← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وذكر في «المبسوط» (١): (وإن لم يستدم الوقوف إلى وقت غروب الشمس لم يجب عليه الدم إذا أفاض قبل غروب الشمس؛ لأن نفس الغروب ركن واستدامته إلى غروب الشمس واجبة لما فيها من إظهار مخالفة المشركين فعله رسول الله ﷺ ، وأمر به، وترك الواجب يوجب الجبر بالدم؛ لأن استدامة الوقوف على من وقف نهارًا لا ليلًا؛ لأن ظاهر قوله ﷺ : «من وقف بعرفة بليلٍ أو نهارٍ فقد أدرك الحجّ» (٢) يقتضي أن لا يكون الامتداد شرطًا لا في الليل، ولا في النهار غير أنّا تركنا ظاهر هذا الحديث في حق النهار بقوله ﷺ : «فادفعوا بعد غروب الشمس» (٣) وقوله ﷺ : «اثبتوا على مشاعركم حتى تغرب الشمس» (٤)، والمعنى مخالفة المشركين فيه على ما ذكرنا، فبقي الباقي على ظاهره فلا يكون الامتداد شرطًا في الليل، فإن عاد إلى عرفة بعد غروب الشمس لا يسقط عنه الدم. وروى ابن شجاع عن أبي حنيفة أنه يسقط عنه الدم، وقال: لأنه استدرك ما فاته، وأتى بما عليه؛ لأن الواجب عليه الإفاضة بعد غروب الشمس، و [قد] (٥) أتي بها فيسقط عنه الدم كمن جاوز الميقات حلالًا، ثُمَّ عاد إلى الميقات فأحرم.

стр. 1472

الجناية بترك الواجب في باقي أفعال الحج والوقوف بعرفة قوله (١): (لا يسقط عنه الدم في ظاهر الرواية). لأن الواجب على من وصل إلى عرفات بعد الزوال استدامة الوقوف إلى غروب الشمس، ولم يتدارك ذلك بالانصراف بعد غروب الشمس فلا يسقط عنه الدم. قوله: (وإن عاد قبل غروب الشمس حتى أفاض مع الإمام) ذكر الكرخي ﵀ في «مختصره» (٢): (أن الدم يسقط عنه)؛ لأن الواجب عليه الإفاضة مع الإمام بعد غروب الشمس فقد تدارك ذلك في وقته، ومن أصحابنا من يقول: لا يسقط عنه الدم هاهنا أيضًا؛ لأن استدامة الوقوف قد انقطعت بذهابه، وبرجوعه لا يصير وقوفه مستدامًا، بل ما فات عنه لا يمكن تداركه فلا يسقط عنه الدم، كذا في «المبسوط» (٣). وذكر الإمام الإسبيجابي؛ لأن الدم وجب لفوت الامتداد إلى غروب الشمس، وبالعود لا يقع التدارك بخلاف ما لو طاف جنباً، ثُمَّ أعاده؛ لأن التدارك قد حصل فبطل عنه الدم، ومن ترك الوقوف بمزدلفة فعليه دم؛ لأنه من الواجبات ذكر هذا، وذكر السعي بين الصفا والمروة بأنهما واجبان قد مر، وإنما أعاد هاهنا؛ لأن هذا الفصل فصلٌ ذكر فيه جنس ما ترك من الواجبات من أفعال المناسك، وهما من تلك الأجناس فذُكر لذلك، ومن ترك رمي الجمار في الأيام كلها، وهي أربعة أيام فإن ابتدأ يوم النحر، وهو اليوم العاشر من ذي الحجّة إلى ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث، وهو اليوم الثاني عشر النفر الأول، وإن مكث إلى اليوم الرابع رمى فيه، وفيه النفر الثاني، وقد ذكرناه، ويكفيه دم واحد خلافًا لقول بعض المشايخ: فإن عندهم يجب لكل يوم دم واحد. قوله ﵀: (لأن الجنس متحد كما في الحلق). فإنه لو حلق شعر البدن كله يلزمه دم واحد، وإن كان لزمه دم لو اقتصر على البعض كذا في «مبسوط// ي شيخ الإسلام» (٤)، (والترك إنما يتحقق بغروب الشمس من آخر أيام الرمي). وهو اليوم الرابع من أول يوم النحر، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجّة، وإنما لا يبقى وقت الرمي بغروب الشمس في آخر أيام الرمي، ولا يبقى في تلك الليلة التي غربت الشمس بخلاف الليالي التي قبلها حيث يبقى وقت الرمي الذي في النهار كما في رمي جمرة العقبة؛ لأن الليلة الأخيرة ليست بوقت الرمي وليست بتابعة للتي (٥) قبلها، وإنما جُعلت تبعًا إذا تعقبها الرمي حتى تصير متخللة.

стр. 1473

ولم يوجد بخلاف رمي جمرة العقبة إذا أخره حتى غربت الشمس في أول يوم النحر، فإنه يرميها في الليل، ولا شيء عليه لم يعرف قربة إلا فيها، فإن معنى القربة في الرمي غير معقول، وإنما عرفناه [قربة] (١) بفعل رسول الله ﷺ ، وهو إنما رمى في هذه الأيام فلا يكون الرمي قربة بعد مضي وقتها كما لا يكون إراقة الدم قربة بعد مضي أيام النحر، فإذا لم يكن قربة كان عبثًا فلا يشتغل به، ومادامت الأيام باقية، وهي أربعة أيام آخرها آخر أيام التشريق، فالإعادة ممكنة لبقاء وقت الرمي، فكان هذا نظير تكبيرات التشريق، فإن من ترك شيئًا من الصلاة في هذه الأيام يقضيها بالتكبيرات إلى آخر أيام التشريق، ونظيره الأضحية أيضًا. (على التأليف). أي: على الترتيب الذي شُرع. (وإن ترك رمي يوم [واحد] (٢) فعليه دم) (٣). فإن قيل: هذا بظاهره يتناول كل يوم من الأيام الأربعة، ثُمَّ هو مخير في اليوم الثالث بين النفر وبين الإقامة في منى، وهذا آية كونه تطوعاً، فكيف يجب الدم بتركه؟ قلنا: التخيير قبل طلوع الفجر من اليوم الرابع من أيام الرمي، فأما إذا طلع الفجر، فقد وجب عليه الإقامة، ويجب بتركه الدم، وهذا كالتطوع إذا تركه بعد الشروع يجب القضاء، ولا يجب قبل الشروع شيء بتركه. الجناية بترك رمي إحدى الجمار الثلاث (ومن ترك رمي إحدى الجمار الثلاث فعليه الصدقة) (٤). حتى أنه لو ترك رمي جمرة العقبة في اليوم الثاني يجب عليه (٥) الصدقة؛ لأن ذلك ثلث الرمي الذي يوجد في ذلك اليوم، ولو تركه في اليوم الأول يجب الدم؛ لأنه كمال الرمي في اليوم الأول فكان مضموناً بالدم، ثُمَّ اعلم أن وجوب الدم، والصدقة بالترك إنما يستقيم أجزاؤه على الإطلاق من غير خلاف أن لو لم يقض في أيام الرمي أما لو قضى رمي اليوم الأول في اليوم الثاني، أو في اليوم الثالث، أو قضى رمي اليوم الثاني في اليوم الثالث، فالوجوب على قول أبي حنيفة ﵀، وأما قولهما: فلا دم ولا صدقة؛ لأن تأخير النسك وتقديمه غير موجب عندهما شيئاً فكان المتروك أقل؛ لأن المتروك كان سبع حصيات والمؤتى به أربع عشرة حصاة إلا أن يكون المتروك أكثر من النصف بأن يرمي عشر حصيات (٦)، ويترك إحدى عشرة حصاة؛ وذلك لأن وظيفة الرمي في كل يوم إحدى وعشرون حصاة، فكان إحدى عشرة أكثرها، ثُمَّ أنّا قد ذكرنا اختلاف العلماء في ابتداء وقت رمي جمرة العقبة، وكذلك يختلفون في آخر وقته، ففي ظاهر المذهب وقته إلى غروب الشمس، ولكنه لو رمى بالليل لا يلزمه شيء، وعند أبي يوسف ﵀: أن وقته إلى زوال الشمس، وما بعد الزوال يكون قضاء، وللشافعي (٧) فيه قولان: في قول يرمي إلى غروب الشمس فإذا غربت تعين عليه الفدية لفوات الوقت في حق هذا الرمي، وفي قول يمتد وقته إلى آخر أيام التشريق، وحجتنا في ذلك النص قوله ﷺ : «إن أول نسكنا في هذا اليوم إلى آخره» (٨)، وذهاب تمام اليوم بغروب الشمس إلا أن أبا يوسف ﵀ يقيس الرمي في هذا اليوم بالرمي في اليوم الثاني فيقول كما أن وقت الرمي في اليوم الثاني نصف اليوم، وهو ما بعد الزوال فكذا في هذا اليوم وقت الرمي نصف اليوم، وذلك إلى زوال الشمس إلا أنه إذا رمى بالليل لم يلزمه شيء، لأن رسول الله ﷺ رخص للرعاء أن يرموا ليلًا؛ لأن اليوم لمّا كان وقتًا للرمي فالليل يتبعه في ذلك كليلة النحر تجعل تبعًا ليوم عرفة في حكم الوقوف، فإن لم يرمها حتى يصبح من الغد رماها لبقاء وقت جنس الرمي، ولكن عليه دم للتأخير

стр. 1474

في قول أبي حنيفة -رحمهما الله-/ وعندهما (١) لا دم عليه هذا كله من «المبسوط» (٢)، و «مبسوط الإسبيجابي» (٣). (وكذا إن ترك الأكثر منها). أي: من جمرة العقبة. (ومن أخر الحلق حتى مضت أيام النحر فعليه دم عند أبي حنيفة -رحمه الله-) (٤). والحاصل: أن عند أبي حنيفة الحلق للتحلل في الحجّ يتوقت بالزمان، وهو أيام النحر، وبالمكان، وهو الحرم، وعلى قول أبي يوسف ﵀ لا يتوقت لا بالزمان، ولا بالمكان على ما يجيء بعد هذا. قوله ﵀: (لأن التأخر عن المكان يوجب الدم) إلى آخره. وهذا دليل لإثبات مذهب أبي حنيفة ﵀، وهو جواب أيضًا عن قولهما إنه لا يجب مع القضاء شيء آخر، ولنا (٥) القياس كذلك إلا أنا أوجبناه استدلالًا بالتأخير عن الميقات، فإن تأخير الإحرام عن الميقات شرع موجب للدم، وإن قضى المتروك بمثله، والقياس يترك بدلالة النص، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٦). (ومن اعتمر فخرج من الحرمِ، وقصّرَ فعليهِ دم). وكذلك لو حلق. (وقيل: هو بالاتفاق)، أي: وجوب الدم على الحاج إذا حلق في غير الحرم؛ لأن السنة جرت في الحجّ. (فالحاصل: أن الحلق يتوقت). أي: في الحجّ؛ لأن الحلق في العمرة غير موقت بالزمان، وبالإجماع على ما يأتي. (بالزمان والمكان عند أبي حنيفة ﵀. الزمان هو يوم النحر، والمكان الحرم حتى لو أخر عنهما يجب الدم عنده، وقال: لأن ما كان للتحلل في الحجّ يتوقت بالزمان، والمكان جميعًا كالطواف الذي يتم به التحلل لا يكون إلا في المسجد، فيتوقت بأيام النحر فكما أنه لو أخر الطواف عن وقته يلزمه الدم عنده، فكذلك إذا أخر الحلق عن وقته فعلى هذا كان ينبغي أن لا يُعتدّ بحلقه خارج الحرم كما في الطواف لكنا جعلنّاه معتدًّا به؛ لأن محل فعله الرأس دون الحرم، ولكن جاز لتأخيره عن مكانه، فليلزمه دم كما يلزمه بالتأخير عن وقته لا يتوقت بهما؛ لأن الحلق الذي هو نسك في أوانه بمنزلة الحلق الذي هو جناية قبل أوانه فكما أن ذلك لا يختص بزمان ومكان، فكذلك هذا لا يختص بزمان ومكان؛ لأنه لو خصّ بهما لما وقع معتدًّا به في غير ذلك المكان والزمان كالوقوف بعرفة، وقد اعتدّ به، وعند محمد يتوقت بالمكان دون الزمان؛ لأن تعلق المناسك بالمكان أكد من تعلقها بالزمان كالطواف بالبيت، وعند زفر على عكسه؛ لأن التحلل عن الإحرام معتبر بابتداء الإحرام، وابتداء الإحرام مؤقت بالزمان دون المكان حتى يكره له أن يحرم بالحجّ في غير أشهر الحجّ، ولا يكره له أن يحرم بالحجّ في أي مكان شاء قبل أن يصل إلى الميقات، فكذلك التحلل عنه بالحلق يتوقت من حيث الزمان دون المكان، فلذلك إذا أخره عن أيام النحر يلزمه الدم، وإذا خرج من الحرم، ثُمَّ حلق لا يلزمه شيء كذا في «المبسوط» (٧) غير مؤقت بالزمان بالإجماع، وأما في حق المكان، ففيه الاختلاف كالاختلاف في الحلق للحج.

стр. 1475

(لأن أصل العمرة لا يتوقت به). أي: بالزمان فإن الركن في العمرة، وهو الطواف لا يتوقت من حيث الزمان، فكذلك الحلق فيها لا يتوقت بخلاف الحجّ. وقوله: (بخلاف المكان لأنه مؤقت به). أي: على قول أبي حنيفة، ومحمد -رحمهما الله- وذكر في «المبسوط» (١) فإنه لو حلق للعمرة خارج الحرم، فعليه دم عند أبي حنيفة، ومحمد -رحمهما الله- كما في الحجّ، وعند أبي يوسف ﵀ لا شيء عليه. قال: (فإن لم يقصّر). أي: قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» (٢)، وإن لم يقصّر المعتمر، وهو قوله: (معناه إذا خرج المعتمر، ثُمَّ عاد). أي: أتى الحرم [فقصر] (٣)، وإنما وضع المسألة في المعتمر؛ لأن الحاج [إذا] (٤) خرج ثُمَّ عاد إلى الحرم بعد أيام النحر فحلق أو قصر يجب عليه الدم عند أبي حنيفة ﵀ بسبب تأخير الحلق، وبهذه المسألة، وهي مسألة [المعتمر] (٥) يُعلم أن أفعال العمرة غير مؤقتة بالزمان بالإجماع. (وهو الأول). أي دم بالحلق من غير أوانه، فإن قلتَ: ينتقض هذا الذي ذكره بما ذكر قبل هذا الصفحة في مسألة تأخير الحلق، وهو قوله: (وقال: لا شيء عليه في الوجهين) (٦) إلى أن قال: (والحلق قبل الذبح). فقد أثبت هناك أن الحلق قبل الذبح غير موجب عندهما شيئًا، ثُمَّ أوجب هاهنا عندهما فيه/ دمًا فما وجهه؟ قلتُ: وجهه أنهما يوجبان على القارن دمًا، وهو دم القران، وهو بالاتفاق، ولا يوجبان شيئًا بسبب تقديم الحلق، وتأخيره لكن التعليل في «الهداية» هاهنا وقع في غير محله؛ لأنّا لو قلنا: وجوب الدم على القارن سبب تقديم الحلق على الذبح ينبغي أن يجب على القارن ثلاثة دماء في هذه الصورة على قول أبي حنيفة، وعلى قولهم دمان لم يقل به أحد، وهذه المسألة من مسائل «جامع الصغير» (٧). وقال في أصل رواية «الجامع الصغير» (٨) لمحمد ﵀ في قارن حلق قبل أن يذبح قال: عليه دمان (٩) دم القران، ودم آخر؛ لأنه حلق قبل أن يذبح، يعني: على قول أبي حنيفة ﵀ ولفظ «الجامع الصغير» (١٠) لفخر الإسلام في قارن حلق قبل أن يذبح قال: عليه دمان، وقال أبو يوسف، ومحمد: ليس عليه إلا دم القران، وهذا لأنّا لو أجرينا هذا التعليل على ما يقتضيه يوجب أن يقال على قول أبي حنيفة ﵀ في تقديم نسك على نسك دمان دم لتقديم نسك، ودم لتأخير نسك؛ لأن في كل تقديم تقديمًا وتأخيرًا، ولم يقل أبو حنيفة ﵀ في تقديم نسك على نسك إلا بوجوب دم واحد، ولمّا ثبت هذا كان من حق الرواية أن يقال: (فإن حلق القارن قبل أن يذبح فعليه دمان عند أبي حنيفة) (١١) دم القران، ودم آخر؛ لأنه حلق قبل أن يذبح، وعندهما يجب عليه دم واحد، وهو الأول كما هو لفظ رواية «الجامع الصغير».

стр. 1476

(ولا يجب بسبب التأخير شيء على ما قلنا). وهو قوله (لهما أن ما فات مستدرك بالقضاء)، ولا يجب مع القضاء شيء آخر، والله أعلم. فصل في جناية الصيد لما أراد بيان جنس آخر من الجنايات في الإحرام، وهو الجناية على الصيد، أتى بفصل آخر متصلًا به لوجود معنى الاتصال من حيث الجناية، ومعنى الانفصال من حيث المغايرة في النوع الخاص. (اعلم أنَّ صيدَ البرِ محرمٌ على المحرم). أي: سواء كان مملوكًا أو مباحًا؛ لأن اسم الصيد عام لا يتبدل بالحكم الشرعي، وهو الملك. (وصيد البحر ما يكون توالده، ومثواه في الماء). وأما ما يأوي البحر، ويتوالد في البر فهو من صيد البر، وما يتوالد في البحر، ويكون في البر كالضفدع (١) فهو من صيد البحر؛ لأن التوالد هو الأصل [والكينونة] (٢) بعد ذلك أمر عارض، فيعتبر الأصل كذا في «الإيضاح» (٣). تعريف الصيد (والصيد هو الممتنع المتوحش في أصل الخلقة). قيد بالممتنع، وهو الذي يمنع نفسه عمن قصد إليه إما بقوائمه الأربع أو بجناحيه احترازًا عن الدجاج، والبط الأهلي. وقيّد بالمتوحش في أصل الخلقة ليدخل فيه الحمام المسرول، والظبي (٤) المستأنس، ويخرج الإبل والغنم المستوحشة لما أن التوحش أصلي في الحمام المسرول والظبي، والاستئناس عارض، وبالعارض لا يتبدل حكم الأصل، وفي الإبل المستوحشة انعكس الحكم لانعكاس العلة، فإن الاستئناس فيها أصلي، والتوحش عارض، فلا يثبت لها حكم الصيد باعتبار العارض، ولا ينتقض هذا بالجرح الاضطراري في حقها كما في الصيود؛ لأنّا نقول: الذبح الاضطراري غير مختص بالصيد، فإن ذلك دائر بالضرورة لا بالصيدية حتى أن الشاة، أو البعير إذا وقعت في البئر، فلم يمكن ذبحه، فإن هناك يقوم الجرح مقام الذبح، وهو ليس بصيد، وإذا أخذ الصيد، وهو حي لا يحل بدون الذبح الاختياري، كذا في «الإيضاح» (٥)، وغيره. والدلالة: ليست بقتل؛ لأن القتل فعل متصل من القاتل بالمقتول، فأما الدلالة والإشارة، فغير متصلة بالمحل، وهو الصيد، والحكم الثابت بالنص لا يجوز إثباته فيما ليس في معنى المنصوص، فأشبه دلالة الحلال حلالًا، فإن الحلال إذا دل الحلال على صيد الحرم فقتله المدلول كان الجزاء مقتصراً على القاتل، ولا يكون على الدال شيء للمعنى الذي قلنا.

стр. 1477

قلتُ: قيده حلالًا اتفاقي، فإن الدال إذا كان حلالًا لا يضمن في صيد الحرم، وإن كان المدلول محرمًا، فلذلك أطلق الدلالة من قيد أن يكون المدلول محرمًا في «المبسوط» (١)، و «الإيضاح» (٢) في بيان جزاء صيد الحرم، وذكر في «المحيط» (٣)، ومسائل الدلالة أقسام: أحدها: محرم دل محرمًا على صيد، فقتله المدلول/ فعلى كل واحد منهما جزأ (٤) كامل، والثاني: محرم دلّ حلالًا على صيد فقتله المدلول فعلى الدال قيمته، ولا شيء على الحلال، والثالث: حلال دل محرمًا على صيد، والحلال في الحرم، فقتل المحرم الصيد فليس على الدال الجزاء في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف -رحمهما الله- وقال في «الْهَارُونِيِّ» (٥): على الحلال نصف قيمته، ولنا ما روينا من حديث أبي قتادة (٦) أي: في باب الإحرام بعد صفحة أو أكثر، وقال عطاء وهو عطاء (٧) بن أبي رباح تلميذ ابن عباس: «أجمع الناس على أن [على] (٨) الدال الجزاء»، فعلى هذا كان ما روي عن ابن عمر «ليس على الدال الجزاء» (٩) محمولاً على ما إذا دل، ولم يقتله المدلول حتى يوافق [قوله] (١٠) قول سائر الصحابة كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (١١). (لأن المحرم بإحرامه التزم الامتناع عن التعرض) إلى آخره. في هذا جواب؛ لقوله: أن حرمة الصيد في حق المحرم لا يكون أقوى من حرمة مال المسلم ونفسه، ولا يضمن الدال على مال المسلم، ولا على نفسه شيئاً بسبب الدلالة، فكذلك هاهنا.

стр. 1478

فإنّا نقول: ما التزم ترك التعرض لذلك بعقد خاص هناك، وأما هاهنا الإحرام عقد خاص، وقد ضمن ترك التعرض بعقده، فإذا تعرض له بالدلالة قد باشر بخلاف ما التزم، وكان قياس المودع يدل سارقًا على سرقة الوديعة. كذا في «المبسوط» (١)، والدلالة الموجبة للجزاء أن لا يكون المدلول عالماً بمكان الصيد، فأما إذا كان المدلول عالمًا به، فلا جزاء على الدال؛ لأن المدلول ما تمكن من قتله بدلالته، وفي «المبسوط» (٢): ولو أمره بقتله ينبغي أن يضمن الجزاء، وعلى هذا لو أعار المحرم سكينًا غيره ليقتل صيدًا فإن لم يكن مع ذلك الغير ما يقتل به الصيد، فعلى المعير الجزاء، وإن كان معه ما يقتل به الصيد، فلا شيء على المعير؛ لأن تمكّنه من قتله لم يكن بإعارة السكين، وأن يصدّقه في الدلالة حتى لو كذبه، وصدّق غيره لا ضمان على المكذب، وفيه إشارة إلى أن الجزاء على ذلك الغير الذي صدّقه، وإن كانت دلالة ذلك الغير بعد دلالة الأول المكٌذَب، وبه صرح في «المبسوط» (٣) فقال: فالجزاء على الدال الثاني دون الأول، وفيه قيود أُخر سوى هذين المذكورين. أحدها: أن يتصل القتل به بهذه الدلالة لا مجرد الدلالة. والثاني: أن الجزاء إنما يجب على الدال إذا أخذ المدلول الصيد، والدال محرم فأما إذ حلّ من إحرامه قبل أن يأخذه المدلول فلا جزاء على الدال؛ لأن فعله إنما يتم جناية عند بقاء إحرامه إلى وقت القتل ألا ترى أن قتل الغير بدلالته أكثر تأثيرًا من قتله بنفسه، ولو قتله بنفسه لم يلزمه شيء، فكذلك إذا أخذه غيره بدلالته. والثالث: أن يأخذه المدلول قبل أن ينفلت الصيد حتى أنه لو صدقة، فلم يقتله حتى تفلّت (٤) ثُمَّ أخذه بعد ذلك فقتله فلا شيء على الدال؛ لأن ذلك بمنزلة جرح اندمل، كذا في «المبسوط» (٥)، وغيره لم يكن عليه شيء لما قلنا، وهو قوله: (لأنه لا التزام من جهته). لأنه ضمان يعتمد وجوبه الإتلاف، فأشبه غرامات الأموال، فإن قلتَ: بل لا تشبه هذه الغرامة غرامات الأموال، أعني: غرامة المحرم بسبب قتل الصيد عُرف ذلك بمسألتين، إحداهما: أن للصوم مدخلًا في هذه الغرامة وليس في غرامات أموال الناس مدخلٌ للصوم. والثانية: أن المحرمين إذا اشتركا في قتل صيد واحد، فعلى كل واحد منهما جزاءُ كاملُ بخلاف ما إذا اشتركا في إتلاف شاة الغير مثلاً فعلى كل واحد منهما نصف القيمة، فعُلم بهاتين المسألتين أن مشابهة هذه الغرامة بغرامة قتل الإنسان خطأ أكثر من مشابهته بإتلاف أموال الناس فعند ذلك يفترق الحكم بين العمد، والخطأ.

стр. 1479

قلتُ: المراد من تشبيه غرامات الأموال كون الضمان دائراً مع الإتلاف، فإن ضمان أموال الناس كما يدور مع الإتلاف، وهذا الضمان أيضًا يدور مع الإتلاف، ثُمَّ لم يفترق فيه العمد، والخطأ، فكذلك هنا يجب أن لا يفترق بين العمد، والخطأ فإنه بما ذكر يحترز عن كفارة الصوم، والظهار (١)، فإن وجوبها هناك غير متوقف على الإتلاف، ثُمَّ جناية المحرم بقتل الصيد كما هي جناية في حق المحل، فكذلك جناية في حق الفعل أيضًا، وما ذكرت من المسألتين إنما كان كذلك نظراً إلى جانب جزاء الفعل كان ما قلناه من عدم الافتراق بين العمد، والخطأ نظر إلى جانب/ جزاء المحل. وقال في «المبسوط» (٢): والذي قلنا من عدم الافتراق بين العمد والخطأ قول عمر، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص ﵀، وقال ابن عباس ﵁: "ليس على المحرم في قتل الصيد خطأجزاء". وذكر الإمام الإسبيجابي (٣): "وبه أخذ داود الأصبهاني (٤) (٥) لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ (٦) ". فالتقييد بالعمدية لإيجاب الجزاء يمنع وجوبه على المخطئ لكنا نقول: هذه كفارة تجب جزاء للفعل، فيكون واجبًا على المخطئ كالكفارة بقتل المسلم، وهذا لأن الله تعالى حرم قتل الصيد على المحرم مطلقًا، وارتكاب ما هو محرم بسبب الإحرام موجب للجزاء عمداً كان أو خطأ، فأما تقييده بالعمد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ (٧)، فليس لأجل الجزاء، بل لأجل الوعيد المذكور في آخر الآية بقوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ (٨)، إلى قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ (٩)، وهذا الوعيد على العامد دون المخطئ، ثُمَّ ذكر العمد هاهنا للتنبيه؛ لأن الدلالة قد قامت على أن صفة العمدية في القتل مانعة من وجوب الكفارة؛ ليمحص (١٠) الخطر به، فذكره الله تعالى هاهنا حتى يُعلم أنه لما وجب الكفارة هاهنا إذا كان الفعل عمداً وجبت إذا كان خطأ بالطريق الأولى.

стр. 1480

وفي «مبسوط شيخ الإسلام» (١): في الآية بيان الجزاء في العمد وليس فيها نفي الجزاء من (٢) المخطئ، فكان حكمه موقوفًا إلى قيام الدليل، وقد قام الدليل، وهو قوله ﷺ : «الضبع صيد، وفيه شاة» (٣)، ولم يفصل بين العمد والخطأ، والصحابة أيضًا ﵃ أوجبوا الجزاء من غير فصل، وفائدة ذكر العمد في الآية بيان شرعية التخيير في حالة العمد؛ لأنه لو ذكر الخطأ، وأثبت التخيير لما ثبت التخيير في حالة العمد [كما] (٤) في كفارة الحلق. (والمبتدئ، والعائد سواء). ففي العائد [أيضًا] (٥) خلاف ابن عباس، وداود الأصبهاني (٦)، وقال ابن عباس: يجب الجزاء على المبتدئ بقتل الصيد، فأما العائد إليه فلا يلزمه الجزاء، ولكن يقال له: اذهب فينتقم الله منك؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ (٧)، ولكنا نقول: بأن علة وجوب الجزاء في المرة الثانية قد وجدت كما وجدت في الأول، فيجب جزاء آخر كما قلنا في سائر المحظورات، وأما الآية، فإن المراد منه إذا عاد مستحلاً له مستخفّا، وهو مثل قوله في باب الربا: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٨)، كذا في «مبسوط الإسبيجابي» (٩). (فيقومه ذوا عدل). أي: يقومانه من حيث نفس الصيد لا من حيث الصفة (١٠)، فإنه ذكر في «المبسوط» (١١) في آخر باب جزاء الصيد، وإذا قتل المحرم البازي المعلم، فعليه فيه الكفارة قيمته غير معلم؛ لأن وجوب الجزاء باعتبار معنى الصيدية، وكونه معلماً صفة عارضته ليست من [معنى] (١٢) الصيدية في شيء؛ لأن معنى الصيدية في تنفره، وبكونه معلمًا ينتقص ذلك، ولا يزداد؛ لأن توحشه من الناس يقل إذا كان معلماً، فلا يجوز أن يكون ذلك معنى زائداً في الجزاء بخلاف ما إذا كان مملوكًا لإنسان، فإن مُتْلِفَهُ يغرم قيمته معلمًا؛ لأن وجوب القيمة هناك باعتبار المالية، وماليته بكونه منتفعًا به، وذلك يزداد بكونه معلماً، وكذلك الحمامة إذا كانت تجيء من موضع، كذا ففي ضمان قيمتها على المحرم لا يعتبر ذلك المعنى، وفي ضمان قيمتها للعباد يعتبر، فأما إذا كانت تُصوّت، وازدادت قيمتها بذلك، ففي اعتبار ذلك في الجزاء روايتان في إحدى الروايتين لا يعتبر؛ لأنه ليس في معنى الصيدية في شيء، وفي رواية أخرى: يعتبر لأنه وصف ثابت بأصل الخلقة بمنزلة الحمام إذا كان مطوقاً.

стр. 1481

(ثُمَّ هو مخيّر). أي: القاتل، وقال محمد، والشافعي (١) -رحمهما الله-: "يجب في الصيد (٢) النظير لا اختلاف في هذه المسألة" في فصول: أحدها: هذا أن الواجب على المحرم القاتل قيمة الصيد في الموضع الذي قتله فيه عند أبي حنيفة، وأبي يوسف -رحمهما الله- وقال محمد، والشافعي (٣) -رحمهما الله-: "يجب النظير فيما له نظير من النعم" الذي يشبهه في المنظر لا في القيمة. والعناق الأنثى من أولاد المعز، والجدي الذكروهو دون الجذع، والجفر منها ما بلغ أربعة أشهر، والأنثى جفرة كذا في «المغرب» (٤) والصحابة ﵃ أوجبوا النظير، وهم: عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود ﵃ على ما بيّناه، وهو قوله: (ففي الظبي شاة، وفي الضبع شاة) إلى آخره. من حيث إن كل واحد منهما تعب، وتهدر العب من باب طلب أن يشرب الماء [بمرة] (٥) من غير أن يقطع الجزع، وقال أبو عمرو: الحمام يشرب هكذا بخلاف سائر الطير، فإنها تشرب شيئًا فشيئًا. وهدر البعير، والحمام إذا صوت من باب ضرب، ويقال: إن الكبش حينما (٦) يهدر يكون صوته مثل صوت الحمامة، كذا في «المغرب» (٧)، وأبو حنيفة، وأبو يوسف -رحمهما الله- أخذا بقول ابن عباس، فإنه فسّر المثل بالقيمة.

стр. 1482

فحمل على المثل معنى؛ لكونه معهودًا في الشرع أو يوضّحه أن المماثلة بين الشيئين عند اتحاد الجنس أبلغ من عند اختلاف الجنس، فإذا لم تكن النعامة مثلًا للنعامة كيف تكون البدنة مثلاً للنعامة؟ والمثل في الأسماء المشتركة فمن ضرورة كون الشيء مثلًا لغيره أن يكون ذلك الغير مثلاً له، ثُمَّ لا يكون النعامة مثلاً للبدنة عند الإتلاف، فكذلك لا يكون البدنة مثلًا للنعامة، وإذا تعذر اعتبار المماثلة صورة وجب اعتبارها للمعنى، وهو القيمة. كذا في «المبسوط» (١). والثاني: أن الذي في الحكمين تقويم الصيد فإذا ظهرت قيمته، والخيار إلى المحرم بين التكفير بالهدي، والإطعام، والصيام في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ﵀ وعند محمد الخيار إلى الحكمين، وإذا عنيا نوعاً عليه/ يلزمه التكفير به بعينه. والثالث: يجوز للمحرم أن يختار الصوم مع القدرة على الهدي، والإطعام عندنا لقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (٢)، وحرف أو للتخيير، وعلى قول زفر ﵀: "لا يجوز له الصيام مع قدرة التكفير بالمال". (وقاس بكفارة اليمين، وهدى المتعة، والقران، وقال: حرف أو لا ينفي الترتيب في الواجب كما في قطاع الطريق ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٣)، الآية، ولكنّ هذا خلاف الحقيقة، والتمسك بالحقيقة واجب حتى يقوم دليل المجاز، وقياس المنصوص على المنصوص باطل. والرابع: إذا اختار الطعام فالمعتبر قيمة الصيد يشتري بها الإطعام عندنا، وعند الشافعي (٤) المعتبر فيه قيمة النظير، وهو قول محمد بناء على أصلهما أن الواجب هو النظير. والخامس: أنه إذا اختار الصيام صام مكان نصف كل صاع يوماً عندنا، وعند الشافعي (٥) ﵀ يصوم مكان كل مد يوماً، وهذا بناء على الاختلاف في طعام الكفارة لكل مسكين عندنا يتقدر بنصف صاع، وعنده بمد). كذا في «المبسوط» (٦). (أو لكونه مراداً بالإجماع). أي: لأن القيمة لا عموم له، كذا ذكره فخر الإسلام ﵀. (أو لما فيه من التعميم، وفي ضده التخصيص). بيانه أن قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ (٧)، عام، وقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ﴾ (٨)، منصرف إلى المذكور، فكان بيانًا لحكمه على سبيل العموم، والمثل على سبيل العموم هو المثل من حيث القيمة، فإن من الصيود ما لا مثل له في الخلقة كالعصفور، وما أشبه ذلك وضمانه يجب بنص الكتاب، فيجب حمل المثل على ما يمكن إثبات التعميم (٩) فيه، وهو المثل المعهود في الشرع، فإن الأصل في ضمان الآفات (١٠) أن يعتبر المثل صورة، ومعنى كما في ذوات الأمثال من المكيلات، والموزونات، أو معنى بلا صورة كما في ذوات القيم من الحيوانات، وغيرها في حقوق العباد، فأما اعتبار الصورة بلا معنى (١١)، فلا يوجد له نظير في أصول الشريعة (١٢)، فكان مخالفًا للإجماع فلا يصح إثباته بدليل فيه شبهة، ولأن التخيير يوجب الاعتدال، والمساواة، وأجمعنا أن الطعام، والصيام بُنيا على التقويم، فكذلك الهدي.

стр. 1483

(والمراد بالنص، والله أعلم، فجزاء قيمة ما قتل). أي: فعليه الجزاء، وذلك قيمة المقتول إذا كان ذلك المقتول من النعم الوحش، وإن كان (اسم النعم ينطلق على الوحشي، والأهلي). لكن المراد منه هاهنا الوحشي دون الأهلي؛ لأن الجزاء بالقتل إنما يجب على المحرم بقتل الصيد، ثُمَّ مثل الحيوان قيمته؛ لأنه يماثله معنى فإنه جواب آخر لا يماثله لا ذاتاً، ولا معنىوالوجه الثاني: أن في الآية تقديماً وتأخيراً، وتقديره فجزاء مثل ما قتل: يحكم به ذوا عدل منكم من النعم هدياً، وإنما حملنا على هذا الوجه؛ ليكون [الآية] (١) بياناً للواجب بقتل الصيد على سبيل العموم، وإثباتاً للحكم على ما عليه قواعد الشرع./ كذا في «الإيضاح» (٢)، ومختلفات المعنى. وذكر في «الكشاف» (٣): فإن قلتَ: فما يصنع من تفسير (٤) المثل بالقيمة بقوله: من النعم، وهو تفسير للمثل، وبقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٥)، قلتُ: قد خيّر من أوجب القيمة بين أن يشتري بها هديًا أو طعامًا، أو يصوم كما خيّر الله تعالى في الآية. وكان قوله: (من النعم). بيانًا للهدي المشتري بالقيمة في أحد وجوه التخيير؛ لأن من قوّم الصيد، واشترى بالقيمة هدياً فأهداه [فقد] (٦) جزاء بمثل ما قتل من النعم على أن التخيير الذي في الآية بين أن يجزي بالهدي أو يكفر بالإطعام أو الصوم إنما يستقيم استقامة ظاهرة بغير تعسف إذا قوّم. (ونظر بعد التقويم)، أي: الثلاثة يختار فأما إذا عمد إلى النظير، وجعله الواجب وحده من غير تخيير فإذا كان شيئاً لا نظير له قُوِّم حينئذٍ، ثُمَّ تخير بين الإطعام، والصوم ففيه نبأ عما في الآية، وقُرئ فجزاء مثل ما قتل. يرفع جزاءٌ، ومثل جميعًا بمعنى فعليه جزاء يماثل ما قتل من الصيد، وهو عند أبي حنيفة ﵀ قيمة صيد المأخوذ يُقوّم حيث صيد، فإن بلغت قيمته ثُمَّن هدي تخير بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد وبين أن يشتري بقيمته طعامًا، فيعطى كل مسكين نصف صاع من بر، وإن شاء صام عن [كل] (٧) طعام كل مسكين يومًا. وقرئ فجزاءُ مثلُ ما قتل على الإضافة، وأصله فجزاءٌ مثل ما قتل ينصب المثل بمعنى فعليه أن يجزئ مثل ما قتل ثُمَّ أضيف كما تقول: عجبت من ضربٍ زيدًا، ثُمَّ من ضربِ زيد، وقرأ السلمي على الأصل، وقرأ محمد بن مقاتل، فجزاءً مثلَ ما قتل بنصبهما بمعنى، فلينحر (٨) جزاءً مثلَ ما قتل ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ (٩).

стр. 1484

بمثل ما قتل ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١)، حكمان عادلان من المسلمين قالوا: وفيه دليل على أن المثل القيمة؛ لأن التقويم مما يحتاج إلى النظر، والاجتهاد دون الأشياء المشاهدة. (والمراد بما روى التقدير). (أي: بما روى كل واحد من محمد، والشافعي من أثر الصحابة ﵃ وخبر النبي ﷺ تقدير النظائر لا باعتبار أعيانها، بل باعتبار القيمة إلا أنهم كانوا أرباب المواشي، فكان ذلك أيسر عليهم من النقود، وهو نظير ما قال علي ﵁ في ولد المغرور: [يُفك] (٢) الغلام بالغلام، والجارية بالجارية، والمراد القيمة)، كذا في «المبسوط» (٣). (ثُمَّ الخيار إلى القائل في أن يجعله هديًا). أي: في أن يجعل المثل أو (٤) الجزاء هديًا. فالحاصل: أن عند أبي حنيفة، وأبي يوسف الحاجة إلى الحكمين؛ لإظهار قيمة الصيد لا أن يكون الخيار إلى الحكمين في تعيين أحد الأشياء الثلاثة، فإذا ظهرت قيمة الصيد بتقويمهما، فالقيمة كفارة واجبة على المحرم فإليه التعيين لما يؤدي به الواجب كما في كفارة اليمين، وكما في ضمان قيمة المتلفات، فإن تعيين ما يؤدي به الضمان إليه دون المقومين فكذا هنا. وإن حكما بالطعام أو بالصيام، (فعلى ما قال أبو حنيفة، وأبو يوسف -رحمهما الله-) أي: من حيث أن للوجوب بالقيمة فيما ذكرا فيما تقدم بقوله: (وإن شاء اشترى بها طعامًا، ويصدق) إلى آخره. لأنه تفسير لقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ (٥). لأن الهاء في ﴿بِهِ﴾ مجمل لا يُدري ما هو ففسر بقوله: ﴿هَدْيًا﴾ (٦)، فكان نصبًا على التفسير فيصير كأنه قال: يحكم به ذوا عدل بالهدي فثبت أن المثل إنما يصير هديًا باختياره، وحكمه كذا في «الجامع الصغير» (٧) البرهاني. ثُمَّ ذكر الطعام، والصيام بكلمة، أو أي عطفاً على هدياً بدليل قراءة عيسى (٨)، وعميرًا، وكفارة بالنصب.

стр. 1485

قلنا: الكفارة عطفت (١) على الجزاء، أي: على قوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾ (٢)، وفي «الكشاف» (٣): ﴿هَدْيًا﴾ حالٌ عن جزاءٌ فيمن وصفه بمثل؛ لأن الصفة خصّصته فقرّبته من المعرفة، أو يدل عن مثل، فيمن نصبه أو عن محله فيمن جره، ويجوز أن ينتصب حالاً عن الضمير في به، فإن قلتَ: بم يرفع كفارة من ينصب جزاء؟ قلتُ: يجعلها خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل: أو الواجب عليه كفارة، أو تقدر فعليه أن يجزئ جزاء، أو كفارة فيعطفها على أن يجرئ. وقرئ: (أو كفارةُ طعامِ مساكين) على الإضافة، وهذه الإضافة مبنية كأنه قيل: أو كفارة من طعام مساكين كقولك: خاتم فضة بمعنى خاتم من فضة. ويقومان في المكان الذي أصابه، وكذلك يعتبر الزمان الذي أصابه فيه؛ لأن القيمة تختلف باختلاف الأزمنة أيضًا كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٤)، و «المحيط» (٥). (ويجوز الإطعام في غيرها). أي: في غير مكة، وقال الشافعي (٦) ﵀: لا يجوز؛ لأن الغرض/ من نقل الهدايا التوسعة على سكان الحرم بلحومها، فاعتبر الطعام لها، وقلنا: لا بل اختص الهدي بالحرم ليصير قربة؛ لأن الإراقة لا تعقل قربة، ألا ترى أنها لو أريقت خارج الحرم، ثُمَّ تُصدق بلحمها على فقراء الحرم لم يجز، وأما الطعام فيعقل التصدق بها قربة، كذا ذكره فخر الإسلام ﵀. (فإن ذبح الهدي بالكوفة أجزأه عن الطعام) (٧) معناه إذا تصدق باللحم. ولكن بين الذبحين فرق، أعني: الذبح بالكوفة، والذبح بمكة مع أن التصدق فيهما واجب، فإنه إذا ذبح بمكة، ثُمَّ سُرق قبل أن يتصدق بلحمه يخرج عن عهدة الجزاء؛ لأن الهدي قد بلغ محله، ووجوب التصدق كان متعلقًا بعين المذبوح فسقط الوجوب بهلاكه كما في مال الزكاة. وأما إذا ذبح بالكوفة، فلا يخرج عن العهدة بسرقة المذبوح، بل يبقى عليه وجوب الجزاء كما كان في الأشياء الثلاثة كما ذُكر؛ لأنه لا يخرج عن العهدة بمجرد الإراقة في غير الحرم لما ذكرنا، وقد ذكرناه قبل هذا قبيل فصل مسائل (٨) الجماع.

стр. 1486

(وإذا وقع الاختيار على الهدي يهدي ما يجزيه في الأضحية) إلى أن قال: (وقال محمد والشافعي (١): يجزي صغار الغنم). وذكر في «المبسوط» (٢)، و «الأسرار» (٣)، وشروح «الجامع الصغير» (٤) لفخر الإسلام، وقاضي خان: قول أبي يوسف مثل قول محمد. وقال في «المبسوط» (٥): (وإذا بلغت قيمة شيء من هذه الحيوانات حملًا أو عناقًا لم يجزه الحَمَل والعناق من الهدي في قول أبي حنيفة ﵀)، وأدنى ما يحزئ في ذلك الجذع العظيم من الضأن أو الثني من غيرها، فإن كان الواجب دون ذلك كفر بالإطعام أو الصيام؛ لأن الواجب بالنص هاهنا الهدي قال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٦)، فهذا بمنزلة هدي (٧) المتعة والقران، فكما لا يجوز الحمل والعناق في هدي المتعة والقران فكذلك هاهنا، وأبو يوسف، ومحمد، وابن أبي ليلى ﵏ جوزوا ذلك في جزاء الصيد استحسانًا للآثار التي جاءت. (لأن مطلق اسم الهدي منصرف إليه). أي: إلى ما يجزيه في الأضحية، فإن قلتَ: لا نسلم لهذا الأصل لما أن الثوب يكون هديًا في قوله: إن فعلت كذا فثوبي هذا هدي، وكذلك الهدي تلد فيذبح مع الأصل هديًا، فصار ولدها هديًا، وإن كان حمَلَاً أو عناقًا. قلتُ: الكلام في هدي القربان لا في هدي الصدقة، فإن هناك صار الهدي مجازًا عن الصدقة، وإنما الذي أنكرناه في هدي القربان الذي يتقرب به إلى الله تعالى بإراقة الدم كذا في «الأسرار» (٨) ونقول الكلام في مطلق اسم الهدي، وهذا الذي ذكرته في المقيد لما أنه قيد الهدي بإشارته إلى الثوب فلم يبق مطلقاً حتى أنه لو قال: إن فعلت كذا فعليّ هديٌ كان عليه ما استيسر من الهدي، وهو شاة؛ لأن اسم الهدي عند الإطلاق يتناول الإبل، والبقر، والغنم وهو المتيقن، ولا يذبحها إلا في الحرم، كذا في «المبسوط» (٩). وإنما جاز، وكذا (١٠) الهدي هديًا تبعًا للأم كولد الأضحية، وأطرافها فإن أطراف الأضحية يثبت لها حكم الأضحية تبعًا لجملتها، ولو قُصدت بالتضحية لم يجز، وكالمبيعة إذا ولدت قبل القبض ولدا كان مبيعًا لسرايته فمن الأصل إليه، وهو جنين، ولو قصد بالبيع إليه، وهو جنين لا يصح، كذا في «الأسرار» (١١)، ينصرف إلى ما هو المعهود في الشرع، والمعهود في الشرع في الطعام نصف صاع كما في صدقة الفطر، وكفارة اليمين، والظهار، وكذا إن كان الواجب دون طعام مسكين يطعم قدر الواجب بأن لم يبلغ الطعام نصف صاع بأن قتل يربوعًا أو عصفورًا.

стр. 1487

ولم يبلغ قيمته إلا مدّاً من الحنطة يطعم ذلك القدر أو يصوم يوماً كاملاً لما قلنا، وهو قوله: (لأن الصوم أقل من يوم غير مشروع). فخرج من حيز الامتناع، والامتناع قد يكون بالطيران، أو بالعدو، أو بالدخول في الحجر. (ومن كسر بيض نعامة فعليه قيمته) (١). أي: قيمة البيض، وذكر الإمام الإسبيجابي في مبسوطه يحرم كسر بيضة من بيض الصيد فإن كانت مذِرَةً فلا شيء عليه؛ لأنه لم يتلف صيداً، ولا ما هو أصله، وإن كانت صحيحة ضمن/ قيمتها عندنا، وقال مالك (٢): يضمن عُشرَ قيمة ما يخرج منه، وهو أحد قولي الشافعي (٣) ﵀، واحتج بأنه أتلف ما هو بغرض أن يصير حيواناً، فوجب أن يضمن عُشرَ قيمة ما يخرج منه كمن ضرب بطن امرأة حرة، فألقت جنينًا ميتًا أنه يلزمه مثل عُشرَ دية الأم، واحتج أصحابنا بما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «في المحرم يكسر بيضة صيد أن عليه قيمتها» (٤)، ولأنه أتلف متقوماً فيضمن بالغة ما بلغت كالبيضة المملوكة. (فإن خرج من البيضة فرخ ميت) (٥). أي: لا يعلم أن موته سبب الكسر أم لا، وإنما قلنا: هكذا؛ لأن الإمام التمرتاشي يقول: فإن خرج منها فرخ ميت ضمن قيمته إذا عُلم أنه كان حيّاً، ومات بالكسر، وإن عُلم أنه كان ميتاً فلا شيء عليه، وإن لم يُعلم فالقياس أن لا يجب الجزاء، وفي الاستحسان يجب. (فعليه قيمته) (٦). أي: قيمة الفرخ. (حيًّا) (٧).

стр. 1488

وبه صرح الإمام الإسبيجابي، فإن قيل: ينبغي أن يضمن قيمة البيض، والفرخ جميعًا كما إذا ضرب بطن ظبية فألقت جنيناً ميتاً، وماتت الظبية أيضًا فإن عليه قيمتهما على ما يجيء بُعيد هذا، فكذا هاهنا ضمان البيض لا لذاته، بل باعتبار أنه سبب للفرخ بدليل أنه لا ضمان في كسر البيضة المذرة؛ لأنها لا تصلح سبباً، فإذا كان كذلك فقد وجب ضمان الفرخ، فلا يجب ضمان البيض. (فيحال به عليه). أي: فيضاف، ويحال بالموت على الكسر، والباء في به صلة، فكان أصله فيحال الموت على الكسر. (فألقت جنينًا ميتًا وماتت فعليه قيمتهما). فإن قلتَ: قد ذكر قبل هذا أن ضمان الصيد [هنا] (١) أشبه غرامات الأموال، ثُمَّ أن من ضرب بطن جارية أو حرة فألقت جنيناً ميتاً، وماتت الأم كان عليه قيمة الجارية، أو دية الحرة دون ضمان الجنين، فكيف وجب هنا ضمان قيمة الجنين مع أن هذا يشبه غرامات الأموال؟ قلتُ: قد ذكرت هناك وجه المشابهة، ثُمَّ إنما افترق هاهنا في ضمان قيمة الجنين لما أن الجنين في حكم الجزاء من وجه، وفي حكم النفس من وجه، فالضمان الواجب بحق العباد غير مبني على الاحتياط، فلا يجب في موضع الشك، فأما جزاء الصيد فمبني على الاحتياط، فلهذا رجح هنا شبه النفسية بالجنين (٢)، فأوجب عليه جزاؤهما كذا في «المبسوط» (٣). (وليس في قتل الغراب (٤)، والحدأة) (٥) (٦).

стр. 1489

فيما لا يجب الجزاء بقتله إلى أن قال: لقوله ﷺ : «خمس من الفواسق» (١). فإن قلتَ: ما وجه إعمال هذا الحديث، وهو خبر واحد في تخصيص عموم قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢)، فهو بإطلاقه يتناول الصيود المؤذية، وغير المؤذية فلا يصح تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد ابتداء لما عرف. قلتُ: خصّ هذا العام ابتداء بالنص القطعي، وهو قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (٣)، لما أنه لما جهل التاريخ يجعل كأنهما ورد معاً، فيجعل مخصصاً فبعد ذلك يجوز تخصيصه بالقياس، فكيف بالخبر الواحد؟ أو نقول: وهو الوجه الأصح: أن هذا الحديث حديث مشهور وليس بخبر الواحد، كذا ذكره في «الأسرار» (٤)، فيجوز الزيادة على كتاب الله تعالى بالحديث المشهور، وذكر في «المغرب» (٥) الفسوق: الخروج من الاستقامة سميت هذه الحيوانات الخمس فواسق استعارة [لخبثهن] (٦)، وقيل: لخروجهن من الحرمة، بقوله: «خمس لا حرمة لهن» (٧) وقيل: أراد بتفسيقها تحريم أكلها لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ (٨)، بعدما ذكر ما حرم من الميتة، والدم. قوله: (والكلب العقور (٩) (١٠). ذكر في فتاوى القاضيين لا فرق في الكلب بين العقور وغيره (١١)، كذا ذكر بعد هذا في الكتاب بقوله: (وعن أبي حنيفة ﵀).

стр. 1490

(والمراد بالغراب الذي يأكل الجيف (١). فقوله: (الذي يأكل الجيف) خبر؛ لقوله: (للمراد لا صفة الغراب، واحترز به عن الغراب الذي يأكل الزرع، فإنه صيد) كذا في «فتاوى قاضي خان» (٢). وكذا الفارة الأهلية، والوحشية، والسنور (٣) كذلك في رواية الحسن عن أبي حنيفة -رحمهما الله- لا يجب الجزاء على المحرم بقتله أهليًا كان أو وحشيًا (٤). وفي رواية هشام (٥) عن محمد ﵀ ما كان منه بريًا فهو متوحش كالصيود يجب الجزاء على المحرم بقتله كذا في «المبسوط» (٦). (وليست/ بمتولدة من البدن). هذا احتراز عن القملة فإن في قتلها شيئاً على ما ذُكر. (وما لا يؤذي لا يحل قتلها) لعدم العلة الثانية، وهي أنها مؤذية. ولكن لا يجب الجزاء للعلة الأولى، وهي قوله: (لأنها ليست بصيود وليست بمتولدة من البدن). سماها علة واحدة مع أنها في معنى علتين؛ لأنه ذكر في موضع السلب، وفي موضع السلب يكون العلل الكثيرة بمعنى علة واحدة. (ومن قتل قملة تصدق بما شاء) (٧). هذا إذا أخذها من بدنة فقتلها، فأما إذا كانت القملة ساقطة على الأرض فقتلها، فلا شيء عليه كما في البرغوث، ثُمَّ لما أخذها من بدنه لا يتفاوت بعد ذلك إن أخذها من رأسه، ومن موضع آخر، وقال الشافعي (٨) ﵀: "إن أخذها من رأسه يجب الجزاء، فإن أخذها من موضع آخر لا شيء عليه"، ثُمَّ وجوب شيء في قتل القملة ليس بمنحصر بالقتل، فإن للإلقاء على الأرض حكم القتل أيضًا، وفي «الجامع الصغير» (٩) أطعم شيئاً ككسرة خبز هذا الذي ذكره في القملة الواحدة، وأما في الثنتين أو الثلاث كف من حنطة، وفي الزيادة على الثلاث نصف صاع من حنطة، ولو ألقى ثيابه في الشمس ليقتل القمل حرّ الشمس، فمات القمل فعليه الجزاء نصف صاع من حنطة؛ إذ كان القمل كثيراً، وأما لو ألقى ثوبه، ولم يقصد به قتل القمل، فمات القمل من حرّ الشمس، فلا شيء عليه، كذا في «المحيط» (١٠)، و «الجامع الصغير» (١١) لقاضي خان لقول عمر ﵁ «تمرة خير من جرادة»، وقصة هذا الحديث: أن أهل حمص أصابوا [جرادًا] (١٢) كثيراً في إحرامهم، فجعلوا يتصدقون مكان كل جرادة بدرهم، فقال عمر: «أرى دراهمكم كثيرة يا أهل حمص تمرة خير من جرادة» (١٣).

стр. 1491

الخنافس (١) جمع الخنفساء بفتح الفاء ممدودة، والأنثى خنفساء (٢)، والفعل الذي اشتق منه أخفس الرجل إذا قال أقبح ما قدر عليه. وعن أبي يوسف في قتل القنفد (٣) روايتان في إحدى الروايتين هو نوع من الفأرة، وفي رواية جُعل كاليربوع، كذا في «المبسوط» (٤). لأن اللبن من أجزاء الصيد قال الله تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ (٥)، ومن للتبعيض ويكون اللبن بعضه. (كالسباع). أي: كسباع البهائم كالأسد، والفهد، والنمر. وقوله: (ونحوها). أي: كسباع الطير كالبازي (٦)، والصقر، فإن مطلق السباع يقع على سباع البهائم، وكذا اسم الكلب يتناول السباع بأسرها لغة، يعني: أن النبي ﷺ استثنى الكلب العقور، واسم الكلب يتناول جميع السباع بمعنى أن الكلب اسم لما يُتكلب، أي: يشترّ لا أنّ يكون المراد منه الكلب المعروف، فإنه أهلي وليس بصيد، ولا يحرم على المحرم أخذه، فعلى هذا كان اسم الكلب يتناول الأسد، والنمر وغيرهما ألا ترى أنه ﷺ حين دعا على عتبة بن أبي لهب (٧) لعنه الله، فقال: «اللهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ» (٨) افترسه أسد بدعائه، فصار كأن الله تعالى قال: لا تقتلوا غير المؤذي من الصيود، وإذا (٩) كان النص بهذه الصفة (١٠) لم يتناول إلا ما هو مأكول اللحم فكذا هنا.

стр. 1492

ولنا قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١)، واسم الصيد يعم الكل؛ لأنه يسمى به لتنفره واستيحاشه، وبعده من (٢) أيدي الناس، وذلك موجود فيما لا يؤكل لحمه، ولأن حرمة الصيد تثبت بالإحرام، والحرم تعظيمًا للحرم، والإحرام لا لكونه مأكولًا حتى ألحق النبات في الحرم بالصيد فصار المأكول، وغير المأكول فيه سواء ألا ترى أن المأكول صار بمنزلة غير المأكول بالتحريم، وإنما حل بالنص ما يعدو علينا، والنزاع فيما لا يعدو علينا مثل الأسد، والنمر، والفهد لبعدها عنا. وأما العادي فهو الذي يقرب منا، ومن مواشينا، والحدأة التي تعيش بالاختطاف بين العباد، والفأرة التي عيشها من طعام العباد، وكذلك الغراب، والحية، والعقرب من هذا الوجه، واضح، وذلك كالمرتد يجب قتله؛ لأنه ناقض للعهد، ومحارب، ومن كان من أهل القتال يجب قتله، وأما من كان منهم لا يقاتل مثل الشيوخ، والذمي، والنساء لا يحل قتلهم، فكذا هذا ذكره شمس الأئمة، وفخر الإسلام. القياس على الفواسق (والقياس على الفواسق ممتنع لما فيه من إبطال العدد). ولأن بينهما فرقًا على ما ذكرناه. (واسم الكلب لا يقع على السبع عرفًا)./ (والعرف أملك). وفي هذا جواب عما قاله الشافعي ﵀. (والعرف أملك: أي أضبط لصاحبه، وأقوى أفعل من الملك كأنه يملكه، ويمسكه، ولا يخليه إلى الآخر)، كذا في «المغرب» (٣)، ثُمَّ كون العرف أقوى ظاهر كما في اسم البيت، وأم الولد، والصغيرة، والكبيرة والصبية، وكما في مسائل الإيمان حيث يترك الوضع الأصلي بالعرف، ولا يجاوز بقيمته شاة بالرفع؛ لأنه أسند إليها. قوله ﵀: (ولا يجاوز). فلا يجوز أن ينصب شاة على أنه مفعول ثان، ويسند الفعل إلى الجار، والمجرور؛ لأن للمفعول المتعدى إليه بغير حرف من الفضل على سائر ما بنى له متى ظفر به فممتنع أن يسند إلى غيره يقول: دفع المال إلى زيد. (وبلغ بعطائك خمسمائة بدفع المال وخمسمائة)، أي: لا يجاوز بقيمة الذي لا يؤكل لحمه من الصيود قيمة شاة. وقال زفر (٤): "يجب بالغة ما بلغت"، وقال الشافعي-﵀: لا يجب شيء على ما ذكرنا وحجتنا في ذلك أن فيما لا يؤكل لحمه وجوب الجزاء باعتبار معنى الصيدية فقط لا باعتبار لحمه، وأما في الذي يؤكل لحمه وجوب الجزاء باعتبار إراقة الدم، وإفساد اللحم فتجب قيمته بالغة ما بلغت، بخلاف حقوق العباد فإنه إذا كان بازياً معلمًا مملوكًا حيث تجب قيمته بالغة ما بلغت؛ لأن وجوب الضمان للمالك هنا (٥) باعتبار كونه منتفعاً به، ويزداد ذلك بكونه معلماً، ووجوب ضمان الجزاء على المحرم لكونه صيدًا ممتنعًا متوحشًا، وينتقض هذا المعنى بكونه معلماً؛ لأنه يصير به ألوفًا فلهذا لا يزداد الجزاء باعتباره، وهذا لأن زيادة القيمة في الفهد، والأسد بمعنى تفاخر الملوك به لا لمعنى الصيدية، وذلك غير معتبر في حق المحرم، فلم يلزمه ذلك أكثر من شاة، كذا ذكر في «المبسوط» (٦)، وغيره.

стр. 1493

(وإذا صال السبع على المحرم فقتله لا شيء عليه) (١). أي: استطال وعدا على المحرم، وهذا الخلاف بيننا وبين زفر ثابت في السبع، وغير السبع إذا صال كذا ذكره شيخ الإسلام (٢) ﵀، وكان ذلك السبع مخرجًا على ما هو الغالب، فإن الصيال غالبًا إنما يوجد من السبع لا من غيره، وقال زفر: عليه الجزاء؛ لأن فعل الصيد هدر، قال ﷺ «جَرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» (٣)، فوجوده كعدمه فيما يجب من الجزء بقتله على المحرم. ألا ترى أن في الضمان الواجب لحق العباد إذا كان السبع (٤) مملوكًا لا [يُفرق] (٥) بين (٦) أن يكون البداية منه أو من السبع. وقال: إنا ابتدأناه ففي هذه التعليل بيان أن البداية إذا كانت من السبع لا توجب شيئًا. ولا يدخل على ما ذكرنا قتل المحرم القمل فإنه يوجب الجزاء عليه، وإن كان يؤذيه؛ لأنه إنما يضمن بقتلها لمعنى قضاء التفث بإزالة ما ينمو من بدنه عن نفسه، فلهذا إذا وجدها على الطريق، فقتلها لا ضمان عليها؛ لأنها مؤذية. (ومع وجود الإذن من الشارع لا يجب الجزاء). فإن قلتَ: جاز أن يكون الفعل مأذوناً فيه من جانب الشرع، ومع ذلك يجب الجزاء بذلك الفعل كما إذا حلق المحرم رأسه، وتطيب بعذر فهو مأذون فيه من جانب الشرع بالحلق والتطيب، ومع ذلك (٧) فهو مضمون عليه بالكفارة، وكذلك الملتقط إذا لم يجد مالك اللقطة، مأذون له بالتصدق من جانب الشرع ثُمَّ إذا جاء مالكها، ولم يجز التصدق يضمن الملتقط، وكذلك من تناول [مال] (٨) الغير في حالة المخمصة مأذون فيه وضامن. قلتُ: أما الأول فجوابه ما ذكره في الكتاب بعيد هذا بقوله: (لأن الإذن مقيد بالكفارة بالنص على ما تلوناه). وهو قوله تعالى: ﴿كَانَ … مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (٩)، الآية، فكان فائدة الإذن هي رفع الحرمة لا غير، وأما الملتقط فهو عين نظير مسألتنا فإنه لما لم يوجد الإذن من المالك كان مضمونًا عليه كما يضمن هاهنا لما لم يوجد الإذن من صاحب الجمل الصائل لما أن إذن الشرع لا يمنع ضمان حق العبد لتغاير الحقين، وكذلك مسألة المخمصة.

стр. 1494

قوله: (بخلاف الجمل الصائل؛ لأنه لا إذن من صاحب الحق، وهو العبد). أي: مالك الجمل، فإن قلتَ: يُشكل على هذا أن العبد إذا صال على إنسان بالسيف ليقتله فقتله المصول عليه لا يضمن مع أنه لم يوجد الإذن هناك أيضًا من مالك العبد كما هنا قلتُ: إن العبد مضمون في الأصل بأنه آدمي حقًّا للعبد لا للمولى؛ لأنه مكلف كسائر المكلفين، ألا ترى أنه إذا ارتد صار مباح الدم، وكذلك إذا قتل أو أقرّ بالقتل، وإذا كان الضمان في الأصل للعبد سقط المبيح جاء من قبله، وهو المحاربة كما لو ارتد؛ لأن فعله غير ضار (١)؛ لأنه مخاطب، ثُمَّ مالية المولى فيه، وإن كانت متقومة مضمونة له فهي تبع لضامن النفس، فيسقط التبع في ضمن سقوط الأصل كما لو ارتد أو أقر بالقصاص على نفسه إلى هذا أشار في «الأسرار» (٢). لأن الإذن مقيد بالكفارة بالنص، وهو قوله: ﴿كَانَ … مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (٣)، وإنما قيد بهذا؛ لأنه إذا اضطر إلى قتله عند صياله على المحرم فقتله، فلا جزاء فيه على ما ذكرنا لما أن الإذن هناك مطلق وليس بمقيد بالكفارة على ما ذكرنا. (يقال: حمام مسرول بفتح الواو)، أي: بين رجليه ريش كأنه سراويل من سرولته إذا ألبسته السراويل فتسرول والاستئناس عارض، فإن قيل: أليس أنه لا يحل بذكاة الاضطرار حتى لو رمى سهمًا إلى برج الحمام، فأصاب حماماً، فمات قبل أن يدرك ذكوته لا يحل، ولو كان صيداً يحل قلنا: من المشايخ من قال: يحل، ومنهم من قال: لا يحل، وأنه لا يدل على أنه ليس بصيد؛ لأن الإباحة بذكاة الاضطرار يتعلق بالعجز لا بكونه صيدًا حتى حلّ البعير الذي ندّ منه بذكاة الاضطرار، والصيد إذا وقع في يد إنسان لا يحل بذكاة الاضطرار، ولا عجز هاهنا؛ لأن الحمام يأوي ليلًا إلى البروج إلى هذا أشار شيخ الإسلام، (وإذا ذبح المحرم صيداً، فذبيحته ميتة) (٤) ولا تؤكل، وكذا ما ذبحه الحلال في الحرم، كذا في «الإيضاح» (٥). وذكر في «فتاوى قاضي خان» (٦): ولو اضطر إنسان في أكل ميتة وصيد ذبحه محرم يتناول أيهما شاء، وقال الشافعي (٧): "يحل ما ذبحه المحرم لغيره"؛ لأنه عامل له فانتقل فعله إليه، وهكذا أيضًا في «الإيضاح» (٨).

стр. 1495

قلتُ: هذا التعليل يدل على أن الدم في الغيب متعلق بقوله: (ذبحه) لا بقوله: (يحل)، ولكن يثبت الحل لذلك الغير الذي ذبحه لأجله لانتقال الفعل إليه، ولكن لفظ «المبسوط» (١) يدل على أنه حلال لغيره سواء ذبحه لأجله أو لنفسه، فقال: لا يحل تناول ما ذبحه المحرم لأحد من الناس. وقال الشافعي (٢): "لا يحل للمحرم القاتل تناوله، ويحل لغيره من الناس". وفي «الوجيز» (٣) للغزالي، "وما ذبحه المحرم بنفسه فأكله حرام عليه"، و [هل] (٤) هو ميتة في حق غيره؟ فيه قولان. وفي «المبسوط» (٥): (وحجته في ذلك أن معنى الذكاة في تسييل الدم النجس من الحيوان، وشرط الحل التسمية ندبًا أو واجبًا على اختلاف الأصلين، وذلك يتحقق من المحرم كما يتحقق من الحلال إلا أن الشارع حرم التناول على المحرم القاتل بطريق [العقوبة] (٦) ليكون زجراً له"، وهذا لا يدل على حرمة التناول في حق غيره كما يجعل المقتول ظلمًا حيًّا في حق القاتل حتى لا يرثه، وهو ميت في حق غيره، وحجتنا في ذلك قول الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٧)، والفعل الموجب للحل يسمى ذكاة شرعاً، فلما سماه قتلًا هاهنا عرفنا أن هذا الفعل غير موجب للحل أصلاً). قوله ﵀: (ولنا أن الذكاة فعل مشروع، وهذا فعل حرام فلا يكون ذكاة). (فإن قلتَ: يشكل على هذا ذبح شاة الغير بغير إذنه بأنه حرام محض حتى لو اضطر المسلم بين أكل الميتة فأكل مال الغير كان عليه أن يأكل الميتة لا مال الغير)، كذا في «المحيط» (٨) لما فيه من إتلاف ماله، ومع ذلك لو ذبحها، وهو فعل حرام يقع ذكاة فيحل تناولها. قلتُ: الذبح إذا كان ما يمنعه من الحل بالنهي لمعنى بالذابح أو المذبوح كان ذلك نهيًا لمعنى في عين (٩) الفعل فكان مانعًا من أن يكون المنهي عنه مشروعًا، وإذا كان المنع بالنهي لمعنى بالثالث، وهو المالك كان النهي لمعنى في غيره، ولم يصر عين الذبح حرامًا، بل الحرمة هناك كانت لصيانة حق المالك حتى زالت تلك الحرمة بإذنه، فكان مشروعاً في نفسه، ألا ترى أن سبب الملك إذا ورد على الصيد لم يفد الملك كالورود على الخنزير؛ لأنه يزيل إلا من حكمها، ويدل على هذا الأصل

стр. 1496

قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١)، كما قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (٢)، وقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (٣)، كما قال/ في النساء: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٤)، إلى قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٥)، فوصف الصيد بأنه محرم كما وصف الخنزير، والميتة، وهذا الوصف يدل على خروج المحل عن قبول الفعل الحلال شرعًا فيكون ذكاته حرامًا من كل وجه، وكذلك اصطياده، وشراؤه كنكاح الأم، وشراء الخنزير، وذبحه، وهذا لأن الفعل الحسي لا يتصور إلا بفاعل، ومحل ينفصل فيه الفعل، وكذا الشرعي فيكون الانعدام بعدم المحلية كما في الخنزير كالانعدام بعدم الأهلية (٦) من الفاعل، كما في المجوسي إلى هذا أشار في «الأسرار» (٧). (فينعدم بانعدامه). أي: فينعدم الميز بسبب انعدام كونه مشروعًا فلما لم يتحقق الميز بسبب انعدام كونه مشروعًا فلما لم يتحقق الميز (٨) بين الدم واللحم كان حرامًا لاختلاط دمه مع لحمه كالمنخنقة، والموقوذة. (فإن أكل المحرم الذابح من ذلك شيئًا فعليه قيمة ما أكل عند أبي حنيفة ﵀) (٩). وقال الإمام التمرتاشي ﵀: "فإن أكل منه الذابح قبل أن يؤدي جزاءه دخل ضمان ما أكل في الجزاء، وإن أكل بعدما أدّى فعليه قيمة ما أكل"، وقالا: "لا شيء عليه سوى التوبة". (ولهما: أن هذه ميتة). ولهذا تحرم على الحلال كما تحرم على المحرم، ثُمَّ قوله: هذه [ميتة] (١٠) تأنيث لتأنيث الخبر كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ (١١).

стр. 1497

(فصارت حرمة التناول بهذه الوسائط مضافة إلى إحرامه). وذلك لأن الحرمة باعتبار كونه ميتة، وكونه ميتة باعتبار خروج الصيد عن المحلية، والذابح عن الأهلية، وذلك باعتبار الإحرام، فكانت الحرمة مضافة إلى الإحرام بهذه الوسائط فكان متنأولًا محظور إحرامه، فيجب الجزاء كما قيل: إن شراء القريب إعتاق في الحكم؛ لأن الشري يوجب الملك، والملك في القريب يوجب العتق. ولا يقال: أن الحلال إذا ذبح صيداً في الحرم، فأدى جزاءه، ثُمَّ أكل منه لا يلزمه شيء آخر، وكذلك المحرم إذا كسر بيض صيد فأدى جزاءه، ثُمَّ شواه فأكل لا يلزمه شيء آخر؛ لأنا نقول: إن وجوب الجزاء هناك باعتبار الأمن الثابت بسبب الحرم، وذلك للصيد لا للحم، وكذلك البيض وجوب الجزاء فيه باعتبار أنه أصل الصيد، وبعد الكسر انعدم هذا المعنى يقرره أن المقتول بغير حق في حق القاتل كالحي من وجه حتى لا يرث، وكالميت من وجه حتى تعتق أم الولد بأن قتلت مولاها، فهنا يُبنى أمره على الاحتياط جعلناه كالحي في حق القاتل، وهو جزاء الإحرام فيلزمه بالتناول جزاء آخر أما جزاء صيد الحرم، فغير مبني على الاحتياط في الإيجاب؛ لأنه ليس فيه معنى العبادة، ولهذا لا تدخّل (١) للصوم فيه، فلذلك اعتبرنا فيه معنى اللحمية، فلا يجب فيه الجزاء، كذا في «المبسوط» (٢)، و «الفوائد». (فيما إذا اصطاده لأجل المحرم). بأن نوى أن يكون الاصطياد للمحرم سواء أمره بذلك أو لم يأمره كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٣) ﵀. (واللام فيما روى). أي: في قوله: (أو يصد له)، ثُمَّ شرط عدم الدلالة في روايته الكتاب بقوله: (إذا لم يدل المحرم عليه وفيه روايتان)، أي: في شرط عدم الدلالة لإباحة الأكل، (وفي صيد الحرم إذا قتله الحلال قيمة يتصدق بها على الفقراء (٤) إلا على قول أصحاب الظواهر، وهذا قول لا معتبر به لكونه مخالفاً للإجماع، والكتاب، والسنة أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٥)، ويقال: في اللغة أحرم إذا دخل في الحرم، وقال ﷺ : «إن مكة حرام حرّمها الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا ينفر صيدها» (٦) فإذا ثبت الأمن لصيد الحرم بهذه النصوص كان القاتل جانياً بإتلافه محلاً محترماً متقوماً [أي: فيلزمه] (٧) جزاءه، والجزاء قيمة الصيد كما في حق المحرم، كذا في «المبسوط» (٨).

стр. 1498

وذكر في «الإيضاح» (١): ولو قتل المحرم صيدًا في الحرم فعليه ما على المحرم أي: ما على المحرم الذي كان خارج الحرم، ولا يجب عليه لأجل الحرم شيء، والقياس أن يلزمه كفارتان؛ لأنه جنى على الإحرام، وعلى الحرم جميعًا فيجب عليه موجبهما، ووجه الاستحسان، وهو أن معنى تفويت الأمن إذا اعتبر مرة لإيجاب ضمان لا يمكن اعتباره لا يجاب ضمان آخر، وإنما أوجبنا ضمان الإحرام فيه معنى الجزاء وضمان المحل أيضًا، وضمان الحرم يجب عوضاً عن المحل لا غير مكان ضمان الإحرام مشتملاً على ضمانين فكان أولى،/ وذُكر في «شرح الطحاوي» (٢) المحرم إذا قتل صيداً في الحرم كان ينبغي أن يجب عليه جزءان للإحرام، وللحرم إلا أنه يجب عليه جزاءٌ واحدٌ؛ لأن حرمة الإحرام أقوى؛ لأن المحرم يحرم عليه الصيد في الحل، والحرم جميعًا واستتبع أقوهما أضعفهما. ولا يجزيه الصوم أي: فيما إذا قتل الحلال صيد الحرم، وأما إذا قتله المحرم في الحرم فإنه يتأدّى كفارته بالصوم؛ لأن في حق المحرم لا يظهر حرمة الحرم، فالواجب عليه كفارة، ولهذا يتأدى بالصوم، وعلى هذا لو دل محرم على صيد في الحرم وجب عليه الجزاء بخلاف الحلال إذا دلّ على صيد في الحرم كذا في «المبسوط (٣)»؛ لأنها غرامة وليست بكفارة فأشبه ضمان الأموال، فإن قلتَ: لو كان [ضمان] (٤) قتل صيد الحرم غرامة تشبه ضمان أموال الناس يجب أن لا يؤدي في ضمن أداء جزاء الإحرام فيما إذا قتل المحرم صيد الحرم كما لا يؤدي ضمان حق العبد في ضمن أداء جزاء الإحرام فيمن قتل صيداً مملوكاً لإنسان أو شرب خمر الذمي. قلتُ: نعم كذلك إلا أن حرمة الحرم دخلت في حرمة الفعل بالإحرام فيما نحن فيه؛ لأن حرمة الحرم في إثبات [الأمن] (٥) للصيد، وكذلك حرمة الإحرام، وهذان الضمانان لله تعالى، فأمكن أن يجعل أحدهما تبعاً للآخر بخلاف شرب خمر الذمي؛ لأن ما يجب بأداء الفعل حد الله تعالى فلا يمكن أن يُعطى (٦) به حق العبد، فصار حق العبد كأن الضمان لم يستوف فظهر، وإن كان تبعًا، وكذلك في قتل صيد مملوك لإنسان إلى هذا أشار في «الأسرار» (٧)، ولكن مشابهته بضمان الأموال من حيث أن وجوب الضمان باعتبار تفويت وصف ثابت في المحل، وهو صفة الأمن الثابت للصيد بسبب الحرم.

стр. 1499

ألا ترى أنه إنما يتغير هذا الحكم بتغير وصف المحل بخروجه من الحرم إلى الحل، وألا ترى أنه كما يجب ضمان الصيد بسبب الحرم يجب ضمان النامي من الأشجار النابتة في الحرم، ولاشك أن ما يجب بقلع (١) الأشجار يكون عدم المحل فكذلك ما يجب بقتل صيد الحرم يكون غرم المحل، فكان أشبه بغرامات الأموال، فكما لا مدخل للصيام في غرامات الأموال، وإن كان وجوبها بحق الله تعالى كإتلاف مال الزكاة والعُشر، فكذلك لا مدخل للصوم في جزاء صيد الحرم، وهذا لأنه لما أزال الأمن عن محل أمن لحق الله تعالى، فيلزمه بمقابلته إثبات صفة الأمن عن الجوع للمسكين حقًّا لله تعالى، وذلك بالإطعام يحصل دون الصيام، فأما صيد الإحرام، فلما كان الواجب لارتكابه فعلًا محرمًا حقّاً لله تعالى متأدى بفعل هو قربة حقًّا لله تعالى وهو الصيام. كذا في «المبسوط» (٢). فإن قلتَ: لو كان جزاء صيد الحرم من قبيل الغرامة، ومن قبيل ما يشبه ضمان أموال الناس لوجب على الصبي، والمجنون، والكافر غرامة إذا استهلكوا كما في أموال الناس، وقد نص في «الإيضاح»: على أنه لا يجب عليهم. قلتُ: هذا الضمان، وإن كان ضمان المحل من حيث أنه يتعلق بتفويت المحل، ولكن فيه معنى الجزاء أيضًا حتى أن حلالًا لو أصاب صيد الحرم، فقتله وفي يده حلال آخر، فعلى كل واحد منهما جزاء كامل لما أن كل واحد منهما متلف بجهة أحدهما بالأخذ المفوت للأمن، وذلك في معنى استهلاك. والثاني: الإتلاف حقيقة، فكان كمال الضمان على كل واحد منهما بمعنى آخر بخلاف المغصوب إذا أتلفه متلف في يد الغاصب حيث يجب ضمان واحد؛ لأنه عوض عن المحل لا غير، ثُمَّ يرجع الأخذ على القاتل هنا بما ضمن بالاتفاق، أما على قول أبي حنيفة ﵀ فظاهر؛ لأنه قال في باب الإحرام: إن المحرم يرجع على القاتل. وأما على قولهما، فيرجع في الحرم على القاتل لا يرجع في باب الإحرام؛ لأن الواجب على المحرم جزاء فعله، فلا يرجع على غيره، والواجب في باب الحرم ضمان المحل، فيجوز أن يرجع على غيره، كذا في «الإيضاح». (لأن الحرمة باعتبار معنى فيه). أي: في المحرم لا في الصيد، والفرق ما ذكرناه، وهو قوله: (لأنها غرامة) إلى قوله: (والواجب على المحرم بطريق الكفارة). وهل يجزيه الهدي، ففيه روايتان في إحدى الروايتين لا يتأدى الواجب بإراقة الدم بل بالتصدق باللحم حتى يشترط أن تكون قيمة اللحم بعد الذبح مثل

стр. 1500

قيمة الصيد، فإن كان دون ذلك لا يتأدى الواجب به، وكذلك إن سرق المذبوح؛ لأنه لا مدخل لإراقة الدم في الغرامات، فإنما المعتبر فيه التمليك من المحتاج، وذلك يحصل في اللحم. وفي رواية أخرى يقول: يتأدى الواجب بإراقة الدم حتى إذا سرق المذبوح لا يلزمه شيء)، ويشترط أن تكون قيمته قبل الذبح مثل قيمة الصيد؛ لأن الهدي مال يجعله لله تعالى، وإراقة الدم طريق صالح شرعاً لجعل المال خالصاً لله تعالى بمنزلة التصدق. ألا ترى أن المضحي يجعل الأضحية خالصة لله تعالى بإراقة الدم فكذلك هاهنا، كذا في «المبسوط» (١). (ومن دخل الحرم بصيد) (٢). أي: وهو حلال حتى يظهر خلاف الشافعي (٣)، فإن في المحرم لا يتوقف وجوب الإرسال إلى دخول الحرم، فإنه يجب عليه الإرسال بمجرد الإحرام بالاتفاق، فإنه يقول: حق الشرع لا يظهر في مملوك العبد؛ لأن حق الشرع إنما يثبت في المباح دون المملوك كالأشجار، فإنما ينبتها الناس في الحرم لا يثبت فيها حرمة الحرم، وقاس هذا بالاسترقاق، فإن الإسلام منع الاسترقاق لحق الشرع، ثُمَّ لا يزيل الرق الثابت قبله كذلك هاهنا، ولكنا نقول: حرمة الحرم في حق الصيد كحرمة الإحرام، فكما أن الحرمة بسبب الإحرام تثبت في حق الصيد المملوك حتى يجب إرساله، فكذلك الحرمة بسبب الحرم وليس هذا نظير الأشجار؛ لأن ما يثبته الناس ليس بمحل لحرمة الحرم أصلاً بمنزلة الأهلي من الحيوانات كالإبل، والبقر، والغنم، فأما الصيد مملوكاً كان أو غير مملوك، فهو محل لثبوت الأمن له بسبب الحرم، كذا في «المبسوط» (٤). وأما الجواب عن مسألة الاسترقاق: فإن بقاء الرق من الأمور الحكمية حتى يثبت بطريق التبعية في الأولاد المسلمين، فلأن يثبت في حق الرقيق أولى، فأما هاهنا فالمأخوذ صيد بدلالة الحرمة بالإحرام، فلما دخل في الحرم صار الصيد صيد الحرم، فإنه ليس المراد من صيد الحرم إلا أن يكون الصيد موجود في الحرم، وهذا كذلك يثبت في حقه الأمن كسائر الصيود، فلا يثبت حكم الحل في الأولاد فكذا فيه. قوله ﵀: (لما روينا) إشارة إلى قوله: (ولا ينفر صيدها). (وكذلك بيع المحرم) (٥). أي: يرد البيع إن كان قائمًا، وتجب القيمة إن كان فائتًا. قوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: (لأن البيع لم يجز).

стр. 1501

لما فيه من التعرض للصيد. حكم من أحرم وفي بيته صيد (ومن أحرم، وفي بيته أو في قفص معه صيد،) (١) ولفظ «الجامع الصغير» (٢) للصدر الشهيد (٣)، وغيره رجل أحرم، ومعه قفص فيه صيد. وقوله: (في قفص معه صيد). يحتمل أنه أراد به معه في يده، ويحتمل أنه أراد أنه مع خادمه أو في رجله، فكان لقائل أن يقول: إن كان معه في يده ينبغي أن يرسله؛ لأن القفص متى كان [معه كان] (٤) الطير في يده ألا ترى أنه يصير غاصباً للطير بغصب القفص، ولقائل أن يقول: لا يكون الطير في يده فإن كان القفص في يده، فلا يلزمه الإرسال، فإن الجنب إذا حمل مصحفًا في غلافه لم يُكره، ولم يكن ذلك كأخذه المصحف بيده بلا خلاف، كذا ذكره الفقيه أبو جعفر. وذكر عن أستاذه أبي بكر الأعمش: أنه لا يلزمه الإرسال سواء كان القفص في يده أو لم يكن، كذا في «الفوائد الظهيرية» (٥). وذكر الإمام الكشاني: (٦) "وإذا كان في يده فعليه إرساله، ولكن على وجه لا يضيع"، فإن إرسال الصيد ليس بمندوب كتسبيب الدابة، بل هو حرام إلا أن يرسله للعلف أو يبيح للناس أخذه، وبذلك جرت العادة الغاشية ألا ترى أن الرجل يحرم، وله بيوت الحمام لا يجب عليه إرسالها كذا في «الجامع الصغير» (٧) لقاضي خان ﵀، فلا يعتبر ببقاء الملك، فإن وجوب الجزاء لو كان دائرًا مع الملك ينبغي أن يجب الجزاء سواء أرسل أو لم يرسل، ولا يقول به أحد، فإنه أرسله لا ينعدم ملكه.

стр. 1502

(لزمه إرساله لكن على وجه لا يضيع). بأن يعلقه (١) في بيته. (فأرسله من يده غيره) (٢). أي: نزعه من يده، وتركه حتى ذهب، كذا في «الأسرار» (٣)، وله أنه ملك الصيد بالأخذ ملكًا مجترحاً احترازًا عما أخذ المحرم، فإنه لا يملك الصيد، فلا يبطل احترامه بإحرامه بدليل أن الحلال إذا أخذ الصيد، ثُمَّ أحرم فأرسله، ثُمَّ حل فوجده في يد (٤) غيره [كان له/ أخذه منه، بخلاف ما إذا أخذ الصيد، وهو محرم، ثُمَّ أرسله، ثُمَّ حل في إحرامه، فوجده في غيره] (٥)، فلا سبيل له عليه كذا في «الجامع الصغير» (٦) لقاضي خان. (والواجب عليه ترك التعرض). أي: [على] (٧) الحلال الذي أصاب صيداً، ثُمَّ أحرم فإن الصيد لم يبق محلاً للتمليك في حق المحرم؛ لأن الصيد محرّم العين على المحرم بالنص، فلم يملك الأخذ فلم يكن المرسل متلفاً عليه شيئاً، والقاتل مقرر لذلك أو لأنه جنى على إحرامه بقتل الصيد. (فيكون في معنى مباشرة علة العلة). أي: يكون القاتل بمنزلة علة العلة، فيضاف الضمان إليه فلذلك يرجع الأخذ على القاتل، فإن قلتَ: فيه وجوه من السؤال، وهي أن الآخذ لم يملك الصيد، ولا كانت له فيه يد محترمة، ووجوب الضمان له على القاتل [بأخذ هذين فكيف يرجع] (٨) عليه بالضمان، ولأنه بالقتل لزمته كفارة يفتي بها، ويخرج بالصوم منها، فلو رجع إنما يرجع عليه بضمان يطالبه، ويحبسه، ولا يجوز أن يرجع إليه بأكثر مما لزمه، ولأن الشيء لما خرج عن محلية التمليك لا يضمن المستهلك، وإن كان ضمن من في يده كمسلم يغصب خنزير ذمي أو خمره، ثُمَّ يجيء مسلم آخر فيستهلكه يضمن الآخذ للذمي، فإنه لا يرجع الآخر للذمي، فإنه لا يرجع الآخذ على المستهلك بشيء، وأقرب من هذا كله أن من حلف لا يأخذ هذه الشاة فأخذها، فجاء آخر فقتلها فكفر الأول عن يمينه لم يرجع بذلك على الثاني. قلتُ: إن اليد على هذا الصيد كانت يدًا معتبرة لحق الآخذ؛ لأنه يتمكن به من الإرسال، وإسقاط الجزاء به عن نفسه فالقاتل يصير مفوتًا عليه هذه اليد، فيكون ضامناً له، وإن لم يهلكه الأخذ كغاصب المدبر (٩) إذا قتله إنسان [ندّ] (١٠) في يده، فأدى الغاصب قيمته، فإنه يرجع على القاتل بقيمته كما لو ملكه، وإن كان المدبر لا ينقل من ملك إلى ملك، وكذا هاهنا [لما] (١١) أن الجزاء بدل العين، فوجب أن يقوم جودته مقام المالك في استحقاق ضمان قيمته.

стр. 1503

وأما قوله: فلو رجع إنما يرجع بضمان محبسه، فكان أكثر من الأول) قلنا مثل هذا التفاوت لا يمنع الرجوع كالأب إذا غصب مدبّر ابنه فغصبه منه آخر، ثُمَّ أن الابن ضمن أباه رجع الأب على الغاصب [منه] (١)، وإن كان هو لا يحبس فيما لزمه لابنه، ويكون [له] (٢) أن يحبس الغاصب منه فيما يطالبه به، ولا يقع الفرق بين ضمان يُفتي به وبين ضمان يُقضى به، فإن زكاة السائمة تدخل تحت القضاء، وزكاة سائر الأموال لا تدخل فلا فرق (٣) بينهما، ولكن حق الله إذا كان له طالب معين يكون له المطالبة، وإذا لم يكن له مطالب معين لا تبين المطالبة، وأما الجواب عن مسألة خمر الذمي فإن الشرع حرم الخمر، وأهانها لنجاستها، وفسادها فجرى ذلك مجرى هوان من المال كشربة ماء، وحبة حنطة، ولكن هذا في حق من يعتقد إهانتها، وهو المسلم، فكذلك لم يرجع المسلم على المسلم المستهلك لاتحاد اعتقادهما على الإهانة وفي التضمين إعزاز لها، وأما الصيد فثبت له زيادة احترام في حق المحرم بإحرامه كحرمة الآدمي، وهذا يدل على تأكد الضمان لا على سقوطه، وأما الجواب عن مسألة الكفارة، وأن الكفارة هناك إنما وجبت لهتك حرمة اسم الله تعالى، وهي جناية وقع فيها فيجبرها بالكفارة، وأما هاهنا بالجزاء بدل الصيد، والصيد متقوم في حق المحرم لما أنه حرم عليه بالإحرام والحرم، فكان مضموناً بالبدل كالحر، وإن لم يكن مملوكًا له، ولما كان الجزاء بدله قام بأدائه مقام المالك فيرجع عليه بحكم الملك تقريرًا إلى هذا أشار في «الأسرار» (٤)، و «المبسوط» (٥). أشجار الحرم ونباته (فإن قطع حشيش الحرم) (٦) إلى آخره. واعلم بأن شجر الحرم أنواع أربعة ثلاث منها يحل قطعها، والانتفاع بها من غير جزاء، وواحدة منها لا تحل قطعها، ولا الانتفاع بها، وإذا قطعها رجل فعليه الجزاء. بيان الثلاث: كل شجر أنبته الناس، وهو من جنس ما ينبته الناس وكل شجر أنبته الناس، وهو ليس من جنس ما ينبته الناس، وكل شجر منبت بنفسه، وهو من جنس ما ينبته الناس وبيان الواحدة هي كل شجر ينبت بنفسه، وهو ليس من جنس ما ينبته الناس، ويستوي في هذه الواحدة أن تكون مملوكة لإنسان بأن نبتت في ملكه أو لم يكن حتى قالوا: في رجل ينبت في ملكه أم غيلان فقطعها إنسان فعليه قيمتها لمالكها، وعليه قيمة أخرى لحق الشرع بمنزلة ما لو قتل صيداً مملوكاً في الحرم، وبعدما أدى جزاء الشجرة يكره للقاطع الانتفاع بها، وفي «المنتقى» عن أبي يوسف/ ﵀: "لا بأس لغيره من محرم أو حلال ينتفع به" كذا في «المحيط» (٧).

стр. 1504

قوله ﵀: (ولو نبت بنفسه في ملك رجل فعلى قاطعه قيمتان). فإن قلتَ: في هذا شبهتان إحداهما: أن النبات يملك بالأخذ، فكيف تجب القيمة بعد ذلك. والثانية: أن الحرم غير مملوك لأحد، فكيف يتصور قوله: (وقيمة أخرى ضمانًا لمالكه). قلتُ: أما الجواب عن الأولى، فإن قوله ﷺ «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي الثَلَاثٍ» (١) فمنها الكلأ، وهو في الكلأ الذي هو خارج الحرم، فأما في الحرم فما نبت من النبات ثبت حرام التعرض، فلا يقاس هو على غيره كما في صيده. وأما عن الثانية: فإن القول بكونه مالكًا على قول من يرى جواز تملك أرض الحرم، وهو قول أبي يوسف ومحمد على ما يجيء في كراهية هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، ثُمَّ في قوله: (فإن قطع حشيش الحرم) إلى أن قال: (فعليه قيمته) (٢). إشارة إلى تلك الواحدة؛ لأنه لمّا أضاف الحشيش إلى الحرم عُلم أنه مما لم ينبته الناس إلا فيما جفّ منه، وما تكسّر فلا بأس بالانتفاع به؛ لأن ثبوت الحرمة بسبب الحرم لما يكون ناميًا فيه حياة مثله، والمنكسر، وما يبس ليس فيه معنى النمو، فلا بأس بالانتفاع به على ما يأتي. وذكر في «الإيضاح» (٣) لفظ الحديث: «لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها» (٤) فالشجر اسم لما كان ينمو، وأما اليابس فهو حطب لا يختلى خلاه، واختلاه قطعة، والخلى: الرطب من المرعى، والعضد: قطع الشجر من باب ضرب. (لأن حرمة تناولها بسبب الحرم). لأن المحرم غير ممنوع عن الاحتشاش خارج الحرم. فكان [في] (٥) ضمان المحال على [ما] (٦) بيّنا، وهو قوله: لأنها غرامة، وليست بكفارة إلى آخره. فنذكر هاهنا أيضًا (٧) ما ذكرنا هناك من السؤال، والجواب، أعني: ما إذا قال: لو كان من ضمان المحال لوجب على الصبي، والمجنون، والكافر وقد ذكرناه.

стр. 1505

(بخلاف الصيد) أي: لا يجوز بيع صيد اصطاده محرم أو بيع صيد الحرم أصلاً، والفرق ما نذكره، وهو قوله: (لأن بيعه حياً (١) تعرضٌ للصيد الآمن). (ولو نبت بنفسه). أي: الذي لا ينبت عادة كأم غيلان، وقد ذكرناه. (لا بأس [بالرعي] (٢)، لأن فيه ضرورة). لأن الذين يدخلون الحرم للحج أو للعمرة يكونون على الدواب، ولا يمكن منع الدواب من رعي الحشيش، ففي ذلك من الحرج ما لا يخفى، فيرخص فيه لدفع الحرج، وعلى قول ابن أبي ليلى: لا بأس بأن يحتش، ويرعى لأجل البلوى، والضرورة فيه، فإنه يشق على الناس حمل علف الدواب من خارج الحرم. ولنا ما روينا وهو قوله ﷺ : «لا يختلى خلاها» (٣)، وإنما تُعتبر البلوى فيما ليس فيه نص بخلافه، فأما مع وجود النص، فلا يعتبر به. كذا في «المبسوط» (٤). وروي أن العباس ﵁ لما قال رسول الله ﷺ : «وَلا يُخْتَلَى خَلاهُ، لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ» (٥) قَالَ: إلاَّ الإِذْخِرَ يا رسول الله، فإنها لقبورهم وبيوتهم، فقال ﷺ : «إلاَّ الإِذْخِرَ»، وتأويل هذا أنه كان من قصده ﵇ أن يستثنى إلا أن العباس سبقه بذلك، أو كان أوحي إليه أن يرخص فيما يستثنيه العباس. كذا في «المبسوط» (٦). (وبخلافِ الكمأة). لأنها ليست من جملة نبات الأرض، بل هي مودعة فيها، وكذلك لا بأس بأخذ حجارة الحرم؛ لأن الانتفاع بالحجر في الحرم مباح، وما يجوز الانتفاع في الحرم يجوز إخراجه من الحرم أيضًا، كذا في «المبسوط» (٧). (وكل شيء فعله القارن فيما ذكرنا أن فيه على المفرد دماً فعليه دمان) (٨). فإن قيل: ينبغي أن يتداخلا كحرمة الإحرام، والحرم، فإن المحرم إذا قتل صيد الحرم لم يجب عليه إلا جزاء واحدٌ. قلنا: حرمة الإحرام أقوى من حرمة الحرم لما ذكرنا؛ لأنه يحرم قتل الصيد في الأماكن كلها، والحرم لا يحرمه إلا في الحرم، ولأن الإحرام يحرم الصيد، والحلق والتطيب، ولبس المخيط، والجماع، والحرم لا يحرم إلا الصيد، وتوابعه مما ينمو كالحشيش، والشجر فيتبع أضعف الحرمتين أقواهما؛ لن الأصل أن الشيئين إذا اجتمعا في إيجاب حكم واحد، وأحدهما أقوى من الآخر، فإن الحكم يضاف إلى أقواهما، ويجعل ما دونه كالمعدوم كالحافر مع الدافع، والجارح مع جاز الرقبة، وليس كذلك الحجّ والعمرة؛ لأن حرمتهما في المحرمات سواء فلم يتبع/ أحدهما الآخر، وذلك لأن العمرة، وإن كانت دون الحجّة في الفرضية، والأداء، فأما في الإحرام فهما سواء، فإن إحرامها يحرّم جميع ما يحرّمه إحرام الحجّ، وإذا استويا وجب إضافة الحرمة إليهما كما لو جرح اثنان رجلاً ومات أضيف القتل إليهما، كذا نُقل عن الإمام مولانا حميد الدين الضرير (٩) ﵀.

стр. 1506

وذكر في «المبسوط» (١) بعد ذكر قول الشافعي (٢): أن عنده على القارن جزاء واحداً (٣)، وعندنا عليه جزاءان فقال: لأن كل واحد من الإحرامين أصل مثل صاحبه، فيعتبر كل واحد منهما في إيجاب موجبه كأنه ليس معه صاحبه كما أن حرمة الجماع بسبب الصوم وعدم الملك إذا اجتمعا بأن زنى الصائم في رمضان يجب عليه الحد، والكفارة جميعًا. وكذلك حرمة الخمر ثابتة لعينها فتثبت باليمين إذا حلف لا يشربها، ثُمَّ عند الشرب يلزمه الحدّ، والكفارة جميعًا بخلاف حرمة الحرم، فإنها دون حرمة الإحرام؛ لما ذكرنا، وذكر شيخ الإسلام أن وجوب الدمين على القارن فيما إذا كان قبل الوقوف بعرفة في الجماع، وغيره من المحظورات. فأما بعد الوقوف بعرفة ففي الجماع يجب دمان، وفي سائر المحظورات يجب دم واحد لما أن إحرام العمرة إنما بقي في حق التحلل لا غير. (إلا أن يتجاوز الميقات) (٤) إلى قوله: (خلافًا لزفر). وقال [زفر] (٥) رحمة الله عليه: عليه دمان؛ لأنه أخّر الإحرامين جميعًا من الميقات، فيلزمه لكل إحرام دم. ألا ترى أن القارن إذا ارتكب سائر المحظورات يجب عليه ضعف ما يجب على المفرد، فكذلك إذا أحرم وراء الميقات ولنا أن المستحق عليه عند الميقات إحرام واحد. ألا ترى أنه لو أحرم للعمرة عند الميقات، ثُمَّ أحرم بالحجّ بعد ما جاوز الميقات كان جائزاً، ولا شيء عليه مع أنه قارنٌ أيضًا، فعرفنا أن المستحق عليه عنده الميقات إحرام واحد، فيجب عليه بتأخير ذلك الإحرام دم واحد بخلاف سائر المحظورات، فإنه صار بجنايته مرتكبا محظور إحرامين، فكان عليه جزاءان. وأما هاهنا فلم يصر محرمًا بعد حتى يترتّب عليه جناية إحرامين، إنما عليه أن يقضي حق الميقات بالإحرام، فيقضي هو بإحرام واحد، وكان التارك تارك إحرام واحد، فيجب عليه دم واحد، وأما إذا بدأ فأهلّ بالحجّة بعدما جاوز الميقات، ثُمَّ دخل مكة، فأهلّ بالعمرة أيضًا كان عليه دمان؛ لأنه أخّر إحرام الحجّ عن ميقاته، فوجب عليه دم [واحد] (٦)، ولمّا دخل مكة بإحرام الحجّة، فميقات إحرامه للعمرة الحِل بمنزلة ميقات أهل مكة، فحين أهلّ بالعمرة في الحرم فقد ترك ميقات إحرام العمرة أيضًا، فيلزمه لذلك دم آخر إلى هذا أشار في «المبسوط» (٧).

стр. 1507

(فعلي كل واحد منهما جزاء كامل). وقال الشافعي (١) ﵀: عليهما جزاء واحد؛ لأن من أصله أن المعتبر هو المحل، ولهذا قال: الدال الذي لم يتصل فعله بالمحل لا يلزمه شيء، والمحل هنا واحد، فلا يلزمه إلا جزاء واحد، وقاس بصيد الحرم، وحقوق العباد، وحجتنا ما بيّنا أن الواجب على المحرم جزاء فعله، وفعل كل واحد من القاتلين كامل جنى به على إحرام كامل، فيجعل في حق واحد منها كأنه ليس معه غيره كما في كفارة القتل، وكما في القصاص، فلمّا كان الواجب بطريق جزاء الفعل جعل كل قاتل كالمنفرد [به] (٢)، وبه فارق صيد الحرم؛ لأن وجوب الضمان هناك باعتبار المحلّ، ويسلك بضمان الصيد مسلك الغرامات يوضح الفرق أن المعتبر في الحرم حرمة الإحرام، وإحرام زيد غير إحرام عمرو، وهناك المعتبر حرمة الحرم، وهي متحدة في حق الفاعلين، وأما ضمان حقوق العباد فوجوبه بطريق الجبران، وذلك يتم بإيجاب بدل واحد، وما يكون بحق الله تعالى لا يكون بطريق الجبران؛ لأن الله سبحانه، وتعالى عن أن يلحقه نقصان ليكون ما يجب له جبرًا. (وإذا باع المحرم الصيد أو ابتاعه، فالبيع باطل) (٣). لأن الصيد في حقه محرّم العين، فلا يكون مالًا متقومًا كالخمر فهذا لا يجوز شراؤه أصلاً سواء اشتراه من محرم أو حلال، فإن عطبه في يده، فعليه الجزاء (٤) لجنايته على الصيد بإثبات يده عليه، وأنه إتلاف لمعنى الصيدية فيه، ويجب على البائع جزاؤه أيضًا إن كان محرمًا؛ لأنه جانٍ على الصيد بتسليمه إلى المشترى، ومفوت لما كان مستحقّاً عليه من تخلية سبيله، فكان ضامناً للجزاء، كذا في «المبسوط» (٥). (ومن أخرج ظبية من الحرم) إلى أن قال: (فعليه جزاءهن) (٦). ذكر بكلمة (من) ليتناول المحرم، والحلال فإن حكمهما/ في هذا الحكم واحد. (وهذه صفة شرعية فتسري إلى الولد). أي: كون الظبية مستحقة للأمن بالرد إلى الحرم صفة شرعية لها فتسري إلى الولد كصفة الحرية، والرقيّة في بني آدم فإن قلتَ: يُشكل على هذا ولد المغصوبة فإن المغصوبة واجبة الرد إلى مالكها على الغاصب بحيث لوهلكت بأي وجه كان يجب الضمان، ثُمَّ صفة كونها مستحقة الرد على الغاصب صفة شرعية فيها، ومع ذلك لم يسر إلى ولدها حتى لو هلك ولدها لا يجب الضمان لما أن زوائد الغصب غير مضمونة.

стр. 1508

قلتُ: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما ما ذكره الإمام الزاهد الصفار (١) ﵀ وهو إنما وجب جزاء الأولاد؛ لأن الذي أخرجه مأمور بإعادة الأم، والأولاد إلى المأمن، وهو الحرم فإذا لم يفعل دخلت الأولاد في الضمان بخلاف ولد المغصوبة؛ لأنه ما أمر صاحبه بإعادته إلى يده حتى لو كان مأمورًا من صاحبه نقول بضمانه، والثاني: ما أشار إليه فخر الإسلام ﵀ وهو أن الصيد آمن بالحرم بكونه متوحشًا فتصير (٢) الجناية عليه بإثبات اليد عليه؛ لأن التوحش، ومعنى الصيدية يزول به فساوى الفرع [الأصل] (٣) في هذا؛ لأنه كما أثبت اليد على الأم فقد أثبتها على الولد المجتنى فيها، فلما [ساوى] (٤) الفرعُ الأصلَ في علة الضمان ساواه أيضًا في الحكم بخلاف ولد المغصوبة؛ لأن إثبات اليد في باب الغصب لا يصلح علة للضمان؛ لأن مال المرء إنما يصان بالأيدي، وإنما يضمن بقطع اليد؛ لأن حقوق العباد إنما تضمن بالتفويت أبدا، والولد فارق الأصل في تفويت اليد؛ لأنه لا يتصور تفويت قبل الثبوت ففارقه في الحكم، والله أعلم بالصواب. بَابُ مجاوزة الوقت بغير إحرام لما ذكر بَابُ الجنايات، وأنواعها أعقبه ذكر باب مجاوزة الوقت بغير إحرام؛ لأن هذا من الجنايات أيضًا إلا أن هذا قبل الإحرام، وما ذكره من باب الجنايات، وما يتبعه بعد الإحرام، فمطلق ذكر جناية المحرم يتناول لما بعد الإحرام، فكان كاملًا في استحقاق اسم الجناية، فلذلك قدمه على هذا الباب. قوله ﵀: (فإن رجع إلى ذات عرق) (٥). تخصيصه بذات العرق بناء على ظاهر حال الكوفي، وإلا فالرجوع إلى ذات عرق، والرجوع إلى مواقيت أُخر [سواه] (٦)، سواء في سقوط الدم عنه في ظاهر رواية أصحابنا ﵀ لأنه ذكر في «شرح الطحاوي» (٧) فإن عاد إلى ميقات آخر سوى الميقات الأول الذي جاوز قبل أن يتصل إحرامه بالفعل سقط عنه الدم عند علمائنا الثلاثة، وعوده إلى هذا الميقات، وإلى ميقات آخر سواء، وروى عن أبي يوسف ﵀ أنه قال: ينظر إن عاد إلى ميقات، وذلك الميقات يحاذي الميقات الأول، ولم يعد (٨) إلى الحرم سقط عنه الدم، وإلا فلا يسقط.

стр. 1509

ولولم يعد إلى الميقات، ولكنه أفسد إحرامه إن كانت عمرة بجماعه قبل أن يطوف لها أكثر طوافها، وإن كان حجة بجماعه قبل الوقوف بعرفة سقط ذلك الدم عنه؛ لأنه وجب عليه قضاؤها، فانجبر ذلك كله بالقضاء كمن سها في صلاته، ثُمَّ أفسدها فقضاها؛ لا يجب عليه سجدتا السهو، وكذلك إذا فاته الحجّ، فإنه يتحلل بالعمرة فعليه قضاء الحجّ، وسقط عنه ذلك الدم، وهذا عندنا، وعند زفر لا يسقط عنه ذلك الدم، وذكر في «المبسوط» (١) فإذا جاوز الكوفي الميقات حلالًا، فقد ارتكب المنهي، وأخر الإحرام عن الميقات فتمكّن نقصان في حجة، ونقصان الحجّ يجبر بالدم، فإن رجع إلى الميقات ولبى، إن رجع قبل أن يحرم، فأحرم بالحجّ من الميقات فلا شيء عليه بالاتفاق، يعني: عندنا، وعند زفر ﵀ أيضًا؛ لأنه تلافى المتروك في وقته، ومكانه فصار في الحكم كأنه لم يجاوز الميقات إلا محرمًا، فإن الواجب عليه أداء الحجّ بإحرام يباشره من الميقات، وقد أتى بذلك. وإن كان [أحرم] (٢) بعدما جاوز الميقات، ثُمَّ عاد إلى الميقات فعلى قول أبي حنيفة ﵀ إن لبى عند الميقات سقط عنه بالدم، وإن لم يلبّ لا يسقط عنه الدم، وعندهما يسقط الدم عنه في الحالين جميعًا، وعند زفر فلا يسقط عنه الدم في الحالين جميعًا بخلاف الإفاضة؛ لأنه لم يتدارك المتروك/ لأن المتروك هناك استدامة الوقوف إلى غروب الشمس، وهو بعوده لم يتداركه في وقته حتى قال بعضهم: لو عاد قبل غروب الشمس يسقط عنه الدم؛ لأنه تدارك المتروك في وقته حين أفاض بعد غروب الشمس مع الإمام، وعند بعضهم لا يسقط؛ لأنه ما تدارك المتروك، وهو استدامة الوقوف فقد ترك جزأ من الوقوف إلى أن أعاد، وذلك الجزء لا يمكن تداركه، وبخلاف ما إذا دخل مكة، وطاف شوطًا؛ لأنه إنما أسقطنا عنه الدم باعتبار أنه مبتدئ للإحرام من الميقات، فيمكن في حجة الحجّ يجبر بالدم إلى الميقات، ورجع قبل تقديراً (٣) وفي اعتبار ذلك بطل الطواف الذي وجد منه، ولا سبيل إلى ذلك لوقوعه معتداً به فلا يمكن اعتباره مبتدئًا بعد ذلك أما هاهنا فبخلافه. (كما إذا مرّ به محرمًا ساكتًا). يعني: أن الواجب عليه أن يكون محرمًا عند الميقات لا أن ينشئ الإحرام عند الميقات ألا ترى أنه لو أحرم قبل أن ينتهي إلى الميقات، ثُمَّ مرّ بالميقات محرمًا، ولم يلبّ عند الميقات لا يلزمه شيء.

стр. 1510

وعنده يعود (١) محرمًا ملبياً لما أنه لما انتهى إلى الميقات حلالًا وجب عليه التلبية عند الميقات، والإحرام، فإذا ترك [ذلك] (٢) بالمجاوزة حتى أحرم وراء الميقات، ثُمَّ عاد فإن لبّى فقد أتى بجميع ما هو المستحق عليه، فسقط عنه الدم، وإن لم يلبّ، فلم يأت بجميع ما استحق عليه، وهذا بخلاف من أحرم قبل أن ينتهي إلى الميقات؛ لأن ميقاته هناك موضع إحرامه، وقد لبّى عنده فقد خرج الميقات المعهود من أن يكون ميقات الإحرام في حقه، فلذلك لا يضرّه ترك التلبية بخلاف ما نحن فيه، كذا في «المبسوط» (٣) وغيره لا يسقط عنه الدم (٤) بالاتفاق لما ذكرنا أن ما فعل وقع معتدًّا به، فبالعود إلى الميقات لا يعود حكم الابتداء، فلا يسقط عنه الدم. (وإذا دخله). أي: وإذا دخل البستان التحق بأهله سواء نوى الإقامة خمسة عشر يومًا أو لم ينو إلا أنه روى عن أبي يوسف ﵀ أنه إن نوى الإقامة بالبستان خمسة عشر يومًا كان له أن يدخل، وإن نوى الإقامة بالبستان دون خمسة عشر يوماً ليس له أن يدخل مكة إلا بإحرام، كذا في «المبسوط» (٥). (ومن دخل مكّة بغير إحرام، ثُمَّ خرج من عامه ذلك) (٦) إلى آخره. صورة المسألة أن الآفاقي إذا دخل مكة بغير إحرام، ولزمه بسبب دخوله مكة إما حجة أو عمرة عندنا خلافًا للشافعي (٧) على ما مرّ، ثُمَّ حج من عامة ذلك حجة الإسلام أو حجة أو عمرة نذرها، فحجة الإسلام، أو الحجّة المنذورة، أو العمرة المنذورة تنوب عن الحجّة أو العمرة التي وجبت عليه بسبب دخول مكة بغير إحرام حتى يسقط ذلك عنه [بإتيان] (٨) الحجّ المفروض أو غيره عندنا خلافًا لزفر ﵀. واعلم: أن هاهنا قيداً ذكره في «شرح الطحاوي» (٩)، وهو أن الآفاقي إذا جاوز الميقات قاصدًا مكة بغير إحرام مرارًا، فإنه يجب عليه لكل مرة إما حجة وإما عمرة، ثُمَّ لو خرج من عامه ذلك إلى الميقات، فأحرم بحجة الإسلام أو غيرها، فإنه يسقط عنه ما وجب عليه لأجل المجاوزة الأخيرة، ولا يسقط عنه ما وجب عليه لأجل مجاوزة قبلها؛ لأن الواجب قبل الأخيرة صار دينًا، فلا يسقط [عنه] (١٠) إلا بتعيين النية.
следующие страницы →