← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وفي «المبسوط» (١): وللناس في أصل السعي في بطن الوادي كلام، فقد قيل: بأن أصله من فعل أم إسماعيل هاجر حين كانت في طلب الماء، كلما صار الجبل حائلًا بينها وبين النظر إلى ولدها كانت تسعى حتى تنظر إلى ولدها شفقة منها على الولد، فصار ذلك سنة، والأصح: أن نقول: [فعل رسول الله] (٢) ﷺ [في نسكه] (٣) فأمر أصحابه أن يفعلوا ذلك فنفعله اتباعًا له، ولا نشتغل بطلب المعنى فيه، كما لا نشتغل بطلب المعنى في تقدير الطواف والسعي سبعة أشواط). (كَمَا فَعلَ عَلَى الصَّفا) (٤). أي: من التكبير، والتهليل، والصلاة على النبي ﷺ ، والدعاء بحاجته. قال: (وَهَذَا شوطٌ واحدٌ فيطوفَ سبعةَ أشواطٍ تبدأُ بالصَّفَا، وَتُختمُ بالمروَةِ) (٥). وظاهرُما قال [في الكتاب] (٦) (٧): إن ذهابه من الصفا إلى المروة شوط، ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر، وإليه أشار بقوله: يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة. وذكر الطحاوي: "أنه يطوف بينهم سبعة أشواط من الصفا إلى الصفا، وهو لا يعتبر رجوعه فلا يَجْعل ذلك شوطاً آخر، والأصح: ما ذكر في الكتاب؛ لأن رواة نُسك رسول الله ﷺ اتفقوا على أنه طاف بينهما [سبعة] (٨) أشواط، وعلى ما قاله الطحاوي يصير أربعة عشر شوطًا) كذا في «المبسوط» (٩). ومعنى قوله: (يبتدأ بالصفا، ويختم بالمروة)، أي: يبدأ الشوط الأول من الصفا، ويختم الشوط السابع بالمروة، ولو كان الأمر على ما قاله الطحاوي لقال: يبدأ بكل شوط بالصفا، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (١٠). فإن قيل: الواجب في الطواف أن يُبدأ كل شوط من موضع واحد، وهو أول ما بدأ به، وهو الحجر الأسود، فينبغي أن يكون السعي كذلك قلنا: الواجب هناك الطواف بالبيت، وهو الدوران حول البيت، والدور حوله إنما يكون أن لو عاد إلى ما بدأ به، وهاهنا الواجب هو السعي بين الصفا والمروة، وهو ساع بينهما من أي موضع بدأ من الصفا أو المروة.

стр. 1367

الصلاة في المسجد - ركعتين بعد السعي فإذا فرغ من السعي يدخل المسجد، ويصلي ركعتين كذا في «فتاوى قاضي خان» (١) ومثله يستعمل للإباحة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (٢)، فاقتضى ظاهر الآية ألاّ يكون واجبًا، ولكنا تركنا هذا الظاهر في حكم الإيجاب بدليل الإجماع فبقي ما وراءه على ظاهره، وإنما ذكر هذا اللفظ، -والله أعلم- لأن الصحابة كانوا يتحرزون عن الطواف بهما لمكان الصنمين عليهما في الجاهلية إِسَافٌ، ونَائِلَةُ (٣)، فأنزل الله هذه الآية، ثُمَّ بيّن في الآية أن المقصود حج البيت لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ (٤)، فكان ذلك دليلًا على أن ما لا يتصل بالبيت من الطواف يكون تبعًا لما هو متصل بالبيت، ولا يبلغ درجة التبع درجة الأصل، فيثبت فيه (٥) صفة الوجوب لا الركنية، وهو نظير رمي الجمار من حيث إنه مقدر بعدد (٦) السبع غير مختص بالبيت، ولا يصح الاستدلال بظاهر الحديث الذي رواه؛ لأن ظاهره يدل على أن السعي مكتوب، وبالاتفاق عين السبع غير مكتوب، فإنه لو مشى في طوافه بينهما أجزأه، ولأن الحجّ فريضة ثبت (٧) بنص الكتاب يقينًا، فلا يجعل شيء ركنًا له إلا بما يوجب العلم قطعًا، والسعي يثبت بخبر الواحد فلا يصير ركنًا على ما مرّ نظيره في الصلاة، والمعنى فيه: أن السعي يؤتى به بعد الإحلال التام، فلا يكون ركنًا (٨) في/ الحجّ كالرميات، وطواف الصدر، وهذا لأن الإحرام ما شُرع إلا لأداء أركان الحجّ، ولهذا جعلنا الوقوف معظم الركنين؛ لأن الطواف يؤتى به بعد أحد الحلين، لا يتأدى السعي بلا إحرام أصلًا، وهو من أفعال الحجّ في الجملة، وأفعال الحجّ لا تتأدى إلا بإحرام علم ضرورة أنه تبع لما مضى فلا يجوز أن يكون التبع مساويًا للمتبوع في الفرضية، ولأن مبنى الحجّ على أن ركنه المقصود ينفرد بوقته كالطواف، والوقوف بعرفة، وأن ما يؤتى به في وقت الآخر يكون تبعًا؛ كالوقوف بالمزدلفة مع عرفة، فالسعي يؤتى به في وقت الطواف، بل لا وقت له، فإنه يصح مع طواف التحية، وركن الحجّ لا يخلو عن وقت معلوم من وقت الإحرام كذا في «الأسرار» (٩)، و «المبسوط» (١٠).

стр. 1368

(ثُمَّ يقيمُ بِمَكةَ حَرَامًا) (١). وإنما ذكر هذا احترازاً عن قول ابن عباس، فإنه قال: "يحلق، ويحل"، واحتج بحديث جابر أنه قال: «خرجنا معَ رسولِ الله ﷺ حجة الوداع، فمنا من أهلّ بحجة، ومنا من أهلّ بعمرة فكنت ممن أهلّ بالعمرة فدخلنا مكة صبيحة رابعة من ذي الحجّة فلما طفنا، وسعينا أمر رسول الله ﷺ من أهلّ بالحجّ بالإحلال، وأحللنا، وواقعنا النساء» (٢)، والجواب: أنه منسوخ (٣)، كان ذلك في الابتداء حين كان الناس يعدّون العمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور فأمرهم أن يحلوا، ويجعلوها عمرة تقريراً لحكم الشرع ورداً للجاهلية، ثُمَّ نُسخ ذلك. الإقامة بمكة محرمًا وقال عمر ﵁: «متعتانِ كانتا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ [وأنا] (٤) اليومَ أنهى عنهما، وأعاقبُ عليهما متعة النساءِ، ومتعة الحجِّ» (٥)، كذا في «مبسوط الإمام الإسبيجابي» (٦)؛ ولأن من شرع في إحرام الحجّ لا يحل له الخروج إلا بعد الفراغ منه، وهاهنا لم يفرغ، فلا يحل له الخروج كذا في «مبسوط فخر الإسلام». وقوله (في الكتاب)؛ لأنه محرم بالحجّ فلا يتحلل إشارة إلى هذا التعليل بخلاف إحرام العمرة، فإن العمرة ليست إلا الطواف، والسعي، فإذا [أدَّاهما] (٧) فقد فرغ من أفعال العمرة، فيحل له الخروج عن إحرامها.

стр. 1369

(والصَّلاة ُخيرُ مَوْضُوعٍ). فكذلك الطواف؛ لكن طواف التطوع أفضل من صلاة التطوع للغرباء، وأما لأهل مكة فالصلاة أفضل؛ لأن الغرباء يفوتهم الطواف، ولا يفوتهم الصلاة، وأهل مكة لا يفوتهم الأمران، فعند الاجتماع الصلاة أفضل. «كذا في شرح الطحاوي». (والتَّنَفلُ بالسَّعْي غَيْرُ مَشْرُوعٍ). فإن قيل: السعي تبع للطواف، ولهذا لا يجوز قبله، والتنفل بمتبوعه مشروع، فيجب أن يكون النفل بالسعي أيضًا مشروعًا تبعًا للطواف النفل كإصابة لفظ السلام في النوافل من الصلاة. قلنا: السعي إنما ثبت كونه عبادة بالنص بخلاف القياس فيقتصر على مورد النص، والنص ورد بالإتيان مرة فلا يشرع ثانيًا بالقياس؛ لأنه لا مجال له. (فإذا كان قبل يوم التروية (١) بيوم) (٢). وهو اليوم السابع من ذي الحجّة. (خطب الإمام خطبة) (٣). واحدة من غير أن يجلس بين الخطبتين بعد صلاة الظهر، وكذلك في الخطبة الثالثة التي يخطب بمنى، وأما في خطبة عرفات، فيجلس بين الخطبتين، وهي قبل صلاة الظهر. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٤)، و «شرح الطحاوي» (٥).

стр. 1370

اليوم الثامن من ذي الحجة يوم التروية وفي «المبسوط» (١): وإنما سُمي يوم التروية؛ لأن الحاجَّ يروون فيه بمنى أو لأنهم يروون ظهورهم فيه بمنى، ففي هذه التسمية ما يدل على أنه ينبغي لهم أن يكونوا بمنى يوم التروية. مواقيت الوقوف بعرفة (ثُمَّ يتوجه إلى عرفات) (٢). أي: ثُمَّ يتوجه من منى بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى عرفات. (وأما لو دفع (٣) قبله جاز) أي: لو ذهب من منى إلى عرفات قبل طلوع الشمس بعد صلاة الفجر من يوم عرفة جاز، كان من حقه الكلام أن يقول: أما لو دفع قبل طلوع الشمس لما أنه لم يتقدم ذكر طلوع الشمس، ولكن اتّبع لفظ «الإيضاح» (٤)، ولكن ذكر هناك (٥) الضمير بعد ذكر طلوع الشمس، فقال في «الإيضاح»: قال: وإذا طلعت الشمس يوم عرفة [خرج] (٦) إلى عرفات؛ لأن النبي ﷺ فعل كذلك، وإن وقع (٧) قبله جاز، والأول أولى. (لأنه لا يتعلق بهذا المقام حكم). [إن لم يتعلق بمنى في هذا اليوم حكم] (٨) من المناسك، فيجوز الذهاب قبل طلوع الشمس إلى عرفات للوقوف فيها، وهو الركن الأعظم، فإن قلتَ: لا شك أن الحكم الثابت بالعبارة أقوى من الحكم الثابت بالإشارة، وقد/ انعكس هذا في حق الوقوف بعرفة مع الوقوف بمزدلفة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٩)، فما وجهه، ولو ثبتت ركنية الوقوف بعرفات بقوله ﷺ : «الحجُّ عرفة» (١٠)، وهو خبر واحد فكيف ثبتت به الركنية مع أن الوقوف بعرفات أعظم الركنين؟ الوقوف بالمزدلفة ليس ركنا قلتُ: القوة والضعف من العبارة والإشارة إنما تظهر عند المعارضة، ولا معارضة هاهنا بينهما لا زمناً ولا مكانًا، فعند عدم المعارضة كل واحدة من العبارة والإشارة، والاقتضاء يوجب الحكم قطعًا لما عُرف، فلما دلت إشارة الكتاب على الوقوف ثُمَّة، وقد انعقد الإجماع على ركنيته ثبتت [الركنية] (١١)، فكان خبر الواحد داعيًا إلى ذلك الإجماع وعدم ركنية الوقوف بمزدلفة مع أنه ثبت بعبارة النص يجيء بعد هذا.

стр. 1371

وفي «الإيضاح» (١): "وإنما لم يجعل وقوف المزدلفة ركنًا"؛ لأن الركن لا يثبت إلا بدليل مقطوع به، وقد أجمعت الأمة على كون الوقوف بعرفة، والطواف من جملة الأركان فأما وقوف المزدلفة، فلم ينعقد الإجماع على كونه ركنًا، بل الحديث ورد دالًا على أنه ليس بركن (٢)، على ما يجيء، ولأنهم أجمعوا على أن الجماع قبل الوقوف بعرفة مفسد للحج وبعده لا، والإِحْصَار قبله إحصار، وبعده لا، وعدم الإدراك لوقته الخاص مفوت للحج بخلاف سائر الأفعال، فكانت هذه الأحكام الثلاثة دالة على أنهم أجمعوا على أن الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم، وذكر في «الأسرار» (٣): (ولأن أصل الحجّ ثابت بالكتاب يقينًا)، وهو عبارة عن أركانه فلا يثبت ركن منه له ركنًا إلا من الطريق الذي ثبت أصله، وقال ﷺ : «الْحَجُّ عَرَفَةُ» (٤) فمثل هذه الصيغة صالح لإثبات الركنية، فيُلحق بالكتاب في إثبات الركنية. (وإذا زالت الشمس) (٥) أي في عرفات. (فيخطب خطبة) (٦) أي: قبل الصلاة. (والجمع منها)، أي: الجمع بين الصلاتين من المناسك. حكم صلاة الظهر والعصر معاً يوم عرفة (وعن أبي يوسف ﵀: أنه يؤذن قبل خروج الإمام). لأن هذا الأذان لأداء الظهر [كما في سائر الأيام، (ويصلي بهم الظهر، والعصر في وقت الظهر) (٧)، وفي «الجامع الصغير» (٨) لقاضي خان: في آخر وقت الظهر] (٩). (ولا يتطوع بين الصلاتين) (١٠). وفي «التحفة» (١١): (ولا يشتغل الإمام، ولا القوم بالسنن والتطوع فيما بينهما، فإن اشتغلوا بذلك أعاد المؤذن أذان العصر، ويخفي الإمام بالقراءة فيهما كما في سائر الأيام).

стр. 1372

وفي «الذخيرة» (١)، و «المحيط» (٢): (ويصلي الإمام بهم العصر في وقت الظهر من غير أن يشتغل بين الصلاتين بالنفل غير سنة الظهر). وفي «شرح الطحاوي» (٣): (فيصلي بهم الإمام صلاة الظهر، والعصر في وقت الظهر بأذان واحد (٤)، وإقامتين إلا إذا اشتغلوا فيما بينهما بالتطوع، أو بغيره أعادوا الأذان للعصرخلافًا لمحمد ﵀) لما روي عن محمد أنه يقول: لا يعيد الأذان؛ لأن الوقت قد جمعهما، فيكفيهما أذان واحد كالفوائت. ونحن نقول: بأن الأذان للإعلام، وكل صلاة أصل بنفسها إلا أنه إذا جمع بينهما استغنينا عن الإعلام، وإذا قطع على حكم الأصل. كذا في «الإيضاح» (٥). (ومن صلى الظهر في رحله وحده صلى العصر في وقته) (٦) عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: يجمع بينهما المنفرد). فالحرف الذي يدور عليه أصل اختلافهم: هو أن تقديم العصر على وقته لماذا عندهما؟ لأجل امتداد الوقوف، فإنه لو صلى كل واحدةٍ منهما في وقتها تخيل امتداد الوقوف. وعند أبي حنيفة ﵀ لأجل محافظة الجماعة، لا لأجل إعانة امتداد الوقوف. ثُمَّ الشأن في الترجيح، فقالا: تقديم العصر لأجل الوقوف، بدلالة أنه لا جمع لمن لا وقوف عليه، وهذا تعظيم شأن الوقوف، فقُدِّم العصر ليقع الوقوف من أوله إلى آخره متصلًا غير منقطع ليكون أفضل. هذا كما في (٧) نهي النبي ﷺ عن الصلاة بعد الفجر حقًّا لصلاة الفرض؛ ليكون الوقت في حكم المشغول به، لا لذهاب الوقت حتى حلّ أداء الفرض لو أخر إليه، وحلّ أداء فرض آخر مثله، وفي حق الوقوف المنفرد وغيره سواء، فيجوز للمنفرد التقديم كما يجوز للذي يصلي بجماعة. وقال أبو حنيفة ﵀: إن النص المجمع عليه في التعجيل جاء مع الجماعة، فأما المنفرد ففيه اختلاف على ما هو المروي عن ابن مسعود/ وذلك لأن فضيلة الجماعة لا يجوز تفويتها لحق الوقوف؛ لأن الجماعة تفوت لا إلى خلف، وحق الوقوف يتأدى قبل وبعد أو معه، والناس يتفرقون في الموقف، وهو موضع ذو عرض وطول، فلا يمكنهم إقامة الجماعة إلا بالاجتماع، وأنه يتعذر مرتين في العادات، فعجل العصر حتى لا يفوتهم فضيلة الصلاة بالجماعة.

стр. 1373

وأما قولهما: (إن الوقوف يتفرق) قلنا: إنه جوّز التفريق بالأكل، وبالحديث، والحدث، ولم يكره ذلك فلأن لا يكره بالصلاة أولى، وإذا لم يكن هذا تفريقاً لم يجزأ بكتاب محظور، وهو تعجيل الصلاة قبل الوقت لإدراك فضيلة، وهي اتصال الوقوف ليس بواجب، ولا في حكم الواجب، فأما الجماعة فإدراكها في حكم الواجب حتى أن الثواب يتضاعف بالجماعة، ويقاتَل القوم التاركون الصلاة بجماعة كما يقاتلون على أصل الصلاة. ولذلك لابد أن يكون فضل وصل الوقوف دون فضل الجماعة، فيحال التعجيل إلى أولى الفضيلتين، وأتمهما (١)، إلى هذا أشار في «الأسرار» (٢)؛ أن المحافظة على الوقت فرض بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا … مَوْقُوتًا﴾ (٣) أي: فرضًا مؤقتًا فالمحافظة على الوقت في الصلوات فرض بيقين، فلا يجوز تركه إلا بيقين مثله، وهو الموضع الذي ورد فيه النص، وإنما ورد النص بجمع رسول الله ﷺ بين الصلاتين، والخلفاء من بعده، فلا يجوز الجمع إلا بتلك الصفة، وكان المعنى فيه أن هذا الجمع مختص بمكان وزمان، كان الإمام شرطًا فيها بخلاف الجمع الثاني، فإنه أداء المغرب في وقت العشاء، وذلك غير مختص بمكان وزمان، وأما هذا فتعجيل العصر على وقته، وذلك لا يجوز إلا في هذا المكان وهذا الزمان، ثُمَّ يسلم أن هذا الجمع لأجل الوقوف، ولكن الحاجة إلى الجمع للجماعة لا للمنفرد؛ لأن المنفرد يمكنه أن يصلي العصر في وقته في موضع وقوفه فإن المصلي واقف فلا ينقطع وقوفه بالاشتغال بالصلاة، فإنما يحتاجون إلى الخروج لتسوية الصفوف إذا أدوها بالجماعة، فيشق عليهم الاجتماع بعد الفراغ، فلذلك جوّز الجمع دفعًا للمشقة عنهم. (إذ لا منافاة). أي: بين الوقوف، والصلاة على ما ذكرنا. لأنه هو المتغير عن [وقته] (٤) واشتراط الإمام لوقوع التغير فيقتصر على ما يقع فيه التغير، ولأبي حنيفة ﵀ أن العصر (٥) في هذا اليوم كالتبع للظهر؛ لأنهما صلاتان أديتا في وقت واحد، والثانية منهما مُرتبة على الأولى، وكان بمنزلة العشاء مع الوتر، ولما جعل الإمام شرطًا في التبع كان شرطًا في الأصل بالطريق الأولى، ودليل التبعية (٦) أنه لا يجوّز العصر في هذا اليوم إلا بعد صحة أداء الظهر حتى لو تبين في يوم الغيم أنهم صلوا الظهر قبل الزوال، والعصر بعده؛ لزمهم إعادة الصلاتين، وكذلك لو جدد الوضوء بين الصلاتين، ثُمَّ تبين أنه صلى الظهر بغير وضوء لزمه إعادة الصلاتين بخلاف سائر الأيام.

стр. 1374

وعلى هذا الخلاف: الإحرام بالحجّ شرط لأداء هاتين الصلاتين حتى أن الحلال إذا صلى الظهر مع الإمام، ثُمَّ أحرم بالحجّ، فصلى العصر أو المحرم بالعمرة وصلى الظهر مع الإمام، ثُمَّ أحرم بالحجّ فصلى العصر معه لم يجزه العصر إلا في وقتها، وعند زفر (١) يجزئه. وحاصله: أن جواز الجمع عند أبي يوسف ومحمد، معلق بإحرام الحجّ لا غير، وعند أبي حنيفة ﵀ معلق بإحرام الحجّ، وبالجماعة، وبالإمام الأكبر، وهو قول زفر؛ غير أنه يشترط هذه الشرائط في العصر لا غير، وأبو حنيفة ﵀ يشترط في الظهر والعصر جميعًا. كذا في المبسوطين (٢). الإكثار من الدعاء بعد صلاتي الظهر والعصر يوم عرفة (ثُمَّ يتوجه) (٣). أي: بعد صلاة العصر يتوجه الإمام إلى الموقف، وهو المسمى بموقف الأعظم. ما يقال في الدعاء يوم عرفة بعد صلاتي الظهر والعصر (وفي وقوفه يدعو) وروي أن النبي ﷺ قال: «أَكْثَرُ دُعَائِي وَدُعَاءِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي بِعَرَفَةَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللهُمَّ اجْعَلْ [لي] (٤) فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا، اللهُمَّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي» (٥). كذا في «المبسوط» (٦)، وزاد الإمام الأستاجي بعد هذا (اللهم إني أعوذ بك من وساوس الصدر./ وشتات الأمر، وعذاب القبر اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، و [شر] (٧) ما يلج في النهار، وشر ما يهب به الرياح، وشر بوائق الدهر) (٨)، «اللهم إني أعوذ بك من تحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك، وأعطني العشية أفضل ما تؤتي أحدًا من خلقك، وحجاج بيتك يا أرحم الراحمين، يا رفيع الدرجات، ومُنْزِل البركات، ويا فاطر الأرضين والسموات، ضجّت إليك الأصوات بصنوف اللغات تسألك الحاجات، وحاجتي ألاّ تنساني في دار الدنيا إذا نسيني أهل الدنيا» (٩)، وكل دعاء يعلمه يدعو به، وكل حاجة في صدره يسأل الله إياها، وفي «مبسوط شيخ الإسلام» (١٠) سأل عمر وعلي

стр. 1375

-﵄ النبي ﵇ ما يدعو في هذا اليوم؟ فقال: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه ُ» (١) إلى آخره، فقيل لسفيان بن عيينة: "هذا ثناء فلم سماها رسول الله ﷺ دعاء، قال: الثناء على الكريم دعاء؛ لأنه يعرف حاجته"، وفي «الجامع الصغير» للإمام المحبوبي، وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يقف عَشِّيَة عرفة في الموقف مستقبل القبلة، ثُمَّ يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له [له الملك، وله الحمد كله وهو على كل شيء قدير، ويقرأ بفاتحة الكتاب مائة مرة، ثُمَّ يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له] (٢) وأن محمدًا عبده ورسوله مائة مرة، ثُمَّ يقول: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت ورحمت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد إلا قال الله تعالى: يا ملائكتي ما جزاء عبدي هذا سبَّحني، وهلَّلني، وكبَّرني، ومجَّدني، وعرفني وأثنى عليّ وصلى على نبيي اشهدوا أني [قد] (٣) شفعته في نفسه، وغفرت له، ولأهل الموقف معه» (٤). (والموقف الأعظم). أي: يُسمى الموقف موقف الأعظم. (وعرفات كلها موقف إلا بطن عُرنَة (٥) (٦).

стр. 1376

وهو واد بحذاء عرفات، قيل: رأى النبي ﷺ فيه الشيطان، فكان هذا نظير النهي في ظرف الزمان في حق الصلاة بالحديث «ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ » (١) إلى أن قال: «فإنها تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَيْطَان» (٢) فكذلك في ظرف المكان، لما نُسب إلى الشيطان كره فيه فعل المناسك، وسميت عرفات بعرفات لتعارف الناس في ذلك الجمع إذا شهدوه، ويقال: إنما سميت بها؛ لأن جبريل ﵇ قال لإبراهيم ﵇ لما أراه المناسك: أعرفت؟ قال: نعم، وقيل: إنما سميت بها؛ لأن آدم ﵇ عرف هناك حواء، وقيل: إنما سميت بذلك؛ لأن الناس يعترفون بذنوبهم فيها فحينئذٍ يغفر لهم، وسميت المزدلفة (٣) بها لاجتماع الناس فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ (٤) أي: جمعناهم، وقيل هي من الازدلاف بمعنى التقرب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٥) أي: قربت، وسميت بها لاقتراب الناس إلى منى بعد الإفاضة من (٦) عرفات، وقيل: إنما سميت بها؛ لأن حواء ازدلفت إلى آدم فيها، كذا في «المناسك البزدوية (٧)» (٨).

стр. 1377

وادي محسِّر بكسر السين، وتشديدها، وهو بين مكة، وعرفات. (وينبغي للإمام أن يقف بعرفة على راحلته) (١). وهو أفضل، وإلا فيقف قائمًا، والناس يقفون معه، وكل من كان وقوفه إلى الإمام أقرب فهو أفضل؛ لأن الإمام يعلم الناس أمور المناسك فيقرب منه حتى يسمع منه، فيقفون إلى غروب الشمس فيكبرون، ويهللون، ويحمدون الله تعالى، ويثنون عليه، ويصلون على النبي ﷺ ، ويسألون الله حوائجهم، فإنه وقت مرجو، قال النبي ﷺ : «أفضل الدعاء دعاء أهل عرفة» (٢)، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى يباهي بأهل عرفة يوم عرفة فيقول: انظروا ملائكتي إلى عبادي يأتون شعثًا غبرًا من كل فج عميق، اشهدوا أني قد غفرت لهم. فيرجعون كيوم ولدتهم أمهم» (٣) كذا في «التحفة» (٤). (مادًا يديه كالمستطعم المسكين). ففي تقديم الصفة على الذي يجري مجرى الموصوف فائدة، وهي أن التشبيه إنما يحصل بحالة الاستطعام فيقدم الأهم، فكان في تقديم الصفة مبالغة في تحقيق فعل المد.

стр. 1378

(فاستجيب له إلا في الدماء، والمظالم). أي: إلا في حق الدم الذي وجب لبعضهم على بعض قصاصًا، وعجزوا عن استيفائه، وفي حق المظلمة التي وجبت لبعضهم على بعض، وعجزوا عن الانتصاف لم يستجب دعاء النبي ﷺ / بالمغفرة لهم لعظم هذه الذنوب، وتعلق حقوق العباد بها. [وَإِنْ وَرَدَ الْآثَارُ بِبَعْضِ الدَّعَوَاتِ، وَقَدْ أَوْرَدْنَا تَفْصِيلَهَا فِي كِتَابِنَا الْمُتَرْجَمُ] (١). «بعُدَّةِ النَّاسِكِ بضم العين فِي عِدَّةٍ مِنْ الْمَنَاسِكِ» (٢) بكسر العين، [بتوفيق الله تعالى] (٣). (فيأتي بها إلى آخر جزء من الإحرام). وذلك في (٤) الرمي يكون كذا في «المبسوط» (٥)، وإذا غربت الشمس أفاض (٦) الإمام، وفي «شرح الطحاوي» (٧): فإذا غربت الشمس دفع (٨) الإمام، والقوم خلفه على السكينة والوقار إلى مزدلفة. قوله ﵀: (والناس معه على هينتهم) (٩). هكذا قال رسول الله ﷺ : «أيها الناس ليس البر في إِيجَافِ (١٠) الخيل، ولا في إيضاع (١١) الإبل عليكم بالسكينة والوقار) (١٢).

стр. 1379

(ولأن فيه إظهار مخالفة المشركين). روي أنه ﷺ خطب عشية عرفة فقال: «أيها الناس إن أهل الجاهلية والأوثان، كانوا يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس إذا تعممت بها رؤوس الجبال كعمائم الرجال في وجوههم، وإن هُدانا ليس كهُداهم» (١) فادفعوا بعد غروب الشمس فقد باشر ذلك، وأمر به إظهارًا لمخالفة المشركين، فليس لأحد أن يخالف ذلك. (فإنْ خافَ الزحام فدفعِ قبلَ الإمامِ، ولم يجاوز حدودَ عرفة أجزأه). وإنما قيد به؛ لأنه لو جاوز حدود عرفة قبل الإمام، وقبل غروب الشمس يجب عليه الدم. لا يجوز الخروج من حدود عرفه قبل غروب الشمس وحاصله: أنه إذا وقع قبل غروب الشمس ينظران فإن جاوز حد عرفة بعد غروب الشمس فلا شيء عليه، وإن جاوز قبل الغروب (٢) وجب عليه الدم، ولكن إن عاد إلى عرفة قبل الغروب، ثُمَّ دفع مع الإمام منها بعد الغروب سقط عنه الدم، وقال زفر (٣): لا يسقط كما قال في مجاوزة الميقات بغير إحرام: إنه يجب عليه الدم، ثُمَّ لا يسقط عنه الدم بالعود إلى الميقات، وتجديد التلبية به، فأما إذا عاد إلى عرفة بعد الغروب، فإنه لا يسقط عنه الدم (٤) بالإجماع (٥). والجملة فيه: أنه إن أدرك عرفة بالنهار، فإنه يقف بها إلى غروب الشمس، وإن لم يقف، ولكنه مرّ بها مارًا بعد الزوال قبل الغروب فعليه الدم، وإن أدركها بعد غروب الشمس، ولم يقف، ومرّ بها فلا شيء عليه، ويكون مدركًا وتم حجه، كذا في «شرح الطحاوي» (٦)، و «التحفة» (٧)، وذكر الإمام المحبوبي: والسنة في المشي أن يتقدم الإمام على القافلة، وإن تقدم واحد على القوم والإمام، فعليه دم.

стр. 1380

يقال: قُزَحُ، وهو غير منصرف للعدل، والعلمية من قَزَح الشيء ارتفع. (لما بيّنا). وهو قوله: لأن يدعوا، ويعلم. صلاة المغرب يوم عرفة (ويصلي الإمام بالناس بأذان، وإقامة) (١). أي: في وقت العشاء. (ثُمَّ تعشى) أي: أكل العشاء، وهو الطعام بعينه في العشاء. (ولا تشترط الجماعة). وذكر الإمام المحبوبي (٢): ولا يشترط بجمع المزدلفة الخطبة، والسلطان، والجماعة، والإحرام (٣)؛ لأن المغرب مؤخرة عن وقتها وأداء الصلاة بعد خروج وقتها موافق للقياس؛ لأن القضاء مشروع في جميع الصلوات قال ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ» (٤). الحديث، فلا يجب مراعاة مورد النص، والنص وإن ورد في تأخير المغرب عند وجود الجماعة فلا يشترط الجماعة فيه، وأما تقديم الصلاة على وقتها فمخالف للقياس (٥) من كل وجه، فيراعى لذلك فيه جميع ما ورد فيه النص.

стр. 1381

(وعلى هذا الخلاف إذا صلى بعرفات). أي: إذا صلى المغرب بعرفات. (فيصير مسيئًا بتركه). أي: بترك التأخير المسنون. (الصلاة أمامَك) (١). معناه وقت الصلاة؛ لأن الصلاة فعل المصلي، وفعله لا يتصور أن يكون أمامه، ولكن الصلاة تذكر، ويراد بها الوقت على ما قال ﷺ : «إِنَّ لِلصَّلَاةِ أولًا وَآخِرًا» (٢)، وإذا أداه في الطريق فقد أداه قبل الوقت الثابت بهذا الخبر، فوجب الإعادة؛ كما إذا صلى الظهر في منزله يوم الجمعة، فإنه يؤمر بالنقض حتى يأتي به على الوجه الأكمل، فإن تعذر ذلك يقع مجزيًا عنه كذا في «المختلفات» (٣)، والذي يدور عليه أصل تعليلهما (٤).

стр. 1382

قوله ﵀: (وإنما وجبَ ليمكنه الجمعَ بين الصلاتين بالمزدلفة). بيانه أنه مأمور بالتأخير عن وقته بالاتفاق، وذلك الأمر [لا؛ لأن] في الاشتغال بالصلاة انقطاع سيره، فإن أداء الصلاة في وقتها فريضة، فلا يسقط بهذا العذر، ولكن الأمر بالتأخير للجمع بينهما بالمزدلفة، وهذا المعنى يفوت بأداء المغرب في طريق المزدلفة، فعليه الإعادة بعد الوصول إلى المزدلفة؛ ليصير جمعًا بين الصلاتين كما هو المشروع/ نسكًا، فلذلك سقط عنه الإعادة بطلوع الفجر؛ لأن وجوب الإعادة لإمكان إدراك فضيلة الجمع بينهما، وهذا يفوت بفوات وقت العشاء، ولهذا قلنا: إذا بقي في الطريق حتى صار بحيث يعلم أنه لا يصل إلى المزدلفة قبل طلوع الفجر يصلي المغرب في الطريق، ولا يؤخرها بعد ذلك. كذا في «المبسوط» (١)، فإن قلتَ: ما الفرق بين خبر الواحد هذا وبين قوله ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها» (٢). فإن هناك إن صلى الوقتية ذاكرًا الفائتة، وهو صاحب ترتيب يجب عليه الإعادة، وإن ذهب الوقت الذي صلى فيه الوقتية، وهاهنا لا تجب الإعادة بعد ذهاب الوقت. قلتُ: وجوب الإعادة هناك لوجوب الترتيب، وهو قائم ما لم يدخل في حد الكثرة، وهنا وجوب الإعادة لرعاية الجمع بين صلاتي العشاء في المزدلفة، فيفوت إمكان الجمع بينهما لفوات وقت العشاء، فلو قلنا بالإعادة بعد فوات وقت العشاء كان ذلك من باب العلم، وخبر الواحد لا يوجب العلم. فإن قلتَ: ما الفرق بين هذا وبين قوله ﷺ : «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (٣) فإنه لو صلى، وترك الفاتحة ساهيًا أو عامدًا لا يجب إعادة الصلاة، وهاهنا وجبت مادام وقت العشاء باقيًا. فإن قلتَ: خبر الواحد واجب العمل بأي عمل كان على وجه لا يؤدي إلى إبطال الكتاب، ثُمَّ هاهنا الإعادة من باب العمل مادام الوقت باقيًا لما أنه صلى قبل الوقت الثابت بخبر الواحد، والصلاة قبل الوقت لا تجوز، فيجب الإعادة كما في مسألة الترتيب، وأما خبر الفاتحة فقد علمنا به كما يليق بحاله؛ حيث قلنا: بوجوب سجدتي السهو إذا تركها ساهيًا، وبالإثُمَّ إذا تركها عامدًا، وأما لو قلنا: بالإعادة، كان خبر الواحد مبطلًا لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٤)، وذلك لا يجوز، فإن قلتَ: ففي حديث أمامة أيضًا القول بالإعادة في الوقت إبطال لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا … مَوْقُوتًا﴾ (٥).

стр. 1383

قلتُ: الإعادة فيه لنوع فساد اقتضاه خبر الواحد لا لفساد قوي، فلو قلنا: بالإعادة بعد خروج وقت العشاء لكنّا قائلين بالفساد القوي، [فحينئذٍ] (١) كنا مبطلين موجب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢)، ولا نقول به، ومثل هذا جائز، ألا ترى أنهم قالوا جميعًا في طواف المحدث: إنه يعيد؛ عملًا بخبر الواحد مادام بمكة، مع أن إطلاق قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣) يوجب الجواز، فإذا رجع لم يلزمه الإعادة؛ لأنا لو أُمرنا بذلك حتمًا لكان بسبب فساد ما أدى، وهو من باب العلم، وخبر الواحد لا يوجبه، وعن هذا خرج الجواب لقول أبي يوسف ﵀: "أن من صلى المغرب في وقته [لا يخلو من أن] وقع صحيحًا أو فاسدًا، فإن وقع صحيحًا فلا يجب الإعادة لا في الوقت، ولا بعد الوقت، وإن وقع فاسدًا يجب الإعادة في الوقت وبعد الوقت" لأن ما وقع فاسدًا لا ينقلب صحيحًا بمضي الوقت؛ لأنّا نقول: أمره موقوف لنوع فساد اقتضاه خبر الواحد على وجه يظهر أثره في ثاني الحال؛ كما في طواف المحدث على ما ذكرنا، وهو المذكور في «الأسرار» (٤). (وإذا طلع الفجر) (٥). أي: من أول يوم النحر. الغلس (٦): ظلمة في آخر الليل يقال: غلس بالصلاة إذا صلاها في الغلس، ولأن في التغليس دفع حاجة الوقوف، فيجوز كتقديم العصر بعرفة، وذلك لأنه لما جاز تعجيل العصر على وقتها للحاجة إلى الوقوف، فلأن يجوز التغليس بالفجر، وهو وقتها كان أولى. كذا في «المبسوط» (٧). (فاستجيب له دعاؤه لأمته حتى الدماء والمظالم).

стр. 1384

المبيت بالمزدلفة تمهيداً لرمي الجمرات بالدفع بأن يرضي (١) الخصوم بالازدياد في مثوباتهم حتى يتركواخصوماتهم في الدماء والمظالم، فاستوجب المغفرة عن هذا من عليه الدماء والمظالم. قوله ﵀: (وقال الشافعي ﵀: إنه ركن). ونسبة هذا القول إليه سهو وقع من الكاتب؛ لما أنه ذكر في كتب أصحاب الشافعي (٢) من «الوجيز» (٣)، للغزالي، وغيره أن الوقوف بالمزدلفة سنة، وذكر في «المبسوط» (٤) الليث بن سعد (٥) مكان الشافعي هنا. وذكر في «الأسرار» (٦) علقمة (٧) مكان الشافعي، وذكر في «فتاوى قاضي خان» (٨) مالكًا مكان الشافعي، وذكر في «التحفة»، و «الإيضاح» (٩)، وغيرهما (١٠) / الوجوب من غير ذكر خلاف أحد، والمذكور فيما تلا الذكر. وهو ليس بركن بالإجماع، فكيف تثبت ركنية الوقوف؟ يعني: أن الذكر بالمزدلفة لا يتصور إلا بعد كونه بالمزدلفة، والكون فيها عبارة عن الوقوف، ثُمَّ الإجماع منعقد على عدم ركنية المقتضى، وهو الذكر فكيف تثبت ركنية المقتضى؟ وهو الوقوف ثُمَّة مع أن المقتضى الذي هو غير مذكور يجب أن يكون أحط رتبة من المقتضى المنصوص؛ لأنه تبع للمنصوص، فلا يجوز أن يكون التبع أقوى حالًا من المتبوع.

стр. 1385

فلا شيء عليه لما روينا، وهو قوله: ما روي: «أنه ﷺ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ بالليل» (١). فعُلم بهذا الحديث أن المراد من تعليق تمام الحج في قوله ﷺ «من وقف معنا هذا الموقف» (٢) إلى آخره من حيث الكمال، وهو الإتيان بالواجب لا من حيث الجواز (٣). قوله: (لما روينا من قبل). وهو قوله ﷺ : «والمزدلفة كلها موقف، وارتفعوا عن وادي محسَّر» (٤).

стр. 1386

[قوله:] (١) هكذا وقع في نسخ «المختصر» (٢) وهذا غلط (٣). مواقيت رمي جمرات العقبة وعددها لما أن الإفاضة بعد طلوع الشمس فعل أهل الجاهلية؛ فيجب أن يقصد على مخالفة فعلهم، وهو إنما يتحقق إذا كانت الإفاضة قبل طلوع الشمس. هكذا رواه جابر، وابن عمر فقالا: «أن النبي ﷺ وقف بالمشعر الحرام حتى إذا كادت الشمس تطلع دفع إلى منى» (٤)، وأن أهل الجاهلية كانوا لا يدفعون من هذا الموقف حتى تطلع الشمس فإذا طلعت، وصارت كالعمائم على رؤوس الجبال دفعوا، وكانوا يقولون: أَشْرِقْ بثيركَيْمَا نُغِيرُ فخالفهم رسول الله ﷺ فدفع قبل طلوع الشمس، فيجب الأخذ بفعله لما فيه من إظهار مخالفة المشركين كما في الدفع من عرفات، فإنهم يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس على ما ذكرنا في «المبسوط» (٥).

стр. 1387

(فيبتدئ بجمرة العقبة فيرميها) (١). الكلام في الرمي في اثني عشر موضعًا: أحدها: في وقته اتفق العلماء على أن وقت الرمي يوم النحر وثلاثة أيام. والثاني: فيما يرمي به فإنه يرمي بكل ما كان من جنس الأرض نحو الحصاة والمدر. والثالث: في مقدار ما يُرمى به فيرمى بالصغار مثل حصي الخذف (٢). والرابع: في بيان صفة المرمي ينبغي أن يكون الحصاة مغسولة، وينبغي أن تكون مأخوذة من قوارع الطريق لا من موضع الرمي. والخامس: في كيفية الرمي، وقد اختلف المشايخ (٣) فيه، قال بعضهم: يأخذ الحصى (٤) بطرف إبهامه، وسبابته كأنه عاقد بثلاثين ويرميها. وقال: يحلق سبابته، ويضعه على متصل (٥) إبهامه كأنه عاقد عشرة فيرميها، والأول: أصح. والسادس: في صفة الرامي قال أصحابنا: يجوز الرمي راكبًا، وماشيًا. والسابع: في محل الرمي [إليه فمحل الرمي] (٦) الجمار الثلاث: مسجد الخيف (٧)، والوسطى، والآخرة، وهي جمرة العقبة.

стр. 1388

والثامن: من أي موضع يرمي فيرمي من بطن الوادي، يعني: من أسفله إلى أعلاه. والتاسع: في موضع وقوع الحصاة، فينبغي أن تقع الحصاة عند الجمرة أو قريبًا منها حتى لو وقعت بعيدًا عنها لم يجزه. والعاشر: في عدد الحصاة، فيرمي كل جمرة سبع حصيات. والحادي عشر: أنه يكبر عند كل حصاة، فيقول: بسم الله، والله أكبر رغمًا (١) للشيطان وحزبه، اللهم اجعل حجي مبرورًا، وسعيي مشكورًا، وذنبي مغفورًا. والثاني عشر: أنه في اليوم الأول يرمي جمرة العقبة لا غير، وفي بقية الأيام يرمي الجمار كلها. كذا في «المحيط» (٢)، وفتوى الإمام (٣) الولوالجي (٤). أصل رمي الجمرات وذكر في «المغرب» (٥): الجمار: هي الصغار من الأحجار جمع جمرة، وبها سموا المواضع التي تُرمى الجمار أو الجمرات لما بينهما من [المناسبة] (٦)، وقيل: لتجمع ما هنالك من الحصى من تجمر القوم إذا تجمعوا، وفي «مبسوط شيخ الإسلام» (٧) إنما سُمي جمرة؛ لأن إبراهيم ﵇ لما أُمر بذبح الولد جاء الشيطان يوسوسه، فكان إبراهيم ﵇ يرمي إليه الأحجار، وطردًا له. (أو كان يجمر بين يديه) أي: يسرع في المشي و الإجمار: الإسراع في المشي. (فيرميها من بطن الوادي) (٨). يعني: من أسفله إلى أعلاه على ما ذكرنا، وإذا وقف للرمي جعل منى عن يمينه، والكعبة عن يساره، ويرمي حيث يرى موضع الحصاة. كذا في «المحيط» (٩).

стр. 1389

(الخذف). رمي الحصاة بالأصابع، وفي «المغرب» (١): هو أن يضع طرف الإبهام على طرف السبابة، وفعله من باب ضَرَبَ، وقد أطلق هنا على الرمي يرمي به. (لم يعرِّج على شيء). أي: لم يقف عنده يقال: مررت به. (فما عرجت عليه)، أي: ما وقفت عنده. (حتى رمى جمرة العقبة). ثُمَّ قال: (إن أول نسكنا بمنى أن نرمي، ثُمَّ نذبح، ثُمَّ نحلق، ولا نقف عند منى (٢) أي: عند جمرة العقبة. لأن ما عندها من الحصى مردود، وهكذا جاء في الأثر فيُتشاءم به ولا يُتبرك، وبيانه في حديث سعيد بن جبير ﵁ قال قلتُ: لابن عباس ﵁ " ما بال الجمار تُرْمَى من وقت الخليل ﵇، ولم تصر هضابًا تسد الأفق فقال: أما علمت أن من يقبل حجه تُرْفَع حصاه، ومن لم يُقْبَل حجه تُرك حصاه" (٣) حتى قال مجاهد (٤) ﵀: "لما سمعت هذا من ابن عباس جعلت على حصياتي علامة، ثُمَّ توسطت الجمرة فرميت من كل جانب، ثُمَّ طلبت، فلم أجد بتلك العلامة شيئاً من الحصاة". ومع هذا لو فعل أجزأه لوجود [فعل] (٥) الرمي، ومالك (٦) يقول: "لا يجزئه"، وهو عجيب من مذهبه، فإنه يجوز التوضؤ بالماء المستعمل، ولا يجوز الرمي بما قد رُمي من الأحجار، ومعلوم أن فعل الرمي لا يغير صفة الحجر. هذا كله من «المبسوط» (٧). (ويجوز الرمي بكل ما كان من أجزاء الأرض عندنا). فإن قلتَ: يُشكل على هذا الرمي بالفيروز (٨)، والياقوت (٩) فإنهما من أجزاء الأرض حتى جاز التيمم بهما، ومع ذلك لا يجوز الرمي بهما حتى لم يقع معتداً بهما في الرمي.

стр. 1390

قلتُ: الرمي بكل ما كان من أجزاء الأرض جائز بشرط وجود الاستهانة برميه، ولا تقع الاستهانة بالرمي بهما، ولهذا قال الفقيه أبو جعفر البلخي (١) ﵀: (أنه لو رمى كَفًّا مِنْ تُرَابٍ مكان حصاة جاز؛ لأن الحصاة بمنزلة الكف من التراب). كذا ذكره الإمام الإسبيجابي ﵀ في «المبسوط (٢)» (٣). (خلافًا للشافعي (٤) ﵀). فإن عنده لا يجوز الرمي إلا بالحجر اتباعًا لما ورد به الأثر، فإن فيما لا يعقل المعنى فيه إنما يحصل الامتثال بعين المنصوص. (لأن المقصود فعل الرمي، وذلك يحصل بالطين كما يحصل بالحجر). والأصل فيه فعل الخليل، ولم يكن في الحجر له بعينه مقصودًا، إنما مقصوده فعل الرمي إما لإعادة الكبش أو لطرد الشيطان على حسب ما [اختلف الرواة] (٥)، فقلنا: بأي شيء حصل فعل الرمي أجزأه بمنزلة أحجار الاستنجاء، فكما يحصل الاستنجاء بالحجر يحصل الاستنجاء بالطين، وغيره أيضًا، وبعض المتعسفة (٦) يقولون: إن رمى بالبعرة (٧) أجزأه؛ لأن المقصود إهانة الشيطان، وهي بالبعرة تحصل، ولسنا نقول به. (ظاهر بالترحم). أي: كرر لفظ رحم الله المحلقين، «فإنه ﷺ لما قال: «رحم الله المحلقين» فقيل: والمقصرين فقال أيضًا: «رحم الله المحلقين» حتى قال في الرابعة: «والمقصرين» (٨) فقد ظاهر في الدعاء ثلاث مرات للمحلقين، فدل أنه أفضل». هذا كله من «المبسوط» (٩)، ومن وجب عليه الحلق وليس على رأسه شعر (١٠) أمرَّ الموسى على رأسه؛ لأنه إن عجز عن الحلق، والتقصير قدَرَ على التشبه بالحالقين، أوالمقصرين، ثُمَّ اختلفوا في أن إجراء الموسى مستحب أو واجب، قال بعضهم: مستحب، وقال بعضهم: (واجب؛ لأن الواجب عليه شيئان إجراء الموسى، وإزالة الشعر إلا أنه عجز عن أحدهما، وقدر على الآخر فما عجز عنه سقط، وما قدر عليه بقي واجبًا). كذا ذكره الإمام الولوالجي ﵀ في فتواه (١١).

стр. 1391

دواعي الجماع بعد الحلق والتقصير والتحلل (لأنه من دواعي الجماع). ألا ترى أن المعتدة يحرم عليها الطيب لهذا المعنى، والجماع بدواعيه لا يحل حتى يطوف كالقبلة والمس عن شهوة، إلا أنا نحتج بما روي عن عائشة ﵂ وابن عباس أنهما قالا: «إذا حلق الحاج حلّ له كل شيء إلا النساء» (١) ورجحنا قولهما؛ لأن عائشة ﵂ رفعته فقالت: «طَيَّبْتُ رَسُولَ الله ﵇ لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» (٢)، ولأن حظر الطيب من جنس حظر لبس المخيط، وقص الأظافير، والصيد، بدلالة أن ارتكابه قبل الحلق يوجب الكفارة دون الفساد، فيزول الحظر بالحلق استدلالًا بجنسه بخلاف حظر الجماع؛ لأنه أقوى لما تعلق به من الفساد. وأما قوله: (أنه من دواعي الجماع) فيبقى الحرمة كالقبلة فغير مُسلّم، فإن الاستبراء يحرّم الجماع بدواعيه، ولا يحرّم الطيب، وقال الليث: إلا النساء وقتل الصيد؛ لأنهما محرمان بنص القرآن فما دامت حرمة أحدهما باقية؛ كانت حرمة الآخر باقية ضرورة، ولكنا نقول: قتل الصيد ليس نظير الجماع، ألا ترى أن الإحرام يفسد بالجماع، ولا يفسد بقتل الصيد، فكان هو نظير سائر/ المحظورات فيرتفع بالحلق، (ولهذا الأصل قال الشافعي (٣): "حرمة الجماع فيما دون الفرج ترتفع بالحلق أيضًا"؛ لأنه لا يفسد الإحرام بحال، ولكنا نقول: ما يتصل من قضاء الشهوة بالنساء، فحله مؤخرًا إلى تمام الإحلال بالطواف شرعًا، وفي ذلك الجماع في الفرج، وفيما دون الفرج سواء). كذا في «المبسوط» (٤)، و «الأسرار» (٥).

стр. 1392

(ولنا أن ما يكون محللًا يكون جناية في غير أوانه كالحلق). فإن قلتَ: يُشكل على هذا دم الإِحْصَار (١)، فإنه للمتحلل (٢)، وهو ليس بمحظور الإحرام. قلتُ: الأصل فيما شرع محللًا هو الذي ذكر في الكتاب، وهو أن يكون محظورًا للإحرام، وأما دم الإِحْصَار فهو ليس بأصيل في التحلل، وإنما صير إليه لضرورة المنع. (بخلاف الطواف). فهو جواب شبهة ترد على قوله: (أنّ ما يكون محللًا يكون جناية في غير أوانه) بأن يقال: يُشكل بالطواف، فإنه محلل في حق النساء، ومع ذلك هو ليس بمحظور الإحرام، بل هو من أفعال الحجّ، فقال في «الأسرار» (٣): لا يحل بالطواف، ولكن بالحلق عند الطواف، فصار كأن الحلق [هو] (٤) أوجب بعض التحلل معجلًا، وبعضه مؤجلًا إلى الطواف ليقع الطواف الذي هو ركن في الإحرام، وليتبين أنه دون الوقوف حيث لم يُشرع في مطلق الإحرام، فأما أن يكون التحلل بالطواف فلا. (ثُمَّ يأتي مكة من يومه ذلك) (٥). وهو أول أيام النحر. (ووقته أيام النحر) (٦)، أي (٧): وقت طواف الزيارة (٨).

стр. 1393

(فكان وقتهما واحدًا). أي: وقت ذبح الأضحية، ووقت طواف الزيارة إلا أن الأضحية لم تشرع بعد أيام النحر، والطواف مشروع بعد ذلك إلا أنه يكره تأخيره عن هذه الأيام على ما يجيء. وحاصله: أن الأمور الأربعة، وهي: الرمي، والذبح، والحلق، والطواف تُفعل في أيام النحر على الترتيب وضابطه (رذ حط). (والرمل ما شُرع إلا مرة في طواف بعده سعي). لأن النبي ﵇ إنما رمل في طواف العمرة، وهو طواف بعده سعي فرضًا كان الطواف أو نفلًا، لما بيّنا، وهو قوله: «وليصل الطائف لكل أسبوع (١) ركعتين» (٢)، والأمر للوجوب، وإنما لم يقل لما روينا؛ لأنه ذكر فيه وجه التمسك بالوجوب، فكان [قول نبينا] (٣) أشمل وأعم من قوله: [لما] (٤) روينا. (ثُمَّ يعود إلى منى) (٥). أي: بعد طواف الزيارة. (لأن النبي ﷺ رجع إليها كما روينا) وهو ما ذكر قبل هذا بمقدار خمسة عشر خطًا لما روي أن النبي ﷺ لما حلق أفاض إلى مكة، فطاف بالبيت. (ثُمَّ عاد إلى منى، يكبر مع كل حصاة ويقف عندها)، أي: عند الجمرة. وذكر في «المحيط» (٦) يبدأ بالتي تلي مسجد الخيف، فيرميها من بطن الوادي بسبع حصيات يكبّر عند كل حصاة، ثُمَّ يأتي المقام الذي يقوم فيه الناس، فيقوم بحمد الله، ويثني عليه، ويصلي على النبي ﷺ ويدعو الله بحاجته. يريد بقوله: (يأتي المقام الذي يقوم فيه الناس أعلى الوادي ثُمَّ يرمي الجمرة الوسطى)، وكذا أيضًا في «المبسوط» (٧) وعدد الحصيات في الأيام كلها سبعون، سبعة لليوم الأول وواحد وعشرون لليوم الثاني، وكذا اليوم الثالث، والرابع.

стр. 1394

(ويقف عند الجمرتين). [أي]: الجمرة الأولى، والوسطى، فإنه لا يقف عند الثالثة، وذكر في «المبسوط» (١)، وفي الحديث المشهور (لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن: عند افتتاح الصلاة، وعند القنوت في الوتر، وفي العيدين، وعند استلام الحجر، وعلى الصفا والمروة، وبعرفات، وبجمع، وعند المقامين عند الجمرتين) (٢)، فهذا دليل على أنه إنما يقيم عند الجمرتين الأولى، والوسطى، ولا يقيم عند جمرة العقبة. (وإذا كان من الغد رمى الجمار الثلاث) (٣). وهو اليوم الثالث من أيام النحر. (وإن أراد أن يتعجل النفر نفر إلى مكّة) (٤). أي وإن أراد أن يتعجل الذهاب، والخروج من منى إلى مكة في اليوم الثالث من أيام النحر يجوز [له] (٥) أن يذهب. من نَفَرَ الحاج نَفْرًا إذا خرجوا من منًى يقال: يوم النفر الأول، وهو اليوم الثالث من أيام النحر، ويوم النفر الثاني، وهو آخر أيام التشريق، وهو اليوم الرابع للنحر الأول أيضًا. فمن تعجل في يومين، وهما اليوم الثاني والثالث من أيام النحر. (ومن تأخر)، أي: إلى اليوم الرابع ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٦). أي: الله تعالى، فإن قلتَ: التعجل رخصة، والتأخر عزيمة، والعمل بالعزيمة أولى على ما ذكر في/ الكتاب بقوله: (والأفضل أن يقيم). ثُمَّ قرن الله تعالى التقوى بالفعل بالعزيمة دون فعل الرخصة، والقياس يقتضي أن يقرن بفعل الرخصة، ولأنه لما لم يكن عليه إثُمَّ عند فعل الرخصة، فكان الأولى ألّا يكون عليه إثُمَّ [عند] (٧) فعل العزيمة، فما فائدة تقييد فعل العزيمة بالتقوى؟ تعجيل الرمي والرمي لمن تعجل قلتُ: قوله: (لمن اتقى) يتعلق بهما جميعًا، أي: ذلك التخيير، ونفي الإثم عن المتعجل، والمتأخر لأجل الحاج المتقي؛ لئلا يتحاجج في قلبه شيء منهما، فبحسب أن إحداهما يرهق صاحبه آثامٌ في الإقدام عليه، وإنما خص المتقي؛ لأن ذا التقوى حَذِرٌ متُحذر من كل ما يريبه أو لأنه المنتفع به دون من سواه؛ لأنه هو الحاج على الحقيقة عند الله تعالى كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ (٨)، إلى هذا أشار في «الكشاف» (٩).

стр. 1395

وفيه خلاف الشافعي (١)، فإن عنده ينقطع خيار النفر بغروب الشمس من اليوم الثالث، فإذا غربت فليس له أن ينفر بعد ذلك قبل أن يرمي. وقال: (لأن المنصوص عليه الخيار في اليوم)، وامتداد اليوم إلى غروب الشمس، وأنا نقول: الليل ليس بوقت لرمي اليوم الرابع فيكون خياره في النفر ثابتًا فيه كما قبل غروب الشمس من اليوم الثالث، بخلاف ما بعد طلوع الفجر في اليوم الرابع، فإنه وقت الرمي فلا يبقى خياره بعد ذلك، وقد بيّنا أن الليالي هاهنا تابعة للأيام الماضية، فكما كان خياره ثابتًا في اليوم الثالث، فكذلك في الليلة التي بعده. وقالا: (لا يجوز اعتبارًا بسائر الأيام) أراد بالأيام: اليومين، وهو اليوم الثاني، والثالث دون اليوم الأول من أيام النحر، فإن رمى جمرة العقبة في ذلك اليوم يجوز قبل زوال الشمس بالاتفاق. وحاصله: أنهما يقيسان رمي اليوم الرابع على رمي اليوم الثاني والثالث من أيام النحر؛ لأنه يوم يرمى فيه الجمار الثلاث كهذين اليومين. وأبو حنيفة ﵀ يقيس آخر الأيام على أول الأيام؛ لأن هذا يوم خف حكم الرمي فيه بالترك وجب أن يكون جميع اليوم وقتًا له كيوم النحر الأول لما خف حكم الرمي فيه يرمي جمرة واحدة كان وقته جميع اليوم، وكذا هنا. قوله ﵀: (بخلاف اليوم الأول، والثاني). أراد بهما اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، وهما ثاني أيام النحر، وثالثه، وأما الرمي في الأول من أيام النحر، فيجوز قبل الزوال بالاتفاق في الروايات كلها على ما ذكرنا. (فأما يوم النحر فأول وقت الرمي من وقت طلوع الفجر). وعلى قول سفيان الثوري (٢) من وقت طلوع الشمس (لحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قدم ضعفة أهله (٣) من المزدلفة. ويقول: أغيلمة بني عبدالمطلب لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس. وحجتنا في ذلك ما روي أنه لما قدَّم ضعفة أهله، قال: أي بني لا ترموا جمرة العقبة إلا مصبحين)، فنعمل بالحديثين جميعًا، فنقول: بعد الصبح يجوز، وتأخيره إلى ما بعد طلوع الشمس أولى. هذا كله من «المبسوط» (٤).

стр. 1396

(لا يجوز الرمي فيهما إلا بعد الزوال في المشهور من الرواية) وروى الحسن عن أبي حينفة ﵀: أنه إن (١) كان من قصده أن يتعجل في النفر الأول، فلا بأس بأن يرمي في اليوم الثالث قبل الزوال، وإن رمى بعد الزوال فهو أفضل، وإن لم يكن ذلك من قصده لا يجوز الرمي إلا بعد الزوال؛ لأنه إذا كان من قصده التعجيل، فربما يلحقه بعض الحرج في تأخير الرمي إلى ما بعد الزوال [حتى لو] (٢) تأخر الرمي إلى ما بعد الزوال لا يصل إلى مكة إلا بالليل، فهو يحتاج إلى أن يرمي قبل الزوال ليصل إلى مكة بالنهار، فيرى موضع نزوله فيرخص له في ذلك. (وفي ظاهر الرواية (٣) يقول: هذا اليوم الثالث نظير اليوم الثاني، فإن النبي ﷺ رمى فيه بعد الزوال فلا يجزئه الرمي فيه قبل الزوال). كذا في «المبسوط» (٤)، وذكر في «المحيط» (٥). وذكر الحاكم الشهيد في «المنتقى» (٦) قال محمد: كان أبو حنيفة يقول: أحب إلي ألاّ يرمي في اليوم الثاني، والثالث حتى تزول الشمس، فإن رمى قبل ذلك أجزأه. (ثُمَّ عند أبي حنيفة ﵀ يمتد هذا الوقت). أي: وقت الرمي في اليوم الأول من أيام النحر، والحجة عليه ما روينا، وهو لقوله ﵇: (أن أول نسكنا في هذا اليوم) (٧) إلى آخره).

стр. 1397

فالحاصل: أن ما بعد طلوع الفجر من يوم النحر إلى طلوع الشمس وقت الجواز مع الإساءة، وما بعده إلى/ الزوال وقت مسنون، وما بعد الزوال إلى الغروب وقت الجواز من غير إساءة، والليل وقت الجواز مع الإساءة)، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (١). وبيان الأفضل مروي عن أبي يوسف ﵀، فإنه حكى عن إبراهيم بن الجراح (٢) قال: دخلت على أبي يوسف ﵀ في مرضه الذي مات فيه ففتح عينيه، وقال: الرمي راكبًا أفضل أم ماشيًا؟ فقلتُ: ماشيًا، فقال: أخطأت فقلتُ: راكبًا، فقال: أخطأت، ثُمَّ قال: كل رمي بعده (٣) وقوف، فالرمي فيه ماشيًا أفضل، وما ليس بعده (٤) وقوف فالرمي راكبًا أفضل. فقمت من عنده فلما انتهيت إلى باب الدار سمعت الصراخ بموته، فتعجبت من حرصه على العلم في مثل تلك الحالة، والذي روى جابر أن النبي ﷺ «رمى الجمار كلها راكبًا» إنما فعله؛ ليكون أشهر للناس حتى يقيدوا به فيما يشاهدونه منه، ألا ترى أنه قال: «خذوا عني مناسككم فلا أدري لعلي لا أحج بعد هذا العام» (٥)، كذا في «المبسوط» (٦). (ولو بات في غيرها) (٧). أي: في غير منى. (متعمدًا لا يلزمه شيء عندنا) (٨) خلافًا للشافعي ﵀. وقال الشافعي (٩) ﵀: إن ترك البيتوتة ليلة فعليه مد، وإن ترك ليلتين فعليه مدان، وإن ترك ثلاث ليال فعليه دم.

стр. 1398

وقال: (ترك البيتوتة في وجوب الجزاء به بترك الرمي)، ولكنا نستدل بحديث العباس ﵁ أنه استأذن رسول الله ﷺ في البيتوتة بمكة في ليالي الرمي لأجل السقاية، فأذن له في ذلك، ولو كان واجبا ما رخص له في تركه لأجل السقاية، ولأن هذه البيتوتة غير مقصودة بل [هي] (١) تبع للرمي في هذه الأيام فتركها لا يوجب إلا الإساءة، كالبيتوتة بمزدلفة ليلة يوم النحر. (٢) (نزل بالمحصب، وهو الأبطح (٣)، وهو اسم موضع). أي: لذلك الموضع اسمان المحصب، والأبطح، وكذا يقال له: الخيف أيضًا. (وكان نزوله قصدًا وهو الأصح (٤). وهذا احتراز عن قول ابن عباس، فإنه يقول: ليس النزول فيه بسنة، ولكنه موضع نزل فيه رسول الله ﷺ اتفاقًا، والأصح عندنا أنه سنة، وإنما نزله رسول الله قصدًا على ما روي أنه قال لأصحابه بمنى: «إنّا نازلون بالخيف غدًا خيف بني كنانة» (٥) إلى آخره كذا في «المبسوط» (٦). (الخيف فهو بالمخصب) وقد كانت قريش اجتمعت فيه، فتحالفوا على بني هاشم، وعلى رسول الله ﷺ فأخبر أنه نزل فيه لمخالفتهم، فإنهم اجتمعوا للمعصية فيه، ونحن نجتمع فيه للطاعة، وما فعله النبي ﷺ في المناسك على وجه المخالفة، فهو نسك [كما] (٧) نفر من عرفة بعد غروب الشمس. كذا في «شرح الأقطع» (٨) الخيف بالسكون للمكان المرتفع نحو خيف منا، أو الذي اختلفت (٩) ألوان حجارته، ومنه الحديث نحن نازلون بخيف بني كنانة، وهو المحصب، كذا في «المغرب» (١٠).

стр. 1399

(ويسمى طواف الوداع). بفتح الواو اسم للتوديع عند الرحيل كذا في «الصحاح» (١). قلتُ: الفعال بفتح الفاء يجيء اسمًا للتفعيل كثيرًا كذا في السلام والكلام، والصلاة بمعنى التسليم، والتكليم، والتصلية. (وهو واجب عندنا خلافًا للشافعي). فإن طواف الصدر سنة عند الشافعي (٢) ﵀؛ لأنه بمنزلة طواف [القدوم] (٣) ألا ترى أن كل واحد منهما يأتي به الآفاقي دون المكي، وما يكون من واجبات الحجّ فالأفاقي، والمكي فيه سواء، ولنا في ذلك قول رسول الله ﷺ : «من حج هذا البيت فليكن آخر عهده بالبيت الطواف» (٤). (ورخص للنساء الحيض). والأمر دليل الوجوب، وتخصيصه الحائض برخصة الترك دليل على الوجوب أيضًا، ويسمى هذا الطواف طواف الوداع، وإنما يجب على من يودع البيت دون من لا يودعه). كذا في «المبسوط» (٥). (إلا على أهل مكة). أي: ليس على أهل مكة، ومن وراء الميقات طواف الصدر، وكذلك من اتخذ مكة دارًا، ثُمَّ بدا له الخروج لا يلزمه طواف الصدر، وكذلك على فائت الحجّ لا يلزمه طواف الصدر؛ لأن العود مستحق عليه، ولأنه صار بمنزلة المعتمر في حق الأفعال، وليس عليه طواف الصدر، وذكر في «التحفة» (٦) وليس على المعتمرين من أهل الآفاق طواف الصدر؛ لأن./ ركن العمرة هو الطواف، فكيف يصير مثل ركنه تبعًا له، وكذلك ليس على حائض، ونفساء طواف الصدر، ولاشيء عليهما لتركه؛

стр. 1400

لأن النبي ﷺ «رخّص للنساء الحيض تركه» (١). (ولم يأمرهن بإقامة شيء مقامه لما قدمنا) أي: في موضعين من قوله ﷺ : «وليصل الطائف لكل أسبوع ركعتين» (٢). وقال: (لأن ختم كل طواف بركعتين (٣) فرضًا كان الطواف أو نفلًا). (ثُمَّ يأتي زمزم) (٤). أي: بعد تقبيل العتبة، وإتيانه الملتزم، وإلصاقه خده بجوار الكعبة يأتي زمزم. (فيشرب من مائها) (٥). ويصب منه على جسده، ويقول: «اللهم إني أسألك رزقًا واسعًا، وعلمًا نافعًا، وشفاءً من كل داء برحمتك يا أرحم الراحمين» (٦). كذا في «المحيط» (٧). (فهذا بيان تمام الحجّ أي: الحجّ الذي أراده رسول الله ﷺ بقوله: «من حج البيت فلم يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (٨). كذا في «المبسوط» (٩).

стр. 1401

فصلٌ: أفعال الحجّ على الترتيب لما ذكر أفعال الحجّ على الترتيب، وأتمها، ألحقها مسائل شتى من أفعال الحجّ بفصل على حدة. (على ما بيّنا). أي: من أحكام الوقوف بعرفة فأول وقت الوقوف بعد الزوال عندنا. (وقال مالك (١): أول وقته بعد طلوع الشمس). لأن هذا اليوم مُسمى بأنه يوم عرفة، وإِنما يصير اليوم مطلقًا من وقت طلوع الشمس، فتبين أن وقت الوقوف من ذلك الوقت، واستدل بقوله ﷺ : «الْحَجُّ عَرَفَةُ» (٢) فمن وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تمّ حجه. (والنهار اسم للوقت من طلوع الشمس): سمي نهارًا لجريان الشمس فيه كالنهر، يسمى نهرًا لجريان الماء فيه، وحجتنا في ذلك أن النبي ﷺ إنما وقف بعد الزوال، وكان مبينًا وقت الوقوف بفعله، فدل أن ابتداء الوقوف بعد الزوال، وقال ابن عمر للحجاج بعد الزوال: إن أردت السنة فالساعة، ولا يُبعد أن يسمى اليوم بهذا الاسم، وإن كان وقت الوقوف بعد الزوال كيوم الجمعة صار وقتًا لأداء الجمعة بعد الزوال، مع أن اليوم مُسمى بهذا الاسم. (وقال مالك (٣): لا يجزئه إلا أن يقف في اليوم، وجزء من الليل). وذلك بأن يكون إفاضة بعد غروب الشمس، واستدل بقوله ﷺ : «من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحجّ، ومن فاتته عرفة بليل فقد فاته الحجّ»، ولكنا نقول: هذه الزيادة غير مشهورة، وإنما المشهور «من فاته عرفة فقد فاته الحجّ» (٤)، وفيما روينا، وهو قوله ﷺ : «ساعة من ليل أو نهار»، دليل على أن بنفس الوقوف في وقته يصير مدركًا للحج)، كذا في «المبسوط» (٥). (لأن ما هو الركن قد وجد، وهو الوقوف). فإن قلتَ: يشكل على هذا الطواف بالبيت، فإنه إذا طاف بالبيت طالبًا للغريم أو هاربًا من عدو أو سبع، ولا ينوي الطواف لا يجزئه عن طوافه مع أن ركن الطواف، وهو الدوران حول البيت، وقد وجد بخلاف الوقوف بعرفة، فإنه يتحقق الوقوف، وإن كان الوقوف بهذه الأشياء، ولا ينوي الوقوف لوجود ركن الوقوف فما وجه الفرق بينهما؟. قلتُ: ذكر الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀ وأثابه الجنة. الفرق بينهما في باب الطواف من «المبسوط» (٦) وقال: (لأن الوقوف رُكن عبادة وليس بعبادة مقصودة، ولهذا لا يتنفل به، فوجود النية في (٧) أصل تلك العبادة، يُغني عن اشتراط النية في ركنه، والطواف عبادة مقصودة، ولهذا ينتقل (٨) به فلابد من اشتراط أصل النية، وسقط اعتبار جهة النية لتعينه)، حتى أن المحرم إذا طاف يوم النحر طوافًا، كان أوجبه لله على نفسه أجزأه عن طواف الزيارة، ولم يجزه فيما (٩) أوجب؛ كما قلنا في صوم رمضان، ولأن الوقوف يؤدى في إحرام مطلق، وأما طواف الزيارة فيؤدى بعد التحلل من الإحرام بالحلق، فوجود النية في الإحرام لا يغني عن النية في الطواف، ولكن هذا الفرق الثاني [يتأتى] (١٠) في طواف الزيارة دون طواف العمرة، والفرق الأول يعم الفصلين.

стр. 1402

(ومن أغمي (١) عليه فأهلّ عنه رفقاؤه (٢) جاز). وأصل هذا: أن الإحرام عندنا شرط بمنزلة الوضوء وستر العورة، وليس بنسك، فاستقام القول فيه بالنيابة بعد وجود العبادة منه، وهو خروجه لحج البيت، وفي هذا الاختلافات عند علمائنا بأن الإحرام يتأدى بالنائب كما لو أمر غيره (٣) بالتقليد، فقلد المأمور صار الأمر محرمًا به، ولكنهم اختلفوا في أن الموافقة (٤) هل تكون./ إذنًا، وأمرًا؟ قال أبو حنيفة ﵀: "يكون"، وقالا: "لا يكون"، كذا ذكر فخر الإسلام، وغيره. فإن قلتَ: كيف صورة المسألة: فالرفقاء يجزون عليه أفعال الإحرام من إلباس الرداء، والإزار، وتجنيبه من محظورات الإحرام (٥) أنهم يتولونها بأنفسهم، ويجرونها على أنفسهم، فلو أجروها على أنفسهم، ولبوا عنه، وهم أيضًا مخرجون لأنفسهم؛ لأنهم خرجوا لحج بيت الله، فكيف يتحقق تداخل الإحرامين؟ وكيف يصح إلحاق هذا بالوضوء فإن إنسانًا إذا توضأ لا يكون غيره به متوضئًا، وإن نوى ذلك الإنسان عنه، ولو أخروا (٦) عليه أفعال الإحرام، وصار المغمى عليه [به] (٧) محرمًا، لم يصيروا نائبين عنه، ولأنهما يفرقان بين هذا وبين ما إذا طيف به المناسك كلها، فإنه يجزئه بالاتفاق؛ لأنه هو الفاعل لها فعلم بهذا أن إجراء أفعال الإحرام عليه غير مراد.

стр. 1403

قلتُ: بل الرفقاء هم الذين يحرمون بطريق النيابة عنه مع أنهم أحرموا عن أنفسهم أيضًا؛ لأنه لما جرت النيابة في الإحرام عند علمائنا رجع كل واحد من الإحرامين إلى ما هو عنه، فصار الرفيق محرمًا عن نفسه بطريق الأصالة، ومحرمًا عنه أيضًا بطريق النيابة، ولكن في إحرام النيابة كان المحرم في الحكم هو المنوب لا النائب، فصار كالأب يحرم عن نفسه، وعن ابن صغير له، وذكر في «المبسوط» (١)، (وإذا أهلّ الرجل عن نفسه، وعن ابن صغير معه، ثُمَّ أصاب صيدًا فعليه دم واحد، ولا يجب عليه من جهة إهلاله عن ابنه شيء؛ لأن عبادته في إهلاله عن ابنه، كعبادة ابنه أن لو كان من أهله فيصير الابن بهذا محرمًا، لا أن يصير الأب محرمًا عنه، وبقي للأب إحرام واحد، فعليه جزاء واحد؛ بخلاف القارن فهو محرم عن نفسه بإحرامين فكان عليه جزءان). وذكر في «المبسوط» (٢) أيضًا بعد ذكر إحرام الرفقاء عن المغمى عليه: (فإن أصاب الذي أهلّ عن المغمى عليه صيدًا، فعليه الجزاء من قبل إهلاله عن نفسه إن كان محرمًا وليس عليه من جهة إهلاله عن المغمى عليه شيء؛ لما بيّنا أن بهذا الإهلال يصير المغمى عليه محرمًا كما لو أمره به إفصاحًا، فأما المهل بهذا الإهلال، فلا يصير محرمًا، فلا يلزمه الجزاء باعتبار إحرامه) بخلاف ما لو أهلّ عن الميت بأمره، حيث يجب عليه الجزاء بذلك الإحرام، لو أصاب صيداً؛ لأنه ليس بنائب عنه في الإحرام، وإنما للميت ثواب الإنفاق، فبقي الإحرام مقصورًا عليه فيجب الجزاء، وأما تداخل الإحرامين إنما يلزم أن لو كان المحرم هو النائب في الإحرامين من كل وجه وليس كذلك، بل المحرم في إحرام النيابة هو المغمى عليه لا النائب على ما ذكرناه. ثُمَّ قياس هذه المسألة على الوضوء من حيث إن كل واحد منهما شرط يحتمل النيابة، ولكن النيابة في حق الوضوء بالتوضئة، بأن يجري الماء على أعضاء المنوب، وفي هذا يتولى النائب الإحرام بنفسه. فإنه ذكر في «المبسوط» (٣) (تجري النيابة في الشروط، وإن كانت لا تجري في الأعمال، ألا ترى أن المحدث إذا غسل أعضاء غيره كان له أن يصلي بتلك الطهارة، وإن كانت النيابة لا تجري في أعمال الصلاة). عُلم بهذا أن النيابة في الوضوء هي التوضئة، ثُمَّ الحجّة بقولهما، وهو القياس؛ لأنه لم يأمر أصحابه بالإحرام وليس للأصحاب عليه ولاية بخلاف الآمر، وبخلاف الأب فلا يصير هو محرمًا بإحرامهم عنه، ولأن العادات في التلبية التولي بأنفسهم لا بالإبانة، فلا تدل المرافقة على الإنابة عادة.

стр. 1404

ألا ترى أنه لو مات بغير وصية، لم يحجوا عنه بسبب الرفقة، ولأن الإحرام لا ينعقد إلا بالنية، وقد انعدمت النية من المغمى عليه حقيقة وحكمًا؛ لأن نية الغير عنه بدون أمره لا يقوم مقام نيته، والدليل عليه: أن سائر المناسك لا تتأدى بأداء الأصحاب عنه، فكذلك الإحرام، وجه قول أبي حنيفة ﵀-أنه لما عاقدهم عقد المرافقة (١)، فقد استعان بهم في كل ما يعجز عن مباشرته بنفسه، والإذن دلالة بمنزلة الإذن إفصاحًا كما في شرب ماء السقاية، وكمن نصب القدر على الكانون، وجعل فيها اللحم، وأوقد تحتها النار، فجاء إنسان وطبخه (٢)، لم يكن ضامنًا لوجود الإذن دلالة، وإذا ثبت الإذن قام بينهم مقام نيته، كما لو كان أمرهم بذلك نصًّا، وأما سائر المناسك فالأصح أن نيابتهم عنه في أدائه صحيحًا إلا أن الأولى أن يقفوا به، وأن يطوفوا به ليكون أقرب إلى أدائه./ لو كان مفيقا (٣)، ولو أدوا عنه جاز. ومن أصحابنا من فرق فقال: الإحرام بمنزلة الشرط، وتجري النيابة في الشروط، وإن كانت لا تجري في الأعمال -على ما ذكرنا- لما أن النيابة عند تحقق العجز، وفي أصل الإحرام تحقق عجزه عنه بسبب الإغماء، فينوب عنه أصحابه، وأما في أداء الأعمال، فلم يتحقق العجز؛ لأنهم إذا أحضروه المواقف كان هو الواقف، وإذا طافوا به كان هو الطائف، بمنزلة من طاف راكبًا بعذر، وإنما يفترق الحال بين القادر والمغمى عليه، أن القادر لو طيف به، وهو لا يشعر بأن كان نائمًا؛ لم يجز لانعدام الفعل منه حقيقة وحكمًا، لعدم الإذن، وهاهنا يجوز؛ لأن الإذن وجد دلالة بعقد المرافقة؛ لأنها تعقد الاستعانة بهم حال العجز، والإغماء (٤)، عجز لا يمكنه إزالته، بخلاف النوم فإنه لا يدوم، ويقدر على إزالته، فكان عقد الرفقة لإزالة النوم ليعمل بنفسه لا للإذن بالطواف به، كذا في «المبسوط» (٥)، و «الأسرار» (٦).

стр. 1405

وذكر فخر الإسلام: فأما إذا أغمي عليه بعد الإحرام، فطيف به المناسك كلها، فإن ذلك يجزئه عند أصحابنا جميعًا؛ لأنه هو الفاعل لها هاهنا، وقد سبقت النية فأجزأه كمن نوى الصلاة في ابتداء صلاته، ثُمَّ يؤدي أفعال الصلاة من الركوع، والسجود ساهيًا، ولا يدري ما يفعل؛ جازت صلاته بسبق النية قبله، وقد سبقت النية فأجزأه كمن نوى الصلاة في ابتداء صلاته، ثُمَّ يؤدي أفعال الصلاة من الركوع، والسجود ساهيًا، ولا يدري ما يفعل جازت صلاته إلى فكذلك هاهنا، ثُمَّ قيد في الكتاب بأنه أهلّ عنه رفقاؤه، فإذا (١) أهلّ عنه غير رفقائه ما حكمه؟ قال الشيخ أبو عبد الله الجرجاني (٢) ﵀: وكان الجصاص (٣) يقول: لا يجوز، ثُمَّ رجع، وقال: يجوز، ولا يختص بذلك رفقاؤه، بل هم وغيرهم في ذلك سواء؛ لأن هذا ليس من باب الولاية، بل هذا من باب الإعانة. قال الله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٤)، وفي هذا الرفقاء وغيرهم سواء. كذا في «الفوائد الظهيرية» (٥). (لأنها مخاطبة كالرجال). لأن اسم الناس في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ (٦)، يقع على الرجال، والنساء جميعًا، فيدخلن في الخطاب. (إحرام المرأة في وجهها). أي: أثر إحرام المرأة في وجهها بالكشف. (ولو سدلت (٧).
следующие страницы →