← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

فصلٌ: أفعال الحجّ على الترتيب لما ذكر أفعال الحجّ على الترتيب، وأتمها، ألحقها مسائل شتى من أفعال الحجّ بفصل على حدة. (على ما بيّنا). أي: من أحكام الوقوف بعرفة فأول وقت الوقوف بعد الزوال عندنا. (وقال مالك (١): أول وقته بعد طلوع الشمس). لأن هذا اليوم مُسمى بأنه يوم عرفة، وإِنما يصير اليوم مطلقًا من وقت طلوع الشمس، فتبين أن وقت الوقوف من ذلك الوقت، واستدل بقوله ﷺ : «الْحَجُّ عَرَفَةُ» (٢) فمن وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تمّ حجه. (والنهار اسم للوقت من طلوع الشمس): سمي نهارًا لجريان الشمس فيه كالنهر، يسمى نهرًا لجريان الماء فيه، وحجتنا في ذلك أن النبي ﷺ إنما وقف بعد الزوال، وكان مبينًا وقت الوقوف بفعله، فدل أن ابتداء الوقوف بعد الزوال، وقال ابن عمر للحجاج بعد الزوال: إن أردت السنة فالساعة، ولا يُبعد أن يسمى اليوم بهذا الاسم، وإن كان وقت الوقوف بعد الزوال كيوم الجمعة صار وقتًا لأداء الجمعة بعد الزوال، مع أن اليوم مُسمى بهذا الاسم. (وقال مالك (٣): لا يجزئه إلا أن يقف في اليوم، وجزء من الليل). وذلك بأن يكون إفاضة بعد غروب الشمس، واستدل بقوله ﷺ : «من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحجّ، ومن فاتته عرفة بليل فقد فاته الحجّ»، ولكنا نقول: هذه الزيادة غير مشهورة، وإنما المشهور «من فاته عرفة فقد فاته الحجّ» (٤)، وفيما روينا، وهو قوله ﷺ : «ساعة من ليل أو نهار»، دليل على أن بنفس الوقوف في وقته يصير مدركًا للحج)، كذا في «المبسوط» (٥). (لأن ما هو الركن قد وجد، وهو الوقوف). فإن قلتَ: يشكل على هذا الطواف بالبيت، فإنه إذا طاف بالبيت طالبًا للغريم أو هاربًا من عدو أو سبع، ولا ينوي الطواف لا يجزئه عن طوافه مع أن ركن الطواف، وهو الدوران حول البيت، وقد وجد بخلاف الوقوف بعرفة، فإنه يتحقق الوقوف، وإن كان الوقوف بهذه الأشياء، ولا ينوي الوقوف لوجود ركن الوقوف فما وجه الفرق بينهما؟. قلتُ: ذكر الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀ وأثابه الجنة. الفرق بينهما في باب الطواف من «المبسوط» (٦) وقال: (لأن الوقوف رُكن عبادة وليس بعبادة مقصودة، ولهذا لا يتنفل به، فوجود النية في (٧) أصل تلك العبادة، يُغني عن اشتراط النية في ركنه، والطواف عبادة مقصودة، ولهذا ينتقل (٨) به فلابد من اشتراط أصل النية، وسقط اعتبار جهة النية لتعينه)، حتى أن المحرم إذا طاف يوم النحر طوافًا، كان أوجبه لله على نفسه أجزأه عن طواف الزيارة، ولم يجزه فيما (٩) أوجب؛ كما قلنا في صوم رمضان، ولأن الوقوف يؤدى في إحرام مطلق، وأما طواف الزيارة فيؤدى بعد التحلل من الإحرام بالحلق، فوجود النية في الإحرام لا يغني عن النية في الطواف، ولكن هذا الفرق الثاني [يتأتى] (١٠) في طواف الزيارة دون طواف العمرة، والفرق الأول يعم الفصلين.

стр. 1402

(ومن أغمي (١) عليه فأهلّ عنه رفقاؤه (٢) جاز). وأصل هذا: أن الإحرام عندنا شرط بمنزلة الوضوء وستر العورة، وليس بنسك، فاستقام القول فيه بالنيابة بعد وجود العبادة منه، وهو خروجه لحج البيت، وفي هذا الاختلافات عند علمائنا بأن الإحرام يتأدى بالنائب كما لو أمر غيره (٣) بالتقليد، فقلد المأمور صار الأمر محرمًا به، ولكنهم اختلفوا في أن الموافقة (٤) هل تكون./ إذنًا، وأمرًا؟ قال أبو حنيفة ﵀: "يكون"، وقالا: "لا يكون"، كذا ذكر فخر الإسلام، وغيره. فإن قلتَ: كيف صورة المسألة: فالرفقاء يجزون عليه أفعال الإحرام من إلباس الرداء، والإزار، وتجنيبه من محظورات الإحرام (٥) أنهم يتولونها بأنفسهم، ويجرونها على أنفسهم، فلو أجروها على أنفسهم، ولبوا عنه، وهم أيضًا مخرجون لأنفسهم؛ لأنهم خرجوا لحج بيت الله، فكيف يتحقق تداخل الإحرامين؟ وكيف يصح إلحاق هذا بالوضوء فإن إنسانًا إذا توضأ لا يكون غيره به متوضئًا، وإن نوى ذلك الإنسان عنه، ولو أخروا (٦) عليه أفعال الإحرام، وصار المغمى عليه [به] (٧) محرمًا، لم يصيروا نائبين عنه، ولأنهما يفرقان بين هذا وبين ما إذا طيف به المناسك كلها، فإنه يجزئه بالاتفاق؛ لأنه هو الفاعل لها فعلم بهذا أن إجراء أفعال الإحرام عليه غير مراد.

стр. 1403

قلتُ: بل الرفقاء هم الذين يحرمون بطريق النيابة عنه مع أنهم أحرموا عن أنفسهم أيضًا؛ لأنه لما جرت النيابة في الإحرام عند علمائنا رجع كل واحد من الإحرامين إلى ما هو عنه، فصار الرفيق محرمًا عن نفسه بطريق الأصالة، ومحرمًا عنه أيضًا بطريق النيابة، ولكن في إحرام النيابة كان المحرم في الحكم هو المنوب لا النائب، فصار كالأب يحرم عن نفسه، وعن ابن صغير له، وذكر في «المبسوط» (١)، (وإذا أهلّ الرجل عن نفسه، وعن ابن صغير معه، ثُمَّ أصاب صيدًا فعليه دم واحد، ولا يجب عليه من جهة إهلاله عن ابنه شيء؛ لأن عبادته في إهلاله عن ابنه، كعبادة ابنه أن لو كان من أهله فيصير الابن بهذا محرمًا، لا أن يصير الأب محرمًا عنه، وبقي للأب إحرام واحد، فعليه جزاء واحد؛ بخلاف القارن فهو محرم عن نفسه بإحرامين فكان عليه جزءان). وذكر في «المبسوط» (٢) أيضًا بعد ذكر إحرام الرفقاء عن المغمى عليه: (فإن أصاب الذي أهلّ عن المغمى عليه صيدًا، فعليه الجزاء من قبل إهلاله عن نفسه إن كان محرمًا وليس عليه من جهة إهلاله عن المغمى عليه شيء؛ لما بيّنا أن بهذا الإهلال يصير المغمى عليه محرمًا كما لو أمره به إفصاحًا، فأما المهل بهذا الإهلال، فلا يصير محرمًا، فلا يلزمه الجزاء باعتبار إحرامه) بخلاف ما لو أهلّ عن الميت بأمره، حيث يجب عليه الجزاء بذلك الإحرام، لو أصاب صيداً؛ لأنه ليس بنائب عنه في الإحرام، وإنما للميت ثواب الإنفاق، فبقي الإحرام مقصورًا عليه فيجب الجزاء، وأما تداخل الإحرامين إنما يلزم أن لو كان المحرم هو النائب في الإحرامين من كل وجه وليس كذلك، بل المحرم في إحرام النيابة هو المغمى عليه لا النائب على ما ذكرناه. ثُمَّ قياس هذه المسألة على الوضوء من حيث إن كل واحد منهما شرط يحتمل النيابة، ولكن النيابة في حق الوضوء بالتوضئة، بأن يجري الماء على أعضاء المنوب، وفي هذا يتولى النائب الإحرام بنفسه. فإنه ذكر في «المبسوط» (٣) (تجري النيابة في الشروط، وإن كانت لا تجري في الأعمال، ألا ترى أن المحدث إذا غسل أعضاء غيره كان له أن يصلي بتلك الطهارة، وإن كانت النيابة لا تجري في أعمال الصلاة). عُلم بهذا أن النيابة في الوضوء هي التوضئة، ثُمَّ الحجّة بقولهما، وهو القياس؛ لأنه لم يأمر أصحابه بالإحرام وليس للأصحاب عليه ولاية بخلاف الآمر، وبخلاف الأب فلا يصير هو محرمًا بإحرامهم عنه، ولأن العادات في التلبية التولي بأنفسهم لا بالإبانة، فلا تدل المرافقة على الإنابة عادة.

стр. 1404

ألا ترى أنه لو مات بغير وصية، لم يحجوا عنه بسبب الرفقة، ولأن الإحرام لا ينعقد إلا بالنية، وقد انعدمت النية من المغمى عليه حقيقة وحكمًا؛ لأن نية الغير عنه بدون أمره لا يقوم مقام نيته، والدليل عليه: أن سائر المناسك لا تتأدى بأداء الأصحاب عنه، فكذلك الإحرام، وجه قول أبي حنيفة ﵀-أنه لما عاقدهم عقد المرافقة (١)، فقد استعان بهم في كل ما يعجز عن مباشرته بنفسه، والإذن دلالة بمنزلة الإذن إفصاحًا كما في شرب ماء السقاية، وكمن نصب القدر على الكانون، وجعل فيها اللحم، وأوقد تحتها النار، فجاء إنسان وطبخه (٢)، لم يكن ضامنًا لوجود الإذن دلالة، وإذا ثبت الإذن قام بينهم مقام نيته، كما لو كان أمرهم بذلك نصًّا، وأما سائر المناسك فالأصح أن نيابتهم عنه في أدائه صحيحًا إلا أن الأولى أن يقفوا به، وأن يطوفوا به ليكون أقرب إلى أدائه./ لو كان مفيقا (٣)، ولو أدوا عنه جاز. ومن أصحابنا من فرق فقال: الإحرام بمنزلة الشرط، وتجري النيابة في الشروط، وإن كانت لا تجري في الأعمال -على ما ذكرنا- لما أن النيابة عند تحقق العجز، وفي أصل الإحرام تحقق عجزه عنه بسبب الإغماء، فينوب عنه أصحابه، وأما في أداء الأعمال، فلم يتحقق العجز؛ لأنهم إذا أحضروه المواقف كان هو الواقف، وإذا طافوا به كان هو الطائف، بمنزلة من طاف راكبًا بعذر، وإنما يفترق الحال بين القادر والمغمى عليه، أن القادر لو طيف به، وهو لا يشعر بأن كان نائمًا؛ لم يجز لانعدام الفعل منه حقيقة وحكمًا، لعدم الإذن، وهاهنا يجوز؛ لأن الإذن وجد دلالة بعقد المرافقة؛ لأنها تعقد الاستعانة بهم حال العجز، والإغماء (٤)، عجز لا يمكنه إزالته، بخلاف النوم فإنه لا يدوم، ويقدر على إزالته، فكان عقد الرفقة لإزالة النوم ليعمل بنفسه لا للإذن بالطواف به، كذا في «المبسوط» (٥)، و «الأسرار» (٦).

стр. 1405

وذكر فخر الإسلام: فأما إذا أغمي عليه بعد الإحرام، فطيف به المناسك كلها، فإن ذلك يجزئه عند أصحابنا جميعًا؛ لأنه هو الفاعل لها هاهنا، وقد سبقت النية فأجزأه كمن نوى الصلاة في ابتداء صلاته، ثُمَّ يؤدي أفعال الصلاة من الركوع، والسجود ساهيًا، ولا يدري ما يفعل؛ جازت صلاته بسبق النية قبله، وقد سبقت النية فأجزأه كمن نوى الصلاة في ابتداء صلاته، ثُمَّ يؤدي أفعال الصلاة من الركوع، والسجود ساهيًا، ولا يدري ما يفعل جازت صلاته إلى فكذلك هاهنا، ثُمَّ قيد في الكتاب بأنه أهلّ عنه رفقاؤه، فإذا (١) أهلّ عنه غير رفقائه ما حكمه؟ قال الشيخ أبو عبد الله الجرجاني (٢) ﵀: وكان الجصاص (٣) يقول: لا يجوز، ثُمَّ رجع، وقال: يجوز، ولا يختص بذلك رفقاؤه، بل هم وغيرهم في ذلك سواء؛ لأن هذا ليس من باب الولاية، بل هذا من باب الإعانة. قال الله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٤)، وفي هذا الرفقاء وغيرهم سواء. كذا في «الفوائد الظهيرية» (٥). (لأنها مخاطبة كالرجال). لأن اسم الناس في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ (٦)، يقع على الرجال، والنساء جميعًا، فيدخلن في الخطاب. (إحرام المرأة في وجهها). أي: أثر إحرام المرأة في وجهها بالكشف. (ولو سدلت (٧).

стр. 1406

من سدل الثوب سدلًا من باب طلب، إذا أرسل من غير أن يضم جانبيه، وقيل: هو أن يلقيه على رأسه، ويرخيه على منكبيه. وفي بعض النسخ، ولو أُسدلت مكان سدلت، وذكر في «المغرب» إن أُسدلت خطأ. واعلم: أن سدل الشيء على وجهها واجب عليها، لما أنه ذكر في الواقعات الناطفي: أن المرأة المحرمة ترخي على وجهها خرقة، وتجافي عن وجهها، ودلت المسألة على أن المرأة منهية عن إظهار وجهها للرجال من غير ضرورة؛ لأنها منهية من تغطية الوجه لحق النسك، ولولا أن الأمر كذلك، وإلا لما أمرت بهذا الإرخاء، كذا في «المحيط» (١) (٢). (وجافته). بالجيم أي: باعدت ذلك الشيء عن وجهها، وهو مفاعلة من جفا جنبه عن الفراش إذا نبأ وارتفع. (وتلبس من المخيط ما بدا لها) (٣). من الزروع، والقميص (٤)، والخمار (٥)، والخف، والقفازين (٦)؛ لأنها عورة، وهي مأمورة بأداء العبادة على استواء الوجوه، ولكن (لا تلبس المصبوغ بورس، ولا زعفران، ولا عُصفر؛ إلا أن يكون قد غُسل؛ لأن ما حلّ في حقها من اللبس كان للضرورة، ولا ضرورة في لبس المصبوغ، فهي في ذلك بمنزلة الرجل، ولأن هذا تزين، وهو من دواعي الجماع، وهي ممنوعة من ذلك في الإحرام كالرجل). كذا في «المبسوط» (٧). قوله ﵀: (ومن قلّد بدنة (٨) تطوعًا، أو نذرًا (٩)، أو جزاء صيد، أو شيئًا من الأشياء) إلى أن قال: (فقد أحرم) (١٠).

стр. 1407

فإن قلتَ: ما وجه صحة قول أو جزاء صيد، وهذا الرجل إنما يصير محرمًا الآن بتقليد جزاء الصيد، فكيف يتصور جزاء الصيد قبل الإحرام؟ وإنما يجب الجزاء لجنايته على الصيد في الإحرام، فحينئذٍ يلزم الدور، ولا يوجد واحد منها لتوقف كل واحد منهما إلى الآخر. قلتُ: هذا في حق ابتداء الإحرام في السنة القابلة، بأن قتل المحرم صيدًا حتى وجبت عليه قيمته فاشترى بتلك القيمة بدنة في سنة أخرى، وقلدها، وساقها إلى مكة. كذا ذكر العتابي (١) في «الجامع الصغير» (٢)، ويحتمل أن يراد به جزاء صيد المحرم بأن قتل الحلال بعامة في الحرم، ووجبت عليه قيمتها جزاء، فاشترى بها بدنة فقلّدها حالة الإحرام/ وتوجه معها إلى مكة يريد الحجّ صار محرمًا. وقوله: (أو شيئاً آخر من الأشياء). أراد به البدنة للمتعة أو للقران، وذكر في «الفوائد الظهيرية» يريد به ما وجب جبرًا [لنقائض] (٣) الحجّ، كما إذا طاف طواف الزيارة جنباً، لكن هذا إنما يظهر أثره في حق السنة القابلة على ما ذكرنا، وأصل هذا أن الشروع في الحجّ لا يحصل بمجرد النية عندنا، خلافًا للشافعي ﵀. فإن على أظهر قولي الشافعي (٤) ﵀ ينعقد الإحرام بمجرد النية، وجعل الإحرام قياس الصوم من حيث إنه التزام الكف عن ارتكاب المحظورات. وعلى قولنا: الإحرام قياس تكبيرة الافتتاح للصلاة؛ لأن الإحرام لأداء الحجّ والعمرة، وذلك مُشتمل على أركان مختلفة كالصلاة، وكما لا يصير شارعًا هناك بالنية بدون التحريمة، فكذلك في الإحرام بخلاف الصوم، فإنه إنما يصح الصوم بمجرد النية لاتصال النية بالفعل، وهو الإمساك؛ لأنه ليس للصوم إلا ركن واحد، وهو الإمساك، وكانت النية مصادقة للمَنوِيّ، فيصح كنية الإقامة للمسافر يصير مقيمًا بمجرد النية؛ لأن الإقامة عبارة عن ترك السفر، بخلاف نيّة السفر (٥) حيث

стр. 1408

لا يصير مسافرًا بمجرد النية، بل بالسفر مع النية، وذُكر في «المحيط» (١) إذا أراد الرجل الإحرام ينبغي أن ينوي بقلبه الحجّ أو (٢) العمرة، ويلبي، ولا يصير داخلًا في الإحرام بمجرد النية، ما لم ينضم إليها التلبية أو سَوقُ الهدي (٣)، وفي رواية أخرى أن بتقليد الهدي، والسوق، والتوجه معه يصير محرمًا كما يصير محرمًا بالتلبية. وذكر في «شرح الطحاوي» (٤): ولو قلّد بدنة بغير نية الإحرام لا يصير محرمًا، ولو ساقها هدياً قاصدًا إلى مكة صار محرمًا بالسَوقِ نوى الإحرام أولم ينوِ. قلتُ: صيرورته محرمًا بمجرد السوق من غير انضمام نية الإحرام، لم أجد في الشروح بهذه العبارة إلا في «شرح الطحاوي» (٥)؛ فإن في عامة النسخ شرط النية بأي شيء، كان مما يُضَمُ إليه (٦) النية من التلبية، وسوق هدي المتعة، وتقليد البدنة، ولكن ذكر في «الإيضاح» (٧) من ذلك (٨) فقال: إنما اعتبر السوق مع التقليد؛ لأن التقليد من جملة الشعائر، وبالسوق يتحقق معنى الهدي، فاعتبر السوق مع التقليد، ولهذا المعنى قلنا: إن السنة أن تقدم التلبية على التقليد؛ لأنه إذا قلّدها فربما يسير، فيصير شارعًا في الإحرام، والسنة أن يكون الشروع بالتلبية حيث اعتبر مجرد سيره بعد التقليد في تصييره محرمًا من غير قصد منه في الإحرام. وذكر في «فتاوى قاضي خان» (٩)، ولا يصير محرمًا عندنا بمجرد النية ما لم يضم إليها التلبية أو سوق الهدي، ولو لبى ولم ينوِ لا يصير محرمًا في الروايات الظاهرة، وفي قيده في الروايات الظاهرة إشارة إلى أنه يصير محرمًا بالتلبية بدون النية في غير ظاهر الرواية، وقد ذكرنا تمامه في ذكر ابتداء الإحرام. (في إظهار الإجابة). أي: إجابة دعاء إبراهيم ﵇. (وصفة التقليد (١٠): أن يربط على عنق بدنته قطعة نعل).

стр. 1409

أي: خف، أو لحاء شجرٍا بالمد، وهو قشرة، وفي المثل بين العصاه، ولحائها. كذا في «الصحاح» (١). والمعنى في تقليد هذه الأشياء بالهدي أن هذا أُعدّ ليتقرب بإراقة دمه، فيصير جلده عن قريب مثل هذه القطعة من الجلد، ومثل هذا اللحاء في اليبوسة (٢)، وليعرف (٣) حتى لا يُمنع من الماء، والعلف، إذا عُلم أنه هدي، وهذا فيما غاب عن صاحبه كالإبل، والبقر دون الغنم، فإن الغنم يضيع إذا لم يكن صاحبه معه، فلذلك لا يقلد الغنم. كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀. (فبعث بها، وأقام في أهله حلالًا لا يحرم به ما يحرم على المحرم، فعرفنا أنه لا يصير محرمًا بمجرد التقليد، والصحابة كانوا مختلفين في هذه المسألة على ثلاثة أقاويل، فمنهم من يقول: إذا قلدها صار محرمًا، ومنهم من قال: إذا توجّه في أثرها صار محرمًا. ومنهم من قال: إذا أدركها فساقها صار محرمًا، فأخذنا بالمتيقن من ذلك، وقلنا: إذا أدركها، وساقها، صار محرمًا باتفاق الصحابة في هذه الحالة إلا في بدنة المتعة، فإنه يصير محرمًا حين خرج على أثرها، وإن لم يدركها استحسانًا). كذا في «المبسوط» (٤)، وإذا أدركها، وإنما ردد بين السوق وعدمه؛ لأن الرواية قد اختلفت فيه فقد شرط في «المبسوط» (٥) السوق مع اللحوق، ولم يشترط السوق في «الجامع الصغير» (٦)، والمصنف ﵀ جمع بين الروايتين./ وذكر فخر الإسلام في «الجامع الصغير» (٧)، وقال في الأصل: ويسوقه، ويتوجه معه، وذلك أمر اتفاقي، وإنما الشرط أن يلحقه له (٨)؛ ليصير فاعلًا فعل المناسك على الخصوص.

стр. 1410

فقد اقترنت النية بعمل هو من خصائص الإحرام، أما سوق الهدي فظاهر، وأما إذا (١) أدرك، ولم يسق، وساق غيره فكذلك؛ لأن فعل الوكيل بحضرة الموكل كفعل الموكل. قوله ﵀: (قال: إلا في بدنة المتعة). (٢) هذا الاستثناء من قوله: (لم يصر محرمًا حتى يلحقها) (٣). ثُمَّ اعلم أن هاهنا قيدًا لابد من ذكره، وهو أنه في بدنة المتعة إنما يصير محرمًا بالتقليد، والتوجه إذا حصلا في أشهر الحجّ، فإن حصلا في غير أشهر الحجّ لا يصير محرمًا ما لم يدرك الهدي، ويسير معه. هكذا ذكر في «الرّقَيَّاتِ (٤)»؛ لأن تقليد هدي المتعة في غير أشهر الحجّ لا يعتد به؛ لأنه فعل من أفعال المتعة. وأفعال المتعة قبل أشهر الحجّ لا يعتد بها فيكون تطوعًا، وفي هدي التطوع ما لم يدرك، ويسير معه لا يصير محرمًا. كذا في «الجامع الصغير» للإمام قاضي خان ﵀. وجه القياس ما ذكرنا، وهو قوله: (لأن عند التوجه إذا لم يكن بين يديه هدي يسوقه لم يوجد منه إلا مجرد النية) إلى آخره. ووجه الاستحسان (٥): هو أن يهدي المتعة نوع اختصاص لبقاء الإحرام بسببه، فإن المتمتع إذا ساق الهدي، فليس له أن يتحلل بين النسكين بخلاف ما إذا لم يسق الهدي، فكما كان له (نوع اختصاص ببقاء الإحرام، فكذلك في ابتداء الشروع [في الإحرام] (٦) لهدي المتعة نوع اختصاص، وذلك في أن يصير محرمًا بنفس التوجه، وإن لم يدرك الهدي بخلاف هدي التطوع). كذا في «المبسوط» (٧)، وذكر أبو اليسر (٨):

стр. 1411

دم القران يجب أن يكون كدم المتعة لمكان هذا الاختصاص (١). (أنَّ هَذَا الهدي مشروع على الابتداء). وهذا احتراز عن الهدي [الذي] وجب. (الحَجّ وَضعًا). أي: شرع كذلك ابتداء؛ لأنه يختص بمكة دليل قوله: (نُسكًا من مناسك الحجّ). (وغيره قد يجب بالجناية). … أي: وغير هدي المتعة قد يجب بالجناية قبل الوصول إلى مكة. بأن أصاب صيداً في إحرامه قبل أن يصل إلى مكة، فيجب عليه الجزاء، وهدي المتعة لا يجب إلا في مكة؛ لأنه لا يجب إلا عند الجمع بين النسكين، وموضع النسكين مكة، وكان وجوبه بمكة ضرورة. وحاصله: أن يهدي المتعة لما كان زيادة اختصاص بمناسك الحجّ في هذه الوجوه، كان التوجه إليه مع نية الإحرام، وإن لم يدرك قائمًا مقام الإدراك، وكان كافيًا لصيرورته محرمًا لشروعه فيما هو يختص بالمناسك. تجليل الفرس، وهو أن تلبسه الجل، وإشعار البدنة إعلامها بشيء أنها هدي من الشعار، وهو العلامة، كذا في «الصحاح» (٢)، و «المغرب» (٣)، والصحيح: من الرواية في الحديث كالهدي جزورًا (٤)، ولئن ثبت تلك الرواية التي رواها، قلنا: التمييز من حيث الحكم بالعطف لا يدل على اختلاف الجنسية، وكذلك التخصيص باسم خاص لا يمنع الدخول يجب اسم العام لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٥). وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ (٦)؛ كذا ذكره الإمام المحبوبي ﵀ والله أعلم بالصواب. بًابُ القِرَان لما ذكر حكم المفرد شرع في بيان المركب، وهو القران، والتمتع إلا أن القران أفضل من التمتع على ما يأتي، فلذلك قدمه على التمتع. وحاصله: أن المحرمين أنواع أربعة: مفرد بالحجّ، ومفرد بالعمرة، وقارن، ومتمتع، فالمفرد بالحجّ هو أن يحرم بالحجّ لا غير، ثُمَّ يأتي بأفعال الحجّ، والركن فيه شيئان الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة على ما ذكرنا، والمفرد بالعمرة هو أن يحرم بالعمرة لا غير سواء أحرم للعمرة من الميقات، أو قبل الميقات في أشهر الحجّ، أو في غير أشهر الحجّ، ويذكر العمرة بلسانه عند التلبية مع القصد بالقلب.

стр. 1412

فيقول: لبيك بعمرة، ثُمَّ يأتي بأفعال العمرة، وأفعالها أربعة، فاثنان منها ركنها، وهما الطواف، والسعي، والاثنان شرطها، وهما الإحرام، والحلق، فإن الإحرام شرط أدائها، والحلق والتقصير شرط الخروج، وما ذكرنا من الشرائط في وجوب الحجّ، فشرط في العمرة، وما هو المحظور في إحرام الحجّ محظور في إحرام العمرة، وأما وقت العمرة، فالسنة كلها وقت لها، ولا يكره سواء/ كان في أشهر الحجّ أو في غيرها إلا في خمسة أيام، يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق (١) لكون الحاج مشغولًا بأداء الحجّ إلا إذا قصد القران أو التمتع، فلا بأس به، بل يكون أفضل في حق الآفاقي كذا في «التحفة» (٢). وأما تفسير القارن فهو من يجمع بين العمرة والحجّ في الإحرام، فيقول: لبيك بحجة، وعمرة، ويأتي بأفعال العمرة أولًا، ثُمَّ بأفعال الحجّ من غير أن يحل بينهما، وكذلك لو أحرم بعمرة، فلم يطف أو طاف لها أقل من أربعة أشواط، ثُمَّ أحرم بالحجّ كان قارناً؛ لأن الأكثر قائم، وللأكثر حكم الكل، ولو أحرم بالحجّ، ولم يطف حتى أهلَّ بعمرة كان قارناً أيضًا؛ لأنه جمع بين إحرامين قبل أداء أحدهما، وقد أساء في ذلك؛ لأن السنة أن يجمع بينهما في الإحرام ويبني إحرام الحجّة على إحرام العمرة. ولو أحرم بالحجّ فطاف بها شوطًا، ثُمَّ أحرم بالعمرة، فإنه يرفض العمرة، وعليه قضاؤها، وعليه الدم لأجل الرفض؛ لأنه عجز عن الأداء على السنة، وهي ترتيب أفعال الحجّ على أفعال العمرة فترفض العمرة؛ لأنها أيسر بخلاف ما إذا أهلّ بالعمرة قبل أن يطوف للحج حيث يلزمه الجمع بينهما؛ لأنه لم يعجز عن الأداء على وجه السنة. والمتمتع: من يأتي بالعمرة في أشهر الحجّ، أو بأكثر طوافها في أشهر الحجّ، ثُمَّ يحرم بالحجّ، ويحج من عامه، ذلك على وصف الصحة قبل أن يلم بأهله إلمامًا صحيحًا، وسواء أحل من عمرته بالحلق أو بالتقصير، ثُمَّ أحرم للحج قبل أن يحلّ من عمرته، فيكون إحرام عمرته كوفيًّا، وإحرام حجته مكيًّا، كذا في «شرح الطحاوي» (٣)، و «الجامع الصغير» (٤) لقاضي خان.

стр. 1413

قوله ﵀: (والقران أفضل من التمتع والإفراد) (١). هذا اللفظ محتاج إلى التأويل؛ لأن الإفراد يحتمل أن يراد به إفراد الحجّ فحسب، أو إفراد العمرة فحسب، أو إفراد كل واحد منها بإحرام، وإلمام صحيح بينهما على حِدة. قلتُ: المراد من هذا اللفظ الثالث دون الأوَلَينِ استدلالًا بمواضع الاحتجاج، ووضع المسائل في «المبسوط» (٢) فإن الشافعي (٣) ﵀ يستدل لترجيح مذهبه بقوله: (ولأن في الإفراد زيادة التلبية، والسفر، والحلق). وهذا التعليل إنما يتأتى له لو أتى بهما جميعًا منفردين، وكذلك ذكر في تعليلنا، ولأن في القران معنى الوصل، والتتابع في العبادة، وهو أفضل من إفراد كل واحد منهما كالجمع بين الصوم، والاعتكاف، وكذلك روي عن محمد ﵀ أنه قال: "حجة كوفية، وعمرة كوفية أفضل عندي من القران"، ولو اتخذ إحرام الحجّة، والعمرة فيما ذكره محمد ﵀ لكان هو عين القران فحينئذٍ لا يصح. قوله: (أفضل من القران). لأن الشيء لا يكون أفضل على نفسه عُلِم به أن المراد إفراد كل واحد منهما بإحرام على حدة، ثُمَّ ظاهر مذهب أصحابنا أن القران أفضل من الذي ذكره محمد. فعُلم بذلك أن قولهم: (القران أفضل من الإفراد) أي: من إفراد الحجّة، والعمرة بعد الإتيان بهما، لا أن يأتي بواحد منهما منفردًا فحسب، فإنه لا خلاف فيه على أن القران حينئذٍ يكون أفضل؛ لأنه على ذلك التقدير كان عين الإفراد مع زيادة شيء فكان أفضل، وكان هذا نظير قول أبي حنيفة ﵀. (أن أربعًا أولى من اثنين)، أي: أن أربعًا أولى من اثنين اثنين على معنى أنه لو صلى أربع ركعات لكن بتسليمتين، وأما لو اقتصر على الركعتين، فلا خلاف فيه لأحد أن الأربع أولى منه، فعلم بهذا أن المراد من الإفراد إفراد الحجّة والعمرة بإحرام على حدة، وإلمام صحيح بينهما؛ لأنه لو لم يكن بينهما إلمام صحيح كان هو عين المتعة. وقال الشافعي (٤) ﵀: "الإفراد أفضل لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان مفردًا بالحجّ، وإنما حج رسول الله ﷺ بعد الهجرة مرة، فما كان يترك ما هو الأفضل فيما يؤديه مرة واحدة"، ولأن القران رخصة كما قال ﷺ لعائشة ﵂: «إنما أجرك على قدر تعبك (٥)» وإنما القران رخصة، والإفراد عزيمة، والتمسك بالعزيمة خير من التمسك بالرخصة ولأن الإفراد زيادة الإحرام، والسفر، والحلق، فإن القارن يؤدي النسكين بسفر واحد، ويلبي لهما تلبية واحدة، ولأجل هذا النقصان يجب عليه الدم جبرًا، والمفرد يؤدي كل نسك بصفة الكمال، وأداء النسك بصفة الكمال/ يكون أفضل من إدخال النقص، والجبر فيهما.

стр. 1414

وعلماؤنا استدلوا بحديث علي، وابن مسعود ﵄، وعمران بن الحصين: «أن النبي ﷺ قرن بين الحجّ والعمرة فطاف لهما طوافين، وسعى سعيين» (١)، وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «كنت آخذًا بزمام ناقة رسول الله ﷺ ، وهي تقصع بجرتها، ولعابها يسيل على كتفي» وهو يقول: «لبيك بحجة وعمرة معًا» (٢)، وأهل الحديث جمعوا رواة نُسك رسول الله ﷺ : فكانوا ثلاثين نفرًا، عشرة منهم يروي أنه كان قارناً، وعشرة أنه كان مفردًا، وعشرة أنه كان متمتعًا، فنوفق بين هذه الروايات، ونقول: لبى رسول الله ﷺ أولًا بالعمرة، فسمعه بعض الناس، ثُمَّ رأوه بعد ذلك حج، فظنوا أنه كان متمتعًا، فنقلوا كما وقع عندهم، ثُمَّ لبى بعد ذلك بالحجّ، فسمعه قوم آخرون، فظنوا أنه مفرد بالحجّ، ثُمَّ لبى بها فسمع قوم آخرون فعلموا أنه قارن، وكلٌ نقل ما وقع عنده، وهو نظير ما روينا من توفيق ابن عباس في اختلاف الروايات من وقت تلبية رسول الله ﷺ ، ثُمَّ لما وقع الاختلاف في فعله يصير إلى قوله: وقد قال ﷺ «أتاني آت من ربي، وأنا بعقيق (٣) فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك ركعتين فقل لبيك بحجة وعمرة معًا» (٤)، فقال ﷺ : «يا آل محمد أهلّوا بحجة وعمرة معًا» (٥)، ولأن في القران معنى الوصل والتتابع في العبادة، والجمع بين العبادتين أفضل من إفراد كل واحد منهما.

стр. 1415

(فأشبه الصوم مع الاعتكاف، والحراسة في سبيل الله مع صلاة الليل). وهذا لأن الجمع بين العبادتين لما جاز؛ كان الجمع أفضل لما فيه من المسارعة، وفي التأخير من الكسل المذموم. (ولأن في القران زيادة النسك)، وهي إراقة الدم، وقال ﷺ : «أَفْضَلُ الْحَجِّ: الْعَجُّ (١) وَالثَّجّ (٢)» (٣)، والكلام في الحقيقة ينبني على هذا الحرف، فإن دم القران عنده دم جبر حتى قال (٤): لا يباح التناول منه للمُهدي، وعندنا هو دم نسك حتى يباح التناول منه له، والدليل على أنه دم (٥) نُسك أنه يتوقت بأيام النحر كالأضحية، ودم الجبر لا يتوقت به، وإن سبّبه مباح، ودماء الجبر يستدعي سببًا محظورًا؛ لأن النقصان إنما يتمكن بارتكاب ما لا يحل، وقد [يتناول] (٦) رسول الله ﷺ من هداياه على ما روي «أنه ساق مائة بدنة، فنحر سبعًا وستين بنفسه، وولى الباقي عليًّا ﵁، ثُمَّ أمر أن يؤخذ من كل واحد قطعة فيطبخ له، فأكل من لحمها، وحسا من مرقها» (٧) وقد صح عندنا أنه كان قارناً. كذا في «المبسوط» (٨)، وغيره.

стр. 1416

(والتلبية غير محصورة). فإن المفرد كما يكرر التلبية مرة بعد أخرى، فكذلك القارن يكرر مرة بعد أخرى، وإذا كان كذلك جاز أن يقع تكرار القارن بالتلبية أكثر من تكرار المفرد، فحينئذٍ لم يكن ترجح المفرد على القارن بكثرة التلبية في المفرد. وذكر في «الأسرار» (١): (ولو أحرم رجل بالعمرة أولًا، ثُمَّ لبى بالحجّة كان قارناً بتلبيتين)، ومع ذلك أن هذا أنقص عند الشافعي (٢). (والسفر غير مقصود). فإن قلتَ: لا نسلم؛ بل السفر في حق الحجّ مقصود، بدليل أن الوجوب يتعلق بشرط استطاعة السفر، وبدليل أن الرجل إذا أوصى أن يحج عنه من ثلث ماله وجب أن يحج عنه من وطنه، ولو أحج عنه من أدنى المواقيت لا يجوز علم أن السفر مقصود، وبدليل أن من نذر حجًّا ماشيًا، ثُمَّ ركب يلزمه الدم، فلو لم يكن السفر مقصودًا لم يكن وصفه مرعيًّا شرعًا في النذر لما أن النذر لا يصح فيما ليس بمقصود على ما مرّ في الاعتكاف. قلتُ: الكلام في أن النقصان في السفر هل يورث نقصًا في الحجّ حتى كان الدم دم جبر، وعند الشافعي (٣) ﵀ يورث، فلذلك جعل الدم الذي يجب في القران والمتعة دم جبر، وقلنا: لا يورث ذلك [نقصًا] (٤) في الحجّ، وذلك في السفر ما يتقدم الإحرام، فعدمه لا يوجب (٥) نقصًا في الإحرام فكيف بقضائه (٦)، وأما الوصية في الإحجاج، إنما انصرفت إلى الوطن؛ لأن الميت لو حج بنفسه يحج من وطنه، والأمر المطلق انصرف إلى ما يكون منه بدلالة الحال؛ لا أنه يُشرط لتمام الحجّ، ألا ترى أن من دخل مكة قبل أشهر الحجّ بالعمرة ثُمَّ حج؛ لم يكن عليه شيء جبرًا لما ترك من السفرللحجة، وكذلك المتمتع الذي ساق/ الهدي مع نفسه إذا رجع إلى أهله بعد العمرة، ثُمَّ حج بسفرة (٧) إنشاءها من بيته لزمه دم المتعة، وإن أدى كل واحدة منهما بسفرة على حدة من بيته؛ لأن المتعة لم تبطل بهذا الإلمام عنده على ما هو مذهبه، وأما الذي نذر أن يحج ماشيًا إذا ركب لزمه دم بالنص بخلاف القياس، فلا يرد نقضًا. كذا في «الأسرار» (٨). (والمقصد بما روي).

стр. 1417

وهو قوله ﷺ : «القران رخصة» (١)، وإنما سميت رخصة مع أن القران عزيمة لما أن أشهر الحجّ كان للحج قبل الإسلام، فأدخلها الله تعالى في أشهر الحجّ إسقاطًا للسفر الجديد عن الغرباء. (فكان اجتماعهما في وقت واحد رخصة من الله تعالى) أي: توسعة من الله كإسقاط شطر الصلاة بالسفر. (رخصة)، أي: توسعة، فأما الأداء معًا بعدما اجتمعا فعزيمة كالقصر في السفر على أصلنا، وهذه رخصة مجازًا، كذا في «الأسرار» (٢). (من أفجر الفجور). أي: من أسوأ السيئات. (على ما روينا من قبل) أي: في فصل المواقيت، والدليل الآخر على أن المراد منه القران هو أن التمتع استفيد من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى … الْحَجِّ﴾ (٣). (واستفيد الإفراد بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ (٤) أي: لبى بالحجّ فكان المراد من قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٥)، القران ليصير كل آية محمولة على فائدة جديدة، فالله تعالى لما بدأ بالقران، ثُمَّ بالتمتع، ثُمَّ بالإفراد دل ذلك على قوة الاهتمام في القران، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٦). (ثُمَّ فيه). أي: في القران، وقيل: الاختلاف بيننا وبين الشافعي (٧) بناء على أن القارن عندنا يطوف طوافين، وذكر في «المبسوط» (٨) (من أراد القران تأهب للإحرام كتأهب المفرد على ما بيّنا، إلا أنه في دعائه بعد الفراغ من الركعتين يقول: اللهم إني أريد العمرة والحجّ) وكذلك يلبي بهما، ويقول تعالى: (لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ، وَحَجَّةٍ مَعًا) (٩)، وإنما تقدم ذكر العمرة؛ لأن الله تعالى قدّمها في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى … الْحَجِّ﴾ (١٠)، ولأنه في أداء الأفعال يبدأ بالعمرة فكذا في الإحرام يبدأ في التلبية بذكر العمرة.

стр. 1418

وإن اكتفى بالنية، ولم يذكرهما في التلبية أجزأه على قياس الصلاة (١)، إذا نوى بقلبه فائتة الصلاة، وكبر على ما ذكر في الكتاب من صفة القران، ولأن مبنى القران على التداخل؛ لأنه لو لم يتداخل لما صح القران بينهما كما لا يصح القران بين صلاتين وصومين؛ لأنه لا يتصور أداء عبادتين من جنس واحد في وقت واحد؛ لأن تأديتهما بمنفعة واحدة، ولا يسع لعملين. وهذا يرجع إلى أن الإحرام على أصله من أركان الحجّ، والركنان من عبادة لا يتصور تأديهما في حالة واحدة، فكذلك الإحرامان، فلما جاء الشرع به علم أن أحدهما يدخل في الآخر، ولأنه لا تداخل في العبادات، كالصلاتين لا ينوب إحداهما عن الأخرى، وكالأركان لا ينوب بعضها عن بعض كالسجدات (٢) في الصلاة والركعات، وهذا احتراز عن العقوبات كالحدود، والقصاص، والكفارات التي فيها شبهة العقوبة، فإن قلتَ: أليس أن سجدات التلاوات تداخل بعضها في بعض، وهي عبادة. قلتُ: إن بناءها على التداخل بالإجماع دفعًا للحرج، ألا ترى أن سبب الوجوب يتضاعف من التالي، فإنه كما يتلو يسمع أيضًا، والتلاوة، والسماع سببان لوجوب السجدة، ولا يجب عليه إلا سجدة واحدة بالإجماع، وذلك لأن مثل الحرج الذي يتحقق في حق التالي تتكرر السجدة عند تكرر التلاوة لا يتحقق في غيرها مثل سجدات الصلاة، وطواف العمرة مع الحجّة بمنزلة سجدات الصلاة في أن لا حرج لا كالتلاوة؛ لأن سجدات الصلاة لا تزداد على ما شرعها الله تعالى، ولا حرج في قدر الشروع، وأما التلاوة فتكرر من التالي بأسباب، فيتضاعف الوجوب، فيخرج بتكرر الوجوب، فلا يقاس عليه غيره، كذا في «الأسرار» (٣). (وبتحريمة واحدة يؤديان). لما أن التحريمة غير مقصودة، فيجري التداخل فيه، فمعنى ما رواه دخل وقت العمرة في وقت الحجّ على معنى أنه يؤديهما في وقت واحد، فكان هذا ردًا لزعم أهل الجاهلية على ما ذكرنا في (٤) «الأسرار» (٥) في تأويل قوله ﷺ : «القران رخصة» (٦). (فكذا بالاشتغال بالطواف). أي: بطواف التحية؛ لأن أحدهما طواف التحية، والأخرى طواف العمرة.

стр. 1419

وهذا (لأن تقديم طواف التحية على سعي العمرة لا يكون أعلى حالًا من ترك طواف التحية أصلاً، فاشتغاله بطواف التحية قبل سعي العمرة لا يكون أكثر تأثيرًا من اشتغاله بأكل أو نوم، ولو أنه بين طواف العمرة، وسعيها اشتغل بنوم أو أكل لم يلزمه دم، فكذلك إن اشتغل بطواف التحية). كذا في «المبسوط» (١). (أو سبع بدنة). فإن قلتَ: بعض الهدي ليس بهدي كما أن بعض العبد في قوله: (إذا (٢) اشتريت عبدًا) لو العبد ليس بعبد حتى لا يقع يمينه على البعض. (وذلك لأن الهدي اسم لما هدي (٣) إلى الحرم). أي: نقل، وبعض الهدي لا ينقل حتى أن من نذر بقوله: (إن فعلت كذا فعليّ هدي، ففعله كان عليه ما استيسر من الهدي، وهو شاة). ذكر في «المبسوط» (٤) في باب النذر من كتاب المناسك، فكيف وقع لفظ الهدي المنصوص على سُبع بدنة. قلتُ: جواز سُبع البدنة (٥) أو البقرة هنا إنما عُلم بحديث جابر أنه قال: (اشتركنا حتى (٦) كنا مع رسول الله ﵇ في البقرة سبعة، وفي البدنة سبعة، وفي الشاة واحد) (٧)، ثُمَّ لم يذكر فيما ذكر من باب النذر من «المبسوط» (٨) أنه لو نوى سُبع بقرة أو سُبع بدنة ما حكمه؟ فمن الجائز أن يجوز سُبع البقر في النذر أيضًا كما يجوز هنا، ومن الجائز أن لا يجوز، فالفرق حينئذٍ هو أن النذر ينصرف إلى المتعارف كاليمين، وبعض الهدي ليس بهدي عرفًا، وأما هنا فالحديث قاضٍ على العرف. وذكر في «المبسوط» (٩)، «والبقرة أفضل من الشاة، والجزور (١٠) أفضل من البقرة لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (١١) فما كان أقرب إلى التعظيم كان أفضل، وقد (نحر رسول الله ﵇ مائة بدنة في حجة الوداع) ولو ساق هدياً مع نفسه كان أفضل؛ لأن رسول الله ﵇ ساق الهدايا مع نفسه» (١٢).

стр. 1420

(فإذا لم يجد ما يذبح صام ثلاثة أيام في الحجّ آخرها يوم عرفة وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله) (١). فإن قلتَ: هل بين الوقتين في حق الصومين، أعني: صوم ثلاثة أيام، وصوم سبعة أيام فرق في حق الجواز؟ قلتُ: نعم، فإنه إذا قدم صوم ثلاثة أيام على هذه الأيام التي ذكرها، وهي الأيام التي آخره يوم عرفة جائز، بعد أن كان ذلك الصوم بعد إحرام العمرة عندنا، وأما صوم سبعة أيام، فلا يجوز (٢). (معلق بالرجوع) أي: قبل الرجوع من أفعال الحجّ، وهو الرجوع من منًى، فإن قلتَ: من أين وقعت هذه المفارقة؟ قلتُ: من قبل أن (٣) الإضافات أسباب في الحال، والتعليقات ليست بأسباب في الحال حتى أن الرجل إذا حلف، وقال: والله! لا أطلق امرأتي، ثُمَّ قال: أنتِ طالق غدًا، يحنث في الحال، ولو قال: إذا جاء غد فأنت طالق؛ لا يحنث في يمينه حتى يجيء الغد، ثُمَّ هاهنا صوم ثلاثة أيام مذكور في الآية على وجه الإضافة، وصوم سبعة أيام مذكور على وجه التعليق، فإن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٤)، وكان صوم ثلاثة أيام نظير صوم المسافر في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥)، فإن المسافر إذا صام في سفره قبل أن يدرك عدة من أيام أُخَرَ جاز بل الأفضل، وكذلك إذا قال: لله علي أن أتصدق بدرهم غدًا، فتصدق قبل مجيء الغد خرج عن موجب نذره بخلاف ما إذا قال: إذا جاء غد فتصدق به قبل مجيء الغد؛ فإنه لا يخرج عن موجب نذره، لأن هناك علق النذر بالشرط، والمعلق بالشرط معدوم قبل وجود الشرط، وإنما يجوز الأداء بعد وجوب السبب، فالسبب هو النذر، فإذا علقه بالشرط كان معدومًا قبله. وأما في قوله: (لله عليّ أن أتصدق بدرهم غدًا) (أضاف النذر إلى وقت، والإضافة إلى وقت لا يخرجه من أن يكون سببًا في الحال، فيجوز التعجيل بمنزلة أداء الزكاة قبل كمال الحول). كذا في نوادر صوم «المبسوط»، (٦) وفي «أصول الفقه» (٧) لشمس الأئمة السرخسي ﵀: في بيان تقسيم السبب قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٨).

стр. 1421

فإن قلتَ: ما فائدة الفذلكة؟ قلتُ: الواو قد يجيء للإباحة في نحو قولك جالس الحسن وابن سيرين (١) ﵀، ألا ترى أنه لو جالسهما جميعًا، أو واحداً منهما كان ممتثلًا، فَفُذلِكَتْ نفيًا لوهم الإباحة. (وقيل: كاملة أي: في وقوعها بدلًا من الهدي) كذا في «الكشاف» (٢). (والمراد بالحجّ وقته). لأن نفسه، أي: نفس الحجّ لا يصلح طرفًا؛ لأنه عبارة/ عن الأفعال، والفعل لا يصلح طرفًا للفعل، وهذا مذهبنا فإن المتمتع إذا لم يجد الهدي له أن يصوم ثلاثة أيام قبل اليوم السابع من ذي الحجّة. وقال في «الإيضاح» (٣): (ولو صام بعدما أحرم بالعمرة جاز)، وقال الشافعي (٤) ﵀: "لا يجوز حتى يحرم بالحجّ"، وهذا أيضًا مبني على الأصل الذي ذكرنا، وهو أن الدم عنده وجب جبرًا لما يكون من النقص في سفرة الحجّ، فقيل: الإحرام بالحجّة لا يتحقق البعض (٥)، وعندنا يجب شكرًا لما أصاب من النعمة، بسوائر (٦) التمتع يظهر في حق العمرة؛ لأن الحجّة تقع في وقتها، والكفار كانوا يعدون العمرة في أشهر الحجّ من أكبر الكبائر، فمنَّ الله تعالى علينا، وشرع العمرة في هذا الوقت فظهر أثر التمتع في العمرة، وكان الصوم واجبًا لأجل العمرة، فإذا وجد الإحرام، وهو سبب للأداء جاز. لأن الصوم يدل على الهدي، فإن قلتَ: جواز أداء البدل إنما يتحقق عند جواز أداء الأصل؛ أن لو كان قادرًا عليه كما في التيمم مع الوضوء، وغيره من الإبدال، ثُمَّ هاهنا لو قدر على الهدي لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر، فكيف يجوز أداء الصوم الذي هو بدل عينه قبل يوم النحر فصار هذا بمنزلة أداء الشيخ الفاني الفدية عن صوم رمضان قبل دخول شهر رمضان، وأداء كفارة اليمين قبل توجه البر وانتقاضه، وذلك لا يجوز؛ لأن الأصل [لم] (٧) يتوجه عليه، فكيف يتوجه البدل؟ والأصل المذكور في «أصول الفقه» (٨) أن خطاب الأصل يتوجه عليه، ثُمَّ يتحول إلى التراب للعجز الحالي.

стр. 1422

قلتُ: إن إراقة الدم لا يكون قربة قياسًا، وإنما كانت قربة شرعًا بوقت مخصوص أو مكان مخصوص، فيكون ذلك الوقت شرطًا لكونه قربة، فإذا عدم لم تكن قربة، [وكان] (١) بمنزلة ما لو ذبح للحم، فلم يجز قبل الوقت المخصوص لا للتعجيل قبل السبب، ولكن لعدم شرط كونه قربة بعد وجود السبب؛ كما لو صام ليلًا بعد دخول شهر رمضان، فهذا كما امتنع من العبد أداء التكفير بالمال لعدم شرطه، وهو الملك لا لعدم سببه، فأما الصوم فقربة في كل يوم، فيصح بعد وجود سببه في كل يوم، وسببه قد وجد، وهو المتعة بإحرام العمرة، ولا يشكل على هذا دماء الكفارات (٢)، فإنها تصح قبل يوم النحر، وهي كلها رب لأنّا نقول الكفارات دماء جبر ولا وقت للجبر، فأما هاهنا فدم نسك عندنا، وللإحرام مناسك مؤقتة لا يتأدى قبل زمانها؛ لأنها غير مشروعة فيه كالصوم ليلًا. (فيستحب تأخيره). أي: تأخير الصوم إلى آخر وقت الصوم، وهو ثلاثة أيام في آخر وقت جواز الصوم، وهو قبل يوم التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة (٣)، رجاء أن يقدر على الأصل، وهو الهدي كما يستحب تأخير التيمم إلى آخر وقت الصلاة رجاء أن يقدر على الأصل الذي هو الماء فكذلك هاهنا. (وإن صامها بمكة) (٤). أي: وإن صام السبعة، وذكر في «الإيضاح» (٥): وأما صوم السبعة فيجوز إذا فرغ من أفعال الحجّ، وإنما لم يجز الأداء قبله؛ لأن صوم السبعة معلق بالرجوع، قال الله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٦)، وتعجيل المعلق لا يصح؛ لأن التعليق ينفي كونه سببًا في الحل، بخلاف الإضافة على ما عرف من أصول (٧) أصحابنا، وإنما جاز الأداء بعد الفراغ من أفعال الحجّ؛ لأن الفراغ من الحجّ سبب للرجوع، فجاز الأداء بعد وجود السبب.

стр. 1423

(وإذا قدر على الهدي في خلال صوم الثلاثة)؛ إذ بعدها قبل يوم النحر لزمه الهدي، ويسقط حكم الصوم؛ لأنه خلف. وإذا قدر على الأصل قبل بادئ الحكم بالخلف سقط حكمه كما في سائر الأخلاف، وإن وجد الهدي بعدما حلق قبل أن يصوم السبعة في أيام الذبح أو بعدها، فلا هدي عليه؛ لأن التحلل قد حصل بالحلق، فوجود الأصل بعد حصول المقصود بالحلق لا يغير حكم الحلق، وقد اختلفت مشايخنا في صوم السبعة، قال أبو عبد الله: هو ليس ببدل عن الهدي، فإنه يجوز مع وجود الهدي، وذكر أبو بكر الرازي أنه بدل؛ لأنه يجب بالعجز عن الأصل. وإن لم يحل حتى مُضُي أيام النحر، ثُمَّ وجد الهدي فصومه تام، ولا هدي عليه؛ لأن الذبح مؤقت بأيام النحر، فإذا مضت فقد حصل المقصود، وهو إباحة التحلل كأنه تحلل، ثُمَّ وجد الهدي. (وقال الشافعي (١): لا يجوز)، أي: قبل الرجوع، والوصول إلى الوطن. ذكره في «الأسرار» (٢). لأنه معلق بالرجوع، فإن قلتَ: هذا التعليل منقوض على أصله لما أن التعليقات أسباب في الحال عنده، فحينئذٍ صار كأن الرجوع قد وجد على أصله ألا ترى أن الرجل إذا قال: إذا قدم فلان فلله عليّ أن أتصدق بدرهم، فعنده يجوز التعجيل بالتصدق قبل قدوم فلان، وعندنا لا يجوز بناء على [هذا] (٣) الأصل، والمسألة في نوادر (٤) صوم «المبسوط» (٥)، وعلى هذا الأصل أمضى (٦) جواز التكفير بعد اليمين قبل الحنث عنده، ثُمَّ هاهنا هو عين التعليق، فلم يَجُزْ فما وجهه؟ قلتُ: نعم كذلك إلا أنه يفرق بين البدني، والمالي في الواجبات، فبمجرد التعليق يثبت نفس الوجوب لا وجوب الأداء، فوجب الأداء عند وجود الشرط (٧)، وفي البدني لا ينفصل الوجوب عن وجوب الأداء فلما تأخر وجوب الأداء تأخر نفس الوجوب أيضًا، ولأنه لو انتقض مذهبه فلا علينا، وقد ذكر شمس الأئمة السرخسي كثيرًا ما نذكر من مناقضاته، فمنها ما ذكر في الفصل الثاني من «مناسك المبسوط» (٨)، واحتج الشافعي (٩) ﵀ في أن القارن يطوف طوافًا واحدًا، ويسعى سعيًا واحدًا بحديث عائشة ﵂ «طاف بحجته وعمرته طوافًا واحدًا، وسعى سعيًا واحدًا» (١٠) هكذا رواه الشافعي، وهذا منه تناقض ظاهر، فإنه روي عن عائشة ﵂ في المسألة الأولى: «أن النبي ﷺ كان مفردًا» (١١)، ثُمَّ روى في هذه المسألة أنه كان قارناً.

стр. 1424

(فإن فاته الصوم) (١). أي: صوم ثلاثة أيام حتى أتى يوم النحر. (لم يجزه إلا الدم) (٢). أي: دم القران، وكذا إذا عجز عن الأداء أو مات فأوصى؛ لم يجزه الفدية إنما يلزمهم الذبح عنه، وقال الشافعي (٣) ﵀: "يجوز القضاء، والفدية عند العجز". لأنه صوم مؤقت فيُقضَى كصوم رمضان، ونذر صوم شهر بعينه، وعلى هذا الاختلاف من كان عليه صوم كفارة فعجز بالكبر أجزأه الفدية عنده، وعندنا لا يجوز. كذا في «الأسرار» (٤). (وقال مالك (٥): يصوم فيها). أي: في أيام النحر، والتشريق. (وهذا وقته). أي: وقت الحجّ؛ لأن طواف الزيارة يؤدى فيها. (فيتقيد به النص). أي: فيتقيد بالنهي المشهور عن الصوم، وهو قوله: «ألا لَا تَصُومُوا هَذِهِ الْأَيَّامَ» (٦) النص المقتضي لجواز الصوم في وقت الحجّ، وهو قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (٧)، لما أن الخبر خبر مشهور مقبول بالإجماع، فيتقيد به نص الكتاب بأن المراد بنص الكتاب ما وراء أيام التشريق لا أيام النحر، والتشريق للنهي الوارد فيها عن الصوم، ثُمَّ لو لم يتقيد به نص الكتاب، فلا أقل من أن يورث النقص في صوم هذه الأيام، وصوم المتعة وجب عليه كاملاً، فلا يؤدى بالناقص، وهذا معنى قوله (أو يدخله النقص). (لأن الصوم بدل، والأبدال لا تنصب إلا شرعًا). بيانه أن الصوم بدل عن الهدي، ووقت أدائه وقت الحجّ، فلو جاز بعد ذلك إنما يجوز قضاء لا أداء، فيكون ذلك إقامة بدل مقام بدل، وهذا لا يجوز. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٨). (والنص خصه بوقت الحجّ). لما ذكرنا أن المراد من قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (٩)، أي: في وقته؛ لأن نفس الحجّ لا يصلح ظرفًا للأداء فإذا تعين هذا الوقت للخلف، وهو الصوم يفوت بفوات الوقت، فيظهر حكم الأصل على ما كان، ومذهبنا مذهب عمر، وابن عباس. كذا في «الإيضاح» (١٠).

стр. 1425

قوله ﵀: (وجواز الدم على الأصل). يخرج على وجهين، أحدهما: أنه جواب سؤال مقدر بأن يقال: الدم يجوز في أيام التشريق وبعدها، فكذا الصوم، فقال: إن الدم أصل وليس ببدل عن شيء آخر، فلذلك يجوز في أيام التشريق وبعدها؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١)، مطلق غير متعرض لوقت دون وقت. والثاني: أنه دليل لما ذُكر في أصل المسألة بقوله: (لم يجزه إلا الدم)، لما أنه أصل فيجوز حال جواز الصوم، وحال عدم جوازه، وذكر في «الأسرار» (٢) (أن هذا الوقت لا يصلح وقتًا للمأمور به صحيحًا). وذلك لأن الله تعالى شرع صوم عشرة أيام بدلًا عن الهدي فإنه قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ﴾ (٣)، عطف على الأول، فكان حكمه كقول النبي ﷺ : «جلد مائة، وتغريب عام» (٤)، ثُمَّ أكد بقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٥) نص على أنهما جميعًا عدد واحد، ثُمَّ الشرع فرق بين وقتهما؛ لأن/ وقتهما وقت الهدي، وهو وقت التحلل، وأنه لا يصلح للصوم على ما قلنا من النهي، فلابد من التقديم أو التأخير فقدّم البعض؛ وأخر البعض ليكون عدلًا بين الطرفين، فإن أحدهم لا يترجح إلا بدليل، وجعل الأكثر مؤخرًا؛ لأن الوقت بعده أوسع، وقبله إلى أول الإحرام أضيق، فُعلم أنه ما فرق إلا لعدم صلاح يوم النحر، وأيام التشريق، ولو شرع مطلقًا أو متتابعًا لوقع فيها لا محالة، ولهذه الضرورة ثبت حكم التحلل يوم النحر قبل صوم السبعة. (فإن لم يدخل القارن مكة، وتوجه إلى عرفات، فقد صار رافضًا لعمرته بالوقوف) (٦). وهذا عندنا، وقال الشافعي (٧) ﵀: "لا يكون رافضًا لعمرته" وهذا بناء على ما سبق، فإن عنده طواف العمرة يدخل في طواف الحجّ، فلا يلزمه طواف مقصود للعمرة، وعندنا لا يدخل طواف العمرة في طواف الحجّ، بل عليه أن يأتي بطواف كل واحد منهما، ويقدم العمرة في الأداء على الحجّ، وهذا يفوت بالوقوف؛ لأن معظم أركان الحجّ الوقوف، ويصير به مؤديًا للحج على وجه يأمن الفوت، فلو بقيت عمرته لكان يأتي بأعمالها، فيصير بانيًا أعمال العمرة على الحجّ، وهذا ليس بصفة القران، فجعلناه رافضًا للعمرة لهذا، والأصل فيه حديث عائشة ﵂ نصه (٨)، فإن النبي ﵇ دخل عليها بسرف (٩)، وهي تبكي قال: «ما يبكيك لعلك نفست؟» فقالت: نعم فقال: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم دعي عنك العمرة» أو قال: «ارفضي عمرتك، وانفضي رأسك، وامتشطي، واصنعي جميع ما يصنع الحاج عدا أن لا تطوفي بالبيت» (١٠) فقد أمرها برفض العمرة لمّا تعذر عليها الطواف، فلولا أنها بالوقوف تصير رافضة لعمرتها لما أمرها برفض العمرة. كذا في «المبسوط» (١١).

стр. 1426

(وذلك خلاف المشروع). لأن المشروع أن يكون الوقوف مرتباً على أفعال العمرة. قوله ﵀: (ولا يصير رافضاً بمجرد التوجه وهو الصحيح). احتراز عن رواية الحسن، فإنه يروى (عن أبي حنيفة ﵀ "أنه يصير رافضاً للعمرة بالتوجه إلى عرفات" وهذا هو القياس على مذهبه كما جعل التوجه إلى الجمعة قبل فراغ الإمام بمنزلة الشروع في الجمعة في ارتفاع الظهر، والذي ذكره في الكتاب استحسان، والفرق بينه وبين تلك المسألة أن مصلى الظهر مأمور بنقض الظهر بالسعي إلى الجمعة، فيتقوى السعي بنفسه، فإنه مستحق عليه فوجب إثباته بأدنى ما يمكن، وهنا المتمتع والقارن ممنوعان عن نقض العمرة بل أُمرا بتقديمها، فإذا كان يمنع الشرع من ذلك لم يجب إثباته إلا بأقصى ما يكون من نفس الوقوف لا بما له شبه به). كذا في «المبسوط» (١)، و «الجامع الصغير» (٢) للإمام. قال شيخي ﵀ في قوله: (والتوجه في القران، والتمتع منهي عنه قبل أداء العمرة). لأنه مأمور بابتداء أفعال العمرة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [سورة البقرة، من الآيه (١٩٦)] منهيًا عن تقديم أفعال الحجّ عليها اقتضاء و (٣) دلالة على حسب اختلاف المشايخ في ضد الأمر. (وسقط عنه دم القران … ولكن عليه دم لرفض العمرة). لأن الإحرام ارتفض قبل أداء الأفعال، ورفض الإحرام قبل أداء الأفعال يوجب الدم كما في الإِحْصَار، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٤)، والله أعلم بالصواب. بَابُ التمتع (٥) ذكر التمتع بعد القران؛ لأنهما يقترنان في معنى الترفق لنسكين في سفرة واحدة استفيد حكم القران من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾ (٦) إلا أن القران أفضل على ما ذكرنا، فقدمه على التمتع؛ لأن المتمتع سفره واقع لعمرته بدليل أنه إذا فرغ من العمرة صار مكيًّا حكمًا في حق الميقات؛ [لأنه] (٧) يقيم بمكة حلالًا، ثُمَّ يحرم للحج من المسجد الحرام فكان سفره منتهيًا بالعمرة، وأما المفرد فسفره، واقع لحجته، والحجّة فريضة، والعمرة سنة، والسفر الواقع للفرض أولى من الواقع للسنة.

стр. 1427

تعريف التمتع (ومعنى التمتع) إلى أن قال: (من غير أن يلم بأهله بينهما إلمامًا صحيحًا). وهذا احتراز عن الإلمام الفاسد، فإن الإلمام الفاسد لا يمنع صحة التمتع عند أبي حنيفة، وأبي يوسف على ما يأتي. (والإلمام لغةً النزول يقال: ألّم بأهله) أي: نزل. (وهويزوربإلمامٍ) أي: بمنى، والإلمام الصحيح (١) عبارة عن النزول في وطنه من غير بقاء صفة الإحرام، وهذا إنما يكون في المتمتع/ إذا لم يسق الهدي، وأما إذا ساق الهدي فإلمامه لا يكون صحيحًا، وكذا (٢) لا يمنع صحة التمتع خلافًا لمحمد على ما يأتي. وذكر في «المحيط» (٣)، وتفسير الإلمام: الصحيح أن يرجع إلى أهله، ولا يكون العود إلى مكة مستحقًّا عليه، وعن هذا قلنا: إنه لا تمتع لأهل مكة، وأهل المواقيت، ومن دونها إلى مكة أما أهل مكة فلأن من شرط المتمتع أن لا يلم بأهله فيما بين عمرته، وحجته إلمامًا صحيحًا، وذلك لا يتصور في حق أهل مكة؛ لأنه كما فرغ من العمرة، فقد صار ملمًا بأهله إلمامًا صحيحًا، وأما المواقيت، ومن دونها (٤) فلأنهم ألحقوا بأهل مكة، ولهذا جاز لهم دخول مكة بغير إحرام فألحقوا بهم في حق هذا الحكم أيضًا (٥). (ويحلق أو يقصر). وهذا التخيير إنما كان له إذا لم يكن شعره ملبداً، أو معقوصاً، أو مضفراً، فأما إذا كان (٦) ملبداً، فإنه لا يتخير؛ لأن التقصير لا يتهيأ له إلا بالقبض (٧)؛ لأن المقراض لا يعمل فيتعين الحلق هكذا روي عن ابن عمر كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٨)، وذُكر في «المحيط» (٩) ولا يدع الحلق في جميع ذلك ملبدًا، أو مضفرًا، أو عاقصًا، والتلبيد (١٠) أن يجمع شعر رأسه على هامته، ويشده بصمغ أو غير ذلك حتى يصير كاللبد، والعقص هو الإحكام، وهو أن يشتد شعره حول رأسه، وقد بيّنا أن الحلق أفضل، ولا يدع ما هو الأفضل بشيء من هذه الأسباب.

стр. 1428

قوله ﵀: (وهذا هو تفسير العمرة). وإنما لم يذكر طواف القدوم للعمرة لما أنه (ليس للعمرة طواف القدوم، ولا طواف الصدر أما طواف القدوم، فلأنه كما وصل إلى البيت تمكن من أداء الطواف الذي هو ركن في هذا النسك، فلا يشتغل بغيره بخلاف الحجّ، فإنه عند القدوم لا يتمكن من الطواف الذي هو ركن الحجّ، فيأتي بالطواف المسنون إلى أن يجيء وقت الطواف الذي هو ركن، وأما طواف الصدر فكان الحسن يقول في العمرة: طواف الصدر أيضًا في حق من قدم معتمراً إذا أراد الرجوع إلى أهله كما في الحجّ، ولكنا نقول: إن معظم الركن في العمرة للطواف، وما هو معظم الركن في النسك لا يتكرر عند الصدر كالوقوف في الحجّ؛ لأن الشيء الواحد لا يجوز أن يكون معظم الركن في نسك، وهو بعينه غير ركن في ذلك النسك) كذا في «المبسوط» (١). (لأن العمرة زيارة البيت، وتتم به). أي، وتتم الزيارة بوقوع البصر على البيت. وذكر في «المبسوط» (٢): (لأن العمرة زيارة البيت، وقد تم مقصوده بوقوع بصره على البيت، ولأن هذا الطواف هو الركن في العمرة بمنزلة طواف الزيارة في الحجّ، فكما يقدم قطع التلبية هناك على الاشتغال بالطواف، فهاهنا يقدم قطع التلبية [هناك] (٣) على الاشتغال بالطواف، ولكنا نستدل بحديث ابن مسعود: «أن النبي ﵇ قطع التلبية في عمرة القضاء حين استلم الحجر» (٤)، والمعنى فيه أن قطع التلبية هاهنا عند الطواف بالاتفاق؛ لأن مالكًا (٥) اعتبر وقوع بصره على البيت، ورؤية البيت غير مقصودة إنما المقصود الطواف، فينبغي أن يكون القطع من افتتاح الطواف، وذلك عند استلام الحجر كما قلنا في الحجّ أن قطع التلبية عند الرمي، وذلك مع أول حصاه يرمى بها)،

стр. 1429

ولكن الجامع بينهما هو قطع التلبية فيهما بعد الشروع في الأفعال. (فإذا كان يوم التروية أحرم بالحجّ) (١). وهذا الوقت ليس بلازم بل (إن شاء أحرم قبل يوم التروية، وما تقدم إحرامه بالحجّ، وهو أفضل؛ لأن فيه إظهار المسارعة، والرغبة في العبادة، ولأنه أشق على البدن، فكان أفضل) كذا في «المبسوط» (٢). (وفعل ما يفعله الحاج المفرد) (٣). (غير أنه لا يطوف طواف التحية)؛ لأنه لما حل صار هو والمكي سواءً، ولا تحية للمكي كذا هنا بخلاف القارن؛ لأن ميقاته لحجته وعمرته كان من الحل، فلم يضره بمعنى المكي، فيطوف طواف التحية، ولا كذلك هاهنا؛ لأنه صار في معنى المكي في حق الميقات كذا ذكره شيخ الإسلام (٤)، ولذلك قال في الكتاب: ويرمل في طواف الزيارة، ويسعى بعده؛ لأن هذا أول طواف له في الحجّ، ولو كان هذا المتمتع بعدما أحرم بالحجّ. (طاف وسعى) (٥). أي: طاف طواف القدوم. (ولو كان هذا المتمتع) إلى قوله (لم يرمل في طواف الزيارة). سواء رمل في طواف التحية أو لم يرمل؛ لأنه لما/ سعى بعده فقد سقط الرمل هنا؛ لأن الرمل إنما شرع في طواف بعده سعيٌ هاهنا، ولا سعى؛ لأنه وجد مرة فلذلك سقط الرمل، وقال: لم يرمل، ولا يسعى بعده دليل على أن طواف التحية مشروع على المتمتع حتى اعتبر رمله، وسعيه في طواف التحية. (ثُمَّ اعتمر). أي: أحرم للعمرة لما يذكر في الكتاب بعد هذا، وقد ذكرنا أيضًا أن صوم الثلاثة في أشهر الحجّ بعد إحرام العمرة عندنا جائز خلافًا للشافعي (٦) فإن عنده لا يجوز صوم ثلاثة أيام حتى يحرم بالحجّ، وقد ذكرناه في باب القران، ولنا أنه أدّاه بعد انعقاد سببه، فيجوز كمن أدى الزكاة قبل الحول بعد النصاب، أو جرح إنسانًا خطأً، فصام قبل الموت [كفارة] (٧) أو المسافر صام رمضان قبل أن يقيم؛ وذلك لأن السبب ما ذكره الله تعالى، وهو التمتع بالعمرة إلى الحجّ فأصل العلة التمتع بالعمرة، والشروع فيها في وقت الحجّ وصفها، والوصل بالحجّ، وهذا لأن العرب كانت ترى العمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور، فنسخ الإسلام ذلك بهذه الآية.

стр. 1430

(فكان تمتعًا بالعمرة في أشهر الحجّ) أي: ارتفاقًا بإباحة الشروع فيها في وقت الحجّ، فكان موجب أصل الشكر هو الارتفاق بشرعية العمرة في أشهر الحجّ؛ لأنه لم يكن له هذا الارتفاق قبل هذا، وكذلك يرتفق بالحجّ، فجرى الوصل بالحجّ مجرى الوصف لأصل العلة كالنماء للنصاب، فيجوز تعجيل الواجب كما يجوز هناك فعدم الوصف منع وجوب الأداء، ولم يمنع التعجيل كقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١) إلى قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢)، فمنع الأجل الوجوب، ولم يمنع جواز الأداء إذا عجل إلى هذا أشار في «الأسرار» (٣). (وهذا أفضل). أي: من الذي لم يسق هديه. (على ما رويناه)، أي: في فصل قبل باب القران أنها قالت (٤): كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﵇. (لأن له ذكراً في الكتاب). التقليد والإشعار وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ (٥)، ولأن شرعيته ثابتة بالكتاب والسنة مقصودًا في إعلام أنها هدي، والتجليل ما يثبت إلا بفعل النبي ﵇ وهو غير مقصود للإعلام نفسه لمشاركته معاني أخر، وهي الزينة، ودفع الذباب، ودفع الحر، والبرد، فكان التقليد أولى. (لأنه يصير محرمًا بتقليد الهدي، والتوجه معه). معنى (٦)، وإذا كان كذلك كان تقديم التلبية على التقليد أولى؛ ليكون شروعه في الإحرام بالتلبية لا بالتقليد؛ لأن (الأولى أن يحرم بالتلبية، فلذلك كان الأفضل أن يلبي أولًا، ثُمَّ يقلد هديه) كذا في «المبسوط» (٧). (على ما سبق). أي: في فصل قبل (٨) باب القران. (والأشبه (٩) هو الأيسر).

стр. 1431

أي: والأشبه إلى الصواب في الرواية. وذكر فخر الإسلام في «الجامع الصغير» (١): وتفسير الأشعار (٢) عند أبي يوسف ﵀ الطعن بالرمح في أسفل السنام من قبل اليسار، وقال الشافعي (٣) ﵀: من قبل اليمين، وكل ذلك مروي من فعل رسول الله ﷺ والأشبه من قبل اليسار؛ وذلك لأن الهدايا كانت مقبلة إلى رسول الله ﷺ وكان يدخل بين كل بعبرين من قبل الرؤوس، وكان الرمح بيمينه لا [محالة] (٤)، فكان يقع طعنه [عادة] (٥) أولًا على يسار البعير الذي هو يسار النبي ﵇ ثُمَّ كان يعطف عن يمينه، ويشعر الآخر من قبل يمين البعير اتفاقًا للأول لا قصدًا إليه، فصار الأمر الأصلي أحق بالاعتبار في الهدي و إذا كان واحد وليس بعدد، وإنما ذلك خدش مُدمي، وفي «المبسوط» (٦): (وأما الإشعار فمكروه عند أبي حنيفة ﵀ وعندهما هو حسن في البدنة، وإن ترك لم يضرْه، وصفة الإشعار هي أن يضرب بالمبضع في أحد جانبي سنام البدنة حتى يخرج الدم منها، ثُمَّ يلطخ بذلك الدم بسنامها سمي بذلك إشعاراً لمعنى أنه جعل ذلك علامة لها، والإشعار هو الإعلام، وكان ابن أبي ليلى (٧) يقول: الإشعار في الجانب الأيسر من السنام)؛ لأنه ألزم؛ (لأن القلادة قد تُحَل، وقد يحتمل أن يسقط منها، وإنما يتم بالإشعار؛ لأنه لا يفارقها) كذا في «المبسوط» (٨). (أن لا يهاج). أي: لا يثار، ولا يصرف من هاجه. (فهاج)، أي: هيجه، وأثاره، [فصار] (٩) يتعدى، ولا يتعدى.

стр. 1432

(ولو وقع التعارض). أي: بين كونه سنة/ فالترجيح للمحرم إما للعمل بالاحتياط، أو للاحتراز عن تكرار النسخ وبيانهما مسبقاً (١) مذكور في «دامعة المبتدعين، وناصرة المهتدين» (٢)، ولأن الإحرام سبب لتحريم ما كان حلالًا قبله، فيستحيل أن يكون سببًا لتحليل ما كان حرامًا قبله، ثُمَّ الطعن، والجرح كان حرامًا قبله، فلا يجوز أن يكون سببًا لتحليله، والجواب عما رويا من الحديث في الأشعار احتمل أنه فعل ذلك قبل النهي عن المثلة. أو معنى قوله (أشعر بدنة) (٣)، أي: أعلمها بعلامة سوى الجرح؛ إذ الإشعار هو الإعلام، كذا ذكره الإمام الإسبيجابي، والإمام المحبوبي. وقيل: إن أبا حنيفة ﵀ كره إشعار أهل زمانه، وبه قال الطحاوي، فقال: (ما كره أبو حنيفة أصل الإشعار، وكيف يكره ذلك مع ما اشتهر فيه من الآثار، وإنما كره إشعار أهل زمانه؛ لأنه رآهم يستقصون في ذلك على وجه يخاف منه هلاك البدنة لسرايته خصوصًا في حر الحجاز" (٤). فرأى الصواب في سر هذا الباب على العامة لأنهم لا يتيحون على الحد، فأما من وقف على ذلك بأن قطع الجلد فقط دون اللحم، فلا بأس بذلك) كذا في «المبسوط» (٥)، وإنما كره إيثاره على التقليد كإيثار الكتابية على المسلمة. (فإذا دخل مكَّة) (٦). أي: المتمتع الذي ساق الهدي. «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لمَا سُقْتُ الهَدْيَ» (٧)، أي: لو عرفت أولًا ما عرفت آخرًا لما سقت الهدي، وقصة ذلك أن النبي ﷺ أمر أصحابه بأن يفسخوا إحرام الحجّ، ويحرموا [بالعمرة] (٨).

стр. 1433

لمّا بلغوا مكَّة تحقيقًا لمخالفة الكفرة، وكانوا لا يفسخون، ولا يحلقون ينتظرون رسول الله ﷺ هل يحلق أم لا، فاعتذر النبي ﷺ وقال: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ) الحديث، وقد بيّن أن سوق الهدي يمنعه عن التحلل لولا ذلك لتحلل كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (١). (ولجعلتها عمرة). أي: ولجعلت السفرة أو لجعلتُ الحجّ أثبت (٢) وصف الخبر في المبتدأ، وهذا ينفي التحلل عند سوق الهدي، ولأن لسوق الهدي تأثيرًا في إثبات الإحرام ابتداء، وكان له أثر في استدامة الإحرام أيضًا، بل أولى؛ لأن البقاء أسهل. قوله ﵀: (وهو دم التمتع على ما بيّنا). إشارة إلى ما ذكر قبل هذا المقدار (٣) ورد بقوله: (وعليه دم) (٤). دم التمتع للنص الذي تلوناه، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى … الْحَجِّ﴾ (٥). (وإذا حلق يوم النحر فقد حل من الإحرامين) (٦). أي: إحرام العمرة والحجّة، فإن قيل: لو كان إحرام العمرة باقيًا إلى وقت الحلق ينبغي أن يلزم على القارن دمان فيما إذا جنى قبل الحلق (٧)، وقد قال علماؤنا: أن القارن لو قتل صيداً بعد الوقوف بعرفة قبل الحلق، فعليه قيمة واحدة، ولو بقي إحرام العمرة بعد الوقوف لوجب عليه قيمتان كما قبل الوقوف قلنا: إن إحرام العمرة انتهى بالوقوف، وإنما يبقى في حق التحلل لا غير؛ لأن التحلل لا يتصور إلا بعد قيام الإحرام، يبقي الإحرام في حق التحلل لا غير كإحرام المفرد فيه بالحجّ بعد الحلق، فإنه لا يبقى في حق سائر المحظورات، ويبقى في حق الجماع ضرورة طواف الزيارة. وإنما قلنا: إن إحرام العمرة لا يبقى بعد الوقوف؛ لأن الله تعالى جعل الحجّة غاية إحرام العمرة، والمضروب له الغاية لا يبقى بعد وجود الغاية إلا بضرورة، وهي ما ذكرنا، وإذا لم يبق إحرام العمرة لم تقع الجناية عليه، فلا يجب لأجله شيء كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٨) خلافًا للشافعي (٩) ﵀ فإن عنده لهم القران، والمتعة، ولكن لا دم عليهم، والحجّة عليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١٠)، ذكر في «الكشاف» (١١).

стр. 1434

حكم التمتع والقران للمكي وقوله ذلك إشارة إلى التمتع عند أبي حنيفة، وأصحابه ﵏ فإنه لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عندهم، ومن تمتع منهم أو قرن كان عليه دم، وهو دم جناية لا يأكل منه، وأما القارن، والمتمتع من أهل الآفاق، فدمهما دم نسك يأكلان منه، وعند الشافعي (١) ﵀ إشارة إلى الحكم الذي هو وجوب الهدي أو (٢) الصيام، ولم يوجب عليه شيئاً، وحاضرو المسجد الحرام أهل المواقيت، فمن دونها إلى مكة عند أبي حنيفة ﵀ وعنده أهل الحرم، ومن كان من الحرم على مسافة لا يقصر فيها الصلاة. وفي «الأسرار» (٣) احتج الشافعي (٤) بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى … الْحَجِّ﴾ (٥) من غير تفصيل، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ (٦) كناية عن الهدي لأنه كناية عن فرد، فينصرف (٧) إلى الأقرب، وهو الهدي، ولأن الله تعالى شرع القران والمتعة إبانة لنسخ ما كان عليه أهل الجاهلية من غير تفصيل، وقوله تعالى ﴿ذَلِكَ﴾ (٨) كناية عن الهدي؛ لأنه كناية عن فرد فينصرف إلى الأقرب وهو الهدي، ولأن الله تعالى شرع القران، والمتعة إلى في تحريمهم العمرة في أشهر الحجّ، والنسخ ثبت في حق الناس كافة إلا أنه لا دم على المكّي لما أن هذا الدم دم جبر عندي لتمكن نقصان فيه لسقوط إحدى السفرتين من (٩) نفسه، فلزمه الدم جبراً، وهذا لا يتحقق في حق المكي؛ لأنه لا سفر عليه. ولنا قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١٠)، وذلك كناية مبهمة يصلح كناية من المفرد والجماعة. قال الله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ﴾ (١١)، أي: بينهما، وإذا كان كذلك انصرف إلى الكل حتى يقوم دليل الخصوص، ولأنه قال لمن لم يكن أهله، ولو أريد به الدم لقيل: على من؛ لأن (١٢) نفس القران مشروع لنا أن شئنا، [فعلناه] (١٣)، والدم بعد الشروع علينا لا اختيار لنا فيه، وأما المعنى، فإن المكي عندنا من أهل القران، والمتعة أيضًا لكن للمتعة شرط لا يوجد من الذي داره بمكة كما للجمعة شرطٌ لا يوجد في قرية أهلها أقل من أربعين رجلًا بخلاف سائر الصلوات، فشروط العبادات تختلف، فتوجد في بعض البقاع دون البعض، ولا متعة عندنا، ولا قران لمن كان وراء الميقات على معنى أن الدم لا يجب نُسكًا، أما المتمتع فلأنه لا يتصور متمتعًا للإلمام الذي [لا] (١٤) يوجد منه بينهما، وأما القران فيكره، ويلزمه الرفض؛ لأن القران أصله أن يشرع القارن في الإحرامين معًا، والشروع معًا من أهل مكة لا يتصور إلا بخلل في أحدهما؛ لأنه إن جمع بينهما في الحرم كان أخل بشرط إحرام العمرة، فإن ميقاته الحل، وإن أحرم بهما من الحل، فقد أخل بميقات الحجّة؛ لأن ميقاتها الحرم، فلما كان الأصل في القران الشروع فيهما جميعًا معًا، والأصل في الساكنين وراء الميقات أهل مكة لم يشرع القران في حقهم، فكذلك في الساكنين وراء الميقات تبعًا فلذلك خص بهما من لم يكن حاضري المسجد الحرام لوجود شرط الجواز في حقهم.

стр. 1435

المكي إذا أحرم بالعمرة في أشهر الحج وأما النسخ فثابت عندنا (١) في حق المكي أيضًا حتى يعتمر في أشهر الحجّ فلا يكره له ذلك، ولكن لا يدرك فضيلة التمتع؛ لأن الإلمام قطع متعته (٢) كما قطع منعه الآفاقي إذا رجع بين النسكين إلى أهله قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣)، فحاضرو المسجد الحرام عندنا أهل مكة، ومن كان في الميقات سواء كان بينه وبين مكة مسيرة سفر أو لم يكن. وقال الشافعي (٤) ﵀: "هم أهل مكة، ومن حولها إذا لم يكن بينه وبين مكة مسيرة سفر" كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٥) بخلاف المكّي إذا خرج إلى الكوفة (٦)، وقرن حيث يصح، وإنما خصه بالقران دون التمتع؛ لأنه لو اعتمر هذا المكي في أشهر الحجّ ثُمَّ حج من عامة ذلك لا يكون متمتعًا؛ لأن الآفاقي إنما يكون متمتعًا إذا لم يلم بأهله بين النسكين إلماماً صحيحًا، والمكي هاهنا يلم بأهله بين النسكين حلالًا إن لم يسق الهدي، وكذلك إن ساق الهدي لا يكون متمتعًا بخلاف الآفاقي إذا ساق الهدي، ثُمَّ ألّم بأهله محرمًا كان متمتعًا؛ لأن العود هناك مستحق عليه، فيمنع ذلك صحة إلمامه بأهله. وأما في المكي هذا (٧) العود غير مستحق عليه، وإن ساق الهدي فكان إلمامه بأهله صحيحًا فلذلك لم يكن متمتعًا، كذا في «المبسوط» (٨).

стр. 1436

الافافي إذا اعتمر في أشهر الحج وأقام بمكة وذكر الإمام المحبوبي في «الجامع الصغير» (١): أن هذا المكي الذي خرج إلى الكوفة وقرن، إنما يصح قرانه إذا خرج من الميقات قبل دخول أشهر الحجّ وأما إذا دخل أشهر الحجّ، وهو بمكة، ثُمَّ قدم الكوفة، ثُمَّ عاد، وأحرم بهما من الميقات لم يكن قارنًا؛ لأنه لما دخل أشهر الحجّ، وهو بمكة صار ممنوعًا من القران شرعًا، فلا يتغير ذلك بخروجه من الميقات، فأما إذا دخل أشهر الحجّ، وهو بالكوفة فهو غير ممنوع من القران؛ لأنه في هذه الحالة بمنزلة الكوفي هكذا روي عن محمد ﵀ (٢). (بطل تمتعه) (٣). مسألة لو عاد المتمتع إلى بلده بالإجماع بين أصحابنا، وفي أحد قولي الشافعي (٤) يكون متمتعًا، ويقول: "لا أعرف الإلمام ماذا يكون" وهو بناء على أصله في أن المكي له المتعة، والقران، واعتمادنا فيه على حديث ابن عباس، فإنه قال مثل مذهبنا، والمعنى في أنه أنشأ لكل نسك سفرًا من أهله، والمتمتع من يترفق بأداء النسكين في سفر واحد. (لأنه أداهما بسفرتين). لأنه ألّم بأهله بين النسكين، وهو إلمام صحيح، فإن العود غير مستحق عليه حتى لو بعث/ هدية لتنحر عنه، ولم يحج كان جائزًا، وهو بمنزلة المكي الذي اعتمر من الكوفة، وساق الهدي لمتعته، وهناك لا يكون متمتعًا فكذلك هاهنا، وهما يقولان: إلمامه غير صحيح بأهله؛ لأنه محرم على حاله ما لم ينحر عنه الهدي (٥)، فكان العود مستحقًّا عليه، وذلك يمنع صحة إلمامه بأهله كالقارن إذا أتى بعمل العمرة، ثُمَّ رجع إلى أهله، ثُمَّ عاد فحج كان قارنًا، ولم يصح إلمامه بأهله محرمًا فكذا هذا، وهذا بخلاف من لا هدي معه، فقد حل هناك من إحرام العمرة، فإنما ألّم بأهله حلالًا فكان إلمامه صحيحًا كذا في «المبسوط» (٦). (ومن أحرم بعمرة قبل أشهر الحجّ) (٧). هاهنا مذاهب ثلاثة، فعندنا تقديم الإحرام على أشهر الحجّ غير مانع لصحة التمتع بعد أن أتى بأفعال العمرة أو بأكثرها في أشهر الحجّ، وعند مالك (٨) تقديم أفعال العمرة على أشهر الحجّ أيضًا لا يمنع صحة التمتع بعد أن كان التحلل من إحرام العمرة في أشهر الحجّ.

стр. 1437

عند الشافعي (١) إذا أحرم بالعمرة قبل أشهر الحجّ لم يكن متمتعًا، وإن كان أداء أعمال العمرة في أشهر الحجّ، وعنده المعتبر وقت الإحرام بالعمرة، وعند مالك (٢) وقت التحلل من الإحرام. ونحن نقول: إن كان أداء الأعمال قبل أشهر الحجّ لم يكن [متمتعًا] (٣)؛ لأن إحرامه في غير أشهر الحجّ صار بحيث لا يفسد بالجماع، وهو كما لو تحلل منه، وإن لم يأت بالأعمال حتى دخل أشهر الحجّ، فإحرامه العمرة في أشهر الحجّ بحيث يفسد بالجماع، وكما لو أحرم بها في أشهر الحجّ؛ لأنه مترفق بأداء النسكين في أشهر الحجّ (٤) كذا في «المبسوط» (٥). (والحجّة عليه ما ذكرنا). وهو قوله: (وهذا لأنه صار بحال لا يفسد نسكه بالجماع)؛ لأن نسك العمرة يفسد إذا جامع بعدما طاف ثلاثة أشواط للعمرة، ولا يفسد إذا جامع بعدما طاف للعمرة أربعة أشواط علم للأكثر حكم الكل. أشهر الحج (وأشهر الحجّ شوال (٦)، وذو القعدة … إلى آخره) (٧). وفائدة هذا يظهر في حق أفعال الحجّ، فإن شيئًا من أفعال الحجّ لا تصح إلا فيها، وكذلك الإحرام عند الشافعي (٨) لا ينعقد إلا فيها، وعندنا يصح الإحرام قبل أشهر الحجّ، ولكن يكره، ويكون مسيئًا، كذا في «الكشاف» (٩)، و «شرح الطحاوي» (١٠)، وكذلك تظهر في حق المتمتع، فإن المتمتع هو الذي يجمع بين النسكين في أشهر الحجّ حتى أنه لو طاف لعمرته أربعة أشواط أو أكثر قبل أشهر الحجّ، ثُمَّ الباقي في أشهر الحجّ لا يكون متمتعًا.

стр. 1438

فإن قلتَ: ففي تخصيصك التمتع كأنك تشير إلى أنه لا يحتاج في أفعال عمرة القارن إلى أشهر الحجّ، والقياس يقتضي أن يكون حكم القارن كحكم المتمتع في ذلك لما أن شرعية القران إنما استفيدت من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى … الْحَجِّ﴾ (١)، ولأن الدم واجب فيهما، وذلك (٢) لشرعية أفعال العمرة في أشهر الحجّ على ما ذكرت قبل هذا. قلتُ: كثيراً ما [حيث] (٣) بأودية الشروح من نسخ الفقه، وما صادفت إلا بتخصيص المتمتع بأشهر الحجّ في جمع نسكين دون القارن ثُمَّ وجدت بعد لأي رواية في «المحيط» (٤) بأنه لا يشترط لصحة القران أن يكون أفعال عمرته في أشهر الحجّ. وقال في «المنتقى» (٥): (رجل جمع بين حجة وعمرة) أي: أحرم، ثُمَّ قدم مكة، وطاف لعمرته في شهر رمضان كان قارناً [ولكن] (٦) لا هدي عليه، وقال مالك (٧): جميع ذي الحجّة من أشهر الحجّ أيضًا، وهو مروي أيضًا عن عروة بن الزبير (٨) استدلالًا بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٩)، وأقل الجمع المتفق عليه ثلاثة، وفائدة مذهبه إنما يظهر في حق جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخره، فإن قلت: فكيف كان الشهران، وبعض الثالث أشهرًا. قلتُ: اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد بدليل قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (١٠)، فلا سؤال فيه إذًا، وإنما يكون موضعًا للسؤال لو قيل: ثلاثة أشهر معلومات، وقيل: نزل بعض الشهر منزلة كله كما يقال: رأيتك سنة كذا أو على عهد فلان، ولعل العهد عشرون سنة أو أكثر، وإنما رآه في ساعة منها كذا في «الكشاف» (١١).

стр. 1439

وفي «المبسوط» (١) (فأقاموا أكثر الثلاثة مقام الكمال في بيان الآية) وهو أن بالاتفاق يفوت الحجّ بطلوع الفجر من يوم النحر، وفوات العبادة يكون بمضي وقتها، وأما مع [بقاء] (٢) الوقت فلا يتحقق الفوات. ولهذا قال أبو يوسف ﵀: (من ذي الحجّة عشر ليال، وتسعة أيام، فأما اليوم العاشر، فليس بوقت الحجّ"؛ لأن الفوات يتحقق بطلوع الفجر من اليوم العاشر، وهو يوم النحر، وفي ظاهر المذهب (٣) اليوم العاشر من وقت الحجّ؛ لأن الصحابة/ قالوا: وعشر من ذي الحجّة، ولأن الله تعالى سمي هذا اليوم الحجّ الأكبر، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ (٤). والمراد يوم النحر إلا أنه وقت الحجّ لأداء الطواف فيه دون الوقوف، كذا روي عن العبادلة الثلاثة، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر) كذا في «المبسوط» (٥). حكم الإحرام قبل أشهر الحج (فإن قدم الإحرام بالحجّ عليها). أي: على أشهر الحجّ فإنه عنده يصير محرمًا بالعمرة؛ لأن الشروع إذا انعقد المقصود، وهو غير صالح لذلك المقصود، ولكن صالح لغيره يصرف شروعه إلى ذلك الغير كمن نوى صوم القضاء من النهار يكون شارعًا في النفل؛ لأن شروعه في الفرض لم يصح، وكذلك من شرع في الفريضة الوقتية من الصلاة، ثُمَّ يذكر أن عليه صلاة قبل هذه يصرف شروعه إلى النفل؛ لأن النفل يصح بمطلق نية الصلاة، ويقول: لأن الوقت وقت العمرة ألا ترى أنه لو فات حجة بمضي الوقت يبقى إحرامه للعمرة، فكذلك إذا حصل ابتداء إحرامه في غير أشهر الحجّ. (وهو شرط عندنا). بدليل أنه يبقى مسألة ما (٦) إلى الفراغ منه، وهذا حد شرط العبادة لا حد ركن العبادة، ولأنه لا يتصل به أداء الأفعال؛ لأن الإحرام يكون عند الميقات، وأداء الأفعال بمكة، فلو أحرم في أول يوم من أشهر الحجّ يصح بالاتفاق وأداء الأفعال بعد ذلك بزمان، فعرفنا أنه بمنزلة الشرط، فلا يستدعي صحة الوقت بخلاف الصلاة، فإن أداء الأركان هناك يتصل بالتكبير، فإذا حصل قبل دخول الوقت لا يتصل أداء الأركان به، فإن قلتَ: لو كان شرطًا لما كره قبل أشهر الحجّ، وهو مكروه ذكر في «المبسوط» (٧)، ولأن قوله ﷺ : «المهل بالحجّ في غير أشهر الحجّ مهل بالعمرة» (٨) دليل على أنه ليس بشرط حيث لم يصح تقديمه للحج بمقتضى هذا الحديث.

стр. 1440

قلتُ: أما الكراهة (١) فقد قال بعض أصحابنا (٢): فإن الإحرام بمنزلة الأركان من وجه، ولهذا لو حصل قبل العتق لا يتأدّى به فرض الحجّ بعد العتق، وما تردد بين أصلين يوفر حظهما، فلشبهه بالشرائط يجوز قبل الوقت، ولشبهه بالأركان كأن يكون مكروهًا، وقيل: بل الكراهة؛ لأنه لا يأمن من مواقعة المحظور إذا طال مكثه في الإحرام، وأما الحديث فشاذ جدًّا، ولا يُعتمد على مثله، وفيه سؤال وجواب آخر قدمناهما في أوائل كتاب الحجّ. (فصار كالتقديم على المكان). بأن أحرم من دويرة أهله في أشهر الحجّ، ثُمَّ أتى مكان الميقات، وإذا قدم الكوفي بعمرة في أشهر الحجّ إلى آخره، اعلم: بأن جنس هذه المسألة على أربعة أوجه: الأول: إذا أقام بمكة بعدما فرغ من العمرة، وحلق، ثُمَّ حج من عامه ذلك، وفي هذا الوجه هو متمتع لما ذكرنا من صورة المتمتع. والوجه الثاني: إذا خرج من مكة، ولكن لم يجاوز الميقات حتى حج من عامه ذلك، وفي هذا الوجه هو متمتع أيضًا. والثالث: إذا خرج من المواقيت، وعاد إلى أهله، ثُمَّ حج في عامه ذلك، وفي هذا الوجه هو ليس بمتمتع، والرابع: إذا خرج من الميقات فأتى البصرة (٣) فاتخذها داراً، ثُمَّ حج من عامه ذلك. (قال في الكتاب)، أي: في «الجامع الصغير» (٤): وهو متمتع، ولم يذكر فيه خلافًا، وروى الحاكم الشهيد عن أبي عقبة سعد بن معاذ (٥) ﵁.
следующие страницы →