← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

وذكر في «المبسوط» (١) بعد ذكر قول الشافعي (٢): أن عنده على القارن جزاء واحداً (٣)، وعندنا عليه جزاءان فقال: لأن كل واحد من الإحرامين أصل مثل صاحبه، فيعتبر كل واحد منهما في إيجاب موجبه كأنه ليس معه صاحبه كما أن حرمة الجماع بسبب الصوم وعدم الملك إذا اجتمعا بأن زنى الصائم في رمضان يجب عليه الحد، والكفارة جميعًا. وكذلك حرمة الخمر ثابتة لعينها فتثبت باليمين إذا حلف لا يشربها، ثُمَّ عند الشرب يلزمه الحدّ، والكفارة جميعًا بخلاف حرمة الحرم، فإنها دون حرمة الإحرام؛ لما ذكرنا، وذكر شيخ الإسلام أن وجوب الدمين على القارن فيما إذا كان قبل الوقوف بعرفة في الجماع، وغيره من المحظورات. فأما بعد الوقوف بعرفة ففي الجماع يجب دمان، وفي سائر المحظورات يجب دم واحد لما أن إحرام العمرة إنما بقي في حق التحلل لا غير. (إلا أن يتجاوز الميقات) (٤) إلى قوله: (خلافًا لزفر). وقال [زفر] (٥) رحمة الله عليه: عليه دمان؛ لأنه أخّر الإحرامين جميعًا من الميقات، فيلزمه لكل إحرام دم. ألا ترى أن القارن إذا ارتكب سائر المحظورات يجب عليه ضعف ما يجب على المفرد، فكذلك إذا أحرم وراء الميقات ولنا أن المستحق عليه عند الميقات إحرام واحد. ألا ترى أنه لو أحرم للعمرة عند الميقات، ثُمَّ أحرم بالحجّ بعد ما جاوز الميقات كان جائزاً، ولا شيء عليه مع أنه قارنٌ أيضًا، فعرفنا أن المستحق عليه عنده الميقات إحرام واحد، فيجب عليه بتأخير ذلك الإحرام دم واحد بخلاف سائر المحظورات، فإنه صار بجنايته مرتكبا محظور إحرامين، فكان عليه جزاءان. وأما هاهنا فلم يصر محرمًا بعد حتى يترتّب عليه جناية إحرامين، إنما عليه أن يقضي حق الميقات بالإحرام، فيقضي هو بإحرام واحد، وكان التارك تارك إحرام واحد، فيجب عليه دم واحد، وأما إذا بدأ فأهلّ بالحجّة بعدما جاوز الميقات، ثُمَّ دخل مكة، فأهلّ بالعمرة أيضًا كان عليه دمان؛ لأنه أخّر إحرام الحجّ عن ميقاته، فوجب عليه دم [واحد] (٦)، ولمّا دخل مكة بإحرام الحجّة، فميقات إحرامه للعمرة الحِل بمنزلة ميقات أهل مكة، فحين أهلّ بالعمرة في الحرم فقد ترك ميقات إحرام العمرة أيضًا، فيلزمه لذلك دم آخر إلى هذا أشار في «المبسوط» (٧).

стр. 1507

(فعلي كل واحد منهما جزاء كامل). وقال الشافعي (١) ﵀: عليهما جزاء واحد؛ لأن من أصله أن المعتبر هو المحل، ولهذا قال: الدال الذي لم يتصل فعله بالمحل لا يلزمه شيء، والمحل هنا واحد، فلا يلزمه إلا جزاء واحد، وقاس بصيد الحرم، وحقوق العباد، وحجتنا ما بيّنا أن الواجب على المحرم جزاء فعله، وفعل كل واحد من القاتلين كامل جنى به على إحرام كامل، فيجعل في حق واحد منها كأنه ليس معه غيره كما في كفارة القتل، وكما في القصاص، فلمّا كان الواجب بطريق جزاء الفعل جعل كل قاتل كالمنفرد [به] (٢)، وبه فارق صيد الحرم؛ لأن وجوب الضمان هناك باعتبار المحلّ، ويسلك بضمان الصيد مسلك الغرامات يوضح الفرق أن المعتبر في الحرم حرمة الإحرام، وإحرام زيد غير إحرام عمرو، وهناك المعتبر حرمة الحرم، وهي متحدة في حق الفاعلين، وأما ضمان حقوق العباد فوجوبه بطريق الجبران، وذلك يتم بإيجاب بدل واحد، وما يكون بحق الله تعالى لا يكون بطريق الجبران؛ لأن الله سبحانه، وتعالى عن أن يلحقه نقصان ليكون ما يجب له جبرًا. (وإذا باع المحرم الصيد أو ابتاعه، فالبيع باطل) (٣). لأن الصيد في حقه محرّم العين، فلا يكون مالًا متقومًا كالخمر فهذا لا يجوز شراؤه أصلاً سواء اشتراه من محرم أو حلال، فإن عطبه في يده، فعليه الجزاء (٤) لجنايته على الصيد بإثبات يده عليه، وأنه إتلاف لمعنى الصيدية فيه، ويجب على البائع جزاؤه أيضًا إن كان محرمًا؛ لأنه جانٍ على الصيد بتسليمه إلى المشترى، ومفوت لما كان مستحقّاً عليه من تخلية سبيله، فكان ضامناً للجزاء، كذا في «المبسوط» (٥). (ومن أخرج ظبية من الحرم) إلى أن قال: (فعليه جزاءهن) (٦). ذكر بكلمة (من) ليتناول المحرم، والحلال فإن حكمهما/ في هذا الحكم واحد. (وهذه صفة شرعية فتسري إلى الولد). أي: كون الظبية مستحقة للأمن بالرد إلى الحرم صفة شرعية لها فتسري إلى الولد كصفة الحرية، والرقيّة في بني آدم فإن قلتَ: يُشكل على هذا ولد المغصوبة فإن المغصوبة واجبة الرد إلى مالكها على الغاصب بحيث لوهلكت بأي وجه كان يجب الضمان، ثُمَّ صفة كونها مستحقة الرد على الغاصب صفة شرعية فيها، ومع ذلك لم يسر إلى ولدها حتى لو هلك ولدها لا يجب الضمان لما أن زوائد الغصب غير مضمونة.

стр. 1508

قلتُ: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما ما ذكره الإمام الزاهد الصفار (١) ﵀ وهو إنما وجب جزاء الأولاد؛ لأن الذي أخرجه مأمور بإعادة الأم، والأولاد إلى المأمن، وهو الحرم فإذا لم يفعل دخلت الأولاد في الضمان بخلاف ولد المغصوبة؛ لأنه ما أمر صاحبه بإعادته إلى يده حتى لو كان مأمورًا من صاحبه نقول بضمانه، والثاني: ما أشار إليه فخر الإسلام ﵀ وهو أن الصيد آمن بالحرم بكونه متوحشًا فتصير (٢) الجناية عليه بإثبات اليد عليه؛ لأن التوحش، ومعنى الصيدية يزول به فساوى الفرع [الأصل] (٣) في هذا؛ لأنه كما أثبت اليد على الأم فقد أثبتها على الولد المجتنى فيها، فلما [ساوى] (٤) الفرعُ الأصلَ في علة الضمان ساواه أيضًا في الحكم بخلاف ولد المغصوبة؛ لأن إثبات اليد في باب الغصب لا يصلح علة للضمان؛ لأن مال المرء إنما يصان بالأيدي، وإنما يضمن بقطع اليد؛ لأن حقوق العباد إنما تضمن بالتفويت أبدا، والولد فارق الأصل في تفويت اليد؛ لأنه لا يتصور تفويت قبل الثبوت ففارقه في الحكم، والله أعلم بالصواب. بَابُ مجاوزة الوقت بغير إحرام لما ذكر بَابُ الجنايات، وأنواعها أعقبه ذكر باب مجاوزة الوقت بغير إحرام؛ لأن هذا من الجنايات أيضًا إلا أن هذا قبل الإحرام، وما ذكره من باب الجنايات، وما يتبعه بعد الإحرام، فمطلق ذكر جناية المحرم يتناول لما بعد الإحرام، فكان كاملًا في استحقاق اسم الجناية، فلذلك قدمه على هذا الباب. قوله ﵀: (فإن رجع إلى ذات عرق) (٥). تخصيصه بذات العرق بناء على ظاهر حال الكوفي، وإلا فالرجوع إلى ذات عرق، والرجوع إلى مواقيت أُخر [سواه] (٦)، سواء في سقوط الدم عنه في ظاهر رواية أصحابنا ﵀ لأنه ذكر في «شرح الطحاوي» (٧) فإن عاد إلى ميقات آخر سوى الميقات الأول الذي جاوز قبل أن يتصل إحرامه بالفعل سقط عنه الدم عند علمائنا الثلاثة، وعوده إلى هذا الميقات، وإلى ميقات آخر سواء، وروى عن أبي يوسف ﵀ أنه قال: ينظر إن عاد إلى ميقات، وذلك الميقات يحاذي الميقات الأول، ولم يعد (٨) إلى الحرم سقط عنه الدم، وإلا فلا يسقط.

стр. 1509

ولولم يعد إلى الميقات، ولكنه أفسد إحرامه إن كانت عمرة بجماعه قبل أن يطوف لها أكثر طوافها، وإن كان حجة بجماعه قبل الوقوف بعرفة سقط ذلك الدم عنه؛ لأنه وجب عليه قضاؤها، فانجبر ذلك كله بالقضاء كمن سها في صلاته، ثُمَّ أفسدها فقضاها؛ لا يجب عليه سجدتا السهو، وكذلك إذا فاته الحجّ، فإنه يتحلل بالعمرة فعليه قضاء الحجّ، وسقط عنه ذلك الدم، وهذا عندنا، وعند زفر لا يسقط عنه ذلك الدم، وذكر في «المبسوط» (١) فإذا جاوز الكوفي الميقات حلالًا، فقد ارتكب المنهي، وأخر الإحرام عن الميقات فتمكّن نقصان في حجة، ونقصان الحجّ يجبر بالدم، فإن رجع إلى الميقات ولبى، إن رجع قبل أن يحرم، فأحرم بالحجّ من الميقات فلا شيء عليه بالاتفاق، يعني: عندنا، وعند زفر ﵀ أيضًا؛ لأنه تلافى المتروك في وقته، ومكانه فصار في الحكم كأنه لم يجاوز الميقات إلا محرمًا، فإن الواجب عليه أداء الحجّ بإحرام يباشره من الميقات، وقد أتى بذلك. وإن كان [أحرم] (٢) بعدما جاوز الميقات، ثُمَّ عاد إلى الميقات فعلى قول أبي حنيفة ﵀ إن لبى عند الميقات سقط عنه بالدم، وإن لم يلبّ لا يسقط عنه الدم، وعندهما يسقط الدم عنه في الحالين جميعًا، وعند زفر فلا يسقط عنه الدم في الحالين جميعًا بخلاف الإفاضة؛ لأنه لم يتدارك المتروك/ لأن المتروك هناك استدامة الوقوف إلى غروب الشمس، وهو بعوده لم يتداركه في وقته حتى قال بعضهم: لو عاد قبل غروب الشمس يسقط عنه الدم؛ لأنه تدارك المتروك في وقته حين أفاض بعد غروب الشمس مع الإمام، وعند بعضهم لا يسقط؛ لأنه ما تدارك المتروك، وهو استدامة الوقوف فقد ترك جزأ من الوقوف إلى أن أعاد، وذلك الجزء لا يمكن تداركه، وبخلاف ما إذا دخل مكة، وطاف شوطًا؛ لأنه إنما أسقطنا عنه الدم باعتبار أنه مبتدئ للإحرام من الميقات، فيمكن في حجة الحجّ يجبر بالدم إلى الميقات، ورجع قبل تقديراً (٣) وفي اعتبار ذلك بطل الطواف الذي وجد منه، ولا سبيل إلى ذلك لوقوعه معتداً به فلا يمكن اعتباره مبتدئًا بعد ذلك أما هاهنا فبخلافه. (كما إذا مرّ به محرمًا ساكتًا). يعني: أن الواجب عليه أن يكون محرمًا عند الميقات لا أن ينشئ الإحرام عند الميقات ألا ترى أنه لو أحرم قبل أن ينتهي إلى الميقات، ثُمَّ مرّ بالميقات محرمًا، ولم يلبّ عند الميقات لا يلزمه شيء.

стр. 1510

وعنده يعود (١) محرمًا ملبياً لما أنه لما انتهى إلى الميقات حلالًا وجب عليه التلبية عند الميقات، والإحرام، فإذا ترك [ذلك] (٢) بالمجاوزة حتى أحرم وراء الميقات، ثُمَّ عاد فإن لبّى فقد أتى بجميع ما هو المستحق عليه، فسقط عنه الدم، وإن لم يلبّ، فلم يأت بجميع ما استحق عليه، وهذا بخلاف من أحرم قبل أن ينتهي إلى الميقات؛ لأن ميقاته هناك موضع إحرامه، وقد لبّى عنده فقد خرج الميقات المعهود من أن يكون ميقات الإحرام في حقه، فلذلك لا يضرّه ترك التلبية بخلاف ما نحن فيه، كذا في «المبسوط» (٣) وغيره لا يسقط عنه الدم (٤) بالاتفاق لما ذكرنا أن ما فعل وقع معتدًّا به، فبالعود إلى الميقات لا يعود حكم الابتداء، فلا يسقط عنه الدم. (وإذا دخله). أي: وإذا دخل البستان التحق بأهله سواء نوى الإقامة خمسة عشر يومًا أو لم ينو إلا أنه روى عن أبي يوسف ﵀ أنه إن نوى الإقامة بالبستان خمسة عشر يومًا كان له أن يدخل، وإن نوى الإقامة بالبستان دون خمسة عشر يوماً ليس له أن يدخل مكة إلا بإحرام، كذا في «المبسوط» (٥). (ومن دخل مكّة بغير إحرام، ثُمَّ خرج من عامه ذلك) (٦) إلى آخره. صورة المسألة أن الآفاقي إذا دخل مكة بغير إحرام، ولزمه بسبب دخوله مكة إما حجة أو عمرة عندنا خلافًا للشافعي (٧) على ما مرّ، ثُمَّ حج من عامة ذلك حجة الإسلام أو حجة أو عمرة نذرها، فحجة الإسلام، أو الحجّة المنذورة، أو العمرة المنذورة تنوب عن الحجّة أو العمرة التي وجبت عليه بسبب دخول مكة بغير إحرام حتى يسقط ذلك عنه [بإتيان] (٨) الحجّ المفروض أو غيره عندنا خلافًا لزفر ﵀. واعلم: أن هاهنا قيداً ذكره في «شرح الطحاوي» (٩)، وهو أن الآفاقي إذا جاوز الميقات قاصدًا مكة بغير إحرام مرارًا، فإنه يجب عليه لكل مرة إما حجة وإما عمرة، ثُمَّ لو خرج من عامه ذلك إلى الميقات، فأحرم بحجة الإسلام أو غيرها، فإنه يسقط عنه ما وجب عليه لأجل المجاوزة الأخيرة، ولا يسقط عنه ما وجب عليه لأجل مجاوزة قبلها؛ لأن الواجب قبل الأخيرة صار دينًا، فلا يسقط [عنه] (١٠) إلا بتعيين النية.

стр. 1511

وحاصله: أن هاهنا أحكامًا أربعة أحدها أنه لا يجوز للآفاقي دخول مكة بغير إحرام. وثانيها: أن من دخل مكة بغير إحرام يجب عليه إما حجة، وإما عمرة. وثالثه: أنه إذا خرج من عامة ذلك، وحج حجة الإسلام يسقط عنه ما وجب عليه قبل ذلك بدخول مكة على ذلك القيد الذي ذكرنا، ورابعها: أنه إذا خرج بعد مضي تلك السنة لا يسقط عنه ما وجب عليه. وقال زفر-﵀: لا يجزيه (١)، وهو القياس اعتباراً بما لزمه بسبب النذر). وذلك لأنه لما وجب بمجاوزته الميقات بغير إحرام إما حجة أو عمرة صار ذلك بمنزلة الشروع في صلاة التطوع، ثُمَّ أفسدها، ثُمَّ لو كان هو في الصلاة كذلك كان لا ينويها الصلاة المفروضة، أو المنذورة منَابها كذا هاهنا بجامع أن الوجوب الفعلي بمنزلة الوجوب القولي في الموضعين. وجه قول علمائنا، وهو الاستحسان أنه تلافى المتروك في وقته وتداركه؛ لأن الإحرام الثاني، أعني به: الإحرام الذي يأتي به بعد دخول مكة، فيخرج إلى الميقات، فيحرم قائم مقام الإحرام الأول، أعني به: الإحرام/ الذي يأتي به حين بلغ الميقات في سفره الذي أتى إليه من الكوفة أو غيرها على معنى أن الإحرام الأول لو وجد يحصل به أداء الحجّ في هذه السنة بسبب هذا الإحرام بخلاف ما إذا تحولت السنة لما أن الثاني غير قائم مقام الأول، فإن الأول لو وجد يحصل به أداء الحجّ في العام الماضي، وبالإحرام الثاني يحصل به أداء الحجّ في العام القابل فلا يسد مسده كما في صوم الاعتكاف المنذور بصوم رمضان من هذه السنة على ما هو المذكور في الكتاب، والمعنى ما قلنا، فإن قيل: لو عاد إلى الميقات بعد تحول السنة، وأحرم بالعمرة لم يجز ذلك عما لزم بدخول مكة، وهو في الابتداء لو أحرم بعمرة، ثُمَّ أحرم أداء الأعمال إلى السنة الثانية جاز ذلك. قلنا: نعم، ولكن يكره له تأخير أداء الأعمال بحكم ذلك الإحرام إلى السنة الثانية فالتأخير إلى وقت يوجب الكراهية بمنزلة التفويت في حكم التدارك، فلذلك لا ينوب عما لزمه لدخول مكة بغير إحرام كذا في «الجامع الصغير» الشمس الأئمة السرخسي، والفوائد كما في الاعتكاف المنذور أي المنذور في رمضان من هذه السنة.

стр. 1512

(ومن جاوز الميقات). وفي بعض النسخ (الوقت) (١). والمراد به هو الأول، أي ومن جاوز الميقات بغير إحرام، ثُمَّ أحرم بعمرة، ثُمَّ أفسد العمرة بأن جامع قبل الطواف لها مضى فيها (٢) هاهنا ثلاثة أحكام، وهي المضي فيها، ووجوب القضاء وعدم لزوم الدم. أما وجوب المضي فيها فلأن الإحرام عقد لازم لا يخرج المرء عنه بعد شروعه فيه إلا بأداء الأفعال، ولهذا كان مظنونه مضمونًا بخلاف الصلاة، والصوم، وأما القضاء، فلأنه التزم الأداء بوصف الصحة، ولم يوجد. وأما لا دم عليه فلأنه يقضيها كاملًا بإحرام من الميقات فينجبر به ما نقص من حق الميقات بالمجاوزة بغير إحرام فسقط عنه الدم كمن سها في صلاته، ثُمَّ أفسدها فقضاها سقط سجود السهو فهذا كذلك على ما مرّ كذا في «شرح جامع الصغير» (٣). حكم لو جامع المحرم قبل الوقوف بعرفة فإن قلتَ: ما الفرق بين إفساد العمرة هاهنا بالجماع وبين إفساد الحجّ بالجماع فيما مرّ من مسائل الجنايات بالجماع حيث لم يسقط الدم هناك مع وجود القضاء فقال: ومن جامع هذا في أحد السبيلين قبل الوقوف بعرفة فسد حجه (٤)، وعليه شاة (٥) وعليه (٦) الحجّ من قابل، وهاهنا سقط وجوب الدم في العمرة لانجبار الفساد بالقضاء، وهناك أيضًا انجبر بالفساد بالقضاء، ومع ذلك لم (٧) يسقط الدم. قلتُ: هذا طرد لا نقض، وما وقع الافتراق بينهما باعتبار أنه أفسد العمرة لا الحجّة، بل لمعنى آخر حتى أنه لو كان في الحجّة مثل ما كان في العمرة هاهنا يسقط الدم في الحجّة أيضًا، وهو أن وجوب الدم هاهنا إنما كان لمجاوزة (٨) الميقات حلالًا. ثُمَّ في إحرام القضاء لما أحرم من الميقات فقد أدّى حق الميقات فانجبر به ما نقص من حق الميقات، فسقط الدم لما ذكرنا من الانجبار، وكذلك لو جاوز الميقات حلالًا، ثُمَّ أحرم بالحجّ، ثُمَّ جامع قبل الوقوف حتى فسد حجه سقط عنه دم الوقت عندنا أيضًا؛ لأن القضاء وجب عليه، فإذا عاد للقضاء يحرم من الميقات [فانعدم] (٩) به المعنى الذي لأجله كان يلزمه الدم، فلذلك سقط الدم، كذا في «المبسوط» (١٠).

стр. 1513

وإلى هذا المعنى أشار في الكتاب فقال: وهو (١) نظير الاختلاف في فائت للحج إذا جاوز الوقت بغير إحرام أي: والذي جاوز الميقات بغير إحرام، ثُمَّ أحرم بعمرة، ثُمَّ أفسد العمرة، ثُمَّ قضاه نظير فائت الحجّ بهذا الطريق، وصورته ما ذكر في «المبسوط» (٢)، وهو أن يجاوز الميقات حلالًا بغير إحرام، ثُمَّ أحرم ففاته الحجّ سقط عنه دم الوقت عندنا، ولم يسقط عند زفر؛ لأن الدم بمجاوزته الميقات صار واجبًا عليه، فلا يسقط بفوات الحجّ كما لو وجب عليه الدم بالتطيب أو لبس المخيط لا يسقط عنه ذلك بفوات الحجّ، ولكنا نقول: لما فاته الحجّ وجب عليه القضاء، وهو للقضاء محرم من الميقات فينعدم به المعنى الذي لأجله يلزمه الدم، وهو أداء الحجّ بإحرام بعد مجاوزة الميقات بخلاف سائر الدماء؛ لأن وجوب ذلك عليه بما ارتكب من المحظورات، فلا ينعدم ذلك بفوات الحجّ، وعلى هذا لو جاوز الميقات حلالًا، ثُمَّ أحرم للحج، ثُمَّ جامع/ قبل الوقوف حتى فسد حجه، ثُمَّ قضاه سقط عنه الدم عندنا خلافًا لزفر ﵀ على ما ذكرنا. (لأن وقته الحرم) لما ذكر في فصل المواقيت وهو قوله: «أن النبي ﷺ أمر أصحابه بأن يحرموا بالحجّ من جوف مكة فأحرم، ووقف بعرفة» (٣)، أي: من غير أن يعود إلى الحرم. بَابُ إضافة الإحرام إلى الإحرام فإضافة الإحرام إلى الإحرام في حق المكي، ومن في معناه جناية، وكذلك إضافة إحرام العمرة إلى إحرام الحجّة في حق الآفاقي إساءة، وكراهية ما يذكر بخلاف إضافة إحرام الحجّة إلى إحرام العمرة فلذلك ألحق بابها بباب الجنايات. قال أبو حنيفة ﵀: (إذا أحرم المكي بعمرة، وطاف شوطاً، ثُمَّ أحرم بالحجّ، فإنه يرفض الحجّ) (٤). فإنه فيه ثلاثة قيود كما ترى قيد بالمكي فإن الآفاقي إذا أهّل بالعمرة أولًا فطاف لها شوطًا، ثُمَّ أهّل بالحجّ مضى فيها، ولا يرفض الحجّ؛ لأن بناء أعمال الحجّ على أعمال العمرة صحيح في حق الآفاقي إلا أنه لو طاف للعمرة أقل الأشواط يكون قارناً، وإن طاف لها أكثر الأشواط، ثُمَّ أهّل بالحجّ كان متمتعًا؛ لأن المتمتع من يُحرم بالحجّ بعد عمل العمرة، ولأكثر الطواف حكم الكل، والقارن من يجمع بينهما، وقيّد بالعمرة فإن المكي إذا أهّل بالحجّ فطاف له شوطاً، ثُمَّ أهّل بالعمرة قال: يرفض العمرة؛ لأن إحرامه للحج قد تأكد، وقبل تأكده كان يؤمر برفض العمرة فبعد تأكده أولى كذا في «المبسوط» (٥).

стр. 1514

(وقيد بالشوط) أي: بالشوط الواحد فإنه إن طاف للعمرة أربعة أشواط، فيأتي حكمه بأنه لا خلاف في رفض الحجّ، ولهذا يُعلم أنه إذا طاف للعمرة شوطين أو ثلاثة أشواط، ففيه هذا الخلاف الذي ذكره فيما إذا طاف للعمرة شوطاً، وبه صرح فخر الإسلام في «الجامع الصغير» (١). ثُمَّ مسألتنا هذه، وهي أن المكي إذا أحرم لعمرة، وطاف لها شوطاً، ثُمَّ أحرم بالحجّ، فإنه يرفض الحجّ مبنية على أصل مختلف بيننا وبين الشافعي (٢)، وهي أن المكي منهي عن التمتع، والقران عندنا إلا في صورة واحدة، وهي أن المكي إذا خرج إلى الكوفة لحاجة، ثُمَّ عاد إلى مكة، وقرن، وأحرم من الميقات بحجة وعمرة كان قارنًا؛ لأن القارن هو من يجمع بين الإحرامين من الميقات، وقد وجد. وقال الشافعي (٣) ﵀: يجوز ذلك للمكي مطلقًا، وقد ذكرناه فلما ثبت من أصلنا أن المكي منهي عن الجمع بين الإحرامين، وإذا جمع بين الإحرامين فلابد من رفض أحدهما لئلا يستديم في ارتكاب المنهي عنه فبعد ذلك لا [يخلو] (٤) حاله. عن أحد ثلاثة أوجه: إما أن يكون أحرم بالحجّ قبل أن يأتي بشيء من طواف العمرة، أو يأتي فإن أتى فلا يخلوا. إما أن يأتي بالقليل منه أو بالكثرة (٥)، وفي الوجهين إجماع، وهو أنه إن كان أحرم بالحجّ قبل أن يأتي بشيء من طواف العمرة فإنه يرفض العمرة إجماعًا؛ لأنه لم يوجد منه بلا عقد الإحرام فيهما، فإذا احتيج إلى رفض أحدهما كان رفض ما هو الأهون أولى، وهو العمرة. والثاني: أنه إن كان طاف للعمرة أربعة أشواط، ثُمَّ أحرم بالحجّة، فإنه يرفض الحجّة إجماعًا لإتيانه بالأكثر. والثالث: وهو مسألتنا فإنه إن طاف للعمرة أقل الأشواط، ثُمَّ أحرم بالحجّة، فإنه يرفض الحجّ عند أبي حنيفة ﵀ خلافًا لهما. لأنها أدنى حالًا؛ لأن الحجّ فريضة، والعمرة سنة هذا في حجة الإسلام فظاهر، وإن كان هذا في حجة التطوّع، فتعلل لرفض العمرة بالوجهين الآخرين، وهما أن العمرة أقل أعمالاً؛ لأن أفعالها الطواف والسعي لا غير؛ لأنها أيسر قضاء؛ لكونها غير مؤقتة. قوله ﵀: (وكذا إذا أحرم بالعمرة، ثُمَّ بالحجّ).

стр. 1515

أي: يرفض العمرة بالإجماع، كذا في «الجامع الصغير» (١) لشمس الأئمة السرخسي ﵀. قوله ﵀: (ولا كذلك إذا طاف للعمرة أقل من ذلك عندهما) هكذا وقع في بعض النسخ. وفي بعضها: (ولا كذلك إذا طاف للعمرة أقلّ من ذلك عند أبي حينفة ﵀). وذكر الإمام مولانا حسام الدين الأخسيكثي (٢): والصواب وكذلك إذا طاف للعمرة أقل من ذلك عند أبي حنيفة ﵀ فقال: وهو المثبت في نسخة المصنف ﵀ وهكذا أيضًا وجدته بخط شيخي ﵀ فلكل واحدة من هذه النسخ وجه أما وجه الأولى، والثالثة فظاهر، وأما وجه الثانية فهو لدفع سؤال السائل/ وهو أن يقال: لما أخذ الأكثر حكم الكل يكون الأقل معدوماً حكماً ينبغي أن يرفض العمرة عند أبي حنيفة ﵀ حينئذٍ؛ لأنه لم يأخذ حكم الوجود، فصار كأنه لم يطف للعمرة شيئاً، وهناك يرفض العمرة كما مرّ، فكذلك في المعدوم الحكمي. فقال: (ولا (٣) كذلك)، فإنه لما أتى شيء من أفعال العمرة، فقد تأكدت العمرة، ولم يتأكد الحجّ أصلاً، فكان رفض غير المتأكد أسهل، وله أن إحرام العمرة قد تأكد بأداء شيء من أعمالها، وإن كان بشوط من الطواف، فلذلك يرفض الحجّ، والدليل على أن التأكيد يحصل بشوط من الطواف ما بيّنا في الآفاقي أنه إذا جاوز الميقات، ثُمَّ أحرم، وقدم مكة فطاف شوطًا، ثُمَّ عاد إلى الميقات ملبيًا لا يسقط عنه دم الوقت بخلاف ما إذا عاد قبل أن يطوف شيئاً (٤) لما قلنا: أن ما أتى به من الطواف عمل هو قربة، فلو رفض العمرة كان مبطلًا [للعمرة] (٥)، كذا ذكر شمس الأئمة السرخسي في «الجامع الصغير» (٦).

стр. 1516

(والحالة هذه). أي: أتى بشيء من أفعال العمرة، وعليه دم بالرفض أيهما رفضه لكن هو دم جبر لا شكر على ما يأتي حتى لا يباح له أن يتناول منه بمنزلة دماء الكفارات. فإن قيل: هلا لزمه دمان لحرمة كل واحد من الإحرامين، قلنا: لأنه غير ممنوع من أحدهما، فالنقصان حيثُمَّا تمكّن في أحدهما، فلذلك لزمه واحدكذا في «الفوائد الظهيرية» (١)، فكان في معنى المحصر من حيث [أنه] (٢) تحلل قبل أوانه؛ لتعذر المضي على وجهه، وفي رفض الحجّ قضاؤه، وعمرة أما الحجّ فلأنه صح شروعه فيه، ثُمَّ رفضه، وأما العمرة فلأنه في معنى فائت الحجّ، وفائت الحجّ يتحلل بأفعال العمرة بالحديث. (غير أنه منهي عنهما). أي: عن إحرام الحجّ، وإحرام العمرة جميعًا (٣)، وفي نسخة شيخي ﵀ بخطه (منهي عنها) أي: عن العمرة أو هي المتعينة للرفض إجماعاً فيما إذا لم يشتغل بطواف الحجّ، والكلام فيه؛ لأنها هي الداخلة في وقت الحجّ، وبسببها وقع العصيان كذا ذكره فخر الإسلام ﵀. (فإن حلق في الأولى لزمته الأخرى) (٤). أي: فإن كان حلق في الحجّة الأولى، ثُمَّ أحرم بحجة أخرى لزمته الأخرى (٥)، ولا دم عليه، وأما إذا لم [يحلق] (٦) في الأولى، ثُمَّ أحرم بحجة أخرى لزمته الأخرى أيضًا، ولكن عليه دم. (قصر أو لم يقصر). أي: حلق بعد إحرام الحجّة الأخرى أو لم يحلق، وإنما عبّر بالتقصير عن الحلق؛ لأن وضع المسألة في قوله: (من أحرم بالحجّ، ثُمَّ أحرم). يتناول الذكور، والإناث؛ لأنه ذُكر بكلمة مَنْ فذكر أولًا لفظ الحلق، ثُمَّ ذكر لفظ التقصير لما أن الأفضل في حق الرجل الحلق، وفي حق النساء التقصير. لأن الجمع بين إحرامي الحجّ أو إحرامي العمرة بدعة، وذكر الإمام التمرتاشي: الإحرام بحجتين أو عمرتين أو بحجة، ثُمَّ بحجة وعمرة، ثُمَّ بعمرة صحيح في حق الإيجاب دون الأداء؛ لأن الجمع أداء غير ممكن. وعند محمد ﵀ لا يصح؛ لأنه لا يمكن أداؤهما جملة، ولا ترتيب في أفعال إحديهما على الأخرى؛ لأنه غير مشروع، ثُمَّ عند أبي يوسف ﵀ يرتفض إحداهما للحال؛ لأن الجمع في حق الأداء لم يصح؛ لأنه غير مشروع، وعند أبي حنيفة ما لم يشتغل بالأداء لا يرتفض؛ لأن التنافي في الأدائين، ولو أحرم بعمرة، ثُمَّ بحجة فهو قارن، وقد أحسن، ولو أحرم بحجة، ثُمَّ بعمرة إن لم يأت بشيء من أفعال الحجّ فهو قارن، وقد أساء حيث أدخل العمرة على الحجّة، وهو غير مسنون، ويقدم أفعال العمرة على أفعال الحجّ؛ لأنه كذا شُرع، ولو كان طاف للحج شوطًا.

стр. 1517

(ثُمَّ أحرم بعمرة). رفضها، ولزمه دم الرفض، وقضى العمرة هذا في الآفاقي، وأما المكي فقد ذُكر، وذكر في «الفوائد الظهيرية» (١)، وأصل هذا أن الجمع بين إحرامي الحجّ أو إحرامي العمرة بدعة لكن إذا جمع بينهما لزماه عند أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف، وعند محمد، والشافعي (٢) يلزمه أحدهما. والكلام مع الشافعي بناء على أن الإحرام عنده من الأداء أي: الأركان، وعندنا الإحرام شرط الأداء، ومحمد يقول الإحرام، وإن كان شرط للأداء إلا أنه ما شُرع إلا للأداء، فلا يشرع إلا على الوجه الذي يتصور الأداء وأداء حجتين أو عمرتين معًا لا يتصور، فلا يتصور الإحرام لهن أيضًا كالتحريمة في باب الصلاة، وهما يقولان: الإحرام بالحجّ التزام محض في الذمة بدليل أنه يصح منفصلًا عن الأداء، والذمة تسع حججاً كثيراً، فصار من هذا الوجه نظير النذر بخلاف التحريمة للصلاة؛ لأنها لا تصلح منفصلة عن الأداء إلا أنه لابد من/ رفض أحدهما عندهما إما تورعاً عن ارتكاب المنهي وإما؛ لأن البقاء للأداء لا للالتزام، والجمع أداء غير (٣) متصور (٤)، فبعد هذا قال أبو حنيفة ﵀: "إذا توجه إلى أداء إحديهما يصير رافضًا للأخرى"، وقال أبو يوسف: "كما فرغ من الإحرامين يصير رافضاً إحداهما". وفائدة الاختلاف فيما إذا قتل صيداً قبل أن يتوجه إلى إحدهما على قول أبي حنيفة يلزمه قيمتان، وعلى قول أبي يوسف يلزمه قيمة واحدة، وكذلك إذا أُحصر في هذه الحالة يحتاج إلى هديين للتحلل عند أبي حنيفة خلافًا لأبي يوسف. وإذا ثبت هذا فيقول: إن حلق في الإحرام الأول، ثُمَّ أحرم في يوم النحر بحجة أخرى لزمته الأخرى، ولا يلزمه شيء آخر؛ لأن الأولى قد انتهت نهايتها، وأما إذا لم يحلق في الإحرام الأول (٥)، ثُمَّ أحرم بحجة أخرى صار جامعًا بين إحرامي الحجّ، فبعد ذلك لا [يخلو] (٦) أما أن يحلق للأولى في هذه السنة أو لم يحلق إلى السنة الثانية، فإن حلق في هذه السنة، فقد تحلل عن الأولى لكن جنى على الثانية بالحلق، وإن لم يحلق إلى السنة الثانية فقد أخّر الحلق في الأولى عن وقته، والتأخير عن الوقت مضمون في قول أبي حنيفة، فلذلك قال في الكتاب: وعليه دم قصر أم لم يقصر عند أبي حنيفة.

стр. 1518

وعندهما لا يلزمه شيء على ما ذكرنا، وهو قوله في الفصل الثاني من باب الجنايات، (ومن أخّر الحلق) إلى قوله (لهما أنّ ما فات مستدرك بالقضاء). فلا يجب مع القضاء شيء آخر. ([فإن] (١) أحرم بأخرى). أي: بعمرة أخرى. (فعليه دم لإحرامه قبل الوقت) (٢). لأن وقته بعد الحلق عن الأولى، ثُمَّ أن محمداً سكت عن إيجاب الدم بسبب الجمع بين إحرامي الحجّ في «الجامع الصغير» (٣)، وأوجب ذلك في كتاب المناسك من «المبسوط» (٤) فذكر بعض مشايخنا في ذلك روايتين. وذكر في «الجامع الصغير» (٥) وجوب الدم بسبب الجمع بين إحرامي العمرة من غير اختلاف الروايتين، فوجه الرواية التي سوى بين الجمع بين إحرامي الحجّ وبين الجمع بين إحرامي العمرة هو أن الجمع بين إحرامي الحجّ غير مشروع كما أن الجمع بين إحرامي العمرة غير مشروع؛ لأنه في الصورتين صار مدخل للنقص في الإحرام، فلذلك وجب الدم فيهما، ووجه الرواية التي فرّق هو أن في الحجّة لا يصير جامعاً في الفعل؛ لأنه لا يؤدي أفعال الحجّ الآخر في هذه السنة، وإنما كره الجمع في الفعل، أما في العمرة فيصير جامعاً بينهما في الفعل؛ لأنه لا يؤدي العمرة الثانية في هذه السنة كذا في «الجامع الصغير» (٦) للإمام الشيباني. (فيصير بذلك قارناً). لأنه قرن بين النسكين لكنه أخطأ السنة؛ لأن السنة إدخال الحجّ على العمرة لا إدخال العمرة على الحجّ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى … الْحَجِّ﴾ (٧)، فجعل الحجّ (٨) آخر الغايتين، لكن لما لم يكن أداء الحجّ صح؛ لأن الترتيب إنما فات في الإحرام دون الأداء، فعليه تقديم أفعال العمرة على أفعال الحجّ كذا ذكره فخر الإسلام، وظهير الدين المرغيناني ﵀. (فهو رافضٌ لعمرته) (٩). فينبغي أن يعرف هاهنا شيئان: الأول (١٠) أن العمرة تحتمل الرفض، والثاني: أنه يصير رافضًا إذا وقف بعرفات، وإنما قلنا: أن العمرة تحتمل الرفض لما روي عن عائشة ﵂ قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى أن قال لها النبي ﷺ وامشطي رأسك، وارفضي عمرتك» (١١)، وقد ذكرناه، وأما الموقوف فإنه يتم (١٢) الحجّ على وجه لا يحتمل الفساد، وبتمام (١٣) الحجّ كانت غاية العمرة موجودة، والشيء لا يبقى بعد غايته، فيرتفض إحرام العمرة ضرورة، فلو وقف بعرفات، ولم يأت بأفعال العمرة فهو رافض لعمرته،

стр. 1519

وكذلك إذا طاف لعمرته شوطاً، أو شوطين، أو ثلاثة أشواط؛ لأن المأتي به أقل أعمالها، كذا في «الفوائد» (١). (لأنه تعذر عليه أداؤها). أي: أداء العمرة. (إذ هي مبنية على الحجّ غير مشروعة). بنصب مبنية على الحال، والعامل فيها معنى الإشارة في هي. هكذا كانت مقيدة بقيد شيخي ﵀، أي: حال كون العمرة مبنية على الحجّ غير مشروعة، فإن المشروع هو بناء أفعال الحجّ على/ أفعال العمرة. (فإن توجه إليها لم يكن رافضاً لها) (٢). حتى لو بدا له فرجع من الطريق إلى مكة فطاف لعمرته، وسعى ثُمَّ وقف بعرفات كان قارناً، كذا في «الجامع الصغير» (٣) لقاضي خان. (وقد ذكرناه من قبل). أي: في آخر باب القران، فقال: (ولا يصير رافضاً بمجرد التوجه) هو الصحيح من مذهب أبي حنيفة ﵀ أيضًا إلى آخره (٤). فمضى عليهما، وتفسير المضي هو أن يُقدم أفعال العمرة على أفعال الحجّ كما هو المسنون في القران. (على ما مرّ) وهو قوله: (لأنَّ الجمعَ بينهما مشروع في حقِ الآفاقي). (وهو دمُ كفارةٍ وجَبر، هو الصحيح). وهذا احتراز عما اختاره شمس الأئمة، وقاضي خان، والمحبوبي ﵏. وقال الإمام قاضي خان، وهو دم القران لتحقق القران، ثُمَّ قال: (ومن المشايخ من قال: يكون دم كفارة؛ لأنه خالف السنة)، فكان كقران المكي، فيلزمه دم كفارة فلا يأكل منه الحاج، وذكر فخر الإسلام كما ذكره في الكتاب بأن ذلك الدم دم كفارة. قوله ﵀: (ومنْ أهلّ بعمرةٍ في يومِ النحرِ). (٥) أي: المحرم بالحجّ إذا وقف بعرفات يوم عرفة، ثُمَّ أحرم بالعمرة قبل الحلق، أو قبل طواف الزيارة حتى يلزم رفض العمرة، وأما إذا أهلّ بالعمرة بعدما حلّ من الحجّة بالحلق، فيجيء ذكره بعد هذا بقوله: (وقيل: إذا حلقَ للحجِ، ثُمَّ أحرمَ) إلى آخره. وفي تعليل الكتاب أيضًا إشارة إلى ما قلنا من صورة المسألة بأن المهلّ بالعمرة في يوم النحر هو المحرم الذي بقي عليه أفعال الحجّ، وهي قوله: (لأنَّ الكراهيةَ لمعنى في غيرها، وهو كونه مشغولاً في هذه الأيام بأداء بقيةَ أعمالِ الحجّ). فُعلم بهذا أن عليه أداء بقية أفعال الحجّ، وليس ذلك إلا فيما (٦) قلنا: بأنه لم يحل من إحرام الحجّ بالحلق أو بطواف الزيارة لزمته.

стр. 1520

(لما قلنا) وهو قوله: (لأنَّ الجمعَ بينهما مشروع في حقِ الآفاقي على ما نذكر). … أي في باب الفوات، وهو قوله: (والعمرةُ لا تفوت، وهي جائزةٌ في جميعِ السنةِ إلا في (١) خمسةِ أيامٍ يكرهُ فعلها). (وعمرة مكانها) (٢). أي: قضاء لما رفض من العمرة، (لما بيّنا) وهو قوله: (لأنَّ الجمعَ بينهما مشروع). ثُمَّ فرق بين هذا وبين ما إذا شرع في الصوم في يوم النحر، ثُمَّ أفسد لا يلزمه القضاء؛ لأنه بنفس الشروع لا يصير معتمرًا مرتكبًا للمنهي عنه فصّح شروعه بمنزلة الشروع في الصلاة في الأوقات المكروهة، فإن قيل: كيف يكون جامعاً بينهما وقد أحرم بالعمرة بعد تمام التحلل من إحرام الحجّ بطواف الزيارة؟ قلنا: لأنه بقي عليه بعض واجبات الحجّ، وهو رمي الجمار في أيام التشريق، فيصير جامعًا بينهما عملًا، وإن لم يكن جامعاً بينهما إحرامًا، فلهذا لزمه الدم، كذا في «جامعي الصغير» (٣) لشمس الأئمة، وقاضي خان. (وقِيل: يَرفضها احترازاً عن النهي). وهو النهي عن العمرة في هذه الأيام على ما يجيء أن العمرة مكروهة في خمسة في أيام، ومنها أيام النحر، والتشريق، وكان عليه الرفض امتناعاً من هذا النهي بمنزلة من شرع في صوم يوم الفطر (٤) أنه يؤمر بالفطر. ومعنى ما ذكر في الأصل بأنه (لا يرفضها). أي: لا يرتفض من غير رفض، وقال بعض الناس: لا يرفضها، والأول أصح كذا في جامعي الصغير لفخر الإسلام، وقاضي خان. (فإنْ فاته الحجّ، ثُمَّ أحرمَ بعمرةٍ أو بحجةٍ فإنه يرفضها) (٥). وأصل هذا أن الركن الأصلي في الحجّ هو الوقوف بعرفة، ومن فاته فعليه أن يتحلل بأفعال العمرة للحديث الذي يأتي، ولا دم عليه عندنا خلافًا للشافعي (٦) على ما يأتي في الفوات، وإذا ثبت هذا، فنقول: فائت الحجّ محرم بإحرام الحجّ مباشر أفعال العمرة بمنزلة المسبوق إذا قام إلى قضاء ما سبق يكون مقتدياً في أصل التحريمة حتى لا يصح اقتداء الغير به، وفي الأعمال منفرد فيلزمه القراءة، ولو سها يلزمه سجدة السهو، فإذا أحرم بعمرة كان جامعًا بين العمرتين فعلًا، وأنه غير مشروع فيرفضها، وإذا أحرم بحجة يصير جامعًا بين حجتين في الإحرام، وذلك باطل فيرفضها، فصار إحرام الحجّ رافعًا إحرام الحجّ، وصارت أفعال العمرة رافعة إحرام العمرة، فيرفضها بعد الصحة، كذا في جامعي المحبوبي، وقاضي خان.

стр. 1521

قوله ﵀: (من غير أن ينقلب إحرامه إحرام العمرة). هذا عند أبي حنيفة، ومحمد -رحمهما الله- وأما عند أبي يوسف ﵀ فينقلب إحرامه إحرام عمرة، وفائدة هذا الاختلاف/ إنما تظهر في حق لزوم الرفض إذا أحرم لحجة أخرى، فعندهما يرفضها كي لا يصير جامعًا بين إحرامي الحجّ، وعند أبي يوسف لا يرفضها، بل يمضي فيها كذا ذكره فخر الإسلام، وظهير الدين. (على ما يأتيك في بابِ الفواتِ). أراد به قوله: (لأن فائت الحجّ يتحلل بأفعال العمرة) لا قوله (منْ غير أنْ ينقلبَ إحرامه إحرام العمرة). لأن هذا غير مذكور هنا، والله أعلم. بَابُ الإِحْصَارِ وقد ذكرنا وجه المناسبة فيما تقدم، المُحصر هو الذي أهلّ بحجة أو عمرة أو بهما، ثُمَّ مُنع من الوصول إلى البيت لمرض، أو عدو، أو لغيرهما على ما يأتي، ثُمَّ الكلام في الإِحْصَار في اثني عشر موضعاً: أحدها: أن الإِحْصَار قد يكون بالعدو، وقد يكون بالمرض أو بعلة أخرى مانعة من المضي بأن سُرقت نفقته أو كانت امرأة فمات محرمها أو زوجها عندنا، وقال الشافعي (١) ﵀: "الإِحْصَار لا يكون إلا بالعدو"، وقد يكون بالمرض أو بعلة أخرى مانعة من المضي (٢) على ما نذكر. والثاني: أن هدي الإِحْصَار لا يجوز ذبحه إلا في الحرم عندنا، وعند الشافعي ﵀ (٣) يجوز في المواضع كلها. والثالث: أنه (٤) إذا أُحصر لا يحل إلا بالذبح عندنا (٥)، وقال مالك ﵀ (٦): إذا أحصر يحل به من ساعته لقوله ﵇: «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ» (٧)، ولم يذكر فيه الهدي، ولنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ

стр. 1522

مَحِلَّهُ﴾ (١)، فلو حلّ من ساعته لما منع من الحلق. والرابع: أنه إذا أُحصر لا يحل إلا بالذبح سواء شرط عند الإحرام الإحلال عند الإِحْصَار أو لم يشترط، وقال بعض الناس: لا يجوز له أن يتحلل إلا أن يشترط في الابتداء، فيقول: إن عجزتُ أحل، وهو قريب مما قاله الشافعي (٢) ﵀ في المرض. والخامس: أن هدي الإِحْصَار يجوز تقديمه على أيام النحر، وقالا: لا يجوز تقديمه. والسادس: أنه إذا ذبح عنه هدي حلّ له كل شيء، ولا يحتاج إلى الحلق في قول أبي حنيفة، ومحمد، وقال أبو يوسف: "أرى عليه أن يحلق"، فإن لم يفعل فلا شيء عليه، وهو قول الشافعي (٣) على ما يأتي. والسابع: أن المُحصر إذا كان لا يجد الهدي، ولا ثُمَّن الهدي لا يحل بالصوم عندنا، وقال عطاء بن أبي رباح ﵀: "يحل بصوم عشرة أيام"؛ لأن الله تعالى قال في المتمتع: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٤)، ثُمَّ أقام صوم عشرة أيام مقام الهدي عند الضرورة فكذلك هاهنا، وحجتنا فيه أن الله تعالى رخّص الحِلّ بالشرط، وهو أن يبعث بالهدي لقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٥)، فإن لم يوجد الشرط يبقى على إحرامه، ولا يجوز جعل الصلاة بدلاً عن الهدي؛ لأن البدل إنما ثبت بالتوقيف، والأثر لا بالقياس، والنظر. والثامن: المحصر إذا حلّ بالهدي عليه قضاء حجة، وعمرة لما نذكر. والتاسع: أن القارن يحل بهديين عندنا لما يجيء. والعاشر: أنه يكون محصرًا في إحرام العمرة لما يجيء. والحادي عشر: أنه إذا ذبح هديه قبل اليوم الذي واعد أو قبل يوم النحر على قولهما، وقد باشر أفعالاً هي حرام بسبب الإحرام فإنه يجب عليه الجزاء؛ لأنه إذا ذبحه في غير ذلك اليوم الذي واعده فهو محرم بعد، والمحرم إذا باشر محظوره يجب عليه الجزاء. والثاني عشر: أنه (٦) إذا زال الإِحْصَار إن قدر على إدراك الهدي، والحجّ جميعًا، فإنه يجب عليه التوجه إلى البيت؛ لأن الهدي شرع عند الضرورة للإحلال، وقد زالت الضرورة، كذا في «شرح الطحاوي» (٧)، و «التحفة» (٨)، وشروح الجامع الصغير.

стр. 1523

(وبالإحلالِ ينجو منْ العدوِ). فإنه يرجع إلى أهله فيندفع به عنه شر العدو بخلاف المريض، فإن ما ابتلي به من المرض لا يزول بالتحلل، فلا يكون له أن يتحلل كالذي ضل [عن] (١) الطريق. [وفي «المبسوط» (٢): وعند الشافعي (٣) ليس للمريض أن يتحلل إلا أن يكون شَرَطَ ذلك عند إحرامه، ولكنه يصبر إلى أن يبرأ، ولنا أن آية الإِحْصَار وردت في الإِحْصَار بالمرض بإجماع أهل اللغة، فإن قلتَ: كان من حق الكلام أن يقول: بإجماع أهل التفسير في هذا الموضع؛ لأن أهل اللغة لا تعلق لهم بورود الآية، وسبب نزولها، وإنما هو لأهل التفسير، فلو اشتغل أهل اللغة بذلك صاروا من أهل التفسير، فإنهم ما سُموا بأهل التفسير إلا لذلك، فحينئذٍ لا فائدة بقوله: بإجماع أهل اللغة، قلتُ: لأن (٤) هذا اللفظ منقول من «الجامع الصغير» (٥) لفخر الإسلام ﵀ لكن بنوع تغيير، فبذلك التغيير وقع/ نوع من الخلل، فإن المذكور فيه، ولأصحابنا أن المراد بالآية المرض كذلك قال أهل اللغة: أن الحصر بالعدو، والإِحْصَار بالمرض، وهذا صحيح فإن معنى قوله: (أن المراد بالآية المرض) أي: يجب أن يكون المراد بالآية المرض نظراً إلى موضوعات اللغة كذلك قاله أهل اللغة لما أن استعمال الإِحْصَار في المرض، يعني: لو خُلينا، ومجرد النظر في استعمال الإِحْصَار في المرض يجب أن يكون المراد من الآية المرض، وذكر في «الأسرار» (٦). فإن قيل: كيف يستقيم الحمل على المرض والآية نزلت في رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ وكان المنع (٧) بالعدو؟ قلنا: إن النصوص إذا وردت لأسباب لم (٨) تعلق بها إلا أن يكون السبب منقولاً معها كقول الراوي: «سها رسول الله ﷺ فسجد» (٩)، فأما إذا وردت مطلقة عن الأسباب فنعمل بظاهرها، ولا يحمل على السبب، ثُمَّ إن كان التأويل هو المنع مطلقًا عرفوا الإحلال بنص مطلق، وإن كان التأويل هو المنع بالمرض عرفوا الإحلال بالعدو بمدلول هذا اللفظ، فإن النص لمّا أباح الإحلال بمنع من جهة المرض، فالمنع من جهة العدو أولى بالإباحة؛ لأن منع العدو أشد، فإنه حقيقي لا مدفع له، ومنع المرض مما يزول بالدابة والمحمل.

стр. 1524

فإن قيل: إنّا إذا حملناه على المرض صار كأن الله تعالى قال: فإن مرضتم فما استيسر من الهدي فلا يسبق الأوهام حينئذٍ إلى العدو قلنا: لا كذلك، فإن الإِحْصَار في اللغة ليس بعبارة عن المرض، بل عن منع يكون بالمرض، فيكون المنع علة، والمرض سبباً، فصار كأن الله تعالى قال: فإن مُنعتم بمرض (١) فما استيسر، فيدل على المنع بالعدو، ولأن المنع موجود أيضًا في الحالين، وبالعدو أشد على ما ذكرنا، فإن قيل: أن الله تعالى نسق به ﴿فَمَنْ كَانَ … مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (٢)، ولو كان أحصرتم عبارة عن المرض لم يستقم نسق المرض به. ثانيًا: لأنه تكرار، والمعطوف أبدًا يكون غير المعطوف عليه، قلنا: قد ذكرنا أن الإِحْصَار ليس بالمرض بعينه، ولكن مُنع بسبب المرض، والمنع بسبب المرض يستفاد به التحلل بالدم، ولا يباح به الحلق إذا لم يتأذّ به، والمرض يتأذى به رأسه يباح الحلق أو بنفس الأذى، وإن لم يمنعه عن الذهاب، ولا يباح به التحلل، فكان عيدين فكأنه قال: فإن منعتم بمرض تحللتم بدم، وإن تأذى رأسكم بمرض حلقتم، وكفَّرتم، وهذا مستقيم على أن عطف الخاص على العام جائز كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ (٣)، يقال له: ابعث شاة تُذبح في الحرم، ثُمَّ إذا بعث بالهدي، فإن شاء أقام مكانه، وإن شاء رجع؛ لأنه لما صار ممنوعاً عن الذهاب يخير بين المقام، والانصراف كذا في «المبسوط» (٤). (قالوا: الإِحْصَار بالمرضِ، والحصر بالعدوِ) (٥). بسكون الصاد لا غير، وهو المنع، فإن الحَصَر بفتحتين مصدر حَصِرَ، وهو العي وضيق الصدر من حدَّ عَلِمَ. ثُمَّ قوله: فإنهم قالوا: الإِحْصَار بالمرض جواب لقول الشافعي (٦) على وجه المنع.

стр. 1525

وقوله: (والتحلل قبل أوانه لدفع الحرج الآتي من قِبَلِ امتداد الإحرام) جواب؛ لقوله: (وبالإحلال ينجو من العدو لا من المرض). وأما الذي ضَلَّ الطريق فمحصر عندنا إلا أنه لا يجد من يبعث به الهدي، فإنه إن وجد من يبعث بالهدي على يده، فذلك الرجل يهديه إلى الطريق، فلا حاجة له إلى التحلل، وإن لم يجد من يبعث بالهدي على يده، فإنما لا يتحلل لعجزه عن تبليغ الهدي محله، [يقال له: ابعث شاة تُذبح في الحرم، ثُمَّ إذا بعث بالهدي، فإن شاء أقام مكانه، وإن شاء رجع؛ لأنه لما صار ممنوعاً عن الذهاب يخير بين المقام، والانصراف كذا في «المبسوط»] (١). (وإذا جازَ لهُ التحللَ) إلى قوله: (وواعدَ منْ يبعثهُ بيومٍ بعينه يذبح فيه، ثُمَّ تحللَ) (٢). هذا عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن دم الإِحْصَار عنده غير موقت، فيحتاج إلى المواعدة ليُعرف وقت الإحلال، وأما عندهما فدم الإِحْصَار في الحجّ موقت بيوم النحر، فلا يحتاج (٣) حاجة إلى المواعدة، وإنما يحتاج إلى المواعدة عندهما في المحصر بالعمرة، كذا في «المحيط» (٤). وإنما قيد بقوله: (يذبحُ فيه، ثُمَّ تحلل). لأنه إذا ظن المحصر أنه ذبح هديه ففعل ما يفعل الحلال، ثُمَّ ظهر أنه لم يذبح كان عليه ما على الذي ارتكب محظورات إحرامه لبقاء إحرامه، كذا ذكره الإمام قاضي خان ﵀، وقد ذكرناه. وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٥)، والمحِل بكسر عين الفعل/ عبارة عن المكان كالمسجد والمجلس، نهى عن الحلق حتى يبلغ الهدي موضع حله، ثُمَّ فسِّر ذلك المحل بقوله ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٦)، وبقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٧)، فعُلم أن محل الهدي هو البيت، والمراد به الحرم، فإن عين البيت لا يراق فيه الدماء (فإنَّ الهديَ اسم لما يهدي إلى الحرمِ). (أي: ينقل، مأخوذ من الإهداء والهدية، ألا ترى أن من جعل ثوبه هديًا لزمه تبليغه إلى الحرم)، كذا في «الأسرار» (٨) مُرَاعَى أصل التخفيف لا نهايته، ولهذا لم يستحق التخفيف متى لم يجد الهدي، بل يبقى محرمًا أبداً؛ ولأنه لو كان نهاية التخفيف مُرَاعَى لتحلل في الحال كما قال مالك (٩): ولا يتحلل باتفاق بيننا، بل له أن يبعث بالقيمة حتى يشتري الشاة هناك، ويذبح عنه فإن كان معسرًا لا يجد القيمة أيضًا. (ما يفعل) [ما هذه استفهامية] (١٠) فقال في «المحيط» (١١): وإن كان المحصر معسراً لا يجد الهدي أقام حرامًا حتى يطوف، ويسعى كما يفعله فائت الحجّ.

стр. 1526

(وقال أبو يُوسف: عليه ذلك). أي: الحلق. «ولو لم يفعل لا شيء عليه؛ لأن النبي ﷺ حلق عام الحديبية، وكان محصراً بها وأمر أصحابه بذلك». فإن قلتَ: هذا الذي ذكره من الدليل دليل على قوله عليه ذلك، لما أن مجرد (١) فعل النبي ﷺ في الذي لا يعقل قربة دليل على الوجوب خصوصاً ما إذا كان فعله مقروناً بالأمر لغيره، فكان هو آكد في دلالته على الوجوب، فلا يكون هذا دليلاً على قوله: (ولو لم يفعلْ لا شيءَ عَليه). فحينئذٍ كيف تثبت المطابقة بين المدلول والدليل؟ قلتُ: عن أبي يوسف في هذه المسألة روايتان، فقال في رواية: ينبغي له أن يحلق، ولو لم يحلق جاز (٢). وفي الرواية الأخرى: الحلق واجب ذكرهما الإمام المحبوبي، ثُمَّ المصنف أورد دليل رواية الوجوب، ولم يورد دليل الرواية الأخرى، فإن دليل أبي حنيفة، ومحمد -رحمهما الله- يصلح دليلًا لها. (ولهما أنَّ الحلقَ عُرف قربة مرتّبًا على أفعالِ الحجّ) إلى آخره. يعني: أن كون الحلق قربة عرف بالنص بخلاف القياس، فيراعى فيه جميع ما ورد فيه النص من الأوصاف، والنص ورد بكون الحلق قربة حال كونه مرتبًا على أفعال الحجّ، فلا يكون في غير المرتب عليها قربة، وأما حلق رسول الله ﷺ بالحديبية، فقد ذكر أبو بكر الرازي ﵀: أن عند أبي حنيفة، ومحمد -رحمهما الله- إنما لا يحلق المحصر إذا أحصر في الحل، فأما إذا أحصر في الحرم فيحلق؛ لأن الحلق عندهما موقت بالحرم، ورسول الله ﷺ إنما كان محصرًا بالحديبية، وبعض الحديبية من الحرم علي ما روي أن مضارب رسول الله ﷺ كانت في الحل، ومصلاه في الحرم على أن رسول الله ﷺ إنما أمرهم بالحلق ليتحقق به عزمهم على الانصراف، ويأمن المشركون جانبهم، ولا يشتغلوا بمكيدة أخرى بعد الصلح، كذا في «المبسوط» (٣)، فإن قلتَ: فكيف يقولان: بجواز التحلل للمحصر قبل الحلق مع صريح النهي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٤)، الآية نزلت في حق المحصر ذكره في «الكشاف» (٥)، ثُمَّ لما كان المحصر منهياً عن الحلق قبل الغاية كان مأمورًا بالحلق بعد الغاية؛ لأن حكم ما بعد الغاية يخالف ما قبلها؟

стр. 1527

قلتُ: إنهما يقولان الله تعالى نهى المحصر عن الحلق حتى يبلغ الهدي محله بهذه الآية، فذلك دليل الإباحة بعد بلوغ الهدي محله لا دليل الوجوب كما في سائر المحظورات مع أن الحلق وجب عليه للإحلال، والدم أقيم مقامه، فيستغنى بذلك عن الحلق، كذا في «المبسوط» (١)، والجامع المحبوبي. (وإنْ كانَ قارناً بعثَ بدمين) (٢) لاحتياجه إلى التحلل من إحرامين. (وإذا تحلل بهما فعليه عمرتان، وحجة يقضيهما بقران أو إفراد لما بيّنا أن إحدى العمرتين تلزمه للتحلل عن العمرة بعد الشروع فيها، والأخرى للتحلل عن إحرام الحجّ، وقد بيّنا في المفرد بالحجّ أن عليه عمرة وحجة إذا تحلل بالهدي لمّا بعث القارن الهديين لا يحتاج إلى أنه يعين الذي للعمرة منهما، والذي للحج؛ لأن [هذا] (٣) تعيين غير مفيد، فلا يُعتبر أصلاً؛ لأن التحلل منهما شُرع في حالة واحدة، فلا يجوز التقدم، والتأخر بين الإحرامين، وقال ﷺ : «فلا أحلّ حتى أحلّ منهما» (٤) وبالهدي الواحد لا يتحلل منهما فلا يكون له أن يتحلل أصلاً) كذا في «المبسوط» (٥). فإن قلتَ: ما الفرق بين الدم، والحلق في حق القارن حيث أوجب الدمين على القارن المحصر لاحتياجه إلى التحلل عن الإحرامين، ولم يوجب الحلقين على القارن غير المحصر بأن حلق مرة، وأجرى/ الموسى أُخرى كما في حق الأصلع، أو ينتظر إلى أن ينبت الشعر مع أنه محتاج إلى التحلل عن الإحرامين هناك أيضًا، والدم في حق المحصر بمنزلة الحلق في غير المحصر. قلتُ: الفرق بينهما هو أن الحلق محلل بصفة الحظر، ثُمَّ لو قلنا: بالتكرار لا [يخلو] (٦) أما إن كان التحلل واقعا بالأول أو بالثاني، فإن وقع بالأول كان الثاني لغوًا، وإن وقع بالثاني كان الأول جناية، فأما الذبح فليس بمحظور فصح الجمع، كذا ذكره الإمام الإسبيجابي ﵀ في مبسوطه. (ولا يجوزُ ذبحُ دمِ الإِحْصَار إلا في الحرمِ) (٧). فإن قلتَ: ذكر هذه المسألة مرة عن قريب في هذا الباب، وبّين فيها خلاف الشافعي (٨) ﵀ فما فائدة تكرارها ثانيًا.

стр. 1528

قلتُ: فائدة إعادتها لفائدة ذكر مقترنها، وهو ذكر اختصاص الزمان، فإنه لما أراد ذكر الاختلاف في اختصاص ذبح دم الإِحْصَار بالزمان ذكر ما هو المجمع عليه، وهو الاختصاص بالمكان ليتهيأ القياس عليه لمن يشترط الاختصاص بالزمان، ولما أن هذه العبارة، أعني: أمور الحجّ مختصة بالمكان، والزمان، ولكن في اختصاص الزمان (١) أعرف (٢) وأثبت فلذلك وقع الافتراق بينهما حيث أجمع علماؤنا على اختصاص ذبح دم الإِحْصَار بالمكان، واختلفوا في حق الزمان، فلما أراد ذكر أحد المقترنين ذكر ما هو الأعرف (٣) فيها أولًا. قوله ﵀: (اعتباراً بهدي المتعةِ والقِران). هذا تعليلهما في المسألة التي قبل هذه، وهي قوله: (وقالا: لا يجوز الذبح للمحصرِ بالحجّ إلا في يومِ النحرِ) (٤). قوله ﵀: (لأنه دمُ نُسكٍ). يعني: أن سائر المناسك مختصة بالزمان فكذا هنا. (وبخلافِ الحلقِ لأنه في أوانه). وهذا لأن التحلل على نوعين في أوانه، أو قبل أوانه، [أما في أوانه فلابد من التوقيت بيوم النحر] (٥)؛ لأن الركن الأصلي هو الوقوف، وإنما ينتهي مدة الوقوف بطلوع الفجر يوم النحر، فلابد من أن يقع الحلق في يوم النحر، وأما إذا وقع التحلل في غير أوانه، فلا يتوقف على أداء أفعال هو بها مؤدّ للحج إلى يوم النحر، فلا يتوقف الدم على يوم النحر لعدم الضرورة، كذا ذكره فخر الإسلام. وبهذا يُعلم أن معنى قوله: (وهو الوقوفُ ينتهي به). أي: ينتهي الوقوف بوقت الحلق، وهو طلوع الفجر يوم النحر، وذكر في «الأسرار» (٦)، وأنا نحتج بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٧)، ولم يشترط زمانًا فلا نزيد على كتاب الله تعالى بخبر الواحد، ولا القياس؛ لأنه نسخ، ولأن المكان لما صار مرادًا بقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٨)، بطل أن يكون الزمان به مرادًا؛ لأنهما مختلفان فلا يجتمعان مرادين بلفظ واحد على ما عُرف، وقياسهم باطل؛ لأنه [لا] (٩) يزيد أو لأنه قياس منصوص على منصوص.

стр. 1529

(لما أنه في معنى فائت الحجّ). من حيث أن في كل منهما يخرج عن الإحرام بعد صحة الشروع قبل أداء الأفعال، ثُمَّ فائت الحجّ يتحلل بأفعال العمرة، ويقضي الحجّ على ما يأتي فكذا هنا، فإن قيل: ينبغي ألّا تجب العمرة؛ لأن وجوب العمرة على فائت الحجّ باعتبار التحلل، وقد ثبت التحلل للمحصر بالهدي، فلا حاجة إلى إيجاب العمرة. قلنا: الهدي لأجل التحلل لا أن يسقط ما وجب، وهو العمرة بعد تحقق الإِحْصَار؛ لأن المحصر في معنى فائت الحجّ والعمرة واجبة على فائت الحجّ، كذا ذكره الإمام مولانا حميد الدين الضرير ﵀. وفي «المبسوط» (١): أما قضاء الحجّ فإن كان محرمًا بحجة الإسلام فقد بقيت عليه حين لم تعتبر (٢) مؤداة، وإن كان محرمًا بحجة التطوع فعليه قضاؤها عندنا؛ لأنه صار خارجًا عنها بعد صحة الشروع قبل أوانها، وعند الشافعي (٣) ﵀ لا يجب عليه القضاء، وهو نظير الشارع في صوم التطوع إذا أفسده، وقد بيّناه في كتاب الصوم. قوله ﵀: (فإنْ بعثَ القارن هديًا، وواعدهم أنْ يذبحوه في يومٍ بعينه) (٤). ذكر القارن هاهنا وقع غلطًا ظاهرًا من النسّاخ، فالصواب فيه أن يقال: فإن بعث المحصر وبيان الغلط من وجهين: أحدهما أنه ذكر، فإن بعث القارن هديًا، ويجب على القارن بعث الهديين، فإنه لا يتحلل بالواحد؛ لأنه ذكر قبل هذا في هذا الباب، فإن كان قارناً بعث بدمين. والثاني:/ أن المصنف ﵀[جمع] (٥) بين روايتي «القدوري (٦)»، و «الجامع الصغير» (٧)، وهذه المسألة مذكورة في هذين الكتابين في حق المحصر بالحجّ، وذكر في «الجامع الصغير» (٨) لقاضي خان، فلو أن المحصر بالحجّ بعث بالهدي، وواعدهم أن ينحروه عنه في يوم بعينه (٩)، ثُمَّ زال الإِحْصَار فالمسألة على وجوه أربعة، و هي مذكورة في الكتاب، فوجه الانحصار ظاهر؛ لأنه إما أن يدرك الحجّ والهدي، أو لا يدركهما أو يدرك الهدي دون الحجّ أو على العكس، فإن كان لا يدرك الهدي، والحجّ لا يلزمه أن يتوجه (١٠).

стр. 1530

فإن قيل: كان ينبغي أن يؤمر بالتوجه، والتحلل بالطواف، والسعي بمنزلة فائت الحجّ، قلنا: الطواف والسعي في حق فائت الحجّ غير مقصود لعينه، ولكن المقصود هو التحلل، وهذا المقصود يحصل له بالهدي الذي بعثه ليُنحر عنه، وإن توجه ليتحلل بالعمرة فله ذلك؛ لأن فائت الحجّ يتحلل بأعمال العمرة، وله في هذا التوجه غرض صحيح (١)، وهو أن لا يلزمه قضاء العمرة. قوله ﵀: (لزمه التوجه لزوالِ العجزِ). عن أداء الحجّ. فيبطل حكم الهدي كالمكفر بالصوم إذا أيسر قبل إتمام الكفارة، وإن كان يدرك الهدي دون الحجّ بأن كانت المواعدة بذبحه يوم النحر يتحلل أيضًا إذا ذبح هديه؛ ليتحقق الإِحْصَار. وهذا التقسيم لا يستقيم على قولهما في المحصر بالحجّ؛ لأن دم الإِحْصَار لما كان يتوقت بيوم النحر عندهما، فبإدراك الحجّ يكون مدركًا للهدي لا محالة؛ لأن وقت ذبح الهدي يوم النحر، ووقت الحجّ، وهو الوقوف بعرفة يوم عرفة فلذلك لا يتصور إدراك الحجّ دون الهدي عندهما، وحرمة المال كحرمة النفس، فكما كان الخوف على نفسه عذرًا له في التحلل، فكذلك الخوف على ماله، والأفضل له (٢) أن يتوجه، ومن وقف بعرفة، ثُمَّ أُحصر لا يكون محصرًا حتى لا يتحلل بالهدي، وهو محرم عن النساء حتى يطوف طواف الزيارة. لأن معنى قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ (٣)، أي: مُنعتم عن إتمام الحجّ والعمرة، وقال ﷺ : «من وقف بعرفة فقد تم حجه» (٤). فإنما مُنع هذا بعد الإتمام، فلهذا لا يكون محصرًا، ولأن حكم الإِحْصَار إنما يثبت عند خوف الفوت، وبعد الوقوف بعرفة لا يخاف الفوت فلا يكون محصراً، ولكنه يبقى محرمًا إلى أن يصل إلى البيت، فيطوف طواف الزيارة، وطواف الصدر، ويحلق أو يقصر، وعليه دم لترك الوقوف بمزدلفة، ولرمي الجمار دم، ولتأخير الطواف دم، ولتأخير الحلق دم عند أبي حنيفة ﵀ فكان عليه أربعة دماء عند أبي حنيفة ﵀ كذا ذكره الإسبيجابي ﵀ وعندهما ليس لتأخير الحلق، والطواف شيء، وقد تقدم. فإن قيل: أليس أنكم قلتم: إذا ازداد عليه مدة الإحرام يثبت له حكم الإِحْصَار في حقه كما في إحصار العمرة، وقد ازداد مدة الإحرام هاهنا، فلماذا لا يثبت حكم الإِحْصَار في حقه؟، قلنا: لا كذلك فإنه متمكن من التحلل بالحلق إلا في [حق] (٥) النساء، وإن كان يلزمه بعض الدماء، فلا يتحقق العذر الموجب للتحلل هنا.

стр. 1531

(أما على الطوافِ). أي: أما إذا قدر على الطواف، ولم يقدر على الوقوف، فإنه يصير (١) محصراً (٢) حتى إذا فاته الحجّ يتحلل بالطواف والسعي، وهو الأصل في التحلل، والدم بدل عنه، فلمّا كان قادراً على الأصل لا يصير إلى الحلق (٣). (وقد قيل: في هذه المسألة خلاف بين أبي حنيفة، وأبي يوسف -رحمهما الله-). وهو ما ذكر علي بن الجعد (٤) ﵀ عن أبي يوسف قال: سألت أبا حنيفة ﵀ عن المحرم يُحصَرُ في الحرم، فقال: لا يكون محصرًا فقلتُ: أليس أن النبي ﷺ أحصر بالحديبية، وهي من الحرم، فقال: إن مكة يومئذ كانت دار الحرب، فأما اليوم [فهي] (٥) دار الإسلام، ولا يتحقق الإِحْصَار فيها قال أبو يوسف: "وأما أنا فأقول إذا غلب العدو على مكة حتى حالوا بينه وبين البيت فهو محصر". والأصح أن يقول: إذا كان محرمًا بالحجّ فإن مُنع من الوقوف، والطواف جميعًا فهو محصر، وإلا فلا على ما ذكرنا هذا كله ما ذكره شمس الأئمة السرخسي في «الجامع الصغير» (٦)، و «المبسوط» (٧)، وصاحب المحيط، فالله تعالى أعلم بالصواب. بَابُ الفَواتِ قوله ﵀: (أنَّ وقت الوقوفِ يمتدُ إليه). أي: إلى طلوع الفجر. (من فاته عرفة بليل) فأول الحديث، وهو ما رواه ابن عباس/ وابن عمر ﵃ أن النبي ﷺ قال: «من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحجّ، ومن فاته عرفة بليل» (٨) الحديث. (ولأنَّ الإحرامَ بعدما انعقدَ صحيحًا). أي: نافذًا لازماً، وهذا احتراز عن إحرام العبد أو الأمة بغير إذن المولى، وإحرام المرأة في التطوع بغير إذن الزوج، فإن للمولى أو للزوج أن يحللهما. فإن قوله: (صحيحًا) ليس باحتراز عما انعقد فاسدًا؛ لأن الإحرام الفاسد، وهو ما إذا جامع المحرم قبل الوقوف بعرفة أو أحرم مجامعًا، فإنه يلزم عليه المضي في حجه كما إذا لم يفسد، فإن الفاسد يؤخذ حكمه من الصحيح، فكما أن الإحرام الصحيح لازم المضي فكذلك الإحرام الفاسد، وقد ذكرناه، ويؤيده ما ذُكر في «المبسوط» (٩): (رجل أهّل بحجة فجامع فيها، ثُمَّ قدم مكة، وقد فاته الحجّ فعليه دم لجماعه، ويحل بالطواف والسعي)؛ لأن الفاسد معتبر بالصحيح، فكما أن التحلل عن الإحرام الصحيح بعد الفوات يكون بالطواف والسعي، فكذلك عن الإحرام الفاسد.

стр. 1532

(لا طريقَ للخروجِ عنه إلا بأداءِ أحدِ النسكين). أي: الحجّ والعمرة، فإن قلتَ: يُشكل هذا بالمحصر، فإن فيه خروجًا من الإحرام من غير أداء أحد النسكين. قلتُ: أجرى الكلام على ما هو الأصل فلا يَرد العوارض نقضًا، وفصل المحصر من العوارض. (كَما في الإحرامِ المبهم). أي: المبهم من النسكين، وهما الحجّة والعمرة بأن أبهم في الإحرام، ويقول في التلبية: لبيك اللهم لبيك، ولم يعين الحجّة والعمرة، ولم ينو شيئاً بقلبه ولسانه (١)، فإنه يصح إحرامه، ولا يخرج عن الإحرام إلا بأداء أحد النسكين، فكذلك هاهنا لكن يتعين ذلك المبهم في المتيقن، وهو العمرة؛ لأنها أقل أفعالاً، وأيسر مؤنة، وذكر في «المبسوط» (٢) في باب الجمع بين الإحرامين، فإن أحرم لا ينوي شيئاً فطاف ثلاثة أشواط، ثُمَّ أهّل بعمرة، فإنه يرفض هذه الثانية؛ لأن الأولى قد تعيّنت عمرة حين أخذ في الطواف لما أن الإيهام لا يبقى بعد الشروع في الأداء، بل يتعين ما هو المتيقن، وهو العمرة فكذلك هاهنا، ثُمَّ فائت الحجّ إذا تحلل بأفعال العمرة هل ينقلب إحرامه إحرام (٣) عمرة؟ ذكرناه في باب الإِحْصَار. (ولا دمَ عَليه). (أي: عندنا خلافًا للشافعي، فإنه يوجب الدم عليه بالقياس على المحصر، وهذا فاسد؛ لأن المحصر عاجز عن التحلل بالطواف والسعي، وفائت الحجّ قادر على ذلك، ثُمَّ فائت الحجّ يقطع التلبية حين يستلم الحجر في الطواف لما أن هذا الطواف طواف العمرة، وأوان قطع التلبية في حقه هو أوان قطع التلبية في حق المعتمر، وإن كان قارناً فيقطع التلبية حين يأخذ في الطواف الثاني؛ لأن العمرة ما فاتته، فيجعل كأنه طاف لها قبل الفوات، ولا يقطع التلبية عندها، وإنما يقطع التلبية إذا أخذ في الطواف الذي يتحلل به عن الإحرام في الحجّ)، كذا في «المبسوط» (٤). (إلا خمسةَ أيامٍ يكرهُ فعلها فيها، وهي يومُ عرفةَ ويومُ النحرِ، وأيام التشريق). وفي كتاب الله تعالى إشارة إلى أن هذه الأيام ليست بوقت للعمرة قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ (٥)، وأن العمرة هي الحجّة الصغرى كما ورد به الأثر، فإضافة يوم النحر إلى الحجّ الأكبر دليل على أنه ليس بوقت للعمرة، وعلى قول الشافعي (٦) لا يكره العمرة في هذه الأيام الخمسة أيضًا، كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀.

стр. 1533

(ولأنها غَير مؤقتة بوقت). فإن قلتَ: يُشكل هذا بالأيمان وصلاة الجنازة، فإنهما فرضان وليسا بمؤقتين. قلتُ: إنما نشأ عدم التوقيت في الأيمان من فرضية الاستغراق، فإن فرضيته مستدامة من غير انقطاع، فكان جميع العمر من غير انقطاع وقته، ولا كذلك العمرة، فإن فرضيتها عند الخصم تتأدى بالمرة كما في الحجّ، وما هذا شأنه من المفروضات المقدرة يقتضي وقتا معيناً لأداء ذلك الفرض كما في سائر الفرائض، وأما صلاة الجنازة فوقتها حضورها، فكانت مؤقتة. (وتتأدَى بنيةِ غَيرها). أما عند الخصم، فإن المحرم بالحجّ قبل أشهر الحجّ يكون محرمًا بالعمرة، وأما بالإجماع فإن فائت الحجّ يتحلل بأفعال العمرة، والفرض إنما يباين النفل بهذا، فإن النفل يتأدى بنية الفرض، والفرض الذي هو غير معين لا يتأدى بنية النفل، كذا في «المبسوط» (١) في باب الخروج إلى منى. قلتُ: وبما قيد في «المبسوط» (٢) بقوله (غير معين) خرج الجواب عما يُورَدُ على لفظ الكتاب/ بصوم رمضان فإنه فرض فيتأدّى بنية النفل لما أنه متعين في وقت له ميعاد، ولم يشرع فيه غيره، فلذلك أصيب بنية النفل لما عرف، فإن قلتَ: ما جوابنا عما احتج به الخصم بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣)، الله تعالى خاطبنا بهما بأمر واحد حيث عطف العمرة على الحجّ في الجملة الناقصة، ومثله يقتضي الاتحاد في الحكم بالاتفاق، والحجّ فريضة فيجب أن تكون العمرة فريضة أيضًا، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ (٤). (فدل هذا على أن من الحجّ ما هو أصغر) أي: من حيث الأفعال فكانا في استحقاق اسم الحجّ سواء تم الحجّ فريضة فكذا هذا. قلتُ: أما الآية الأولى فُقرئت بالنصب، والرفع فالقراءة بالرفع ابتداء إخبار بأن العمرة لله، والنوافل لله كالفرائض، ثُمَّ هذا أمر بالإتمام بعد الشروع، فلا خلاف فيه بأن العمرة واجبة الإتمام كالحجّ، وما عرفنا ابتداء فرضية الحجّ بهذه الآية، بل عرفناها بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٥). وبهذا يتبين أن المقصود زيارة البيت، وهذا المقصود حاصل بفرضية نسك واحد فلا تثبت الفرضية في عدد منه لما أن كل عبادة وجبت بسبب لم يجب الثني والتكرر (٦) بذلك السبب بعينه كما في الصلوات، وأما الأكبر فدليلنا فإنه يدل على الأصغر، وهو العمرة فإنها الصغرى، ودون [الأكبر في] (٧) مرتبة ووجوبًا، وعند الخصم ليس دونه وجوبًا، ولا يصح صرف الأكبر من حيث الأفعال، فإنه لا يقال: صلاة الظهر أكبر من صلاة الفجر إلى هذا أشار في «المبسوط» (٨)، و «الأسرار» (٩)، والله أعلم بالصواب.

стр. 1534

بَابُ الحَجِّ عَن الغيرِ لما فرغ من ذكر الحجّ لنفسه، وهو الأصل لما أن التصرفات الصادرة عن المنصرف شرعًا محمولة على أنه تصرف لنفسه؛ لأنه هو الأصل لا لغيره؛ شرع في بيان الحجّ لأجل الغير؛ لأنه كالتابع له. مسألة: ثواب الحج هل يقع عن المأمورأم الآمر ؟ اعلم أن في هذه المسألة، وهي الحجّ عن الغير اختلف المتأخرون من أصحابنا قال شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده (١): على قول أصحابنا الحجّ يقع عن المأمور، وللآمر ثواب النفقة، وصار إنفاق المأمور كإنفاق الآمر بنفسه، ولكن يسقط أصل الحجّ عن الآمر؛ لأن الإنفاق أُقيم مقام الأفعال في حق سقوط الأفعال حالة العجز كما أُقيم الفداء مقام الصوم في حق الشيخ الفاني، وهذا لأن الإنفاق سبب للأداء، وإقامة السبب مقام المسبب أصل في الشرع، و (٢) إلى هذا القول مال عامة المتأخرين (٣) منهم صدر الإسلام أبو اليسر، والإمام الإسبيجابي، وقاضي خان، وغيرهم، وهو رواية عن محمد ﵀. وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀: "إن أصل الحجّ يكون عن الآمر"، وقال في «المبسوط (٤)»: (رجل دفع إلى رجل مالًا ليحج به عن الميت، فلم يبلغ مال الميت النفقة فأنفق المدفوع إليه من ماله أو مال الميت، فإن كان النفقة من مال الميت، وكان ماله بحيث يبلغ الكِراءَ (٥)، وعامة النفقة فهو جائز، وإلا فهو ضامن يرده، ويحج من حيث يبلغ؛ لأن المعتبر في الحجّ عن الغير الإنفاق من ماله في الطريق، والأكثر له حكم [الكل] (٦) والتحرز عن القليل غير ممكن فاعتبر بالأكثر).

стр. 1535

فقلنا: إذا كان أكثر النفقة من مال الميت صار كأن الكل من مال الميت، وإذا (١) كان أكثر النفقة من مال نفسه صار كأن جميع نفقته من مال نفسه، فيكون الحجّ عنه، ويضمن ما أنفق من مال الميت؛ لأنه مخالف لأمره فإن أمره بأن ينفق في سفر يحج بذلك السفر عن الميت لا عن نفسه، وهذه المسألة تدل على أن الصحيح من المذهب فيمن يحج عن غيره أن أصل الحجّ يكون عن المحجوج عنه، وأن إنفاق الحاج من مال المحجوج عنه كإنفاق المحجوج عنه من مال نفسه أن لو قدر على الخروج بنفسه، وبنحوه جاءت السنة المشهورة، وهو حديث الخثعمية، وهذا هو الأصح فإن فرْض الحجّ لا (٢) يسقط بهذا عن الحاج، وكذلك في هذه المسألة إذا كان أكثر نفقته من مال نفسه حتى صار حجته (٣) عن نفسه كان ضامنًا لما أنفق من مال الميت، ولو كان للميت ثواب النفقة فقط لا يصير ضامناً؛ لأن ذلك قد حصل للميت، وذكر الإمام التمرتاشي (٤) نقلاً عن «الزيادات البرهانية» (٥)، وقيل: عن الحاج، وإليه مال بكر، ولكن لا يسقط عنه فرض الحجّ؛ لأن فرض الحجّ/ لا يتأدى إلا بنية الفرض أو بمطلق النية ولم توجد، وإنما وجدت النية عن الآمر. ثُمَّ اعلم أن الحاج عن الغير إن شاء قال: لبيك عن فلان، وإن شاء اكتفى بالنية بمنزلة الحاج عن نفسه، وإن شاء صرح بالحجّ عند الإحرام، وإن شاء نوى، واكتفى بالنية كذا في «المبسوط» (٦). قال ﵀: (عند أهلِ السنّة). هذا (٧) احتراز عن قول بعض أهل العلم الذين هم ليسوا على مذهب أهل السنة والجماعة، وذكر صدر الإسلام، والإمام الكشاني في جامعيهما: أن من صام، أو صلى، أو تصدق فجعل ثواب صلاته، وصدقته، وصومه لغيره جاز عند أهل السنة والجماعة، وقال بعض أهل العلم: بأنه لا يجوز. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٨)، فلم يجعل الله تعالى للمرء إلا ما سعى، وهذا ليس من سعيه، ولأن الثواب هو الجنة وليس له ولاية تمليك الجنة لغيره؛ لأن الجنة ليست بملك له قلنا: أما الآية فإنه لمّا جعل سعيه للغير صار سعيه كسعي الغير، وله ولاية أن يكون ساعيًا وفاعلًا لغيره.

стр. 1536

وأما قولهم: إن الثواب هو الجنة، فكيف يُجعل لغيره؟ قلنا: عرفنا هذا الحكم شرعًا فكان قولهم هذا اعتراضًا على صاحب الشرع، وهو باطل أو يحتمل أنه يجعل ماله من الاستحقاق لغيره. (بكبشينِ أملحينِ). يقال: كبشٌ أملح فيه مِلحة (١)، وهي بياض تشقه شعيرات سود، وهي من لون الملح. (في حالتي الاختيارِ والضرُورة). أي: في حالة الصحة، والمرض. (لحصولِ المقصودِ). وهو إيصال النفع [إلى] (٢) الفقراء عند وجود المشقة، وهو تنقيص المال. (لا يحصلُ به). أي: بفعل النائب للمعنى الثاني، وهو المشقة بتنقيص المال، فإنه كما يلحق المرء المشقة عند فعله بنفسه [تلحقه المشقة أيضًا عند تنقيص ماله بالدفع إلى الغير، فقامت مشقة التنقيص مقام مشقة إتعاب نفسه عند فعله بنفسه] (كان من حقه أن يقول للمعنى الأول) وهو حصول المقصود بفعل النائب لاعتبار جانب المال، ولكن ذكر للمعنى الثاني فوجهه ما قلنا. قوله ﵀: (لأن الحجّ فرض العمر). شرط النيابة في الحج فإن قلتَ: لاشتراط العجز الدائم لا يستقيم التعليل بأنه فرض العمر، فإن الشيخ الفاني في الصوم يشترط العجز الدائم في جواز الفدية عن صومه مع أن الصوم ليس بفرض العمر. قلتُ: لمّا فات الصوم عن وقته التحق بفرض العمر؛ لأن قضاءَه لازم عليه ما دام حيّاً فاستغرق العمر قضاءً، وإن لم يستغرق أداء، وروى المعلى عن أبي يوسف ﵀ في الإحجاج: إن بَرَأَ المريض قبل فراغ المأمور يلزمه الإعادة، وإن بَرَأَ بعد الفراغ لا يلزمه الإعادة، ثُمَّ العجز (٣) إن كان بعذر لا يزول كالعمى والزمانة جاز أن يُحَجُّ عنه لقيام العذر الدائم، وإن كان عجزاً بعذر يُرجى زواله كالمرض، والحبس فإن استمر إلى الموت حُكم بوقوع الإحجاج موقع الفرض للعذر. وإن صح فعليه حجة الإسلام؛ لأن شرط الإحجاج لم يوجد كما [في حق] (٤) الفدية عن الصوم، وإذا أحج الرجل الصحيح رَجِلًا، ثُمَّ عجز لم يجزه عن الحجّة لفقد العذر حالة الإحجاج، كذا في «الفوائد» (٥)، و «فتاوى الولوالجي» (٦). وفي الحجّ النفل يجوز الإنابة فيكون للآمر ثواب النفقة فيه بالاتفاق أما على قول شيخ الإسلام فظاهر، وأما على قول شمس الأئمة ﵀ فكذلك؛ لأن وقوع أصل الحجّ عن الآمر بما روينا من حديث الخثعمية، وأنه وارد في الفرض لا في النفل، كذا في «الفوائد» (٧).

стр. 1537

(فهي عن الحاج، ويضمن النفقة؛ لأن الحجّ يقع عن الآمر حتى لا يخرج الحاج عن حجة الإسلام). فلا طباق بين المدلول والدليل كما ترى، ولكن هذا التعليل تعليل حكم غير مذكور، وتقدير الكلام، ويضمن النفقة؛ لأنه خالفهما، وإنما لا يضمن النفقة إذا وافق أمر الآمر؛ لأن الحجّ حينئذٍ يقع عن الآمر حتى لا يخرج الحاج عن حجة الإسلام، وهاهنا قد خالف، فلا يقع الحجّ عن الآمر، بل يقع عن المأمور (١) فكان هذا التعليل تعليلًا لمّا إذا وقع الحجّ عن الآمر، وهو في صورة عدم مخالفة المأمور للآمر، وإلا لا مطابقة بين الدليل والمدلول. وقال: ([حتى] (٢) لا يخرج). بالرفع؛ لأن الحكم ثابت. (ولا يمكنُ إيقاعه عنْ أحدهما لعدمِ الأولوية). بمنزلة امرأة زوجت نفسها من رجلين. (فإنْ مضى عَلى ذَلك). أي: لم يعين أحدهما؛ لأن فعل/ النائب كفعل المنوب فيما إذا وافق، وفعل المنوب حالة الأداء مبهمًا عن نفسه، وغيره لا يصح، فكذا فعل من قام مقامه. (بخلافِ ما إذا لم يعين حجة أو عمرة). بأن قال: لبيك اللهم لبيك، ولم يقل حجة أو عمرة على ما ذكرنا؛ لأن الملتزم هناك مجهول، وهنا المجهول من له الحق فجهالة الملتزم غير مانعة لوجوب التعيين، وأما جهالة من له الحق مانعة بدليل مسألة الإقرار، فإنه إذا أقر بمجهول لمعلوم صح، فيجب التعيين بأن قال: لفلان عليّ شيء، ولو أقر لمعلوم بمجهول لا يصح بأن قال لواحد من الناس: عليّ ألف درهم. (أنَّ الإحرامَ شُرع وسيلةً إلى الأفعالِ (٣) لا مقصوداً). بدليل صحة تقديمه على وقت الأداء، وهو أشهر الحجّ. (فاكتفى به شرطًا). أي: فاكتفى بالإحرام المبهم من حيث أنه شرط. (ولا يلزمُ على ما ذكرنا من وجهِ الاستحسانِ) وهي (٤) مسألة الوكالة، وهي أن رجلين أمر كل واحد منهما رجلًا بأن يشتري له عبدًا فاشترى عبداً، ونوى عن أحدهما يصير العبد للمشتري قال فخر الإسلام ﵀ في جوابها: "أنه لا رواية فيها، وإنما الرواية فيما إذا أطلق الشراء، فإنه يتعين بحكم النقد، وأما إذا أبهم فيحتمل أن يصير مخالفاً؛ لأنه بمنزلة الأداء هاهنا، ولا نص في مسألتنا في الإطلاق، ويجب أن يصح التعيين هاهنا بالإجماع). (أنْ يقرنَ عنه فالدم على منْ أحرم؛ لأنه وجبَ شكراً لما وفقه الله). فإن قلتَ: لما كان هذا دم شكر ينبغي أن يجب على الآمر؟ لأن المنتفع بمنفعة شكر القران إنما هو الآمر حتى سقطت عنه حجة الإسلام مع تضمن فضيلة القران.

стр. 1538

قلتُ: إن هذا الدم دم نسك كسائر المناسك، وسائر المناسك على المأمور فكذا هذا، ألا ترى أنه إذا عجز عن الهدي كان الصوم عليه. وحاصله: أن الدماء ثلاثة أنواع: ما يجب جزاء على جناية كجزاء الصيد ونحوه، وما يجب نسكًا كدم القران والمتعة، وما يجب مؤنة كدم الإِحْصَار فكلها على المأمور سوى دم الإِحْصَار، فإنه مختلف فيه على ما هو المذكور في الكتاب. (وأذنا له بالقِرانِ فالدمُ عليه) (١). وإنما قُيد بقوله: (وأذنا له) فإنه لو (٢) لم يأذنا له بالقران لا يجوز له أن يجمع بينهما لأجلهما، فلو قرن كان مخالفًا كذا في «المبسوط» (٣)، فإن قلتَ: في هذه المسألة شبهتان، إحديهما: هي أن وجوب الدم عليه غير منحصر بإذنهما له بالقران، فإنه لو لم يأذنا له أيضًا فقرن هو كان الدم عليه، فلم يبق للتقييد به فائدة. (والثانية: هي أن القران أفضل من الإفراد عندنا) أي: إفراد كل واحدٍ من الحجّة، والعمرة على ما مرّ بيانه [فحينئذٍ] (٤) كان القارن بهما آتيًا بما هو أفضل الأمرين، فلا يكون مخالفًا، فلو ثبت مخالفته إياهما إنما تثبت باعتبار أن الحجّة والعمرة المنفردتين كانتا أفضل من القران، فحينئذٍ يثبت مذهب الخصم. قلتُ: أما الجواب عن الأولى: فإن فائدة التقييد بالإذن لدفع وهم وجوب الدم على الآمر، وذلك الوهم إنما يتأتى عند الإذن، فأما إذا لم يأذنا بالقران، فقرن هو كان مخالفًا لأمرهما فلا يُشكل [حينئذٍ] (٥) وجوب الدم على المأمور؛ لأن القران وقع له فكان دمه واجبًا عليه أيضًا؛ لأن وجوب الشكر على من أنعم عليه. وأما الجواب على (٦) الثانية: أن ثبوت مخالفة أمرهما لم ينشأ من الإفراد بالحجّة، والعمرة أفضل من القران، بل باعتبار أن المأمور ما أتى بسفر خالص لواحد منهما فلم يكن مستوجبًا للنفقة في مال واحد منهما، فكان مخالفاً. ألا ترى أن المأمور بالحجّ إذا قرن كان مخالفاً عند أبي حنيفة ﵀ مع أن القران أفضل من الحجّ المفرد بالإجماع من غير خلاف لأحد، لا باعتبار أن القران أنقص من إفراد الحجّ، بل باعتبار أن المأمور بالحجّ كان مأمورًا بإنفاق المال في سفر مجرد للحج، وسفره هذا ما تجرد للحج بل بالحجّ والعمرة جميعًا فكان مخالفًا إلى هذا أشار في «المحيط» أن الآمر هو الذي أدخله في هذه العهدة، فعليه خلاصه كالعبد إذا أحرم بإذن مولاه، ثُمَّ أُحصر كان عليه إخراجه يوضحه أن دم الإِحْصَار بمنزلة نفقة الرجوع، ونفقة الرجوع في مال الميت، وإن كان الحاج هو المنتفع به، فكذلك دم الإِحْصَار في ماله، وإن كان الحاج هو المنتفع به، ولا ضمان عليه فيما أنفق؛ لأنه لم يكن مخالفًا لأمر الميت فيما أنفق، ألا ترى أنه لو مات في الطريق لم يضمن/ ما أنفق فكذلك إذا أُحصر كذا في «المبسوط» (٧).

стр. 1539

(لأنه صلة). والصلة عبارة عن أداء مال ليس بمقابلته عوض مالي. [قوله] (١): (وغيرها). كالنذور، والكفارات. (لأنَّ الصحِيحَ هو المأمور به). أي: الحجّ الصحيح هو المأمور به دون الفاسد، ثُمَّ لمّا لم يكن الفاسد مأمورًا به كان ما أداه من الفاسد واقعا عن الحاج، فكذلك يجب الدم في ماله أيضًا. ثُمَّ لما قضى الحجّ في السنة الثانية على وجه الصحة لا يسقط به حج الميت؛ لأنه لمّا خالف في السنة الماضية بالإفساد صار الإحرام واقعًا عن المأمور، والحجّ الذي يأتي به في السنة القابلة قضاء ذلك الحجّ فكان واقعا عن المأمور أيضًا، كذا في «الجامع الصغير» (٢) لقاضي خان، وقال: لمّا بيّنا، ولمّا قلنا: راجع إلى قوله: (لأنه دم جناية، وهو الجاني عن اختيار). وفي «المبسوط» (٣): وكل دم يلزم المُجهَّز، يعني: الحاج عن غيره فهو عليه في ماله؛ لأنه إن كان دم نُسك فإقامة المناسك عليه، وإن كان دم كفارة فالجناية وجدت منه، وإن كان دمًا بترك واجب، فهو الذي ترك ما كان واجبًا عليه، فلهذا كانت هذه الدماء عليه في ماله إلا دم الإِحْصَار، فإنه في مال المحجوج عنه في قول أبي حنيفة، ومحمد ﵀ وقد ذكرناه. أما الأول هو اعتبار الثلث. وحاصل ذلك: أن عند أبي حنيفة ﵀ يوجد ثلث ما بقي فيحج به مرة أخرى، ويجعل الهالك كأن لم يكن، وعلى قول أبي يوسف ﵀ أن (٤) [ما] (٥) بقي من الثلث الأول، وهو ثلث جميع المال مقدار ما يمكن أن يحج به، يحج عنه بما بقي، وإلا فتبطل الوصية، وعلى قول محمد تبطل الوصيةسواء بقي من الثلث الأول شيء أو لم يبق، بيانه (٦) إذا مات الرجل وترك أربعة آلاف، وأوصى بأن يُحج عنه، وكان مقدار الحجّ ألف درهم فأخذ الوصي (٧) ألفاً، ودفعها إلى الذي يحج [عنه] (٨)، فُسرق في الطريق في قول أبي حنيفة يؤخذ ثُلث ما بقي من التركة، وهو ألف درهم، وإن سرقت ثانيًا يؤخذ، ثلث ما بقي أخرى هكذا، وعند أبي يوسف يؤخذ ما بقي من ثلث جميع المال، وذلك ثلاثُمَّائة وثلاثة وثلاثون وثلث؛ وذلك لأن ثلث أربعة آلاف درهم ألف درهم وثلاثُمَّائة وثلاثون وثلث درهم، فلما دفع الوصي من هذا المجموع إلى الذي يحج عنه ألف درهم بقي هذا المقدار، فيُحج به فإن سُرق ثانيًا لا يؤخذ مرة أخرى.

стр. 1540

وفي قول محمد: إذا سُرقت الألف التي دفعها بطلت الوصية، ولا يؤخذ منه مرة أخرى سواء بقي من الثلث الأول شيء أو لم يبق. وهذا الاختلاف بينهم إذا هلك المال أو سُرق في يد النائب حتى لو هلك المال في يد الوصي قبل الدفع إلى النائب بعدما قاسم الورثة، يُحج عنه من ثلث ما بقي بالاتفاق، ثُمَّ وثُمَّ إلى أن يبقى من المال حبة كذا ذكره الإمام قاضي خان، والإمام المحبوبي ﵀. وأما الثاني: وهو اعتبار المكان في الحجّ. وذكر الإمام المحبوبي: وهذا الاختلاف في المكان فيما إذا خرج النائب ليحج عن الآمر، ثُمَّ مات أو خرج الموصي بنفسه للحج، ثُمَّ مات في الطريق، وأما لو خرج رجل من بلده تاجرًا لا للحج، ثُمَّ مات، وأوصى بأن يُحج عنه، فإنه يُحج عنه من وطنه اتفاقًا، وحاصل الاختلاف راجع إلى أن ما أدى من بيته من الحجّ هل يبطل بالموت؟ فعند أبي حنيفة ﵀ يبطل، وعندهما لا يبطل، وكأنه حي فيجوز البناء عليه. قوله ﵀: (انقطع عمله إلا من ثلاث). الحديث. تمامه: (علم علمه الناس، وصدقة جارية، وولد صالح يدعو له بالخير) (١)، وهذا ليس من هذه (٢) الثلاث فإذا بطل عمله في حق أحكام الدنيا وجب الاستئناف، ألا ترى أنه لو أحرم، ثُمَّ مات ينقطع ذلك الإحرام حتى لا يُبنى عليه كذا ذكره الإمام قاضي خان. فإن قلتَ: هذا الحديث متروك الظاهر، فكيف يصح التمسك في إثبات المُدعى (٣)، فإن الأعمال الصالحة التي عملها ابن آدم غير منقطعة، فإنه يثاب عليها، وظاهره يقتضي الانقطاع في جميع الأعمال سوى المستثنى وليس كذلك. قلتُ: وجه التمسك به ظاهر؛ لأن المذكور في الحديث لفظ الانقطاع، وذلك لا يكون إلا فيما نحن فيه، وهو ما إذا شرع في العمل، ولم يتمّه بعد؛ لأن العمل الذي أتمّه لا يتصور فيه الانقطاع، ولكن يتصور فيه البطلان/ بمبطل، والعياذ بالله من ذلك، وليس كلامنا فيه وكذلك العمل الذي لم يشرع فيه لا يُتصور الانقطاع؛ لأنه غير موجود، والمنقطع موجود فتعيّن ما قلنا لانحصار إطلاق العمل عقلاً في هذه الثلاث. ثُمَّ تأخير تعليلهما عن تعليل أبي حنيفة ﵀ يحتمل أن يكون قولهما هو المختار عند المصنف ﵀ لمّا أن قولهما استحسان، وقول أبي حنيفة ﵀ قياس، والمأخوذ في عامة الصور حكم الاستحسان دون القياس، ولأن ظاهر الآية يعضد قولهما، وأصل الاختلاف في الذي يحج بنفسه، وهو أن يخرج الرجل حاجًا من وطنه، فلما بلغ الكوفة مثلاً مات، وأوصى بأن يُحج عنه من وطنه، وهو قول أبي حنيفة ﵀ وفي الاستحسان من حيث مات، وهو قولهما بخلاف المأمور على ما فرّقنا من قبل، وهو قوله:

стр. 1541

(لأنه متبرع بجعل ثواب عمله لأحدهما) إلى آخره. والله أعلم بالصواب. بَابُ الهدي لمّا كثر دَور لفظ الهدي فيما تقدم من المسائل نسكًا، وجزاء، ومؤنة احتاج إلى بيان الهدي، وما يتعلق به من المسائل فلما لم يخلُ وجوبه عن أحد هذه الأشياء؛ أخر ذكره عن ذكر هذه الأشياء، وقد بيّنا المعنى فيما سبق، وهو قوله بعد ذكر رواية ابن عباس: (ولأن الجنابة أغلظ من الحدث)، وقال: (أو لأنه أعلى أنواع الارتفاق، فَيتغلّظ موجبه). (ويجوزُ الأكلُ منْ هدي التطوع). ما يجوز في الهدايا وما لا يجوز أي: للمُهدي، وللأغنياء أما للأغنياء، فيجوز لهم الأكل (١) من جميع الهدايا هذا إذا ذبح هدي التطوع في محله، وهو مكة. وأما إذا ذبحه في الطريق، أو عطب لا يجوز له الأكل من هدي التطوع، فيجوز من هدي الواجب على ما يجيء بعد هذا في الكتاب. وذكر في «مبسوط شيخ الإسلام» (٢): ونوع من الهدايا لا يجوز الأكل منها، وهي دماءالكفارات، والنذور، وهدي الإِحْصَار، وهدي التطوع إذا لم يبلغ محله. (ويستحب له أن يأكل منها). لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (٣)، وأدنى ما يثبت بالأمر هو الاستحباب، ولا ينبغي له أن يتصدق بأقل من الثلث، كذا في «المبسوط» (٤). ("لا تأكل أنت ورفقتك منها شيئًا"). وإنما نهاه، ورفقاؤه أن يتناولوا منها؛ لأنه كان غنيًا مع رفقته، كذا في «المبسوط» (٥)، ولأنه دم نسك حتى يباح التناول منه كالأضحية. وهو من أسباب التحلل في أوانه كالحلق فلذلك متوقت بيوم النحر. (ولا يجبُ التعريف). وقد ذكرنا أن التعريف له معانِ التشبه بأهل عرفة في غيرها من المواضع، والذهاب بالهدايا إلى عرفة. (وتعريف الهدايا) أي: إعلامها بعلامة مثل التقليد، والإشعار، وكل هذا ليس بواجب، ثُمَّ هاهنا يحتمل أن يراد به الثاني (٦) بدلالةٍ. قوله: (فعسى ألا يجدَ منْ يَمسِكُه، فَيحتاج إلى أنْ يُعرف به).

стр. 1542

أي: يذهب به إلى عرفات، ويحتمل أن يراد به الأخير بدلالة (١). قوله: (ولأنه دمُ نسكٍ فيكون مبناه على التشهير). (ثُمَّ إن شاء نحر الإبل في الهدايا قيامًا). وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (٢)، أي: سقطت ما يدل إلى هذا؛ لأن السقوط يكون عن حالة القيام قيامًا. (معقولة اليد اليسرى). أي: معقودة اليد اليسرى، فإن قلتَ: كيف يفيد عقل اليد الواحدة للنحر؟ قلتُ: ليس المراد ذلك بدليل التعليل الذي ذكره الإمام الإسبيجابي في «المبسوط» (٣)، وقال: إنما يعقل اليد اليسرى ليقوم بالثلاث، ولا ينقلب لواحدة، وأما الفائدة: فإن المراد منه أن يضم الساق مع الفخذ بعد رفع ساقه منحنية إلى فخذه، ويربط/ عليها كما يربط كذلك عند البروك فتحصل الفائدة، وذكر في «المبسوط» (٤)، وحُكى عن أبي حنيفة قال: "نحرت بيدي بدنة قائمة معقولة فكدت أهلك قيامًا من الناس؛ لأنها نفرت فاعتقدت أن لا أنحر بعد ذلك باركة معقولة، أو أستعين بمن يكون أقوى عليه منى". (فنَحرَ نيّفًا وستين). النيّف بالتشديد كل ما بين عقدين، وقد يُخفف، وأصله من الواو، وعن المبرد النيّف (٥) من واحدة إلى ثلاث. الجلال: جمع جُلّ، والخُطم: جمع الخطام، وهو حبل يُجعل في عنق البعير، ويُثنى في أنفه. كذا في «المغرب» (٦)، النضح: الرش و [البّل] (٧)، ومنه ينضح ضِرعها بكسر الضاد من حَدَّ ضَرَبَ، كذا في «الديوان» (٨)، و «الصحاح» (٩). (ومنْ سَاقَ هَديا فَعَطب، فإنْ كانَ تطوعًا فليسَ عَلَيه غَيره). أحكام الهدايا قبل الذبح فإن قلتَ: فلم لا يكون هذا بمنزلة أضحية الفقير، فإن الأضحية عليه تطوّع، ومع ذلك لو اشتراها للأضحية يتعين عليه الوجوب أكثر ما يتعين على الغنى حتى أن الغني إذا اشترى أضحية فضلت فاشترى أخرى، ثُمَّ وجد الأولى في أيام النحر كان له أن يضحي بأيهما شاء، ولو كان معسرًا فالواجب (١٠) عليه أن يضحي بهما جميعًا.

стр. 1543

قلتُ: ذاك فيما أوجب الفقير بلسانه في كل واحدة من الشاتين بعدما اشتراها للأضحية، حتى أنه لو لم يوجب على نفسه بلسانه، فلا يجب عليه شيء بمجرد الشراء للأضحية، وذكر في «فتاوى قاضي خان» (١)، ولو اشترى الفقير شاة للأضحية، فماتت أو باعها لا يلزمه أخرى، وكذا لو ضلت، وإن أصابه عيب كثير بأن ذهب أكثر من ثلث الأُذن على قول أبي حنيفة، وعلى قول أبي يوسف ومحمد إذا ذهب أكثر من نصف الأُذن، كذا في «فتاوى قاضي خان» (٢). (لأنَّ الواجبَ باقٍ في ذمته). الذمة عبارة عن معنى يصير المرء به أهلًا للإيجاب والاستحباب، كذا قاله الإمام الأرسابندي (٣) ﵀: العَطَبُ بفتحتين الهلاك من حَدَّ عَلَمَ. والمراد من قوله: (إذا عَطِبَتْ البَدَنة) (٤). أي: قربت إلى الهلاك؛ لأن النحر يُعد حقيقة الهلاك لا يتصور، وبهذا خرج الجواب لسؤال من قال: إن هذا مكرر بما ذُكر أولًا بقوله: (ومن ساقَ هَديًا فَعَطب) (٥). لأنّا نقول ذلك في حقيقة الهلاك، وهذا في القُرب إلى الهلاك. الجَزرُ بفتحتين اللحم الذي يأكله السباع. (وصنع بها ما شاء). سواء أكل أو باع، ودم الإِحْصَار جائز فيلحق بجنسه، وهو الدماء الجابرة كدم الجنايات [قوله] (٦): (على ما تقدم). إشارة إلى ما ذُكر قبيل باب القران، بقوله: (وتقليد الشاة غير معتاد وليس بسنة). ولكن لم يذكر هناك عدم الفائدة، ونحن قد ذكرناه في ذلك الموضع، والله أعلم. قوله (٧) (مَسَائلُ مَنثورَة) (٨): فمن دأب المصنفين ذكر (٩) ما شذَّ من الأبواب المتقدمة في آخر الأبواب لتتميم الفائدة، وتكثير العائدة وهذا كذلك.

стр. 1544

(أهْلُ عَرَفَة إذا وَقَفُوا في يوم) إلى آخره. وصورة ذلك أن يشهدوا أنهم رأوا هلال ذي الحجّة في ليلة كان اليوم الذي وقفوا فيه اليوم العاشر. وللاستحسان وجهان: أحدهما: أن هذه شهادة قامت على النفي، وهو نفي جواز الوقوف فلا يُقبل، والثاني: أن شهادتهم مقبولة؛ لأنها قامت على الإثبات صورة، ولكن حَجَّتهم (١) جائز؛ لأنه لم يظهر بهذه الشهادة أنهم لم يقفوا في وقته قال ﷺ : «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وعرفتكم يوم تعرفون، وأضحيتكم يوم تضحون» (٢) أراد بذلك أن وقت الوقوف بعرفة اليوم الذي هو عرفة عندكم، وقد وقفوا في ذلك اليوم، وكان الشيخ الإمام السرخسي يحكي عن أستاذه الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني (٣) ﵀ أنه كان يقول: "هذه المسألة من خواص هذا الكتاب"، أي: «الجامع الصغير» (٤)، (ينبغي للحاكمِ أنْ لا يسمعَ هذهِ الشهادة). أصلاً، ولكن إذا جاءوا ليشهدوا بذلك قال لهم: قد تمّ حج الناس بالوقوف في يوم عرفة عندهم، فليس في شهادتكم منفعة للناس، وإنما فيها إيقاع الفتنة، وإفساد الحجّ على الناس فانصرفوا، ولا حاجة بنا إلى هذه الشهادة التي تهيج الفتنة كذا في جامعي قاضي خان، والمحبوبي. (ومن رمى في اليوم الثاني) (٥) إلى آخره. يعني: رمي رجل في اليوم الثاني الجمرة الوسطى والثالثة، ولم يرم الأولى، ثُمَّ جاء يستغني في ذلك اليوم فالحكم ما ذكر، واعلم بأن الحاج في اليوم الثاني من أيام النحر يرمي بعد زوال الشمس في ثلاثة موضع يبدأ بالجمرة التي تلي المسجد، ثُمَّ بالوسطى، ثُمَّ بالعقبة [فإن بدأ بالوسطى ثُمَّ بالعقبة] (٦) فإن بدأ بالوسطى، ثُمَّ بالثالثة، ولم يرم الأولى فإن أعاد الأولى أجزأه؛ لأنه أتى بأصل الرمي في وقته فإنما ترك المسنون من الترتيب، وذلك لا يوجب شيئاً عليه، وإن أعاد

стр. 1545

الجمار الثلاث فحسن لما فيه من مراعاة سنة الترتيب، وهو نظير ما سبق أن الطائف إذا دخل الحطيم في طوافه لا ينبغي له ذلك، فإن أعاد على الحطيم أجزأه، وإن أعاد الطواف كله كان حسنًا كذا ذكره الإمام المحبوبي. قوله ﵀: (وقال الشافعي لا يجزيه ما لم يُعد الكل). اعلم أن أصحابنا، والشافعي (١) ﵀ كلهم (٢) عكسوا هنا ما (٣) قالوا في اشتراط ترتيب الفوائت في الصلاة، فإن الترتيب عندنا في الصلاة شرط خلافًا له، وهاهنا على العكس فكلٌ احتاج إلى الفرق، والشافعي يقول: الصلوات كل واحدة منها مقصودة بنفسها، فلا تكون تبعًا لغيرها، وأما جمرات اليوم كلها فواحدة بدليل أنه يجب دم واحد بترك الكل، عُلم أن الجمرة الأخيرة مرتبة على الأولى لضرورة القول بالاتحاد، وعلماؤنا قالوا: كل جمرة مقصودة بنفسها؛ لأن كل واحدة منها متعلقة ببقعة على حدة، والبقعة في باب الحجّ أصل فكان ما شُرع فيه أصلاً أيضًا، فلا يتعلق جواز البعض بالبعض. ألا ترى أنه لو أعاد على الترتيب كان مؤديًا لا قاضيًا، وأما في الصلاة فقد جاء النص بأن ما صلى من غير رعاية الترتيب صلاة قبل وقتها، ويتعلق جواز بعضها بالبعض إلى هذا أشار في «الأسرار» (٤). (لأنه دونه): أي: لأن السعي دون الطواف، أي: أحطُ منزلة من الطواف؛ لأن الطواف فرض كطواف الزيارة أو من جنس الفروض كما في طواف القدوم، وأما السعي فواجب على كل حال فكان دون الطواف فصلح أن يكون تابعًا للطواف. (والْمَروَةُ عُرِفَتْ مُنْتَهى السَّعِي بالنَّصِّ). وهو قوله ﷺ : «ابْدَؤُوا بما بدأ الله» (٥) أراد به قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٦)، وهذا إشارة إلى الوجوب، وهو قوله: (لا يركب حتى يطوف). وهو رواية «جامع الصغير» (٧)، وهو الصحيح؛ لأنه التزم الحجّ بصفة الكمال كذا في «الجامع الصغير» (٨) لقاضي خان ﵀.
следующие страницы →