← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

الافافي إذا اعتمر في أشهر الحج وأقام بمكة وذكر الإمام المحبوبي في «الجامع الصغير» (١): أن هذا المكي الذي خرج إلى الكوفة وقرن، إنما يصح قرانه إذا خرج من الميقات قبل دخول أشهر الحجّ وأما إذا دخل أشهر الحجّ، وهو بمكة، ثُمَّ قدم الكوفة، ثُمَّ عاد، وأحرم بهما من الميقات لم يكن قارنًا؛ لأنه لما دخل أشهر الحجّ، وهو بمكة صار ممنوعًا من القران شرعًا، فلا يتغير ذلك بخروجه من الميقات، فأما إذا دخل أشهر الحجّ، وهو بالكوفة فهو غير ممنوع من القران؛ لأنه في هذه الحالة بمنزلة الكوفي هكذا روي عن محمد ﵀ (٢). (بطل تمتعه) (٣). مسألة لو عاد المتمتع إلى بلده بالإجماع بين أصحابنا، وفي أحد قولي الشافعي (٤) يكون متمتعًا، ويقول: "لا أعرف الإلمام ماذا يكون" وهو بناء على أصله في أن المكي له المتعة، والقران، واعتمادنا فيه على حديث ابن عباس، فإنه قال مثل مذهبنا، والمعنى في أنه أنشأ لكل نسك سفرًا من أهله، والمتمتع من يترفق بأداء النسكين في سفر واحد. (لأنه أداهما بسفرتين). لأنه ألّم بأهله بين النسكين، وهو إلمام صحيح، فإن العود غير مستحق عليه حتى لو بعث/ هدية لتنحر عنه، ولم يحج كان جائزًا، وهو بمنزلة المكي الذي اعتمر من الكوفة، وساق الهدي لمتعته، وهناك لا يكون متمتعًا فكذلك هاهنا، وهما يقولان: إلمامه غير صحيح بأهله؛ لأنه محرم على حاله ما لم ينحر عنه الهدي (٥)، فكان العود مستحقًّا عليه، وذلك يمنع صحة إلمامه بأهله كالقارن إذا أتى بعمل العمرة، ثُمَّ رجع إلى أهله، ثُمَّ عاد فحج كان قارنًا، ولم يصح إلمامه بأهله محرمًا فكذا هذا، وهذا بخلاف من لا هدي معه، فقد حل هناك من إحرام العمرة، فإنما ألّم بأهله حلالًا فكان إلمامه صحيحًا كذا في «المبسوط» (٦). (ومن أحرم بعمرة قبل أشهر الحجّ) (٧). هاهنا مذاهب ثلاثة، فعندنا تقديم الإحرام على أشهر الحجّ غير مانع لصحة التمتع بعد أن أتى بأفعال العمرة أو بأكثرها في أشهر الحجّ، وعند مالك (٨) تقديم أفعال العمرة على أشهر الحجّ أيضًا لا يمنع صحة التمتع بعد أن كان التحلل من إحرام العمرة في أشهر الحجّ.

стр. 1437

عند الشافعي (١) إذا أحرم بالعمرة قبل أشهر الحجّ لم يكن متمتعًا، وإن كان أداء أعمال العمرة في أشهر الحجّ، وعنده المعتبر وقت الإحرام بالعمرة، وعند مالك (٢) وقت التحلل من الإحرام. ونحن نقول: إن كان أداء الأعمال قبل أشهر الحجّ لم يكن [متمتعًا] (٣)؛ لأن إحرامه في غير أشهر الحجّ صار بحيث لا يفسد بالجماع، وهو كما لو تحلل منه، وإن لم يأت بالأعمال حتى دخل أشهر الحجّ، فإحرامه العمرة في أشهر الحجّ بحيث يفسد بالجماع، وكما لو أحرم بها في أشهر الحجّ؛ لأنه مترفق بأداء النسكين في أشهر الحجّ (٤) كذا في «المبسوط» (٥). (والحجّة عليه ما ذكرنا). وهو قوله: (وهذا لأنه صار بحال لا يفسد نسكه بالجماع)؛ لأن نسك العمرة يفسد إذا جامع بعدما طاف ثلاثة أشواط للعمرة، ولا يفسد إذا جامع بعدما طاف للعمرة أربعة أشواط علم للأكثر حكم الكل. أشهر الحج (وأشهر الحجّ شوال (٦)، وذو القعدة … إلى آخره) (٧). وفائدة هذا يظهر في حق أفعال الحجّ، فإن شيئًا من أفعال الحجّ لا تصح إلا فيها، وكذلك الإحرام عند الشافعي (٨) لا ينعقد إلا فيها، وعندنا يصح الإحرام قبل أشهر الحجّ، ولكن يكره، ويكون مسيئًا، كذا في «الكشاف» (٩)، و «شرح الطحاوي» (١٠)، وكذلك تظهر في حق المتمتع، فإن المتمتع هو الذي يجمع بين النسكين في أشهر الحجّ حتى أنه لو طاف لعمرته أربعة أشواط أو أكثر قبل أشهر الحجّ، ثُمَّ الباقي في أشهر الحجّ لا يكون متمتعًا.

стр. 1438

فإن قلتَ: ففي تخصيصك التمتع كأنك تشير إلى أنه لا يحتاج في أفعال عمرة القارن إلى أشهر الحجّ، والقياس يقتضي أن يكون حكم القارن كحكم المتمتع في ذلك لما أن شرعية القران إنما استفيدت من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى … الْحَجِّ﴾ (١)، ولأن الدم واجب فيهما، وذلك (٢) لشرعية أفعال العمرة في أشهر الحجّ على ما ذكرت قبل هذا. قلتُ: كثيراً ما [حيث] (٣) بأودية الشروح من نسخ الفقه، وما صادفت إلا بتخصيص المتمتع بأشهر الحجّ في جمع نسكين دون القارن ثُمَّ وجدت بعد لأي رواية في «المحيط» (٤) بأنه لا يشترط لصحة القران أن يكون أفعال عمرته في أشهر الحجّ. وقال في «المنتقى» (٥): (رجل جمع بين حجة وعمرة) أي: أحرم، ثُمَّ قدم مكة، وطاف لعمرته في شهر رمضان كان قارناً [ولكن] (٦) لا هدي عليه، وقال مالك (٧): جميع ذي الحجّة من أشهر الحجّ أيضًا، وهو مروي أيضًا عن عروة بن الزبير (٨) استدلالًا بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٩)، وأقل الجمع المتفق عليه ثلاثة، وفائدة مذهبه إنما يظهر في حق جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخره، فإن قلت: فكيف كان الشهران، وبعض الثالث أشهرًا. قلتُ: اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد بدليل قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (١٠)، فلا سؤال فيه إذًا، وإنما يكون موضعًا للسؤال لو قيل: ثلاثة أشهر معلومات، وقيل: نزل بعض الشهر منزلة كله كما يقال: رأيتك سنة كذا أو على عهد فلان، ولعل العهد عشرون سنة أو أكثر، وإنما رآه في ساعة منها كذا في «الكشاف» (١١).

стр. 1439

وفي «المبسوط» (١) (فأقاموا أكثر الثلاثة مقام الكمال في بيان الآية) وهو أن بالاتفاق يفوت الحجّ بطلوع الفجر من يوم النحر، وفوات العبادة يكون بمضي وقتها، وأما مع [بقاء] (٢) الوقت فلا يتحقق الفوات. ولهذا قال أبو يوسف ﵀: (من ذي الحجّة عشر ليال، وتسعة أيام، فأما اليوم العاشر، فليس بوقت الحجّ"؛ لأن الفوات يتحقق بطلوع الفجر من اليوم العاشر، وهو يوم النحر، وفي ظاهر المذهب (٣) اليوم العاشر من وقت الحجّ؛ لأن الصحابة/ قالوا: وعشر من ذي الحجّة، ولأن الله تعالى سمي هذا اليوم الحجّ الأكبر، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ (٤). والمراد يوم النحر إلا أنه وقت الحجّ لأداء الطواف فيه دون الوقوف، كذا روي عن العبادلة الثلاثة، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر) كذا في «المبسوط» (٥). حكم الإحرام قبل أشهر الحج (فإن قدم الإحرام بالحجّ عليها). أي: على أشهر الحجّ فإنه عنده يصير محرمًا بالعمرة؛ لأن الشروع إذا انعقد المقصود، وهو غير صالح لذلك المقصود، ولكن صالح لغيره يصرف شروعه إلى ذلك الغير كمن نوى صوم القضاء من النهار يكون شارعًا في النفل؛ لأن شروعه في الفرض لم يصح، وكذلك من شرع في الفريضة الوقتية من الصلاة، ثُمَّ يذكر أن عليه صلاة قبل هذه يصرف شروعه إلى النفل؛ لأن النفل يصح بمطلق نية الصلاة، ويقول: لأن الوقت وقت العمرة ألا ترى أنه لو فات حجة بمضي الوقت يبقى إحرامه للعمرة، فكذلك إذا حصل ابتداء إحرامه في غير أشهر الحجّ. (وهو شرط عندنا). بدليل أنه يبقى مسألة ما (٦) إلى الفراغ منه، وهذا حد شرط العبادة لا حد ركن العبادة، ولأنه لا يتصل به أداء الأفعال؛ لأن الإحرام يكون عند الميقات، وأداء الأفعال بمكة، فلو أحرم في أول يوم من أشهر الحجّ يصح بالاتفاق وأداء الأفعال بعد ذلك بزمان، فعرفنا أنه بمنزلة الشرط، فلا يستدعي صحة الوقت بخلاف الصلاة، فإن أداء الأركان هناك يتصل بالتكبير، فإذا حصل قبل دخول الوقت لا يتصل أداء الأركان به، فإن قلتَ: لو كان شرطًا لما كره قبل أشهر الحجّ، وهو مكروه ذكر في «المبسوط» (٧)، ولأن قوله ﷺ : «المهل بالحجّ في غير أشهر الحجّ مهل بالعمرة» (٨) دليل على أنه ليس بشرط حيث لم يصح تقديمه للحج بمقتضى هذا الحديث.

стр. 1440

قلتُ: أما الكراهة (١) فقد قال بعض أصحابنا (٢): فإن الإحرام بمنزلة الأركان من وجه، ولهذا لو حصل قبل العتق لا يتأدّى به فرض الحجّ بعد العتق، وما تردد بين أصلين يوفر حظهما، فلشبهه بالشرائط يجوز قبل الوقت، ولشبهه بالأركان كأن يكون مكروهًا، وقيل: بل الكراهة؛ لأنه لا يأمن من مواقعة المحظور إذا طال مكثه في الإحرام، وأما الحديث فشاذ جدًّا، ولا يُعتمد على مثله، وفيه سؤال وجواب آخر قدمناهما في أوائل كتاب الحجّ. (فصار كالتقديم على المكان). بأن أحرم من دويرة أهله في أشهر الحجّ، ثُمَّ أتى مكان الميقات، وإذا قدم الكوفي بعمرة في أشهر الحجّ إلى آخره، اعلم: بأن جنس هذه المسألة على أربعة أوجه: الأول: إذا أقام بمكة بعدما فرغ من العمرة، وحلق، ثُمَّ حج من عامه ذلك، وفي هذا الوجه هو متمتع لما ذكرنا من صورة المتمتع. والوجه الثاني: إذا خرج من مكة، ولكن لم يجاوز الميقات حتى حج من عامه ذلك، وفي هذا الوجه هو متمتع أيضًا. والثالث: إذا خرج من المواقيت، وعاد إلى أهله، ثُمَّ حج في عامه ذلك، وفي هذا الوجه هو ليس بمتمتع، والرابع: إذا خرج من الميقات فأتى البصرة (٣) فاتخذها داراً، ثُمَّ حج من عامه ذلك. (قال في الكتاب)، أي: في «الجامع الصغير» (٤): وهو متمتع، ولم يذكر فيه خلافًا، وروى الحاكم الشهيد عن أبي عقبة سعد بن معاذ (٥) ﵁.

стр. 1441

أما ما ذكر في الكتاب قول أبي حنيفة ﵀: وعلى قولهما: لا يكون متمتعًا، وهكذا ذكر الطحاوي، وذكر الجصاص (١): أنه لا يكون متمتعًا على قول الكل، كذا في «المحيط» (٢)، أما الأول: وهو ما إذا اتخذ مكة دارًا، وأما الثاني: وهو ما إذا اتخذ البصرة دارًا. (ونسكاه هذان ميقاتيَّان). لأنه بعدما جاوز الميقات حلالًا إذا عاد يلزمه الإحرام من الميقات فهو والذي ألّم بأهله سواء، وأبو حنيفة ﵀ استدل بحديث ابن عباس ﵄ فإن قومًا سألوه فقالوا: اعتمرنا في أشهر الحجّ، ثُمَّ زرنا القبر، ثُمَّ حججنا، فقال: "أنتم متمتعون"؛ لأنه مترفق بأداء النسكين في سفر واحد؛ لأنه ماض على سفره ما لم يعد إلى أهله فهو بمنزلة ما لو لم يخرج من الميقات حتى عاد، وحج فيكون متمتعًا، فصار (الأصل عند أبي حنيفة ﵀ أنه ما لم يصل إلى أهله فهو كمن لم [يجاوز] (٣) الميقات، وعندهما من خرج من الميقات/ فهو كمن وصل إلى أهله) كذا ذكره في «المبسوط» (٤) في موضعين، وفائدة الخلاف يظهر في حق وجوب الدم. فقال أبو حنيفة ﵀: "دم التمتع دم قربة؛ لأنه دم شُكر، ولهذا حل له التناول منه، فيصار إلى إيجابه باعتبار هذه الشبهة احتياطًا ". (فإن قدم بعمرة) (٥). أي: بإحرام عمرة، فأفسدها بأن جامع امرأته قبل أفعال العمرة. (ثُمَّ اعتمر في أشهر الحجّ) (٦). أي: قضى العمرة التي أفسدها، وهذه المسألة في الحاصل على خمسة أوجه، وهي كوفي قدم مكة بعمرة في أشهر الحجّ، وأفسدها، ومضى فيها فطاف لها، وسعى وحلق، ثُمَّ حج من عامه ذلك لم يكن متمتعًا؛ لأن العمرة الفاسدة مضمونة بالقضاء فلا تكون موجبة للشكر، وكذا لو اعتمر على الصحة، وأفسد حجته بالجماع قبل الوقوف بعرفة، ومضى فيها لم يكن متمتعًا؛ لأنه لم يترفق بأداء النسكين على الصحة في سفر واحد، ولو أنه اعتمر في أشهر الحجّ، وأفسد عمرته، ومضى فيها، ثُمَّ خرج إلى البصرة، واتخذها دارًا، ثُمَّ اعتمر في أشهر الحجّ، وحج من عامه ذلك لا يكون متمتعًا. وقال أبو يوسف ﵀: "يكون متمتعًا" وهي بناء على المسألة الأولى، وهي على ثلاثة أوجه إن لم يخرج من الميقات حتى اعتمر عمرة صحيحة، وحج من عامه ذلك لا يكون متمتعًا بالاتفاق؛ لأنه فرغ من العمرة الفاسدة، وهو بمكة فصار كواحد من أهل مكة، ولا متعة للمكي فكذا من كان ملحقًا بهم، ولو أنه فرغ من العمرة الفاسدة فعاد إلى أهله بالكوفة.

стр. 1442

(ثُمَّ اعتمر في أشهر الحجّ، وحج من عامة ذلك كان متمتعًا عند أبي حنيفة) (١). لأنه لما عاد إلى أهله انقطع سفره الأول، وصار كأن لم يكن، وإنما أنشأ السفر بعد ذلك من وطنه، وترفق بأداء النسكين في هذا السفر على الصحة فيكون متمتعًا، ولو أنه فرغ من العمرة الفاسدة، فأتى البصرة أو الطائف (٢)، واتخذها داراً، ثُمَّ اعتمر في أشهر الحجّ، وحج من عامه لا يكون متمتعًا في قول أبي حنيفة ﵀؛ لأن حكم السفر الأول قائم لا ينقطع ما لم يعد إلى وطنه، فإن اتخاذه البصرة داراً بمنزلة مكثه بمكة، ولو مكث بمكة، ثُمَّ اعتمر، وحج لا يكون متمتعًا، وهذا لأنه خرج من أن يكون أهلًا للمتعة في السفر الأول، وحكم السفر الأول قائم من وجه، فلا يكون متمتعًا بالشك، وعلى قولهما يكون متمتعًا؛ لأن المتمتع من كانت عمرته ميقاتية، وحجته مكية، وهو في السفر الثاني أتى بعمرة ميقاتية، وحجة مكية، وكان متمتعًا كما لو عاد إلى أهله بالكوفة، ثُمَّ اعتمر، وحج من عامه ذلك بخلاف ما لو اتخذ دارًا؛ لأنه صار من أهل مكة، ولا يمنع لأهل مكة كذا في «الجامع الصغير» (٣) لقاضي خان ﵀. قوله ﵀: (وحج من عامه) (٤). لم يكن متمتعًا عند أبي حنيفة ﵀ هذا إذا خرج إلى البصرة في أشهر الحجّ، وأما إذا خرج قبل أشهر الحجّ، واعتمر، وحج من عامه ذلك فإنه يكون متمتعًا بلا خلاف كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٥)، و «الفوائد الظهيرية» (٦). (وإذا تمتعت المرأة فضحت بشاة لم يجزها عن المتعة لأنها أتت بغير الواجب) (٧). أي: بغير الواجب الذي وجب عليها؛ لأن الواجب عليها الدم بسبب التمتع، والأضحية غير واجبة عليها؛ لأنها مسافرة أو لأن الأضحية لو كانت واجبة عليها بسبب شرائها بنية الأضحية أو لا، فأتتها بعد استظهارها لكن الأضحية واجبة غير هذا الواجب، فإذا نوت أحدهما لم يجز عن الآخر.

стр. 1443

(وكذا الجواب في الرجل). حكم لو حاضت المرأة عند الإحرام إلا أنه خص المرأة بالذكر أما لأن المرأة كانت هي السائلة، فوضع المسألة على ما وقعت، وأما لأن الغالب من حالهن الجهل، ونية التضحية في هدي المتعة لا تكون إلا عن جهل، ثُمَّ لمّا لم يجز عن المتعة كان عليها دمان سوى ما ذبحت دم لأجل المتعة، ودم آخر لأنها قد حلت قبل الذبح كذا في «الجامع الصغير» (١) للمحبوبي وغيره. (لحديث عائشة ﵂ حين حاضت بسرف). وقد ذكرنا ذلك الحديث في باب القران. سرف بوزن كتف جبل بطريق المدينة، وهذا الاغتسال للإحرام لا للصلاة فيكون مفيدًا لحصول النظافة، وهذا الجواب لسؤال بأن قيل: وهي حائض فلا يفيدها الاغتسال. (ولا شيء عليها لطواف الصدر) (٢). أي: لترك طواف الصدر. بعدما حل النفر الأول، وهو اليوم الثالث من أيام النحر، فلا يسقط بنية الإقامة بعد ذلك؛ لأن نية الإقامة إنما تؤثر في الإسقاط إذا كانت قبل الوجوب، وأما بعد الوجوب فلا، وهو نظير من أصبح، وهو مقيم في رمضان، ثُمَّ سافر لا يحل له أن يفطر، فأما إذا أقام قبل أن يحل النفر لم يجب عليه طواف الصدر؛ لأنه [صار] (٣) كالمقيم إذا سافر قبل أن يصبح يباح له الإفطار. وعلى قول أبي يوسف ﵀: "يسقط عنه طواف الصدر إلا أن يكون عزم على الإقامة بعدما افتتح الطواف"؛ لأن وقت الطواف باقٍ بعدما حل النفر، وما بقي الوقت لا يصير دينًا في ذمته فسقط بالعارض المغيّر كالمرأة إذا حاضت في وقت الصلاة لا يلزمها قضاء تلك الصلاة، وكذلك لو حاضت بعدما حل النفر لا يلزمها طواف الصدر إلا إذا شُرع فيه فيلزمه المضي بسبب الشروع كذا في «الإيضاح» (٤)، و «الجامع الصغير» (٥) للمحبوبي، والله أعلم بالصواب. بَابُ الجِنَايات (٦)

стр. 1444

تعريف الجناية لغة وشرعاً لما فرغ من بيان أحكام المحرمين بدأ بما تغير بهم من العوارض من الجنايات، وهو (١) الإِحْصَار، والفوات ذكر الإمام السرخسي ﵀ في أول جنايات «المبسوط» (٢). (اعلم: بأن الجناية اسم لفعل محرّم شرعًا سواء حل بمال أو نفس، ولكن في لسان الفقهاء يراد بإطلاق اسم الجناية لفعل في النفوس، والأطراف فإنهم خصّوا الفعل في المال باسم، وهو الغصب، والعرف غيره في الأسامي). وذكر في «المغرب» (٣) (الجناية ما تجنيه من شر) أي: تحدثه تسمية بالمصدر من جنى عليه شراً، وهو عاجز (٤) إلا أنه خص بما يحرم من الفعل، وأصله من جنى الثُمَّر، وهو أخذه من الشجر. تطيب المحرم (وَإِذا تطيب الْمحرم فَعَلَيهِ الْكَفَّارَة) (٥). ذكر أولًا التطيب في جميع البدن، ثُمَّ تطييب الأعضاء عضوًا فعضوًا على وجه التفصيل. اعلم: أن المحرم ممنوع من استعمال الدهن والطيب، لقوله ﷺ : «الْحَاجُّ الشَّعِثُ التَّفِلُ» (٦) قال: يأتون شعثًا غبرًا من كل فج عميق، واستعمال الدهن، والطيب يزيل هذا الوصف، وما يكون صفة للعبادة يكره إزالته) كذا في «المبسوط» (٧). (تطيب المحرم عبارة عن صيرورته طيبًا بطيب)، وهو لصوق الطيب ببدنه أو بعضو منه، والطيب عبارة عن عين له رائحة طيبة، وبهذين المعنيين (٨) وقع الاحتراز عن شم الطيب، فإنه لا جزاء فيه عندنا خلافًا للشافعي (٩) ﵀ لما أنه لم يلتصق بعضو منه، وما حصل لمن شم رائحة، والرائحة ليست بعين، كذا ذكره الإمام الإسبيجابي ﵀.

стр. 1445

(فإِن طيب عضواً). وفي بعض النسخ (تطيب عضوًا)، والصحيح هو الأول؛ لأن التطيب لازم كالتزين. (وَإِنْ طيبَ أقل منْ عُضْو فَعَلَيهِ الصَّدَقَة). وكان الشعبي يقول: القليل، والكثير من الطيب سواء في وجوب الدم به؛ لأن رائحة الطيب توجد منه سواء استعمل القليل، و (١) الكثير، ولكنّا نقول: الجزاء إنما يجب بحسب الجناية، وإنما تتكامل الجناية بما هو مقصود من قضاء [التفث (٢) (٣)، والمعتاد استعمال الطيب في عضو كامل، فيتم به جنايته، وفيما دون ذلك في جنايته نقصان، فيكفيه الصدقة، ونحن نذكر الفرق بينهما. وهو قوله: (ولنا أن حلق بعض الرأس ارتفاق كامل) إلى آخره. إلا في موضعين يذكرهما، وهو ما إذا طاف طواف الزيارة جنبًا. والثاني: إذا جامع بعد الوقوف بعرفة. (إِلَّا مَا يجب بقتل القملة والجرادة). فإن التصدق فيهما غير مقدر بنصف صاع بل يتصدق بما شاء. هل الحناء طيب ؟ (فإِن خضب رَأسه بحناء) (٤). بحناء بالتنوين، فإنه فعّال لا فعلاء بدليل أن الجوهري (٥) ﵀ أورده في باب الهمز لا في باب النون قال ﵇: (الحناء (٦) طيب) (٧) قاله حين نهى المعتدة أن تخضب بالحناء، وقال: (الحناء طيب)، ولأن له رائحةُ مستلذًة، وإن لم تكن ذكيًة.

стр. 1446

وإن كان (١) ملبدًا بأن كان الحناء جامدًا غير مائع وهذا إذا غطاه يومًا إلى الليل فإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة وكذا إذا غطى ربع الرأس، و [أما] (٢) إذا كان أقل من ذلك فعليه صدقة كذا في «الفوائد الظهيرية» (٣). (يُغلف). أي: يغطي الوسِمة (٤) بكسر السين، وسكونه شجرة، ورقها خضاب كذا في «المغرب» (٥). (وهي من الوسم)، وهو العلامة. قوله ﵀: (ثُمَّ ذكر محمد في الأصل رأسه، ولحيته). هل يعد الدهن بالزيت طيب ؟ أي: في مسألة الحناء/ وبه صرح فخر الإسلام ﵀، وفي «الفوائد الظهيرية» (٦)، ولأنه ذكره مسألة الوسمة في «المبسوط» (٧)، ثُمَّ قال: لا دم عليه ولا ذكر (٨) الوسمة في أصل «الجامع الصغير» (٩). (فإن أدَّهن بزيت) (١٠). أي: بزيت خالص أما المطيب بغيره، فيجيء ذكره، وخصّ الزيت، فإنه لو أدهن بالشحم أو بالسمن، فلا شيء عليه ذكره في «التجريد» (١١) فعليه دم لإزالة الشعث، فيكون من قضاء التفث قيل: وقته.

стр. 1447

ولأبي حنيفة ﵀ أنه أصل الطيب، فإن الروائح تلقى في الدهن فيصير غالية، فيجب باستعمال أصل الطيب ما يجب باستعمال الطيب كما إذا كسر المحرم بيض الصيد يلزمه الجزاء كما يجب بقتل الصيد، (ثُمَّ الدهن إذا كان مطيباً كدهن ألبان، والبنفسج (١)، والزئبق بوزن العنبر فهو طيب يجب باستعماله الدم، وكذلك إذا ادّهن بزيت قد طبخ، وجعل فيه طيب) كذا في «المبسوط» (٢)، والبنفسج تغريب بنفسه الزئبق (٣) بوزن العنبر دهن الياسمين (٤) فما أشبههما كدهن البان، وهو شجر البحت الخالص، والحل دهن السمسم. (ولو داوى به) (٥). أي: بالزيت البحت. (فلا كفارة عليه) (٦). حكم تغطية الرأس أي: لا شيء عليه، وبه صرح في «المبسوط» (٧)، وإنما ذكر بنفي الكفارة دون الدم ليتناول الدم والصدقة إنما لم يكن عليه شيء لأن قصده التداوي، والتداوي غير ممنوع عنه في حالة الإحرام، ولأنه لو أكله لم يلزمه شيء فإذا ادّهن [به] (٨) شقاق رحله أولى بخلاف ما إذا تداوى بالمسك، وما أشبهه كالعنبر، والكافور؛ لأنه طيب بنفسها فيجب الدم بها، وإن استعملت على وجه التداوي. (أو غطى رأسه يومًا كاملًا) (٩). (أو ليلة كاملة)، كذا في «الأسرار» (١٠) و «مبسوط فخر (١١) الإسلام» (١٢). اتشح (١٣) الرجل، وهو أن يدخل ثوبه تحت يده اليمنى، ويلقيه على منكبه الأيسر.

стр. 1448

أو اتزر. قولهم: اتزر عامي، والصواب ائتزر افتعل من الإزار، وأصله ائتزر بهمزتين الأولى للوصل، والثانية فاء افتعل كذا في «المغرب» (١) ولو لبس المحرم اللباس كله من القميص، والسراويل، والقباء (٢)، والخفين يومًا كاملًا (٣) لزمه دم واحد؛ لأن هذه الجنايات من جنس واحد، فصارت كجناية واحدة، وكذا لو دام أيامًا أو كان ينزعه من (٤) الليل ما لم يعزم على تركه كذا ذكره الإمام الولوالجي (٥)، والإمام التمرتاشي ﵀. (لأنه ما لبس لبس القباء). لأن العادة في لبس القباء الضم إلى نفسه بإدخال المنكبين، واليدين إذ هو مأخوذ من القبو، وهو الضم، وكمال الضم فيما قلنا، وقال زفر: ليس له ذلك، وعليه الجزاء؛ لأن القباء مخيط فإذا أدخل فيه منكبيه صار لابساً للمخيط، فإن القباء يلبس هكذا عادة، واحتج أصحابنا بأن هذا لبس الأردية، فلو لبس القميص لبس الأردية لم يلزمه شيء فكذلك هاهنا، وهذا لأنه يحتاج إلى تكلف لحفظه على منكبيه عند اشتغاله (٦) بعمل كما يحتاج إليه لابس الرداء، فأما إذا أدخل يديه في كميه فلا يحتاج إلى حفظه على نفسه عند الاشتغال بالعمل، فيكون لابسًا للمخيط، وكذلك إن زره عليه كان لابسًا؛ لأنه لا يحتاج إلى تكلف حفظه عليه بعدما زره كذا في «مبسوط شمس الأئمة» (٧)، والإسبيجابي -رحمهما الله-. والتقدير في تغطية الرأس إنما أعاد هذا ليبني عليه الفروع. حلق الرأس (ما بيّناه). وهو قوله أو غطى رأسه يومًا كاملًا فالمروي عن أبي حنيفة ﵀ أنه اعتبر الربع، قال ما يتعلق بالرأس من الجناية فالربع فيه حكم الكمال كالحلق، وهذا لأن تغطية بعض الرأس استمتاع مقصود يفعله الأتراك (٨)، وغيرهم عادة فإنهم يغطون بالقلانس (٩) الصغار، ويعيدون ذلك معًا كاملًا.

стр. 1449

(وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: إن غطى أكثر رأسه فعليه دم، وإلا فعليه صدقة) لأن القليل من تغطية الرأس لا تتم به الجناية، والقلة والكثرة، وإنما يظهر بالمقابلة، وهذا أصل أبي يوسف في المسائل كذا في «المبسوط» (١). (وقال مالك (٢) ﵀ "لا يجب إلا بحلق الكل"). فإنه أخذ بظاهر النص بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ (٣). (وقال الشافعي (٤) ﵀: "يجب بحلق القليل"). فإنه أخذ بالاحتياط، وعلق الحكم باسم الجنس، ولحكم المعلق باسم الجنس يتأدّى بأدنى ما ينطلق عليه الاسم، فعامة مشايخنا حملوا هذه المسألة على المسح بالرأس في باب الوضوء، وهذا/ البناء غير صحيح؛ لأن الله أمر في باب المسح مقروناً بحرف الباء فقال: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٥)، والباء في المحل يقتضي التبعيض (أي البعضية أو الجزء وهي من كلمة بعض)، فصار كأنه قال: بعض رؤوسكم، وأما هاهنا فقد ذكر، ولا تحلقوا رؤوسكم فيكون المحظور بالنص كمال الرأس، والبعض لا يقوم مقامه إلا بدلالة كذا في «الأسرار» (٦). (ولنا أن حلق بعض الرأس ارتفاق كامل؛ لأنه معتاد فتتكامل به الجناية، وتتقاصر فيما دونه). ولله در (أسلوب تعجب مشوب بالمدح) المصنف ﵀ ما أحسن في العبارة، وألطف في الإشارة في قصر المباني، وتكثير المعاني حيث قال: (أقام الدليل بأول النكتة (٧)، وهو قوله: (لأنه معتاد) على إثبات مدعاة بأنه ارتفاق كامل، وبما يعقبه، وهو قوله: (فتتكامل به الجناية) أجاب عن حرف مالك، وبما تعقب ذلك، وهو قوله: (وتتقاصر فيما دونه) أجاب عن حرف الشافعي (٨) مع رعاية حسن الترتيب، ثُمَّ بيان قوله: (لأنه معتاد) فيما ذُكر في «المبسوط» (٩): (أن حلق بعض الرأس لمعنى الراحة، والزينة) معتاد؛ لأن الأتراك يحلقون أوساط رؤوسهم، وبعض العلوية يحلقون نواصيهم لابتغاء الراحة، والزينة، ويتكامل الجناية بهذا المقدار، والجناية المتكاملة يوجب الجبر بالدم.

стр. 1450

وذكر في «الفوائد الظهيرية» (١): (أن حلق اللحية متعارف، فإن الأكاسرة يستعملون حلق اللحى شجعانهم، وكذلك بعض القضاة يفعلون ذلك) على ما ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «أدب القاضي» (٢): (أن قاضيًا سمع هذا الحديث من جعل على القضاء، فقد ذبح بغير سكين، فقال: كيف يذبح الإنسان بغير سكين؟ ثُمَّ أنه دعا بحلاق ليسوّى لحيتيه فجعل الحلاق يحلق تحت لحيتيه إذ عطس القاضي فألقى الموسى رأسه بين يديه). فلما كانت اللحية مقصودة بالحلق في بعض الناس ألحقت اللحية بالرأس احتياطًا لإيجاب الكفارة في المناسك، فإنها مبنية على الاحتياط حتى وجب مع الأعذار بخلاف تطييب ربع العضو؛ لأنه غير مقصود؛ لأن العادة في الطيب ليس هو الاقتصار على الربع، بل يطيبون العضو على الكمال، فصار العضو الكامل في باب الطيب بمنزلة الربع في باب الحلق في حق الكفارة، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٣) ﵀. قلتُ: ما ذكر هاهنا من قول علمائنا، وهو أن في حلق ربع الرأس أو اللحية الدم موافق لجامعي الصغير للأخوين صدر الإسلام (٤)، وفخر الإسلام -رحمهما الله-، وشرح الطحاوي: فيما ذكره من ظاهر الرواية، ومخالف «الجامع الصغير» (٥) لشمس الأئمة السرخسي، وقاضي خان، ورواية الطحاوي فيما ذكره من «شرح الطحاوي» (٦)، وذكر شمس الأئمة، وقاضي خان أن على قول أبي يوسف، ومحمد إن حلق جميع الرأس فعليه الدم، وإن حلق أقل من ذلك فعليه الطعام، وهو قول مالك (٧)، وذكر الإمام المحبوبي فكان الصحيح ما ذكره عامة المشايخ (٨) في كتبهم يعني به عدم الاختلاف من علمائنا كما هو المذكور في «الهداية» (٩).

стр. 1451

حكم نتف الإبطين (ذكر في الإبطين الحلق هاهنا). … أي: في رواية «الجامع الصغير» (١). (وفي الأصل). أي: «المبسوط» (٢) (النتف وهو السنة). وأما العانة فالسنة فيها الحلق، لما جاء في الحديث عشر من السنة منها الاستحداد، وتفسيره حلق العانة بالحديد كذا ذكره الإمام المحبوبي. وقال أبو يوسف، ومحمد -رحمهما الله-: (إذا حلق عضوًا فعليه دم) (٣) إلى قوله: (أراد به الصدر والساق). وهذا مخالف لما ذكر في «المبسوط» (٤) فقال فيه بعد ذكر حلق الرأس، ثُمَّ الأصل بعد هذا أنه متى حلق عضوًا مقصودًا بالحلق من بدنه قبل أوان التحلل فعليه دم، وإن حلق ما ليس بمقصود فعليه صدقة. ثُمَّ قال: (ومما ليس بمقصود حلق شعر الصدر أو الساق) وما هو مقصود حلق الرأس أو الإبطين، ولم يذكر الخلاف فيما ترى، ولكن ما ذكر في الكتاب موافق «الجامع الصغير» (٥) لفخر الإسلام. حكم أخذ الشارب (أراد به) أي: بقوله (عضوًا)، وما أشبه ذلك كالعانة، بطريق التنور يقال تنور، أي: أطلى بالنورة، ونوره غيره طلاه بها. (وإن أخذ من شاربه فعليه طعام) (٦). وكذا إذا أخذ شاربه ففيه طعام أيضًا، وهو رواية «الجامع الصغير» (٧)، فقال: (وإن أخذ الشارب كله كان عليه حكومة عدل (٨) (٩).

стр. 1452

فإن قيل: الشارب عضو مقصود بالحلق فإن من عادة بعض الناس حلق الشارب دون اللحية، وكذلك الشرع، فصل بين الشارب، واللحية فأمرنا (١) / بإعفاء اللحية، وقص الشارب، فينبغي أن تتكامل الجناية بحلق الشارب، قلنا: نعم، ولكن أن كل (٢) عضو واحد حقيقة لاتصال البعض بالبعض، فلا يجعل في حكم أعضاء متفرقة كالرأس، فمن العلوية من يعتاد حلق مقدم الرأس، وهذا لا يدل على أن كله لا يكون عضوًا واحدا في الحكم كذا في «الجامع الصغير» (٣) لشمس الأئمة قاضي خان. (والسنة أن يقص حتى يوازي الإطار). ذكر في «المغرب» (٤) إطار الشفة ملتقى جلدتها، ولحمها مستعار من إطار المنخل أو (٥) الدف، وذكر الطحاوي في «شرح الآثار» (٦) (أن القص)، أي: قص الشارب حسن، وتفسيره أن يؤخذ الشعر حتى ينتقص الشعر في (٧) الإطار من الطرف الأعلى من الشفة العليا. ثُمَّ قال: (والحلق سنة)، وهو أحسن من القص، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد -رحمهما الله- (٨). ومن الناس من قال: الحلق بدعة (٩)، والقص سنة، وهو المذهب عند بعض المتأخرين من مشايخنا لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «عشر من فطرتي، وفطرة إبراهيم خليل الرحمن»، وذكر من جملتها «قَصُّ الشَّارِبِ» (١٠) كذا ذكره الإمام المحبوبي. المحجمة بالكسر قارورة الحجّام، وكذا المحجم بطرح الهاء، والمحجم صح بالفتح من العنق موضع المحجمة، ومنه قوله: (ويجب غسل المحاجم) يعني: مواضع الحجامة (١١) من البدن كذا في «المغرب» (١٢).

стр. 1453

حكم حلق موضع المحاجم (وإن حلق موضع المحاجم) (١). وفي بعض النسخ (مواضع المحاجم)، وهما مختلفان فإن المواضع تقع على الجماعة، وهي ما على الكاهل، والأخذ عين، وإن كانت الرواية مواضع المحاجم فذلك أظهر لأبي حنيفة ﵀ وكذا في «الجامع الصغير» (٢) لفخر الإسلام. (لا يتوسل إلى المقصود). وهو الحجامة، وقد وجد إزالة التفث عن عضو كامل؛ لأن هذا الموضع في حق الحجامة كامل. (وإن حلق رأس محرم) (٣). أي: (محرم حلق رأس محرم) هكذا نص في «المبسوط» (٤) وقال الشافعي (٥) ﵀: لا يجب. (إذا كان بغير أمره) (٦) أي: لا يجب على المحلوق دم إذا كان بغير أمره، ثُمَّ الشافعي (٧) كما خالفنا في حكم المحلوق حتى قال: بعدم وجوب الدم عليه خالفنا أيضًا في حكم الحالق حتى قال: بعدم وجوب الصدقة عليه. (والنوم أبلغ منه). أي: من الإكراه؛ لأن الإكراه يفسد قصده، وبالنوم ينعدم القصد أصلًا، وعنده أن الإكراه متى أباح الإقدام على الفعل أعدم أصل الفعل من المكره في الأحكام. (وهو ما نال من الراحة، والزينة). أي: المحلوق، فإن قلتَ: يشكل هذا بما ذكره في الديات من هذا الكتاب بقوله: (وفي شعر الرأس الدية) لما قلنا إشارة إلى قوله: (لأنه يفوت به منفعة الجمال) حيث جعل هناك وجود الشعر جمالًا، وهو الزينة على وجه تجب الدية على من أزاله، وهل (٨) هنا فواته زينة، فكيف يكون الشيء الواحد ديته بوجوده؟ ثُمَّ عين ذلك الشيء زينة بعدمه. قلتُ: شعر الرأس زينة من حيث أصل الخلقة، [لا يرى أن من عدمه خلقة يتكلف في بنزه فكان وجوب الدية بناء على جمال أصل الخلقة] (٩) والمراد من الزينة هنا زوال الشعر، والتفل الناشئين من انتشار شعر الرأس، وهو أمر عارض، فإنه يزيد صفرة الوجه المستقبحة عند من رآه، وهو أمر محسوس، فكان هذا غير ذلك؛ لأن ذلك ينشأ من الأصل، وهذا ينشأ من العوارض، وعن هذا أطلق اسم الجمال هناك واسم الزينة هنا فحصل الفرق.

стр. 1454

(ثُمَّ لا يرجع المحلوق رأسه على الحالق). وقال بعض العلماء: يرجع [به] (١)؛ لأنه هو الذي أوقعه في هذه العهدة، وألزمه هذا الغرم، ولكنّا نقول: إنما لزمه ذلك بمعنى الراحة، والزينة، وهو حاصل له فلا يرجع به على غيره كما لا يرجع المغرور بالعقر؛ لأنه بمقابلة اللذة الحاصل له بالوطء، وكما إذا أُكره على أكل مال الغير فإن ثُمَّة لا يرجع بضمان ما أكل على المكره، وهذا لأنه لا يجوز أن يجمع بين المضمون، والضمان؛ لأنه يؤدي إلى أن يسلم له عوضان بمقابلة مضمون واحد، ولا وجه إليه في باب العدوان كذا في «المبسوط» (٢)، و «مبسوط فخر الإسلام» (٣)، وصورة المغرور أن يغر رجل رجلًا، ويقول: تزوج هذه المرأة فإنها حرة فتزوجها، ودخل بها، ثُمَّ استحقها مستحقًا بأنها أمته، فإن المولى يأخذ من الزوج العقر، ثُمَّ هو لا يرجع به على الآمر الغار. (يلزمه الصدقة في مسألتنا). أي: فيما إذا كان الحالف محرمًا. (في الوجهين). أي: يأمره أو بغير أمره. (وعلى هذا الخلاف إذا حلق المحرم رأس الحلال). أي: عندنا يجب الصدقة على الحالق، وعنده لا يجب/ الصدقة، واحتج الشافعي (٤) ﵀ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ (٥)، وإنما يحلق الناس رؤوسهم بأيدي غيرهم، ومطلق الكلام ينصرف إلى العهود، ولأصحابنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ (٦)، وهذا يتناول رأس غيره لا محالة؛ لأنه لا يقدر على رأس نفسه، فكان هو الثابت نصًّا، وغيره ثانيًا دلالة، ولأن فيه نوع ارتفاق لما أن الإنسان قد يتأذى برؤية تفث غيره كم يتأذى بتفث نفسه خصوصًا فيما بين الأزواج، والزوجات، والسيد، والإماء وبين المخالطين بالأكل إلا أن التأذي ثُمَّة أصل، وفي نفسه أكثر لكن وجد نفس التأذي، فيحصل بإزالته نفس الارتفاق لا كماله، فيكفي لإيجاب الصدقة. كذا في «الجامع الصغير» (٧) لفخر الإسلام، والإمام الكاشاني. قوله ﵀: (ولنا أن إزالة ما ينمو من بدن الإنسان) إلى أن قال: (بمنزلة نبات الحرم). يقتضي أن الحلال إذا حلق رأس الحلال في الحرم أن يجب الجزاء على الحالق كم يجب على من يقطع نبات الحرم، وإن كان حلالًا لكني ما صادفت رواية تقتضيه، بل وجدت رواية تدل على أنه لا يجب الجزاء، وهو ما علّل الشافعي (٨) بقوله: "فلا يحصل شيء من معنى الراحة بحلق رأس الحلال، فلا يلزمه شيء، (ألا ترى أن الحلال لو حلق بنفسه لم يلزمه شيء) كذا في «المبسوط» (٩).

стр. 1455

وحاصله: أن أمر الحالق، والمحلوق [لايخلو] (١) أما أن يكون كلاهما محرمين، أو كلاهما حلالين أو الحالق محرمًا، والمحلوق حلالًا أو على العكس ففي كل الصور على الحالق صدقة إلا أن يكونا حلالين، وعلى المحلوق دم إلا أن يكون حلالًا. (إلا أن كمال الجناية في شعره لوجود المعنيين). وهما إزالة الأمر، والارتفاق الكامل. (والوجه فيه ما بينا). إزالة ما ينمو من الجسم أي: آنفًا، وهو قوله: (ولنا أنّ إزالة ما ينمو من بدن الإنسان) إلى آخره، وفي هذه المسألة أيضًا خلاف الشافعي (٢)، فكان قوله في الكتاب، ولا يعزي عن نوع ارتفاق جوابًا عن قوله فإنه ذكر في «الجامع الصغير» (٣) لقاضي خان بعدما ذكر قوله: (فإن أخذ من شارب حلال أو قص أظافيره) (٤). وقال الشافعي (٥) ﵀: "لا شيء عليه"؛ لأنه لا (٦) ارتفاق له فيما فعل، فلا يلزم الدم كما لو ألبس غيره مخيطًا، وما ذكره في الكتاب جواب عن لبس المخيط، فإنه قال: لأنه يتأذى بتفث غيره، فكان في إزالته ارتفاق بخلاف إلباس المخيط ليس بتفث غيره، فكان في إزالته ارتفاق بخلاف إلباس المخيط، فإن لبس غيره المخيط ليس بتفث حتى يكون إلباس المخيط مزيلًا للتفث. (وإن قص أظافير يديه، ورجليه فعليه دم). وقال عطاء: "لا شيء عليه"؛ لأن قص الأظفار من الفطرة، ولم يصح حديث في النهي عنه بسبب الإحرام فكان نظير الختان، ولا بأس بالختان في الإحرام، فكذلك قص الأظفار، ومذهبنا مروي عن ابن عباس، ولأن قص الأظفار من قضاء التفث؛ لأن الجناية من نوع واحد تسمية ومعنى، أما التسمية، فلأن الكل سُمى قصًّا، وأما المعنى وهو حصول الارتفاق من جانب القص، وهو شيء واحد فهذا كذلك؛ لأن مبناها على التداخل حتى أن المحرم إذا قتل صيد الحرم يكفيه قيمة واحدة، وإن كانت الجناية في حق الإحرام، والحرم، وهاهنا أولى؛ لأن هذه الجنايات تستند إلى سبب واحد، فلا توجب إلا كفارة واحدة كما في حلق جميع الرأس لا فرق بين أن يكون في مجالس متفرقة أو في مجلس واحد، والمعنى أنه لو قصّها في مجلس واحد لزمته كفارة واحدة فكذا في المجالس دليل التطيب، وعكسه قتل الصيد.

стр. 1456

(وهما يقولان)، أي (١): كفارات الإحرام يغلب فيها معنى العبادة بدليل أنها تجب على المعذور كالمكره، والنائم، والمخطئ، والناسي كالعبادات تجب عليهم، ولا تجب العقوبات إلا أنه إذا كان في مجلس واحد، فالمقصود واحد، والمحال (٢) مختلفة فرجحنا اتحاد المقصود بسبب اتحاد المجلس، وأما إذا اختلفت المجالس فيرجح (٣) جانب اختلاف المحال فيوجب بكل فعل دمًا كما في آي السجدة، فإن قلتَ: قص الأظفار من حيث أنه قص جنس واحد، ففي الجنس [الواحد] (٤) لا يتعذر الواجب، وإن اختلفت الأمكنة كم لو ترك الرمي أصلًا لزمه دم واحد، وإن اختلفت أمكنة الرمي وأزمنته، وكذلك في حلق الرأس كله دم واحد، وإن كان الحلق في مواضع كثيرة، وكذلك التطيب./ قلتُ: دعوى اتحاد الواجب باعتبار أنه من حيث أنه كذا شيء واحد غير مستقيم، فإن قتل الصيود من حيث أنه قتل الصيد شيء واحد، ومع ذلك تعدد الواجب بتعدد الصيود بالإجماع باعتبار تعدد محل القتل، ثُمَّ إنما وجب دم واحد عند ترك الرميات لما أن الرمي نسك من المناسك، وجناية ترك النسك جناية [نقص] (٥) الأداء، والرميات كلها في الأداء نسك واحد لاتفاق الجنس، فيصير الأداء منقوضًا بفوات نسك واحد، فيجب جبر واحد، والجناية فيما نحن فيه تجرح الإحرام، وكل جناية أوجب جرحًا على حدة، فيجب لكل جرح كفارة على حدة إذا اختلفت الجنايات، وهو في القص عند اختلاف المحل. فأما الرأس فإنه عضو واحد فكان حلقه جناية واحدة؛ إذ به يطلب الراحة من طريقة واحدة، وكان حلق الرأس جناية واحدة من حيث المحل، والمقصود. وأما قص الأظفار فله جهة الاتحاد، والاختلاف على ما ذكرنا إلى هذا أشار في «الأسرار» (٦)، و «المبسوط» (٧). وحاصلة: أن أبا حنيفة، وأبا يوسف -رحمهما الله- جعلا اختلاف المجالس بمنزلة اختلاف الجنس كما في حلق ربع الرأس مع تطييب عضو كامل، ومحمدًا جعل افتراق المجلس عند اتفاق الجنس مع عدم التكفير للأول كاجتماعه في مجلس واحد كما في كفارة الفطر إلى هذا أشار في «شرح الطحاوي» (٨): أن أظافير كف واحد أقل ما يجب الدم [بقملة] (٩)، وذلك لأن (الدم في الأصل إنما يجب بقص أظافير اليدين، والرجلين، واليد الواحد ربع ذلك، فيجعل بمنزلة الكمال كربع الرأس في الحلق، فكان هذا أدنى ما يتعلق به الدم، فلا يمكن أن يقام الأكثر فيه مقام الكمال؛ إذ لو فعل كذا أدّى إلى ما لا يتناهى فيقال: إذا قصّ الظفرين فقد قص أكثر الثلاثة، ثُمَّ إذا قص ظفرًا، ونصف ظفر فقد قص أكثر الظفرين، ولكن يقال: ما كان أدنى المقدار شرعًا لا يتعلق بما دونه الحكم المتعلق به. كذا في «المبسوط» (١٠).

стр. 1457

ولأن في الربع شبهة الكل فلذلك أقيم مقام الكل، ثُمَّ لو أقمنا أكثر الربع مقام الربع لكان فيه اعتبار شبهة الشبهة، والمعتبر فيما يعمل بالشبهات هو الشبهة لا النازل عنها، فلذلك لم يعتبر لما دون الربع، وذكر الإمام المحبوبي ألا ترى أنه لو حلق ربع رأسه يلزمه الدم، ولو حلق أكثر الربع لا يجب عليه شيء. حكم قص بعض الأظافر (وإن قص خمسة أظافير متفرقة) (١). بجر متفرقة كقوله تعالى: ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ (٢). على إيقاع الصفة صفة للمعدود لا للعدد. (وبما إذا حلق ربع الرأس من مواضع متفرقة). حكم حلق بعض الرأس من مواضع متفرقة لما أن المقصوص هنا خمسة أظافير كما أن المحلوق هناك ربع الرأس أنه لو طيب بدنه في مواضع مختلفة مقدار ما لو جمع كان كثيرًا فاحشًا يجب عليه الدم، وكذلك النجاسة إذا أصابت موضع مختلفة، فإنه يضم بعضها إلى بعض، وهما يقولان: هذه جنايات بمواضع متفرقة، فلا يضم بعضها إلى بعض كمن جرح غيره جراحات في مواضع مختلفة، ولو جمعت تصير هاشمة أو منقلة، فإنه لا يضم بعضها إلى البعض لكن يعتبر كل جناية على حدة، واعتبار الأظافير بالطيب لا يصح؛ لأن الطيب ليس له عضو مخصوص، فيجعل له البدن كله في حكم الطيب كعضو واحد، وكذلك النجاسة على البدن، وإذا لم تتكامل الجناية (٣) كان عليه لكل ظفر صدقة حتى قالوا: لو قص ستة عشر ظفرًا من كل عضو أربعة، (فعليه لكل ظفر طعام مسكين إلا أن يبلغ ذلك دماً، فحينئذٍ ينقص منه ما شاء). كذا في «المبسوط» (٤)، وشروح «الجامع الصغير» (٥). (والآيةُ نزلتْ في المعذور). وهو كعب بن عُجْرة ﵁ (٦) العُجْرة بضم العين، وسكون الجيم واحدة العجر، وهو العقد في عود أو غيره قال كعب: «مرّ بي رسول الله ﷺ والقمل يتهافت على وجهي، وأنا أوقد تحت قدر لي، فقال: أتؤذيك هوام رأسك فقلتُ: نعم فأنزل الله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٧)، فقلتُ: ما الصيام يا رسول الله؟ فقال:

стр. 1458

﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (١)» (٢) إلى آخره كما هو المذكور في الكتاب، ولو لم يكن النص عن رسول الله ﷺ بتقدير الصوم بثلاثة أيام لكنا نقدره بستة أيام؛ لأنه لما لم نقدر الطعام بطعام ستة مساكين، وصوم يوم بمنزلة/ طعام مسكين فينبغي أن يلزمه صوم ستة أيام، ولكن ثبت ببيان رسول الله ﷺ أن الصوم ثلاثة أيام، فسقط اعتبار، وكل قياس بمقابلته، وكذلك الجواب في كل ما اضطر إليه مما لو فعل غير مضطر لزمه الدم. (فإذا فعله المضطر فعليه أي الكفارات الثلاث شاء؛ لأنه في معنى المنصوص عليه من كل وجه، فيكون ملحقًا به) كذا في «المبسوط» (٣). (وكذلك الصدقة عندنا). أي: خلافًا للشافعي (٤) ﵀، وقال الشافعي (٥) ﵀: "لا يجزيه الطعام إلا في الحرم"؛ لأن المقصود به رفق [فقراء] (٦) الحرم، ووصول المنفعة إليهم، ولكن نقول التصدق قربة في أي موضع كان هو بمنزلة الصيام لما بيّنا. وهو قوله: (لأنه عبادة في كل مكان) … (وأما النسك يختص بالحرم). يقال: نسك لله نسكًا، ومنسكًا إذا ذبح لوجهه. (ويقال: من فعل كذا فعليه نسك)، أي: دم يهريقه [بمكة] (٧)، ثُمَّ قالوا: لكل عبادة نسك، ومنه ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ (٨)، كذا في «المغرب» (٩). ثُمَّ المراد هنا به الهدي الذي يذبحه في الحرم بطريق الجزاء عما باشره من محظورات الإحرام كالتطيب، والحلق في حالة العذر، وذلك مخصوص بالحرم بالاتفاق؛ لأن إراقة الدم لا يكون قربة إلا في وقت مخصوص كالتضحية، وهدي المتعة، والقران في أيام النحر، أو مكان مخصوص، وهو الحرم كما في دماء الكفارات، وهذا الدم غير مؤقت بالزمان، فيكون مختصًا بالمكان، وهو الحرم؛ ليتحقق في معنى القربة فيه، فيكون كفارة لفعله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١٠)، ولأن الله تعالى قال في جزاء الصيد: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (١١)، وذلك وجب بطريق الكفارة، فصار أصلًا في كل هدي وجب بطريق الكفارة في اختصاصه بالحرم، ثُمَّ ليس المراد من الاختصاص بالحرم عين إراقة الدم؛ لأن فيها تلويث الحرم إنما المقصود التصدق باللحم بعد الذبح، فعليه أن يتصدق بلحمه فكذلك كل دم وجب عليه بطريق الكفارة في شيء من أمر الحجّ والعمرة، فإنه لا يجزيه ذبحه إلا في الحرم، وعليه التصدق بلحمه بعد الذبح على فقراء الحرم، وإن تصدق على غيرهم من [الفقراء] (١٢) أجزأه عندنا؛ لأن الصدقة على كل فقير قربة.

стр. 1459

فإن سُرق المذبوح لم يكن عليه شيء؛ لأن الذبح قد بلغ محله، ووجوب التصدق كان متعلقًا بالعين، فيسقط بهلاك العين كما إذا هلك مال الزكاة سقطت عنه الزكاة، وإن سرق قبل الذبح فعليه بدله؛ لأنه ما بلغ محله بعد، وهو نظير الأضحية (١) الواجبة إذا سرقت قبل الذبح، فعلى صاحبها مثلها. كذا في «المبسوط» (٢)، والله أعلم بالصواب. فصلٌ جناية الجماعِ لما شرع في بيان الجنايات ذكر كل نوع منها بفصل على حدة، فقدم جناية الجماع، ودواعيه على غيره؛ لأنه هو المهم في الباب إذ به يفسد الحجّ بخلاف سائر الجنايات، وأما تقديم التطيب، واللبس عليه؛ لأن ذلك كالوسيلة للجماع. (وفي «الجامع الصغير» (٣) يقول: إذا مسّ بشهوة فأمنى). وإنما عاد لفظ «الجامع الصغير» (٤) لشرط الإمناء مع المس بشهوة في حق وجوب الدم، وفي «الجامع الصغير» (٥) لقاضي خان، وذكر في الأصل المس ولم يشترط الإمناء. (والصحيح ما ذُكر هنا) أي: في «الجامع الصغير» (٦) حتى يكون جماعًا من وجه، ولكن ذكر في «المبسوط» (٧)، ويجب الدم في الجماع فيما دون الفرج، فأما إذا أنزل فغير مشكل، وكذلك إذا لم ينزل عندنا، وللشافعي (٨) ﵀ قول: إنه لا يلزمه شيء إذا لم ينزل على قياس الصوم، فإنه لا يلزمه شيء إذا لم ينزل [بالتقبيل] (٩) فكذا الحجّ، ولكنا نقول: الجماع فيما دون الفرج من جملة الرفث فكان منهيًا بسبب الإحرام، وبالإقدام عليه يصير مرتكبًا محظور إحرامه فيلزمه الدم، وهكذا ينبغي في الصوم إلا أن الشرع، ورد بالرخصة في التقبيل هناك، ثُمَّ المحرم هناك قضاء الشهوة، ولا يحصل ذلك بالتقبيل بدون الإنزال، وهاهنا المحرم الجماع بدواعيه. (والتقبيل من جملته في جميع ذلك) أي: لمس امرأته بشهوة فأنزل، أو قبّل امرأته بشهوة فأنزل.

стр. 1460

(وهذا ليس بجماع مقصود). أي: المس مع الإنزال. قوله ﵀: (ولنا أن فساد الحجّ يتعلق بالجماع). أي: بعينه، وما تعلق بعين/ الجماع من العقوبة لا يتعلق بالجماع فيما دون الفرج كالحد ثُمَّ أبلغ ما يجب هنا القضاء، فيكون قياس الكفارة في الصوم، ولا يجب هناك بالجماع فيما دون الفرج الكفارة، فكذلك لا يجب هاهنا القضاء كذا في «المبسوط» (١). (فسد حجه، وعليه شاة) (٢). وكذا هذان الحكمان في المرأة، وعليهما الحجّ من قابل فلا يحب عليهما العمرة؛ لأنه لا يفوت عنهما الحجّ ألا ترى أنه لم يسقط أفعال الحجّ بخلاف المحصر إذا حل من إحرامه بذبح الهدي فعليه قضاء الحجّ والعمرة كذا في «المبسوط» (٣)، و «شرح الطحاوي» (٤)، وذكر الإمام التمرتاشي-﵀ جامعها، وهما محرمان بالحجّ قبل الوقوف بعرفة عامداً أو ناسياً، وهي نائمة، أو مكرهة فسد حجه، أو مضيا فيه؛ لأن الإحرام لا يمكن فسخه. (والحجّة عليه إطلاق ما روينا). وهو قوله ﵇: «يُرِيقَانِ دَمًا» (٥)، وذكر الدم مطلقًا يتناول الشاة؛ لأنه متيقن (٦)، ولا يقال: إن المطلق ينصرف إلى الكامل، وهو الجزور لأنّا نقول: إنه ينصرف إلى الكامل في الماهية مع حصول التيقن به، وهو الشاة.

стр. 1461

(ولا يجب إلا لاستدراك المصلحة)، أي: فلا يجب القضاء هاهنا إلا لتدارك فساد حجه الذي كان شرع فيه. (وهو مصلحة) (١)، أي: إصلاح أمره وشأنه فلما ناب القضاء من قابل مناب حجه الذي شرع فيه صار كأنه لم يفسد حجه، فعلى هذا كان ينبغي أن لا يجب عليه شيء من الدم لكن وجب هذا الدم لتعجيل هذا الإحلال والشاة تكفيه كما في المحصر؛ لأن جزاء فعله هاهنا وجوب القضاء عليه؛ لأنه أهم ما يجب في الحجّ، فلا يجب مع القضاء كفارة أخرى بخلاف ما إذا جامع بعد الوقوف بعرفة، فإن ذلك الدم وجب جزاء لفعله؛ لأنه لم يجب القضاء عندنا، فيجب أن يكون ذلك الجزاء أزيد من الدم الذي وجب معه شيء آخر لغلطه لجناية عند قيام الإحرام، وعدم قيامه حجة أخرى مقام هذه الحجّة إلى هذا أشار في «المبسوط» (٢). (وعن أبي حنيفة ﵀ أن في غير القُبل منهما). أي: من السبيلين، وقيل: أي (٣): من المرأة والرجل. (لتقاصر معنى الوطء). ولهذا لم يجب الحد عنده، ولا يجب المهر بالإجماع، وفي رواية يفسد؛ لأنه كامل من حيث أنه ارتفاق، وعندهما يفسد؛ لأنه يوجب الحد، وإتيان البهيمة؛ لأنه ليس بوطئ مقصود، وعليه دم إن أنزل؛ لأنه سببه الجماع كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀. (وليس عليه أن يفارق امرأته في قضاء ما أفسداه، عندنا، خلافًا لمالك (٤) ﵀). والأصل فيه: أن الصحابة ﵃ قالوا: إذا رجع للقضاء يفترقان، معناه: يأخذ كل واحد منهما في طريق غير طريق صاحبه، ومالك أخذ بظاهر هذا اللفظ فقال: كما خرجا من بيتهما فعليهما أن يفترقا، ولكن هذا بعيد من الفقه، فإن له أن يواقعها (٥) ما لم يحرما، والافتراق للتحرز عن المواقعة، فلا معنى للأمر بالافتراق في وقت تحل المواقعة بينهما، وزفر يقول: يفترقان من وقت الإحرام؛ لأن الافتراق نسك بقول الصحابة أو أن أداء ما هو نسك بعد الإحرام، وهذا ليس بقوي أيضًا، فإن الافتراق ليس بنسك في الأداء، فلا يكون نسكًا في القضاء؛ لأن القضاء إنما يكون بصفة (٦) الأداء. وقال الشافعي (٧): "إذا قربا من الموضع الذي جامعها فيه يفترقان"؛ لأنهما لا يأمنان إذا [وصلا] (٨) إلى ذلك الموضع أن تتهيج بهما الشهوة فيواقعها فيفترقان للتحرز عن هذا، وهذا ليس بصحيح أيضًا؛ لأنه إنما واقعها في السنة الأولى بسبب النكاح القائم بينهما، فلو وجب الافتراق إنما يجب بسبب النكاح أيضًا، وأحدٌ لا يأمر بهذا، بل إذا بلغا إلى ذلك الموضع، فتأملا فيما لحقهما من المشقة بسبب لذة يسيرة ازداد ندمًا وتحرزًا عن ذلك ثانيًا.

стр. 1462

ولكنا نقول: مراد الصحابة أنهما يفترقان على سبيل الندب إن خافا على أنفسهما الفتنة لا أن يكون ذلك واجبًا عليهما كما يندب الشاب إلى الامتناع عن التقبيل في حالة الصوم إذا كان لا يأمن على نفسه ما سوى ذلك كذا في «المبسوط» (١). (لم يفسد حجه، وعليه بدنة خلافًا للشافعي (٢) ﵀). فإن على قول الشافعي إذا جامع قبل الرمي يفسد حجه؛ لأن إحرامه قبل الرمي مطلقًا ألا ترى أنه لا يحل له شيء مما هو حرام على المحرم، والجماع في الإحرام المطلق مفسد/ للحج كما قبل الوقوف بعرفة بخلاف ما بعد الرمي، وقد جاء أوان التحلل، وحل له الحلق الذي كان حرامًا على المحرم، والحجّة لنا في ذلك حديث ابن عباس ﵄ قال: إذا جامع قبل الوقوف يفسد نسكه، وعليه دم، وإذا جامع بعد الوقوف فحجته تامة، وعليه بدنة، وقال ﷺ : «الْحَجُّ عَرَفَةُ» (٣) فمن وقف بعرفة فقد تم حجه، وبالاتفاق لم يرد التمام من حيث أداء الأفعال فقد بقي عليه بعض الأركان، وإنما أراد به التمام من حيث إن يأمن الفساد [بعده] (٤) لما أن حجه تأكد بالوقوف ألا ترى أنه يأمن الفوت بعد الوقوف، فكما يثبت حكم التأكد في الأمن من الفوات، فكذلك في الأمن من الفساد، فأما قبل الوقوف فحجه غير متأكد ألا ترى أنه يفوته بمضي وقت الوقوف فكذلك يفسد بالجماع، وهذا لأن الجماع محظور كسائر المحظورات، وارتكاب محظورات الحجّ غير مفسد له، فكان ينبغي أن لا يكون الجماع مفسدًا لكن تركنا هذا الأصل فيما إذا حصل الجماع قبل تأكد الإحرام بدليل الإجماع، وما بعد التأكد ليس في معنى ما قبله، فيبقى على أصل القياس يوضحه أن عنده لو جامع قبل الرمي يفسد الحجّ، وإذا جامع بعده لا يفسد، والجماع قبل الرمي لا يكون أكثر تأثيرًا من ترك الرمي، وترك الرمي غير مفسد للحج، فكيف يكون الجماع قبله مفسدًا، كذا في «المبسوط» (٥). وإن جامع ثانيًا فعلى كل واحد شاة؛ لأنه وقع في حرمة إحرام مهتوكة فيكفيه شاة بخلاف الأول كذا ذكره الإمام التمرتاشي، وما أشبهه كالتطيب. (وإذا جامع). أي: في العمرة. (بعدما طاف أربعة أشواط أو أكثر فعليه شاة) (٦). فإن قلتَ: كيف فضل طواف العمرة على طواف الزيارة حيث لم يجب شيء في طواف الزيارة إذا جامع بعدما طاف لها أربعة أشواط، ويجب الدم في طواف العمرة إذا جامع بعدما طاف لها أربعة أشواط مع أن العمرة سنة، والحجّ فريضة، وطواف الزيارة ركن الحجّ.

стр. 1463

قلتُ: لم ينشأ هذا من تفضيل العمرة على الحجّ، بل ينشأ ذلك من معنى فقهي فيه، وهو أن طواف الزيارة إنما (١) يؤتى به بعد الحلق على ما هو المسنون في الترتيب، فلما حلق أو قصّر فقد تحلل إلا أن حكم التحلل، قد تأخر إلى طواف الزيارة في حق النساء لما ذكرنا، وهو أن يكون ركن الحجّ مؤدى في الإحرام، ولما كان كذلك قام أكثر أشواط الطواف في حكم التحلل مقام جميع الطواف، فكما أنه لو أتم الطواف تحلل في حق النساء، فكذلك إذا أتى بأكثر أشواط الطواف تحلل في حقهن، والدليل على أن عدم وجوب الدم هنا باعتبار سبق عمل التحلل بالحلق هو أنه لو لم يكن حلق قبل طواف الزيارة، ثُمَّ جامع بعدما طاف أربعة أشواط للزيارة يجب عليه الدم كما في طواف العمرة لارتكاب محظور الإحرام، فإن التحلل بالطواف لم يحصل إذا لم يحلق، وكذلك في العمرة أن الحلق مؤخر عن طوافها، فلم يقع التحلل بالطواف، فكان الحلق واقعاً في محض الإحرام سواء كان قبل أكثر أشواط الطواف أو بعده إلى هذا أشار في «المبسوط» (٢) في باب الجماع من المناسك. الجماع ناسيا (ومن جامع ناسيًا). أي: ناسيًا لإحرامه (كان كمن جامع متعمدًا) (٣). أي: في حق فساد الإحرام وعدم الفساد لا في حق الإثُمَّ، فإنه لا يأثُمَّ فيه بعذر النسيان. (وقال الشافعي (٤) ﵀: جماع الناسي غير مفسد للحج). "جماع الناسي غير مفسد على قياس الصوم" ولكنّا نقول: هذا الحكم تعلق بعين الجماع، وبسبب النسيان لا ينعدم عين الجماع، وهذا لأنه قد اقترن ما يذكره، وهو هيئة المحرمين فلا يعذر بالنسيان كما في الصلاة أداء إذا أكل أو شرب بخلاف الصوم، فإنه لم يقترن بحاله ما يذكره، فجعل النسيان فيه عذرًا في المنع في إفساد الصوم بخلاف القياس، وإذا كانت نائمة أو مكرهة يفسد حجتها عندنا، ولا يفسد عند الشافعي (٥) بناء على أصله أن الإكراه متى أباح الإقدام أعدم أصل الفعل من المُكَره في الأحكام، والنوم بعدم أصل الفعل من النائم، ولهذا قال: لا يفسد الصوم بهذا الفعل في حالة الإكراه أو النوم فكذلك الإحرام، وعندنا تأثير الإكراه والنوم فكذلك الإحرام، وعندنا تأثير الإكراه/ والنوم في رفع المأثُمَّ (٦) لا في إعدام أصل الفعل ألا ترى أنه يلزمه الاغتسال، وتثبت به حرمة المصاهرة، فكذلك يتعلق به فساد النسك، ويستوي إن كان الزوج محرمًا، أو حلالًا، أو صغيرًا عاقلًا، أو مجنونًا، أو تكون المرأة مجنونة أو صغيرة؛ لأن فساد النُسك يتعلق بعين الجماع، وذلك لا ينعدم بالجنون (٧)، والصغر إذا كان يجامع مثله، وإنما قلنا: إنه يتعلق بعين الجماع؛ لأن المنهي عنه في الإحرام الرفث، والرفث اسم الجماع كذا في «المبسوط» (٨).

стр. 1464

هو يقول: (الحظر ينعدم). أي: الحرمة تنعدم، فلا يقع الفعل جناية فلذلك لا يفسد به الإحرام. فصل الجناية التي تتحقق في حق الطواف شرع في هذا الفصل في بيان جنس جناية أخرى، وهي الجناية التي تتحقق في حق الطواف، وإنما قدم ما ذكر قبل هذا؛ لأن ذلك في ذكر حياته يتحقق في حق الإحرام، وهو شرط، وهذا في حق بيان جناية يتحقق في حق الطواف، وهو ركن (١)؛ لأن الأصل في الأطوفة الثلاثة طواف الزيارة، والشرط مقدم على الركن وجودًا، فكان ما يتعلق بالمقدم مقدمًا أيضًا. (ومن طافَ طواف القدوم محدثاً فعليه صدقة) (٢). وذكر في مبسوط شيخ الإسلام أنه ليس لطواف التحية محدثًا أوجنبًا شيء؛ لأنه لو تركه أصلًا لم يكن عليه شيء، فكذا إذا تركه من وجه، وذكر في «فتاوى قاضي خان» (٣) وإن طاف بالبيت تطوعًا على غير طهارة عن محمد ﵀ أنه يلزمه الصدقة، وقال بعض مشايخ العراق (٤): أنه يلزمه الدم، وقال الشافعي (٥): لا يعتد به. (وعندنا يعتد به)، أي: يعتبر حتى لو كان هذا في طواف الزيارة خرج (٦) به عن إحرامه، وحل له النساء، وكذا لو أتى به أكثر الطواف يتحلل حتى لو جامع بعد ذلك لا يلزمه شيء، كذا في «المبسوط» (٧)، و «فتاوى قاضي خان» (٨). (الطواف صلاة إلا أن الله تعالى أباح فيه المنطق). أي: صلاة حكماً؛ لأنه بعث لتعليم الأحكام دون الأسامي، ولأنه استثنى حكماً فعلم أن المستثنى منه حكم أيضًا، ولأن رسول الله ﷺ اشتغل بالاستثناء لإباحة الكلام إلى ذلك على تعميم الحظر. قلنا: أما قوله: (الطواف صلاة)، فمعناه في حكم الصلاة أيضًا (٩)، والمقتضي لا عموم له عندنا، وإنما يقتضي حكمًا، وأنه ثابت فإن الجواز يتعلق بالبيت كما في الصلاة، وكذلك الإباحة بالطهارة، وأما الاستثناء قلنا: ذلك عندنا كلام مبتدأ، وهو استثناء مقطوع كأنه قال: ولكن أبيح فيه الكلام إزالة لإشكال الحرمة ألا ترى أنه أبيح فيه المشي، والانحراف عن البيت بخلاف الصلاة، كذا في «الأسرار» (١٠)، ولنا قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ﴾ (١١)،

стр. 1465

فوجه التمسك به أن الطواف اسم الدوران حول البيت، وذلك يتحقق من المحدث، والطاهر فاشتراط الطهارة فيه (١) يكون زيادة على النص، ومثل هذه الزيادة لا تثبت بخبر الواحد ولا بالقياس، ولكن الوجوب يثبت بخبر الواحد؛ لأنه يوجب العمل، ولا يوجب علم اليقين، فلم تصير الطهارة ركنًا، ولكنها واجبة، وهو الصحيح من المذهب. وكان ابن شجاع يقول: "إنه سنة"، وإيجاب الدم عند تركه دليل على وجوبه، ثُمَّ المراد من الحديث تشبيه الطواف بالصلاة في حق الثواب دون الحكم ألا ترى أن الطواف يتأدّى بالمشي، والمشي مفسد للصلاة، ولأن الطواف من حيث أنه ركن الحجّ لا يستدعي الطهارة كسائر الأركان، ومن حيث أنه متعلق بالبيت يستدعي الطهارة كالصلاة، وما يتردد بين أصلين يوفر حظه عليهما فلشبهه بالصلاة تكون الطهارة واجبة فيه، ولكونه ركنًا من أركان الحجّ يُعتد به إذا حصل من غير طهارة كذا في «المبسوط» (٢). (فيجبر بالصدقة إظهارًا لدنو رتبته عن الواجب). فإن قلتَ: ينبغي ألّا يختلف الجائز بين الفرض، والنفل لما أن نقائص الحجّ تجبر بالدماء كنقائص الصلاة يجبر بسجدتي السهو، ثُمَّ أن سجدتي السهو كما تجب لنقائص الصلاة المفروضة كذلك يجب لنقائص صلاة التطوع، فلم يختلف الجائز فيها بين فرض ونفل، فيجب أن يكون هنا كذلك؛ لأنه قيس هذا بذاك في مواضع. قلتُ: نعم كذلك إلا أن الجائز في حق الصلاة شيء واحد متعين فلا تعد، ووجوب الجبر منه إلى آخر لما أنه ليس له جابرٌ آخر شرعاً، وأما هاهنا فالجابر شُرِعَ مختلفاً في نفسه من البدنة، والشاة، والصدقة فأمكن فيه إظهار التفاوت، فلذلك وجب متفاوتاً على ما هو مقتضى القياس/ وكان أفحش من الأول، وهو طواف القدوم، ولأن الجنابة أغلظ من الحدث ألا ترى أن المحدث لا يمنع من قراءة القرآن، والجنب يمنع من ذلك، ولأن المنع مع الجنابة من وجهين من حيث الطواف، ومن حيث دخول المسجد، ومنع المحدث من [وجه] (٣) واحد فلتفاحش النقصان هنا قلنا يلزمه الجبر بالبدنة. (لأن أكثر الشيء له حكم كله). أي: تركًا، وتحصيلًا فإن قلتَ: من أين وقعت المفارقة بين هذا وبين سائر الفرائض من الصلاة والصوم حيث لا يقام هناك أكثر ركعات الصلاة مقام كله، وأكثر الصوم مقام كله، وهنا تقام، والقياس يقتضي ألّا يقام الأكثر هنا أيضًا مقام الكل كما هو مذهب الشافعي (٤) لما أن الطواف سبعة أشواط ثابت بالأحاديث المتواترة يثبت بها الزيادة على كتاب الله تعالى، والفرضية.

стр. 1466

قلتُ: إن المنصوص عليه في القرآن الطواف بالبيت، وهو عبارة عن الدوران حوله، ولا يقتضي ظاهره التكرار إلا أنه ثبت عن رسول الله ﵇ قولًا، وفعلًا تقديرًا كمال الطواف سبعة أشواط، فيحتمل أن يكون ذلك للإتمام، ويحتمل أن يكون للاعتداد به فيثبت منه القدر المتيقن، وهو أن يجعل ذلك شرط الإتمام، وإن كان شرط الاعتداد يقام الأكثر فيه مقام الكمال؛ ليترجح جانب الوجود على جانب العدم إذا أتى بالأكثر منه، ومثله صحيح في الشرع كمن أدرك الإمام في الركوع يجعل اقتداؤه في أكثر الركعة كالاقتداء في جميع الركعة في الاعتداد به، والمتطوع بالصوم إذا نوى قبل الزوال يجعل وجود النية في أكثر اليوم كوجودها في جميع اليوم، وكذلك في صوم رمضان عندنا، كذا في «المبسوط» (١). وذكر الإمام الإسبيجابي ﵀: "وإنما كان كذلك؛ لأن الشرع أقام الأكثر في الحجّ مقام الكل في وقوع الأمن عن الفوات احتياطًا وصيانة وتحقيقًا. بيانه أن النبي ﵇ قال: «من وقف بعرفة فقد تم حجه» (٢). وقد قلنا: أن من جامع بعد الوقوف لا يفسد، وبعد الرمي لا يفسد بالإجماع، ولو حلق أكثر الرأس صار متحللًا، فلما كان الأمر على هذا الوجه للتيسير جرينا على هذا الأصل فأقمنا الأكثر مقام الكل في باب التحلل، وما يجري مجراه صيانة لهذه العبادة عن الفوات، وتحقيقًا للأمن، يعني: أن الطواف أحد سببي التحلل، فلما أقيم الأكثر مقام الكل في أحد السببين، وهو الحلق بالإجماع أقيم في السبب الآخر، وهو الطواف أيضًا. قوله: (والأفضل أن يعيد الطواف مادام بمكة) (٣). (والأفضل أن يعيد الطواف مادام بمكة) لتحصيل الجبران بما هو من جنسه. كذا في «المبسوط» (٤). (وفي بعض النسخ)، أي: نسخ «المبسوط» (٥). (وعليه أن يعيد). أي: طواف الزيارة. (وإن أعاده بعد أيام النحر). وأن هذه الوصل، وذكر في الأوضح أن هذه المسألة دليل على أن العبرة في فصل الحديث للطواف الأول إذ لو كان للثاني للزم الدم جبراً للتأخير عند أبي حنيفة، وحيث لم يجب دلنا على أن المعتبر هو الأول لكن الثاني شرع جابراً لنقصان تمكّن في الأول، ولو طاف جنبًا، ثُمَّ أعاد سقط عنه البدنة، ثُمَّ اختلف مشايخنا في أن المعتبر طواف الثاني أم الأول. فكان أبو الحسن الكرخي (٦) يقول: المعتبر هو الأول، والثاني جبراً للأول، وكان يستدل على هذا بما قال في الكتاب أنه لو طاف لعمرة جنبًا في رمضان، ثُمَّ أعاد طوافه في أشهر الحجّ، وحج من عامه ذلك لا يكون متمتعًا، ولو كان المعتبر هو الطواف الثاني لكان متمتعًا، وذلك لأن المعتد به هو ما يتحلل به من الإحرام، والتحلل حصل بالطواف الأول فكان هو المعتد به، والثاني جبر النقصان المتمكن فيه كالبدنة، وكما لو كان محدثًا في الطواف الأول كان هو المعتد به، والأصح أن المعتد به هو الثاني، وأن الأول ينفسح بالثاني.

стр. 1467

ألا ترى أنه قال في الكتاب: لو طاف للزيارة جنباً في أيام النحر، ثُمَّ أعاد طوافه بعد مضي أيام التشريق، فعليه دم عند أبي حنيفة لتأخير طواف الزيارة عن وقته، ولو كان المعتد به هو الأول لم يلزمه دم التأخير؛ لأن الأول مؤدًى في وقته، وأما مسألة التمتع فلأنه بما أدى من الطواف في رمضان وقع له الأمن عن فساد العمرة، وإذ أمن فسادها قبل دخول وقت الحجّ لا يكون بها متمتعًا لما أن/ الأول كان حكمه يراعى لتفاحش النقصان فيه، فإن إعادة الفسخ الأول، وصار المعتد به الثاني، وإن لم يعد كان هو معتداً به في التحلل كمن قام في صلاته، ولم يقرأ حتى ركع كان قيامه، وركوعه مراعى على سبيل التوقف، فإن عاد فقرأ، ثُمَّ ركع قرأ انفسخ الأول بالثاني حتى أن من أدرك معه الركوع الثاني كان مدركًا للركعة، وإن لم يعد، وقرأ في الركعتين الأخريين كان الأول معتداً به، وهذا بخلاف المحدث؛ لأن النقصان هنا (١) يسير، فلا يتوقف به حكم الطواف الأول، بل بقي معتدًا به على الإطلاق، فكان الثاني جابرًا للنقصان المتمكن فيه كذا في «المبسوط» (٢). وبالثاني قال أبو بكر الرازي: ورجح في «الإيضاح» قول أبي الحسن الكرخي (٣) على قول أبي بكر الرازي، وهو أن يكون الثاني جابرًا، فقال: وهو أقرب إلى الفقه؛ لأن فيه تقدير ما حكم بالاعتداد به، وهذا أولى من الفسخ، والله أعلم. لأن بعد الإعادة لا تبقى إلا شبهة النقصان، وهي نقصان الطواف بالحدث كما ذكرنا من «المبسوط» (٤)، وليست شبهة النقصان تأخير الطواف عن أيام النحر؛ لأنه لو كان كذلك لوجب عليه شيء من الدم أو الصدقة على قول أبي حنيفة ولم يجب، عُلم أن شبهة النقصان كانت بسبب الحدث، وقد ارتفعت تلك الشبهة بالإعادة، فلا يجب شيء. (وإن أعاده بعد أيام النحر لزمه الدم عند أبي حنيفة). أي: الشاة، فإن البدنة تسقط بالإعادة بالاتفاق على ما عُرف من مذهبه فإن من مذهب أبي حنيفة ﵀ أي (٥): من أخر نسكًا عن نسك، أو قدم نسكاً على نسك يجب عليه الدم حتى أن من حلق قبل الرمي أو ذبح القارن قبل الرمي أو حلق قبل الذبح يلزمه الدم عند أبي حنيفة، وعندهما لا يلزمه الدم بالتقديم، والتأخير، كذا في «المبسوط» (٦). لأن النقص كثير، فصار بمنزلة عدم الطواف.

стр. 1468

ويعود بإحرام جديد، فإن قلتَ: لما كان الطواف الأول بمنزلة العدم بسبب فحش الجناية، وهو الجنابة كان هو في إحرامه (١) أبدًا، فإنه قال بعد هذا: ولو لم يطف طواف الزيارة حتى رجع إلى أهله فعليه أن يعود بذلك الإحرام، وهو محرم من النساء أبدًا حتى يطوف صرح بتأييد الإحرام عند عدم الطواف، فكيف يحتاج إلى إحرام جديد هاهنا مع أن ذلك الطواف بمنزلة العدم على ما ذكر؟ قلتُ: لأن التحلل قد وقع له من وجه؛ لأن أصل الطواف قد وجد، وقد ذكرنا أنه بذلك الطواف صار حلالًا في حق النساء، فبالنظر إلى وقوع التحلل من وجه ينبغي أن يحرم إذا عاد إلى مكة؛ لأنه لا يحل لأحد أن يدخل مكة من غير إحرام إذا كان من أهل الآفاق، والكلام فيه، فلذلك يعود بإحرام جديد كذا في «مبسوط فخر الإسلام» (٢) ﵀ إلا أن الأفضل هو العود، فيكون الجابر من جنس المجبور، وهو الطواف. (ومن طاف طواف الصدر محدثاً فعليه صدقة) (٣). (فأشبه النقصان بسبب الحدث). وفي رواية أبي حفص ﵀ سوى بين الحدث. (والجناية في ذلك) أي: في وجوب الصدقة، أي: تجب الصدقة في طواف الصدر سواء كان جنبًا أو محدثًا؛ لأن طواف الجنب معتد به ألا ترى أن التحلل من الإحرام يحصل به في طواف الزيارة فلا يجب بسبب هذا النقصان ما يجب بتركه أصلاً، كذا في «المبسوط» (٤). (لأن النقصان يترك الأقل يسير). لرجحان جانب الوجود، ويبعث بشاة. وفي «المبسوط» (٥)، وإن كان طاف أربعة أشواط أجزأه أن لا يعود، ولكن يبعث بشاتين إحديهما لما بقي عليه من أشواط الطواف، فالدم الآخر لطواف الصدر، وإن اختار العود إلى مكة يلزمه إحرام جديد؛ لأن التحلل قد حصل له من الإحرام الأول، فإذا عاد بإحرام جديد، وأعاد ما بقي من طواف الزيارة، وطاف للصدر أجزأه، وكان عليه لتأخير كل شوط من أشواط طواف الزيارة صدقة؛ لأن تأخير الكل كما كان يوجب الدم عنده، فتأخير (٦) الأقل لا يوجب الدم، ولكن يوجب الصدقة، فإن طاف الأول من طواف الزيارة، وطاف للصدر في آخر أيام التشريق يكمل طواف الزيارة من طواف الصدر؛ لأن استحقاق طواف الزيارة عليه أقوى/ فما أتى به مصرفه (٧) إلى إكماله، وإن نواه عن غيره لما بينا، وهو قوله: (لأنه خف معنى النقصان)، وفيه نفع الفقراء.

стр. 1469

(ومن ترك أربعة أشواط). أي: من طواف الزيارة، ترك أقل أو أكثر الطواف (ومن ترك ثلاثة أشواط من طواف الصدر، فعليه الصدقة). (إظهارًا للتفاوت بين ترك الأقل من طواف الصدر وبين ترك الأقل من طواف الزيارة، فإن في ترك الأقل من طواف الزيارة تجب (١) شاة فيجب في ترك الأقل من طواف الصدر صدقة، ثُمَّ معنى الصدقة هنا هو أن يكون لكل شوط منه نصف صاع من حنطة، وإنما قلنا بالصدقة؛ لأن الدم يقوم مقام جميع طواف الصدر، فلا يجب في ترك أقله ما يجب في ترك كله) كذا في «المبسوط» (٢). (لأنه واجب) أي: لأن طواف الصدر، وفي الوجه الثاني، وهو ما إذا طاف طواف الزيارة جنبًا. (لأنه مستحق الإعادة أي: لأن طواف الزيارة الذي طاف جنبًا واجب الإعادة لفحش الجناية، فيقع عما هو المستحق، وإن نواه عن غيره، وفي إقامة هذا الطواف مقام طواف الزيارة فائدة، وهي إسقاط البدنة عنه، ثُمَّ اعلم أن هاهنا أصلًا، وهو أن كل من وجب عليه طواف، وأتى به في وقته وقع عنه سواء نواه أو لم ينوه أو نوى به طوافًا آخر، مثاله أن المحرم بالعمرة أو الحجّة إذا قدم مكة فطاف، ولم ينو شيئًا أو نوى التطوع، فإن كان معتمرًا وقع عن العمرة، وإن كان حاجًا وقع عنه طواف القدوم، وإن كان قارنًا كان الطواف الأول للعمرة ثُمَّ الحجّ (٣)، سواء نوى التطوع أو طوافاً آخر، وإنما كان كذلك؛ لأن عقد الإحرام انعقد لأدائه، فإذا أتى به وقع عما هو مستحق عليه، ولم تتغير نيته (٤) كما إذا سجد ينوي به تطوعاً لم يعتبر نيته، ووقعت السجدة عما هو مستحق عليه كذلك هاهنا، وكذلك في طواف الزيارة إذا نفر في النفر الأول، ثُمَّ طاف ينوي تطوعًا أو لا ينوي شيئاً فهو للزيارة، وإن طاف بعد ذلك تطوعًا فهو للصدر لما بيّنا كذا في «الإيضاح» (٥)، و «المبسوط» (٦). (وبتأخير الآخر على الخلاف). وهو طواف الزيارة، ولا يؤمر بالرجوع على ما بيّنا، وهو قوله: (ومن ترك طواف الصدر أو أربعة أشواط فعليه شاة) إلى قوله: (ومادام بمكة يؤمر بالإعادة)، فيعلم منه أن وجوب الشاة فيما إذا رجع إلى أهله، ولا يؤمر بالرجوع إلى مكة لإعادة طواف الصدر، وأما السعي فلأنه تبع للطواف، وهذا لأن إعادة السعي إنما لزمه، وإن كان السعي في الأضداد (٧) لا يفتقر إلى الطهارة؛ لأنه متى طاف ثانيًا صار الطواف الأول كأن لم يكن؛ لأن الأول لو لم يصر كأن لم يكن، يلزم اتصاف الطوافين بالفرضية، أو امتناع فرضية الثاني، وكل واحد منهما منتفٍ أما امتناع فرضية الثاني على هذا التقدير فظاهر؛ لأن الأول لو بقي كما كان، والثاني فرض يلزم اتصافهما بالفرضية، وذلك منتفٍ؛ لأن الفرض في العمرة أحدهما، فإذا صار الطواف كأن لم يكن بقي السعي قبل الطواف، فلا يقع به الاعتداد، ولأن السعي إنما كان قربه تبعاً للطواف، وإذا وجب إعادة الطواف وجب إعادة السعي لمكان (٨) التبعية، ولهذا لم يكن قربه بدون الطواف كذا في «الفوائد الظهيرية» (٩) فإن عاد الطواف، ولم يعد السعي كان عليه دم؛ لأنه لما أعاد الطواف فقد نقض الطواف الأول، فإذا انتقض حصل السعي قبل الطواف، فلا يعتبر.

стр. 1470

هكذا ذكر بوجوب الدم عند عدم إعادة السعي في كثير من شروح «الجامع الصغير» (١) من جامع الصغير لقاضي خان، والتمرتاشي، والحسامي (٢)، و «الفوائد الظهيرية» (٣)، وغيرها، ولكن ذكر الإمام الزاهد المحقق شمس الأئمة السرخسي، والإمام المحبوبي -رحمهما الله-: وإن أعاد الطواف، ولم يعد السعي فلا شيء عليه؛ لأن الطهارة ليست بشرط في السعي، وإنما كانت شرطاً للطواف (٤) لاختصاصه بالبيت، واعتباره بالصلاة من وجه لما جاء في الحديث، وهذا المعنى لا يوجد في السعي، وإنما الشرط في السعي أن يأتي على أثر طواف معتد به، وطواف المحدث بهذه الصفة. ألا ترى أنه يتحلل به فوقع اختيار المصنف (٥) على ما اختاره شمس الأئمة السرخسي/ ﵀ حيث قال: (وكذا إذا أعاد الطواف، ولم يعد السعي في الصحيح)، أي: لا شيء عليه، وقال: وليس عليه في السعي شيء معطوف على قوله: (فعليه دم لترك الطهارة في الطواف)، وهذا الجواب لسؤال مقدر، وهو أن يقال: لمّا قام الدم مقام الطواف عند الرجوع إلى أصله (٦) صار كأنه أعاد الطواف، فإذا أعاد الطواف كان يجب عليه إعادة السعي، فلمّا لم يعد السعي وجب الدم كما إذا أعاد الطواف ولم يعد السعي على تلك الروايات التي ذُكرت في كثير من شروح «الجامع الصغير» (٧)، فأجاب عن هذا السؤال في «الفوائد الظهيرية» (٨)، وقال: إذا أعاد الطواف، ولم يعد السعي إنما يلزمه الدم؛ لأن بالإعادة يرتفع المؤدى فيبقى السعي قبل الطواف، فلا يقع الاعتداد فيلزمه الدم لتركه بخلاف ما إذا لم يعد الطواف، وأراق الدم؛ لأن بإراقة الدم لا يرتفع المؤدى، ومن أفاض قبل إذن الإمام من عرفات فعليه دم فكان من حق الرواية أن يقال: ومن أفاض قبل غروب الشمس فعليه دم، لما أن المحظور عليه الإفاضة قبل غروب الشمس ألا ترى أنه تعرض في جانب التعليل إلى هذا فقال: ولنا أن الاستدامة إلى غروب الشمس واجبة.

стр. 1471

وذكر في «المبسوط» (١): (وإن لم يستدم الوقوف إلى وقت غروب الشمس لم يجب عليه الدم إذا أفاض قبل غروب الشمس؛ لأن نفس الغروب ركن واستدامته إلى غروب الشمس واجبة لما فيها من إظهار مخالفة المشركين فعله رسول الله ﷺ ، وأمر به، وترك الواجب يوجب الجبر بالدم؛ لأن استدامة الوقوف على من وقف نهارًا لا ليلًا؛ لأن ظاهر قوله ﷺ : «من وقف بعرفة بليلٍ أو نهارٍ فقد أدرك الحجّ» (٢) يقتضي أن لا يكون الامتداد شرطًا لا في الليل، ولا في النهار غير أنّا تركنا ظاهر هذا الحديث في حق النهار بقوله ﷺ : «فادفعوا بعد غروب الشمس» (٣) وقوله ﷺ : «اثبتوا على مشاعركم حتى تغرب الشمس» (٤)، والمعنى مخالفة المشركين فيه على ما ذكرنا، فبقي الباقي على ظاهره فلا يكون الامتداد شرطًا في الليل، فإن عاد إلى عرفة بعد غروب الشمس لا يسقط عنه الدم. وروى ابن شجاع عن أبي حنيفة أنه يسقط عنه الدم، وقال: لأنه استدرك ما فاته، وأتى بما عليه؛ لأن الواجب عليه الإفاضة بعد غروب الشمس، و [قد] (٥) أتي بها فيسقط عنه الدم كمن جاوز الميقات حلالًا، ثُمَّ عاد إلى الميقات فأحرم.

стр. 1472

الجناية بترك الواجب في باقي أفعال الحج والوقوف بعرفة قوله (١): (لا يسقط عنه الدم في ظاهر الرواية). لأن الواجب على من وصل إلى عرفات بعد الزوال استدامة الوقوف إلى غروب الشمس، ولم يتدارك ذلك بالانصراف بعد غروب الشمس فلا يسقط عنه الدم. قوله: (وإن عاد قبل غروب الشمس حتى أفاض مع الإمام) ذكر الكرخي ﵀ في «مختصره» (٢): (أن الدم يسقط عنه)؛ لأن الواجب عليه الإفاضة مع الإمام بعد غروب الشمس فقد تدارك ذلك في وقته، ومن أصحابنا من يقول: لا يسقط عنه الدم هاهنا أيضًا؛ لأن استدامة الوقوف قد انقطعت بذهابه، وبرجوعه لا يصير وقوفه مستدامًا، بل ما فات عنه لا يمكن تداركه فلا يسقط عنه الدم، كذا في «المبسوط» (٣). وذكر الإمام الإسبيجابي؛ لأن الدم وجب لفوت الامتداد إلى غروب الشمس، وبالعود لا يقع التدارك بخلاف ما لو طاف جنباً، ثُمَّ أعاده؛ لأن التدارك قد حصل فبطل عنه الدم، ومن ترك الوقوف بمزدلفة فعليه دم؛ لأنه من الواجبات ذكر هذا، وذكر السعي بين الصفا والمروة بأنهما واجبان قد مر، وإنما أعاد هاهنا؛ لأن هذا الفصل فصلٌ ذكر فيه جنس ما ترك من الواجبات من أفعال المناسك، وهما من تلك الأجناس فذُكر لذلك، ومن ترك رمي الجمار في الأيام كلها، وهي أربعة أيام فإن ابتدأ يوم النحر، وهو اليوم العاشر من ذي الحجّة إلى ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث، وهو اليوم الثاني عشر النفر الأول، وإن مكث إلى اليوم الرابع رمى فيه، وفيه النفر الثاني، وقد ذكرناه، ويكفيه دم واحد خلافًا لقول بعض المشايخ: فإن عندهم يجب لكل يوم دم واحد. قوله ﵀: (لأن الجنس متحد كما في الحلق). فإنه لو حلق شعر البدن كله يلزمه دم واحد، وإن كان لزمه دم لو اقتصر على البعض كذا في «مبسوط// ي شيخ الإسلام» (٤)، (والترك إنما يتحقق بغروب الشمس من آخر أيام الرمي). وهو اليوم الرابع من أول يوم النحر، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجّة، وإنما لا يبقى وقت الرمي بغروب الشمس في آخر أيام الرمي، ولا يبقى في تلك الليلة التي غربت الشمس بخلاف الليالي التي قبلها حيث يبقى وقت الرمي الذي في النهار كما في رمي جمرة العقبة؛ لأن الليلة الأخيرة ليست بوقت الرمي وليست بتابعة للتي (٥) قبلها، وإنما جُعلت تبعًا إذا تعقبها الرمي حتى تصير متخللة.

стр. 1473

ولم يوجد بخلاف رمي جمرة العقبة إذا أخره حتى غربت الشمس في أول يوم النحر، فإنه يرميها في الليل، ولا شيء عليه لم يعرف قربة إلا فيها، فإن معنى القربة في الرمي غير معقول، وإنما عرفناه [قربة] (١) بفعل رسول الله ﷺ ، وهو إنما رمى في هذه الأيام فلا يكون الرمي قربة بعد مضي وقتها كما لا يكون إراقة الدم قربة بعد مضي أيام النحر، فإذا لم يكن قربة كان عبثًا فلا يشتغل به، ومادامت الأيام باقية، وهي أربعة أيام آخرها آخر أيام التشريق، فالإعادة ممكنة لبقاء وقت الرمي، فكان هذا نظير تكبيرات التشريق، فإن من ترك شيئًا من الصلاة في هذه الأيام يقضيها بالتكبيرات إلى آخر أيام التشريق، ونظيره الأضحية أيضًا. (على التأليف). أي: على الترتيب الذي شُرع. (وإن ترك رمي يوم [واحد] (٢) فعليه دم) (٣). فإن قيل: هذا بظاهره يتناول كل يوم من الأيام الأربعة، ثُمَّ هو مخير في اليوم الثالث بين النفر وبين الإقامة في منى، وهذا آية كونه تطوعاً، فكيف يجب الدم بتركه؟ قلنا: التخيير قبل طلوع الفجر من اليوم الرابع من أيام الرمي، فأما إذا طلع الفجر، فقد وجب عليه الإقامة، ويجب بتركه الدم، وهذا كالتطوع إذا تركه بعد الشروع يجب القضاء، ولا يجب قبل الشروع شيء بتركه. الجناية بترك رمي إحدى الجمار الثلاث (ومن ترك رمي إحدى الجمار الثلاث فعليه الصدقة) (٤). حتى أنه لو ترك رمي جمرة العقبة في اليوم الثاني يجب عليه (٥) الصدقة؛ لأن ذلك ثلث الرمي الذي يوجد في ذلك اليوم، ولو تركه في اليوم الأول يجب الدم؛ لأنه كمال الرمي في اليوم الأول فكان مضموناً بالدم، ثُمَّ اعلم أن وجوب الدم، والصدقة بالترك إنما يستقيم أجزاؤه على الإطلاق من غير خلاف أن لو لم يقض في أيام الرمي أما لو قضى رمي اليوم الأول في اليوم الثاني، أو في اليوم الثالث، أو قضى رمي اليوم الثاني في اليوم الثالث، فالوجوب على قول أبي حنيفة ﵀، وأما قولهما: فلا دم ولا صدقة؛ لأن تأخير النسك وتقديمه غير موجب عندهما شيئاً فكان المتروك أقل؛ لأن المتروك كان سبع حصيات والمؤتى به أربع عشرة حصاة إلا أن يكون المتروك أكثر من النصف بأن يرمي عشر حصيات (٦)، ويترك إحدى عشرة حصاة؛ وذلك لأن وظيفة الرمي في كل يوم إحدى وعشرون حصاة، فكان إحدى عشرة أكثرها، ثُمَّ أنّا قد ذكرنا اختلاف العلماء في ابتداء وقت رمي جمرة العقبة، وكذلك يختلفون في آخر وقته، ففي ظاهر المذهب وقته إلى غروب الشمس، ولكنه لو رمى بالليل لا يلزمه شيء، وعند أبي يوسف ﵀: أن وقته إلى زوال الشمس، وما بعد الزوال يكون قضاء، وللشافعي (٧) فيه قولان: في قول يرمي إلى غروب الشمس فإذا غربت تعين عليه الفدية لفوات الوقت في حق هذا الرمي، وفي قول يمتد وقته إلى آخر أيام التشريق، وحجتنا في ذلك النص قوله ﷺ : «إن أول نسكنا في هذا اليوم إلى آخره» (٨)، وذهاب تمام اليوم بغروب الشمس إلا أن أبا يوسف ﵀ يقيس الرمي في هذا اليوم بالرمي في اليوم الثاني فيقول كما أن وقت الرمي في اليوم الثاني نصف اليوم، وهو ما بعد الزوال فكذا في هذا اليوم وقت الرمي نصف اليوم، وذلك إلى زوال الشمس إلا أنه إذا رمى بالليل لم يلزمه شيء، لأن رسول الله ﷺ رخص للرعاء أن يرموا ليلًا؛ لأن اليوم لمّا كان وقتًا للرمي فالليل يتبعه في ذلك كليلة النحر تجعل تبعًا ليوم عرفة في حكم الوقوف، فإن لم يرمها حتى يصبح من الغد رماها لبقاء وقت جنس الرمي، ولكن عليه دم للتأخير

стр. 1474

في قول أبي حنيفة -رحمهما الله-/ وعندهما (١) لا دم عليه هذا كله من «المبسوط» (٢)، و «مبسوط الإسبيجابي» (٣). (وكذا إن ترك الأكثر منها). أي: من جمرة العقبة. (ومن أخر الحلق حتى مضت أيام النحر فعليه دم عند أبي حنيفة -رحمه الله-) (٤). والحاصل: أن عند أبي حنيفة الحلق للتحلل في الحجّ يتوقت بالزمان، وهو أيام النحر، وبالمكان، وهو الحرم، وعلى قول أبي يوسف ﵀ لا يتوقت لا بالزمان، ولا بالمكان على ما يجيء بعد هذا. قوله ﵀: (لأن التأخر عن المكان يوجب الدم) إلى آخره. وهذا دليل لإثبات مذهب أبي حنيفة ﵀، وهو جواب أيضًا عن قولهما إنه لا يجب مع القضاء شيء آخر، ولنا (٥) القياس كذلك إلا أنا أوجبناه استدلالًا بالتأخير عن الميقات، فإن تأخير الإحرام عن الميقات شرع موجب للدم، وإن قضى المتروك بمثله، والقياس يترك بدلالة النص، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٦). (ومن اعتمر فخرج من الحرمِ، وقصّرَ فعليهِ دم). وكذلك لو حلق. (وقيل: هو بالاتفاق)، أي: وجوب الدم على الحاج إذا حلق في غير الحرم؛ لأن السنة جرت في الحجّ. (فالحاصل: أن الحلق يتوقت). أي: في الحجّ؛ لأن الحلق في العمرة غير موقت بالزمان، وبالإجماع على ما يأتي. (بالزمان والمكان عند أبي حنيفة ﵀. الزمان هو يوم النحر، والمكان الحرم حتى لو أخر عنهما يجب الدم عنده، وقال: لأن ما كان للتحلل في الحجّ يتوقت بالزمان، والمكان جميعًا كالطواف الذي يتم به التحلل لا يكون إلا في المسجد، فيتوقت بأيام النحر فكما أنه لو أخر الطواف عن وقته يلزمه الدم عنده، فكذلك إذا أخر الحلق عن وقته فعلى هذا كان ينبغي أن لا يُعتدّ بحلقه خارج الحرم كما في الطواف لكنا جعلنّاه معتدًّا به؛ لأن محل فعله الرأس دون الحرم، ولكن جاز لتأخيره عن مكانه، فليلزمه دم كما يلزمه بالتأخير عن وقته لا يتوقت بهما؛ لأن الحلق الذي هو نسك في أوانه بمنزلة الحلق الذي هو جناية قبل أوانه فكما أن ذلك لا يختص بزمان ومكان، فكذلك هذا لا يختص بزمان ومكان؛ لأنه لو خصّ بهما لما وقع معتدًّا به في غير ذلك المكان والزمان كالوقوف بعرفة، وقد اعتدّ به، وعند محمد يتوقت بالمكان دون الزمان؛ لأن تعلق المناسك بالمكان أكد من تعلقها بالزمان كالطواف بالبيت، وعند زفر على عكسه؛ لأن التحلل عن الإحرام معتبر بابتداء الإحرام، وابتداء الإحرام مؤقت بالزمان دون المكان حتى يكره له أن يحرم بالحجّ في غير أشهر الحجّ، ولا يكره له أن يحرم بالحجّ في أي مكان شاء قبل أن يصل إلى الميقات، فكذلك التحلل عنه بالحلق يتوقت من حيث الزمان دون المكان، فلذلك إذا أخره عن أيام النحر يلزمه الدم، وإذا خرج من الحرم، ثُمَّ حلق لا يلزمه شيء كذا في «المبسوط» (٧) غير مؤقت بالزمان بالإجماع، وأما في حق المكان، ففيه الاختلاف كالاختلاف في الحلق للحج.

стр. 1475

(لأن أصل العمرة لا يتوقت به). أي: بالزمان فإن الركن في العمرة، وهو الطواف لا يتوقت من حيث الزمان، فكذلك الحلق فيها لا يتوقت بخلاف الحجّ. وقوله: (بخلاف المكان لأنه مؤقت به). أي: على قول أبي حنيفة، ومحمد -رحمهما الله- وذكر في «المبسوط» (١) فإنه لو حلق للعمرة خارج الحرم، فعليه دم عند أبي حنيفة، ومحمد -رحمهما الله- كما في الحجّ، وعند أبي يوسف ﵀ لا شيء عليه. قال: (فإن لم يقصّر). أي: قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» (٢)، وإن لم يقصّر المعتمر، وهو قوله: (معناه إذا خرج المعتمر، ثُمَّ عاد). أي: أتى الحرم [فقصر] (٣)، وإنما وضع المسألة في المعتمر؛ لأن الحاج [إذا] (٤) خرج ثُمَّ عاد إلى الحرم بعد أيام النحر فحلق أو قصر يجب عليه الدم عند أبي حنيفة ﵀ بسبب تأخير الحلق، وبهذه المسألة، وهي مسألة [المعتمر] (٥) يُعلم أن أفعال العمرة غير مؤقتة بالزمان بالإجماع. (وهو الأول). أي دم بالحلق من غير أوانه، فإن قلتَ: ينتقض هذا الذي ذكره بما ذكر قبل هذا الصفحة في مسألة تأخير الحلق، وهو قوله: (وقال: لا شيء عليه في الوجهين) (٦) إلى أن قال: (والحلق قبل الذبح). فقد أثبت هناك أن الحلق قبل الذبح غير موجب عندهما شيئًا، ثُمَّ أوجب هاهنا عندهما فيه/ دمًا فما وجهه؟ قلتُ: وجهه أنهما يوجبان على القارن دمًا، وهو دم القران، وهو بالاتفاق، ولا يوجبان شيئًا بسبب تقديم الحلق، وتأخيره لكن التعليل في «الهداية» هاهنا وقع في غير محله؛ لأنّا لو قلنا: وجوب الدم على القارن سبب تقديم الحلق على الذبح ينبغي أن يجب على القارن ثلاثة دماء في هذه الصورة على قول أبي حنيفة، وعلى قولهم دمان لم يقل به أحد، وهذه المسألة من مسائل «جامع الصغير» (٧). وقال في أصل رواية «الجامع الصغير» (٨) لمحمد ﵀ في قارن حلق قبل أن يذبح قال: عليه دمان (٩) دم القران، ودم آخر؛ لأنه حلق قبل أن يذبح، يعني: على قول أبي حنيفة ﵀ ولفظ «الجامع الصغير» (١٠) لفخر الإسلام في قارن حلق قبل أن يذبح قال: عليه دمان، وقال أبو يوسف، ومحمد: ليس عليه إلا دم القران، وهذا لأنّا لو أجرينا هذا التعليل على ما يقتضيه يوجب أن يقال على قول أبي حنيفة ﵀ في تقديم نسك على نسك دمان دم لتقديم نسك، ودم لتأخير نسك؛ لأن في كل تقديم تقديمًا وتأخيرًا، ولم يقل أبو حنيفة ﵀ في تقديم نسك على نسك إلا بوجوب دم واحد، ولمّا ثبت هذا كان من حق الرواية أن يقال: (فإن حلق القارن قبل أن يذبح فعليه دمان عند أبي حنيفة) (١١) دم القران، ودم آخر؛ لأنه حلق قبل أن يذبح، وعندهما يجب عليه دم واحد، وهو الأول كما هو لفظ رواية «الجامع الصغير».
следующие страницы →