← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

(لأنه متبرع بجعل ثواب عمله لأحدهما) إلى آخره. والله أعلم بالصواب. بَابُ الهدي لمّا كثر دَور لفظ الهدي فيما تقدم من المسائل نسكًا، وجزاء، ومؤنة احتاج إلى بيان الهدي، وما يتعلق به من المسائل فلما لم يخلُ وجوبه عن أحد هذه الأشياء؛ أخر ذكره عن ذكر هذه الأشياء، وقد بيّنا المعنى فيما سبق، وهو قوله بعد ذكر رواية ابن عباس: (ولأن الجنابة أغلظ من الحدث)، وقال: (أو لأنه أعلى أنواع الارتفاق، فَيتغلّظ موجبه). (ويجوزُ الأكلُ منْ هدي التطوع). ما يجوز في الهدايا وما لا يجوز أي: للمُهدي، وللأغنياء أما للأغنياء، فيجوز لهم الأكل (١) من جميع الهدايا هذا إذا ذبح هدي التطوع في محله، وهو مكة. وأما إذا ذبحه في الطريق، أو عطب لا يجوز له الأكل من هدي التطوع، فيجوز من هدي الواجب على ما يجيء بعد هذا في الكتاب. وذكر في «مبسوط شيخ الإسلام» (٢): ونوع من الهدايا لا يجوز الأكل منها، وهي دماءالكفارات، والنذور، وهدي الإِحْصَار، وهدي التطوع إذا لم يبلغ محله. (ويستحب له أن يأكل منها). لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (٣)، وأدنى ما يثبت بالأمر هو الاستحباب، ولا ينبغي له أن يتصدق بأقل من الثلث، كذا في «المبسوط» (٤). ("لا تأكل أنت ورفقتك منها شيئًا"). وإنما نهاه، ورفقاؤه أن يتناولوا منها؛ لأنه كان غنيًا مع رفقته، كذا في «المبسوط» (٥)، ولأنه دم نسك حتى يباح التناول منه كالأضحية. وهو من أسباب التحلل في أوانه كالحلق فلذلك متوقت بيوم النحر. (ولا يجبُ التعريف). وقد ذكرنا أن التعريف له معانِ التشبه بأهل عرفة في غيرها من المواضع، والذهاب بالهدايا إلى عرفة. (وتعريف الهدايا) أي: إعلامها بعلامة مثل التقليد، والإشعار، وكل هذا ليس بواجب، ثُمَّ هاهنا يحتمل أن يراد به الثاني (٦) بدلالةٍ. قوله: (فعسى ألا يجدَ منْ يَمسِكُه، فَيحتاج إلى أنْ يُعرف به).

стр. 1542

أي: يذهب به إلى عرفات، ويحتمل أن يراد به الأخير بدلالة (١). قوله: (ولأنه دمُ نسكٍ فيكون مبناه على التشهير). (ثُمَّ إن شاء نحر الإبل في الهدايا قيامًا). وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (٢)، أي: سقطت ما يدل إلى هذا؛ لأن السقوط يكون عن حالة القيام قيامًا. (معقولة اليد اليسرى). أي: معقودة اليد اليسرى، فإن قلتَ: كيف يفيد عقل اليد الواحدة للنحر؟ قلتُ: ليس المراد ذلك بدليل التعليل الذي ذكره الإمام الإسبيجابي في «المبسوط» (٣)، وقال: إنما يعقل اليد اليسرى ليقوم بالثلاث، ولا ينقلب لواحدة، وأما الفائدة: فإن المراد منه أن يضم الساق مع الفخذ بعد رفع ساقه منحنية إلى فخذه، ويربط/ عليها كما يربط كذلك عند البروك فتحصل الفائدة، وذكر في «المبسوط» (٤)، وحُكى عن أبي حنيفة قال: "نحرت بيدي بدنة قائمة معقولة فكدت أهلك قيامًا من الناس؛ لأنها نفرت فاعتقدت أن لا أنحر بعد ذلك باركة معقولة، أو أستعين بمن يكون أقوى عليه منى". (فنَحرَ نيّفًا وستين). النيّف بالتشديد كل ما بين عقدين، وقد يُخفف، وأصله من الواو، وعن المبرد النيّف (٥) من واحدة إلى ثلاث. الجلال: جمع جُلّ، والخُطم: جمع الخطام، وهو حبل يُجعل في عنق البعير، ويُثنى في أنفه. كذا في «المغرب» (٦)، النضح: الرش و [البّل] (٧)، ومنه ينضح ضِرعها بكسر الضاد من حَدَّ ضَرَبَ، كذا في «الديوان» (٨)، و «الصحاح» (٩). (ومنْ سَاقَ هَديا فَعَطب، فإنْ كانَ تطوعًا فليسَ عَلَيه غَيره). أحكام الهدايا قبل الذبح فإن قلتَ: فلم لا يكون هذا بمنزلة أضحية الفقير، فإن الأضحية عليه تطوّع، ومع ذلك لو اشتراها للأضحية يتعين عليه الوجوب أكثر ما يتعين على الغنى حتى أن الغني إذا اشترى أضحية فضلت فاشترى أخرى، ثُمَّ وجد الأولى في أيام النحر كان له أن يضحي بأيهما شاء، ولو كان معسرًا فالواجب (١٠) عليه أن يضحي بهما جميعًا.

стр. 1543

قلتُ: ذاك فيما أوجب الفقير بلسانه في كل واحدة من الشاتين بعدما اشتراها للأضحية، حتى أنه لو لم يوجب على نفسه بلسانه، فلا يجب عليه شيء بمجرد الشراء للأضحية، وذكر في «فتاوى قاضي خان» (١)، ولو اشترى الفقير شاة للأضحية، فماتت أو باعها لا يلزمه أخرى، وكذا لو ضلت، وإن أصابه عيب كثير بأن ذهب أكثر من ثلث الأُذن على قول أبي حنيفة، وعلى قول أبي يوسف ومحمد إذا ذهب أكثر من نصف الأُذن، كذا في «فتاوى قاضي خان» (٢). (لأنَّ الواجبَ باقٍ في ذمته). الذمة عبارة عن معنى يصير المرء به أهلًا للإيجاب والاستحباب، كذا قاله الإمام الأرسابندي (٣) ﵀: العَطَبُ بفتحتين الهلاك من حَدَّ عَلَمَ. والمراد من قوله: (إذا عَطِبَتْ البَدَنة) (٤). أي: قربت إلى الهلاك؛ لأن النحر يُعد حقيقة الهلاك لا يتصور، وبهذا خرج الجواب لسؤال من قال: إن هذا مكرر بما ذُكر أولًا بقوله: (ومن ساقَ هَديًا فَعَطب) (٥). لأنّا نقول ذلك في حقيقة الهلاك، وهذا في القُرب إلى الهلاك. الجَزرُ بفتحتين اللحم الذي يأكله السباع. (وصنع بها ما شاء). سواء أكل أو باع، ودم الإِحْصَار جائز فيلحق بجنسه، وهو الدماء الجابرة كدم الجنايات [قوله] (٦): (على ما تقدم). إشارة إلى ما ذُكر قبيل باب القران، بقوله: (وتقليد الشاة غير معتاد وليس بسنة). ولكن لم يذكر هناك عدم الفائدة، ونحن قد ذكرناه في ذلك الموضع، والله أعلم. قوله (٧) (مَسَائلُ مَنثورَة) (٨): فمن دأب المصنفين ذكر (٩) ما شذَّ من الأبواب المتقدمة في آخر الأبواب لتتميم الفائدة، وتكثير العائدة وهذا كذلك.

стр. 1544

(أهْلُ عَرَفَة إذا وَقَفُوا في يوم) إلى آخره. وصورة ذلك أن يشهدوا أنهم رأوا هلال ذي الحجّة في ليلة كان اليوم الذي وقفوا فيه اليوم العاشر. وللاستحسان وجهان: أحدهما: أن هذه شهادة قامت على النفي، وهو نفي جواز الوقوف فلا يُقبل، والثاني: أن شهادتهم مقبولة؛ لأنها قامت على الإثبات صورة، ولكن حَجَّتهم (١) جائز؛ لأنه لم يظهر بهذه الشهادة أنهم لم يقفوا في وقته قال ﷺ : «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وعرفتكم يوم تعرفون، وأضحيتكم يوم تضحون» (٢) أراد بذلك أن وقت الوقوف بعرفة اليوم الذي هو عرفة عندكم، وقد وقفوا في ذلك اليوم، وكان الشيخ الإمام السرخسي يحكي عن أستاذه الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني (٣) ﵀ أنه كان يقول: "هذه المسألة من خواص هذا الكتاب"، أي: «الجامع الصغير» (٤)، (ينبغي للحاكمِ أنْ لا يسمعَ هذهِ الشهادة). أصلاً، ولكن إذا جاءوا ليشهدوا بذلك قال لهم: قد تمّ حج الناس بالوقوف في يوم عرفة عندهم، فليس في شهادتكم منفعة للناس، وإنما فيها إيقاع الفتنة، وإفساد الحجّ على الناس فانصرفوا، ولا حاجة بنا إلى هذه الشهادة التي تهيج الفتنة كذا في جامعي قاضي خان، والمحبوبي. (ومن رمى في اليوم الثاني) (٥) إلى آخره. يعني: رمي رجل في اليوم الثاني الجمرة الوسطى والثالثة، ولم يرم الأولى، ثُمَّ جاء يستغني في ذلك اليوم فالحكم ما ذكر، واعلم بأن الحاج في اليوم الثاني من أيام النحر يرمي بعد زوال الشمس في ثلاثة موضع يبدأ بالجمرة التي تلي المسجد، ثُمَّ بالوسطى، ثُمَّ بالعقبة [فإن بدأ بالوسطى ثُمَّ بالعقبة] (٦) فإن بدأ بالوسطى، ثُمَّ بالثالثة، ولم يرم الأولى فإن أعاد الأولى أجزأه؛ لأنه أتى بأصل الرمي في وقته فإنما ترك المسنون من الترتيب، وذلك لا يوجب شيئاً عليه، وإن أعاد

стр. 1545

الجمار الثلاث فحسن لما فيه من مراعاة سنة الترتيب، وهو نظير ما سبق أن الطائف إذا دخل الحطيم في طوافه لا ينبغي له ذلك، فإن أعاد على الحطيم أجزأه، وإن أعاد الطواف كله كان حسنًا كذا ذكره الإمام المحبوبي. قوله ﵀: (وقال الشافعي لا يجزيه ما لم يُعد الكل). اعلم أن أصحابنا، والشافعي (١) ﵀ كلهم (٢) عكسوا هنا ما (٣) قالوا في اشتراط ترتيب الفوائت في الصلاة، فإن الترتيب عندنا في الصلاة شرط خلافًا له، وهاهنا على العكس فكلٌ احتاج إلى الفرق، والشافعي يقول: الصلوات كل واحدة منها مقصودة بنفسها، فلا تكون تبعًا لغيرها، وأما جمرات اليوم كلها فواحدة بدليل أنه يجب دم واحد بترك الكل، عُلم أن الجمرة الأخيرة مرتبة على الأولى لضرورة القول بالاتحاد، وعلماؤنا قالوا: كل جمرة مقصودة بنفسها؛ لأن كل واحدة منها متعلقة ببقعة على حدة، والبقعة في باب الحجّ أصل فكان ما شُرع فيه أصلاً أيضًا، فلا يتعلق جواز البعض بالبعض. ألا ترى أنه لو أعاد على الترتيب كان مؤديًا لا قاضيًا، وأما في الصلاة فقد جاء النص بأن ما صلى من غير رعاية الترتيب صلاة قبل وقتها، ويتعلق جواز بعضها بالبعض إلى هذا أشار في «الأسرار» (٤). (لأنه دونه): أي: لأن السعي دون الطواف، أي: أحطُ منزلة من الطواف؛ لأن الطواف فرض كطواف الزيارة أو من جنس الفروض كما في طواف القدوم، وأما السعي فواجب على كل حال فكان دون الطواف فصلح أن يكون تابعًا للطواف. (والْمَروَةُ عُرِفَتْ مُنْتَهى السَّعِي بالنَّصِّ). وهو قوله ﷺ : «ابْدَؤُوا بما بدأ الله» (٥) أراد به قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٦)، وهذا إشارة إلى الوجوب، وهو قوله: (لا يركب حتى يطوف). وهو رواية «جامع الصغير» (٧)، وهو الصحيح؛ لأنه التزم الحجّ بصفة الكمال كذا في «الجامع الصغير» (٨) لقاضي خان ﵀.

стр. 1546

(لأنه التزمَ قربة بِصِفَةِ الكَمالِ). وهو الحج ماشيًا بدليل ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال بعدما كُف بصره «ما تأسفت على شيء كتأسفي على أن لم أحج ماشيًا» (١) فإن الله تعالى قدّم المشاة فقال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (٢)، وقال ﷺ : «من حج ماشيًا (٣) فله بكل خطوة حسنة من حسنات الحرم» قيل: وما حسنات الحرم قال: «كل حسنة بسبعمائة»، وعن الحسن بن علي ﵁ أنه كان يمشي في حجة والجنائب تقاد إلى جنبه، فإن قلتَ: كيف يستقيم هذا؟ وقد كره أبو حنيفة ﵀ المشي في طريق الحجّ قلنا ما كره المشي مطلقًا، وإنما كره الجمع بين الصوم والمشي؛ لأنه إذا فعل ذلك ساء خلقه فجادل رفيقه، والجدال في الحجّ منهي عنه، فإن قيل: ليس للمشي نظير في الفرائض، والواجبات ينبغي أن لا يصح النذرُ به قلنا: لا، بل له أصل فإن المكي الفقير إذا لم يملك الزاد، والراحلة، وأمكنه المشي إلى عرفات وجب عليه الحجّ ماشيًا، وأيدته السنة، وهي ما روي عن عقبة بن عامر الجهني (٤) ﵁ أنه جاء إلى النبي ﷺ ، وقال: يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تحج ماشية حافية، فقال ﷺ : «إن الله لغني عن تعذيب أختك فلتركب، ولتذبح لركوبها شاة» (٥)، وفي بعضها: «ولترق دمًا» (٦)، فلو لم يجب الحجّ ماشيًا لما أوجب الكفارة بالركوب، ثُمَّ لم يذكر محمد في شيء من الكتب من أي موضع يبدأ.

стр. 1547

(وَقِيلَ: مِنْ بَيتِهِ). وهو الأصح؛ لأنه هو المراد به عرفًا، ولهذا كان الأفضل أن يحرم من دويرة أهله، فإن ركب في الكل أراق دمًا، ويدل على وجوب الركوب من وقت الخروج ما رُوي عن أبي حنيفة ﵀ لو أن بغداديًا حلف، وقال: إن كلمت فلانًا، فعلي أن أحج ماشيًا، فلقيه بالكوفة، فكلمه فعليه أن يمشي من بغداد هذا كله من جامعي قاضي خان،/ والمحبوبي، و «الفوائد» (١). (بِخِلافِ النِّكاحِ)؛ لأنه ما كان [للبائع] (٢) أن يفسخه). فكذا للمشتري، وإنما لم يكن للبائع أن يفسخه إذا كان بإذنه لما أن النكاح حق الزوج، فقد تعلق حقه بإذن المالك، فلا يتمكن المالك فسخه، وإن بقى ملكه لتعلق حق العبد به كالراهن، وليس له ولاية (٣) الاستمتاع بالمرهون لتعلق حق المُرتهن به بإذنه، فلما كان كذلك قام المشتري مقامه بعد الشراء، فلذلك لا يكون له حق الفسخ أيضًا. وأما هاهنا فقد اجتمع في الجارية حقان حق الله في الإحرام، وحق المشتري في الاستمتاع، فيُقدم حق العبد لحاجة العبد وعدم حاجة الشرع، ألا ترى أنه إذا اجتمع القصاص، والقتل بقطع الطريق يرى لحق العبد، وهو القصاص، ولأنه ما من شيء إلا ولله تعالى فيه حق، فلو قدم حق الشرع عند الاجتماع يبطل حقوق العباد، وأن الإذن إنما يُحتاج إلى البقاء على الإحرام لا للابتداء، فإنه لو أحرم بغير إذن المالك صح، وله أن يحلله، والبقاء في ملك المشتري، وفي النكاح شرط الإذن في الابتداء، فإنه لا يصح بغير إذن، وقد وجد الإذن، فلم يكن بغيره إبطاله فإن أحرمت الحرة بحجة التطوع، ثُمَّ تزوجت هل للزوج أن يحللها؟ فعلى قول زفر ﵀ "ليس له أن يحللها"، وعلى قول أبي يوسف ﵀: "له أن يحللها" وهو قياس قول أبي حنيفة ﵀ وأما لو أحرمت الحرة بإذن الزوج بحجة التطوع، ثُمَّ أراد الزوج أن يحللها ليس له ذلك بخلاف الأمة؛ لأن الحرة هي المالكة لنفسها غير أن للزوج فيها حقًّا، وحين يأذن لها بالإحرام، فقد أبطل حقه فيها، فلا يتمكن من إبطال إذنه بعد ذلك كالراهن إذا باع الرهن بإذن المرتهن لم يكن للمرتهن أن ينقض البيع بعده لما قلنا فهذا مثله، ثُمَّ المراد من التحليل فسخ الإحرام، ورفضه، وينفسخ الإحرام بتحقيق أدنى شيء من محظوراته في إحرام يقبل الفسخ، وذلك المحظور فعل لا قول كما في

стр. 1548

قلم الظفر وغيره، والأصل فيه حديث عائشة ﵂ قال لها رسول الله ﷺ : «ارفضي عمرتك، وانفضي رأسك، وامتشطي» (١)، وقد ذكرناه فيما قبل هذا كله من شروح (٢) «الجامع الصغير» (٣) لقاضي خان، والمحبوبي، والتمرتاشي، وغيرها، والله أعلم. وقد ادْرَنْفق (٤) بحمد الله مُرْمَعِلًا (٥)، وخطرفَ مُشْمَعِلًا (٦) نوع العبادات التي هي قَيْدُومِ (٧) المشروعات، ومحلّ الموضوعات، فرحم الله أمرأ أبَرّ نَسَق بما خِرْتُ (٨) من صُّمَادِح (٩) النِّكات (١٠)، وبشرم بصيرة من غير تسكير، وتفادي عن إنْباضٌ (١١) بغير تَوْتِيرٍ (١٢)، ولكن من قديمِ تَقَعْوسَ (١٣) بيتِ الإنصاف،

стр. 1549

واقْمَطَرَّ (١) يومه بالإشراق حتى من هو أستاذ العالمين، ونِبْرَاسَ (٢) العالمين الإمام الجلّ شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أبي سهل السّرخسيّ تغمده الله بالرحمة، والرضوان، وأسكنه في فراديس (٣) الجنان بمصميات الدهر، ومُوبِقات (٤) العصر في أيدي الأغنام الملاصق، والعُلوجُ (٥) المَوَارِق (٦) لعن الله من سعى في حبسه، وأخزاهه وأبدّ عقوبته في أخراه حتى قال هو ﵀ هذا آخر شرح العبادات بأفصح المعاني، وأوجز العبارات أملاه المحبوس عن الجمع والجماعات مصليًا على سيد السادات محمد المبعوث بالرسالات، وعلى آله من المؤمنين، والمؤمنات.

стр. 1550

كتاب النكاح وقد ذكرنا في صدر الكتاب أن المعاملات في المشروعات تالية العبادات لما أنّها سبب لِبَقَاءِ الْعَابِدِينَ وَنَسْلِهِم [ثم من بينها] (١) النكاح أقرب منزلة من العبادات حتّى أن التخلي (٢) بالاشتغال بالنكاح كان أفضل من الاشتغال بالنوافل (٣). وتواترت الآثار في تَوْعِيدِ من رَغِبَ عنه وتَحْرِيضِ من رَغِبَ فيه، نعم أنّ الجهاد كذلك إلا أنّ هذا شامل الفضيلتين، وذلك لفضيلة فَذَّة (٤)؛ لأنّ هذا سبب لوجود المسلم والإسلام، وهو سبب لوجود الإسلام لا غير ولا ننس [على] (٥) ما نبهت على فضيلة القرَان على الإِفْرَاد (٦) فإنّه قريب الإيراد ثم للنكاح فضائل، ومحاسن (٧) منها: انضمام الذكر والأنثى ظاهراً، وباطنًا غاية الانضمام إذ لا بقاء لهذا العقد ما لم يوجد/ بينهما الالْتِئَام قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (٨) ومنها المسارعة إلى حكم الله تعالى به بقاء العالم الى حِينه، فإنّ الله تعالى علّق بقاء العالم بالتّوالد والتّناسل ولا يكون ذلك إلا بإتيان الذكر الأنثى (٩) ثم بعد ذلك لا يخلو إما أن يكون بالاختصاص الشّرعي أو لا؛ فإن لم يكن ففيه فسادان:

стр. 1551

أحدهما: الإلحاق بالبهائم، وهو ممّا يأباه بديهة العقل. والثاني: التغالب (١) والتقاتل وهو أساس الفساد وتهيج الضّغائن والأحقاد لتعين القسم الأول وهو النكاح الشّرعي لينقطع طمع من لم يقر بالاختصاص (٢). ومنها: انتظام مصالح العبادات وهي أصل السّعادات وذلك لأن إقامة العبادة لا تتهيّأ إلا بإقامة مصالح البدن والمصالح تتعلّق بداخل البيت وخارجه فلم يكن بد في تحقيق هذه المصالح من الجمع بين الذكر والأنثى ليقوم أحدهما بمصالح خارج البيت والآخر بمصالح داخلة ومنها كفاية مؤنه من لا كفاية فيه ندبا من النسيم وذب المضار الواقعة على الذي أنصف بمشابهة لَحْمٌ عَلَى وَضَمٍ (٣). ومنها: استعمال الحكم الذي هو استنان بسنن النبي الكريم الموصوف بالخلق العظيم عليه أفضل الصلوات والتّسليم وأن يحمل سوء الخلق من أخلاق الأبرار وصيغ الأخيار جاء في الخبر عن عائشة ﵂ أنّها كانت تبكي على جارية كانت لها فقيل لها في ذلك فقالت: (أبكي حسرة على ما فاتني من تحمل السفه عنها والحلم عن سوء خلقها؛ فإنها كانت سيئة الخلق) (٤).

стр. 1552

وكان شيخي (١) ﵀ (٢) كثيراً ما يقول: ما أنفق في حكم من أحكام الشّرع مثل ما أنفق في النكاح من اجتماع دواعي الشّرع والعقل والطّبع، فأمّا دواعي الشّرع من الكتاب والسنة والإجماع فظاهره، وأمّا العقل فإن كلّ عاقلّ يحب أن يبقى اسمه، ولا يُمْحَى رَسْمُه وما ذاك غالب إلا ببقاء النّسل (٣)، ودوام النَّجْل (٤). وأمّا الطّبع فإنّ الطَّبْعَ الْبَهِيمِيَّ من الذكر والأنثى يدعو إلى تحقيق ما أُعِدَّ من الْمُبَاضَعَاتِ الشَّهْوَانِيَّةِ وَالْمُضَاجَعَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ، ولا مَدْحَرَة (٥) فيها إذا كانت بإذن الشّرع وإن كانت بدواعي الطّبع بل يؤجر عليه على ما ذكرنا (٦) بخلاف سائر المشروعات ثم يحتاج ههنا إلى معرفة سبعة أشياء (٧) وهي تفسير النكاح لغة، وشرعًا، وسببه، وشرطه، وركنه، وحكمه، وصفته. أمّا تفسير النكاح لغة فقد ذكر المطرزي (٨): أصل النكاح الوطء، ومنه قول الفرزدق (٩) يذم قوما: إذَا سَقَى اللَّهُ قَوْمًا صَوْبَ غَادِيَةٍ … فَلَا سَقَى اللَّهُ أَرْضَ الْكُوفَةِ الْمَطَرَا التَّارِكِينَ عَلَى طُهْرٍ نِسَاءَهُمْ … وَالنَّاكِحِينَ بِشَطَّيْ دِجْلَةَ الْبَقَرَا (١٠) ثم قيل للتزوج نكاح مجازًا لأنّه سبب للوطئ المباح، ومنه قول الأعشى (١١) شعر: وَلا تَقرَبَنَّ جارَةً إِنَّ سِرِّها … عَلَيكَ حَرامٌ فَاِنكِحَن أَو تَأَبَّدا (١٢) أي: فتزوج أو توحش وتعفف، عليه أراد تأيدن فأبدل الألف من النّون كما يبدل من التّنوين عند الوقف في حالة النّصب (١٣).

стр. 1553

وأمّا ما استشهدوا به من الأبيات وهي: أَنَكَحتُ صُمَّ حَصَاهَا خُفَّ يَعْمَلَة … تَغَشْمَرَتْ بِي إلَيكَ السَّهْلُ وَالْجَبَلَا (١) فهو للمُتَنَبِّي (٢). يقال: انكحوا بحصى أخفاف الإبل إذا ساروا الْيَعْمُلَةُ الناقة النجيبة المطبوعة على العمل (٣) و [التَّغَشْمُرُ] (٤) الأخذ قهراً (٥)، وقوله ﵇: «[نعم] (٦) الختن (٧) القبر» (٨) فكله محال، وأمّا تفسيره شرعًا فعبارة عن وجود ركن النكاح عند وجود شروطه. [أو نقول النكاح شرعًا عبارة عن عقد يجري بين الشّخصين لإرادة استمتاع الرجل من المرأة مقصودًا، فقولنا عقد يجري بين الشخصين جنس يدخل تحته البياعات والإجارات والشركات والنكاح وغيرها، وكذلك لفظ الشّخصين يتناول العاقدين سواء كانا رجلين أو امرأتين أو أحدهما رجل والآخر امرأة اصليين كانا أو نائبتين وقولنا لإرادة استمتاع الرّجل من المرأة فصل حيث يقع به الاحتراز عن سائر التّصرفات سوى النكاح ولكن يحتمل سوى المادية للتَّسَرِّي (٩).

стр. 1554

وقولنا: مقصودًا احتراز عنه] (١) وأمّا سببه فتعلّق البقاء المقدور بتعاطيه بيان هذا أنّ الله تعالى خلق العالم وقدر بقاء جنسه إلى حين القيامة من طريق التناسل ولا تناسل إلا بإتيان الذكور والإناث في مواضع الحدث (٢) فشرع الله تعالى له طريقاً يتأدى به (٣) ما قدروا الله تعالى من غير أن يتّصل به/ فساد ولا ضياع وهو طريق الازدواج (٤) في الملك وضعًا لأنّ الوطءعلى التغالب فساد، وفي الإقدام بغير ملك اشتباه الأنساب وهوسبب لضياع النّسل (٥)، وأمّا شرطه فإنّ له شرطًا خاصاً، وشرطًا عامًا. فأمّا شرطه الخاص فحضور الشّهود فإنّه ليس في ذات العقد، ولا يتم العقد إلا عنده، وهذا هو حدّ الشّرط (٦). وإنّما قلنا: إنّه خاصّ لأنّ اشتراط الشّهود في سائر المواضع ليثبت وجه الحكم للقاضي عند التأكد لا للجواز، وههنا هو شرط لجواز النكاح حتى لا يشرط مجلس القضاء لصحّته ههنا. وأمّا شرطه العام فالأهليّة (٧) من وجود العقل، والبلوغ، وهو شرط عام في تنفيذ كلّ تصرفي دائر من الضّرر والنّفع، وكذلك المحل وهو المرأة التي أحلّها الشّرع بالنكاح وهي ما سوى المحرمات فإن محلّ كلّ تصرف شرط لنفوذ تلك التّصرف الوارد عليه. وكذلك الحريّة شرط فإنّ العبد أو الأمة إذا تزوج بدون إذن المولى لا ينعقد النكاح. وأمّا ركنه (٨) فالإيجاب والقبول (٩) بألفاظه (١٠) كما في سائر العقود إلا أن هذا العقد لا ينعقد بالتعاطي (١١) مبالغة في صيانة الأبضاع من الهتك وصيانة الأنساب من الاشتباه (١٢).

стр. 1555

ويعني بالإيجاب إخراج الممكن من الإمكان إلى الثبوت والتحقق لا الإيجاب الذي هو أن يكون تاركه آثمًا لعدم ولاية الموجب على القبول، ثم المعنى بالإيجاب هو ما تلفظ به أولاً من أيّ جانب كان من الرجل والمرأة وأمّا حكمه فثبوت الحل والملك له عليها ووجوب المهر (١) لها عليه وثبوت حرمة المصاهرة من طرفي كلّ واحد منهما للآخر أعني بالطّرفين الوالد والد وحرمة الجمع بين الأختين وغيرها لكن الحكم القصدي هو الأوّل والآخر كالتّابع له. وأمّا صفته فإن كان له خوف وقوع الزّنا بحيث لا يتمكّن من التّحرز عن الزّنا إلا به كان فرضاً لأنّ التّحرز عن الزنا (٢) فرض (٣) وما لا يتوسل الْفَرْض إلا به كان فَرْضًا (٤) وإن كانت نفسه لا تَتَوَّق (٥) إلى النّساء ويقدر إلى إيفاء حقوقهن فالنكاح أفضل من التَّخَلِّي لنوافل العبادات عندنا (٦) خلافاً للشّافعي (٧) كذا في الْمَبْسُوطِ (٨) (٩) والتحفة (١٠) (١١) وغيرهما.

стр. 1556

[قوله ﵀] (١) النِّكَاح ينْعَقد بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُول (٢) قال الإمام بدر الدين الورسكي ﵀ (٣): النكاح عبارة عن معنى شرعي يثبت في المحلّ. وقولنا: زوّجت وتزوّجت آلة انعقاد ذلك المعنى. وقوله: بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُول (٤)؛ يشير إلى هذا المعنى لأنّ الباء تدخل على الآلة يُعَبّر بهما عَن الْمَاضِي (٥)؛ أي بلفظ وتبيّن لأن التعبير والعبارة البيان. قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (٦) أي تبينون وإنّما اختير لفظ الماضي للإنشاء وهو إثبات أمر لم يكن لبدلّ على التحقق والثبوت فكان أدّل لقضاء الحاجة ثمّ صورة العبارتين بالماضي نحو أن يقول أحدهما: زوّجت ويقول الآخر: قبلت وبالآخر عَن الْمُسْتَقْبل مثل أَن يَقُول زَوجنِي (٧)؛ لأنّ الأمر للاستقبال لأنه لطلب الفعل في المستقبل (٨) وذكر في نكاح فتاوى سمرقند: (٩) إذا قال لغيره: (دختر خويش مراره) فقال: (دادم)، (١٠) ينعقد النكاح وإن لم يقل الخاطب: (يذرفتم)، ولو قال: (مراد ادي) فقال: (دادم)، لا ينعقد النكاح ما لم يقل الخاطب: (يذرفتم)، والفرق أن قوله (ده أمر) وتوكيل والواحد يصلح وكيلاً من الجانبين في النكاح وقوله: (دادي)، استخبار فلا يثبت التوكيل به قالوا إلا إذا أراد بقوله: (دادي) التّحقيق دون السّوم، فحينئذ ينعقد النكاح وإن لم يقل الخاطب (يذرفتم)، وعن نجم الدّين النّسفي-﵀ (١١) أنّه كان يقول ينبغي أن يقول الخاطب (خويش بزني دادي) وتقول المرأة (خويش بزني دادم) لأنّ في انعقاد النكاح بدون ذكر (بزنى) اختلاف المشايخ فلابد من ذكر هذه الزّيادة لتصير المسألة متّفقاً عليها (١٢) كذا في (الذّخيرة) (١٣) على ما نبينه إن شاء الله تعالى أي في أوّل فصل الوكالة في النكاح.

стр. 1557

قوله: ﵀ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ فِي مَحَلِّهَا (١) احتراز عن تمليك الغلمان والبهائم وغيرها فإنّ تمليكها ليس بسبب لملك المتعة التي هي الوطئ وحجّتنا أيضاً في هذا قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢) فوهبت نفسها له فقد جعل الله الهبة جواباً للاستنكاح وهو طلب النكاح (٣) / فأمّا قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ (٤) فالأصحّ أنّ المراد هبة خالصة لأنّ قوله: ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾ (٥) يقتضي هبة فكان المعنى هبة خالصة لا يلزمك مهر لها وهذا لك دون المؤمنين. ألا ترى أنّه قال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ (٦) يعني من الابتغاء بالمال والدّليل عليه أنّه قابل المرهونة (٧) نفسها بالموتى مهرها بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ (٨) وكذلك قال في آخر الآية: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ (٩) فهو نصّ على أن هذه الخصوصية لدفع الحرج عنه وذلك ليس في اللّفظ إذ لا حرج عليه في ذكر لفظ النكاح وإنّما الحرج في إيفاء المهر. وأمامنا في المسألة علي ﵁ فإنّ رجلاً وهب ابنته لعبيدالله بن الحر (١٠) بشهادة شاهدين فأجاز ذلك علي (١١) كذا في الْمَبْسُوطِ (١٢).

стр. 1558

فإن قلت: كيف ينعقد النكاح بلفظ الهبة والفرقة يقع به إذا قال لامرأته وهبت نفسك لك كان بمنزلة لفظ الطّلاق (١). فلو قلت: ثبت النكاح مجازًا كان اللّفظ مستعار (٢) الضدّ ما وضع له وهو باطل (٣) ولأنّ ملك الرّقبة متى ورد على ملك النكاح أفسده فكيف يفسد (٤) النكاح باللّفظ الذي هو مبطل للنكاح بموجبه. قلت: أمّا الأوّل: فإنّه منقوض بلفظ التزوج فإن النّكاح ينعقد بلفظ التزوّج بالإتفاق مع أن ذلك اللّفظ لفظ تقع به الفرقة فإنّه إذا قال لامرأته تزوجي ونوى به الطّلاق تطلق علم به أن ذلك المعنى غير مانع. وأمّا الثّاني: فإنّ ملك الرّقبة لا يفسد ملك المتعة من حيث أنّه يحرم امرأته عليه. ولكن من حيث أن في ملك الرقبة إبطال مالكيّة المرأة فإنّ للمنكوحة ضرب ملك على الزّوج في مواجب (٥) النكاح من طلب القسم (٦) وتقدير النّفقة (٧) والسّكنى والمنع عن العزل (٨) وغيرها فعند ورود ملك الرّقبة يصير الرّجل مالكًا محضاً ولأنّه (٩) مملوكة محضة ونحن لم نجعل الهبة كناية (١٠) عن النكاح إلا من حيث أنّه سبب لملك المتعة إذا ثبت حقيقة ومن هذا الوجه لا يبطل تحقيقه ملك الرّقبة فلم يكن بينهما منافاة فصلح للاستعارة إلى هذا أشارفي الْمَبْسُوطِ (١١) والأسرار (١٢).

стр. 1559

وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ (١)؛ بأن قالت المرأة بعتك نفسي أو قال أبو الابنة (٢) بعتك ابنتي بكذا وكذلك بلفظ الشّرى بأن قال الرجل لامرأته اشتريتك بكذا فأجابت بنعم كان أبو القاسم البَلْخِي– ﵀ (٣) يقول بانعقاده وإليه أشار مُحَمَّد (٤) ﵀ في كتاب الحدود كذا في (الذّخيرة) (٥). قوله ﵀ والصّحيح احتراز عن قول أبي بكر الأعمش (٦) فإنّه يقول لا ينعقد بلفظ البيع لأنّه خاص لتمليك مال بمال والمملوك بالنكاح ليس بمال ولكنّ الصّحيح هو الانعقاد لأنّ البيع موجب ملكًا هو سبب لملك المتعة في محلّه. قوله ﵀: وَلَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ (٧) فِي الصَّحِيحِ (٨)؛ احتراز عن قول الكرخي (٩) فإنّه يقول: ينعقد بها لأنّ المستوفى بالنّكاح منفعة في الحقيقة (١٠) وإن جعل في حكم العين وقد سمّى الله تعالى العوض أجراً بقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١١) فذلك دليل على أنّه بمنزلة الإجارة ولكن هذا فاسد فإنّ الإجارة شرعًا لا تنعقد إلا مؤقتة والنكاح لا ينعقد إلا مؤبدًا وبينهما مغايرة على سبيل المنافاة كذا في الْمَبْسُوطِ (١٢).

стр. 1560

لأنّه ليس بسبب لملك المتعة أي المتعة المخصوصة وهي الوطئ وقال أبو بكر الرازي-﵀ (١): لا ينعقد النكاح بلفظ الإجارة لأنّ لفظ الإجارة يستعمل لملك المنفعة والمستحق بعقد النكاح في حكم الإجزاء كذا في الإيضاح (٢). قوله: ﵀ لما قلنا إشارة إلى قوله: لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ (٣)، وذلك لأنّ لفظ الْإِجَارَة وَالْإِبَاحَة (٤) لا يوجب ملكًا أصلاً فإن من أحلّ لغيره طعامًا أو أباح له لا يملّكه فإنما يبلّغه على ملك المبيح لأنّها توجب الملك مضافاً إلى ما بعد الموت. ولو صرّح بلفظ النكاح مضافاً إلى ما بعد الموت لا يصحّ. فإن قيل: الهبة أيضاً لا توجب الملك ما لم ينضم إليها القبض. قلنا: الهبة لا توجب إضافة الملك ولكن لضعف في السّبب لتعدّمه عن العوض بتأخير الملك إلى أن يتقوى بالقبض وينعدم ذلك الضّعف إذا استعمل في النكاح لأنّ العوض يجب به بنفسه مع أنّ المملوك بالنكاح بنفس العقد يصير كالمقبوض. ولهذا لو ماتت عقيب العقد بقدر البدل فكان هذا بمنزلة عين في يد الموهوب له فيوجب/ الملك بنفسه كذا في الْمَبْسُوطِ (٥) ولو أضاف العقد في الوصيّة (٦) إلى ما بعد الموت بأن قال أوصيت لك ببضع أمتي بعد موتي بألف درهم وقبل الآخر لا ينعقد النكاح وإن قال أوصيت لك ببضع أمتي للحال بألف درهم وقبل الآخر ينعقد النكاح كذا ذكره شيخ الإسلام (٧) ﵀ وعن أبي الحسين (٨) أنّه لو قال أوصيت لك بابنتي فلانة (٩) ينعقد النكاح ولو قال أعطيتك مائة درهم على أن تكوني امرأتي فهو جائز إذا قبلت بمحضر من الشهود فإنّ النكاح ينعقد بلفظ الكون فإنّ من قال لامرأة كون امرأتي تمامه فقبلت بمحضر من الشهود صحّ كذا في (الذّخيرة) (١٠) و (الإيضاح) لقوله ﵇: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» (١١).

стр. 1561

فإن قلت: كيف جاز تخصيص عموم قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١) وغيره من الآي بخبر الواحد (٢). قلت: ذكر فخر الإسلام البزدوي ﵀ في الْمَبْسُوطِ (٣) هذا حديث مشهور تلقته الأمة بالقبول فيجوز الزّيادة بمثله على كتاب الله ولأن ذلك عام خصّ منه مواضع المحرمات فيجوز تخصيصه [حينئذ] (٤) بخبر الواحد وهو حجّة على مالك (٥). وكذلك على ابن أبي ليلى (٦) وعثمان البتي (٧) فإنّهم يقولون الشّهود ليسوا بشرط في النكاح إنّما الشّرط الإعلان حتّى لو أعلنوا بحضور الصبيان والمجانين يصحّ النكاح ولو أمر الشّاهدين بأن لا يظهر العقد لا يصحّ وحجّتهم في ذلك قوله ﵇: «أَعْلِنُوا النِّكَاح ولو بالدُّفَّ» (٨) ولأنّ حرام هذا الفعل لا يكون إلا شراً فالحلال لا يكون إلا ضدّه وذلك بالإعلان لتنتفي التّهمة. ولنا الحديث المذكور في الكتاب (٩).

стр. 1562

وأمّا الذي ذكره من اشتراط الإعلان فهو موجود بحضور الشّاهدين فإنّه إذا حضره الشّهود فهو إعلان حقيقة كذا في الْمَبْسُوطِ (١) والإيضاح لأنّ العبد لا شهادة له لعدم الولاية (٢) والشّهادة من باب الولاية فلا يصحّ العبد شاهدًا وكذلك المجنون. فإن قلت: إنّما يحتاج إلى وصف الولاية في حق الأداء عند مجلس القضاء لأنّ المعنى من الولاية هو نفاذ القول على الغير شاء الغير أو أبى وذلك إنّما يحتاج إليه عند الأداء لينفذ قوله على القاضي على وجه صار ملجأ إلى القضاء لا عند التّحمل وليس المراد من صلاحيته للشّهادة ههنا كونه صالحًا للأداء. ألا ترى أنّ النكاح ينعقد بشهادة المحدودين في القذف (٣) وبشهادة العميان (٤) ولا أداء لهما علم بهذا أنّ المراد من الشّهادة ههنا هو كونه مسلمًا عاقلاً بالغًا يسمع كلام العاقدين والعبد كذلك وأيّده ما ذكر في النّافع بقوله والشّهود هو الحضور. قلت: نعم كذلك إلا أنّ مراد المصنّف من الولاية ههنا هو ولاية المرء على نفسه بدليل قوله في تعليل الفاسق (٥) بقوله: وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ تَحْرُمْ الْوِلَايَةُ عَلَى نَفْسِهِ لَا تَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ (٦)، وليس للعبد ولاية على نفسه وهي الأصل في الولاية [لأن الولاية] (٧) المتعدية فرع الولاية القائمة فلما لم يكن للعبد ذلك لم يكن من أهل الشّهادة.

стр. 1563

وقوله: - والشّهود هو الحضور أي حضور من له ولاية على نفسه لما ذكر فأوله أنّ الشّهادة من باب الكرامة لأنّ في اعتبار قوله في نفسه ونفاذه على الغير إكرامًا للقاتل والفاسق ليس من أهل الإكرام [لجريمته] (١). وَلَنَا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ (٢) أي (٣) من أهل الولاية على نفسه فكان من أهل الولاية على الغير عند وجود دليله فأمّا [العدالة] (٤) فيعتبر للتّرجيح في حق العمل به لأنّ الأمر في حق القاضي محتف أن هذا صدّق أو كذّب فاحتاج إلى دليل مرجح لبناء القضاء عليه ولا كلام في القضاء إنّما الكلام في الانعقاد [والانعقاد] (٥) تعتمد الأهليّة لا غير ألا ترى أنّ النكاح ينعقد بشهادة الأب والابن ولا يقضى بها. كذا في الإيضاح وذكر في الْمَبْسُوطِ (٦) وفي الحقيقة المسألة تبتني على أن الفاسق من أهل الشّهادة عندنا وِإنما لم تقبل شهادته لتمكّن تهمة الكذب وفي الحضور والسّماع لا يتمكّن هذه التّهمة فكان بمنزلة العدل وعند الشّافعي ﵀ (٧) الفاسق ليس من أهل الشّهادة أصلاً لنقصان حاله بسبب الفسق وهي تبتني أيضاً على أنّ أصل الفسق/ لا ينتقض من إيمانه عندنا فإنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص (٨) والأعمال من شرائع الإيمان لا من نفسه وعنده الشّرائع نفس الإيمان يزداد الإيمان بالطّاعة وينقص بالمعصية فجعل نقصان الدّين بسبب الفسق كنقصان الحال بسبب الرّق والصّغر.

стр. 1564

ولكنّا نقول الفسق لا يخرجه من أن يكون أهلاً للأمانة (١) والسّلطنة فإنّ الأئمة بعد الخلفاء الرّاشدين ﵃ قلّما يخلو واحد منهم عن فسق فالقول بخروجه من أن يكون إماماً بالفسق يؤدّي إلى فساد (٢) عظيم ومن ضرورة كونه أهلاً للأمانة كونه أهلاً للقضاء لأنّ تقلّد القضاء يكون من الإمام (٣) ومن ضرورة كونه أهلاً لولاية القضاء أن يكون أهلاً للشّهادة وبه ظهر الفرق بينه وبين نقصان الحال بسبب الرّق. ولأنّه صلح مقلدًا بكسر اللام أي صلح الفاسق إمامًا وسلطانًا كالحجّاج (٤) وغيره فيصلح مقلّدًا بفتح اللام أي قاضياً. بخلاف ما إذا لم يسمعا كلام الزّوج لأنّه مخاطب بالشّهادة على العقد والعقد لا يكون إلا بكلام المتعاقدين وليس هذا كأنّهما لم يسمعا كلام الزّوج لما أنّ سماعهما كلام المسلم صحيح. ألا ترى أنّه لو تزوّجها بشهادة الكافرين والمسلمين ثم وقعت الحاجة إلى أداء هذه الشّهادة تقبل شهادة الكافرين عليها إذا جحدت وعلى الزّوج لو كانا أسلما بعد ذلك فظهر أن سماعهما كلام المسلم صحيح فيحصل به الإشهادة عليهما بالعقد كذا في الْمَبْسُوطِ (٥) سواهما أي سوى المأمور والأب. قوله: ﵀ لِأَنَّ الْأَبَ يُجْعَلُ مُبَاشِرًا (٦) إلى آخر هذا التّعليل الذي ذكره تكلّف غير محتاج إليه بأن يجعل الأب مباشراً أو الزّوج شاهدًا لأن الأب يصلح شاهدًا في باب النكاح. وذلك يغني عن هذا التكلّف وإنّما يحتاج إلى هذا التكلّف في المسئلة (٧) الأخيرة وفيها إذا زوّج الأب ابنته البالغة لما أنّ الابنة البالغة لا تصلح شاهدة على نفسها فلابدّ من نقل عبارة الأب إليها هناك ليصح العقد وذلك لأنّ الموجود من الوكيل واجب الانتقال إلى الموجب (٨) في باب النكاح ضرورة أنّ الوكيل سفير ومعبّر (٩) فيه ومتى كانت البكر حاضرة أمكن اعتبار الأب شاهدًا وأمّا إذا كانت غائبة فلا لأنّ الشّيءإنّما يقدر تقديراً أن لو تصوّر تحقيقاً إلى هذا أشار في الفوائد الظهيريّة (١٠) ومن هذا الجنس قال الإمام نجم الدّين النّسفي ﵀ امرأة وكّلت رجلاً أن يزوجها [رجلاً فزوجها] (١١) بحضرة امرأتين والموكلة حاضرة قال يجوز النكاح وتصير الموكله هي المزوّجة قيل فإن أنكر الزّوج أو المرأة الموكّلة هذا العقد هل تقبل شهادة الوكيل والمرأتين على النكاح قال نعم إذا لم يقل الوكيل أنا زوّجتها إيّاه بالوكالة بل يقول هذه امرأة هذا كذا في الذّخيرة (١٢).

стр. 1565

فإن قلت: يشكل على أصل المسألة ما إذا وكّل الرجل رجلا أن يزوّج عبده امرأة فزوّج الوكيل العبد امرأة بشهادة رجل واحد والعبد حاضر لا يجوز مع إمكان جعل العبد مباشرًا للعقد والوكيل مع رجل آخر شاهدًا لما لو باشر المولى عقد (١) تزويج العبد عند حضرة العبد مع رجل آخر فإنّه يجوز (٢). قلت: لو جاز فيما ذكرت إنّما يجوز بأن تنتقل عبارة الوكيل إلى العبد فيجعل كان العبد تزوّج بنفسه ولا وجه إليه لأنّ الوكيل ليس بوكيل من جهة العبد حتّى تنتقل عبارته إلى العبد فبقي الموكل مزوّجًا لا شاهدًا بخلاف ما إذا تأثيره المولى عند حضرة العبد فإنّ العبد هناك يجعل مباشراً للنكاح بنفسه والمولى شاهدًا فيكون النكاح بحضرة شاهدين بخلاف ما لو كان [العبد غائباً أوكان] (٣) العبد حاضراً إلا أنّه غير عاقل فإنّه لا يجوز لعدم إمكان جعل العبد مباشراً إذا (٤) الصبي والمجنون ليسا من أهل مباشرة النكاح كذا في الذّخيرة (٥). والله أعلم. فصل في المحرمات لما ذكر بيان شرعيّة النكاح على الأنثى من بني آدم ليست هي من المحرمات احتاج إلى بيان المحرّمات ليتميز المحللات من المحرمات فيقول أنّ إثبات الحرمة وهنّ من محاسن الشّريعة إذ الأصل فيهنّ الأمّهات وذلك لأنّ المحارم من وجب احترامه وتعظيمه/ شرعًا واحترام هذه المحرّمات ثابت في طبع كلّ ذي طبع سليم. وفي النكاح استرقاق واستدلال وجعلهنّ مصبا للفضلات المستقذره وكيف يسترقها بالنكاح فإنّها تعتق عليه بملك اليمين ولأنّ ائتمار أمر الأم واجب فلو جاز نكاحها لصارت هي مأمورة يجب عليها امتثال أمر الابن فتناقض وشرع الشّارع منزّه عن التّناقض وكذلك من هنّ في معناها بسبب القرابة وغيرها. وحاصلها أنّ المحرمات التي يضمنها كتاب النكاح، والرّضاع على أحد وعشرين نوعًا: سبعة من جهة النّسب، وسبعة من جهة الرّضاع، وأربعة من جهة المصاهرة، واثنان من جهة الجمع، وواحدة من جهة الكفر. أمّا السّبعة من جهة النّسب: فالأمّهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت، وكذلك يحرم الرّضاع في هؤلاء لقوله ﵇: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» (٦).

стр. 1566

وأمّا الأربعة التي من قبل المصاهرة: فأم المرأة، وابنتها، ومنكوحة الأب، وحليلة الابن. وأمّا اللتان من جهة الجمع: الجمع بين أكثر من أربع، والجمع بين الأختين (١). وأمّا الواحدة التي من جهة الكفر: فهي المجوسيّة (٢) هذا في شرح الطّحاوي (٣) (٤) وذكر في التحفة (٥) فقال تحريم النكاح يتنوّع إلى تسعة أنواع بالقرابة والصهريّة والرّضاع والجمع وتقديم الأمة على الحرّة وبسبب حق الغير وبسبب المشترك (٦) وبسبب ملك اليمين وبسبب الطّلقات الثّلاث فعلى هذا تكون المحرمات خمسة وعشرين وكلّها مذكور في الكتاب (٧).

стр. 1567

[قوله] (١) ﵀: إذْ الْأُمُّ هِيَ الْأَصْلُ لُغَةً أَوْ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُنَّ بِالْإِجْمَاعِ (٢). وفيه مذهبان، فعلى قول من يقول: أنّ اللّفظ الواحد يجوز أن يراد به الحقيقة والمجاز في محلّين مختلفين فحرمة الجدات ثابتة بالنصّ لأنّ اسم الأمّهات يتناولهنّ مجازاً وعلى قول من يقول لا يراد باللّفظ الواحد الحقيقة والمجاز فحرمة الجدّات تثبت بدليل الإجماع (٣) إذ الأمّهات هي الأصول وهو حقيقة معنى هذا الاسم وذلك بجمع الكل إلا أنّ إطلاق اسم الأم في الأم الدنيا دون غيرها بدليل العرف فعلى هذا النصّ يتناول الجدّات حقيقة وعلى هذا البنات أمّا أن يتناول لفظ البنات على بنات البنات وبنات الابن بطريق المجاز أو تثبت حرمتهنّ الإجماع كذا في الْمَبْسُوطِ (٤) وذكر في الكتاب العمات المتفرقات وغيرها ولم يذكر الأخوات والمتفرقات والحكم فيهنّ أيضاً كذلك لأن الأختيّه عبارة عن مجاورة في الصّلب او في الرّحم فكان هذا الاسم حقيقة للفرق الثلاث [أي للأخت لأب وأمّ والأخت لأب والأخت لأم] (٥) لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ (٦) من غير قيد بالدّخول ولا يثبت امرأته التي دخل بها لثبوت قيد الدّخول بالنصّ وحاصله أن حرمة أمّهات نساء الرّجال تثبت بنفس العقد (٧). [عندنا] (٨) بخلاف حرمة بنات نسائهم. وكان بشر المريسي (٩)، وابن شجاع (١٠)، ومالك، وداود (١١) (١٢) ﵏ يقولون لا تثبت إلا بالدّخول بالبنت (١٣) وهو أحد قولي الشّافعي-﵀ (١٤) ومذهبنا [مذهب] (١٥) عمر وابن عبّاس وإليه رجع ابن مسعود –﵃ أيضاً حين ناظره عمر ومذهبهم مذهب علي وزيد بن ثابت ﵁ واستدلّوا بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ (١٦) إلى قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ (١٧) والأصل أنّ الشّرط والاستثناء إذا تعقّب كلمات [منسوق] (١٨) بعضها على بعض ينصرف إلى جميع ما سبق ذكره (١٩) كما إذا قال فلانة طالق وفلانة طالق إن دخلت الدّار ولكنّا نستدلّ بحديث عبد الله بن عمر ﵁ أنّ النبي ﵇ قال: «مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ ابْنَتُهَا إنْ دَخَلَ بِهَا» (٢٠)، وكان ابن عبّاس ﵁ يقول: (أُمُّ الْمَرْأَةِ مُبْهَمَةٌ فَأَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَ اللَّهُ) (٢١) بين أن الشّرط المذكور وهو الدّخول ينصرف إلى الرّبائب دون الأمّهات وهذا هو الظّاهر في اللّغة لأنّ النّساء المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ (٢٢) مخفوض بالإضافة وفي قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ (٢٣) مخفوض بحرف من والمخفوضات بإداتين لا ينعتان بنعت واحد.

стр. 1568

ألا ترى أنّه لا يستقيم أن يقول مررت بزيد إلى عمرو الظريفين ولو كانا محفوظين بخافض واحد جاز ذلك بأن يقول مررت بزيد وعمرو الظريفين كذا في الْمَبْسُوطِ (١) والتّيسير (٢). وأمّا الشرط فإنّما يعود إلى الجميع إذا أمكن/ ولم يمكن ههنا لأنّه يؤدّي إلى أن يكون الشّيء الواحد معمولاً بعاملين مختلفين لأنّ العامل في الموصوف هو العامل في الصّفة وهذه الصّفة صفة لهما فكانت معمولة بعاملين مختلفين لا محالة كما أن مثل هذا لا يجوز في العطف (٣) وهو العطف على عاملين بأن يقال أن في الدّار زيدًا والحجرة عمرواً فكذلك ههنا لأن كلاً منهما من التّوابع وذكر في الْمَبْسُوطِ (٤) والمعنى فيه أن قطيعة الأرحام يتزوج زوج الأم أو زوج البنت ثابتة في الطّرفين إلا أنّ الأم إذا كانت غير مدخولة لا ينقطع من أمهات (٥) التي تزوّجت بزوجها الذي لم يدخل بها لغلبة الشفقة عليها وقلة المبالاة بانقطاع الزّوج الذي لم يدخل بها. بخلاف جانب البنت فإن شفقتها ليست كشفقة أمّها فيلزم قطيعة الأرحام عند تزوج الأم زوج البنت الذي لم يدخل بها وذكر في الكشّاف (٦) (٧) بعد السؤال. قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ﴾ (٨) [لايخلو] (٩) إمّا أن يتعلّق بقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ (١٠) وبالربائب [الربائب مبهمة فلا يجوز الأول] (١١) فتكون حرمة الأمّهات وحرمة الرّبائب غير مبهمتين وأمّا أن يتعلّق بالأمهات دون الرّبائب فيكون حرمة الأمّهات غير مبهمة وحرمة الربائب مبهمة فلا يجوز الأوّل لأنّ معنى من مع أحد المتعلقين خلاف معناه مع الآخر الأتراك إذا قلت وأمّهات نسائكم قال تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ (١٢) فقد جعلت من لبيان النّساء وتمييز المدخول بهنّ من غير المدخول بهنّ.

стр. 1569

وإذا قلت: وربائبكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن (١) فإنك عاجل (٢) من لابتداء الغاية كما يقول بنات رسول الله ﵇ من خديجة وليس بصحيح أن يعنى بالكلمة الواحدة في خطاب واحد معنيان مختلفان ولا يجوز الثاني لأن ما يليه هو الذي يستوجب التعلق به وهو ما ذهبنا إليه سواء كانت في حجره أو في حجرة غيره واختلفت الصّحابة ﵃ أن الحجر هل ينتصب شرطًا لهذه الحرمة أو لا فكان علي ﵁ يقول: (الحِجْر شرط) (٣)، لقوله تعالى: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ (٤). وأمّا عمر وابن مسعود كانا يقولان: الحجر ليس بشرط (٥)؛ لأنّ ذلك الحجر خرج مخرج العادة (٦) فإن بنت المرأة تكون [في] (٧) حجر زوج أمّها أي في تربيتها لا على وجه الشّرط كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (٨)، ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ (٩)، ولهذا اكتفى في موضع الإحلال بنفي الدخول ولم يشترط نفي الدّخول مع نفي الحجر لأن التحريم ضدّ الإحلال فما كان وجود الشّيء يجزيه شرطًا للتحريم كان نفي ذلك الشيء يجزيه شرطًا للتحليل وذكر في مبسوط (١٠) شيخ الإسلام قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (١١).

стр. 1570

فتعليق الإباحة بعدم الدخول دليل على أنّ الحرمة لم تتعلّق بالدّخول والحجر جميعًا لأنّه لو كانت الحرمة متعلّقة بالدّخول والحجر جميعًا لتعلقت الإباحة بعدمهما جميعًا لأنّ الإباحة تتعلّق بضد ما تتعلّق به الحرمة ولم يكن كذلك علم أنّ الحرمة لم تتعلّق بالحجر. فإن قلت: يحتمل أن يكون الحرمة متعلّقة بعلّة ذات وصفين وهما الدّخول والحجر ثم تنتفي الحرمة بانتفاء أحدهما لأنّ الشّيء ينتفي بانتفاء الجزء فكانت كالقرابة مع الملك في حق العتق حيث ينتفي العتق بانتفاء أحد هذين الوصفين فكذلك ههنا ثبوت الإباحة عند انتفاء الدخول لا يدلّ على أنّ الحرمة غير متعلّقة بالدخول والحجر. قلت: نعم كذلك إلا أنّ الاستعمال في مجاري الكلام عند نفي الكلام ينفي عليه التي هي ذات وصفين هو نفي الوصفين جميعًا أو نفى عليه مطلقاً وأمّا أن ينفي أحد وصفيه ويسكت عن الآخر فلا حيث لا يقال لم يعتق لأنّه لم يرد الملك عليه أو لم ترد القرابة عليه بل يقال لأنّه لم يرد عليه الملك مع القرابة أو لم يوجد فيه علة العتق وكذلك لا يقال لا يجري حكم الربا وهو حرمة الفضل مع النّسيئة بين هذين البدلين لأنّه لم يوجد الجنسية أو لم يوجد القدر بل يقال لم يوجد القدر مع الجنسيّة أو لم يوجد علة الرّبا ولأنّ الأصل في النساء الحرمة بدليل أنّ الحرملة تثبت بالشبهات لا الحل [فلو] (١) كان الحجر مع الدّخول شرطًا لحرمة الرّبيبة كان الأولى أن يكتفى بأحدهما في موضع الحرمة ويقرن أحدهما بالنّفي في موضع الإحلال ولم يقل هكذا بل عكس علم أن ذكر الحجر خرج على [وفاء من] (٢) العادة لا لشرط قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ (٣) فحليلة الابن حرام على الأب سواء/ دخل بها الابن أو لم يدخل (٤). وكذلك منكوحة الأب حرام على الابن سواء دخل بها [الأب] (٥) أو لم يدخل فسمّيت امرأة الابن حليلة لأنّها حلّت للابن من الحل أو هي مشتقة من الحلول على معنى أنّها تحل فراشه وهو يحل فراشها. فإن قيل: ابن الابن لا يكون من صلبه فكيف يصح تعدية حرمة حليلة الابن الصّلبي إليه مع هذا التّقييد.

стр. 1571

قلنا: مثل هذا اللّفظ يذكر باعتبار أنّ الأصل من صلبه كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ (١) والمخلوق من التراب هو الأصل كذا في (الْمَبْسُوطِ) (٢). وذكر الأصلاب لإسقاط اعتبار التبني [فإنّ التبني] (٣) قد انتسخ بقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٤) فكان رسول الله ﵇ تبنى (٥) زيد بن حارثة (٦) ثم تزوّج زينب (٧) بعدما طلقها زيد (٨) فطعن المشركون [وقالوا: إنّه تزوّج حليلة ابنه، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٩) فهذا التّقييد هاهنا لدفع طعن المشركين] (١٠) لا لإحلال حليلة الابن من الرّضاع فإنّ حليلة الابن من الرّضاع حرام على أبيه (١١) من الرّضاع عندنا. وقال الشّافعي ﵀ (١٢) يحرم بناء على أصله أن لبن الفحل يحرم واستدلّ لهذا التقييد المذكور وأنا نقول ذلك التقييد لإخراج حليلة ألابن المتبنى لا لإخراج حليلة الابن من الرّضاع على ما ذكرنا ودليلنا قوله ﵇: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» (١٣) كذا في (الْمَبْسُوطِ) (١٤).

стр. 1572

ولا يجمع بين الأختين نكاحاً. وكذلك لا يجوز الجمع بين من كانت في علّة الأختين أيضاً وهي أنّ كل شخص لو جعلت أحدهما ذكراً والأخرى أنثى لا يجوز النكاح بينهما وهذا المعنى شامل النّسب والرّضاع لضرورة من أهله مضافاً إلى محلّه أمّا الأهل فظاهر. وأمّا المحل فلأنّ الأخت المملوك لم تصير فراشاً بنفس الوطئ ولم يشتغل رحمها بمائه شغلاً معتبراً ولهذا لا يلزمها العدة لو أعتقها ولو علقت بوطئه لا يثبت النّسب إلا بدعوته فإذا صحّ نكاح الأخت صار فراشاً له بالنكاح الصّحيح حتّى لو جاءت بولد لمدة يتوهّم [أو] (١) يكون العلوق (٢) بعد النكاح يثبت النّسب منه فلا يكون له أن يطأ المملوكة بعد هذا لأنّ المنكوحة صارت فراشاً له فلو استفرش المملوكة بالوطئ صار جامعًا بين الأختين في الفراش يعني الاستفراش الحسي في أحديهما والحكمي في الأخرى وذلك حرام. قوله: لِأَنَّ الْمَنْكُوحَةَ مَوْطُوءَةٌ حُكْمًا (٣). فإن قيل: لو كان النكاح قائمًا مقام الوطئ حتّى تصير المنكوحة موطوءة حكمًا وجب أن لا يجوز هذا النكاح [فلا] (٤) يصير جامعًا بينهما وطئاً كما قال: مالك ﵀. قلنا: نفس النكاح ليس بوطئ، وإنّما يصير وطئاً بعد ثبوت حكمه وهو حلّ الوطئ وحكم النكاح يثبت بعده فالنكاح حال وجوده ليس بوطئ فيصحّ لوجوده من أهله في محلّه ثمّ تصير المنكوحة موطوءة حكمًا فلا يطأ الأخرى كيلا يصير جامعًا بينهما. قوله: وَلَا يَطَأُ الْمَنْكُوحَةَ (٥) لأنّ أختها وهي المملوكة موطوءة حقيقة وحكم ذلك الوطئ قائم حتّى لو أراد أن يبيع يستحب له الاستبراء (٦) فيصير جامعًا بينهما وطئاً حقيقة إلا إذا حرم الموطوءة على نفسه بسبب من الأسباب كالبيع والتّزويج لأنّه لا يبقى بعد هذا معنى إشتغال رحمها بمائة حقيقة ولا حكمًا ألا ترى أنه يحلّ لزوجها أن يغشاها فيحلّ له أن يطأ المنكوحة هذا كله من الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٧) (٨) لِقَاضِي خَانْ (٩) والمحبوبي (١٠) فإن تزوّج أختين في عقدين ولا يدري أيتهما أولى وإنّما قيّد بهذين القيدين لأنّه لو تزوّجها في عقد واحد بطل نكاحهما ولو علم أن واحدة منهما أولى بطل نكاح الثّانية لعدم الفائدة [والفائدة] (١١) حلّ القربان للزّوج وذلك لا يثبت ههنا للجهالة.

стр. 1573

فإن قيل: ما الفرق بين هذه المسألة وبين ما إذا كان لرجل أربع نسوة طلق واحدة منهن بعينها ثم نسيها يؤمر بالبيان ولا يفرق وههنا يفرق. قلنا: أن الزوج هناك يتمكّن من دعوى نكاح ثلاث منهنّ بِأعيانهنّ لأنّ نكاح كلّ واحدة منهنّ كان ثابتًا بيقين فيمكن الزّوج بدعوى ثلاث منهن تمسكًا بما هو ثابت بيقين وأمّا ههنا فنكاح كلّ واحدة منهما غير ثابت بيقين فلا يتمكّن من دعوى النكاح في واحدة منهما تمسكًا بما هو ثابت فلذا قال بالتّفريق كذا في الفوائد الظهيريّة أو للضّرر أي في حق المرأة لأنّ كل واحدة منهما تبقى معلقة لأدات تعل ولا مطلقة وإذا عيّن أحديهما جاز أن تكون الأخرى هي الأولى فتتضر هي بالفرقه أو المعيّنة لوقوعها في الوطئ الحرام ولكن الأولى من الصّور الثّلاث/ هي [المعينة] (١) المثبتة في شروح الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٢). ولهما نصف المهر بينهما نصفان لأنا تيقنا أن نكاح أحديهما قد صحّ وهي الأولى منهما ثم وقعت الفرقة بينه وبينهما بسبب مضاف إلى الزّوج وهو التّجهيل فصار كالطّلاق فكان لها نصف المهر وليست أحديهما بهذا الاستحقاق بأولى من الأخرى فيجعل القدر المستحق بيقين بينهما نصفين أو يقول كل واحدة منهما إن كانت سابقة فلها نصف المهر وإن كانت متأخرة فلا شيء لها فيكون لكلّ واحدة منهما ربع المهر. وروى هشام (٣) عن مُحَمَّد (٤) -رحمهما الله- عليه مهر كامل بينهما نصفين لأنّ الزّوج أقرّ بجواز نكاح أحديهما وإذا جاز نكاح أحديهما وجب المهر كاملاً فلا يسقط شيء منه ما لم يطلقها.

стр. 1574

وعن أبي يوسف (١) (٢) ﵀ قال لا يجب على الزّوج شيء لأنّ المقضيّ له مجهول وجهالة المقضي له تمنع القضاء كمن قال لرجلين لأحدكما عليّ ألف درهم لا يكون لأحدهما أن يأخذ منه شيئاً ما لم يصطلحا كذا ههنا قال الفقيه أبو اللّيث (٣) ﵀: - يحتمل أنّ المراد ههنا من قوله: للمرأتين نصف المهر إذا اصطلحنا عليه فكان موافقاً لما روي عن أبي يوسف ﵀ كذا ذكره الإمام المحبوبي (٤) قيل لابدّ من دعوى كلّ واحدة منهما بأن ادّعت كلّ واحدة منهما أنّها هي الأولى. وأمّا إذا قالتا لا ندري أيّ النكاحين كان أولاً لايقضي لهما بشيء حتّى يصطلحا لأنّ الحقّ للمجهولة فلابدّ من الدّعوى أو الاصطلاح ليقضي لهما كذا في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٥) لِقَاضِي خَانْ ﵀ وصورة الاصطلاح هي أن يقولا عند القاضي لنا عليه المهر وهذا الحق لايعدونا فيصطلح على أخذ نصف المهر فيقضي القاضي كذا بخط شيخي-﵀. «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا عَلَى خَالَتِهَا، وَلَا الْمَرْأَةُ عَلَى ابْنَةِ أَخِيهَا، وَلَا عَلَى ابْنَةِ أُخْتِهَا» (٦) «ولَا تَسْأَلُ امْرَأَةٌ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا في صَحْفَتِهَا فإنّ الله هو رازقها» (٧)، وهذا الحديث يرويه رجلان من الصّحابة ابن عبّاس وجابر-﵄ وهو مشهور تلقته العلماء بالقبول والعمل به كذا في (الْمَبْسُوطِ) (٨).

стр. 1575

فإن قلت: ما فائدة التكرار لحكم واحد بصيغتين مختلفتين في موضعين. فإنّ المراد من قوله ﵇: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا» (١) هو أن لا يجمع بينهما في النكاح ثم جمع المرأة بينها وبين عمتها هو عين جمع المرأة بينها وبين ابنت أختها وكذلك الجمع بين المرأة وخالتها هو عين الجمع بينها وبين ابنت أختها. قلت: قال شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السّرخسي (٢) ﵀ ذكر هذا النفي من الجانبين إمّا للمبالغة في بيان التّحريم أو لإزالة الإشكال لأنّه ربما يظنّ ظان أن نكاح ابنة الأخ على العمّة لا يجوز ونكاح العمّة على ابنة الأخ يجوز لتفضيل العمّة كما لا يجوز نكاح الأمة على الحرّة ويجوز نكاح الحرّة على الأمة فبيّن رسول الله ﵇ ثبوت هذه الحرمة من الجانبين (٣) لإزالة الإشكال وهذا مشهور تجوز الزّيادة على الكتاب بمثله. فإن قلت: الزيادة إنما تجوز بالمشهور على كتاب الله تعالى إذا كانت تلك الزّيادة زيادة محضة وليس بينهما وبين الكتاب معارضة صورة كما في زيادة المسح على الخف وزيادة التتابع في كفارة اليمين وههنا معارضة محضة بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٤) فحينئذ كان الحديث ناسخًا للكتاب من كلّ وجه وليس فيه شائبة البيان وليس ذلك للخبر المشهور. قلت: فيه وجهان: أحدهما: أنّ قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٥) عام خصّ منه البعض وذلك لأنّ قوله ما وراء ذلكم إشارة إلى المذكور قبله وهو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٦) إلى هذه الآية وليس فيه ذكر المشركات فكانت المشركات مخصوصة [منه] (٧)، فحينئذ تجوز الزّيادة به وبما دونه.

стр. 1576

والثّاني: أنّ معنى قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١)؛ أي ما وراء المذكور [قيل] (٢) هذا والملحق به وهو المشركات وهذا من قبيل الملحق به في التّحريم، وذكر شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السّرخسي ﵀ وجهين فيه بعد ذكر النسخ وقال أو نقول هذا الحديث مبين لما في الكتاب وليس بناسخ لأنّ الحلّ في الكتاب مفيد بشرط مبهم وهو قوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (٣)، وهذا الشّرط مبهم والحديث ورد لبيان ما هو مبهم في الكتاب ورسول الله ﵇ بعث مبينًا قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤) أو يقول هذا مقدر للحرمة المذكورة في الكتاب فإنّ الله تعالى ذكر في المحرّمات الجمع بين الأختين لأن بينهما رحمًا يفترض وصلها ويحرم قطعها وفي الجمع قطيعة/ على ما يكون بين الضّرائر من العداوة فبين رسول الله ﵇ أن كلّ قرابة يفترض وصلها فهي في معنى الأختيّه في تحريم الجمع والتي بين العمة وابنة الأخ قرابة يفترض وصلها حتّى لو كانت أحديهما ذكر والأخرى أنثى لا يجوز النكاح بينهما صيانة للرّحم وكذلك إذا ملك عتق عليه تحرّزًا عن قطيعة الرّحم لما روينا من قبل وهو قوله ﵇: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» (٥)، وقال زفر (٦) ﵀-لا يجوز وأسند هذا القول في (الْمَبْسُوطِ) (٧) إلى ابن أبي ليلى ﵀. ولكنّا نستدلّ بحديث عبدالله بن جعفر (٨) فإنه جمع بين امرأة علي ﵁ وابنته (٩) ثم المانع من الجمع قرابة بين المرأتين أو تشبيه القرابة في الحرمة كالرّضاع وذلك غير موجود بين هاتين وما قاله ابن أبي ليلى إنّما يعتبر إذا تصوّر من الجانبين كما في الأختين وذلك لأنّ الاصل في حرمة الجمع بين المرأتين الجمع بين الأختين لأنّه هو المنصوص عليه والذي نحن فيه فرع عليه فيجب أن يكون الفرع على وفاق الأصلي والحرمة هناك من الجانبين فكذا هنا.

стр. 1577

[قوله] (١): لِأَنَّهَا نِعْمَةٌ فَلَا تُنَالُ بِالْمَحْظُورِ (٢). وذلك لأنّ الله تعالى منّ به على عباده بقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ (٣)، وهو معقول فإن أمهاتها وبناتها يصرن كأمهاته وبناته حتى يخلو بهنّ ويسافر بهن وهذا يكون بطريق الكرامة فلا ينال بالزنى الذي هو محظور محض وحجّتنا في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ (٤)، وقد بيّنا [أن] (٥) النكاح للوطء حقيقة فتكون الآية نصاً في تحريم موطوءة الأب على الابن فالتقييد يكون الوطئ حلالاً زيادة فلا تثبت هذه الزيادة بخبر الواحد ولا بالقياس والدّليل [عليه] (٦) أن موطوءة الأب بالملك حرام على الابن بهذه الآية دلّ أنّ المراد به الوطء لا العقد، وقد نقل مثل مذهبنا على ابن مسعود وابن عبّاس وأبي بن كعب (٧)، وعمران الحصين ﵃ (٨) (٩)، والمعنى فيه أن الزنى حرث للولد فيكون علة لحرمة المصاهرة كالوطء الحلال وبنكاح فاسد ووطء أمة مشتركة كذا في الْمَبْسُوطِ (١٠).

стр. 1578

قوله: ولنا أنّ الوطء سبب الجزية أي بين الواطئ والموطوءة يعني يصيران كشخص واحد بواسطة الولد. قوله: وكذلك على العكس أي تصير أصوله وفروعه كأصولها وفروعها حتّى لا يحلّ للزّانية أن تتزوج أب الزّاني أو ابنه. [قوله] (١): إلا في موضع الضّرورة وهي الموطوءة لأنّه لو قيل بحرمة الموطوءة لما حلت امرأة فيؤدّي حينئذ إلى إبطال المقصود من شرع النكاح وهو التّوالد والتّناسل فلمعنى الضّرورة لم يعتبر ذلك ههنا كما حلت حواء لآدم ﵇ وقد خلقت منه حقيقة وحرمت [عليه] (٢) ابنته وهذا لأنّ [العلل] (٣) الشّرعيّة أمارات لا موجبات وإنّما يثبت الحكم بها في المواضع الذي جعلها الشّرع [علة وقد جعل للشّرع] (٤) موضع الضّرورة مستثنى من الحرمة بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٥) ثمّ هذه البعضية لا تختلف بالحلّ والحرمة فلا تختلف حكم الحرمة والوطء محرم إلى آخره جواب عن قوله فلا ينال بالمحظور يعني أن الوطء إنما يوجب حرمة المصاهرة من حيث أنّه سبب الولد فكان قائمًا مقام الولد لأنّه سببه كما أقيم السّفر مقام المشقّة ثم لا عدوان ولا عصيان في المسبّب الذي هو الولد فكذا لا عصيان ولا عدوان في السّبب الذي قام مقامه من ذلك الوجه وهو الزني لأن وصف النائب إنما يؤخذ من وصف المنوب كما في التيمم مع الوضوء. [قوله] (٦): وَمن مسته امْرَأَة بِشَهْوَة حرمت عَلَيْهِ أمهَا وابنتها (٧) قال الفقيه أبو الليث-﵀ (٨): وتأويل المسألة إذا صدق الرّجل المرأة أنها مسته عن شهوة ولو كذّبها ولم يقع في أكبر رأيه إنّما فعلت ذلك عن شهوة وينبغي أن لا تحرم عليه أمّها وابنتها كذا ذكره المحبوبي وقاضي خان -رحمهما الله-. وقال الشّافعي ﵀ (٩) لا تحرم فإن قلت قد ثبت بما ذكر في المسألة الأولى أنّ الوطء الحرام لا يوجب حرمة المصاهرة عنده فعلم من ضرورة أنّ المسّ الحرام لا يوجبها أيضاً لأنّ الوطء لا يكون بدون المسّ عن شهوة فما فائدة ذكر المس عنده بعد ذلك قلت إنّما يكون تكراراً أن لو كانت مسألة المسّ مصورة في الحرام لا غير وليس كذلك بل هذه مصورة في المسّ الحلال لكن عندنا/ لا تفاوت بين أن يكون المسّ عن شهوة عن حلال أو حرام في إيجاب حرمة المصاهرة وكذلك عنده لا تفاوت بين المسّ الحلال والحرام في أنّه لا يوجبها فذكر هذه المسألة لإثبات حكم المسّ الحلال وصورة ذلك ما ذكره في الْمَبْسُوطِ (١٠) هي أن يقبّل أمته بشهوة.

стр. 1579

ثم أراد أن يتزوج ابنتها عنده يجوز. وكذلك لو تزوّج امرأة وقبّلها بشهوة ثم ماتت عنده يجوز له أن يتزوّج ابنتها بناء على أصله أن حرمة المصاهرة تثبت بما يؤثر في إثبات النّسب والعدة وليس للتقبيل والمسّ عن شهوة تأثير في إثبات النّسب والعدة. فكذلك في إثبات الحرمة فيقام مقامه في موضع الاحتياط أي فيقام المس أو النظر مقام الوطء في إثبات حرمة المصاهرة لأنّ حرمة الفرج ممّا يحتاط فيها أكثر ممّا يحتاط في غيرها حتّى أن شبهة البعضيّة بسبب الرضاع قامت مقام حقيقة البعضيّة في إثبات الحرمة دون سائر الأحكام من التوارث ومنع وضع الزكاة ومنع قبول الشّهادة وكذلك لا يقوم المس أو النّظر مقام الوطء في إفساد الصّوم والإحرام ووجوب الاغتسال وإن قام مقامه في حق إثبات حرمة المصاهرة. فإن قلت: النّظر إلى الفرج ليس كالمسّ عن شهوة ألا ترى أنّه لا يفسد الصّوم وإن اتّصل به الإنزال ولأنّ النّظر إلى الفرج لو قام مقام الوطء باعتبار أنّه سبب داع إلى الوطء لوجب أن يقدم النّظر إلى جمال المرأة أيضاً مقام الوطء لأنّه سبب داع إلى الوطء. قلت: أمّا الجواب عن الصّوم فقد قلنا إن رعاية الاحتياط في أمر الفرج أشدّ من الرعاية في غيره فلا يلزم من قيام النّظر ههنا مقام المسّ والوطء قيامه مقامه في الصّوم وغيره. وأمّا الجواب عن الثّاني: فإن التّفاوت ثابت بين النّظرين لما أنّ النّظر إلى الفرج لا يحلّ إلا في الملك بمنزلة المسّ عن شهوة بخلاف النّظر إلى سائر الأعضاء فلا يلزم من ثبوت حرمة المصاهرة في النّظر إلى فرج المرأة ثبوتها في النّظر إلى وجهها (١). قوله: أو يزداد انتشاراً وهو الصّحيح احتراز عن قول كثير من المشايخ فقال في الذّخيرة (٢) وكثير من المشايخ لم يشترطوا الانتشار وجعلوا حدّ الشهوة أن يميل قلبه إليها ويشتهي جماعها وما اختاره في الكتاب قول شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السّرخسي وشيخ الإسلام -رحمهما الله- ثم معنى قوله أن ينتشر الآلة أي إذا لم تكن منتشرة قبل النّظر أو المس أو يزداد انتشاراً أي إذا كانت منتشرة قبل هذا ولكن ازدادت قوة وشدة بالنّظر أو المسّ كان ذلك عن شهوة وإلا فلا وهذا إذا كان شاباً قادراً على الجماع فإن [كان] (٣) شيخًا أو عنّينًا (٤) فحدّ الشهوة أن يتحرك قلبه بالاشتهاء إن لم يكن متحركاً قبل ذلك ويزداد الاشتهاء إن كان متحرّكًا فهذا هو حدّ الشّهوة وكان الفقيه مُحَمَّد بن مقاتل الرازي (٥) ﵀ لا يعتبر تحرك القلب وإنما يعتبر تحرك الآلة وكان لا يفتي بثبوت الحرمة في الشيخ الكبير والعنّين الذي ماتت شهوته حتّى لم يتحرك عضوه بالملامسة.

стр. 1580

قوله والصّحيح أنّه لا يوجبها احتراز عن اختيار بعض المشايخ فإنّهم قالوا بثبوت حرمة المصاهرة بالمس وإن اتّصل به الإنزال. ووجه ذلك ظاهر فإنّ بمجرّد المسّ بشهوة تثبت حرمة المصاهرة عندنا فهذه الزيادة وإن كانت لا توجب زيادة حرمة لا توجب خللاً فيها والذي اختاره في الكتاب (١) اختيار شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السرخسي (٢)، وفخر الإسلام (٣) علي البزدوي -رحمهما الله- وقد نصّ مُحَمَّد ﵀ في أن الجماع في الدّبر لا يثبت حرمة المصاهرة وكذا النّظر إلى موضع الجماع من الدبر بشهوة في باب إتيان المرأة في غير مأتيها من الزيادات وهذا أصحّ لأنّ المسّ المجرّد والنّظر المجرّد. إنّما يوجب حرمة المصاهرة لكونه سبباً للوطء الذي هو سبب للحرمة وباتّصال الإنزال تبيّن أنّ ذلك المسّ لم يكن بهذه الصّفة، فلا يثبت به حرمة المصاهرة كذا في الذّخيرة (٤) والتتمة (٥). ولهذا يعلم أن معنى قولهم أنّ حرمة المصاهرة لا تثبت بالمسّ عند الإنزال هو أنّ حرمة المصاهرة عند ابتداء المسّ عن شهوة كان أمراً موقوفاً أنّه هل يتصل به الإنزال أم لا فإن اتّصل فلا يثبت وإن لم يتّصل فيثبت لا أن يكون معناه أنّ حرمة المصاهرة تثبت/ بالمسّ ثمّ بالإنزال سقط ما ثبت من الحرمة لأنّ حرمة المصاهرة إذا ثبتت لا تسقط أبدًا. وقال الشافعي ﵀ (٦) إن كانت العدة عن طلاق بائن أو ثلاث يجوز والطّلاق البائن الذي هو دون الثلاث على قول الشّافعي ﵀ إنما يكون في الطّلاق على مال لا غير لما أنّ الكتابان عنده رواجع والخلع فسخ وليس بطلاق فتعيّن هذا كالنّفقة والمنع والفراش والمعنى من الفراش هو ضرورة (٧) المرأة بحال لو جاءت بولد يثبت النّسب منه وهذا كذلك ما دامت العدّة والحد لا يجب على إشارة كتاب الطّلاق وعلى عبارة كتاب الحدود يجب وصورة ما ذكر في كتاب الطّلاق معتدة عن طلاق ثلاث جاءت بولد لأكثر من سنتين من يوم طلقها زوجها لم يكن الولد للزّوج إذا أنكره ففي قوله لا يثبت نسبه منه إذا أنكره دليل على أنّه لو ادّعى يثبت نسبه منه ففيه إشارة إلى أنّ الوطء في العدّة من طلاق ثلاث لا يكون [زنى] (٨) إذ لو كان زنى لا يثبت به النّسب وإن ادّعى.
следующие страницы →