← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قَالَ (وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ) لأنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَمَرَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِذَلِكَ ، وَقِيلَ هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، لأنَّ السُّنَّةَ إكْمَالُ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ وَالدَّاخِلُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ. قَالَ (وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «خَلِّلُوا أَصَابِعَكُمْ كَيْ لا تَتَخَلَّلُهَا نَارُ جَهَنَّمَ» وَلأنَّهُ إكْمَالُ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ. قَالَ (وَتَكْرَارُ الْغَسْلِ إلَى الثَّلاثِ) «-لأنَّ النَّبِيَّ ﵊ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ: هَذَا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى الصَّلاةَ إلا بِهِ، وَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ مَنْ يُضَاعِفُ اللَّهُ لَهُ الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ، وَتَوَضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا وَقَالَ: هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي -قوله: «وتخليل اللحية لأن النبي ﵇ أمره جبريل ﵇ بذلك»، والأمر يقتضي الوجوب، ولكن أمر الوضوء في الآية خاصٌّ ظاهر لا يحتمل الخفاء، فلو قلنا بوجوب تخليل اللحية بهذا الأمر يلزم الزيادة على كتاب الله تعالى بخبر الواحد، وهي تجري مجرى النسخ فلذلك انحطت درجة مقتضى الأمر من الوجوب إلى السنة. وذكر في «فتاوى قاضي خان»: «ولا يسن تخليل اللحية في قول أبي حنيفة:. ويستحب أن يمسح ثلث اللحية أو ربعها. وفي بعض الروايات: تمسح كلها، وهو الأصح. ويغسل الموضع المنكشف بين العذار (١) والأذن في قول محمد، وهو رواية عن أبي حنيفة:. فإن أمرَّ الماء على شعر الذقن ثم حلقه لا يجب عليه غسل الذقن» (٢). وذكر في «الإيضاح» (٣): وأما تخليل اللحية فليس بمسنون عند أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-. وقال أبو يوسف: هو مسنون. -قوله: (جائز عند أبي حنيفة ومحمد) أي: لا يُبّدع فاعله كما يُبّدع ماسح الحلقوم. ثم قوله ﵇: «خَلِّلُوا أصَابِعَكُمْ» (٤). إنما لم يفد الوجوب مع أنه أمرٌ مقرون بالوعيد على التارك لما أن آية الوضوء خاص ليس بمحتمل للبيان؛ لأنه بيِّن في نفسه، فحينئذٍ تكون الزيادة عليه بطريق النسخ لا بطريق البيان، وخبر الواحد لا يصلح لذلك قال الشيخ: في قوله ﵇: «خَلِّلُوا أصَابِعَكُمْ». دليل على أن وظيفة الرِجِلْ الغسل دون المسح فكان حجة على الروافض (٥).

стр. 177

فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ». وَالْوَعِيدُ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ سُنَّةٌ. -قوله: (فمن زاد على هذا أو نقص) ذكر في «المبسوط» (١) «أي: زاد على أعضاء الوضوء أو نقص عنها أو زاد على الحد المحدود أو نقص عنه، أو زاد على الثلاث (٢) معتقدًا أن كمال السنة لا يحصل بالثلاث، فأما إذا زاد لطمأنينة القلب عند الشك، أو بنية وضوء/ ٣/ أ/ آخر فلا بأس به، فإن الوضوء على الوضوء نورٌ على نور، وقد أُمِر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه». ثم لفظ تعدى يرجع إلى الزيادة لأنه مجاوزة عن الحد؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، ولفظ ظلم يرجع إلى النقصان؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أي: لم تنقص. قَالَ (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ) فَالنِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَرْضٌ؛ لأنَّهُ عِبَادَةٌ فَلا تَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ كَالتَّيَمُّمِ. وَلَنَا أَنَّهُ لا يَقَعُ قُرْبَةً إلا بِالنِّيَّةِ، وَلَكِنَّهُ يَقَعُ مِفْتَاحًا لِلصَّلاةِ لِوُقُوعِهِ طَهَارَةً بِاسْتِعْمَالِ الْمُطَهِّرِ، بِخِلافِ التَّيَمُّمِ لأنَّ التُّرَابَ غَيْرُ مُطَهِّرٍ إلا فِي حَالِ إرَادَةِ الصَّلاةِ، أَوْ هُوَ يُنْبِئُ عَنْ الْقَصْدِ (وَيَسْتَوْعِبُ رَأْسَهُ بِالْمَسْحِ) وَهُوَ سُنَّةٌ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: السُّنَّةُ التَّثْلِيثُ بِمِيَاهٍ مُخْتَلِفَةٍ اعْتِبَارًا بِالْمَغْسُولِ. وَلَنَا أَنَّ أَنَسًا ﵁ تَوَضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً وَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتفسير النية في الوضوء (أن ينوي) (٣) إزالة الحدث أو إقامة الصلاة. -قوله: (لأنه عبادة) لأن العبادة اسم لنوع فعل ابتلي الآدمي بفعله تعظيمًا لله تعالى، مختارًا لطاعته على خلاف هوى نفسه، كذا قاله الشيخ-﵀، وهذا موجود في الوضوء فكان عبادة، والنية شرط صحة العبادة لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، جعل الإخلاص وهو النية حالاً للعابدين، والأحوال شروط.

стр. 178

ولنا: أنه لا يقع قربةً إلا بالنية، هذا قول بموجب العلة حيث التزم ما ألزمه الشافعي يعني أن الوضوء بدون النية لا يقع قربة، وهذا مسلم، إلا أن الكلام فيما وراءه وهو أن استعمال الماء في أعضاء الوضوء هل يوجب الطهارة بدون النية أم لا؟ فقلنا بأنه يوجب ذلك لأن أعضاء الوضوء محكومة بالنجاسة في حق الصلاة حيث أمرنا بالتطهير لحقها، وهو لا يتحقق بدون النجاسة؛ إذ تطهير الطاهر محال، والماء طهور بطبعه فإذا لاقى النجس طهره قصد المستعمل الطهارة [أو لا، كالماء للإرواء، والطعام للإشباع؛ لأن استعمال آلة التطهير في محل قابل للتطهير يفيد الطهارة] (١) لا محالة. فإذا ثبتت الطهارة في أعضاء الوضوء بهذا الطريق كان مفتاحًا للصلاة وإن لم ينو؛ لأنه شرط للصلاة كسائر الشروط، والشروط يراعى وجودها لا وجودها قصدًا ولكن بعد ما وجد له ذلك، بخلاف التيمم؛ لأن التراب لم يعقل مطهرًا فلا يكون مزيلاً للحدث أصلاً، فلم يبق فيه إلا معنى التعبد، وذلك لا يحصل بدون النية. «فإن قيل: في الوضوء مسح، والمسح غير مطهر بنفسه وضعًا. قلنا: الماء مطهرٌ بنفسه لا بفعلنا، إلا أنه إذا قل حتى لم يكن شيئًا لا ضعف عن التطهير للنجاسة الحقيقية؛ لأن تطهيرها في إزالة عينها، وفيما نحن فيه النجاسة ضعيفة؛ لأنه حكم دون العين فاستغنى عن الإزالة لإفادة الطهر فصار البلل كالسائل الذي يقدر على الإزالة في إفادة الطهر»، كذا في «الأسرار» (٢). والأوجه فيه أن يقال: [إن] (٣) آية الوضوء ظاهرة المعنى في وجوب الغسل والمسح، وليس فيها ما يدل على النية فكان اشتراط النية زيادة على النص، وذلك لا يجوز بالقياس وخبر الواحد، بخلاف التيمم فإنه عبارة عن القصد لغةً؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي: ولا تقصدوا، وإن كان اشتراط النية فيه ثابتًا بالعبارة. فإن قلت: لا نسلم بأنه ليس في الآية ما يدل على النية، بل فيها دليل على اشتراط النية، وذلك لأن وجوب حكم الغسل خرج مخرج الجزاء للشرط فيتقيد به، فحينئذٍ يكون تقديره: فاغسلوا هذه الأعضاء للقيام إلى الصلاة، ولا نعني بالنية سوى أنه غسل هذه الأعضاء للقيام إلى الصلاة فكان هذا نظير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فيشترط التحرير بنية هذه الكفارة وإلا فلا يجوز لتعلق الجزاء بالشرط، فكذا هنا (٤).

стр. 179

قلت: هذا مسلم فيما كان ذلك حكمًا غير شرط لحكم آخر، وأما إذا كان هذا الحكم شرطًا لحكم آخر لا يشترط النية في هذا الشرط؛ لأن الشرط يراعى وجوده لا وجوده قصدًا كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] لما كان السعي شرطًا لأداء الجمعة لا يشترط النية في السعي أن يكون السعي لأجل الجمعة حتى أنه إذا سعى بغير قصد أداء الجمعة وحضر الجمعة فأدى يجوز، واستيعاب الرأس بالمسح في الوضوء سنة عند الشافعي أيضًا، كذا في «الخلاصة الغزالية» (١)، إلا أن الخلاف بيننا وبينه في التثليث بعد الاستيعاب، وكيفيته أن يبل كفيه وأصابع يديه، ويضع بطون ثلاثة أصابع من كل كف على مقدم الرأس، ويعزل السبابتين والإبهامين ويجافي الكفين ويجرهما إلى مؤخر الرأس، ثم يمسح الفودين (٢) بالكفين ويجرهما إلى مقدم الرأس، ويمسح ظاهر الأذنين بباطن الإبهامين، وباطن الأذنين بباطن السبابتين، ويمسح رقبته بظهر اليدين حتى يصير ماسحًا ببلل لم يصر مستعملاً، كذا علمنا عيانًا الأستاذ الشفيق مولانا فخر الدين المايمرغي. إلا أن الرواية منصوصة في «المبسوط» (٣) على أن الماء لا يعطى له حكم الماء المستعمل حال الاستعمال، فقال: ألا ترى أن في المسنون يستوعب الحكم جميع الرأس كما في المغسولات، فكما أن في المغسولات الماء في العضو لا يصير مستعملاً فكذلك في حكم إقامة السنة في الممسوح، ولكن يجب أن يستعمل فيه ثلاث أصابع اليد في الاستيعاب ليقوم الأكثر مقام الكل حتى أنه لو مسح بإصبعه بجوانبها الأربعة لا يجوز في الأصح لعدم استعمال أكثر الأصابع.

стр. 180

وَاَلَّذِي يُرْوَى فيه مِنْ التَّثْلِيثِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ عَلَى مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلأنَّ الْمَفْرُوضَ هُوَ الْمَسْحُ وَبِالتَّكْرَارِ يَصِيرُ غُسْلاً، وَلا يَكُونُ مَسْنُونًا فَصَارَ كَمَسْحِ الْخُفِّ، بِخِلافِ الْغُسْلِ لأنَّهُ لا يَضُرُّهُ التَّكْرَارُ -قوله: (والذي يروى [فيه] (١) من التثليث) هو ما روي عن عثمان وعلي ﵄ أنهما حكيا وضوء رسول الله ﵇ فَغَسلا ثَلاثًا ثَلاثًا ومَسَحَا بِالرَّأْسِ ثَلاثًا (٢). قلنا: المشهور عنهما أنهما غسلا ثلاثًا ثلاثًا ومسحا بالرأس مرةً واحدة، ولئن ثبت ما روي فنوفق بالحمل على أن التكرار ثلاثًا إنما كان للاستيعاب بماءٍ واحدٍ، وما روي أنه مسح مرةً محمول على أنه استوعب الكل بالمرة الواحدة، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٣). ولا يقال: روي أن النبي ﵇ توضأ ثلاثًا ثلاثًا فكان ماسحًا رأسه ثلاثًا؛ لأنا نقول: ثبت ذلك بمقتضى قوله: ثلاثًا ثلاثًا، وعدم التثليث يثبت بصريح قوله: إن النبي ﵇ مسح برأسه مرةً واحدة، والصريح أقوى. قَالَ: (وَيُرَتِّبُ الْوُضُوءَ فَيَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَكَرِهِ وَبِالْمَيَامِنِ) فَالتَّرْتِيبُ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الْآيَةَ، وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ. وَلَنَا أَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهَا حَرْفُ الْوَاوِ وَهِيَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَتَقْتَضِي إعْقَابَ غَسْلِ جُمْلَةِ الْأَعْضَاءِ وَالْبُدَاءَةُ بِالْمَيَامِنِ فَضِيلَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «إنَّ اللَّه تَعَالَى يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى التَّنَعُّلِ وَالتَّرَجُّلِ» -قوله: (فيبدأ) [تفيد] (٤) الترتيب. -قوله: (والفاء للتعقيب) أي: مع الوصل؛ لأنه لو لم يدرج الوصل لا يثبت ما ادعاه بهذا؛ لأن غسل جميع الأعضاء يحصل عقيب القيام إلى الصلاة إذا حصل بعد القيام وإن لم يكن مرتبًا، فأما إذا كان الفاء للتعقيب مع الوصل اقتضى لزوم وصل غسل الوجه بالقيام إلى الصلاة، فلو قدم غير الوجه عليه يبطل الوصل فلا يجوز تقديم غيره عليه، ثم غيره معطوف عليه بحرف الواو وذلك يوجب الترتيب كما في قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]. أو نقول: لما ثبت في وجوب ترتيب غسل الوجه على القيام بمقتضى الفاء على ما ذكرنا بدون الفصل بشيء آخر، ثبت الترتيب في سائر الأعضاء أيضًا لعدم القائل بالفصل، فإن كل قائل بترتب غسل الوجه على القيام قائل بترتيب سائر الأعضاء عليه، وكل من لم يقل ذلك لم يقل هذا، ولكنا نقول: العمل بمقتضى الفاء وهو التعقيب ممكن على معنى إعقاب غسل جملة الأعضاء عن القيام إلى الصلاة [لا] (٥) إعقاب غسل الوجه عينًا بلا فصل؛ فإن المراد غسل هذه الأعضاء عقيب القيام إلى الصلاة كما لو قال رجل لآخر: إذا دخلت السوق فاشتر لي لحمًا وخبزًا وبقلاً. فإنه لا يفيد هذا تقديمًا وتأخيرًا، وإن علق شراء اللحم بكلمة الفاء بل يصير كأنه قال: فاشتر لي هذه الأشياء وهو لا يوجب الترتيب، فكذا هذا. والواو لمطلق الجمع من غير تعرض لترتيب ولا مقارنة فقلنا به لما أن في هذا الوجه عملاً بالسنة ودلالة الإجماع والمعقول.

стр. 181

أما السنة فهي ما ذكر أبو داود السجستاني في «سننه»: أن النبي ﵇ تَيَمَّمَ فَبَدَأ بِذِرَاعِيْهِ قِبَلَ وَجْهِه» (١)، والخلاف فيهما واحد. وروي أنه ﵇ نَسِيَ مَسَحَ رأْسه في [وضوء] (٢) فتذكر بعد فراغه، فمسحه ببلل في كفه (٣). وأما دلالة الإجماع فإنه لو انغمس في الماء بنية الوضوء أجزأه اتفاقًا (٤) وإن لم يوجد الترتيب.

стр. 182

وأما المعقول فإنهم وضعوا كل حرف دالاً على معنى مخصوص، ثم إنهم وضعوا الفاء للترتيب مع الوصل، وثم للترتيب مع التراخي ومع [للقران] (١)، فلو قلنا بأن الواو توجب الترتيب أو القران كان تكرارًا، ولو قلنا بأنه يوجب الجمع مطلقًا من غير تعرض بأحدهما في أصل الوضع كان كل واحد منهما موضوعًا لمعنى خاص وهو الأصل؛ [إذ] (٢) الترادف والاشتراك خلاف الأصل. [والقاطع للشغب] (٣) هو جواز استعمال الواو في موضع لا يتصور الترتيب [كما] (٤) في قولك: اشترك زيد وعمرو، ولا يجوز ها هنا استعمال الفاء فما نشاء جواز استعمال الواو هناك وعدم جواز استعمال الفاء هنا إلا لأن الواو لا تقتضي الترتيب والفاء تقتضيه، ثم كما لا يجوز استعمال الفاء مكان الواو، وكذلك لا يجوز استعمال الواو مكان الفاء حتى أن من قال لامرأته: إن دخلت الدار وأنت طالق. تطلق في الحال ولا يتعلق، ولو كان موجب الواو الترتيب لكان/ ٣/ ب/ هو بمنزلة الفاء في صحة [التعليق] (٥). ثم الترتيب [بين] (٦) الركوع والسجود ما عرفناه بسبب الواو في قوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]؛ إذ النصوص فيه متعارضة فإنه قال: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣]، وإنما عرفنا بفعل النبي ﵇؛ إذ الصلاة مجملة فصار فعله بيانًا [لها] (٧)، وقد أورد على الشيخ: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧] فاعتبار العمل [الصالح] (٨) إنما يكون إذا كان مرتبًا على الإيمان فعلم بهذا أن الواو للترتيب. قال ﵁ وإثابة الجنة ترتيب اعتبار العمل الصالح على الإيمان لم يعلم باعتبار الواو في هذه الآية بل بآيةٍ أخرى وهي قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء: ٩٤] جعل الإيمان شرطًا للعمل الصالح، والشرط مقدم على المشروط أبدًا فلذلك ترتب العمل الصالح على الإيمان لا باعتبار الواو. [والتنعل نعلين دهياي كردن. والترجل سر شانه كردن] (٩) ومنه حديث الفائق: نهى النبي ﵇ عن التَّرَجُّلِ إلا غبًّا (١٠). ترجل الرجل إذا رجل شعره كقولك: تطيب إذا [طيب] (١١) نفسه، وترجيله تسريحه وتغذيته بالأدهان وتقويته (١٢).

стр. 183

وفي «مبسوط شيخ الإسلام» (١): ومن الناس من زعم أن المراد من الترجل نزع الخفين عن الرجل، ولكن ذاك خطأ محض؛ لأن السنة في النزع أن يبدأ باليسار، وإنما أراد به ترجل الشعر فإنه إذا أراد الرجل أن يرجل شعر رأسه ولحيته فعليه أن يبدأ باليمين ثم باليسار؛ لأن لليمنى فضلاً على اليسار. فصل في نواقض الوضوء (الْمَعَانِي النَّاقِضَةُ لِلْوُضُوءِ) لما فرغ من بيان الوضوء فرضه وسنته ومستحبه، بدأ بما ينافيه من العوارض؛ إذ العارض تالي الأصل، ثم ذكر أولاً العارض الذي ثبت بالنص عبارة، وهو ما يخرج من السبيلين لأصالته، ثم ذكر العارض الذي ثبت بمعنى النص اجتهادًا، وهو الدم والقيح لفرعيته. -النواقض: جمع ناقضة، والنقض متى أضيف إلى الأجسام يراد به إبطال تأليفها، ومتى أضيف إلى المعاني يراد به إخراجه عما هو المطلوب، والمطلوب هنا من الوضوء استباحة الصلاة (٢). -الوضاءة: الحسن والنظافة، تقول: منه وضوء الرجل أي: صار وضيئًا. -وقال بعضهم: الوضوء بالفتح الماء الذي يُتَوَضَّأُ به، وهو أيضًا: المصدر من تَوَضَّأْتُ للصلاة، مثل الوَلُوع، والقبول (٣). -وقال الأخفش (٤): الوضوء بالضم المصدر، وبالفتح الماء ومثله (٥) الوقود بالفتح الحطب، وبالضم الإيقاد، وهو الفعل (٦).

стр. 184

(كُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ «وَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهَ ﷺ مَا الْحَدَثُ؟ قَالَ: مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ» وَكَلِمَةُ مَا عَامَّةٌ فَتَتَنَاوَلُ الْمُعْتَادَ وَغَيْرَهُ (وَالدَّمُ وَالْقَيْحُ إذَا خَرَجَا مِنْ الْبَدَنِ فَتَجَاوَزَا إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، وَالْقَيْءُ مِلْءَ الْفَمِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ قَاءَ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ» وَلأنَّ غَسْلَ غَيْرِ مَوْضِعِ الإصَابَةِ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ وَهُوَ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ، وَلَنَا قَوْلُهُ ﷺ «الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ» وَقَوْلُهُ ﵊: «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ وَلِيَبْنِ عَلَى صَلاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ» -قوله: (كل ما يخرج من السبيلين) أي: خروج كل ما يخرج منهما ليكون الخبر موافقًا للمبتدأ؛ لأن المبتدأ لفظ المعاني فوجب أن يكون خبره أيضًا المعاني، وهي الخروج. ولأن المراد من المعاني العلل، والعلة وصفٌ يحل بالمحل فيتغير به حال المحل، ثم ذكر في المدخل (١) ما هو المخصوص من هذا العموم فقال: كل ما يخرج من السبيلين سوى الريح الخارج من القبل والذكر، وهو صحيح؛ لأن الوضوء منهما غير واجب إلا في رواية عن محمد ذكرها الإمام التمرتاشي (٢) في «الجامع الصغير» (٣). -قوله: (يتناول المعتاد وغيره) فيه نفي لقول مالك؛ «فإن غير المعتاد كدم الاستحاضة لا ينقض الطهارة» عنده، كذا في «المبسوط» (٤). -قوله: (إذا خرجا من البدن) شرط الخروج؛ لأن نفس النجاسة غير ناقضة ما لم توصف بالخروج؛ إذ لو كانت نفسها ناقضة لما حصلت الطهارة لشخص ما. والمراد من البدن بدن الحي حتى [إذا] (٥) خرجت النجاسة من بدن الميت بعد غسله لا يعاد غسل الميت، بل يغسل ذلك الموضع لا غير.

стр. 185

-قوله: (فتجاوزا): شرط التجاوز إلى موضع؛ لأن الخروج إنما يتحقق بالتجاوز فكان هذا احتراز عما يبدو ولم يتجاوز؛ لأن ذلك لا يسمى خارجًا، وإنما ذكر هذا وإن كان هو [مستفادًا] (١) من قوله: خرجا. لما أن زفر: ظن البادي خارجًا حتى أورد ما لم يسل، نقضًا لقولنا: الخارج النجس من غير السبيلين ناقض للوضوء. -قوله:) حكمُ التطهير): أيُّ حكمٌ هو تطهير. والمراد أن يجب تطهيره في الجملة كما في الجنابة، حتى لو سال الدم من الرأس إلى قصبة الأنف انتقض الوضوء، بخلاف البول إذا نزل إلى قصبة الذكر ولم يظهر؛ لأن هناك النجاسة لم تصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير، وفي الأنف وصلت النجاسة إلى موضع يلحقه حكم التطهير، فإن الاستنشاق في الجنابة فرض وفي الوضوء سنة، كذا ذكر في «المبسوط» (٢). وعن هذا قلنا: إذا كان في عينه قرحة ووصل الدم منها إلى جانب آخر من عينه لا ينقض وضوءه؛ لأنه لم يصل إلى موضع يجب غسله في الجملة. -قوله: (أمرٌ تعبدي): [التعبد بندر كي كرفتن] (٣) أي: تعبدنا الله تعالى وكلفنا بغسل الأعضاء الأربعة عند وجود الحدث من السبيلين من غير أن ندركه بالعقول؛ إذ العقل يقتضي وجوب غسل موضع أصابته النجاسة فأمر الوضوء على عكس هذا؛ فإن النجاسة تخرج من أحد السبيلين وأنت تغسل الوجه واليد فكان هذا أمرًا غير مدرك بالعقل فيقتصر على مورد النص وهو خروج النجاسة من السبيلين، هذا هو المعنى المذكور في الكتاب. ووجهٌ آخر: وهو أن القياس يقتضي وجوب غسل كل الأعضاء كما في المني، بل بالطريق الأولى؛ لأن الغائط أنجس من المني؛ لأن في المني اختلافًا في نجاسته، ولما وجب غسل كل الأعضاء في المني يجب في الغائط بطريق الأولى، فالاقتصار على الأعضاء الأربعة بعد هذا كان أمرًا تعبديًّا. ولنا: قوله ﵇: «الوَضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ» (٤). فإن قلت: هذا مبتدأ وخبره ما اقتضاه الجار والمجرور وهو مستحب أو سنة أو واجب، فما الوجه في تعيين الواجب؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن هذا إخبار، والإخبار آكد من الأمر في اقتضاء الوجوب؛ لما أن الإخبار يقتضي وجود المخبر به لا محالة من غير اختيار، لئلا يلزم الكذب في الإخبار فعدل عن الوجود (٥)، لئلا يلزم الخبر إلى آكد الوجوب ليكون داعيًا إلى الوجود، فكان الإخبار أقوى في اقتضاء الوجوب، ولو كان أمرًا لكان الوضوء واجبًا فكذا في الإخبار.

стр. 186

والثاني: أنه وصف الدم بالسيلان، والدم السائل نجس نجاسة غليظة كالغائط فكان ملحقًا به بدلالة النض؛ لأنهما لا يتفاوتان في أن كل واحدٍ منهما خارج نجس من بدن الإنسان، وهذا كقوله ﵇: «لا قَودَ إلا بِالسَّيْفِ» (١). فألحق به الخنجر؛ لأنهما لا يتفاوتان في إزهاق الروح مع تمزيق الجلد. قال الْمُطَرِّزِيُّ: «رعف سال رعافه، وفَتْحُ العين هو الفصيح» (٢)، فوجه التمسك بالحديث ظاهر، وهو أنه ﵇ أمر بالانصراف والمضي على صلاته بعد الشروع واجب لئلا يلزم إبطال العمل فلا يلزم ترك هذا الواجب إلا بأمرٍ أوجب منه وهو عدم إمكان المضي، [ولن] (٣) يكون ذلك ها هنا إلا بانتقاض الوضوء. فإن قلت: لا نسلم بأن عدم إمكان المضي منحصر على انتقاض الطهارة، بل فيه وجهٌ آخر، وهو إصابة نجاسة الرعاف ببدنه، أو ثوبه فجاز أن يكون أمر الانصراف واقعًا لغسل النجاسة الحقيقية لا للحدث. قلت: لا يصح هذا لوجهين: أحدهما: الاستدلال بلفظ الوضوء؛ فإن مطلقه في متعارف لسان الشرع واقع على ما اختلفنا فيه فلا ينصرف إلى ما عليه حقيقة اللغة من الغسل إلا بدلالة كالصلاة والحج، فإن مطلقهما ينصرف إلى ما هو المعهود في الشرع لا إلى ما عليه حقيقة اللغة من الدعاء والقصد، ولا يقال: قد ورد في لسان الشرع غير الوضوء المعهود في الشرع من غسل الفم لقوله ﵇: «هَكَذَا الْوضُوء مِنَ الْقَيْءِ» (٤)؛ لأنا نقول: إن النبي ﵇ أخرج ذلك على طريق المشاكلة لجواب سائل في قوله: ألا تتوضأ وضوءك للصلاة، كقوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨]، والمراد منها دين الله، لكنها مخرجة على طريق المشاكلة لما عرف.

стр. 187

والثاني: الاستدلال بالبناء؛ فإن النبي ﵇ جوز البناء في هذا الانصراف، والانصراف عن الصلاة لغسل النجاسة الحقيقية يوجب فساد الصلاة ويمنع البناء بالاتفاق مع أن «في رواية ابن [أبي] (١) مليكة عن عائشة ﵄: (من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف وليتوضأ) (٢). وعن المذي لا يجب إلا الوضوء الشرعي»، كذا في «الأسرار» (٣). فإن قلت: البناء الذي هو معطوف غير واجب فكذا الانصراف، والتوضي ينبغي أن يكونا غير واجبين؛ ليتناسب إمكان المعطوفات. قلت: القران في النظم لا يوجب القران في الحكم لما عرف، وقد وجدنا عطف الأمر الذي يقتضي الوجوب على الأمر الذي يقتضي الإباحة في قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [سبأ: ١٥] قال في «التيسير» (٤): «أمر الأكل للإباحة، وأمر الشكر للوجوب»، فكان جواز عكسه أولى إذ فيه اتباع الضعيف [للقوي] (٥)، ولأن الدليل قد قام على أن البناء غير واجب لما أن في البناء إتمام الصلاة مع وجود المنافي، مع أنه مختلف فيه، وفي الاستئناف إتمام الصلاة بدون المنافي، وفي جوازها اتفاق فكان أولى بالجواز. وإذا دل الدليل على أن أحد الأوامر/ ٤/ أ/ يدل على [عدم] (٦) الوجوب لقيام الدليل لا يلزم حمل سائر الأوامر على عدم الوجوب، بل الدليل دل على الوجوب على ما ذكرنا. وَلأنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ مُؤَثِّرٌ فِي زَوَالِ الطَّهَارَةِ، وَهَذَا الْقَدْرُ فِي الْأَصْلِ مَعْقُولٌ، وَالاقْتِصَارُ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ غَيْرُ مَعْقُولٍ -قوله-﵀: (ولأن خروج النجاسة مؤثر في زوال الطهارة)؛ لأن النجاسة مع الطهارة متنافيتان فكان وجود إحديهما مؤثرًا في زوال الأخرى لا محالة كالحركة والسكون، وهذا أمر معقول.

стр. 188

ثم خروج النجاسة من البدن، يقتضي وجوب غسل كل الأعضاء لوجهين: أحدهما: أن النجاسة لما تجاوزت إلى الموضع الذي يلحقه حكم التطهير وجب تطهير ذلك الموضع بالإجماع عندنا حال ازدياد قدر الدرهم، وعند الخصم وإن قل، ثم وجوب التطهير في البدن باعتبار ما يكون منه لا يحتمل الوصف التجزيء؛ إذ هو يسمى محدثًا، وهذه الصفة أعني كونه محدثًا تشمله من قرنه إلى قدمه؛ وذلك لأن الصفة وإن قامت بمحل واحد معين يتصف كل البدن بتلك الصفة كالعلم والعمى والبصر فكذلك موضع الخروج لما اتصف بصفة النجاسة كان كل البدن موصوفًا بها، فحينئذٍ يوجب قيام هذه الصفة تطهير جميع الأعضاء، فبعد ذلك الاقتصار على الأعضاء الأربعة كان أمرًا غير معقول. والثاني: أنه لما [خرج النجاسة من موضع] (١) وجب غسل ذلك الموضع لما ذكرنا، [ولما] (٢) أن قيام من قام بين يدي من هو واجب التعظيم الذي يعلم الظاهر والباطن مستصحبًا لما يستقذر قبيحٌ جدًّا، [واذا وجب] (٣) غسل ذلك الموضع وجب غسل الباقي لا لإزالة النجاسة لكن؛ لأن غسل بعض البدن دون البعض يخل بالزينة فيجب غسل كل البدن تحقيقًا لمعنى التزين، ثم الاقتصار على الأعضاء الأربعة بعد هذا كان أمرًا غير معقول أي: غير مدرك بالعقول. لَكِنَّهُ يَتَعَدَّى ضَرُورَةَ تَعَدِّي الْأَوَّلِ -قوله: «لكنه يتعدى ضرورة تعدي الأول» أي: لكن الاقتصار الذي هو غير معقول يتعدى ضرورة تعدي القدر المعقول الذي هو زوال الطهارة عند حلول النجاسة [كشف] (٤) هذا هو أن القياس عبارة عن إبانة مثل [حكم] (٥) أحد المذكورين بمثل علته في الآخر وهو عبارة عن تقدير الفرع بالأصل في الحكم والعلة، وكل واحد منهما يقتضي أن يكون الفرع مماثلاً للأصل لا مخالفًا له حتى أنه لو تغير حكم النص في نفسه كما في مسألة الإطعام أو تغير حكمه في الفرع كما في ظهار الذمي لا يصح القياس. ثم ها هنا أعني الخارج من السبيلين الحكم في الأصل مشتمل على معنيين: أمر معقول أصالةً وهو زوال الطهارة عند حلول النجاسة. وغير معقول تبعًا وضمنًا وهو الاقتصار على الأعضاء الأربعة؛ لأنه ثبت مرتبًا عليه فكان تبعًا، فيجب أن يثبت الحكم في الفرع وهو الخارج النجس من غير السبيلين على وفاق ذلك مشتملاً على معنيين أيضًا: أمر معقول، وغير معقول؛ لئلا يلزم تغير حكم النص في نفسه أو في الفرع، ثم الحكم الذي هو غير معقول وإن كان لا يتعدى قصدًا كإيجاب الطهارة بالقهقهة في الصلاة، لكن يتعدى إذا كان ثابتًا في ضمن حكم معقول ضرورةً تعدى ذلك الحكم المعقول؛ لأن الاعتبار للمتضمن لا للمتضمَّن كالوكالة الثابتة في ضمن الرهن، ولأن [تعدية] (٦) ما هو معقول واجب وما ليس بمعقول ليس بممتنع التعدية؛ إذ هو ثابت في ضمن حكم شيء آخر فيعدى بتعديته كاستواء الجيد مع الرديء في باب الربا، وهو غير معقول؛ إذ التسوية بينهما كالتسوية بين الموجود والمعدوم، ولهذا أجري على وفق القياس في بيع المريض وبيع الوصي مال الصغير حيث لم يسقط اعتبار الجودة وإن كانت في الأموال الربوية، وأنه يعدى إلى غير المنصوص عليه من المكيلات، والموزونات كالجص، والنورة، والحديد ضرورة تعدي أمر معقول، وهو حرمة الفضل بعد المساواة صورةً ومعنىً بالقدر والجنس؛ إذ المساواة لا تتحقق مع بقاء التفرقة بين الجيد والرديء، وإن وجدت المساواة بالقدر والجنس.

стр. 189

فإن قلت: لو كانت النجاسة تستدعي الطهارة من الوجه الذي ذكرت لانتقضت طهارته عند إصابة الخمر مثلاً بدنه، وإن لم يخرج منه شيء من حيث أن وجوب التطهير لا يحتمل الوصف بالتجزيء. قلت: هذه معارضة في موضع الإجماع؛ فإن الإجماع منعقد في عدم انتقاض الطهارة هناك، ولأن صفة الانتقاض إنما تتحقق عند تحقق صفة كونه محدثًا، وصفة كونه محدثًا، إنما تلزمه أن لو كانت النجاسة خارجة منه في الأصل وهو الخارج من السبيلين فانتفى اللزوم لانتفاء اللازم. والوجه لنا أيضًا لإثبات المذهب هو أن الحدث اسم للخارج النجس، و/ ٤/ ب/ ذلك لأن الحدث اسم لمجرد الحادث إلا أنه [تغيّر] (١) في الشرع إلى كونه حادثًا خارجًا بوصف كونه نجسًا، أما الخروج فلقوله ﵇: «الوضُوْءُ ممَّا يَخْرُجْ» (٢)، وأما كونه نجسًا فلأن الإجماع منعقد على أن الخارج إذا كان طاهر كالبزاق والمخاط لا ينتقض به الطهارة، ولأن حكم الانتقاض في السبيلين لا يخلو [إما] (٣) إن كان متعلقًا بالمخرج المعتاد أو بالخارج المعتاد أو بهما جميعًا أو بمطلق الخارج النجس من بدن الإنسان لا سبيل إلى الأول؛ لأنه حينئذٍ يلزم أن يكون الآدمي [منتقض] (٤) الطهارة أبدًا؛ لأن المخرج لا يفارقه ولا سبيل إلى الثاني لانتقاض الطهارة بالخارج الذي هو غير معتاد كالدودة الساقطة من الدبر ودم الاستحاضة، ولا يجوز أن يكون متعلقًا بهما لما أن الرواية منصوصة بأن الإنسان إذا طعن في السرة فخرج البول أو العذرة انتقضت بهما الطهارة عند الشافعي (٥)، وتعلق المخرج معدوم، فإذا انتفت الأوجه الثلاثة تعين الوجه الرابع وهو الخارج النجس من بدن الإنسان، وفي هذا لا يتفاوت حكم الخارج النجس من السبيلين، وحكم الخارج النجس من غير السبيلين.

стр. 190

فإن قلت: هذه طريقة يأباها الإمام السرخسي: في الاحتجاج، ذكره في فصل الاحتجاج بما ليس بحجة من أصول الفقه (١). قلت: وإن أباها هو فقد تلقاها الإمام الجصاص (٢) من السلف، والإمام ظهير الدين المرغيناني (٣) من الخلف رحمهما الله بالقبول وكفى بهما قدوة، وذكر في «الأسرار». «فإن قيل: هذه طهارة حكمية [تعبدنا] (٤) بها بدلالة أنها تجب لا في موضع النجاسة. قلنا: إن معنى العبارة فيها تبع فإن الله تعالى قال: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [الأنفال: ١١] ولم يقل: ليتعبدكم، وسميت طهارة ووضوءًا فوجبت شرعًا تعظيمًا لشأن القيام إلى الله تعالى فكان ينبغي أن يغتسل كما في المني؛ لأن الشرط أن يقوم بنفسه طاهرًا إلى الله تعالى وقد لزمه حكم النجاسة بخروج النجس إلا أن الله تعالى قصر الوجوب على الظواهر من الأعضاء تيسيرًا علينا؛ لأنه مما يكثر فبقي فيما لا يكثر على أصل القياس» (٥).

стр. 191

وقال فخر الإسلام: في «الجامع الصغير» (١): هذا الفصل من خصال [أهل] (٢) السنة والجماعة، وأن من لم يتوضأ من ذلك فمبتدع، ومذهبنا مذهب العشرة الذين بشروا بالجنة، وعلى ذلك المسلمون. (غَيْرَ أَنَّ الْخُرُوجَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالسَّيَلانِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ) -قوله: (غير أن الخروج) هذا استثناء عن النكتة الأولى جوابًا لسؤال مقدر بأن قيل: ألحقتم الخارج من غير السبيلين بالخارج من السبيلين مع وجود المفارقة بينهما، من حيث أن القليل ناقض في السبيلين وغير ناقض في غير السبيلين، فكيف يصح الإلحاق به؟ فأجاب عنه وقال: «نعم كذلك، إلا أن القليل الظاهر في السبيلين موصوف بالخروج؛ لأن الخروج عبارة عن الانتقال عن محل باطن إلى محل ظاهر»، كذا في «الأسرار» (٣)، فلذلك استدل بالظهور على الخروج في السبيلين؛ لأن موضع الظهور في السبيلين ليس بمحل النجاسة، فبالظهور يعلم أنه قد انتقل من محله فيتحقق الخروج لوجود حده، وأما في غير السبيلين فلا يعلم الخروج بمجرد الظهور؛ فإن تحت كل جلدة رطوبة، فإذا تقشرت الجلدة ظهرت الرطوبة غير منتقلة من مكانها فلذلك لم يستدل بالظهور على الخروج، فلا تنتقض الطهارة ما لم يوجد السيَّلان الذي هو محقق للخروج. وَبِمِلْءِ الْفَمِ فِي الْقَيْءِ لأنَّ بِزَوَالِ الْقِشْرَةِ تَظْهَرُ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلِّهَا فَتَكُونُ بَادِيَةً لا خَارِجَةً، بِخِلافِ السَّبِيلَيْنِ لأنَّ ذَلِكَ الْوَضْعَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ فَيُسْتَدَلُّ بِالظُّهُورِ عَلَى الانْتِقَالِ وَالْخُرُوجِ، وَمِلْءُ الْفَمِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ إلا بِتَكَلُّفٍ لأنَّهُ يَخْرُجُ ظَاهِرًا فَاعْتُبِرَ خَارِجًا. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: قَلِيلُ الْقَيْءِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ، وَكَذَا لا يُشْتَرَطُ السَّيَلانُ عِنْدَهُ اعْتِبَارًا بِالْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ، وَلِإِطْلاقِ قَوْلِهِ ﵊: «الْقَلْسُ حَدَثٌ». -قوله: (وبملء الفم) معطوف على قوله: «بالسيلان»، أي: يتحقق الخروج بملء الفم في القيء. وإنما اختلف الحكم في القيء بين ملء الفم، وبين ما دونه؛ لأن الفم تجاذب فيه دليلان: أحدهما يقتضي كونه ظاهرًا، والآخر يقتضي كونه باطنًا حقيقةً وحكمًا، أما الحقيقة فإنه إذا فتح فاه يظهر، وإذا ضمه يبطن. وأما الحكم، فإن الصائم إذا أخذ الماء بفيه ثم مجه لا يفسد صومه، كما إذا سال الماء على ظاهر جلده فكان ظاهرًا، وإذا ابتلع ريقه لا يفسد صومه أيضًا، كما إذا انتقل من زاوية بطنه إلى الزاوية الأخرى فكان باطنًا فوفرنا على/ ٥/ أ/ الدليلين حكمهما، فقلنا: إذا كثر ينقض؛ لأنه يخرج غالبًا اعتبارًا بالظاهر، وإذا قل لا ينقض فيصير تبعًا للريق اعتبارًا بالباطن.

стр. 192

وفي «المبسوط»: «القياس أن القيء ينبغي أن لا يكون حدثًا؛ لأن الحدث اسم لخارج نجس يخرج بقوة نفسه، والقيء مخرج لا خارج، فإن من طبع الأشياء السيالة أنها لا تسيل إلى فوق ألا بدافع دفعها أو جاذب جذبها كالدم الظاهر على رأس الجرح فمسحه بخرقة، ولكنا تركنا القياس بالآثار عند ملء الفم، فبقي ما دونه على أصل القياس، ولأن في القليل بلوى فإن من يملأ معدته من الطعام إذا ركع أو سجد في الصلاة يعلوه شيء إلى حلقه، فجعل القليل عفوًا، وحد ملء الفم أن [يفمّه] (١) إمساكه أو يمنعه من الكلام، وقيل: أن يزيد على نصف الفم» (٢). وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊: «لَيْسَ فِي الْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ مِنْ الدَّمِ وُضُوءٌ إلا أَنْ يَكُونَ سَائِلاً» وَقَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ حِينَ عَدَّ الْأَحْدَاثَ جُمْلَةً: أَوْ دَسْعَةً تَمْلا الْفَمَ. وَإِذَا تَعَارَضَتْ الْأَخْبَارُ يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى الْقَلِيلِ، وَمَا رَوَاهُ زُفَرُ ﵀ عَلَى الْكَثِيرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْلَكَيْنِ قَدْ بَيَّنَّاهُ. وَلَوْ قَاءَ مُتَفَرِّقًا بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَ يَمْلا الْفَمَ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يُعْتَبَرُ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يُعْتَبَرُ اتِّحَادُ السَّبَبِ وَهُوَ الْغَثَيَانُ، ثُمَّ مَا لا يَكُونُ حَدَثًا لا يَكُونُ نَجَسًا، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ -قوله ﵇: («لَيْسَ فِي الْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ مِنَ الدَّمِ وُضُوءٌ إِلا أَنْ يَكُونَ دَمًا سَائِلا») (٣). القطرة والقطرتان عبارة عن قلة الدم الذي لم يوجد منه السّيلان، والدليل عليه قوله ﷺ : «إلا أنْ يَكُونَ سَائلاً» (٤)، فإن حال السيلان سابقة على حال القطر، فإنه إذا ازداد السيلان بازدياد الدم، واجتمع في موضع أو حصل له صلاحية ازدياد السيلان يحصل [القطر] (٥)، وإذا كان كذلك فلو كانت القطرة على حقيقتها لا يصح استثناء حالة السيلان منها؛ لأن استثناءه الشيء بمنزلة غايته، ولا يجوز تقدم الغاية على المغيّا؛ لأن الغاية تعقب المغيا أبدًا، فكذلك حالة [القطر] (٦) تعقب حالة السيلان على ما ذكرنا، فلا يجوز أن يتعقب حال السيلان حال القطر لذلك، وهذا كما إذا قال الرجل لامرأته وهي خارج الدار: إذا قعدت وسط الدار فلست بطالق إلا إذا دخلت تلك الدار أو أُدخلت فإنه لا يصح؛ لأن حال الدخول والإدخال سابقة على حال القعود، ولذلك لو قلت على وزانه: ليس في اللقمة واللقمتين من أكل الخبز اختيارًا قطع الصلاة إلا أن يكون المصلي أدخل في فمه لا يصح.

стр. 193

فإن قلت: جاز أن يكون المراد منه قطر الدم من رأس الجرح من غير أن يسيل إلى موضع يلحقه حكم التطهير. قلت: هذا قولٌ خارق للإجماع فلا يصح؛ لأن كل من قال بانتقاض الطهارة بالسيلان قال بانتقاضها في هذه الصورة التي أوردت، فإن عندنا إذا ظهر الدم على رأس الجرح فمسحه على أن يسيل وهو بحال لو تركه سال فعليه الوضوء، وعند الخصم لا ينقض السيلان ولا القطر، وأما القائل بالانتقاض بالسيلان، وبعدم الانتقاض بالقطر فمعدوم، فكان المؤول بهذا التأويل قائلاً بقول لم يقل به أحدٌ من العلماء، فكان باطلاً، لدلالة إجماعهم على بطلانه. -قوله: «أو دَسْعَةُ» (١) أي: دفعة من القيء وهي المرة من الدسع (٢) [نسحار برآدرون شتر] (٣) من حد منع، واذا تعارضت الأخبار يحمل لأن الأصل في الأدلة الإعمال دون الإهمال، وفي الحمل الإعمال، فكان الحمل واجبًا. ثم دليل الحمل على ما ذكر، وهو حمل قيء النبي ﵇ على ما دون ملء الفم؛ لما أن ملء الفم نتيجة كثرة الأكل، وكان رسول الله ﵇ عن ذلك بمعزلٍ. والفرق بين المسلكين أي: بين الفم والسبيلين أي: قدمنا وجه الفرق فيما ذكرنا في مسألة الدم من أن القليل غير ناقض في غير السبيلين، وفي السبيلين ناقض. فعند أبي يوسف: يعتبر اتحاد المجلس؛ لأن لاتحاد المجلس أثرًا في جمع المتفرقات، ولهذا تتحد الأقوال المتفرقة في النكاح والبيع وسائر العقود باتحاد المجلس، وكذلك التلاوات المتعددة لآية السجدة بتعدد المجلس، وتتحد باتحاده وعند محمد: الاعتبار لاتحاد السبب؛ لأن الحكم يثبت على حسب ثبوت السبب من الصحة والفساد، فكذلك لاتحاد السبب أثر أيضًا في اتحاد الحكم، حتى إن الإنسان إذا جرح آخر جراحاتٍ، ومات منها قبل [تحلل] (٤) البر يتحد الموجب، ومتى تخلل البر يختلف الموجب. وكذلك لو اشترى عبدًا وقبضه فحم (٥) عنده وقد كان يحم عند البائع ولم يعلم به المشتري أنه إن حم عند المشتري في الوقت الذي كان يحم عند البائع كان له أن يرد، وإن حم عند المشتري في غير ذلك الوقت ليس له أن يرد، وكذلك لو غصب جاريةً محمومةً فزالت حماها ثم حمت فردها إن قال أهل الطب: إن الثاني عين الأول لقيام السبب الداعي إليه لم يضمن، وإن قالوا غير الأول ضمن النقصان.

стр. 194

وفي «التفاريق» (١) الاختلاف بينهما، على عكس هذا، فكان الاعتبار في هذه المسائل باتحاد السبب واختلافه، كذا ذكره الإمام التمرتاشي. وَهُوَ الصَّحِيحُ لأنَّهُ لَيْسَ بِنَجَسٍ حُكْمًا حَيْثُ لَمْ تَنْتَقِضْ بِهِ الطَّهَارَةُ (وَهَذَا إذَا قَاءَ مُرَّةً أَوْ طَعَامًا أَوْ مَاءً، فَإِنْ قَاءَ بَلْغَمًا فَغَيْرُ نَاقِضٍ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: نَاقِضٌ إذَا كَانَ مِلْءَ الْفَمِ، وَالْخِلافُ فِي الْمُرْتَقِي مِنْ الْجَوْفِ. َمَّا النَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ فَغَيْرُ نَاقِضٍ بِالاتِّفَاقِ؛ لأنَّ الرَّأْسَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ. لأبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ نَجِسٌ بِالْمُجَاوَرَةِ، وَلَهُمَا أَنَّهُ لَزِجٌ لا تَتَخَلَّلُهُ النَّجَاسَةُ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ قَلِيلٌ وَالْقَلِيلُ فِي الْقَيْءِ غَيْرُ نَاقِضٍ -قوله: (وهو الصحيح) احتراز عن قول محمد: فإنه نجس عنده والذي [ذكره] (٢) في الكتاب قول أبي يوسف: خاصة حتى إذا أخذ ذلك بقطنه فألقي في الماء لا ينجس الماء عند أبي يوسف، ويتنجس عند محمد. ثم بعض مشايخنا أخذوا بقول محمد احتياطًا، وبعضهم أخذوا بقول أبي يوسف، وهو اختيار المصنف: رفقاً [للناس] (٣) خصوصًا/ ٥/ ب/ في حق أصحاب القروح. قوله: (فإن قاء بلغمًا) إلى آخره. قال الإمام المحبوبي: في «الجامع الصغير» (٤): هذا الاختلاف يرجع إلى اختلافهم أن البلغم طاهرٌ أم نجس؟ عندهما طاهر، وعند أبي يوسف نجس. وحكي عن الإمام أبي منصور الماتريدي (٥): قال: ليس هذا اختلاف حجة، بل هو اختلاف صورة، فتصور لأبي حنيفة ومحمد أن البلغم يهيج من جانب الفم فأجاب أنه طاهر، وتصور لأبي يوسف أنه يهيج من البطن ويعلو منه فأجاب أنه نجس.

стр. 195

وفي «المبسوط»: «فأبو يوسف يقول: البلغم [إحدى] (١) الطبائع الأربع فكان نجسًا كالمرة والصفراء. وقالا (٢): البلغم [بزاق] (٣) والبزاق طاهر. ومعنى هذا أن الرطوبة في أعلى الحلق ترق فتكون بزاقًا، وفي أسفله تثخن فيكون بلغمًا، وبهذا يتبين أن خروجه ليس من المعدة بل من أسفل الحلق، وهو ليس بموضع [النجاسة] (٤) والبلغم هو النخامة» (٥). وقال ﵇ لعمار ﵁: «مَا نُخَامَتُكَ وَدُمُوعُ عَيْنَيْكَ وَالْمَاءُ الَّذِي فِي رَكْوَتِكَ إِلا سَوَاءٌ» (٦). ولهما أنه لزج لا يتخلله النجاسة. فإن قيل: ينقض هذا ببلغم يقع في النجاسة، ثم يرفع نحكم بنجاسته. قلنا: لا رواية في هذه المسألة، ولئن سلم فالفرق بينهما أن البلغم مادام في الباطن يزداد ثخانته فيزداد لزجه، فإذا انفصل عن الباطن تقل ثخانته فيقل لزجه، فإذا قل لزجه ازدادت رقته فلزقته جاز أن يقبل النجاسة بخلاف [ما] (٧) إذا كان في باطنه، وكان الطحاوي: يميل إلى قول أبي يوسف حتى روي عنه أنه كان يكره الإنسان أن يأخذ البلغم بطرف ردائه ويصلي معه، كذا في «الفوائد الظهيرية» (٨). وَلَوْ قَاءَ دَمًا وَهُوَ عَلَقٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ مِلْءُ الْفَمِ لأنَّهُ سَوْدَاءُ مُحْتَرِقَةٌ) وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ، وَعِنْدَهُمَا إنْ سَالَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلاً لأنَّ الْمَعِدَةَ لَيْسَتْ بِمَحَلِّ الدَّمِ فَيَكُونُ مِنْ قُرْحَةٍ فِي الْجَوْفِ -قوله: (ولو قاء دمًا وهو علق) أي: قاء دمًا غليظًا متجمدًا [غير] (٩) سائل؛ بدليل ما ذكر بعده وإن كان مائعًا، والدليل عليه [أيضًا] (١٠) ما ذكره شمس الأئمة السرخسي: في «الجامع الصغير» (١١)، فأما إذا كان الدم متجمدًا كالعلق لم ينقض الوضوء، حتى يملأ الفم لأن ذلك ليس بدم، وإنما هي مرة سوداء، وبهذا أيضًا يعلم أن موصوف السوداء والمرة في قوله: (لأنه سوداء محترقة). ثم السوداء المحترقة يخرج من المعدة، وما يخرج منها لا يكون حدثًا ما لم يكن ملء الفم.

стр. 196

-قوله: (فكذلك عند محمد) أي: يعتبر فيه ملء الفم أيضًا، وقول أبي يوسف في هذه المسألة مضطرب، منهم من يجعله مع أبي حنيفة، ومنهم من يجعله مع محمد، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام:» (١). -قوله: (اعتبارًا بسائر أنواعه) وأنواع القيء خمسة: الطعام، والماء، والمرة، والصفراء، والسوداء. كذا ذكره الإمام المحبوبي. وعندهما: [إن] (٢) سال بقوة نفسه بأن كان الدم غالبًا، وإن كان قليلاً بأن لم يكن ملء الفم، وفي الأصل: بزق فخرج منه دم فالحكم للغالب، وإن استويا أحب إلي أن يتوضأ أخذًا بالثقة، كذا ذكره الإمام التمرتاشي. (وَلَوْ) (نَزَلَ) مِنْ الرَّأْسِ (إلَى مَا لانَ مِنْ الْأَنْفِ) (نَقَضَ بِالاتِّفَاقِ) لِوُصُولِهِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَيَتَحَقَّقُ الْخُرُوجُ (وَالنَّوْمُ مُضْطَجِعًا) -قوله: (والنوم مضطجعًا) وفي «المبسوط» (٣): «أما نوم المضطجع فناقض للوضوء، وفيه طريقان (٤): أحدهما: أن عينه حدث بالسنة المروية فيه؛ لأن كونه [طاهرًا] (٥) ثابت بيقين، ولا يزال اليقين إلا بيقين مثله، وخروج شيء منه ليس بيقين فعرفنا أن عينه حدث. والثاني: أن الحدث مما لا يخلو عنه النائم عادةً؛ فإن نوم المضطجع يستحكم فيسترخي به مفاصله إليه أشار رسول الله ﷺ في قوله: «الْعَيْنان وِكَاءُ السَّهِ فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنان اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ» (٦). وما هو ثابت عادةً كالمتيقن به. وكان أبو موسى الأشعري ﵁ يقول: «لا ينتقض الوضوء بالنوم مضطجعًا حتى يعلم بخروج شيء منه، فكان/ ٦/ أ/ إذا نام أجلس عنده من يحفظه، فإذا انتبه سأله، فإن أخبره بظهور شيء منه أعاد الوضوء» (٧).

стр. 197

وفي «الأسرار»: «قال علماؤنا ﵏: النوم لا يكون حدثًا في حال من أحوال الصلاة، وكذلك قاعدًا خارج الصلاة إلا أن يكون متوركًا»؛ «لأن التورك جلسة تكشف عن مخرج الحدث غير أن [اليقظة تمنعه] (١) فكما نام وزال قوة منعه والمسكة كانت زائلة بالجلسة تحقق الاستطلاق» (٢). وفي «الذخيرة» (٣): النوم مضطجعًا إنما يكون حدثًا إذا كان الاضطجاع على غيره، أما إذا كان الاضطجاع على نفسه لا يكون حدثًا حتى أن من نام واضعًا أليتيه على عقبيه وصار شبه المنكّب على وجهه واضعًا بطنه على فخذيه لا ينتقض وضوءه، هكذا ذكر في صلاة الأثر عن محمد:. -قلت: جعل المنكّب على وجهه واضعًا بطنه على فخذيه من أنواع الاضطجاع [لا] (٤) يصح لما أن المضطجع هو الذي وضع جنبه على الأرض [لا] (٥) أن يضع بطنه على فخذيه، والله أعلم [بصحته] (٦). -قوله: (أو متكئًا) أي: على أحد وركيه فهو حينئذٍ بمعنى المتورك المذكور في «الأسرار» (٧) و «الإيضاح» (٨). (أَوْ مُتَّكِئًا) الاتكاء: افتعال من وكأ معتل الفاء مهموز اللام مقدر لا مستعمل، فأبدل التاء في اتكاء من الواو في أوتكاء؛ لأن التاء تبدل من الواو في باب الافتعال وغيره نحو اتعد. (أَوْ مُسْتَنِدًا إلَى شَيْءٍ) -قوله: (أو مستندًا إلى شيء) وهو مما اختاره الطحاوي (٩) لا من أصل رواية «المبسوط» فإنه ذكره في «المبسوط» (١٠)، «فإن كان القاعد مستندًا إلى شيء فنام قال الطحاوي: إن كان بحال لو أزيل سنده عنه سقط انتقض الوضوء لزوال الاستمساك.

стр. 198

والمروي عن أبي حنيفة: أنه لا ينتقض وضوءه على كل حال؛ لأن مقعده مستقر على الأرض فيأمن خروج شيء منه (١). فإن نام قاعدًا فسقط روي عن أبي حنيفة: قال: «إن انتبه قبل أن يصل جنبه إلى الأرض لم ينتقض وضوءه»؛ لأنه لم يوجد شيء من النوم [مضطجعًا وهو الحدث بخلاف ما إذا انتبه بعد السقوط؛ لأنه وجد شيء من النوم] (٢) حالة الاضطجاع». وروي عن أبي يوسف: (٣) أنه قال: لو تعمد النوم في حالة السجود ينتقض وضوؤه، وإن غلبته عيناه لم ينتقض. وجه ظاهر الرواية لما روي عن النبي ﵇[أنه] (٤) قال: «إذَا نَامَ الْعَبْدُ فِي سُجُودِهِ يبَاهَى اللَّهُ تعالى بِهِ ملائكته فيَقُولُ: انْظُرُوا عَبْدِي رُوحُهُ عِنْدِي. وجَسَدُه في طَاعَتي» (٥). وإنما يكون جسده في الطاعة إذا بقي وضوءه، وجعل هذا الحديث في «الأسرار» (٦) من المشاهير. ولأن الاستمساك باقٍ فإنه لو زال لزال على أحد شقيه. (لَوْ أُزِيلَ عَنْهُ لَسَقَطَ) لأنَّ الاضْطِجَاعَ سَبَبٌ لِاسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ فَلا يَعْرَى عَنْ خُرُوجِ شَيْءٍ عَادَةً، وَالثَّابِتُ عَادَةً كَالْمُتَيَقَّنِ بِهِ، وَالاتِّكَاءُ يُزِيلُ مَسْكَةَ الْيَقَظَةِ لِزَوَالِ الْمَقْعَدِ عَنْ الْأَرْضِ، وَيَبْلُغُ الاسْتِرْخَاءُ غَايَتَهُ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الاسْتِنَادِ، غَيْرَ أَنَّ السَّنَدَ يَمْنَعُهُ مِنْ السُّقُوطِ) -قوله: (إلى شيء لو أزيل لسقط) متعلق بقوله: مستندًا لا غير، بدلالة تفصيله فيما بعده حيث ذكر وجه كون الاستناد ناقضًا بقوله: ويبلغ الاسترخاء غايته بهذا النوع من الاستناد غير أن السند يمنعه من السقوط. -قوله: (يزيل مسكة اليقظة) أي: يزيل التماسك الذي يكون لليقظان.

стр. 199

بِخِلافِ النَّوْمِ حَالَةَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي الصَّلاةِ وَغَيْرِهَا هُوَ الصَّحِيحُ، لأنَّ بَعْضَ الاسْتِمْسَاكِ بَاقٍ، إذْ لَوْ زَالَ لَسَقَطَ فَلَمْ يَتِمَّ الاسْتِرْخَاءُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊: «لا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّهُ إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ». -قوله: (بخلاف حالة القيام والقعود والركوع) هذا عندنا. وقال الشافعي: إذا نام [قائماً] (١) أو راكعًا أو ساجدًا فإنه ينتقض الوضوء قولاً واحدًا، فإذا نام قاعدًا مستويًا وأليتاه على الأرض فله فيه قولان، فإذا على أحد قولي الشافعي: نفس النوم حدث على أي صفة ما نام، وفي قوله: نفس النوم لا يكون حدثًا إلا أن يكون مسكته زائلة عن مستوى جلوسه، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام:» (٢). -قوله: (في الصلاة وغيرها) إنما قيد بهذا لأنه إذا نام على هيئة السجود أو قائمًا أو قاعدًا أو راكعًا خارج الصلاة ففيه اختلاف المشايخ. وذكر ابن شجاع (٣) إنما لا يكون حدثًا في هذه الأحوال في الصلاة، فأما خارج الصلاة يكون حدثًا. وفي ظاهر الرواية لا فرق بينهما لبقاء الاستمساك. وعن علي بن [أبي] (٤) موسى القمي (٥): قال: لا أعرف في هذه المسألة رواية منصوصة عن أصحابنا المتقدمين، ولكن على قياس مذهبهم ينبغي أن يقال: إذا نام ساجدًا على الصفة التي هي [شبة] (٦) السجود فأن كان رافعًا بطنه عن الأرض مجافيًا لمرفقيه عن جنبيه لا يكون حدثًا، ولو نام قاعدًا [ووضع] (٧) أليتيه على عقبيه وصار شبه المنكب على وجهه.

стр. 200

قال أبو يوسف: «عليه الوضوء». كذا في «المبسوطين» (١). -قوله: (فلم يتم الاسترخاء) فلما لم يتم الاسترخاء لم يكن النوم في هذه الأحوال سببًا لخروج الحدث غالبًا فلا يقام مقامه، وذلك لأن السبب إنما يقام مقام المسبب تقديرًا إذا كان يغلب وجود المسبب بذلك السبب، فأما إذا لم يغلب فلا؛ لأنه حينئذٍ يقع الشك في وجود الحدث والوضوء كان ثابتًا بيقين فلا يزال بالشك. -قوله: (استرخت مفاصله) أي: بلغ الاسترخاء غايته؛ لأن أصل الاسترخاء ويوجد فيمن نام قائمًا فحينئذٍ يتناقض آخر الحديث بأوله. وذكر التمسك في «الأسرار» و «مبسوط شيخ الإسلام» (٢) بهذا الحديث من ثلاثة أوجه: فقال: «فنص النفي حجة؛ لأنه نفى الوضوء على من نام راكعًا أو ساجدًا أو قائمًا، فمن أوجب فقد خالف النص. -وقوله: (إنما) (٣) حجة لأنها لإثبات المذكور ونفي ما عداه. والتعليل وهو استرخاء المفاصل حجة؛ لأنه ﵇ لم يرد به أصل الاسترخاء، وإنما أراد به النهاية في الاسترخاء؛ لأن أصل الاسترخاء يوجد في حالة الركوع والسجود والقيام؛ لأن أصل الاسترخاء يوجد بالنوم والنوم/ ٦/ ب/ موجود في هذه الأحوال، فلو حملنا عليه يلزم التناقض» (٤). (وَالْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ بِالإغْمَاءِ وَالْجُنُونُ) لأنَّهُ فَوْقَ النَّوْمِ مُضْطَجِعًا فِي الاسْتِرْخَاءِ، وَالإغْمَاءِ حَدَثٌ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي النَّوْمِ إلا أَنَّا عَرَفْنَاهُ بِالْأَثَرِ، وَالإغْمَاءُ فَوْقَهُ فَلا يُقَاسَ عَلَيْهِ -قوله: (والجنون) برفع النون بالعطف على والغلبة؛ لأن العقل في الإغماء يكون مغلوبًا، وفي الجنون يكون مسلوبًا. وفي «المبسوط» (٥): «ولأن الإغماء في غفلة المرء عن نفسه فوق النوم مضطجعًا فإن هناك إذا نبه انتبه، وها هنا لا ينتبه، وكذلك الإغماء يقطع الصلاة». -قوله: (وهو القياس في النوم) أي: كون النوم حدثًا في حال القيام والركوع والسجود، وهو القياس لزوال المقعد عن الأرض ووجود أصل الاسترخاء، ولكن تركنا هذا القياس في النوم بالحديث الذي روي وهو قوله ﵇: «لا وضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا» (٦)

стр. 201

الحديث، والحال أن الإغماء فوق النوم في الغفلة على ما ذكرنا فلذلك لا يقاس الإغماء على النوم في حق عدم انتقاض الوضوء في أحوال القيام والقعود والركوع والسجود فإنه لما كان الإغماء فوق النوم لم يكن ورود الحديث [في النوم] (١) ورودًا في الإغماء للمفارقة بينهما، فإنه لو لم يكن أدنى [الغفلة] (٢) ناقضًا لا يلزم أن لا يكون أعلاها ناقضًا، بل يكون ناقضًا لوجود المعنى الذي هو به اختص دون الأدنى، فلذلك لم يفترق الحكم في قليل الإغماء (٣) وكثيره، وكذلك السكر يكون ناقضًا كالإغماء. (وَالْقَهْقَهَةُ فِي كُلِّ صَلاةٍ ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ) وَالْقِيَاسُ أَنَّهَا لا تَنْقُضُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ لأنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ نَجَسٍ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ حَدَثًا فِي صَلاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلاوَةِ وَخَارِجِ الصَّلاةِ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊: «أَلا مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ قَهْقَهَةً فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ وَالصَّلاةَ جَمِيعًا» وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ. وَالْأَثَرُ وَرَدَ فِي صَلاةِ مُطْلَقَةٍ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهَا. وَالْقَهْقَهَةُ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ وَلِجِيرَانِهِ، وَالضَّحِكُ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ دُونَ جِيرَانِهِ وَهُوَ عَلَى مَا قِيلَ يُفْسِدُ الصَّلاةَ دُونَ الْوُضُوءِ. -قوله: (وبمثله نترك القياس) أي: وبمثل هذا الحديث الذي عمل به الصحابة والتابعون وكان [راويه] (٤) من المعروفين بالفقه والتقدم في الاجتهاد كأبي موسى الأشعري ﵁ يترك القياس. وقال في «الأسرار»: «والمشهور ما روى أبو العالية مرسلاً ورواه مسندًا إلى أبي موسى الأشعري: أن رجلاً دخل المسجد وفي بصره سوء فمر على بئر عليها خصفة إلى أن ذكر حديث الضحك» (٥). ثم قال: «ورواه أيضًا أسامة بن زيد عن أبيه (٦). فهو وإن ورد بخلاف القياس لكن لما ثبت برواية العلماء المشهورين وعمل به الصحابة والتابعون وجب رد القياس به» (٧).

стр. 202

وذكر في «مبسوط شيخ الإسلام:» (١): روى أبو حنيفة عن منصور بن زاذان (٢)، عن الحسن (٣)، عن [سعيد الجهيني] (٤): أن النبي ﵇ كان يصلي وأصحابه خلفه، فجاء أعرابي وفي بصره سوء أي: ضعف، فوقع في ركيةٍ فضحك بعض أصحابه. الحديث (٥)، ثم قال: فإن قيل: التعلق بهذا لا يصح؛ لأنه روي أنه وقع في ركيةٍ ولم يكن في مسجد رسول الله ركية. جوابه: ليس في خبر الجهني أنه كان يصلي في المسجد، فيجوز أن يقال بأنه كان يصلي في غير المسجد وفي الموضع الذي يصلي فيه ركية. فإن قيل: هذا الخبر لا يصح فإنه لا يتوهم على أصحاب رسول الله ﵇ الضحك في الصلاة والذين كانوا يصلون خلفه كانوا أصحابه. جوابه: أنه كان يصلي خلفه الصحابة وغيرهم من المنافقين والأعراب الجهال، ألا ترى أن أعرابيًّا دخل المسجد فدعا وقال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا. فقال له رسول الله ﵇: «لَقَدْ حَجَرْتَ وَاسِعًا». ثم مال إلى ناحية المسجد فبال فيه، فأمر رسول الله ﵇ بأن يصب عليه ذنوب من ماء (٦)!

стр. 203

وأما التبسم فلا ينقضه؛ لحديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: لما رآني رسول الله ﵇ ألا تبسم ولو في الصلاة (١). وأما قهقهة النائم في الصلاة، فقد ذكر فخر الإسلام: في العوارض: «والصحيح أنه لا يكون حدثًا ولا تفسد صلاته؛ لأن القهقهة جعلت حدثًا لقبحها في موضع المناجاة وسقط ذلك بالنوم، ولا تفسد الصلاة أيضًا؛ لأن النوم يبطل حكم الكلام» (٢). وذكر في «المحيط»: «القهقهة من النائم في الصلاة لا تنقض الوضوء، هكذا وقع في بعض الكتب. وذكر الزندوستي (٣) في نظمه:

стр. 204

إذا نام في صلاته قائمًا أو ساجدًا ثم قهقه لا رواية لهذا في الأصول. قال شداد بن أوس ﵁: قال أبو حنيفة: تفسد صلاته، ولا يفسد وضوءه، هكذا أفتى الفقيه عبد الواحد. وقال الحاكم أبو محمد الكفيني (١): فسدت صلاته ووضوءه جميعًا. وبه أخذ عامة المتأخرين احتياطًا» (٢). والقهقهة من الصبي في حالة الصلاة لا تنقض الوضوء. (وَالدَّابَّةُ تَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ نَاقِضَةٌ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ رَأْسِ الْجُرْحِ أَوْ سَقَطَ اللَّحْمُ لا تَنْقُضُ) وَالْمُرَادُ بِالدَّابَّةِ الدُّودَةُ) -قوله: (والمراد [بالدابة] (٣) الدودة) قيل: إنما فسر الدابة بالدودة؛ لأن الدابة اسمٌ لما يدب على وجه الأرض فلو لم يفسرها بها لكان لقائل أن يقول: المراد بالدابة هي التي تدخل من الذباب في الجرح ثم تخرج، فأما التي تنشأ فيه كأن نشوءها من الدم فخروجها كخروج الدم فينتقض/ ٧/ أ/ بها الوضوء في غير السبيلين كما إذا خرجت من السبيلين. وهذا وجه، ولكني وجدت بخط ثقةٍ: إنما فسرها بها لما أنه لو طار الذباب في الدبر ودخل ثم خرج لا ينتقض الوضوء، وهذا أوجه؛ لما أنه ذكر الإمام شمس الدين السرخسي: في «المبسوط» (٤): خروجها من الدبر من غير ذكر الجرح ففسرها أيضًا بالدودة، ويؤيد صحة [هذا] (٥) التفسير ما ذكره شمس الأئمة السرخسي، في تعليل هذه المسألة بعلتين في «الجامع الصغير» (٦) بعد ما ذكر خروجها من الجرح فقال: بخلاف الدابة التي تخرج من الدبر؛ لأنها استحالت من العذرة فخروجها كخروج العذرة.

стр. 205

ولأن الدابة التي تخرج من الدبر، لا تخلو عن قليل بلة إلى آخره، فبالنظر إلى العلة الأولى يجب أن لا ينتقض الوضوء بالدابة التي تدخل الدبر ثم تخرج؛ لأنها لم تستحل [من] (١) العذرة، وكذا بالنظر إلى العلة الثانية أيضًا؛ لأنه قيّد [بالبلة] (٢) ويحتمل أن تخرج بغير بلة، والدليل عليه ما ذكر في «المحيط» (٣): أنه إذا أدخل العود في دبره، وطرفه بيده ثم أخرجه، يعتبر فيه البلة، إن لم يكن البلة فلا وضوء عليه. (وَهَذَا لأنَّ النَّجَسَ مَا عَلَيْهَا وَذَلِكَ قَلِيلٌ وَهُوَ حَدَثٌ فِي السَّبِيلَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا) - قوله: ([لأن] (٤) النجس ما عليها) فإن قيل: قد قال فيما تقدم: ثم ما لا يكون حدثًا لا يكون نجسًا، وهو الصحيح. ثم قال هنا بنجاسة ما عليها وهو ليس بحدث في غير السبيلين، فكيف يستقيم؟ قلنا: لعله [ذكر] (٥) بناءه على قول محمد: على ما حكيناه، كذا في «الفوائد الظهيرية» (٦). وجاز أن يكون معناه: أن النجس لو كان لكان ما عليها من البلة والبلة بانفرادها حدث في السبيلين فكذا مع غيرها، بخلاف الدودة التي تخرج من الجرح؛ لأنها وإن كانت لا تخلو عن قليل بلة لكن قليل البلة بانفراده ليس بحدث في غير السبيلين. ويعبر عن هذا بعبارة أخرى ويقال: إن البلة ها هنا خرجت راكبةً، ولو خرجت [راحلة] (٧) إن خرجت من الجرح لا ينتقض لما أنها لا تخرج بل تظهر، وإن خرجت من الدبر تنقض؛ لأن الظهور فيه كافٍ، كذا حكى الإمام شمس الأئمة السرخسي (٨) عن الخليل بن أحمد ﵏ (٩).

стр. 206

(فَأَشْبَهَ الْجُشَاءَ وَالْفُسَاءَ، بِخِلافِ الرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ وَذَكَرِ الرَّجُلِ لأنَّهَا لا تَنْبَعِثُ عَنْ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُفْضَاةً يُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ) - قوله: (فأشبه الجشاء والفساء) لف ونشر، أي: القليل على الدودة من غير السبيلين أشبه الجشاء، ومن السبيلين أشبه الفساء. وذكر الإمام التمرتاشي: ذكر [بكر] (١):، واختلف أن الريح عينها نجس أم نجس بسبب مرورها على النجاسة وثمرتها تظهر فيما لو خرج منه الريح وعليه سراويل مبتلة هل تنجس؟ من قال إن عينها نجس [يقول] (٢) تنجس السراويل، ومن قال: بأن عينها طاهر إلا أنها تنجست بمجاورة النجاسة إياها يقول: لا تنجس السراويل كما لو مرت الريح بنجاسة ثم مرت تلك الريح على ثوب مبتل فإنها لا تنجسه. (لِاحْتِمَالِ خُرُوجِهَا مِنْ الدُّبُرِ فَإِنْ قُشِرَتْ نَفْطَةٌ فَسَالَ مِنْهَا مَاءٌ أَوْ صَدِيدٌ أَوْ غَيْرُهُ إنْ سَالَ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ نَقَضَ، وَإِنْ لَمْ يَسِلْ لا يَنْقُضُ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀ يَنْقُضُ فِي الْوَجْهَيْنِ - قوله: (لاحتمال خروجها من الدبر) وفائدة الاحتمال تظهر في مسألة أخرى أيضًا وهي: أن المفضاة (٣) إذا طلقها زوجها ثلاثًا وتزوجت بزوج آخر ودخل بها الزوج الثاني لا تحل للأول ما لم تحبل؛ لاحتمال أن الوطء كان في دبرها لا في قبلها، كذا في «الفوائد الظهيرية» (٤). فإن قلت: على تعليل الاحتمال ينبغي أن يجب عليها الوضوء احتياطًا. قلت: كونها متوضئة كان ثابتًا بيقين، واليقين لا يزول إلا بيقين مثله فلا يجب الوضوء لكون [الأول] (٥) ثابتًا بيقين كالمتوضئ إذا شك أنه أحدث أم لا لا يجب [عليه] (٦) الوضوء.

стр. 207

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لا يَنْقُضُ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ نَجِسَةٌ لأنَّ الدَّمَ يَنْضَجُ فَيَصِيرُ قَيْحًا ثُمَّ يَزْدَادُ نُضْجًا فَيَصِيرُ صَدِيدًا ثُمَّ يَصِيرُ مَاءً، هَذَا إذَا قَشَرَهَا فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ، أَمَّا إذَا عَصَرَهَا فَخَرَجَ بِعَصْرِهِ لا يَنْقُضُ لأنَّهُ مُخْرَجٌ وَلَيْسَ بِخَارِجٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. - قوله: (فخرج بعصره لا ينقض) وفي «فتاوى القتابي» (١) وأحاله إلى «النوازل» (٢): عُصِرت القرحة فخرج منها شيء كثير ولو لم يعصرها لا يخرج شيء نقض الوضوء، وكذا ذكر في «العباب» (٣) و «الذخيرة» (٤)، ولكن قال في «الذخيرة»: وفيه نظر. وفي «الفتاوى الظهيرية» (٥) مثل ما ذكر في الهداية. فصل في الغسل (وَفَرْضُ الْغُسْلِ الْمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ وَغَسْلُ سَائِرِ الْبَدَنِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ هُمَا سُنَّتَانِ فِيهِ لِقَوْلِهِ ﵊: «عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ» أَيْ: مِنْ السُّنَّةِ وَذَكَرَ مِنْهَا الْمَضْمَضَةَ وَالاسْتِنْشَاقَ، وَلِهَذَا كَانَا سُنَّتَيْنِ فِي الْوُضُوءِ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] وَهُوَ أَمْرٌ بِتَطْهِيرِ جَمِيعِ الْبَدَنِ قدم الوضوء على الغسل، إما اقتداءً بكتاب الله تعالى، فإنه ذُكر فيه على هذا الترتيب في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية، وباعتبار شدة الاحتياج إلى علم الوضوء، باعتبار كثرة وروده، حتى أن الله ذكر الوضوء بكلمة «إذا» فإنها تذكر في الأمور الكائنة، وذكر الجناية بكلمة «إن» فإنها تذكر في الأمور المترددة. أو لأن محل الوضوء بعض كل البدن، ومحل الغسل البدن، والبعض قبل الكل. أو لأن الوضوء وظيفة الحدث الأصغر، والغسل وظيفة الحدث الأكبر، والأصغر مقدمة للأكبر، ثم ترتيب الغسل عليه باعتبار أنهما طهارتان تعلقتا بالبدن. قوله/ ٧/ ب/ ﵇: «عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ» (٦) قيل: خمس منها في الرأس، وخمسٌ في [البدن] (٧)؛ فالتي في الرأس: الفرق والسواك والمضمضة والاستنشاق وقص الشارب، والتي في الجسد: الختان وحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاستنجاء بالماء. كذا ذكره الإمام المحبوبي في صوم «الجامع الصغير» (٨).

стр. 208

(إلا أَنَّ مَا يَتَعَذَّرُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ خَارِجٌ عَنْ النَّصِّ بِخِلافِ الْوُضُوءِ لأنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ غَسْلُ الْوَجْهِ وَالْمُوَاجِهَةُ فِيهِمَا مُنْعَدِمَةٌ، وَالْمُرَادُ بِمَا رُوِيَ حَالَةَ الْحَدَثِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵊ «إنَّهُمَا فَرْضَانِ فِي الْجَنَابَةِ سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ» ) - قوله: (إلا أن ما يتعذر إيصال الماء إليه خارج) كداخل العينين؛ لما في غسلهما من الضرر والأذى ولهذا سقط غسلهما عن حقيقة النجاسة بهذا، فأما المضمضة والاستنشاق فيمكن غسلهما من غير مشقة حتى افترض غسلهما عن النجاسة الحقيقية فيفترض في الجنابة، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (١). - قوله: (لأن الواجب فيه غسل الوجه) ذكر في «الأسرار»: «فاعتباره بالوجه ساقط؛ لأن الوجه اسم لما يواجه الناظر إليه وباطن الفم لا يواجهه الإنسان، ألا ترى أنه لا يجب غسل ما تحت الشعرة في الحدث الأصغر، وها هنا يجب، وكذلك الحدث الأصغر لا يحل بالرِجل في الخف، وهذا [يحل] (٢) فعلم أن ذلك [مقصودها] (٣) على الظواهر، وهذا يعم الظاهر والباطن لغلظه إلا ما لا يمكن غسله فيسقط» (٤)، ولا يقال: فقد يقال: اغتسل فلان ولم يمضمض فعلم أن الاغتسال يتم بدونه؛ لأنا نقول كما يقال ذلك يقال أيضًا: اغتسل. وإن بقيت منه لمعة لما أن الوصف يطلق بالأعم منه مجازًا. قَالَ: (وَسُنَّتُهُ أَنْ يَبْدَأَ الْمُغْتَسِلُ فَيَغْسِلَ يَدَيْهِ وَفَرْجَهُ. وَيُزِيلَ نَجَاسَةً إنْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ) - قوله: (ويزيل النجاسة) قيل: والأصح أن يقال: ويزيل نجاسة؛ لأن حرف التعريف لا يخلو إما أن يراد به العهد والجنس لا يجوز الأول؛ لأن قوله: إن كانت لكلمة الشك يأباه؛ لأن العهد يقتضي التقرر إما ذكرًا وإما علمًا، ولا يجوز الثاني؛ لأن كون النجاسات كلها في بدنه محالٌ، وأقل النجاسة التي ليس دونها أقل وهو الجزء الذي لا يتجزأ غير مراد أيضًا؛ لأنه علل ذلك في الكتاب بقوله كي لا يزداد بإصابة الماء، وهذا القليل الذي ذكرناه لا يزداد عند إصابة الماء لما أنه ذكر الإمام التمرتاشي: في «الجامع الصغير» (٥) فقال: وفي التفاريق (٦) عن أبي عصمة (٧): لو [أصابه] (٨) النجاسة مثل رءوس الإبر ثم أصاب ذلك الموضع ماء لم ينجس، والله أعلم.

стр. 209

قلت: إلا أن الرواية بالألف واللام (١) قد ثبتت في النسخ، فوجهه أن يحمل الألف واللام على تحسين النظم من غير اعتبار تعريف الجنس وتعريف العهد فكان مبقى على معنى التنكير نحو قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ [يس: ٣٣] حيث وصفهما بالجملة الفعلية لبقائهما على معنى التنكير فكان من قبيل قول القائل: ولقد أمر على اللئيم يسبني (٢) ثُمَّ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ إلا رِجْلَيْهِ - وقوله: (ثم يتوضأ وضوءه للصلاة)، وهذا احتراز عما روى الحسن بن زياد (٣) عن أبي حنيفة رحمهما الله: أن الجنب يتوضأ، ولا يمسح رأسه؛ لأنه لا فائدة في المسح لوجود إسالة الماء من بعد، وذلك بعدم معنى المسح بخلاف سائر الأعضاء؛ لأن التسييل هو الموجود فلم يكن التسييل من بعده مُعدِمًا له، ولأن وظيفة الرأس نظير وظيفة الرجل وجوبًا وسقوطًا كما في الوضوء والتيمم ثم سقطت وظيفة الرجل في الوضوء عن الجنابة فكذا تسقط وظيفة الرأس، والصحيح ظاهر الرواية؛ فإن تقديم الوضوء على الإفاضة على جميع البدن يقع سنةً لما روي أن النبي ﵇ توضأ وضوءه للصلاة إلا رجليه، والوضوء للصلاة يشمل الغسل والمسح جميعًا ولم يسقط وظيفة الرجل بل تأخرت؛ لأن التقديم [لا يفيد] (٤) لما ذكر في المتن، والمسح يفيد، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٥). ومن العلماء من قال: البداية في الوضوء واجبة.

стр. 210

ومنهم من فصل بين ما إذا أجنب وهو محدث أو طاهر، فقال: إذا كان محدثًا يلزمه الوضوء؛ لأن قبل الجنابة كان قد لزمه الوضوء فلا يسقط بالجنابة. ولنا: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، والإطهار بغسل جميع البدن. ولأن مبنى الأسباب الموجبة للطهارة على التداخل، «ألا ترى أن الحائض إذا أجنبت (١) يكفيها غسل واحد»، كذا في «المبسوط» (٢). ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَسَائِرِ جَسَدِهِ ثَلاثًا، ثُمَّ يَنْتَحِي عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَيَغْسِلَ رِجْلَيْهِ) هَكَذَا حَكَتْ مَيْمُونَةُ ﵂ اغْتِسَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ لأنَّهُمَا فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَلا يُفِيدُ الْغَسْلُ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى لَوْحٍ لا يُؤَخِّرُ، وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ كَيْ لا تَزْدَادَ بِإِصَابَةِ الْمَاءِ (وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَنْقُضَ ضَفَائِرَهَا فِي الْغُسْلِ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ أُصُولَ الشَّعْرِ) لِقَوْلِهِ ﵊ لِأُمِّ سَلَمَةَ ﵂: «أَمَا يَكْفِيك إذَا بَلَغَ الْمَاءُ أُصُولَ شَعْرِك» وَلَيْسَ عَلَيْهَا بَلُّ ذَوَائِبِهَا (ومن العلماء من أوجب الوضوء بعد إفاضة الماء) قياسًا على غسل الرجلين، كذا في «المبسوطين» (٣)، وكان قوله في الكتاب: (وإنما يؤخر غسل رجليه) إلى آخره جوابًا لرواية الحسن عن أبي حنيفة، وجوابًا لقياس من أوجب تأخير الوضوء عن إفاضة الماء على ما ذكرنا. - قوله: لقوله ﵇ لأم سلمة ﵂ أول الحديث فإن «أم سلمة قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أفأنقضها إذا اغتسلت؟ فقَالَ ﵇: لا يَكْفِيكِ أَنْ تفيضي الماء عَلَى رَأْسِكِ وسائر جسدك ثلاثًا» (٤). وبلغ عائشة أن ابن عمر كان يأمر المرأة بنقض رأسها في الاغتسال فقالت: «لقد كلفهن شططًا، ألا يأمر بحز نواصيهن؟!» (٥) كذا في

стр. 211

هُوَ الصَّحِيحُ، بِخِلافِ اللِّحْيَةِ لأنَّهُ لا حَرَجَ فِي إيصَالِ الْمَاءِ إلَى أَثْنَائِهَا «المبسوط» (١). - قوله: (هو الصحيح) احتراز عن قول بعضهم، فإنهم قالوا: إنها تبل ذوائبها ثلاثًا مع كل بلة عصرة، والأصح أن ذلك ليس بواجب لما فيه من الحرج. قَالَ (وَالْمَعَانِي الْمُوجِبَةُ لِلْغُسْلِ إنْزَالُ الْمَنِيِّ عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ حَالَةَ النَّوْمِ وَالْيَقِظَةِ) - قوله: (والمعاني الموجبة للغسل إنزال المني) إلى آخره. قلت: هذه المعاني/ ٨/ أ/ موجبة للجنابة لا للغسل على المذهب الصحيح من علمائنا ﵏ فإنها تنقضه، فكيف توجبه؟! وذكر في «مبسوط شيخ الإسلام» (٢): سبب وجوب الاغتسال إرادة ما لا يحل فعله بسبب الجنابة عند عامة المشايخ، وعند بعضهم السبب الجنابة، وهذا الخلاف مثل الخلاف الذي بينا في الوضوء. إنزال المني على وجه الدفق والشهوة، هذا اللفظ بإطلاقه مستقيم على قول أبي يوسف (٣): حيث شرط لوجوب الغسل خروج المني على وجه الدفق والشهوة. وأما عندهما فلا يستقيم؛ لأنهما جعلا سبب الاغتسال خروج المني عن شهوة، ولم يجعلا الدفق شرطًا حتى قالا بوجوب الغسل، فيما إذا [زال] (٤) المني عن مكانه عن شهوة، وإن خرج من غير دفق. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٥) و «المختلفات» (٦).

стр. 212

وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ خُرُوجُ الْمَنِيِّ كَيْفَمَا كَانَ يُوجِبُ الْغُسْلَ لِقَوْلِهِ ﵊: «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» " أَيْ الْغُسْلُ مِنْ الْمَنِيِّ، وَلَنَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّطْهِيرِ يَتَنَاوَلُ الْجُنُبَ، وَالْجَنَابَةُ فِي اللُّغَةِ خُرُوجُ الْمَنِيِّ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ، يُقَالُ أَجْنَبَ الرَّجُلُ إذَا قَضَى شَهْوَتَهُ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى خُرُوجِ الْمَنِيِّ عَنْ شَهْوَةٍ، ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ انْفِصَالُهُ عَنْ مَكَانِهِ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ ظُهُورُهُ أَيْضًا اعْتِبَارًا لِلْخُرُوجِ بِالْمُزَايَلَةِ إذْ الْغُسْلُ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا - قوله: (وعند الشافعي: خروج المني كيف ما كان) (١) حتى أن المني إذا خرج منه لا بسبب الشهوة لكن بعارض آخر بأن حمل حملاً ثقيلاً أو سقط من السطح فخرج منه المني يصير جنبًا، واحُتج في ذلك بما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» (٢). فحجتنا في ذلك أن الله تعالى علق وجوب الاغتسال بالجناية لا بخروج المني بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. وإنما يقال: أجنب الرجل في اللغة (٣) إذا قضى [الرجل] (٤) شهوته من امرأته إلا أن النبي ﵇ لما أوجب عن الاحتلام سقط اعتبار [المرأة] (٥) وبقي قدر ما يكون في الاحتلام من قضاء الشهوة، ويدل عليه ما رُوي في بعض ألفاظ أم سليم ﵂: أنها لما سألت النبي ﵇ عن المرأة ترى في منامها مثل ما يرى الرجل؟ فقال: «أتَجِدُ لذَلِكَ لذَّة؟». فقالت: نعم. قال: «فَلْتَغْتَسِل» (٦). وإنما يكون من الرجل خروج المني إذا كان عن شهوة. ولأنه إذا خرج عن غير شهوة لا يعلم أنه مني أو رطوبة.

стр. 213

وقد قيل (١): إن المني دمٌ في الأصل لكنه يبيض بتصعيد الشهوة حتى اذا كبر وفترت الشهوة خرج أحمر، فعلى هذا لا يتصور خروجه أبيض بغير شهوة فيدل على أنه ليس بمني. وأما قوله ﵇: «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» (٢). فمحمول على ما إذا كان على سبيل الدفق والشهوة بدليل ما بينا، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٣). وَلَهُمَا أَنَّهُ مَتَى وَجَبَ مِنْ وَجْهٍ فَالاحْتِيَاطُ فِي الإيجَابِ. - قوله: (ولهما أنه متى وجب من وجه فالاحتياط في الإيجاب) يعني أن الخروج على وجه الشهوة قد وجد، وإنما عدم الدفق لا غير فباعتبار ما وجد يجب الاغتسال، وباعتبار ما عدم لا يجب فيرجح جانب الوجوب احتياطًا لأمر العبادة، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٤). فإن قلت: يشكل على هذا حكم الريح الجارية من المفضاة (٥)؛ لأنه على هذا التعليل [ينتفي] (٦) أن يجب عليها الوضوء بأن يقال: إنها لو خرجت من القبل لا يجب، ولو خرجت من الدبر يجب فترجح جانب الوجوب احتياطًا لأمر العبادة، ولم يقل هناك كذلك، بل قيل بالاستحباب.

стр. 214

قلت: جاء الشك هناك من الأصل [بتعارض] (١) الدليل الذي هو موجب مع الدليل الذي هو غير موجب لتساويهما في القوة، فتساقطا فعملنا بالأصل الذي كان ثابتًا لنا (٢) بيقين وهو الطهارة كما قلنا في خبري نجاسة الماء وطهارته، وأما هنا جاء دليل عدم الوجوب من الوصف وهو الدفق، ودليل الوجوب من الأصل، وهو نفس وجود الماء مع الشهوة فكان في إيجاب الاغتسال ترجيح لجانب الأصل على جانب الوصف وهو صحيح، ولأن دليل الوجوب قد سبق هناك (٣) وهو مزايلة المني عن مكانه على سبيل الشهوة وخروجه من العضو لا على سبيل الدفق بقاء ذلك والسبق من أسباب الترجيح فيرجح جانب الوجوب لذلك، وأما هناك فاقترن الدليلان على سبيل المدافعة فلا يثبت الحكم الحادث لتدافعها بل يبقى ما كان على ما كان. (وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَتَوَارَتْ الْحَشَفَةُ وَجَبَ الْغُسْلُ، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ» وَلأنَّهُ سَبَبُ الإنْزَالِ وَنَفْسُهُ يَتَغَيَّبُ عَنْ بَصَرِهِ وَقَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ لِقِلَّتِهِ فَيُقَامُ مَقَامَهُ -قوله: (والتقاء الختانين) أي مع تواري الحشفة، فإن نفس ملاقاة الفرج الفرج من غير التواري لا يوجب الغسل، لكن يوجب الوضوء عندهما خلافًا لمحمد (٤): فكان ذكر غيبوبة الحشفة في الحديث (٥) / ٨/ ب/ بقوله: إذا التقى الختانان وغابت الحشفة لإزالة ذلك الوهم، وهو وهم نفس ملاقاة الختانين من غير توارٍ بطريق إطلاق اسم الشيء على ما يقرب من ذلك الشيء. والختان (٦) موضع القطع من الذكر والأنثى، وذكر الختانين بناءً على عادتهم أنهم يختنون النساء.

стр. 215

والحشفة: ما فوق الختان من الذكر. فالحاصل أن الجنابة إنما تثبت بشيئين لا غير: «أحدهما: انفصال المني عن شهوة. والثاني: الإيلاج في الآدمي». نص على هذا في «المحيط» (١). وفيه أيضًا: ولو أتى امرأته وهي بكر فلا غسل ما لم ينزل؛ لأن ببقاء البكارة يعلم أنه لم يوجد الإيلاج، ولكن إذا جومعت البكر فيما دون الفرج فحبلت فعليها الغسل لوجود الإنزال؛ لأنه لا حبل بدونه، وإنزالها يوجب الغسل لما روينا في حديث اللذة (٢). ثم قوله: (من غير إنزال). لرد قول من يشترط الإنزال مع التقاء الختانين لا للشرط؛ لأن أحدهما إذا كان كافيًا لإيجاب الغسل كان عند انضمامهما أولى، وذكر في «المبسوط» (٣): «وإذا التقى الختانان وغابت الحشفة وجب الغسل أنزل أو لم ينزل. وهو قول المهاجرين عمر وعلي وابن مسعود ﵃، فأما الأنصار كأبي بن كعب وحذيفة وزيد بن ثابت ﵃ قالوا: لا يجب الاغتسال بالإكسال ما لم ينزل. وبه أخذ سليمان الأعمش (٤) (٥) لظاهر قوله ﵇: «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» (٦). ولنا: أن النبي ﵇ قال: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ» (٧).
следующие страницы →