها أحجارًا، وفي ذلك قال ﷺ : «لولا أم إسماعيل لكانَ زمزم ماء معينًا إلى يومِ القيامةِ» (١٣)، فصار ذلك سنة، وشعائر الحجّ ليبقى لهم ذكر إلى يوم القيامة.

стр. 1366

وفي «المبسوط» (١): وللناس في أصل السعي في بطن الوادي كلام، فقد قيل: بأن أصله من فعل أم إسماعيل هاجر حين كانت في طلب الماء، كلما صار الجبل حائلًا بينها وبين النظر إلى ولدها كانت تسعى حتى تنظر إلى ولدها شفقة منها على الولد، فصار ذلك سنة، والأصح: أن نقول: [فعل رسول الله] (٢) ﷺ [في نسكه] (٣) فأمر أصحابه أن يفعلوا ذلك فنفعله اتباعًا له، ولا نشتغل بطلب المعنى فيه، كما لا نشتغل بطلب المعنى في تقدير الطواف والسعي سبعة أشواط). (كَمَا فَعلَ عَلَى الصَّفا) (٤). أي: من التكبير، والتهليل، والصلاة على النبي ﷺ ، والدعاء بحاجته. قال: (وَهَذَا شوطٌ واحدٌ فيطوفَ سبعةَ أشواطٍ تبدأُ بالصَّفَا، وَتُختمُ بالمروَةِ) (٥). وظاهرُما قال [في الكتاب] (٦) (٧): إن ذهابه من الصفا إلى المروة شوط، ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر، وإليه أشار بقوله: يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة. وذكر الطحاوي: "أنه يطوف بينهم سبعة أشواط من الصفا إلى الصفا، وهو لا يعتبر رجوعه فلا يَجْعل ذلك شوطاً آخر، والأصح: ما ذكر في الكتاب؛ لأن رواة نُسك رسول الله ﷺ اتفقوا على أنه طاف بينهما [سبعة] (٨) أشواط، وعلى ما قاله الطحاوي يصير أربعة عشر شوطًا) كذا في «المبسوط» (٩). ومعنى قوله: (يبتدأ بالصفا، ويختم بالمروة)، أي: يبدأ الشوط الأول من الصفا، ويختم الشوط السابع بالمروة، ولو كان الأمر على ما قاله الطحاوي لقال: يبدأ بكل شوط بالصفا، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (١٠). فإن قيل: الواجب في الطواف أن يُبدأ كل شوط من موضع واحد، وهو أول ما بدأ به، وهو الحجر الأسود، فينبغي أن يكون السعي كذلك قلنا: الواجب هناك الطواف بالبيت، وهو الدوران حول البيت، والدور حوله إنما يكون أن لو عاد إلى ما بدأ به، وهاهنا الواجب هو السعي بين الصفا والمروة، وهو ساع بينهما من أي موضع بدأ من الصفا أو المروة.

стр. 1367

الصلاة في المسجد - ركعتين بعد السعي فإذا فرغ من السعي يدخل المسجد، ويصلي ركعتين كذا في «فتاوى قاضي خان» (١) ومثله يستعمل للإباحة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (٢)، فاقتضى ظاهر الآية ألاّ يكون واجبًا، ولكنا تركنا هذا الظاهر في حكم الإيجاب بدليل الإجماع فبقي ما وراءه على ظاهره، وإنما ذكر هذا اللفظ، -والله أعلم- لأن الصحابة كانوا يتحرزون عن الطواف بهما لمكان الصنمين عليهما في الجاهلية إِسَافٌ، ونَائِلَةُ (٣)، فأنزل الله هذه الآية، ثُمَّ بيّن في الآية أن المقصود حج البيت لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ (٤)، فكان ذلك دليلًا على أن ما لا يتصل بالبيت من الطواف يكون تبعًا لما هو متصل بالبيت، ولا يبلغ درجة التبع درجة الأصل، فيثبت فيه (٥) صفة الوجوب لا الركنية، وهو نظير رمي الجمار من حيث إنه مقدر بعدد (٦) السبع غير مختص بالبيت، ولا يصح الاستدلال بظاهر الحديث الذي رواه؛ لأن ظاهره يدل على أن السعي مكتوب، وبالاتفاق عين السبع غير مكتوب، فإنه لو مشى في طوافه بينهما أجزأه، ولأن الحجّ فريضة ثبت (٧) بنص الكتاب يقينًا، فلا يجعل شيء ركنًا له إلا بما يوجب العلم قطعًا، والسعي يثبت بخبر الواحد فلا يصير ركنًا على ما مرّ نظيره في الصلاة، والمعنى فيه: أن السعي يؤتى به بعد الإحلال التام، فلا يكون ركنًا (٨) في/ الحجّ كالرميات، وطواف الصدر، وهذا لأن الإحرام ما شُرع إلا لأداء أركان الحجّ، ولهذا جعلنا الوقوف معظم الركنين؛ لأن الطواف يؤتى به بعد أحد الحلين، لا يتأدى السعي بلا إحرام أصلًا، وهو من أفعال الحجّ في الجملة، وأفعال الحجّ لا تتأدى إلا بإحرام علم ضرورة أنه تبع لما مضى فلا يجوز أن يكون التبع مساويًا للمتبوع في الفرضية، ولأن مبنى الحجّ على أن ركنه المقصود ينفرد بوقته كالطواف، والوقوف بعرفة، وأن ما يؤتى به في وقت الآخر يكون تبعًا؛ كالوقوف بالمزدلفة مع عرفة، فالسعي يؤتى به في وقت الطواف، بل لا وقت له، فإنه يصح مع طواف التحية، وركن الحجّ لا يخلو عن وقت معلوم من وقت الإحرام كذا في «الأسرار» (٩)، و «المبسوط» (١٠).

стр. 1368

(ثُمَّ يقيمُ بِمَكةَ حَرَامًا) (١). وإنما ذكر هذا احترازاً عن قول ابن عباس، فإنه قال: "يحلق، ويحل"، واحتج بحديث جابر أنه قال: «خرجنا معَ رسولِ الله ﷺ حجة الوداع، فمنا من أهلّ بحجة، ومنا من أهلّ بعمرة فكنت ممن أهلّ بالعمرة فدخلنا مكة صبيحة رابعة من ذي الحجّة فلما طفنا، وسعينا أمر رسول الله ﷺ من أهلّ بالحجّ بالإحلال، وأحللنا، وواقعنا النساء» (٢)، والجواب: أنه منسوخ (٣)، كان ذلك في الابتداء حين كان الناس يعدّون العمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور فأمرهم أن يحلوا، ويجعلوها عمرة تقريراً لحكم الشرع ورداً للجاهلية، ثُمَّ نُسخ ذلك. الإقامة بمكة محرمًا وقال عمر ﵁: «متعتانِ كانتا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ [وأنا] (٤) اليومَ أنهى عنهما، وأعاقبُ عليهما متعة النساءِ، ومتعة الحجِّ» (٥)، كذا في «مبسوط الإمام الإسبيجابي» (٦)؛ ولأن من شرع في إحرام الحجّ لا يحل له الخروج إلا بعد الفراغ منه، وهاهنا لم يفرغ، فلا يحل له الخروج كذا في «مبسوط فخر الإسلام». وقوله (في الكتاب)؛ لأنه محرم بالحجّ فلا يتحلل إشارة إلى هذا التعليل بخلاف إحرام العمرة، فإن العمرة ليست إلا الطواف، والسعي، فإذا [أدَّاهما] (٧) فقد فرغ من أفعال العمرة، فيحل له الخروج عن إحرامها.

стр. 1369

(والصَّلاة ُخيرُ مَوْضُوعٍ). فكذلك الطواف؛ لكن طواف التطوع أفضل من صلاة التطوع للغرباء، وأما لأهل مكة فالصلاة أفضل؛ لأن الغرباء يفوتهم الطواف، ولا يفوتهم الصلاة، وأهل مكة لا يفوتهم الأمران، فعند الاجتماع الصلاة أفضل. «كذا في شرح الطحاوي». (والتَّنَفلُ بالسَّعْي غَيْرُ مَشْرُوعٍ). فإن قيل: السعي تبع للطواف، ولهذا لا يجوز قبله، والتنفل بمتبوعه مشروع، فيجب أن يكون النفل بالسعي أيضًا مشروعًا تبعًا للطواف النفل كإصابة لفظ السلام في النوافل من الصلاة. قلنا: السعي إنما ثبت كونه عبادة بالنص بخلاف القياس فيقتصر على مورد النص، والنص ورد بالإتيان مرة فلا يشرع ثانيًا بالقياس؛ لأنه لا مجال له. (فإذا كان قبل يوم التروية (١) بيوم) (٢). وهو اليوم السابع من ذي الحجّة. (خطب الإمام خطبة) (٣). واحدة من غير أن يجلس بين الخطبتين بعد صلاة الظهر، وكذلك في الخطبة الثالثة التي يخطب بمنى، وأما في خطبة عرفات، فيجلس بين الخطبتين، وهي قبل صلاة الظهر. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٤)، و «شرح الطحاوي» (٥).

стр. 1370

اليوم الثامن من ذي الحجة يوم التروية وفي «المبسوط» (١): وإنما سُمي يوم التروية؛ لأن الحاجَّ يروون فيه بمنى أو لأنهم يروون ظهورهم فيه بمنى، ففي هذه التسمية ما يدل على أنه ينبغي لهم أن يكونوا بمنى يوم التروية. مواقيت الوقوف بعرفة (ثُمَّ يتوجه إلى عرفات) (٢). أي: ثُمَّ يتوجه من منى بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى عرفات. (وأما لو دفع (٣) قبله جاز) أي: لو ذهب من منى إلى عرفات قبل طلوع الشمس بعد صلاة الفجر من يوم عرفة جاز، كان من حقه الكلام أن يقول: أما لو دفع قبل طلوع الشمس لما أنه لم يتقدم ذكر طلوع الشمس، ولكن اتّبع لفظ «الإيضاح» (٤)، ولكن ذكر هناك (٥) الضمير بعد ذكر طلوع الشمس، فقال في «الإيضاح»: قال: وإذا طلعت الشمس يوم عرفة [خرج] (٦) إلى عرفات؛ لأن النبي ﷺ فعل كذلك، وإن وقع (٧) قبله جاز، والأول أولى. (لأنه لا يتعلق بهذا المقام حكم). [إن لم يتعلق بمنى في هذا اليوم حكم] (٨) من المناسك، فيجوز الذهاب قبل طلوع الشمس إلى عرفات للوقوف فيها، وهو الركن الأعظم، فإن قلتَ: لا شك أن الحكم الثابت بالعبارة أقوى من الحكم الثابت بالإشارة، وقد/ انعكس هذا في حق الوقوف بعرفة مع الوقوف بمزدلفة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٩)، فما وجهه، ولو ثبتت ركنية الوقوف بعرفات بقوله ﷺ : «الحجُّ عرفة» (١٠)، وهو خبر واحد فكيف ثبتت به الركنية مع أن الوقوف بعرفات أعظم الركنين؟ الوقوف بالمزدلفة ليس ركنا قلتُ: القوة والضعف من العبارة والإشارة إنما تظهر عند المعارضة، ولا معارضة هاهنا بينهما لا زمناً ولا مكانًا، فعند عدم المعارضة كل واحدة من العبارة والإشارة، والاقتضاء يوجب الحكم قطعًا لما عُرف، فلما دلت إشارة الكتاب على الوقوف ثُمَّة، وقد انعقد الإجماع على ركنيته ثبتت [الركنية] (١١)، فكان خبر الواحد داعيًا إلى ذلك الإجماع وعدم ركنية الوقوف بمزدلفة مع أنه ثبت بعبارة النص يجيء بعد هذا.
следующие страницы →