← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والقياس في الشعائر [الهمز] (١) كما في الصحائف والرسائل بخلاف المعايش والمشايخ [فإنهما] (٢) بياءٍ خالصة لما عرف (٣). والمراد من الشرع: المشروع؛ إذ لو كان المراد به الشارع لقال: شعائَره. والمشروع بإطلاقه يتناول الأسباب والأحكام الشرعية فكانت الإضافة إضافة بيان كخاتم فضة لجواز إضافة الأحكام إلى غير الشرع كالنحو وغيره، فكان هذا من المصنف رعاية المناسبة بين التحميد والتصنيف على ما قيل [ذكر] (٤) التحميد متضمنًا مضمون التأليف من شرط صحة التصنيف. - قوله: (وأحكامه) الحكم: الأثر الثابت بالشيء نحو الجواز والفساد (٥). (وَبَعَثَ رُسُلاً وَأَنْبِيَاءَ -صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ- إلَى سُبُلِ الْحَقِّ هَادِينَ، وَأَخْلَفَهُمْ عُلَمَاءَ إلَى سُنَنِ سُنَنِهِمْ دَاعِينَ، يَسْلُكُونَ فِيمَا لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُمْ مَسْلَكَ الاجْتِهَادِ، مُسْتَرْشِدِينَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ وَلِيُّ الإرْشَادِ) - قوله: (وبعث رسلاً وأنبياء) وغاير بينهما بالعطف؛ لأن «الرسول هو النبي [الذي] (٦) معه كتاب كموسى ﵇، والنبي هو الذي ينبئ عن الله وإن لم يكن معه كتاب كيوشع ﵇)، كذا في «الكشاف» (٧). وعن هذا قال النبي ﵇: «عُلَمَاءُ أمَّتِي كَأنْبِيَاء بَنِي إسْرَائِيْل» (٨) - ولم يقل: كرسل بني إسرائيل.

стр. 142

- قوله: (هادين … وداعين) صفتان لأنبياء وعلماء لا حالان (١) لما أن إيقاع الحال عن النكرة لا يحسن إلا عند تقديمها على ذي الحال، ولأن الحال يقتضي التزلزل والصفة تقتضي التقرر، اللهم [إلا أن يكون الحال] (٢) مؤكدةً، ولكن ليس هذا موضع المؤكدة (٣)، فكانت مبالغة المدح في إيقاعها صفة لاقتضائها [اللزوم لم يؤثر من أثر الحديث رواة] (٤). (وَخَصَّ أَوَائِلَ الْمُسْتَنْبِطِينَ بِالتَّوْفِيق حَتَّى وَضَعُوا مَسَائِلَ مِنْ كُلِّ جَلِيٍّ وَدَقِيقٍ) - قوله: (وخص أوائل المستنبطين) أراد بذلك -والله أعلم- أبا حنيفة وأصحابه ﵃ (٥)؛ إذ هم الذين شقوا غبار استنباط المسائل ووضعها، وهم الذين تولوا تمهيد قواعد المسائل الشرعية وتبيينها، وهم الملتذون (٦) بأي عذر استنباط المسائل الفقهية والمُترِصُون (٧) لأرهاص (٨) القواعد الدينية، وكل من صنف كتبًا بعدهم أو وضع مسألةً فهو مغترف من بحار علومهم، ومتجرعٌ من [عُمّان] (٩) أصولهم، وبانٍ على ما أصَّلوه وتالٍ على ما أسسوا، فلهم الدرجة العليا والرتبة القصوى. رزقنا الله شفاعتهم (١٠) آمين رب العالمين.

стр. 143

- قوله: (من كل جلي) أي: من كل ظاهر دركه، يعني به المسائل القياسية (١). - قوله: (ودقيق) أي: خفي دركه، يعني به المسائل الاستحسانية (٢)، نظيرهما إذا وقعت البعْرة (٣) في البئر، فيه قياس واستحسان؛ فالقياس: أن يفسد الماء لوقوع النجاسة في الماء القليل، وهذا دليل ظاهر دركه، والاستحسان أن لا يفسد؛ لأن آبار الفلوات ليست لها رؤس حاجزة، والمواشي تبعر حولها وتلقيها الريح فيها، فجعل القليل عفوًا للضرورة، ولا ضرورة في الكثير، وهذا دليل خفي دركه. (غَيْرَ أَنَّ الْحَوَادِثَ مُتَعَاقِبَةُ الْوُقُوعِ، وَالنَّوَازِلُ يَضِيقُ عَنْهَا نِطَاقُ الْمَوْضُوعِ) - قوله: (غير أن الحوادث) وقع استثناء عما قبله فلذلك انتصب، وهو جواب عمَّا يرد وشبهة على الكلام الأول؛ فإنه لما ذكر أن أوائل المستنبطين وضعوا المسائل من كل جلي ودقيق، كانت المسائل كلها موضوعة؛ [لأن المسألة لا تخلو إما أن كانت مما جليُّ دركه أو

стр. 144

دقيق دُركه كانت المسائل كلها موضوعة] (١)، فلأي معنًى تصدى من بعدهم من المستنبطين والمصنفين للاستنباط والتصنيف حتى تصديت أنت أيضًا لإنشاء هذا الكتاب، أليس يكفي موضوعاتهم؟ فأجاب عنه وقال: نعم كذلك إلا أن النوازل تنزل ساعةً بعد ساعةٍ، والحوادث تحدث حينًا غب حينٍ (٢)، فلا يستوعب جميعها نطاق الموضوعات ولا يجوز كلها حزام المنصوصات، فاحتيج إلى وضع آخر [على] (٣) حسب حادثة تحدث [لكن] (٤) مقتفيًا على آثارهم، ومقتبسًا من أنوارهم؛ فإنه لولا سِمَتهِم في وضع المسائل لما اهتدوا إليه، ولولا هديهم في تنقيح الدلائل لما اقتدروا عليه وكانوا في الحقيقة هم المتولين لوضع المسائل كلها بعضها بمباشرتهم وبعضها بتبيين طرقها، فكان لهم الأجر السَّني (٥) والذكر العلي. - قوله: (النطاق): والمنطقة كمر (٦). - قوله: (الموضوع): أي: موضوعات أوائل المستنبطين.

стр. 145

(وَاقْتِنَاصُ الشَّوَارِدِ بِالاقْتِبَاسِ مِنْ الْمَوَارِدِ) - قوله: (الاقتناص): الاصطياد. والقنص بالتسكين: مصدر قنصه أي: صاده (١). - قوله: (الشاردة) أي: الآبدة وهي النافرة من الشراد والشرود من حد ضرب. - قوله: (القبس): شعلة من نار. يقال: اقتبست منه نارًا واقتبست منه علمًا (٢) أيضًا أي: استفدته (٣). - قوله: (الموارد): جمع المورد (٤). [آب خور] (٥) فإنه لما استعار الشوارد للأحكام المستخرجة من الأصول بالاستنباط بجامع سبب الوصول إلى المقصود، واستعار الموارد للأصول باعتبار محل الوصول، ولأن [ما] (٦) بين الماء والعلم من المناسبة؛ إذ الأول سبب حياة الأشباح، والثاني سبب حياة الأرواح، فكان فيه ترشيح الاستعارة كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]؛ فإنه لما استعار الاشتراء لاختيار الضلال بترك الهدى رتب عليه عدم الربح الذي هو أحد نتائج البيع. (وَالاعْتِبَارُ بِالْأَمْثَالِ مِنْ صَنْعَةِ الرِّجَالِ) - قوله: (والاعتبار بالأمثال من صنعة الرجال) أي: وقياس الأحكام على نظائرها بالعلل المؤثرة من صنيع الكاملين في الرجولية الجامعين لما يكون في الرجال من مرضيّات الخصال لا من صنيع كل [واحد] (٧)، وجعل من عداهم [كأنه] (٨) ناقص في الرجولية، ثم ذكر صعوبة الوقوف على المأخذ، بقوله: يعض عليها بالنواجذ (٩).

стр. 146

(وَبِالْوُقُوفِ عَلَى الْمَآخِذِ يُعَضُّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ) (النواجذ): أربعٌ للإنسان في أقصى الأسنان من كل جانب واحدة فوقًا وتحتًا، وتسمى أضراس الحلم؛ لأنها [تنبت] (١) بعد البلوغ، يقال: عض على ناجذه إذا صبر وتصلب، ومنه قول عمر ﵁: «مَا وَلي أحَدٌ إلا [حام] (٢) على قَرابَتِه وقَرَى في عَيْبَته ولَنْ يَلي النَّاس كقُرشِي عضّ عَلى نَاجِذِه» (٣) أي: يعض على/ ٢/ أ/ المأخذ بالنواجذ، أي: استنباط الحكم من الموارد أمرٌ صعبٌ لا يهتدي إليه أحدٌ إلا بتوفيق الله تعالى، فيجب أن يوجد التصلب والاهتمام في حقه، فلذلك وصف أصحابه بكمال الرجولية.

стр. 147

(وَقَدْ جَرَى عَلَى الْوَعْدِ فِي مَبْدَإِ بِدَايَةِ الْمُبْتَدِي أَنْ أَشْرَحَهَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى شَرْحًا أَرْسُمُهُ «بِكِفَايَةِ الْمُنْتَهِي»، فَشَرَعْت فِيهِ وَالْوَعْدُ يَسُوغُ بَعْضَ الْمَسَاغِ، وَحِينَ أَكَادُ أَتَّكِئُ عَنْهُ اتِّكَاءَ الْفَرَاغِ) - قوله: (والوعد يُسَوَّغُ بعض المساغ) أي: يجوز بعض التجويز لا كله، ووجهه: إني شرعت في شرح «البداية» الذي هو موسوم بـ «كفاية المنتهي» بسبب وعدٍ جرى عَليَّ حال شروع تصنيف «بداية المبتدي»، وقد تصدى عليَّ حالتان متنافيتان حال إرادة ابتداء الشروع في الشرح: إحداهما: تقتضي الإنجاز، وهي أن الخلف في الوعد مذموم شرعًا، وهو من علامات النفاق في الحديث: «ثَلاثٌ مِن عَلامَاتِ النِّفَاق: إِذا وَعَدَ أخلف، وإِذا اؤتُمِنَ خان، وإذَا حدَّثَ كَذَبَ» (١). والثانية: تقتضي الامتناع، [وهي] (٢) أن التصنيف شيء عظيم الشأن بعيد الشأو (٣) عميق القعر، لا يسلم فيه كل سابح، ولا يغلب كل رامح، ولا يرضي كل أحد بأن يصير مستهدفًا لرشق الطاعنين، والأصل في المتعارضين العمل بقدر الإمكان [وفي القول ببعض التجويز عمل بهما بقدر الإمكان] (٤) إذ في ترجيح أحدهما إبطال الآخر لا محالة فكان هذا من المصنف: هضم النفس، ورؤية انحطاط رتبته. ثم قوله: (والوعد يسوغ بعض المساغ) محله النصب على أنه جملة حالية من التاء في (فشرعت) من غير ضمير راجع منها إليه كما في قولك: أتيتك والجيش قادم. أتكئ عنه. عدَّى الاتكاء بعن وإن كان هو يعد بعلى لتضمين معنى الفراغ كما في قوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠] على تضمين معنى الإمالة.

стр. 148

(تَبَيَّنْتُ فِيهِ نُبَذًا مِنْ الإطْنَابِ وَخَشِيتُ أَنْ يُهْجَرَ لأجْلِهِ الْكِتَابُ، فَصَرَفْتُ الْعِنَانَ وَالْعِنَايَةَ إلَى شَرْحٍ آخَرَ مَوْسُومٍ بِالْهِدَايَةِ، أَجْمَعُ فِيهِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَ عُيُونِ الرِّوَايَةِ وَمُتُونِ الدِّرَايَةِ، تَارِكًا لِلزَّوَائِدِ فِي كُلِّ بَابٍ، مُعْرِضًا عَنْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الإسْهَابِ، مَعَ مَا أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى أُصُولٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهَا فُصُولٌ). - قوله: (تَبيَّنت): أي: علمت. يقال: في رأسه نبذ من شيب، وأصاب الأرض نبذٌ من مطر أي: شيء يسير (١). عين الشيء: خياره. ومتن الشيء بالضم متانة فهو متين أي: صلب، ويقال: رجل مَتِنٌ أي: صلب وقوي (٢). والمراد من [متون] (٣) الدراية هو المعاني المؤثرة، والنكاة المتينة التي لا تنتقض. - قوله: (مع [ما] (٤) أنه يشتمل على أصول يسحب عليها فصول) فيه دفع لوهم من عسى يهم أنه لما ترك الزوائد في كل باب وأعرض عن الإسهاب حينئذٍ لعله لم يأت بأصولٍ ذات فوائد فقال: مع كونه محذوف الزوائد، هو مشحون بالفوائد، هذا كما أصل في فساد البيع بالشرط فهو كل شرط يخالف مقتضى [العقد] (٥)، وفيه نفع لأحد المتعاقدين أو للمعقود عليه، وهو من أهل الاستحقاق يفسد البيع وإلا فلا، ففي كل قيد منه احتراز عما يضاده، وجمع لما يوافقه، وكذلك قال في مسألة المجازاة [ومن شروط المجازاة] (٦) أن تكون الصلاة مشتركة، وأن تكون مطلقة، وأن تكون المرأة من أهل الشهوة، وأن لا يكون بينهما حائل وأمثالها كثيرة يعثر عليها في أثناء كلماته. (وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنِي لِإِتْمَامِهَا، وَيَخْتِمَ لِي بِالسَّعَادَةِ بَعْدَ اخْتِتَامِهَا، حَتَّى إنَّ مَنْ سَمَتْ هِمَّتُهُ إلَى مَزِيدِ الْوُقُوفِ يَرْغَبُ فِي الْأَطْوَلِ وَالْأَكْبَرِ، وَمَنْ أَعْجَلَهُ الْوَقْتُ عَنْهُ يَقْتَصِرْ عَلَى الْأَقْصَرِ وَالْأَصْغَرِ. وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ وَالْفَنُّ خَيْرٌ كُلُّهُ.) - قوله: (لإتمامهما واختتامهما) وفي بعض النسخ: لإتمامها واختتامها (٧)، والتثنية راجعة إلى الشرحين. - قوله: (المزيد): مصدر كالزيادة. - قوله: [شعر] (٨) (وللناس فيما يعشقون [مذاهب] (٩) الشعر لأبي فراس (١٠) أوله: عليَّ لربع العامرية وقفةٌ … ليملي على الشوق والدمع كاتب ومن [مذهبي] (١١) حب الديار لأهلها … وللناس فيما يعشقون مذاهب والياء في ليملي ساكنة لضرورة الشعر.

стр. 149

(ثُمَّ سَأَلَنِي بَعْضُ إخْوَانِي أَنْ أُمْلِيَ عَلَيْهِمْ الْمَجْمُوعَ الثَّانِي، فَافْتَتَحْتُهُ مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي تَحْرِيرِ مَا أُقَاوِلُهُ مُتَضَرِّعًا إلَيْهِ فِي التَّيْسِيرِ لِمَا أُحَاوِلُهُ، إنَّهُ الْمُيَسِّرُ لِكُلِّ عَسِيرٍ وَهُوَ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِالإجَابَةِ جَدِيرٌ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.) - قوله: (المقاولة): القول، ولكن فيها زيادة مزاولة ومقاساة ليست في القول؛ لأنها من باب المغالبة والمباراة والفعل متى غولب فيه جاء أبلغ وأحكم مما إذا زاوله وحده لزيادة قوة الداعي إليه. - قوله: (المحاولة): طلب الشيء بحيلة، ومنه الحديث: «اللهُمَّ بِكَ أحَاوِل وَبِكَ أصَاول» (١). روي أنه ﵇ كان يقول هذا الدعاء عند لقاء العدو أي: بنصرتك وتوفيقك ادفع عني كيد العدو واطلب الوثوب عليهم. ومن إنشاء الإمام عماد الدين (٢) ابن شيخ الإسلام صاحب [«الهداية»] (٣) رحمهما الله في حق [«الهداية»] (٤): كتاب الهداية يهدي الهدى … إلى حافظيه ويجلو العمى فلازمه واحفظه يا ذا الحجى … فمن ناله نال أقصى المنى (٥)

стр. 150

كتاب الطهارة - قوله: (كتاب الطهارة) كان شيخي الأستاذ الكبير البارع النحرير (١)، أستاذ علماء الخافقين (٢)، فخر الحاج والحرمين، مولانا حافظ الدين محمد بن [محمد] (٣) بن نصر البخاري (٤): وأثابه الجنة كثيرًا ما يقول عند ابتداء كتاب من كتب المشروعات: الأصل المذكور في أصول الفقه هو أن مشروعات الشارع على أربعة أنواع حقوق الله خالصةً وحقوق العباد خالصةً، وما اجتمع فيه الحقان وحق الله [فيه غالبٌ] (٥) كحد القذف، وما اجتمع فيه الحقان وحق العبد فيه غالب كالقصاص. وأما حقوق الله تعالى على الخلوص فثمانية عبادات خالصة كالإيمان والصلاة وغيرهما، وعقوبات كاملة كالحدود، وعقوبات قاصرة كحرمان الإرث بالقتل، وحقٌّ دائر بين العبادة والعقوبة كالكفارة. وعبادة فيها معنى المؤنة كصدقة الفطر، ومؤنة فيها معنى القربة كالعشر (٦)، ومؤنة فيها معنى العقوبة/ ٣/ ب/ كالخراج (٧).

стр. 151

وحقٌّ قائم بنفسه من غير سابقة سبب يوجبه كخمس الغنائم والمعادن (١). وأما حقوق العباد فكثيرة منها المعاملات المالية كالبيع، وغير المالية كالنكاح والطلاق. ثم اختص الإيمان بالله وما يتلوه بأصول الدين فبقيت الأحكام الأخر وهي التي نحن فيها، ثم قدمت من بينها الصلاة؛ لما أنها أقوى أركان الإسلام بعد الإيمان بالله، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [التوبة: ٥]، وقال ﷺ : «الصَّلاةُ عِمَاد الدِّيْنِ» (٢). ومن أراد نصب خيمة بدأ بنصب العماد وهي [أعلى] (٣) معالم الدين ما خلت شريعة [المرسلين] (٤) عنها.

стр. 152

قال الإمام شمس الأئمة السرخسي (١) ناقلاً عن أستاذه شمس الأئمة الحلواني (٢) - رحمهما الله- يقول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] أي: لأني ذكرتها في كل كتاب منزل على لسان كل نبي مرسل. وفي اسم الصلاة ما يدل على أنها ثانية [الإيمان] (٣)؛ لأن المصلي هو التالي للسابق في [الخيل] (٤). قال القائل (٥): ولا بد لي من أن أكون مصليًّا … [إذا] (٦) كنت أرضى أن يكون لك السبق» (٧) ثم قدمت الطهارة؛ لأنها شرط الصلاة، والشرط يقدم على المشروط، والتوقف حكم المشروط على وجود الشرط.

стр. 153

ثم اختصت الطهارة بالبداية من بين سائر الشروط؛ لأنها أهم من غيرها؛ لأنها لا تسقط بعذر من الأعذار. ثم ذكر الطهارة بلفظ الجمع، ولم يوحد كما وحد الصلاة والزكاة لما أن لام التعريف إذا دخلت على الجمع تبطل معنى الجمعية لما عرف في [أن] (١) لا أتزوج النساء، ولا أشتري العبيد، فكان لفظ الجمع والفرد سواء، [ولكن في سؤال اختصاص من جهة الرجحان بأن يقال: لمَ لم ينعكس الأمر باعتبار الجمع فزال الإشكال] (٢). ولا يشكل على قولنا هذا وهو أن لام التعريف إذا دخلت على الجمع تبطل معنى الجمعية (٣). قوله: (لو حلف أن لا يكلمه الأيام) [فهو] (٤) على عشرة أيام عند أبي حنيفة:. وقالا (٥): على أيام الأسبوع؛ لأنا نقول: ما ذكرنا مقرر على أصله حيث بطل معنى الجمعية فيها؛ إذ لو لم تبطل لكان الأيام وأيام سواء في إرادة [الثلاث] (٦) كما هو حكم الجمع بدون الألف واللام في قوله: لا يكلمه أيامًا، ثم [لما بطل] (٧) معنى الجمعية باللام صار اللام للعهد، والمعهود عندهما الأسبوع. وعند أبي حنيفة: منتهى الجموع (٨)، وصار صرف الكلام إلى ما قال كل واحد من الفريقين [باعتبار العهد لا] (٩) باعتبار الجمع فزال الإشكال، ولكن بقي سؤال اختصاص جهة الرجحان بأن يقال: لم لم ينعكس الأمر بأن وُحِّد في الطهارة وجمع في الصلاة والزكاة.

стр. 154

قلنا: كأنه التفت إلى اختلاف أنواع الطهارة حدًّا وحقيقةً، فإن طهارة الوضوء مخالفة لتطهير الثوب؛ فإن المراد من طهارة الوضوء نفس إمرار الماء، ونفس إصابته، وفي الثوب غسله حتى يزيل النجاسة، وكذلك طهارة التيمم مخالفة لهما. أما الصلاة المطلقة فليست بمختلفة الحقائق (١)؛ إذ هي عبارة عن الأركان المعهودة، وإن تنوعت من حيث الصفات بالفرض والواجب والنفل، وكذلك في الزكاة يجمع أنواعها قوله ﵇: «هَاتُوا ربْعَ عشُورِ أمَوالِكُمْ» (٢). فكان المؤتى من كل أنواع المال ربع العشر، فكانت شيئًا واحدًا من حيث ربع العشر (٣).

стр. 155

ويجوز جمع المصادر (١) وتثنيتها إذا كانت في آخرها تاء التأنيث كما في قولهم: أجزأته السجدة عن التلاوتين، والتلاوات المتعددة في مكان واحد بمنزلة تلاوة واحدة، ولأن المصدر يؤول بالحاصل من المصدر فيجمع كالعلوم والبيوع. ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الْآيَةَ. [المائدة: 6]. - قوله: (قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٦] الآية). كان من حقه أن يؤخر الآية عن قوله: ففرض الطهارة؛ لأن [حجة] (٢) المدعي على ما ادعاه إنما يكون بعد الدعوى لا محالة كما أخبر في غير هذا الموضع من قوله: والمعاني الناقضة للوضوء ما يخرج من السبيلين؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية وغيره إنما فعل ذلك تبيينًا للأصل وهو أن الأصل لثبوت/ ٣/ أ/ الأحكام بالأصول الثلاثة أو الأربعة، وكان من حق الوضع أن يكون في المواضع كلها كذلك لما أن الفرع بعد ثبوت الأصل؛ لأنه مبني عليه، والأصل إن ترك استعماله لا يخرج عن كونه أصلاً، لكن يبقى سؤال: [ما] (٣) جهة الاختصاص بهذا الموضع لإجراء الأصل؟ قلنا: هي [للتبرك] (٤) بالافتتاح بكلام الله تعالى. - قوله تعالى: (﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]) أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة كما في قول الشاعر: إذا [طبخت] (٥) فابدئي بالميمنة. فإن قلت: لِمَ جاز أن يعبر عن إرادة الفعل بالفعل؟ قلت: لأن الفعل يوجد بقدرة الفاعل عليه وإرادته له وقصده إليه، فكما عبَّر عن القدرة على الفعل بالفعل في قولهم: الإنسان لا يطير، والأعمى لا يبصر. أي: لا يقدر على الطيران والإبصار. ومنه قوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] أي: إنا كنا قادرين على الإعادة، كذلك عبر عن إرادة الفعل بالفعل، وذلك لأن الفعل سبب عن القدرة والإرادة على الخصوص؛ إذ لا يوجد الفعل بدونها فأقيم المسبب مقام السبب للملابسة بينهما، ولإيجاز الكلام عند عدم اللبس، كذا في «الكشاف» (٦). ثم ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة سواء كان محدثًا أو غير محدث، وعليه أصحاب الظواهر (٧) فقالوا: الوضوء سببه القيام إلى الصلاة، فكل من قام إليها فعليه أن يتوضأ.

стр. 156

وأما المذهب عند جمهور الفقهاء فمعناه: إذا قمتم إلى الصلاة من منامكم أو وأنتم محدثون (١). وما قاله أصحاب الظواهر فاسد لما روي أن النبي ﵇ كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الخمس بوضوء واحد، فقال له عمر ﵁: رأيتك اليوم فعلت شيئًا لم تكن تفعله من قبل؟ فقال: «عَمْدًا فعَلْتُ يَا عُمَر كَي لا تحْرِجُوا» (٢). [فقياسية] (٣) مذهبهم يوجب أن من جلس فتوضأ ثم قام إلى الصلاة يلزمه وضوء آخر، فلا يزال كذلك مشغولاً بالوضوء لا يتفرغ للصلاة، وفساد هذا لا يخفى على أحد. كذا ذكره في «المبسوط» (٤) إمام الدنيا وَمِلاكُ الحُدّيَا (٥) سيما على أهل الفتيا، شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي تغمده الله بالرحمة والرضوان، وأسكنه في فراديس الجنان. فإن قلت: هذا زيادة تقييد لإطلاق الكتاب بخبر الواحد (٦)، وأنتم تأبون ذلك كما أبيتم زيادة تعيين الفاتحة على القراءة، وزيادة الطهارة على الطواف بخبر الواحد.

стр. 157

قلت: بين الزيادتين فرق وهو: أن هذه الزيادة لو لم يكن فيما نحن فيه يلزم منه فساد بيِّن، وحرج ظاهرٌ على ما ذكرنا، وقد نفاه الشارع بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨] [وحجته] (١) لا تتناقض فكانت الزيادة ثابتة بالنص الذي ينفي الحرج، وخبر الواحد وقع موافقًا له (٢)، وهذا كما بينت زيادة أفطر في قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي: فأفطر؛ لأنه لو لم يضمر قوله: فأفطر. كان الحكم عائدًا على موضوعه [بالنقض] (٣)؛ لأنه حينئذٍ كان الصوم واجبًا على المريض والمسافر يومان ليوم واحد، وما جوز [الشرع] (٤) تأخير الصوم [عنهما] (٥) إلا لنفي الحرج عنهما لقيام العذر بهما، فعلى ذلك التقدير يكون التكليف عليهما أشد من التكليف على [الصحيح المقيم] (٦)، ولهذا ذكر الله تعالى عقيبه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] بخلاف قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] حيث لا يلزم القبح والفساد على تقدير ترك الزيادة، بل فيه تقدير لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] مع أن الإطلاق والإبهام قد يكونان مقصودين لما عرف.

стр. 158

أو نقول: اشتراط الحدث لوجوب الوضوء بسبب إرادة القيام إلى الصلاة ثابت هنا بدلالة النص وصيغته. أما الدلالة فلأنه ذكر التيمم بالتراب الذي هو بدل عن الماء معلقًا بالحدث، وكذلك ذكر الغسل معلقًا بالحدث وهو أعظم الطهرين، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [المائدة: ٦] الآية، والنص في البدل نص في الأصل، وإنما يخالف البدل الأصل بحالة وهي الكيفية والكمية لا سببية فكانا متحدين في عمل السبب. وأما الصيغة فقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] أي: من مضاجعكم؛ لأن القيام المطلق كان [من] (١) غير القيام مطلقًا وهو الاضطجاع وهو كناية عن النوم، والنوم دليل الحدث كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] فهو كناية عن التمكن في المكان المطمئن للإستتار والتمكن فيه دليل الحدث، وإنما اختير هذا النظم -والله أعلم-؛ لأن الوضوء مطهر وضعًا فدل على قيام النجاسة فاستغنى عن ذكره بخلاف التيمم والصلاة سبب الوضوء والحدث شرط فلم يذكر الحدث صريحًا ليعلم أنه سنة وفرض، فكان الحدث شرطًا لكونه فرضًا لا لكونه سنة، فأما الغسل فلا يسن لكل صلاة بل هو فرض فلم يشرع إلا مقرونًا بالحدث. ولا يقال: إن الغسل سنة للجمعة [فيثبت] (٢) التنوع فيه؛ لأنا نقول: المدعى أنه لا يسن لكل صلاة فلم يتجه نقضًا، أو نقول: كونه سنة لصلاة الجمعة غير مسلَّم؛ لأن الغسل عند البعض لليوم أو الصلاة. وهذا مما اختاره فخر الإسلام البزدوي (٣):، وذكره في الكشاف: «فإن قلت: هل يجوز أن يكون الأمر شاملاً للمحدثين وغيرهم لهؤلاء على وجه الإيجاب، ولهؤلاء على وجه الندب. قلت: لا؛ لأن تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الإلغاز والتعمية» (٤)، ثم

стр. 159

قول من قال: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ﴾ [المائدة: ٦] من قبيل صنعة الالتفات (١) مما لا يكاد يصح بيان ذلك وهو أن «يا» حرف نداء يقتضي الخطاب، يستوي فيه نداء البعيد والقريب، «وأي» منادى مبهم، وهو يقتضي المضاف إليه، قيل: لأن أصله «أويٌ»؛ لأن «أيًّا» أبدًا بعض ما يضاف إليه، وبعض الشيء يأوي إلى كله إلا أن الواو قلبت ياءً لسبق الواو الساكنة على الياء، ولاستجابة الإضافة عوضوا عنه كلمة التنبيه مقحمةً. وقوله: (﴿الَّذِينَ﴾) على وجهين: أما إن كان صفته ولفظ الجمع باعتبار أبهام «أي» وهو يوصف بالاسم الذي فيه الألف واللام كما في: [يا] (٢) أيها الرجل. وأصل «الذي» على زنة شجي وعَمِي، ثم [دخل] (٣) حرف التعريف عليه فكان هو بمنزلة اسم الجنس بحرف التعريف في كونه صفة له، كذا في «الإقليد» (٤). وأما إن كان موصوف «الذين» محذوفًا؛ لأن الذي وضع وصلةً إلى وصف العارف بالحمل، «وأي» ليس بمعرفة فلا يكون «الذين» صفة له بل كان تقديره: يا أيها الناس الذين آمنوا، ويا أيها الرجال الذين، أو يا أيها المؤمنون الذين، والموصولات كلها غيب يلزم أن يكون صلتها، وهي: آمنوا مغايبة أيضًا وفاقًا لها حتى احتيج إلى التأويل في قول علي ﵁ (٥): «أنا الذي سَمَّتْني أمِّي حَيْدَرَة». في وروده على خلاف القياس ذكره في الفائق (٦).

стр. 160

وقوله: (﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾) بالخطاب في [نحره] (١) ومقطعة أيضًا لاقتضاء حرف النداء إياه إذ لا يمكن أن يقال: يا فلان إذا فعل مكان فعلت لتنافر جزئي الكلام، فكان كل واحد من الغيبة والخطاب في مظانه بحيث لا يمكن العدول عنه لئلا يخرج عن سنن العربية ووضعها، والالتفات إنما يكون في موضع حقه الغيبة فذكره بالخطاب، أو على العكس أو منهما إلى نفس المتكلم أو على العكس، فأما في موضع لا يجوز غير ما ذكره من الغيبة والخطاب فلا؛ لأن في ذلك خروجًا عن [وضع] (٢) العربية، ألا ترى أنه كيف [لم تتخلف] (٣) هذه الطريقة في اثنين وثمانين موضعًا في كتاب الله تعالى كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا﴾ [البقرة: ١٥٣]، وكذلك في خطاب الكفار: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا﴾ [التحريم: ٧]، وكذلك في إخبار الله تعالى عن خطاب الكفار -لعنهم الله (٤) - لنبينا ﷺ (٥): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ [الحجر: ٦]، ولو كان للالتفات لما تناسقت مواقعها كلها على موضوع واحد، بل تغايرت لإجراء الكلام على الأصل، ألا ترى كيف أجري على الأصل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، والتفت في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، وكذلك أجرى على الأصل [في سورة الحمد] (٦) في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] الآية، والتفت في الفاتحة بقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]. وما ادعوه من المعنى الداعي إلى الالتفات في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ﴾ [المائدة: ٦] من تناول الغائبين إلى يوم القيامة بذكر الغيبة والحاضرين بذكر الخطاب على وجه التصريح منقوض بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ [الحجر: ٦]؛ إذ لا نبي بعد نبينا ﵇ حتى يتناول ذكر الغيبة إياه، والله أعلم بصحته.

стр. 161

(فَفَرْضُ الطَّهَارَةِ: غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الثَّلاثَةِ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ) بِهَذَا النَّصِّ، -قوله: (ففرض الطهارة) الفاء ها هنا لتعقيب الجملة عن الجملة على وجه البيان، فإن هذا الحكم استفيد من هذه الآية، ولكن في بعض الكميات والكيفيات نوع إشكال حتى وقع الخلاف فيها فَشَرعَ في بيانه. والفرض: التقدير (١)، وها هنا بمعنى المفروض (٢) كقوله تعالى/ ٤/ أ/: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي﴾ [لقمان: ١١] أي: مخلوقه. والإضافة للبيان؛ لأن الفروض قد تكون من الطهارة ومن غيرها، ثم يحتاج ها هنا إلى بيان [نفس] (٣) الطهارة لغةً وشرعًا، وبيان سببها، وشرطها، وركنها، وحكمها. تعريف الطهارة أما تفسيرها لغة: النظافة وخلافها الدنس وتفسيرها شرعًا: التطهير بغسل أعضاء مخصوصة وخلافه الحدث (٤). سبب الطهارة وسبب (٥) وجوبها: الصلاة؛ لأنها تنسب إليها ويقوم بها، وهي شرط الصلاة. فإن قلت: لما كانت الصلاة سببًا لها كانت الطهارة حكمًا للصلاة إذ المراد من السبب العلة، فكيف يكون الشيء الواحد حكمًا لشيء وشرطًا له، وبينهما منافاة؛ إذ الشرط يقتضي [التقدم] (٦) والحكم يقتضي [التأخر] (٧). قلت: الصلاة سبب للطهارة من حيث الوجوب، أي: وجوب الطهارة عند وجود الحدث بسبب وجوب الصلاة وإلا فلا يجب، والطهارة شرط للصلاة من حيث الجواز، أي: إنما تجوز الصلاة عند وجود الطهارة، والجواز غير الوجوب فلم يكن الحكم والشرط بنسبة واحدة فيجوز كالصوم للاعتكاف الواجب، فإن سبب وجوب ذلك الصوم وجوب الاعتكاف ثم الصوم شرط جواز الاعتكاف؛ لأنه إنما يجوز الاعتكاف عند وجود الصوم

стр. 162

شرط الطهارة وشرط وجوب الطهارة الحدث (١)، ومن المحال أن يكون الحدث سببًا. ألا ترى أنه إزالة [حدث] (٢) وتبديل فلا يصلح سببًا لها فلو كان سببًا لاجتمع معها وتقرر كالصوم مع شهود الشهر والصلاة مع دلوك (٣) الوقت. ركن الطهارة وركنها [في] (٤) قوله غسل الأعضاء الثلاثة مع مسح الرأس؛ لأن ركن الشيء ما يقوم به ذلك الشيء وقيام الطهارة بهذا (٥). حكم الطهارة وحكمها استباحة الصلاة؛ لأن الحكم (٦): الأثر الثابت بالشيء، وهذا الأثر إنما حصل بالطهارة. وَالْغَسْلُ هُوَ الإسَالَةُ وَالْمَسْحُ هُوَ الإصَابَةُ، وَحَدُّ الْوَجْهِ مِنْ قِصَاصِ الشَّعْرِ إلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ وَإِلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنِ؛ لأنَّ الْمُوَاجَهَةَ تَقَعُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْهَا (وَالْمِرْفَقَانِ وَالْكَعْبَانِ يَدْخُلانِ فِي الْغَسْلِ) عِنْدَنَا خِلافًا لِزُفَرَ ﵀، هُوَ يَقُولُ: الْغَايَةُ لا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمُغَيَّا كَاللَّيْلِ فِي بَابِ الصَّوْمِ. - قوله: (والغسل هو الإسالة والمسح [هو] (٧) الإصابة) إنما فسرهما؛ لأن «الفاء» في ففرض الطهارة لما كان «فاء» تفسير للآية المتلوة (٨)، وفي الآية ذكر الغسل والمسح فسرهما تتميمًا للمرام وإبانة للكلام (٩). أو لأن في هذا التفسير إشارة إلى رد قول الشافعي: (١٠) حيث يشترط هو في سنة مسح الرأس التثليث بمياهٍ [مختلفة] (١١) فكان فيه تقريب للمسح من الغسل، والشارع أوجب المسح لا الغسل فكان مردودًا، ولهذا صرح هذه الإشارة في جوابه بقوله، ولأن المفروض هو المسح وبالتكرار يصير غسلاً.

стр. 163

وفي الديوان (١) قَصاص الشعر بفتح القاف وقُصاصه بضمها بمعنى وهو منتهاه في الرأس وغايته (٢)، وهو مشتق منها أي: من المواجهة. وليس لأحدٍ أن يقول: لا يشتق الثلاثي من المنشعبة (٣) فإن هذا رذلٌ من القول؛ لأن معنى الاشتقاق أن ينتظم الصيغتين [فصاعدًا] (٤) معنى واحدٌ، وفي هذا لا توقيت بأن يكون المشتق منه ثلاثيًّا، وقد [شحن] (٥) صاحب «الكشاف» (٦) [و] (٧) الفائق (٨) بذكر اشتقاق الثلاثي من المنشعبة فقال: الدَّبر هو النحل مشتق من التدبير؛ لأن أمره على التنقية. وقال أيضًا: اللحم مشتق من [الحيم] (٩) المطلقة وهو أن يمنع بثوبٍ أو نحوه. وقال: الجن من الاجتنان عن العيون، وفي «الكشاف» (١٠): اليم من التيمم؛ لأن الناس يقصدونه للاستقاء، وهذا لأن غرضهم من ذكر الاشتقاق بيان حقيقة معنى ثلاث الكلمة فجاز أن يكون المنشعبة أشهر وأقرب للفهم من الثلاثي لكثرة استعماله كما في الدبر مع التدبير فصح ذكر الاشتقاق لإيضاح معناه وإن لم يكن المنشعبة أصلاً له (١١).

стр. 164

(وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا إذْ لَوْلاهَا لاسْتَوْعَبَتْ الْوَظِيفَةُ الْكُلَّ، وَفِي بَابِ الصَّوْمِ لِمَدِّ الْحُكْمِ إلَيْهَا إذْ الاسْمُ يُطْلَقُ عَلَى الإمْسَاكِ سَاعَةً، وَالْكَعْبُ هُوَ الْعَظْمُ النَّاتِئُ هُوَ الصَّحِيحُ وَمِنْهُ الْكَاعِبُ) -قوله: «ولنا أن هذه الغاية لإسقاط ما وراءها» إلى آخره. والأصل في هذا أن الغاية قد تذكر لمة (١) الحكم إليها، وقد يذكر لقصر الحكم عما وراءها، وإنما يتبين ذلك بالنظر في صدر الكلام إن كان صدر الكلام لا يتناول الغاية وما وراءها لو اقتصر على ذلك الصدر يعلم أن ذكر الغاية لإثبات الحكم ومده إليها فيجعل غاية للإثبات فلا تدخل تحت الإثبات، ومتى كان صدر الكلام يتناول الغاية وما وراءها لو اقتصر عليه يعلم أن ذكر الغاية لقصر الحكم عليه فيجعل غاية الإسقاط في معنى الاستثناء فبقي الحكم الأولي ثابتًا في الغاية يصدر الكلام كأنه لم يذكر الغاية، والذي نحن فيه من قبيل هذا؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] تتناول كل اليد من رؤوس الأصابع إلى الإبط، فصار ذكر المرفق بحرف الغاية لإخراج ما وراء المرفق من أن يكون داخلا تحت حكم الإسقاط فبقي حكم الغسل ثابتًا في المرفق بصدر الكلام. وأما الصوم فهو من قبيل الأول؛ لأنه يتناول الإمساك ساعة، لغةً، وشرعًا، حتى لو حلف لا يصوم فصام ساعةً حنث، فلا يدخل محل الغاية تحت حكم المصدر؛ لأن هذه الغاية لمد الحكم لما قلنا. فإن قيل: دعوى غاية الإسقاط إنما تصح أن لو [كانت] (٢) الغاية غاية لليد بل [هو] (٣) غاية غسل اليد؛ لأن المأمور به مقصودًا هو الغسل، والغاية تكون لبيان المأمور به، ولأن المقصود من الكلام هو الفعل لا محل الفعل؛ لأنه تبع، ولأن ذكر اليد وإرادة الكف غالب في الشرع وفي العرف، أما الشرع فكآية السرقة (٤)، وأما العرف فإنه إذا قيل عند الطعام: اغسل يدك، أو غسل فلان يده لا يراد بها إلا الكف فلا يثبت الزيادة عليها إلا بذكر الغاية، فحينئذٍ كانت هذه الغاية غاية مد الحكم كما في الصوم. قلنا: دعوى غاية مَدَّ الغَسِّلْ ساقطة أيضًا بفهم الصحابة ﵃ ذلك إلى الآباط في آية التيمم (٥) في الماء ابتداءً وهم أهل لسان فكان ذكر الغاية لإخراج ما وراءها، فتبقى المرافق داخلة كما ذكرنا، أو لما اشتبهت حال هذه الغاية باعتبار أن من الغايات ما يدخل ويكون حرفًا فيه بمعنى مع، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، ومن الغايات ما لا يدخل وهو ظاهر كان هذا مجملاً في كتاب الله تعالى فينبه نبيه ﵇ بفعله فإنه توضأ وأدار الماء على مرافقه (٦) ولم ينقل عنه ترك غسل المرافق في شيء من الوضوء، فلو كان ذلك

стр. 165

جائزًا لفعله/ ٥/ ب/ مرة تعليمًا للجواز، كذا ذكر هذين الجوابين في «المبسوط» (١). «ولأن الله تعالى لما أمرنا بالغسل إلى المرافق صرنا مأمورين بغسل الكف والذراع، ثم المرفق ليس بعضو منفرد، بل هو ملتقى عظم العضد والذراع، فلما وجب غسل جزء الذراع من المرافق وجب أيضًا غسل جزء العضد؛ لأنه لا يمكن الفصل بينهما غسلاً إلا بالجرح والجرح مدفوع، وهذا كما قيل في الركبة: أنها من العورة، والأصل في العورة ما بين الركبة إلى السرة، وبذلك وردت الأخبار (٢)، والركبة ملتقى عظم الفخذ والساق، فلما حرم منها جزء الفخذ حرم جزء الساق؛ لأنه لا يتجزأ نظرًا إليها» كذا في «الأسرار» (٣). النتوء (٤): والنتوء الارتفاع، من حد منع (٥). -قوله: (هو الصحيح) احتراز عما رواه هشام عن محمد أنه قال: إنه المفصل الذي في

стр. 166

وسط القدم عند معقد الشراك. قال: لأن الكعب اسم للمفصل ومنه كعوب الرمح، والذي في وسط القدم مفصل، وهو المتيقن به. وهذا سهو من هشام لم يُرد محمد تفسير الكعب بهذا في الطهارة، وإنما أراد به في المحرم إذا لم يجد نعلين أنه يقطع خفيه أسفل من الكعبين، فأما في الطهارة فلا شك أنه العظم الناتئ المتصل بعظم الساق. وفي قوله ﵇: «ألْصِقُواْ الْكعَابَ بِالْكعَابِ» (١). كذا في «المبسوط» (٢). الكاعب: الجارية حين يبدو ثديها للنهود، ذكره في «الصحاح» (٣). قَالَ: (وَالْمَفْرُوضُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ وَهُوَ رُبْعُ الرَّأْسِ) لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَخُفَّيْهِ» وَالْكِتَابُ مُجْمَلٌ فَالْتَحَقَ بَيَانًا بِهِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي التَّقْدِيرِ بِثَلاثِ شَعَرَاتٍ، وَعَلَى مَالِكٍ فِي اشْتِرَاطِ الاسْتِيعَابِ -قوله: (والمفروض في مسح الرأس) أي: المقدر على وجه الفرضية مقدار الناصية. فإن قيل: الفرض هو الذي يوجب العلم اعتقادًا باعتبار أنه ثابت بدليل مقطوع به، ولهذا يكفر جاحده، وشيء من هذه الثلاثة من وجوب العلم، وكون الدليل مقطوعًا به، وكفر الجاحد، غير ثابت هنا في حق المقدار فكيف يكون فرضًا؟ قلنا: إن لم يكن ثابتًا في حق المقدار لكن الثلاثة كلها ثابتة في حق أصل المسح فسمى المقدار باسم أصل المسح إطلاقًا لاسم المتضمِّن على المتضمَّن؛ لأن المقدار تفسير هذا المسح والمفسِّر متناول للمفسَّر وإلا لا يكون تفسيرًا له. أو نقول: الفرض على نوعين: قطعي: وهو ما ذكرت. وظني: وهو الفرض على زعم المجتهد، كإيجاب الطهارة بالفصد والحجامة (٤) عند أصحابنا فإنهم يقولون: يفترض عليه الطهارة عند إرادة الصلاة. أو نقول: يطلق اسم الفرض على الوجوب كما يطلق اسم الوجوب على الفرض في قوله: الزكاة واجبة، والحج واجب، اتساعًا لالتقائهما في معنى اللزوم على البدن. السباطة والكساحة والكناسة: كلها بمعنى (٥)، [وبالفارسية: روفته خانه] (٦). يعني: المكان الذي ألقى القوم الكناسة فيه، فكان فيه إطلاق اسم الحال على المحل.

стр. 167

وإنما لم يقتصر إيراد الحديث بقوله: مسح على ناصيته مع كفايته للمدعي؛ لأن نقل الحديث بما يتلوه من الحكاية يوجب صحته ووكادته. فإن قيل: المدعى مقدار الناصية وهو غير معين فأقام الدليل على المعين وهو الناصية فما وجهه؟ / ٥/ أ/ قلنا: ثبت بالحديث الناصية، وعدم التعيين بالكتاب بإطلاق اسم الرأس/ ٢/ أ/ فلو أثبتنا التعيين بالسنة يلزم نسخ إطلاق الكتاب بخبر الواحد، وهذا لا يجوز. فإن قيل: لا نسلم بأن الكتاب مجمل، والمجمل ما لا يمكن العمل به، وهنا العمل بهذا النص ممكن وهو القليل. قلنا: الكلام في ذلك القليل فإنه غير معلوم [لما أن] (١) القليل الذي هو شعرة أو شعرتان ليس بكافٍ للمسح؛ لأن ذلك القليل يوجد بغسل الوجه، ومع ذلك لا ينوب عن المسح مع أن النية ليست بشرط عندنا فعلم أنه مجمل فكان فعل النبي ﵇ مبينًا لذلك المجمل. قال الشيخ -رحمه الله تعالى-: في قوله: ومسح على ناصيته وخفيه في أحدهما بيان الشرع، وفي الآخر نصب الشرع؛ فإن في قوله: ومسح على ناصيته بيانًا لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. وفي قوله: وخفيه. نصب شرعية المسح على الخف؛ إذ المذهب الصحيح في شرعية المسح على الخف أنها إنما ثبت بالسنة لا بالكتاب. ثم مسألة مسح الرأس في المقدار فخمسةٌ: قولان من أصحابنا (٢)، وقول الشافعي (٣)، وقول مالك (٤)، وقول الحسن البصري (٥) ﵏.

стр. 168

وقال الحسن (١): المفروض أكثر الرأس، فاستدل مالك بفعل رسول الله ﵇ فإنه مسح بيديه كلتيهما أقبل بهما وأدبر (٢)، وبه استدل الحسن إلا أنه قال: الأكثر يقوم مقام الكل. ولكنا نقول: إن فعل رسول الله ﵇ لا يدل على الركنية لأدائه إلى زيادة النص، وإنما كان ذلك لإكمال الفضيلة، ولا يجوز اعتبار الممسوح بالمغسول؛ لأن المسح بني على التخفيف، وفي كتاب الله تعالى ما يدل على التبعيض في المسح [لاتصال] (٣) الفعل إلى [محل] (٤) المسح بحرف الباء. وعن هذا قال الشافعي: يتأدى بأدنى ما يتناوله الاسم قيل: هو ثلاث شعرات؛ لأنه هو المتيقن، [ولكنا] (٥) نقول: من مسح برأسه ثلاث شعرات لا يقال إنه مسح برأسه عادةً، وفي الآية ما يدل على البعض وذلك البعض ليس هذا الذي يقول لا بآية الاستعمال (٦) فبقي ذلك البعض مجملاً فالتحق فعل النبي ﵇ بيانًا له. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: قَدَّرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِثَلاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ لأنَّهَا أَكْثَرُ مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي آلَةِ الْمَسْحِ. -قوله: (وفي بعض الروايات قدّره أصحابنا بثلاثة أصابع). وهو رواية عن محمد (٧) ذكرها ابن رستم في نوادره (٨)، أنه إذا وضع ثلاثة أصابع ولم يمدها جاز في قول محمد في الرأس والخف جميعًا، وهو الذي ذكرنا من أحد قولي أصحابنا، ولم يجز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- حتى يمدها [بقدر] (٩) ما يصيب البلة ربع رأسه، وهو القول الخامس من الأقوال الخمسة فهما اعتبرا الممسوح عليه، ومحمد اعتبر [للممسوح] (١٠) به، وهو [الآلة] (١١)، وهو عشر أصابع ربعها أصبعان ونصف، إلا أن الإصبع الواحدة لا تتجزأ فجعل الفروض قدر ثلاثة أصابع لهذا.

стр. 169

فالحاصل أن علماءنا ﵏ اتفقوا في اعتبار الربع، لكن أبا حنيفة وأبا يوسف اعتبرا ربع المحل، ومحمد اعتبر ربع الآلة. ويرجح ما قالا لما أن المذكور في النص هو الرأس فالاعتبار بما هو المذكور [فيه] (١) أولى. قَالَ: (وَسُنَنُ الطَّهَارَةِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الإِنَاءَ إذَا اسْتَيْقَظَ الْمُتَوَضِّئُ مِنْ نَوْمِهِ لِقَوْلِهِ ﵊: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلا يَغْمِسَنَّ يَدَهُ فِي الإنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاثًا فَإِنَّهُ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» -قوله: (وسنن الطهارة) الإضافة للبيان كما مر في فرض الطهارة. ثم ذِكْر الإناء ها هنا وقع على عادتهم، فإنهم كانوا يتوضؤون من [الأتوار] (٢) ثم لم يتغير سنيته تقديم غسل اليدين في عرفنا، وإن لم يكن ذلك الموجب لما أن السنة لما وقعت سنة في الابتداء لمعنى يبقي السنة، وإن لم يبق ذلك المعنى؛ لأن الأحكام إنما يحتاج إلى أسبابها حقيقةً في ابتداء وجودها لا في بقائها؛ لأن الأسباب تبقى حكمًا وإن لم تبق حقيقةً؛ لأن للشارع ولاية الإيجاد والإعدام فجعل الأسباب الشرعية بمنزلة الجواهر في بقائها حكمًا، وهذا كالرمّل (٣) في باب الحج، وبقاء الملك بعد [الشري] (٤) في [يد] (٥) المشتري وغيرهما.

стр. 170

وَلأنَّ الْيَدَ آلَةُ التَّطْهِيرِ فَتُسَنُّ الْبُدَاءَةُ بِتَنْظِيفِهَا، وَهَذَا الْغَسْلُ إلَى الرُّسْغِ لِوُقُوعِ الْكِفَايَةِ بِهِ فِي التَّنْظِيفِ. -قوله: (ولأن اليد آلة التطهير) هذه النكتة وإن دلت على وجوب غسل اليد ابتداءً باعتبار أن (ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به يجب كوجوبه) (١)، لكن طهارة العضو حقيقةً وحكمًا يدل على عدم الوجوب. الرسغ: منتهى الكف عند المفصل (٢). قَالَ (وَتَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ» وَالْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْفَضِيلَةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ -قوله: (وتسمية الله تعالى) قال الأستاذ مولانا فخر الدين المايمرغي: المنقول من السلف في التسمية في الوضوء [بِسْمِ اللهِ العَظِيْم والحمْدُ لله عَلَى الإسْلام] (٣). فإن قيل: قوله ﵇: «لا وضُوءَ لمنْ لمَ يُسَمِّ» (٤). نظير قوله ﵇: «لا صَلاةَ إلا بِفَاتحَةَ الكتَابِ» (٥). في كونه خبر الواحد (٦)، فكيف اختلف حكمهما [من السنة] والوجوب.

стр. 171

قلنا: لا نسلم أنهما نظيران في كونهما خبر لواحد، بل خبر الفاتحة أشهر من خبر التسمية، كذا قاله الأستاذ فخر الدين، وكذا جعل خبر الفاتحة الإمام البرغريُّ (١) في طريقته من الأخبار المشهورة فقدر مرتبة الحكم على حسب مرتبة العلة. والوجه فيه أن يقال: إن الوجوب إنما يثبت بمواظبة النبي ﵇ على الفعل من غير تركه، وقد ثبتت مواظبة النبي ﵇ في حق الفاتحة ولم تثبت في حق التسمية، فقد ذكر الإمام أبوجعفر الطحاوي (٢): في «شرح الآثار» (٣) فقال: حدثنا علي بن معبد (٤). إلى أن قال: عن حضين أبي ساسان (٥)، عن المهاجر بن [قنفذ] (٦) (٧): أنه سلم على رسول الله ﵇ وهو يتوضأ فلم يرد عليه، فلما [فرغ] (٨) من وضوئه قال: «إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِى أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنِّى كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلاَّ عَلَى طَهَارَةٍ» (٩).

стр. 172

قال أبو جعفر الطحاوي: «ففي هذا الحديث أن رسول الله ﵇ كره أن يذكر الله تعالى إلا على طهارة دليل على أنه ﵇ قد توضأ قبل أن يذكر اسم الله، فبهذا يعلم أن قوله: «لا وضُوْءَ لمِنْ لَمْ يُسَمِّ» (١). نظير قوله ﵇: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَا اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ» (٢). فلم يرد بذلك أنه ليس بمسكين خارج عن حد المسكنة حتى تحرم الصدقة عليه، وإنما أراد بذلك أنه ليس بالمسكين المتكامل». وفي «المبسوط» (٣): علّم رسولُ الله ﷺ الأعرابيَ الوضوء ولم يذكر التسمية. وتبين بهذا أن المراد من قوله ﵇: «لا وضُوْءَ لمِنْ لَمْ يُسَمِّ». نفي الكمال لا نفي الجواز كما قال في حديث آخر: «مَنْ تَوَضَّأ وَسَمَّى كَانَ طَهُورًا لجَمِيْع بَدَنه، ومَنْ تَوَضَّأ ولم يُسَمِّ كَانَ طَهُورًا لأعْضَاء وَضُوئِه» (٤). وهذا بخلاف التسمية على الذبيحة فإنا أمرنا بها إظهارًا لمخالفة المشركين؛ لأنهم كانوا يسمون آلهتهم عند الذبح فكان الترك مفسدًا وها هنا أمرنا بالتسمية تكميلاً للثواب لا مخالفة للمشركين؛ فإنهم كانوا لا يتوضؤون فلم يكن الترك مفسدًا لهذا، فلما كانت هي لتكميل الثواب قال: والأصح أنها مستحبة؛ وذلك لأن الوضوء فعل مشروع من الأفعال، والمستحب في سائر الأفعال ابتداؤه بذكر الله تعالى، فكذلك في الوضوء. (وَإِنْ سَمَّاهَا فِي الْكِتَابِ سُنَّةً، وَيُسَمِّي قَبْلَ الاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ هُوَ الصَّحِيحُ) -قوله: «وإن سماها في الكتاب سنة» أي: في «مختصر القدوري» (٥)؛ لأن لفظ «المبسوط» بلفظ الاستحباب، ثم ذكر في «مبسوط شيخ الإسلام»: وجه ظاهر الرواية (٦) أن السنة ما فعله رسول الله ﵇ على المواظبة والنقل على [المواظبة] (٧) لم يشتهر من رسول الله ﵇، ألا ترى أن عثمان وعليًّا ﵄ حكيا وضوء رسول الله ﵇ ولم ينقل عنهما التسمية، وما روي أنه ﵇ كان يسمي (٨) لأنه سنة مخصوصة في الوضوء، ولكنه فعل من الأفعال، والمستحب في جميع الأفعال البداية بذكر الله على ما قال ﵇: «كُلُّ أمْرٍ ذِيْ بَالٍ لَمْ يبْدَأ بِاسْمِ اللهِ فَهُوَ أقْطَع» (٩).

стр. 173

-قوله: [(وهو الصحيح)] (١) هذا احتراز عن قولين آخرين: قال بعضهم: يسمي قبل الاستنجاء لما أن الاستنجاء سنة من سنن الوضوء فيسمي قبله ليقع جميع أفعال الوضوء فرضها وسننها بالتسمية، وإنما لم يورد ها هنا ذكر الاستنجاء لما سيجيء. وقال بعضهم: يسمي بعد الاستنجاء؛ لأن قبله حال كشف العورة، وذكر اسم الله تعالى حال كشف العورة غير مستحب تعظيمًا لاسم الله تعالى، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٢) و «فتاوى قاضي خان» (٣). ثم قال في «فتاوى قاضي خان» (٤): «والأصح أنه يسمي مرتين». والاختلاف في التسمية نظير الاختلاف في غسل اليد. قال بعضهم: يغسل يديه قبل الاستنجاء. وقال بعضهم: بل يغسلهما بعد الاستنجاء. والأصح أنه يغسلهما مرتين قبله وبعده. قَالَ: (وَالسِّوَاكُ) لأنَّهُ ﵊: كَانَ يُوَاظِبُ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ فَقْدِهِ يُعَالِجُ بِالْأُصْبُعِ لأنَّهُ ﵊: فَعَلَ كَذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُسْتَحَبُّ. قَالَ (وَالْمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ) لأنَّهُ ﵊ فَعَلَهُمَا عَلَى الْمُوَاظَبَةِ. وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يُمَضْمِضَ ثَلاثًا يَأْخُذُ لِكُلِّ مَرَّةٍ مَاءً جَدِيدًا ثُمَّ يَسْتَنْشِقَ كَذَلِكَ هُوَ الْمَحْكِيُّ مِنْ وُضُوءٍ- ﷺ . (وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ) وَهُوَ سُنَّةٌ بِمَاءِ الرَّأْسِ عِنْدَنَا -قوله: (والسواك): أي: استعمال السواك على حذف المضاف لا من الإلباس [لما أن السواك] (٥)، والسواك واحد وهو اسم للخشبة المتعينة للاستياك وليست الخشبة سنة. -قوله: (كان يواظب عليه) أي: مع تركه أحيانًا بدليل أنه ﵇ علم الأعرابي الوضوء ولم ينقل فيه تعليم السواك (٦).

стр. 174

ثم وقت الاستياك هو وقت المضمضة؛ لأنه ذكر في «مبسوط شيخ الإسلام» (١): ومن السنة حالة المضمضة أن يستاك. -قوله: (لأن النبي ﵇ فعلهما على المواظبة) (٢) ولا يقال: المواظبة تدل على الوجوب حتى قال أهل الحديث: هما فرضان في غسل الجنابة والوضوء استدلالاً بالمواظبة؛ «لأنا نقول: فإنه ﵇ كان يواظب في العبادات على ما فيه تحصيل/ ٢/ ب/ الكمال كما كان يواظب على الأركان. وفي كتاب الله تعالى أمرٌ بتطهير أعضاء مخصوصة؛ والزيادة على النص لا تجوز إلا بما يثبت به النسخ، وعلّم رسول الله ﵇ الأعرابي الوضوء ولم يذكرهما فيه (٣) مع أن ابن عباس ﵄ صرح بقوله: هما فرضَانِ في الجنابة سنَّتَان في الوضُوء» كذا في «المبسوط» (٤). وكيفيته: أن يتمضمض إلى آخره، وإنما فسر كيفيتها نفيًا لقول الشافعي؛ «فإن غيره الأفضل أن يتمضمض ويستنشق بكفٍّ بماء واحد؛ لما روي أن النبي ﵇ كان يتَمَضْمَضُ ويَسْتَنْشِقُ بِكَفٍّ وَاحِدٍ وله عندنا تأويلان: أحدهما: أنه لم يستعن في المضمضة والاستنشاق باليدين كما فعل في غسل الوجه. والثاني: [أنه] (٥) فعلهما باليد اليمنى ردًّا على قول من يقول: يستعمل في الاستنشاق اليد اليسرى؛ لأن الأنف [موضع الأذى] (٦) كموضع الاستنجاء»، كذا في «المبسوط» (٧). خِلافًا لِلشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ ﵊: «الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ» وَالْمُرَادُ بَيَانُ الْحُكْمِ دُونَ الْخِلْقَةِ. -قوله: (خلافًا للشافعي) يتعلق بقوله: بماء الرأس، لا بقوله: وهو سنة؛ فإن عنده مسح الأذنين سنة أيضًا، ولكن بماءٍ جديد (٨).

стр. 175

وانتصاب قوله: خلافًا. جاز أن يكون على المفعول المطلق بإضمار فعله أي: قولنا هذا يخالف خلافًا للشافعي، أو هذا المذكور في معنى يخالف فكان مصدرًا مؤكدًا لمضمون الجملة كقوله: لفلان علي ألف درهم عرفًا، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ﴾ (١) [النمل: ٨٨] .. واستدل الشافعي بما روى أبو أمامة الباهلي: أن النبي ﵇ أخذ لأذنيه ماءً جديدًا. أو لأن (٢) الأذن مع الرأس كالفم والأنف مع الوجه. ثم يأخذ للمضمضة والاستنشاق ماء جديدًا سوى ما يقيم به فرض غسل الوجه فهذا مثله. ولنا: حديث ابن عباس: أن النبي ﵇ مسح برأسه وأذنيه بماءٍ واحدٍ وقال: «الأذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» (٣). فإما أن يكون المراد منه بيان الخلقة وهو مشاهد لا يحتاج فيه إلى بيانه. أو يكون المراد أنهما ممسوحتان كالرأس، وهذا بعيد؛ لأن اتفاق العضوين في الفرض لا يوجب إضافة أحدهما إلى الآخر فعرفنا أن المراد أنهما ممسوحان بالماء الذي يمسح به الرأس، وتأويل ما رواه أنه لم يبق في كفه بلة فلهذا أخذ ماءً جديدًا. وأما الجواب عن المعنى: فإن المضمضة والاستنشاق مقدمان على غسل الوجه، فإذا أقامهما بماءٍ واحد يكون المفروض تبعًا للمسنون، وذلك لا يجوز، وها هنا إذا أقامهما بماءٍ واحدٍ يكون المسنون تبعًا للمفروض، وذلك مستقيم. فإن قيل: لم لا يُجعل الحديث بيانًا على أن وظيفتها المسح لا الغسل من غير إثبات التبعية فكان الحديث بيانًا أنهما من الممسوح؟ قلنا: لا يلزم من كون وظيفة الشيء المسح كونه من الرأس كالخف. فإن قيل: السنة إكمال الفرض في محله، والأذنان ليستا بمحل مسح الرأس ولهذا لا يسقط فرض مسح الرأس بمسحهما. قلنا: قضية هذا الحديث توجب أن يسقط، ولكن لم (٤) يسقط لاعتراض معنى آخر وهو استلزام نسخ الكتاب بخبر الواحد ولا يشترط لإقامة السنة محل الفرض (٥) كما في المضمضة والاستنشاق.

стр. 176

قَالَ (وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ) لأنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَمَرَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِذَلِكَ ، وَقِيلَ هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، لأنَّ السُّنَّةَ إكْمَالُ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ وَالدَّاخِلُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ. قَالَ (وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «خَلِّلُوا أَصَابِعَكُمْ كَيْ لا تَتَخَلَّلُهَا نَارُ جَهَنَّمَ» وَلأنَّهُ إكْمَالُ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ. قَالَ (وَتَكْرَارُ الْغَسْلِ إلَى الثَّلاثِ) «-لأنَّ النَّبِيَّ ﵊ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ: هَذَا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى الصَّلاةَ إلا بِهِ، وَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ مَنْ يُضَاعِفُ اللَّهُ لَهُ الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ، وَتَوَضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا وَقَالَ: هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي -قوله: «وتخليل اللحية لأن النبي ﵇ أمره جبريل ﵇ بذلك»، والأمر يقتضي الوجوب، ولكن أمر الوضوء في الآية خاصٌّ ظاهر لا يحتمل الخفاء، فلو قلنا بوجوب تخليل اللحية بهذا الأمر يلزم الزيادة على كتاب الله تعالى بخبر الواحد، وهي تجري مجرى النسخ فلذلك انحطت درجة مقتضى الأمر من الوجوب إلى السنة. وذكر في «فتاوى قاضي خان»: «ولا يسن تخليل اللحية في قول أبي حنيفة:. ويستحب أن يمسح ثلث اللحية أو ربعها. وفي بعض الروايات: تمسح كلها، وهو الأصح. ويغسل الموضع المنكشف بين العذار (١) والأذن في قول محمد، وهو رواية عن أبي حنيفة:. فإن أمرَّ الماء على شعر الذقن ثم حلقه لا يجب عليه غسل الذقن» (٢). وذكر في «الإيضاح» (٣): وأما تخليل اللحية فليس بمسنون عند أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-. وقال أبو يوسف: هو مسنون. -قوله: (جائز عند أبي حنيفة ومحمد) أي: لا يُبّدع فاعله كما يُبّدع ماسح الحلقوم. ثم قوله ﵇: «خَلِّلُوا أصَابِعَكُمْ» (٤). إنما لم يفد الوجوب مع أنه أمرٌ مقرون بالوعيد على التارك لما أن آية الوضوء خاص ليس بمحتمل للبيان؛ لأنه بيِّن في نفسه، فحينئذٍ تكون الزيادة عليه بطريق النسخ لا بطريق البيان، وخبر الواحد لا يصلح لذلك قال الشيخ: في قوله ﵇: «خَلِّلُوا أصَابِعَكُمْ». دليل على أن وظيفة الرِجِلْ الغسل دون المسح فكان حجة على الروافض (٥).

стр. 177

فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ». وَالْوَعِيدُ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ سُنَّةٌ. -قوله: (فمن زاد على هذا أو نقص) ذكر في «المبسوط» (١) «أي: زاد على أعضاء الوضوء أو نقص عنها أو زاد على الحد المحدود أو نقص عنه، أو زاد على الثلاث (٢) معتقدًا أن كمال السنة لا يحصل بالثلاث، فأما إذا زاد لطمأنينة القلب عند الشك، أو بنية وضوء/ ٣/ أ/ آخر فلا بأس به، فإن الوضوء على الوضوء نورٌ على نور، وقد أُمِر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه». ثم لفظ تعدى يرجع إلى الزيادة لأنه مجاوزة عن الحد؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، ولفظ ظلم يرجع إلى النقصان؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أي: لم تنقص. قَالَ (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ) فَالنِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَرْضٌ؛ لأنَّهُ عِبَادَةٌ فَلا تَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ كَالتَّيَمُّمِ. وَلَنَا أَنَّهُ لا يَقَعُ قُرْبَةً إلا بِالنِّيَّةِ، وَلَكِنَّهُ يَقَعُ مِفْتَاحًا لِلصَّلاةِ لِوُقُوعِهِ طَهَارَةً بِاسْتِعْمَالِ الْمُطَهِّرِ، بِخِلافِ التَّيَمُّمِ لأنَّ التُّرَابَ غَيْرُ مُطَهِّرٍ إلا فِي حَالِ إرَادَةِ الصَّلاةِ، أَوْ هُوَ يُنْبِئُ عَنْ الْقَصْدِ (وَيَسْتَوْعِبُ رَأْسَهُ بِالْمَسْحِ) وَهُوَ سُنَّةٌ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: السُّنَّةُ التَّثْلِيثُ بِمِيَاهٍ مُخْتَلِفَةٍ اعْتِبَارًا بِالْمَغْسُولِ. وَلَنَا أَنَّ أَنَسًا ﵁ تَوَضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً وَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتفسير النية في الوضوء (أن ينوي) (٣) إزالة الحدث أو إقامة الصلاة. -قوله: (لأنه عبادة) لأن العبادة اسم لنوع فعل ابتلي الآدمي بفعله تعظيمًا لله تعالى، مختارًا لطاعته على خلاف هوى نفسه، كذا قاله الشيخ-﵀، وهذا موجود في الوضوء فكان عبادة، والنية شرط صحة العبادة لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، جعل الإخلاص وهو النية حالاً للعابدين، والأحوال شروط.

стр. 178

ولنا: أنه لا يقع قربةً إلا بالنية، هذا قول بموجب العلة حيث التزم ما ألزمه الشافعي يعني أن الوضوء بدون النية لا يقع قربة، وهذا مسلم، إلا أن الكلام فيما وراءه وهو أن استعمال الماء في أعضاء الوضوء هل يوجب الطهارة بدون النية أم لا؟ فقلنا بأنه يوجب ذلك لأن أعضاء الوضوء محكومة بالنجاسة في حق الصلاة حيث أمرنا بالتطهير لحقها، وهو لا يتحقق بدون النجاسة؛ إذ تطهير الطاهر محال، والماء طهور بطبعه فإذا لاقى النجس طهره قصد المستعمل الطهارة [أو لا، كالماء للإرواء، والطعام للإشباع؛ لأن استعمال آلة التطهير في محل قابل للتطهير يفيد الطهارة] (١) لا محالة. فإذا ثبتت الطهارة في أعضاء الوضوء بهذا الطريق كان مفتاحًا للصلاة وإن لم ينو؛ لأنه شرط للصلاة كسائر الشروط، والشروط يراعى وجودها لا وجودها قصدًا ولكن بعد ما وجد له ذلك، بخلاف التيمم؛ لأن التراب لم يعقل مطهرًا فلا يكون مزيلاً للحدث أصلاً، فلم يبق فيه إلا معنى التعبد، وذلك لا يحصل بدون النية. «فإن قيل: في الوضوء مسح، والمسح غير مطهر بنفسه وضعًا. قلنا: الماء مطهرٌ بنفسه لا بفعلنا، إلا أنه إذا قل حتى لم يكن شيئًا لا ضعف عن التطهير للنجاسة الحقيقية؛ لأن تطهيرها في إزالة عينها، وفيما نحن فيه النجاسة ضعيفة؛ لأنه حكم دون العين فاستغنى عن الإزالة لإفادة الطهر فصار البلل كالسائل الذي يقدر على الإزالة في إفادة الطهر»، كذا في «الأسرار» (٢). والأوجه فيه أن يقال: [إن] (٣) آية الوضوء ظاهرة المعنى في وجوب الغسل والمسح، وليس فيها ما يدل على النية فكان اشتراط النية زيادة على النص، وذلك لا يجوز بالقياس وخبر الواحد، بخلاف التيمم فإنه عبارة عن القصد لغةً؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي: ولا تقصدوا، وإن كان اشتراط النية فيه ثابتًا بالعبارة. فإن قلت: لا نسلم بأنه ليس في الآية ما يدل على النية، بل فيها دليل على اشتراط النية، وذلك لأن وجوب حكم الغسل خرج مخرج الجزاء للشرط فيتقيد به، فحينئذٍ يكون تقديره: فاغسلوا هذه الأعضاء للقيام إلى الصلاة، ولا نعني بالنية سوى أنه غسل هذه الأعضاء للقيام إلى الصلاة فكان هذا نظير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فيشترط التحرير بنية هذه الكفارة وإلا فلا يجوز لتعلق الجزاء بالشرط، فكذا هنا (٤).

стр. 179

قلت: هذا مسلم فيما كان ذلك حكمًا غير شرط لحكم آخر، وأما إذا كان هذا الحكم شرطًا لحكم آخر لا يشترط النية في هذا الشرط؛ لأن الشرط يراعى وجوده لا وجوده قصدًا كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] لما كان السعي شرطًا لأداء الجمعة لا يشترط النية في السعي أن يكون السعي لأجل الجمعة حتى أنه إذا سعى بغير قصد أداء الجمعة وحضر الجمعة فأدى يجوز، واستيعاب الرأس بالمسح في الوضوء سنة عند الشافعي أيضًا، كذا في «الخلاصة الغزالية» (١)، إلا أن الخلاف بيننا وبينه في التثليث بعد الاستيعاب، وكيفيته أن يبل كفيه وأصابع يديه، ويضع بطون ثلاثة أصابع من كل كف على مقدم الرأس، ويعزل السبابتين والإبهامين ويجافي الكفين ويجرهما إلى مؤخر الرأس، ثم يمسح الفودين (٢) بالكفين ويجرهما إلى مقدم الرأس، ويمسح ظاهر الأذنين بباطن الإبهامين، وباطن الأذنين بباطن السبابتين، ويمسح رقبته بظهر اليدين حتى يصير ماسحًا ببلل لم يصر مستعملاً، كذا علمنا عيانًا الأستاذ الشفيق مولانا فخر الدين المايمرغي. إلا أن الرواية منصوصة في «المبسوط» (٣) على أن الماء لا يعطى له حكم الماء المستعمل حال الاستعمال، فقال: ألا ترى أن في المسنون يستوعب الحكم جميع الرأس كما في المغسولات، فكما أن في المغسولات الماء في العضو لا يصير مستعملاً فكذلك في حكم إقامة السنة في الممسوح، ولكن يجب أن يستعمل فيه ثلاث أصابع اليد في الاستيعاب ليقوم الأكثر مقام الكل حتى أنه لو مسح بإصبعه بجوانبها الأربعة لا يجوز في الأصح لعدم استعمال أكثر الأصابع.

стр. 180

وَاَلَّذِي يُرْوَى فيه مِنْ التَّثْلِيثِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ عَلَى مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلأنَّ الْمَفْرُوضَ هُوَ الْمَسْحُ وَبِالتَّكْرَارِ يَصِيرُ غُسْلاً، وَلا يَكُونُ مَسْنُونًا فَصَارَ كَمَسْحِ الْخُفِّ، بِخِلافِ الْغُسْلِ لأنَّهُ لا يَضُرُّهُ التَّكْرَارُ -قوله: (والذي يروى [فيه] (١) من التثليث) هو ما روي عن عثمان وعلي ﵄ أنهما حكيا وضوء رسول الله ﵇ فَغَسلا ثَلاثًا ثَلاثًا ومَسَحَا بِالرَّأْسِ ثَلاثًا (٢). قلنا: المشهور عنهما أنهما غسلا ثلاثًا ثلاثًا ومسحا بالرأس مرةً واحدة، ولئن ثبت ما روي فنوفق بالحمل على أن التكرار ثلاثًا إنما كان للاستيعاب بماءٍ واحدٍ، وما روي أنه مسح مرةً محمول على أنه استوعب الكل بالمرة الواحدة، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٣). ولا يقال: روي أن النبي ﵇ توضأ ثلاثًا ثلاثًا فكان ماسحًا رأسه ثلاثًا؛ لأنا نقول: ثبت ذلك بمقتضى قوله: ثلاثًا ثلاثًا، وعدم التثليث يثبت بصريح قوله: إن النبي ﵇ مسح برأسه مرةً واحدة، والصريح أقوى. قَالَ: (وَيُرَتِّبُ الْوُضُوءَ فَيَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَكَرِهِ وَبِالْمَيَامِنِ) فَالتَّرْتِيبُ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الْآيَةَ، وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ. وَلَنَا أَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهَا حَرْفُ الْوَاوِ وَهِيَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَتَقْتَضِي إعْقَابَ غَسْلِ جُمْلَةِ الْأَعْضَاءِ وَالْبُدَاءَةُ بِالْمَيَامِنِ فَضِيلَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «إنَّ اللَّه تَعَالَى يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى التَّنَعُّلِ وَالتَّرَجُّلِ» -قوله: (فيبدأ) [تفيد] (٤) الترتيب. -قوله: (والفاء للتعقيب) أي: مع الوصل؛ لأنه لو لم يدرج الوصل لا يثبت ما ادعاه بهذا؛ لأن غسل جميع الأعضاء يحصل عقيب القيام إلى الصلاة إذا حصل بعد القيام وإن لم يكن مرتبًا، فأما إذا كان الفاء للتعقيب مع الوصل اقتضى لزوم وصل غسل الوجه بالقيام إلى الصلاة، فلو قدم غير الوجه عليه يبطل الوصل فلا يجوز تقديم غيره عليه، ثم غيره معطوف عليه بحرف الواو وذلك يوجب الترتيب كما في قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]. أو نقول: لما ثبت في وجوب ترتيب غسل الوجه على القيام بمقتضى الفاء على ما ذكرنا بدون الفصل بشيء آخر، ثبت الترتيب في سائر الأعضاء أيضًا لعدم القائل بالفصل، فإن كل قائل بترتب غسل الوجه على القيام قائل بترتيب سائر الأعضاء عليه، وكل من لم يقل ذلك لم يقل هذا، ولكنا نقول: العمل بمقتضى الفاء وهو التعقيب ممكن على معنى إعقاب غسل جملة الأعضاء عن القيام إلى الصلاة [لا] (٥) إعقاب غسل الوجه عينًا بلا فصل؛ فإن المراد غسل هذه الأعضاء عقيب القيام إلى الصلاة كما لو قال رجل لآخر: إذا دخلت السوق فاشتر لي لحمًا وخبزًا وبقلاً. فإنه لا يفيد هذا تقديمًا وتأخيرًا، وإن علق شراء اللحم بكلمة الفاء بل يصير كأنه قال: فاشتر لي هذه الأشياء وهو لا يوجب الترتيب، فكذا هذا. والواو لمطلق الجمع من غير تعرض لترتيب ولا مقارنة فقلنا به لما أن في هذا الوجه عملاً بالسنة ودلالة الإجماع والمعقول.
следующие страницы →