← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

والثّاني: أنّ معنى قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١)؛ أي ما وراء المذكور [قيل] (٢) هذا والملحق به وهو المشركات وهذا من قبيل الملحق به في التّحريم، وذكر شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السّرخسي ﵀ وجهين فيه بعد ذكر النسخ وقال أو نقول هذا الحديث مبين لما في الكتاب وليس بناسخ لأنّ الحلّ في الكتاب مفيد بشرط مبهم وهو قوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (٣)، وهذا الشّرط مبهم والحديث ورد لبيان ما هو مبهم في الكتاب ورسول الله ﵇ بعث مبينًا قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤) أو يقول هذا مقدر للحرمة المذكورة في الكتاب فإنّ الله تعالى ذكر في المحرّمات الجمع بين الأختين لأن بينهما رحمًا يفترض وصلها ويحرم قطعها وفي الجمع قطيعة/ على ما يكون بين الضّرائر من العداوة فبين رسول الله ﵇ أن كلّ قرابة يفترض وصلها فهي في معنى الأختيّه في تحريم الجمع والتي بين العمة وابنة الأخ قرابة يفترض وصلها حتّى لو كانت أحديهما ذكر والأخرى أنثى لا يجوز النكاح بينهما صيانة للرّحم وكذلك إذا ملك عتق عليه تحرّزًا عن قطيعة الرّحم لما روينا من قبل وهو قوله ﵇: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» (٥)، وقال زفر (٦) ﵀-لا يجوز وأسند هذا القول في (الْمَبْسُوطِ) (٧) إلى ابن أبي ليلى ﵀. ولكنّا نستدلّ بحديث عبدالله بن جعفر (٨) فإنه جمع بين امرأة علي ﵁ وابنته (٩) ثم المانع من الجمع قرابة بين المرأتين أو تشبيه القرابة في الحرمة كالرّضاع وذلك غير موجود بين هاتين وما قاله ابن أبي ليلى إنّما يعتبر إذا تصوّر من الجانبين كما في الأختين وذلك لأنّ الاصل في حرمة الجمع بين المرأتين الجمع بين الأختين لأنّه هو المنصوص عليه والذي نحن فيه فرع عليه فيجب أن يكون الفرع على وفاق الأصلي والحرمة هناك من الجانبين فكذا هنا.

стр. 1577

[قوله] (١): لِأَنَّهَا نِعْمَةٌ فَلَا تُنَالُ بِالْمَحْظُورِ (٢). وذلك لأنّ الله تعالى منّ به على عباده بقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ (٣)، وهو معقول فإن أمهاتها وبناتها يصرن كأمهاته وبناته حتى يخلو بهنّ ويسافر بهن وهذا يكون بطريق الكرامة فلا ينال بالزنى الذي هو محظور محض وحجّتنا في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ (٤)، وقد بيّنا [أن] (٥) النكاح للوطء حقيقة فتكون الآية نصاً في تحريم موطوءة الأب على الابن فالتقييد يكون الوطئ حلالاً زيادة فلا تثبت هذه الزيادة بخبر الواحد ولا بالقياس والدّليل [عليه] (٦) أن موطوءة الأب بالملك حرام على الابن بهذه الآية دلّ أنّ المراد به الوطء لا العقد، وقد نقل مثل مذهبنا على ابن مسعود وابن عبّاس وأبي بن كعب (٧)، وعمران الحصين ﵃ (٨) (٩)، والمعنى فيه أن الزنى حرث للولد فيكون علة لحرمة المصاهرة كالوطء الحلال وبنكاح فاسد ووطء أمة مشتركة كذا في الْمَبْسُوطِ (١٠).

стр. 1578

قوله: ولنا أنّ الوطء سبب الجزية أي بين الواطئ والموطوءة يعني يصيران كشخص واحد بواسطة الولد. قوله: وكذلك على العكس أي تصير أصوله وفروعه كأصولها وفروعها حتّى لا يحلّ للزّانية أن تتزوج أب الزّاني أو ابنه. [قوله] (١): إلا في موضع الضّرورة وهي الموطوءة لأنّه لو قيل بحرمة الموطوءة لما حلت امرأة فيؤدّي حينئذ إلى إبطال المقصود من شرع النكاح وهو التّوالد والتّناسل فلمعنى الضّرورة لم يعتبر ذلك ههنا كما حلت حواء لآدم ﵇ وقد خلقت منه حقيقة وحرمت [عليه] (٢) ابنته وهذا لأنّ [العلل] (٣) الشّرعيّة أمارات لا موجبات وإنّما يثبت الحكم بها في المواضع الذي جعلها الشّرع [علة وقد جعل للشّرع] (٤) موضع الضّرورة مستثنى من الحرمة بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٥) ثمّ هذه البعضية لا تختلف بالحلّ والحرمة فلا تختلف حكم الحرمة والوطء محرم إلى آخره جواب عن قوله فلا ينال بالمحظور يعني أن الوطء إنما يوجب حرمة المصاهرة من حيث أنّه سبب الولد فكان قائمًا مقام الولد لأنّه سببه كما أقيم السّفر مقام المشقّة ثم لا عدوان ولا عصيان في المسبّب الذي هو الولد فكذا لا عصيان ولا عدوان في السّبب الذي قام مقامه من ذلك الوجه وهو الزني لأن وصف النائب إنما يؤخذ من وصف المنوب كما في التيمم مع الوضوء. [قوله] (٦): وَمن مسته امْرَأَة بِشَهْوَة حرمت عَلَيْهِ أمهَا وابنتها (٧) قال الفقيه أبو الليث-﵀ (٨): وتأويل المسألة إذا صدق الرّجل المرأة أنها مسته عن شهوة ولو كذّبها ولم يقع في أكبر رأيه إنّما فعلت ذلك عن شهوة وينبغي أن لا تحرم عليه أمّها وابنتها كذا ذكره المحبوبي وقاضي خان -رحمهما الله-. وقال الشّافعي ﵀ (٩) لا تحرم فإن قلت قد ثبت بما ذكر في المسألة الأولى أنّ الوطء الحرام لا يوجب حرمة المصاهرة عنده فعلم من ضرورة أنّ المسّ الحرام لا يوجبها أيضاً لأنّ الوطء لا يكون بدون المسّ عن شهوة فما فائدة ذكر المس عنده بعد ذلك قلت إنّما يكون تكراراً أن لو كانت مسألة المسّ مصورة في الحرام لا غير وليس كذلك بل هذه مصورة في المسّ الحلال لكن عندنا/ لا تفاوت بين أن يكون المسّ عن شهوة عن حلال أو حرام في إيجاب حرمة المصاهرة وكذلك عنده لا تفاوت بين المسّ الحلال والحرام في أنّه لا يوجبها فذكر هذه المسألة لإثبات حكم المسّ الحلال وصورة ذلك ما ذكره في الْمَبْسُوطِ (١٠) هي أن يقبّل أمته بشهوة.

стр. 1579

ثم أراد أن يتزوج ابنتها عنده يجوز. وكذلك لو تزوّج امرأة وقبّلها بشهوة ثم ماتت عنده يجوز له أن يتزوّج ابنتها بناء على أصله أن حرمة المصاهرة تثبت بما يؤثر في إثبات النّسب والعدة وليس للتقبيل والمسّ عن شهوة تأثير في إثبات النّسب والعدة. فكذلك في إثبات الحرمة فيقام مقامه في موضع الاحتياط أي فيقام المس أو النظر مقام الوطء في إثبات حرمة المصاهرة لأنّ حرمة الفرج ممّا يحتاط فيها أكثر ممّا يحتاط في غيرها حتّى أن شبهة البعضيّة بسبب الرضاع قامت مقام حقيقة البعضيّة في إثبات الحرمة دون سائر الأحكام من التوارث ومنع وضع الزكاة ومنع قبول الشّهادة وكذلك لا يقوم المس أو النّظر مقام الوطء في إفساد الصّوم والإحرام ووجوب الاغتسال وإن قام مقامه في حق إثبات حرمة المصاهرة. فإن قلت: النّظر إلى الفرج ليس كالمسّ عن شهوة ألا ترى أنّه لا يفسد الصّوم وإن اتّصل به الإنزال ولأنّ النّظر إلى الفرج لو قام مقام الوطء باعتبار أنّه سبب داع إلى الوطء لوجب أن يقدم النّظر إلى جمال المرأة أيضاً مقام الوطء لأنّه سبب داع إلى الوطء. قلت: أمّا الجواب عن الصّوم فقد قلنا إن رعاية الاحتياط في أمر الفرج أشدّ من الرعاية في غيره فلا يلزم من قيام النّظر ههنا مقام المسّ والوطء قيامه مقامه في الصّوم وغيره. وأمّا الجواب عن الثّاني: فإن التّفاوت ثابت بين النّظرين لما أنّ النّظر إلى الفرج لا يحلّ إلا في الملك بمنزلة المسّ عن شهوة بخلاف النّظر إلى سائر الأعضاء فلا يلزم من ثبوت حرمة المصاهرة في النّظر إلى فرج المرأة ثبوتها في النّظر إلى وجهها (١). قوله: أو يزداد انتشاراً وهو الصّحيح احتراز عن قول كثير من المشايخ فقال في الذّخيرة (٢) وكثير من المشايخ لم يشترطوا الانتشار وجعلوا حدّ الشهوة أن يميل قلبه إليها ويشتهي جماعها وما اختاره في الكتاب قول شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السّرخسي وشيخ الإسلام -رحمهما الله- ثم معنى قوله أن ينتشر الآلة أي إذا لم تكن منتشرة قبل النّظر أو المس أو يزداد انتشاراً أي إذا كانت منتشرة قبل هذا ولكن ازدادت قوة وشدة بالنّظر أو المسّ كان ذلك عن شهوة وإلا فلا وهذا إذا كان شاباً قادراً على الجماع فإن [كان] (٣) شيخًا أو عنّينًا (٤) فحدّ الشهوة أن يتحرك قلبه بالاشتهاء إن لم يكن متحركاً قبل ذلك ويزداد الاشتهاء إن كان متحرّكًا فهذا هو حدّ الشّهوة وكان الفقيه مُحَمَّد بن مقاتل الرازي (٥) ﵀ لا يعتبر تحرك القلب وإنما يعتبر تحرك الآلة وكان لا يفتي بثبوت الحرمة في الشيخ الكبير والعنّين الذي ماتت شهوته حتّى لم يتحرك عضوه بالملامسة.

стр. 1580

قوله والصّحيح أنّه لا يوجبها احتراز عن اختيار بعض المشايخ فإنّهم قالوا بثبوت حرمة المصاهرة بالمس وإن اتّصل به الإنزال. ووجه ذلك ظاهر فإنّ بمجرّد المسّ بشهوة تثبت حرمة المصاهرة عندنا فهذه الزيادة وإن كانت لا توجب زيادة حرمة لا توجب خللاً فيها والذي اختاره في الكتاب (١) اختيار شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السرخسي (٢)، وفخر الإسلام (٣) علي البزدوي -رحمهما الله- وقد نصّ مُحَمَّد ﵀ في أن الجماع في الدّبر لا يثبت حرمة المصاهرة وكذا النّظر إلى موضع الجماع من الدبر بشهوة في باب إتيان المرأة في غير مأتيها من الزيادات وهذا أصحّ لأنّ المسّ المجرّد والنّظر المجرّد. إنّما يوجب حرمة المصاهرة لكونه سبباً للوطء الذي هو سبب للحرمة وباتّصال الإنزال تبيّن أنّ ذلك المسّ لم يكن بهذه الصّفة، فلا يثبت به حرمة المصاهرة كذا في الذّخيرة (٤) والتتمة (٥). ولهذا يعلم أن معنى قولهم أنّ حرمة المصاهرة لا تثبت بالمسّ عند الإنزال هو أنّ حرمة المصاهرة عند ابتداء المسّ عن شهوة كان أمراً موقوفاً أنّه هل يتصل به الإنزال أم لا فإن اتّصل فلا يثبت وإن لم يتّصل فيثبت لا أن يكون معناه أنّ حرمة المصاهرة تثبت/ بالمسّ ثمّ بالإنزال سقط ما ثبت من الحرمة لأنّ حرمة المصاهرة إذا ثبتت لا تسقط أبدًا. وقال الشافعي ﵀ (٦) إن كانت العدة عن طلاق بائن أو ثلاث يجوز والطّلاق البائن الذي هو دون الثلاث على قول الشّافعي ﵀ إنما يكون في الطّلاق على مال لا غير لما أنّ الكتابان عنده رواجع والخلع فسخ وليس بطلاق فتعيّن هذا كالنّفقة والمنع والفراش والمعنى من الفراش هو ضرورة (٧) المرأة بحال لو جاءت بولد يثبت النّسب منه وهذا كذلك ما دامت العدّة والحد لا يجب على إشارة كتاب الطّلاق وعلى عبارة كتاب الحدود يجب وصورة ما ذكر في كتاب الطّلاق معتدة عن طلاق ثلاث جاءت بولد لأكثر من سنتين من يوم طلقها زوجها لم يكن الولد للزّوج إذا أنكره ففي قوله لا يثبت نسبه منه إذا أنكره دليل على أنّه لو ادّعى يثبت نسبه منه ففيه إشارة إلى أنّ الوطء في العدّة من طلاق ثلاث لا يكون [زنى] (٨) إذ لو كان زنى لا يثبت به النّسب وإن ادّعى.

стр. 1581

وقد نصّ في كتاب الحدود أن من طلق امرأته ثلاثاً ثمّ وطئها في العدّة يجب عليه الحدّ إذا لم يدّع الشبهة فصار في حقّ وجوب الحدّ بوطء المطلّقة الثّلاث في العدة روايتان وجه رواية كتاب الطّلاق هو أنّ النكاح قائم من وجه ما دامت العدّة باقية فكفى ذلك شبهة لدرء الحد ووجه رواية كتاب الطلاق هو أنّ النكاح قائم من وجه مادامت العدّة باقية فكفى ذلك شبهة لدرء الحد ووجه رواية كتاب الحدود هو أنّ الحل ينفي من كل وجه بدليل مقطوع به فلا يصير شبهة لأنّ النكاح قائم في الاختصاص إمساكًا لا استمتاعاً بوجه من الوجوه فصار في حق ما يرجع إلى الحلّ هي وسائر الأجنبيات سواء كذا ذكره فخر الإسلام ﵀ في الْمَبْسُوطِ (١) وذكر في الْمَبْسُوطِ (٢)، وإذا ثبت أن العدّة حق من حقوق النكاح لما لحق بعمل عمل الحقيقة في إثبات الحرمة، ألا ترى أنّ الحق في جانبها جعل كحقيقة النكاح في المنع من التزوّج فكذلك في جانبه، ثم الحدّ كما يلزمه إذا وطئها يلزمها الحد إذا مكنت نفسها منه ولا يدل ذلك على زوال المنع في جانبها فكذلك في جانبه ولا يتزوج المولى أمته ولا المرأة عبدها وعلى قول نفات القياس يجوز واستدلّوا بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٤) وحجتنا قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٥) فإنّما خاطب الله تعالى المولى بإنكاح الإماء لانكاحهن، ولأنّ العبد إذا تزوج مولاته فهو يستوجب عليها النّفقة بملك اليمين وهي تستوجب عليه النّفقة بالنكاح فيتقاصان ويموتان جوعًا، وفي هذا من الفساد ما لا يخفى والحرّ إذا تزوّج أمته فهذا العقد غير مفيد؛ لأنّ موجب النكاح ملك الحل وملك الحلّ ثابت له تبعًا لملك الرقبة كذا في الْمَبْسُوطِ (٦) لأنّ النكاح ما شرع إلا مثمراً ثمرات مشتركة بين المتناكحين يعني كما يجب للزّوج على الزّوجة حق يقتضي مالكية الزّوج عليها وهو ظاهر نحو طلب تمكينها منها في الوطء ودواعيه شرعًا بغير اختيارها والمنع عن البروز والخروج والتحصين فكذلك يجب عليه حق يقتضي مالكيتها عليه نحو طلب النفقة [جبراً والسكنى] (٧) والقسم والمنع عن العزل والقيام في أمورها الرّاجعة إلى الزّوجية فلذلك وقع مشتركًا ما وقع من موجبات النكاح نحو المجامعة والمعانقة والولد لوجود المالكية من الطّرفين كما ذكرنا والمملوكية تنافي المالكية أصلاً فلذلك لا يتحقق النكاح مع المملوكية للتنافي على ما ذكرنا من إشارة الأسرار إلى هذا المعنى في النكاح بلفظ الهبة.

стр. 1582

قوله والمملوكية تنافي المالكية لأنّ المملوكيّة أثر المقهورية والمالكيّة أثر القاهريّة فبينهما تضاد وتناف. فإن قلت: إنّما يثبت التنافي إذا لم يكن من جهتين مختلفتين وههنا من جهتين مختلفتين فجاز أن يجتمعا وذلك لأنّ المرأة مالكة بجهة ملك اليمين فجاز أن تكون هي مملوكة لعبدها بجهة النكاح كالأب يكون ابنًا لأبيه. قلت: ليس هذا نظيره لأنّ هناك اجتمعت الأبوّة والبنوّة في حق شخص واحد لكن باعتبار شخصين مختلفين وهنا في حق شخص واحد وهو المرأة/ باعتبار شخص واحد وهو العبد فيقع التّنافي ولأنّ المرأة بجميع أجزائها مالكة لعبدها فلو جاز النكاح بينهما يكون نصفها مملوكًا لعبدها فباعتبار مالكيّتها يمتنع عن تسليم نصفها وباعتبار مملوكيتها لا يتمكن من الامتناع. فحينئذ يمتنع ولا يمتنع فيتحقّق التّنافي ويجوز تزويج الكتابيات لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (١) أي العفايف (٢) وإنّما فسّره بهذا احترازًا عن قول ابن عمر ﵄ فإنّه فسّر المحصنات بالمسلمات. فإن قلت: أهل الكتاب مشركون قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ (٣) إلى قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤) وقد ذكر في التيسير والكشّاف (٥) أنّ اسم أهل الشرك يقع على أهل الكتاب ثم ذكر بعد هذا في الكتاب فلا يجوز تزويج المجوسيّات ولا الوثنيّات لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ (٦) فلم يجز هناك نكاح أهل الشرك لإشراكهم وقد أجاز هنا نكاح أهل الكتاب مع أنّهم مشركون على ما ذكرنا فما وجه التّوفيق بين الآيتين والروايتين. قلت: فيه وجهان: أحدهما: ما ذكره في الْمَبْسُوطِ (٧)، وهو أنّ اسم المشرك لا يتناول الكتابي مطلقاً، فإنّ الله تعالى عطف المشركين على أهل الكتاب في قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ (٨) وغيره علم أنّ معنى الإشراك صار معلومًا (٩) فيهم فلم يلتفت لوجوده فكان ابن عمر ﵄ لا يجوّز ذلك ويقول أن الكتابية مشركة وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (١٠) فكان معنى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١١) أي واللاتي أسلمن من أهل الكتاب ولسنا نأخذ بهذا لما ذكرنا من أنّ الله تعالى عطف المشركين على أهل الكتاب ولأنّا لو حملنا الآية على ما قال ابن عمر لم يكن لتخصيص الكتابية بالذكر معنى فإن غير الكتابية إذا أسلمت حلّ نكاحها أيضاً وقد جاء عن حذيفة ﵁ أنه تزوّج يهوديّة، وكذلك كعب بن مالك ﵁ (١٢).

стр. 1583

والثّاني: ما ذكره أهل التّفسير فإنّهم قالوا: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ (١) الآية منسوخة (٢) بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣) فإن سورة المائدة كلّها ثابتة لم ينسخ منها شيء قط وهو قول ابن عبّاس والأوزاعي ﵁ كذا في التيسير والكشّاف (٤) سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب أي اسلكوا بهم طريقتهم يعني عاملوهم معاملة هؤلاء في إعطاء الأمان بأخذ الجزية (٥) منهم كذا في المغرب (٦) (٧)، ويجوز تزويج الصابيات وهي من صبا إذا خرج من الدّين وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة كذا في الكشّاف (٨)، وذكر في الصّحاح (٩) هم جنس من أهل الكتاب والاختلاف فيه مبني على الاختلاف في تفسير الصّابي وهو معروف ويجوز للمحرم والمحرمة [أن يتزوّجا] (١٠) في حالة الإحرام. فإن قلت: النكاح مما يثبت به حرمة المصاهرة فيجب أن لا يجوز على المحرم قياساً على الوطئ. قلت: حرمة المصاهرة حرمة تبنى على الاحتياط. ألا ترى انها تثبت بالاشتباه فإنّ أصل الحرمة متعلّق بالما للبعضيّة ثم [يعرف] (١١) إلى المحرمية إلى الرّحم ثمّ إلى اللّبن وما في اللّبن بعضيّة حقيقة ولكنّه سبب إلى النشوء والتدني فجاز التعدّي إلى العقد الذي هو سبب الوطء حتّى أن سائر المحرمات لا تتعدّى إلى اللّبن.

стр. 1584

ألا ترى أنّ الصّيد المخلوق من مائي صيدين يحرم على المحرم بالإجماع ولو ربّى ولد شاة بلبن صيد لم يحرم على المحرم وكذلك لو كان ولد شاة من فحل من الظّباء لم يحرم على المحرم وأخذ المائين صيد لأن الصّيد به لم يتكامل فكذلك ههنا لم يتعد الحرمة في حق المحرم من الوطء إلى العقد باعتبار السببيّة لأنّ هذه الحرمة دون حرمة المصاهرة وإلى هذا أشار في الأسرار. وليّته أي موليّته وما رواه محمول على الوطء أي لا يطأ ولا يمكن المرأة أن يطأها كما هو فعل البعض وقيل هو إخبار عن معتاد أحوال المحرمين أنّهم في إحرامهم لا يستغلون بالإنكاح والنكاح بل هم يستغلون بأمور المناسك من الوقوف والطّواف والرمي كما قال الحاج الشعث النعل ولا يشتغل بالاغتسال لأنّ جواز نكاح الإماء ضروري عنده حتّى أنّه لا يجوز للحرّ أن يتزوج أكثر من واحدة ولا يجوز نكاحها عند طول الحرة ولا يجوز نكاحها [إلا] (١) عند خوف العنت وهو الزنى لما فيه من تعريض الحر على الرّق لأنّ الولد/ جزء منه وهو تابع للأمّ في الرّق فلهذا جعل طول الحرة مانعًا منه أي من تزوّج الأمة لإطلاق المقتضي وهو قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٣) وفيه امتناع عن تحصيل الحر في الإقدام على نكاح الأمة امتناع عن حدوث صفة الحريّة في الحرّ لا إرقاقه لأنّه لم يوجد بعد وبعد وجود الماء فالماء موات لا يوصف بالرقية والحريّة إلا بطريق التبعية وله أن لا يحصل الأصل بأن يعزل برضاء المرأة وكذلك نكاح العجوز والعقيم يجوز وفيه تضييع النّسل أصلاً فلأن يجوز نكاح الأمة ولو كان فيه تضييع صفة الحريّة للنّسل أولى (٤). وكذلك إذا تزوّج أمة ثم قدر على طول حرة أو تزوج حرة كان له أن يطأ الأمة بالنكاح بعد ذلك وفيها تعريض ولده للرّق أيضاً وبهذا يتبين أنّ اعتماده على هذا المعنى لا يصحّ. كذا في الْمَبْسُوطِ (٥) وهو بإطلاقه حجة على الشّافعي-﵀ (٦) في حق تجويزه ذلك العبد فإنّ الشّافعي (٧) يجوّز للعبد أن يتزوّج الأمة على الحرّة والكلام فيه يرجع إلى أصل وهو أنّ المنع عن نكاح الأمة على أصله ما كان لمعنى فيها فإنّ الرّق فتح عليها باباً من أبواب المملوكية فلا يسدّ باباً وإنّما المنع في حق الحرّ لمعنى فيه وهو تعريض جزء منه للرّق مع الغنية عنه ولهذا لم يجوز حال القدرة على نكاح الحرة وهذا لا يوجد في حقّ العبد؛ لأنّه رقيق بجميع أجزائه كذا في الإيضاح فثبت به حل المحلية في حالة الانفراد دون حالة الانضمام وذلك لأنّ الحلّ الذي يبنى عليه عقد النكاح نعمة في جانب الرجال والنساء جميعًا فكما ينتصف ذلك الحلّ برق الرجل حتّى يتزوج العبد ثنتين والحر أربعًا فكذلك ينتصف برق المرأة لأنّ الرّق هو المنّصف والرق يشملهما ولا يمكن إظهار هذا التّنصيف في جانبها بنقصان العدد لأنّ المرأة الواحدة لا تحلّ إلا لواحد فظهر التّنصيف باعتبار الحالة فبعد ذلك أمّا أن يقول الأحوال ثلاث حال ما قبل نكاح الحرّة وبحال ما بعده وحال المقارنة ولكن الحالة الواحدة لا تحتمل التحرّي فنقلت الحرمة على الحلّ فتجعل محللة سابقة على الحرّة ومحرمة مقترنة بالحرة أو متأخّرة عنها أو في الحقيقة حالتان حالة الانضمام إلى الحرّة وحالة الانفراد عنها فتجعل محلّلة منفردة عن الحرة ومحرمة مضمومة إلى الحرة فأمّا إذا كان تحته حرة فهو بنكاح الأمة بضمّها إلى الحرّة فلهذا لا يصحّ كذا في الْمَبْسُوطِ (٨)، ويجوز عندهما لأنّ هذا ليس يتزوج عليها.

стр. 1585

فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين ما إذا تزوّج امرأة في عدة أختها من طلاق بائن فإنّه لا يجوز بالإجماع فما جوابها عن تلك المسألة. قلت: إنهما يقولان إنّ المحرم هناك الجمع فإذا تزوّجها في عدة أختها صار جامعًا بينهما في حقوق النكاح فلا يجوز، وأمّا هذا المنع فليس لأجل الجمع فإنّه لو تزوّج الأمة ثم الحرّة صحّ نكاحهما ولكن المنع من تزوّج الأمة على الحرّة إدخال ناقصة الحال في مزاحمة كاملة الحال وهذا لا يوجد بعد البينونة (١) أو نقول إنّما حرم نكاح الأمة على الحرة ليظهر تنصيف حالها في باب النكاح في مقابلة نكاح الحرة على ما ذكرنا فلا يثبت حكم هذا التنصيف حال الخلوّ عن مقابلة نكاح الحرة ونكاح الحرّة مزايل بالإبانة لأن بعد الفرقة لم يبق بينه وبينها نكاح فلا يكون متزوجًا عليها كما لو كانت الحرة تفيد من نكاح فاسد أو وطئ بشبهة فتزوج أمه يجوز وأبو حنيفة ﵀-يقول المنع من نكاح الأمة يثبت بنكاح الحرّة وكلّ منع ثبت بسبب النكاح يبقى ببقاء العدة كالمنع من نكاح الأخت والأربع وهذا لأنّ العدّة حق من حقوق النكاح وحق الشيء كنفس ذلك الشيء في إبقاء الحرمة ونكاح الأمة إنّما لا يجوز بعد الحرّة لأنّها محرمة في هذه الحالة فتبقى تلك الحرمة بقاعدتها فإنّها محرمة مضمومة إلى الحرة وفي هذا نوع ضم في فراش النكاح فأمّا إذا كانت الحرّة معتد من نكاح فاسد فقد قيل أن ذلك قولهما (٢). فأمّا عند أَبِي حَنِيفَةَ –﵀ فلا يجوز وبعد التّسليم يقول: هناك المنع لم يكن ثابتًا بالنكاح الفاسد (٣) حتّى يقال يبقى ببقاء العدّة وإنّما يعتبر في العدّة ما صار معتبراً في أصل النكاح والنكاح الفاسد ضعيف/ في أصله فلم يعمل بمقابلة الصّحيح كذا في الْمَبْسُوطِ (٤) والأسرار لأنّ المقصود أن لا يدخل غيرها في قسمها ولم يدخل فلا يحنث والتّنصيص على العدد يمنع الزّيادة عليه.

стр. 1586

فإن قلت: يشكل على هذا قوله ﵇: «إِنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ بَوْلٍ، وَغَائِطٍ، وَقَيْءٍ، وَمَنِيٍّ، وَدَمٍ» (١) فبالاتفاق أنّ الثّوب يغسل من [غير خمس] (٢) خمر مع أنّه ﵇ نصّ على العدد مع كلمة الحصر ويشكل أيضاً قوله ﵇: «ثَلَاث جِدُّهُنّ جِدّ» (٣) الحديث. … فقد زيد عليه النذر والعفو عن القصاص والعتاق مع أنّ المذكور هو اليمين والنكاح والطّلاق لا غير. قلت: قال شيخي ﵀ معناه إنّما يغسل الثّوب من خمس ممّا يخرج من بدن الآدمي لأنّ هذا الحديث خرج جواباً لسؤال من سأل عن [النجاسة] (٤)، وهو منحصر على هذا العدد وقد مرّ في الصّلاة. وأمّا الجواب عن قوله ﵇: «ثَلَاث جِدُّهُنّ جِدّ» (٥) فمذكور في عوارض الوافي ثم الرّوافض تمسكوا بظاهر قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٦) حيث جوّزوا الجمع بين تسع نسوة لما أنّ الواو للجمع فإذا جمعت بين هذه الأعداد كانت تسعًا ولأنّ النبي ﵇ كان قدوة الأمة وهو جمع بين تسع نسوة وحجّتنا في ذلك قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٧) والمراد أحد هذه الأعداد قال: الفراء ﵀ (٨) لا وجه لحمل هذا على الجمع (٩) لأنّ العبارة عن التسع بهذا اللّفظ ثم من العيّ في الكلام والدّليل عليه قوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (١٠) والمراد أحد هذه الأعداد بالإجماع والنّبي ﵇ كان مخصوصاً بإباحة تسع نسوة له وهو اتساع حله بفضيله النبوّة فإن بزيادة الفضيلة يزداد الحل كما فيما بين الأحرار والمماليك ولم ينقل عن أحد في حياة رسول الله ﵇ ولا بعده إلى يومنا هذا أنّه جمع بين أكثر من أربع نسوة نكاحاً وقال ﵇: «يَتَزَوَّجُ الْعَبْدُ ثِنْتَيْنِ وَيُطَلِّقُ تَطْلِيقَتَيْنِ» (١١) ممّا يدل على أنّ الحرّ لا يتزوّج أكثر من أربع لأن حال المملوك على النّصف من حال الحرّ كذا في الْمَبْسُوطِ (١٢) وفي مثل قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (١٣) يراد القصر على أحد هذه الأعداد ونظيره قول الطّبيب للمريض كل لقمة ولقمتين وثلاثاً يريد إطلاق الثلاث لا الجمع بين الأعداد وقد صحّ أنّه ﵇ فرق بين غيلان الديلمي (١٤) وبين الزيادة على الأربع من نسائه حتّى أسلم وتحته عشر نسوة (١٥) فثبت أنّ الحل مقصود على ما قلنا كذا في مبسوط (١٦) فخر الإسلام، ولأنّ التّأويل لو كان كما قاله الرّوافض من معنى الجمع لجاز ثمانية عشر لأن مثنى معدول من اثنين اثنين وثلاث من ثلاثة ثلاثة ورباع من أربعة أربعة فإذا جمعتها كانت ثمانية عشر وهي لا تجوز بالإجماع علم بهذا أنّ الجمع غير مراد وقال: الشّافعي-﵀ (١٧) لا يتزوّج إلا أمة واحدة لأنّه ضروري عنده هذا في حق الحر حتّى أنّه لا يجوز للحرّ نكاح الأمة [مع طول الحرّة] (١٨) وكذلك لا يجوز نكاح الأمة الكتابية لما أنّ الضرورة ترتفع بالمسلمة وأمّا نكاح الأمة في حق العبد ليس بضروري حتّى جاز للعبد نكاح الأمة مع طول الحرّة ونكاح الأمتين وتزوج الأمة على الحرة عنده لأنّ نكاح الأمة في حقّه ليس ببدل إذ ليس فيه تعريض شيء منه للرّق فإنّه رقيق بجميع أجزائه كذا في الْمَبْسُوطِ (١٩) والحجّة عليه ما تلونا وهو قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢٠) كما في الظّهار أي يتحقق الظّهار في حق الأمة المنكوحة مع أنّ آية الظهار مذكورة بذكر النّساء قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٢١) ولا يجوز أن يتزوّج أكثر من اثنتين والمكاتب والمدبّر وابن أمّ الولد في هذا كالعبد لأنّ الرّق المنصف للحل فيهم قائم كذا في الْمَبْسُوطِ (٢٢) لأنّه في حقّ النكاح بمنزلة الحرّ عنده فقال: ألا ترى أن بالتبني لا تقع الفرقة ولأنّ العبد يملك أهل ملك النكاح بالإجماع ولو صار مملوكًا في حقّه لما ساوى الحرة فيه كما لا يساويه في حق ملك المال لما صار مملوكًا مالاً فعلمنا أنّه بقي في حق ملك النكاح على ما كان ولهذا قلت إنّه يتزوج بغير إذن مولاه.

стр. 1587

ألا ترى أنّه يطلّق بغير إذنه إلا أنّا نحتج بحديث عمر ﵁ أنّه قال: لا يتزوّج العبد إلا امرأتين (١)، ولأنّ الذي يتعلّق بصفة الحلّ استحلال فعل/ اقتضاء شهوة الفرج وهو لا يتصور ولا يتزوّج إلا من الجانبين فإنّه في الأصل يقع بالنكاح وحق التّمتع يقع مشتركًا بينهما حتّى أن للمرأة حق المطالبة به كما للرّجل ثم أجمعنا على أنّ ما يكون للمرأة من الاستمتاع المعلّق بصفة الحل يعود إلى الشّرط بالرّق حتّى لو كانت المرأتان الحرتان تحت رجل تستويان في حق القسم ولو كانت أحديهما أمة كان لها نصف ما يكون للحرّة فكذلك في جانب الرّجل إذا كان عبدًا. وقوله: العبد يملك أصل ملك النكاح فملك أصل الشّيء لا يمنع التنصيف بالرّق كالأمة المنكوحة يملك أصل طلب القسم وتنصيف قيمتها بالرّق على ما ذكرنا والسّبي أحد أسباب ملك الرّقبة فمحلّه المال لا النكاح فلذلك لم تقع الفرقة بالسّبي بعض هذا مذكور في (الأسرار) (٢). وقال أَبُو يُوسُف ﵀ النكاح فاسد ثمّ في النكاح الفاسد لكلّ واحد من الزّوجين فسخ النكاح بغير محضر من صاحبه عند بعض المشايخ وعند بعضهم إن لم يدخل بها فالجواب كذلك وإن دخل بها فليس لواحد منهما حق الفسخ إلا بمحضر من صاحبه ذكره في الفوائد الظهيريّة وفيها أيضاً وأحاله إلى النّوازل فقال رجل تزوّج امرأة بها حبل من الزّنى منه فالنكاح صحيح عند الكلّ [ويستحق النّفقة عند الكلّ] (٣) ويحلّ له وطئها عند الكلّ وهذا الحمل محترم لأنّه لا جناية منه فلما كان محترمًا صار كحمل هو ثابت النّسب وفيه لا يجوز النكاح فكذا هنا وذلك لأنّ حرمة النكاح في حمل ثابت النّسب لوجوب صيانة الحمل عن سقيه بماء حرام فإنّ الحمل يزداد سمعه وبصره حده بالوطء على ما روي عن النبي ﵇: «أنه أمر بلالاً يؤم أوطاس لينادي ألا من أصاب حبلى فلا يقربنها فإنّ البضع يزيد في السمع والبصر» (٤) أي البضاع (٥) والنكاح يفضي إلى ذلك فلم يجز النكاح هناك لهذا فكذلك ههنا ولهما أنّه من المحللات بالنصّ وهو قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٦) فالله تعالى عد المحرمات وهذه غير داخلة في عداد المحرمات فكانت داخلة في عداد المحلّلات ضرورة ولأنّ حرمة الحبل لا تمنع صحة النكاح فإنّه لو تزوّجها من كان نسب الحبل منه يصحّ فعرفنا أنّ المانع حق صاحب النّسب وهذا المعنى غير موجود إذا كان الحبل من الزنى لأنّه لا حق للزّاني وماؤه غير مصون كذا ذكره صاحب الفوائد والمحبوبي.

стр. 1588

وذكر الإمام التمرتاشي (١) ﵏ ولا نفقة لها وقيل لها ذلك ولا يباح وطئها ولا دواعيه وعدتها بوضع الحمل وقيل لا بأس بوطئها بخلاف الأمة الحامل من الزنى لا يقربها المولى قبل. وكذا الخلاف لو زوّجت نفسها من الزّاني ولم يقر الزّاني بأنّ الحبل منه فإن أقرّ صحّ النكاح عند الكلّ تستحق النفقة لأنّه غير ممنوع عن وطئها. قلت: فالحرف الذي يدور عليه الخلاف هو أنّ امتناع التّزوج في الحامل التي كان حملها ثابت النّسب لماذا فعند أبي يوسف ﵀ لحرمة الحبل وصيانته عن سقيه بماء حرام لأنّه لا ذنب له فيضاف وعندهما امتناع التزوّج لحق صاحب الماء وذلك إنّما يكون عند ثبوت النّسب ولا حرمة للزاني فيجوز نكاحها فإن تزوّج حاملاً من السّبي فالنكاح فاسد صورتها الحربيّة الحامل إذا سبيت فأراد السّابي أن يزوّجها لا يجوز ما لم تضع حملها لأنّ نسب ما في بطنها ثابت من زوجها الحربي فالأنساب تثبت في دار الحرب كثبوتها في دار الإسلام (٢) ومتى (٣) كان النّسب ثابتًا من آخر [لم] (٤) يكن هي محلاً للنكاح في حق غير صاحب النّسب ما لم تفرغ منه وكذا المهاجرة إلى دارنا إذا كانت حاملاً ليس لها أن تتزوّج ما لم تضع حملها لأن في بطنها ولدًا ثابت النسب وروى الحسن عن أَبِي حَنِيفَةَ -رحمهما الله- في المهاجرة والمسبيّة أنّها إن تزوجت جاز النكاح ولكن لا يقربها زوجها حتى تضع حملها وإن لم تكن حاملاً يجوز النكاح لأنّ الفرقة وقعت بتباين الدّارين كذا ذكره الإمام المحبوبي ﵀ وإن زوج أم ولده وهي حامل منه فالنكاح باطل (٥) ذكر لفظ الباطل هنا ولفظ الفاسد فيما تقدّم. وذكر فخر الإسلام-﵀ في مبسوطه المراد من الفاسد هناك أيضاً الباطل لأنّ ثبوت الملك في باب النكاح مع المنافي وإنّما يثبت الملك ضرورة تحقّق المقاصد من حلّ الاستمتاع للتّوالد/ والتّناسل فلا حاجة إلى عقد لا يتضمّن المقاصد فلا يثبت الملك ولكن بقي ههنا سؤال تخصيص العبارة هنا بالباطل وهناك بالفاسد.

стр. 1589

قلنا: أمّا في تزويد الحامل من الزنا [قط] (١) لأنّ الحرمة فيها مختلف فيها خصوصاً على رواية النّوازل التي ذكرناها فكانت الحرمة فيها أهون من الحرمة هنا فذكر لذلك الفاسد دون الباطل وكذلك في المسبية على رواية الحسن عن أَبِي حَنِيفَةَ -رحمهما الله- على ما ذكرنا لأنّها فراش لمولاها لوجود حدّ الفراش لأنّ الفراش عبارة عن صيرورة المرأة متعيّنة لثبوت نسب ولد الرّجل منها وهذا كذلك وذكر الإمام المحبوبي-﵀. اعلم بأنّ الفراش على ثلاثة أنواع قوي وضعيف ووسط الحال فالقوي فراش النكاح ولهذا لو جاءت المنكوحة بولد يثبت نسبه من غير دعوى ولو نفاه الزّوج لا ينتفي لمجرّد النّفي من غير لعان والمتوسّط فراش أمّ الولد حتّى لو جاءت بولد يثبت النّسب من غير دعوى ولو نفاه ينتفي بمجرّد النّفي من غير لعان والضّعيف فراش الأمة حتّى لو جاءت بولد لا يثبت نسبه من المولى من غير دعوى منه (٢). قوله إلا أنّه غير متأكّد حتّى ينتفي الولد بالنّفي من غير لعان. فإن قيل: إذا كان الولد ينتفي نسبه بمجرّد النّفي ينبغي أن يجوز النكاح وإن كانت حبلى لأن الإقدام على النكاح يكون نفياً للنّسب لما أنّ النكاح لا يجوز مع ثبوت النسب عن الغير وهذا لأنّ النّسب كما ينتفي بالنّفي صريحًا [ينتفي بالنفي] (٣) دلالة بدليل أنّ الرّجل إذا كانت له جارية ولدت ثلاثة أولاد في بطون مختلفة فادّعى المولى الأكبر ثبت نسب الأكبر وينتفي نسب الأوسط والاصغر لدلالة نفي نسبهما بتخصيص نسب الأكبر. قلنا: ما ذكرتم عمل بالدّلالة مع قيام الصّريح بخلافهما فإن المسألة مصورة فيما إذا كان الحمل منه فإنّه قال رجل زوج أم ولده وهي حامل منه كذا في الفوائد الظهيريّة. وقوله: إلا أنّه غير متأكّد إلى آخره جواب إشكال يرد على قوله لأنّها فراش على مولاها وهو أن يقال يشكل لما إذا زوجها وهي حامل فإنّه يجوز فلو كانت أمّ الولد فراشاً لمولاها لما جاز نكاحها عند كونها حاملاً لما أنّ الجمع بين الفراشين الصّحيحين لا يجوز فأجاب عنه فقال نعم كذلك إلا أن فراشها ضعيف فيتأكّد عند اتّصال الحمل بها منه وإنّما تأكّد به لأن الحمل مانع في الجملة وكذلك الفراش مانع أيضاً فعند اجتماعهما يحصل التأكّد لأنّها ليس بفراش لمولاها لانعدام حدّ الفراش الذي ذكرناه إذ لو كانت متعينة لثبوت النّسب منها لثبت من غير دعوة إلا أنّ عليه أن يستبرئها صيانة لمائه أي الاستبراء على المولى بطريق الاستحباب (٤) دون الحتم ثم تزوّجها صيانة لمائه فللزّوج أن يطأها قبل الاستبراء عند أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يوسف-رحمهما الله- وهذا [الاختلاف] (٥) فيما إذا لم يستبرئ المولى أمّا إذا استبرئها المولى ثم زوّجها فإنّه يجوز الوطئ قبل الاستبراء بالاتّفاق.

стр. 1590

وذكر الإمام المحبوبي-﵀ من المشايخ من قال لا اختلاف بينهم في الحاصل فإنّ أبا حينفة ﵀ قال للزّوج أن يطأها بغير استبراء واجب ولم يقل لا يستحب ومُحَمَّد ﵀ لم يقل هو أيضاً واجب. ولكنّه قال لا أحب أن يطأها وعند زفر (١) ﵀ لا يجوز للرّجل أن يتزوّجها حتّى تحيض ثلاث حيض بناء على أصله أنّه لا يجوز نكاح الزّانية بعد الزّنى إلا بعد أن تحيض ثلاث حيض؛ لأنّ العدة تجب عنده حلالاً كان أو حراماً قال الفقيه أبو الليث (٢) ﵀ وهو قول مُحَمَّد ﵀ أقرب إلى الاحتياط وبه نأخذ لأنّه احتمل الشغل بماء المولى فوجب التنزّه يعني أن سبب الشّغل قد وجد وهو الوطئ ولو تحقّق الحمل حرم الوطئ كيلا يكون ساقياً ماؤه زرع غيره فإن احتمل وجب التنزّه صيانة لمائه عن الخلط كذا في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٣) لِقَاضِي خَانْ-﵀. قوله: فوجب التنزّه أي ثبت لا الوجوب المصطلح بدليل قران قوله فيما قبله لا أحب أن الحكم بجواز النكاح أمارة الفراغ فلا يؤمر بالاستبراء لأنّ النكاح لم يشرع إلا على رحم فارغة فلما جاز النكاح [على الفراغ] (٤) علم الفراغ ولما علم الفراغ جاز الوطئ من غير استبراء. فإن قيل: يشكل على هذه النكتة جواز نكاح الحبلى من الزنى وحرمة وطئها على قول أَبِي حَنِيفَةَ/ ومُحَمَّد -رحمهما الله- على ما مرّ فلم يدل هناك جواز النكاح على حلّ الوطء فكيف [دلّ] (٥) هنا (٦). قلنا: هذا طرد لا نقص لما أنّ جواز النكاح ثابت في الصّورتين بالمقتضى وهو قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٧) لكن الوطء هناك حرام لوجود الحمل حقيقة لئلا يكون الوطءساقياً زرع غيره فلم يدل جواز النكاح هناك على حلّ الوطء لوجود الحمل حقيقة.

стр. 1591

وأمّا ههنا الأمة ليست بفراش المولى ولا حمل فيها حقيقة فلو كانت إنّما كان حكمًا وشرعًا فكان جواز النكاح شرعًا دليلاً على فراغ رحمها حكمًا مع أنّ الظّاهر هو أن يمتنع المولى من الإحبال بالعزل تصوّنًا عن إفساد ملكه. قوله ﵀: لا استحبابا ولا وجوباً بخلاف الشّرى (١)، وإنّما آخر قوله وجوباً مع أنّه يقتضي التقدم لقوّته ولاستلزام عدم الاستحباب عدم الوجوب. بخلاف العكس ليتّصل بقوله: بخلاف الشّرى فإنّ الاستبراء فيه واجب ثم وجه ورود الشّرى فيه هو أنّ جواز الشّرى لم يدل على فراغ الرّحم فينبغي أن لا يدلّ جواز النكاح أيضاً على فراغ الرّحم والجامع بينهما تجويز الوطء. فالجواب عنه أن حلّ الوطء في النكاح قصدي وفي الشّرى ضمني فيجوز أن يدلّ جواز السّبب القصدي على فراغ الرّحم وإن لم يدل جواز السّبب الضمني عليه لأنّه يجوز مع الشّغل أي لأنّ الشّرى يجوز مع شغل الرّحم يحمل من غير المولى فلذلك لم يدل جواز الشّرى على فراغ الرّحم فيجب الاستبراء على المشتري صيانة لمائه عن سقي زرع الغير أمّا جواز النكاح فيدلّ على فراغ الرّحم لما قلنا فلذلك لم يجز نكاح الحامل. وأمّا نكاح الحامل من الزّنا على قولهما إنّما جاز للحوق ذلك الحمل بالعدم لانعدام احترام صاحب الماء وكذا لو رأى امرأة تزني فتزوجها حلّ الوطئ لإطلاق قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ (٢)، ولا يقال ينبغي أن لا يحلّ لأنّه احتمل الشغل بماء الزّاني ودليل الحرمة راجح عند معارضته بدليل الحل. لأنا نقول تعارض الاحتمالان وهما وجود الحمل وعدمه فبعد ذلك رجحنا جانب العدم لأصالته ولتقوى الأصاله هنا بانعدام حرمة صاحب الماء ولأنّ مجرّد احتمال الشغل لا يعارض إطلاق قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ (٣)، ونكاح المتعة (٤) باطل (٥) فصورته أن يقول لامرأة خذي هذه العشرة لأتمتع بك أو لأتمتع بك أيامًا أو متعيني نفسك أيامًا [أو عشرة أيّام] (٦) أو لم يقل أيّام والنكاح المؤقت أن يتزوّج امرأة عند الشّهود عشرة أيّام والفرق بينهما هو أن يذكر لفظ التّزويج والنكاح في المؤقت مع ذكر التّوقيت ولفظ المتعة في نكاح المتعة.

стр. 1592

ثم في نكاح المتعة خلاف مالك ﵀ فإنّه يجوز عنده (١)، وهو الظّاهر من قول ابن عبّاس واستدلّ بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٢). ولأنا اتّفقنا أنّه كان مباحًا فإنّ النبي ﵇ أحلّ المتعة ثلاثة أيام من الدّهر في غزاة غزاها اشتدّ على النّاس فيها العزوبه (٣)، والحكم الثابت يبقى حتى يظهر ناسخه. ولكنّا نقول قد ثبت نسخ هذه الإباحة بالآثار المشهورة فمن ذلك ما روى مُحَمَّد بن الحنفيّة (٤) عن علي بن أبي طالب ﵁: «أن منادي رسول الله ﵇ نادى يوم خيبر أَلَا إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ الْمُتْعَةِ» (٥). ومنه حديث الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ ﵁ (٦) قَالَ: «أَحَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ الْمُتْعَةَ عَامَ الْفَتْحِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَجِئْتُ مَعَ عَمٍّ [لِي] (٧) إلَى بَابِ امْرَأَةٍ وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا بُرْدَةٌ وكانت بُرْدَةُ عَمِّي أَحْسَنَ مِنْ بُرْدَتِي فَخَرَجَتْ امْرَأَةٌ كَأَنَّهَا دُمْيَةٌ عَيْطَاءُ فَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إلَى شَبَابِي وَإِلَى بُرْدَتِهِ، وَقَالَتْ هَلَّا بُرْدَةٌ كَبُرْدَةِ هَذَا أَوْ شَبَابٌ كَشَبَابِ هَذَا ثُمَّ آثَرَتْ شَبَابِي عَلَى بُرْدَتِهِ فَبِتُّ عِنْدَهَا فَلَمَّا أَصْبَحْتُ إذا منادي رسول الله ﵇ يُنَادِي [أَلَّا] (٨) إنَّ اللَّهَ تَعَالَى - وَرَسُولَهُ يَنْهَاكُم (٩) عَنْ الْمُتْعَةِ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْهَا» (١٠) ثم الإباحة المطلقة لم تثبت في المتعة قط.

стр. 1593

وإنما ثبتت الإباحة المؤقتة بثلاثة أيام فلا يبقى ذلك بعد مضيّ الأيّام حتى يحتاج إلى دليل النسخ، وقال جابر بن زيد (١): ما خرج ابن عبّاس ﵁ من الدّنيا حتّى رجع عن قوله: في الصّرف (٢) والمتعة (٣) فثبت النسخ باتفاق الصّحابة، والمراد بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ (٤) الزّوجات فإنه نها عن قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ﴾ (٥) / والمحصن النّاكح كذا في الْمَبْسُوطِ (٦).

стр. 1594

[قوله] (١) قلنا: ثبت النسخ بإجماع الصّحابة (٢) ﵃ أي ظهر ثبوت النّسخ الذي كان انتسخ وقت النبي ﵇ بإجماع الصّحابة أي الصّحابة أجمعوا على أن نكاح المتعة قد انتسخ وقت النبي ﵇ على ما ذكرنا من الأحاديث في نهي النبي ﵇ عنه فكان إجماعهم منعقدًا على ثبوت ذلك النهي وإنّما احتجنا إلى هذا لما أنّ الإجماع لا يصلح ناسخًا لحكم الكتاب أو السنّة في المذهب الصّحيح لما عرف فكان تأويله ما قلنا. ولنا أنّه أتى بمعنى المتعة لما أنّ توقيت الملك بالمدّة لا يكون إلا في المنافع التي تحدث في المدّة ولفظ النكاح يحتمل معنى المتعة لما أنّه في الحقيقة لملك التّمتع بالمرأة وإنما وقع الملك على المرأة شرعًا لا مقتضى لفظ النكاح فصار المحتمل من صدر كلامه محمولاً على الحكم من سياقه لما أنّ العبرة في العقود للمعاني كالمضاربة بشرط أن يكون الرّبح كلّه للعامل كان إقراضاً وبشرط أن يكون الربح كلّه لربّ المال كان إبضاعاً. وكذلك الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة والحولة بشرط عدم براءة الأصيل كفالة اعتباراً للمعنى وإذا اعتبر المعنى كان متعة ففسد العقد لعدم ركنه وهو اللّفظ الموضوع لهذا العقد لا لشرط فاسد دخل عليه كذا في الأسرار وغيره. فإن قلت: يشكل على هذا ما إذا شرط وقت العقد أن يطلقها بعد شهر صحّ النكاح وبطل الشرط فيجب أن يصحّ إذا تزوّجها إلى شهر لما أنّ التّوقيت فيهما موجود. قلت: هذا الذي ذكرته هو ممّا تشبث به زفر ﵀ ولكن الفرق بينهما ظاهر وذلك لأنّ الطّلاق قاطع للنكاح فاشتراط القاطع بعد شهر لينقطع به دليل على أنّهما عقد العقد مؤبدًا، ألا ترى أنّه لو صحّ الشرط هناك لا يبطل النكاح بعد مضي شهر فههنا لو صحّ التّوقيت لم يكن بينهما عقد مضى الوقت كما في الإجارة كذا في الْمَبْسُوطِ (٣) ولا فرق بين ما إذا طالت مدّة التأقيت أو قصرت هذا احتراز عن قول الحسن بن زياد ﵀ (٤).

стр. 1595

فإنّه قال: إن ذكرا من الوقت ما يعلم أنهما لا يعيشان إلى ذلك الوقت كمائة سنة أو أكثر يكون النكاح صحيحًا؛ لأنّ في هذا تأكيد معنى التأبيد، فإنّ النكاح يعقد للعمر بخلاف المدّة القصيرة وعندنا الكلّ سواء؛ لأنّ التّأبيد من شرط النكاح فالتّوقيت يبطل طالت المدّة أو قصرت، كذا في الْمَبْسُوطِ (١) ثم جميع المسمّى للتي تحلّ عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وعندهما يقسم على مهر مثلهما وهي مسألة الأصل أي الْمَبْسُوطِ ذكرها في آخر باب المهور فقال: فيه وحجّتهما أن الألف مسمّى بمقابلة البضعين، وإنّما التزمها الزّوج عند سلامة البضعين له فإذا لم [يسمّ] (٢) له إلا أحديهما لا يلزمه إلا حصّتهما من الألف، كما لو خاطب امرأتين بالنكاح بألف فأجابت أحديهما دون الأخرى، وكما لو اشترى عبدين فإذا أحدهما مدبّر، والدّليل عليه أنّ الانقسام جعل معتبراً في حق التي لا تحلّ له لما أنّها دخلت في العقد عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حتّى لا يلزمه الحدّ بوطئها مع العلم، ومن ضرورة دخولها في العقد انقسام البدل المسمّى (٣)، وعندهما إنّما يجب الحدّ؛ لانتفاء شبهة الحلّ، فإنّ العقد لا ينعقد في غير محلّ الحلّ وسقوط الحدّ من حكم انعقاد العقد. فأمّا الانقسام فمن حكم التّسمية لا من حكم انعقاد العقد كما لو أجابته إحدى المرأتين دون الأخرى، وأبو حنيفة-﵀ احتج في ذلك وقال: ضم التي لا تحلّ له إلى [الشيء] (٤) يحلّ له في عقد النكاح لغو، فهو بمنزلة [ضم] (٥) جدار أو أسطوانة إلى المرأة في النكاح، وهناك البدل المسمّى كلّه بمقابلتها دون ما ضمّه إليها فكذلك ههنا، وبيان ذلك: أنّ النكاح تختصّ لمحل الحل؛ لأنّ موجبه ملك الحل، [وبين] (٦) الحلّ والحرمة في المحلّ منافاة، ففي حق المحرمة العقد مضاف إلى غير محلّه، وانقسام البدل من حكم المعاوضة، والمساواة في الدّخول في العقد، فإذا انعدم ذلك لا يثبت الانقسام، ألا ترى أنّه لو طلق امرأة ثلاثا بألف درهم كان بإزاء كلّ تطليقة ثلث الألف، ولو كان عنده بتطليقة واحدة (٧) فطلّقها ثلاثاً بألف درهم كانت الألف كلّها بمقابلة الواحدة، وهذا بخلاف ما إذا خاطبهما بالنكاح، [فأجابت أحديهما] (٨) لأنّهما استويا في الإيجاب حتّى لو أجابتا صحّ نكاحهما جميعًا فثبت حكم انقسام البدل بالمساواة في الإيجاب، وكذلك المدبّر مع العبد فإنّه قال مملوك فيدخل/ في العقد ثمّ يستحقّ نفسه بحق الحريّة، ولهذا لو قضى القاضي بجواز بيعه جاز وسقوط الحدّ على قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ من حكم صورة العقد لا من حكم انعقاده وقد وجد ذلك في حق التي لا تحلّ له فأمّا انقسام البدل فمن حكم انعقاد العقد (٩).

стр. 1596

ومن ادعت عليه امرأة إلى أن قال: وسعها المقام معه؛ بضم الميم، وفتحها فقد ذكر في الصّحاح (١). وأما المقام والمقام فقد يكون كلّ واحد منهما بمعنى الإقامة ثم قال وقرى ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ (٢) بالضمّ أي لا إقامة لكم ولقب المسألة أن قضاء القاضي بشهادة الزّور في العقود والفسوخ في قول أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يوسف -رحمهما الله- أولا [ينعقد] (٣) ظاهراً، وباطنًا وعند أبي يوسف آخراً وهو قول مُحَمَّد وزفر والشّافعي-﵏ (٤) ينفذ ظاهراً لا باطنًا والمعنى من النفاذ باطنًا ثبوت الحلّ فيما بينهما وبين الله تعالى وعلى هذا الاختلاف البيع بأن ادّعى رجل على رجل بيع جارية أقام البيّنة ولم يبعها فقضى القاضي بها للمدّعي حلّ له وطئها عند أَبِي حَنِيفَةَ-﵀ وكذلك إذا ادعت المرأة الطّلقات الثّلاث على زوجها وأقامت البيّنة فلم يكن طلقها يقضي القاضي بالطّلقات الثّلاث وتزوّجت بزوج آخر حلّ للزّوج الثّاني أن يطأها عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وعند مُحَمَّد ﵀ لا يحلّ للثّاني ولا للأوّل أن يطأها. وكذلك الاختلاف في الفسخ بأن ادّعى أحد المتبايعين على صاحبه فسخ البيع وأقام البيّنة وصاحبه لم يكن فسخ البيع ففسخ القاضي البيع ينفسخ بفسخ القاضي وحلّ للبائع عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وكذلك في دعوى العتق والنّسب وأجمعوا أنّ قضاء القاضي في الأملاك المرسلة وفي الميراث ينفذ ظاهراً لا باطنًا. وأمّا في الهبة والصدقة فعن أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ روايتان في رواية ألحقها بالأشربة والأنكحة من حيث أنّه يحتاج فيه إلى الإيجاب والقبول وفي رواية ألحقها بالأملاك المرسلة. والحاصل أنّ في المسألة أربعة أقاويل: قائل يقول يحلّ للثاني وطئها دون الأوّل وهو أبو حنيفة ﵀ وقائل يقول لا يحلّ للأوّل وطئها للتهمة ولا للثّاني للحرمة وهو أَبُو يُوسُف ومُحَمَّد - رحمهما الله - وقائل يقول يطأها الأوّل سرًا والثّاني علانية وهو الشّافعي ﵀. وذكر شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السّرخسي-﵀ أن على قول مُحَمَّد يحلّ للأوّل أن يطأها قبل دخول الثّاني وإذا دخل لا يحلّ الوطء للأوّل لوجوب العدة عليها من الثاني كالمنكوحة إذا وجبت عليها العدة من [غير] (٥) الزّوج (٦)، وقال الفقيه أبو الليث ﵀ يأخذ بقولهما في الفتوى فوجه قولهم أنّ القضاء ههنا أما إمضاء لعقد قد سبق أو إنشاء لعقد لم يسبق لا سبيل إلى الأوّل لأنّ العقد لم يسبقه فيمتنع القضاء بالإمضاء ولا سبيل إلى الثّاني لأنّ إنشاء العقد إنّما يكون بالإيجاب والقبول ولم يوجد فلما امتنع القسمان وجب أن لا يحلّ له قربانها لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٧) وأبو حنيفة ﵀ استدلّ بما روي أنّ رجلاً ادّعى على امرأة نكاحًا بين يدي علي ﵁ فأقام شاهدين فقضى بالنكاح بينهما فقالت المرأة: إن لم يكن بد يا أمير المؤمنين فزوجني منه فقال ﵁: "شاهداك زوجاك" (٨)، ولو لم ينعقد العقد بينهما بقضائه لما امتنع من تجديد العقد عند طلبها ورغبة الزّوج فيها وقد كان في تحصينهما من الزنى وكان ذلك منه قضاء بشهادة الزّور والفقه فيه أنّ القاضي قضى بالزّوجيّة في محلّ قابل للزّوجية بأمر الشّرع على وجه لو امتنع عنه يأثم فوجب أن يلزم وإن كانت الشّهادة كاذبة دليله نفاذ قضاء القاضي بالفرقة باللّعان ظاهراً وباطنًا وإن كانت شهادة أحد الزّوجين كاذبة تيقين بالفرقة باللّعان متفرقة إلى (٩) شهادتهما.

стр. 1597

وأمّا قولهم فإنّ القضاء إما إمضاء لعقد أو إنشاء إلى آخره فيقول القاضي مأمور بالقضاء بما في وسعه عند قيام الحجة شرعًا فالذي في وسعه أن يجعلها زوجة له بطريق الإظهار وإن كان بينهما عقد سابق وبطريق الإنشاء إن لم يكن بينهما عقد سابق/. فإن قيل: لو كان قضاؤه بمنزلة إنشاء العقد ينبغي أن يشترط حضرة الشّهود عند قوله قضيت عملاً بقوله ﵇: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» (١). قلنا: عند بعض المتأخّرين من مشايخنا لا ينفذ هذا النكاح في الباطن عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بقوله قضيت إلا بمحضر من الشّهود وإليه مال شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السّرخسي ﵀ ذكره في الرّجوع عن الشّهادات في الْمَبْسُوطِ (٢)، وعند بعضهم يصحّ النكاح بغير محضر منهم لأنّ إنشاء النكاح لا يثبت مقصودًا. وإنما يثبت بمقتضى صحّة قضائه في الباطن وما يثبت مقتضى صحة الشيء لا يراعى شرائطه لو ثبت مقصودًا كالبيع في قوله اعتق عبدك عنّي على ألف درهم وعلى هذا سقوط الإيجاب والقبول أيضاً ثم فيما صرنا إليه حكمة بالغة وهي أن لا يجتمع رجلان على امرأة واحدة يطأها أحدهما بنكاح ظاهر عند النّاس والقاضي والآخر بنكاح باطن وفيه من القبح ما لا يخفى وصيانة الدّين عن القبح واجب (٣) كذا في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٤) للإمام المحبوبي ﵀ والفوائد الظهيريّة بخلاف الأملاك المرسلة أي المطلقة عن إثبات سبب الملك بأن ادّعى ملكًا مطلقاً في الجارية والطّعام من غير تعيين شرى أو إرث حيث ينفذ القضاء ظاهراً لا باطًنا بالاتفاق حتّى لا يحلّ للمقضي له [وطئها] (٥) ثم إنّما لا يثبت الملك هناك للمقضي له لأنّه لا يتوجّه على القاضي القضاء بالملك لأنّ التكليف بحسب الوسع وليس في وسعه إثبات الملك لإنسان بغير أسباب وفي أسباب الملك كثرة لا يمكن تعيين شيء منهما بدون الحجّة فعرفنا أنّه غير مخاطب بالقضاء بالملك. وإنّما يصير مخاطباً باليد وذلك نافذ منه فأمّا ههنا توجه عليه القضاء بالنكاح لأنّ طريقه يتعيّن من الوجه الذي قلنا يوضحه أنّ القاضي لا يقول هناك للمدّعي ملّكتك هذا المال بل تقصر يد المدعى عليه من المال وههنا يقول قضيت بالنكاح بينكما وجعلتها زوجة لك ثم فيما ذهب إليه أَبُو يُوسُف ومُحَمَّد- رحمهما الله- من قضاء القاضي بالطلقات الثلاث بشهادة الزّور تعطيل الفرج؛ لأنّها لا تحلّ للأوّل ولا للثّاني ولا يتمكّن من [التزوج] (٦) بزوج وفيه ضرر عليها وفيما قاله الشّافعي ﵀ (٧) اجتماع رجلين على امرأة واحدة في طهر واحد وهو قبح، فعرفنا أنّ الأوجه ما ذهب إليه أبو حنيفة ﵀، كذا ذكره الإمام المحبوبي ﵀، والله أعلم بالصّواب.

стр. 1598

باب (١) في الأولياء والأكفاء لما فرغ من بيان المحرّمات التي كان خلوا المرأة منها شرطه جواز النكاح شرع في بيان الأولياء، والأكفاء التي هي إحدى شرائط النكاح لكن يوصف الاختلاف في عامتها فقدم بيان المحرمات إمّا لأنّ عامتها ثابت بالكتاب أو لأن حل المحلية بشرط النكاح بالاتفاق بخلاف الأكفاء والأولياء وينعقد نكاح الحرة العاقلة البالغة وروي أن امرأة زوجت ابنتها برضاها [فجاء أوليائها] (٢) فخاصموها إلى علي ﵁: فأجاز النكاح (٣)، وفي هذا دليل على أن المرأة إذا زوّجت نفسها أو أمرت غير الولي أن يزوّجها جاز النكاح وبه أخذ أبو حنيفة ﵀ سواء كانت بكراً أو ثيّباً إذا زوّجت نفسها جاز النكاح وفي ظاهر الرّواية (٤) سواء كان الزّوج كُفُؤًا لها أو غير كُفْءٍ فالنكاح صحيح إلا أنّه إذا لم يكن كُفُؤًا لها فللأولياء حق الاعتراض وفي رواية الحسن (٥) عنه (٦) إن كان الزّوج كُفُؤًا لها جاز النكاح وإن لم يكن كُفُؤًا لها لا يجوز النكاح أصلاً.

стр. 1599

وكان أَبُو يُوسُف ﵀[يقول] (١) أولاً: لا يجوز تزويجها نفسها من الْكُفْءٍ أو غير كُفْءٍ إذا كان لها ولي ثم رجع، وقال: إن كان الزّوج كُفُؤًا لها جاز النكاح وإلا فلا ثمّ رجع وقال النكاح صحيح سواء كان الزّوج كُفُؤًا لها أو غير كُفْءٍ وعلى قول مُحَمَّد ﵀ يتوقف نكاحها على إجازة الولي سواء زوجت نفسها من كُفْءٍ أو غير كُفْءٍ فإنّ إجازة الولي جاز وإن أبطل بطل إلا أنّه إذا كان الزّوج كُفُؤًا لها ينبغي للقاضي أن يجدد العقد إذا أبى الولي أن يزوّجها منه، وعلى قول مالك والشّافعي- رحمهما الله- (٢) تزويجها نفسها باطل على كل حال، ولا ينعقد النكاح بعبارة النساء أصلاً سواء زوجت نفسها أو ابنتها أو أمتها/ أو توكلت بالنكاح عن الغير، ومن العلماء من يقول: إن كانت غنية شريفة لم يجز تزويجها نفسها بغير رضاء الولي، وإن كانت فقيرة خسيسة يجوز لها أن تزوج نفسها بغير رضاء الولي، ومنهم من فصل بين البكر والثّيب (٣)، وهو قول أصحاب الظّواهر (٤) كذا في الْمَبْسُوطِ (٥) لأنّ النكاح يراد لمقاصده والتّفويض إليهن يخل بها. فإن قلت: هذا التعليل غير [ممشي] (٦) في عدم انعقاد النكاح بعبارة النساء فإنّ عند الشّافعي ﵀ (٧) لا ينعقد النكاح بعبارة النّساء وإن أذن لها وليّها في النكاح ورأى المصلحة في تزويجها نفسها ذكرها في الأسرار (٨).

стр. 1600

وكذلك فيما ذكرنا من الْمَبْسُوطِ (١) بقوله أو توكلت النكاح عن الغير. فحينئذ يمكن أن يقال فلمّا كانت مباشرتها بإذن الولي فيها ورؤيته المصلحة في تزويجها نفسها يرتفع الإخلال بالمقاصد (٢) لأنّه لا يكون بمباشرة الولي إلا هذا وهي قد أتت به فكان كلا الفعلين سواء فيجوز مباشرتها النكاح وليس كذلك قلت هذا التّعليل تعليل أن [لا] (٣) يفوض إليهنّ أمر النكاح مطلقاً من غير نظر إلى أن يأذن لها الولي بالنكاح أولاً. وأمّا تعليل عدم جواز مباشرتها النكاح بنفسها وإن أذن لها وليّها هو ما ذكره في الأسرار وقال فقال مُحَمَّد وأَبُو يُوسُف- رحمهما الله- آخراً أنّ المرأة تملك العقد بإذن الولي. وعند الشّافعي-﵀ (٤) لا تملك لأنّها أنثى فيكون مولياً عليها في النكاح قياساً على الصّغير وهذا لأنّ الولاية عليهنّ لم تثبت بالصّغر بل بالأنوثة حتّى بقيت بعد الكبر بالإجماع على أنّ الولي إذا زوّج البكر كان سكوتها رضا وغير الوليّ إذا زوج لا ينفذ إلا بالرضا باللّسان وكذلك المرأة منهية عن المباشرة بالإجماع مأمورة بالطّلب من الوليّ وإذا طلبت لزم الولي الإجابة ولولا ذلك لما لزمه بطلبها مباشرة العقد كما في مالها وإذا كان كذلك صارت صفة الأنوثة في هذا الباب كالصّغر في باب المال بلغت المباشرة منها. وذكر في (الْمَبْسُوطِ) (٥) في دعواه هذا الحكم حديث أبي هريرة ﵁ وهو أنّ النبي ﵇: قال: «لَا تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا» (٦) إنما الزانية هي التي تنكح نفسها وأمّا من شرط الولي فاستدلّ بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٧).

стр. 1601

وقال الشّافعي-﵀ (١): هذه أبين آية في كتاب الله [نزل] (٢) على أن النكاح لا يجوز بغير ولي؛ لأنّه نهى الولي عن المنع وإنّما يتحقّق المنع منه إذا كان الممنوع في يده. وفيه حديث عائشة ﵂ أنّ النبي ﵇ قال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ وَإِذَا دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ (٣) فَإِنْ أبى فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» (٤). وأمّا من جواز النكاح بغير وليّ فاستدلّ بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٧) أضاف العقد إليهنّ في هذه الآيات فدلّ أنها تملك المباشرة، والمراد بالفصل المنع حساً بأن يحبسها في بيت ويمنعها من أن تتزوّج، أو هذا خطاب للأزواج فإنّه تعالى قال في أوّل الآية: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٨)، ونقول: أن من طلق امرأته وانقضت عدّتها وليس له أن يمنعها من التزوج بزوج آخر (٩)، وقال ﵇: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» (١٠) والأيم اسم لامرأة لا زوج لها بكراً كانت أو ثيباً هذا هو الصّحيح عند أهل اللغة (١١) وغيره من الأحاديث، وأن عائشة ﵂ زوجت بنت أخيها عبد الرّحمن (١٢) من المنذر بن الزبير (١٣) وهو غائب فلما رجع قال: أو مثلي يفتات عليه في بناته؟ وقالت عائشة ﵂ أو ترغب عن المنذر والله لتملكنّه أمرها وبهذا تبين أن ما رووا من حديث عائشة ﵂ غير صحيح فإن فتي الرّاوي بخلاف الحديث دليل وهن الحديث، ومدار ذلك الحديث على الزهري ﵀ (١٤) - وأنكره الزّهري وجوّز النكاح بغير ولي ثم هو محمول على الأمة إذا زوجت نفسها بغير إذن مولاها أو على الصّغير أو على المجنونة (١٥).

стр. 1602

قوله وجه الجواز أنّها تصرفت في خالص حقّها وهي من أهلها لكونها عاقلة/ مميزه. فإن قلت: فما جواب أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يوسف -رحمهما الله- عن الحديث الذي نفى النكاح بغير شهادة وبغير ولي في حديث واحد وهو قوله ﵇: «لَانِكَاح إِلَّابِوَلِيّ وشَاهِدَي عَدْل» (١) حيث اشترطا الشّهود بذلك الحديث ولم يشترطا الولي مع أنّ النّفي فيهما على نسق واحد بل نفي النكاح عند عدم الولي أهم لتقدم ذكره. فإن قلت: جوز النكاح بغير الولي بالأدلّة التي ذكرنا من الكتاب والسنّة والمعقول وحملا الحديث الذي [هو] (٢) يقتضي اشتراط الولي على الأمة والمجنونة والصّغيرة فكانا عاملين بهما جميعًا أو حملًا اشتراط الولي على الاستحباب لقيام الدّليل عليه فإنّ المستحبّ أن لا تباشر المرأة العقد ولكن الولي هو الذي يزوّجها وجواز النكاح بغير الولي مرويّ عن عمر وعلي وعبد الله بن مسعود ﵃ (٣) كذا في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٤) لِقَاضِي خَانْ. وأمّا اشتراط الشهود فقد ذكرناه فيما تقدّم. قوله: وإنما يطالب الولي جواب إشكال يرد على قوله أنها تصرفت في خالص حقها بأن يقال فلما كان النكاح حقّها فلم أمر الولي بالتزويج لكن للولي الإعراض في غير الكفء أي للولي حق الفسخ إذا تزوّجت غير كُفْء ما لم تلد من الزّوج كذا في فتاوى قاضي خان والخلاصة (٥). وأمّا إذا ولدت منه فليس للأولياء حق الفسخ لكيلا يضيع الولد عمّن يربيه. ولكن ذكر في مبسوط (٦) شيخ الإسلام (٧): وإذا زوّجت المرأة نفسها من غير كُفْءٍ فعلم الولي بذلك فسكت حتّى ولدت أولادًا ثم بدا له أن يخاصم في ذلك فله أن يفرّق بينهما، لأنّ السكوت إنما جعل رضا في حق النكاح في حق البكر نصاً.

стр. 1603

بخلاف القياس (١)، كذا كان مكتوباً بخط شيخي-﵀ وعن أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يوسف -رحمهما الله- أنّه لا يجوز في غير الكفء جعل في (فتاوى) قاضي خان هذا القول أصحّ وقال والمختار في زماننا للفتوى رواية الحسن وهو ما روى الحسن عن أَبِي حَنِيفَةَ -رحمها الله- أنّه يجوز النكاح إن كان كُفُؤًا وإن لم يكن كُفُؤًا لا يجوز أصلاً. ولا يجوز للولي إجبار البكر البالغة على النكاح خلافاً للشّافعي (٢) وابن أبي ليلى-رحمهما الله- فحاصله أن علة الولاية عندنا الصغير وعندهما البكارة حتّى أنّ الصّغيرة إذا طلّقها زوجها بعدما دخل بها وانقضت عدتها كان لأبيها أن يزوجها عندنا فقال الشافعي ليس للأب أن يزوّج البنت الصغيرة حتّى تبلغ فيشاورها لقوله ﵇: «الثَّيِّب تُشَاوَر» (٣) فقد علق هذا الحكم باسم مشتق من [مبني وهو البيتوته] (٤) فيكون ذلك المعنى هو المعتبر في إثبات هذا الحكم كالزنا والسّرقة. وحجّتنا في ذلك أنّه ولي من لا يلي نفسه وماله فيستبد بالعقد عليه كالبكر وتأثيره أنّ الشّرع باعتبار صغرها أقام رأى المولى مقام رأيها كما في حق الغلام. وكما في حق المال [وبالبينونة ولا يرون الصفة] (٥) والمراد بالحديث البالغة لأنّه علق به ما لا يتحقّق إلا بعد البلوغ وهو المشاورة وفي عكسه أن [الابنة] (٦) الكبيرة إذا أبت وردّت لم يجز العقد عندنا وعلى قول ابن أبي ليلى والشّافعي-رحمهما الله-يجوز العقد كذا في (الْمَبْسُوطِ) (٧).

стр. 1604

وإنما يملك الأب قبض الصّداق برضاها دلالة وهذا جواب لقوله ولهذا يقبض الأب صداقها بغير أمرها. وإنما قلنا إنّها أذنت لابنها بقبض صداقها دلالة فإنّ الظّاهر أن البكر [تستحق] (١) عن قبض صداقها وأن الأب هو الذي يقبض ذلك لتجهيزها بذلك مع مال نفسه ليبعث بها إلي بيت زوجها فكان له أن يقبض لهذا حتّى لو نهت الأب عن قبض صداقها لم يكن له أن يقبض ذلك عندنا وبعد [البينونة] (٢) لا توجد هذه العادة لأن التجهيز من الإباء بالإحسان مرّة بعد مرّة لا يكون فصار الأب في المرّة الثّانية كسائر الأولياء كذا في (الْمَبْسُوطِ) (٣). وإذا استأذنها فسكتت إذا ضحكت فهو إذن جعل السّكوت رضا في ثلاثة عشر موضعًا وهي مذكورة في المحيط (٤) (٥) وغيره إذا ضحكت كالمستهزيه لا يكون رضا وإن تبسمت فهو

стр. 1605

رضاء هو الصحيح من المذهب/ ذكره شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحُلْوَانِيّ (١) ﵀. وفي البكاء عن أبي يوسف ﵀ روايتان، ومنهم من قال: في البكاء إن كان الدّمع حاراً فهو رد، وإن كان باردًا فهو رضاً. كذا في المحيط (٢). فإن فعل هذا غير ولي يعني فعل الاستئمار والاستئذان غير ولي وهو الأجانب أو قريب ليس بوليّ بأن كان كافراً أو عبدًا أو مكاتبا أو ولي غيره أولى منه بأن استأمر الأخ مع وجود الأب لم يكن رضا حتى يتكلّم به. وحكى عن الكرخي (٣) ﵀ أن سكوتها عند الاستئمار الأجنبي يكون رضا؛ لأنها تستحي من الأجنبي أكثر ممّا تستحيي عن الولي والأصح ما قلنا لأنّ السّكوت جعل رضا بطريق الضّرورة والضّرورة تندفع بجعله رضا في حق الأولياء فلا يجعل رضا في حق الأجانب ولا في حق قريب ليس بولي بأن كان كافراً أو عبدًا كذا في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٤) لِقَاضِي خَانْ والذي جعل السّكوت رضا في حق الأب، فكذلك جعل سكوتها رضا في حق غير الأب أيضاً كالأخ والعم إذا لم يكن غيره أقرب منه كذا في الْمَبْسُوطِ (٥) ولا يشترط تسمية المهر هو الصّحيح هذا الاحتراز عن قول بعض المتأخرين. قال بعض المتأخّرين: يقولون لابدّ من تسمية المهر في الاستئمار؛ لأن رغبتها تختلف باختلاف الصّداق في القلّة والكثرة كذا في الْمَبْسُوطِ (٦)، وهذا إذا سمّي الزّوج عندهما تسمية يقع لها المعرفة فكان الزّوج كفوًا وسمّى المهر وافراً أمّا إذا أبهم الزوج لم يكن السّكوت رضا وكذلك إذا سمّى الزّوج وسمّى المهر والمهر ليس بوافر وكان المهر وافراً إلا أنّ الزّوج ليس بكفو فالسّكوت لا يكون رضا في حق جميع الأولياء إلا في حقّ الأب والجد عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ والمسألة معروفة كذا في المحيط (٧) ولو زوجها فبلغها الخبر فسكتت فهو على ما ذكرنا أن يكون رضا.

стр. 1606

وكان مُحَمَّد بن مقاتل ﵀ يقول إذا استأمرها قبل العقد فسكتت فهو رضاء منها بالنصّ فأمّا إذا بلغها العقد فسكتت فلا يتم العقد لأنّ الحاجة إلى الإجازة ههنا والسّكوت لا يكون إجازة لأن هذا ليس في معنى المنصوص فإن السّكوت عند الاستئمار لا يكون ملزمًا وحين يبلغها العقد الرّضاء يكون ملزمًا فلا يثبت ذلك بمجرّد السّكوت لكنّه ما يقول هذا في معنى المنصوص لأن عند الاستئمار لها جوابان نعم أو لا فيكون سكوتها دليلاً على الجواب الذي يحول الحياء بينها وبين ذلك وهو يعم لما فيه من إظهار الرّغبة في الرجال وهو موجود فيما إذا بلغها العقد كذا في الْمَبْسُوطِ (١) وله نظائر كعزل الوكيل وحجر المأذون وإخبار المولى بجناية العبد. الثيّب تشاور والمشاورة من باب المفاعلة فيقتضي وجود الفعل من الطّرفين وقد وجد النّطق من الولي فينبغي أن يوجد منها والدّليل على أنّ المراد هذا ما ذكر في رواية أخرى، والثّيب يعرب لسانها عنها فدلّ على أنّ النّطق شرط والمشاورة عبارة عن طلب الرأي بالإشارة إلى الوجه الصّواب وذلك لا يكون إلا بالنّطق كذا في مبسوطي شيخ الإسلام وفخر الإسلام -رحمهما الله- (٢). الوثبة يعني الوثوب من فوق والطفرة إلى فوق عنست الجارية بمعني عنست عنوساً إذا صارت عانساً أي نصفاً [مبانة] (٣)، وهي التي لم تتزوّج وعنسها أهلها عن اللّيث كذا في المغرب (٤) لأنّها بكر حقيقة. فإن قلت: يشكل على هذا ما إذا اشترى جارية على أنّها بكر فوجدها زائلة البكارة بالوثبة فإن له أن يردها بأنّه لم يجدها بكراً فعلم أنّها ليست ببكر حقيقة. قلت: إنها بكر على التّفسير الذي ذكر في الكتاب (٥) بأن يصيبها أوّل مصيب لها لكن ولاية الردّ باعتبار فوات شرط المرغوب فيه المثوبة الثّواب وإنّما سمى بها لأنها روجع إليها في العافية والمثابة الموضع الذي يثاب إليه أي يرجع إليه مرّة بعد أخرى والتّثويب هو الدّعاء مرة بعد أخرى ولأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أنّ النّاس عرفوها بكراً [فيعتبرونها] (٦) بالنّطق فيكتفى بسكوتها. فإن قلت: هذا تعليل في معرض النصّ وهو قوله ﵇: «الثَّيِّب تُشَاوَر» (٧) والتّعليل لإبطال حكم ثابت بالنصّ.

стр. 1607

وإنما قلنا ذلك لأنّ هذه المرأة ثيب حقيقة وشرعًا، أمّا حقيقة فظاهر؛ لأن وصيها يكون عائدًا إليها وأمّا شرعًا فإنّها تستحق من الوصية للثيب/ دون الوصية للإنكار والمسألة في (الْمَبْسُوطِ) (١) و (الأسرار). قلت: العلّة إذا كانت منصوصة كان عملها في تعميم الحكم مثل سائر المنصوصات وهذا كذلك فإنّ عائشة ﵂ لما أخبرت أنّ البكر تستحي حينئذ قال ﵇: «سُكُوتُهَا رِضَاهَا» (٢) فجعل السّكوت رضا لعلّة الحياء؛ لا لأنّها بكر فيدور الحكم أينما دارت العلّة وحياء التي زنت [مرة] (٣) في خفية أكثر من حياء البكر من الرغبة في النكاح. فإن قلت: بين الحيائين فرق فإن حياء هذه حياء معصية فإنها لما لم تستحي عن إظهار الرّغبة في الرّجال على أفحش الوجوب فكيف تستحيي من الرغبة على أحسن الوجوه. بخلاف حياء البكر فإنّها حياء كرم الطّبيعة وذلك أمر محمود فلا يتقاسان. قلت: هذا الاستحياء منها أيضاً محمود؛ لأنها تستر على نفسها وقد أمرت بذلك قال ﵇: «مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا. فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ» (٤) مع أن علّة الحياء ههنا أكثر من الحياء في البكر فإنّها وإن ابتليت بالزّنى مرة لفرط السّبق وأكرهت على الزّنى لا ينعدم حياؤها بل يزداد لأن في الاستنطاق باعتبار أنّها ثبت ظهور فاحشتها وإشاعة الفاحشة منهيّ عنها قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ (٥). فلا يجوز إلى هذا أشار في الْمَبْسُوطِ (٦) لأنّ الشّرع ما [أظهره] (٧) عليهاحيث علّق به أحكاماً وهي إلزام العدة والمهر وإثبات النسب وههنا الشّرع ما أظهر عليها حيث لم يعلق به شيئاً من الأحكام وأمرها بالستر على نفسها حتّى لو أشتهر حالها بأن أقيم عليها الحد أوصار الزّنى عادة لها، لا يكتفى بسكوتها وهو الصّحيح كذا في الْمَبْسُوطِ (٨).

стр. 1608

فإن قلت: يجب أن يكتفى بسكوتها في هاتين الصورتين أيضاً لأنّها داخلة تحت اسم البكر في لسان الشّرع وهو قوله ﵇: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ» (١). قلت: هو قول بعض المشايخ (٢) وهو ضعيف فإنّ في الموطوءة بالشبهة والنكاح الفاسد هذا موجود أيضاً ولا يكتفي بسكوتها بالإجماع فعرفنا أنّ المعتبر بقاء صيغة الحياء وإنّما [لا] (٣) ترجم لانعدام شرط الإحصان وهو دخول الزّوج بها بنكاح صحيح إلى هذا أشار في الْمَبْسُوطِ (٤) لأنّ السّكوت أصل لأنّه عبارة عن عدم الكلام والعدم أصل وكان الردّ عارضاً لأنّ الردّ إنما يكون بالكلام والكلام عارض فكان الردّ عارضاً أيضاً كالمشروط له الخيار إذا ادّعى الرد بعد مضي المدة أي لا يعتبر قول من يدّعي الردّ بل القول قول من يدعي لزوم العقد بالسّكوت بالإجماع لأنّ السكوت هو الأصل والردّ عارض فكان القول قول من يدعي السكوت. فكذلك ههنا يجب أن يكون القول قول من يدّعي السّكوت وهو الزوج وكذلك الشّفيع مع المشتري إذا اختلفا فقال الشّفيع علمت بالبيع أمس فطلبت الشفعة وقال المشتري بل سكت فالقول قول المشتري لتمسكه بما هو الأصل كذا هنا ولكنّا نقول الزوج يدّعي تملك بضعها وهذا ملك حادث وهو ينكر ثبوت ملكه عليها فكانت هي المتمسكة بالأصل معنى فالقول قولها. وحاصله أن القول قول المنكر بلا خلاف بيننا وبين زفر-﵀ لكن الخلاف في معرفة المنكر وهو يعتبر الإنكار الصّوري في المواضع كلّها كما في الوديعة وغيرها ونحن نعتبر الإنكار المعنوي لأنّه هو المقصود. وذكر في الْمَبْسُوطِ (٥) والمسألة في الحقيقة بناء على مسألة أخرى وهي أنّه إذا قال لعبده إن لم تدخل الدّار اليوم فأنت حرّ فمضى اليوم وقال العبد لم أدخل وقال المولى قد دخلت فعند زفر ﵀ القول قول العبد لتمسّكه بما هو الأصل وعندنا القول قول المولى؛ لأنّ حاجة العبد إلى إثبات الاستحقاق، والظّاهر لهذا لا يكفي؛ لأنّ عدم الدّخول شرط العتق فلا يكفي ثبوت الشّرط بطريق الظّاهر فكذلك ههنا رضاها شرط؛ لثبوت النكاح والظّاهر لا يكفي لذلك.

стр. 1609

فأمّا الشّفيع إذا قال: طلبت حين علمت فالقول قوله وإن قال علمت أمس بالبيع فطلبت أمس وقال المشتري لا بل طلبت الآن فالقول قول المشتري لأن حاجة المشتري إلى دفع استحقاق الشّفيع والظّاهر يكفي لدفع الاستحقاق وكذلك في باب البيع فإن سبب لزوم العقد وهو مضي مدّة الخيار قد ظهر بحاجة الآخر إلى دفع استحقاق مدّة الفسخ والظاهر يكفي/ لذلك فإن أقام الزّوج البيّنة على سكوتها وثبت النكاح (١). فإن قلت: هذه شهادة قامت على النّفي لما ذكرت أن السّكوت عبارة عن عدم الكلام والشّهادة على النّفي غير مقبولة. قلت: لا نسلّم مطلق هذه الدّعوى فإنّ الشّهادة على النّفي مقبولة فيما إذا كان علم الشّاهد محيطًا به (٢) كما إذا ادّعى الزّوج أني قلت قول النّصارى فيما إذا ادّعت المرأة أنّه قال عزير ابن الله ثم ادّعت المرأة [فيما قال] (٣) لم يقل قول النّصارى وأقامت على ذلك بيّنة حيث يقبل ويفرق بينهما لما أنّه لو قاله لسمعه الشّهود فكذلك ههنا أو نقول بل السّكوت أمر وجودي وهو ضمّ الشّفتين فيلزم منه عدم الكلام فكان السّكوت من لوازمه فحينئذ لا تكون الشّهادة على النّفي وذكر الإمام التمرتاشي-﵀ (٤) فإن أقاما البيّنة فبيّنتها أولى لأنّها تثبت الرد وهو يثبت عدمًا وهو السّكوت لا جرم لو أقامها على أنّها أجازت أو رضيت حين علمت حتّى استويا في الإثبات ترجّحت بينتة لإثبات اللّزوم. ويجوز نكاح الصّغير والصّغيرة إذا زوّجهما الولي إلى آخره. وقال ابن شبرمة (٥)، وأبو بكر الاصم (٦) - رحمهما الله- أنّه لا يزوّج الصّغير والصّغيرة أحد حتى يبلغا لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ (٧) فلو جاز التّزويج قبل البلوغ لم يكن لهذا معنى ولأنّ ثبوت الولاية على الصّغير لحاجة المولى عليه حتّى أن فيما لا يتحقّق فيه الحاجة لا تثبت الولاية كالتبرعات ولا حاجة بهما إلى النكاح لأنّ مقصود النكاح طبعًا هو قضاء الشّهوة وشرعًا هو النّسل والصّغير ينافيهما وحجتنا قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٨) بيّن الله تعالى عدة الصّغيرة وسبب العدة شرعًا هو النكاح فذلك دليل [قصور] (٩) نكاح الصغيرة والمراد بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ (١٠) الاحتلام وحديث عائشة ﵂ وهو أنّ النبي ﵇ تزوّجها وهي صغيرة ابنة ست سنين وبنى بها وهي بنت تسع سنين نص في الجواز (١١) وكذلك سائر ما ذكره من الآثار فإن قدامة ابن مظعون (١٢) ﵁ تزوج ابنة الزبير ﵁ يوم ولدت وقال: إن مت فهي خير ورثتي وإن عشت فهي ابنة الزّبير والمعنى أن النكاح يشتمل على الأغراض والمقاصد فلا يحصل ذلك إلا بين الأكفاء والكفو لا يتفق في كلّ وقت فكانت الحاجة ماسّة إلى إثبات الولاية للولي في صغرها لأنّه لو انتظر بلوغها يفوت ذلك الكفو ولما كان هذا العقد بعقد للعمر فيتحقّق الحاجة فيه إلى ما هو من مقاصد هذا العقد جعلت تلك الحاجة كالمتحقّقة للحال لإثبات الولاية كذا في الْمَبْسُوطِ (١٣).

стр. 1610

قوله في غير الأب والجدّ إن كان المراد من هذا اللّفظ ولاية الإجبار فالرّواية موافقة لكتب أصحاب الشّافعي ﵏ وإلا فهو مخالف فإنّه تثبت الولاية في النكاح لغير الأب والجدّ لكن لا على وجه الإجبار وذكر في الخلاصة الغزالية (١) والهادي الأوّل في أصناف الأولياء وهم أربعة الأوّل: الأب وفي معناه الجدّ أبو الأب عند عدم الأب ولهما ولاية الإجبار في حق الابن بشرط صغره وفي حق البنت بشرطين: أحدهما: البكارة والآخر أن يزوجها من كفو فإن كانت ثيباً لم يزوّجها في صغرها ويزوّجها في كبرها برضاها والصّنف الثّاني: العصبات من النّسب سوى الابن ومراتبهم كمراتب عصبات الميراث فلهم ولاية التّزويج وليس لهم تزويج صغيرة يتيمة أصلاً ولا إجبار بالغة ولا تزويج مجنونة وإنّما لهم ولاية الاستئمار (٢). والصنف الثّالث: المعتق وعصباته وحكمهم حكم الصّنف الثّاني ليس لهم ولاية الإجبار والصّنف الرّابع: القضاة وليس لهم ولاية الإجبار إلا في حق المجنونة البالغة إذا لم يكن لها أب وجد. قوله: وفي الثيّب الصّغيرة أيضاً (٣). أي ويخالفنا الشّافعي في إجبار الثّيب الصّغيرة للأب والجدّ ويقول بعدم ولاية إجبار الثّيب للأب والجد وإن [لم تكن] (٤) صغيرة إلا أن ولاية الأب تثبت نصًّا بخلاف القياس لأنّه سلب الولاية عن الجدّ خصوصاً في حقّ الصّغيرة فإنّه إذلال وإرقاق معنى ولهذا يحرم نكاح القريبة (٥). ولكن ثبت نصًا وهو أنّ النبي ﵇ تزوج عائشة ﵂ بتزويج أبيها ﵁ والجدّ ليس في معناه لبعد الجدّ وقرب الأب حتى أن/ للأب ولاية استيلاد جارية الابن مع وجود الجدّ وليس للجدّ ذلك مع وجود الأب علم أنّه ليس في معنى الأب وكذلك تتقدم وصيّة الأب على الجدّ في التصرّفات لا يملك التّصرف في المال مع أنّه أدنى مرتبة لأنّ المال وقاية للنّفس والنفس أنفس كل نفيس.

стр. 1611

ولنا أنّ القرابة داعية إلى آخره والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا﴾ (١) معناه في نكاح اليتامى وإنّما يتحقق هذا الكلام إذا كان يجوز نكاح اليتيمة وقد نقل عن عائشة ﵂ في تأويل الآية أنّها نزلت في يتيمة تكون في حجر وليّها يرغب في مالها وجمالها ولا [يسقط] (٢) في صداقها. [قوله] (٣) فنهوا عن نكاحين حتّى يبلغوا بهنّ [على] (٤) سننهنّ في الصّداق والمعنى فيه أنه وليها بعد البلوغ فيكون وليًّا لها في حالة الصغر كالأب والجدّ وهذا لأن تأثير البلوغ في زوال الولاية فإذا جعل هو الولي بعد بلوغها بهذا السّبب عرفنا أنّه وليّها في حالة الصّغر وبه فارق المال لأنّه لا يستفيد الولاية بهذا السّبب في المال بحال وكان المعنى فيه أنّ المال تجري فيه الجنايات الخفية وهذا الولي قاصر الشفقة فربما يحمله ذلك على ترك النّظر لها فأمّا الجناية في النّفس فمن حيث التّقصير في المهر أو الكفاءة، وذلك ظاهر توقف عليه إن فعله فيرد عليه تصرفه كذا في الْمَبْسُوطِ (٥). بخلاف التّصرف في المال لأنّه يتكرّر فلا يمكن تدارك الخلل أي بعد [تداول] (٦) الأيدي بأن باع الولي من ماله شيئاً ثم باع المشتري إلى آخر أوغاب المشتري فلا يمكن تدارك الخلل الواقع من قصور الشفقة بخلاف النكاح فإن المتناكحين باقيان فيمكن تدارك الخلل وجه قوله في المسألة الثّانية. وهو قوله: وفي الثّيب الصّغيرة أيضاً وقد ذكرناها. قوله: إنّ الثيابة سبب لحدوث الزنى. وفي المغرب (٧) ثيبت تثييبا إذا صارت ثيباً كعجزت المرأة وثيبت الناقة. وأمّا الثّيب في جميعها والثيابة والثيوبة في مصدرها فليس من كلامهم [قوله] (٨) ثم الذي يؤكد كلامنا فيما تقدم وهو قوله ويجوز نكاح الصّغير والصّغيرة إذا زوجهما الولي ذكر الولي مطلقاً وإطلاق الجواب في غير الأب والجدّ يتناول الأم والقاضي أي في إثبات الخيار عند البلوغ أراد بإطلاق الجواب قوله فإن زوجهما غير الأب والجدّ فلكلّ واحد منهما الخيار إذا بلغ. قوله هو الصحيح احتراز عمّا روى خالد ابن صبيح المروزي عن أَبِي حَنِيفَةَ -رحمهما الله- أنه لا يثبت الخيار وفيما إذا كان القاضي هو الذي زوج اليتيمة فوجهه أنّ للقاضي ولاية تامة تثبت في المال والنفس جميعًا فتكون ولايته في القوّة كولاية الأب ووجهه ظاهر الرّواية أنّ ولاية القاضي متأخرة عن ولاية الأخ والعم فإذا ثبت لهما الخيار في تزويج الأخ والعم ففي تزويج القاضي أولى وهذا لأنّ شفقة القاضي إنّما يكون لحق الدّين والشّفقة بحق الدّين لا تكون إلا من المتيقن بعد التكلّف فيحتاج إلى إثبات الخيار لهما إذا أدركا لننظر لأنفسهما.

стр. 1612

وكذلك الأم إذا زوجت الصّغير والصّغيرة جاز عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وفي إثبات الخيار لهما إذا أدركا عنه روايتان في إحدى الروايتين لا تثبت لأنّ شفقتها وافرة كشفقة الأب أو أكثر والأصحّ أنّه يثبت لهما الخيار لأنّ لها قصور الرأي مع وفور الشّفقة ولهذا لا تثبت ولايتها في المال وتمام النّظر بوفور الرّأي والشفقة كذا في (الْمَبْسُوطِ) (١) لقصور الرأي في أحدهما أي الأم ونقصان [الشّفقة] (٢) في الآخر أي القاضي. ويشترط فيه القضاء أي في فسخ النكاح فيختار البلوغ لأنّ الفسخ ههنا أي في خيار البلوغ لدفع ضرر خفي وهو تمكن الخلل لما أن سبب الخيار قصور شفقة المزوج ولا توقف على حقيقته فكان ضعيفاً في نفسه. [فكذلك] (٣) توقف على قضاء القاضي ولأنّ السّبب مختلف فيه لأنّ [من] (٤) مذهب أبي يوسف ﵀ أنّه لا خيار لها كما في تزويج الأب ومنهم من رأى الخيار فكان الضرر غير متيقّن به فيحتاج إلى القضاء ليقع إلزاماً على الآخر من كلّ وجه. قوله ولهذا يشتمل الذكر والأنثى أيضاً (٥) لتمكن الخلل أي تمكن الخلل ثابت في حقّهما لأن قصور شفقة الولي جاز أن يكون في حق الغلام وجاز أن يكون في حق الأنثى. وأمّا ثبوت خيار العتق فاعتبار زيادة الملك وذلك يختص بجانب الأمة دون الغلام فلذلك [افتراقا] (٦) في شمول الخيار/ وعدم شموله. لدفع ضرر جليّ وهو زيادة الملك أي ملك الزّوج عليها. فإن قيل: العتق كان [لا] (٧) يملك مراجعتها في قرائن ويملك عليها تطليقتين وعدتها حيضتان وقد ازداد ذلك بالعتق فكان لها أن تدفع الزّيادة ولا يتوسّل إلى دفع الزّيادة إلا بدفع أصل الملك فكما أن دفع أصل الملك عند انعدام رضاها يتمّ بها فكذلك دفع زيادة الملك. فأمّا ههنا فالبلوغ لا يزداد الملك وإنّما كان ثبوت الخيار لتوهّم ترك النّظر من الولي وذلك غير متيقّن به فلذلك لم تتم الفرقة إلا بالقضاء فملكت المعتقة دفع ما كان ثابتًا ضمنًا لدفع الزّيادة لا قصدًا. ولا يقال بأن المرأة إن كانت دافعة للزّيادة فهي مبطلة حق الزوج عمّا كان ثابتا والزّوج يستبقى ملكه الثّابت ثم ثبوت الزّيادة من ضرورات ذلك فلماذا يترجح جانب المرأة لأنّا نقول بلى الزّوج يتضرّر بإبطال ما كان باقياً له إلا أنّ اعتبار جانب المرأة أولى لأنّها تبطل حقاً مشتركًا بينهما لدفع زيادة حق عليها للزّوج والزّوج يثبت لنفسه زيادة حق عليها لاستيفاء حق مشترك بينهما وبينه ولأن الزّوج رضي بهذا الضّرر حيث تزوج الأمة باختياره أمّا المرأة لم ترضى بهذا الضّرر لأنّه لا اختيار لها في النّكاح والحاصل أنّ الفرق بين خيار البلوغ وخيار العتق من خمسة أوجه:

стр. 1613

أحدها: ما بيّنا بأنّ خيار البلوغ في الفرقة يحتاج إلى القضاء وخيار العتق لا. والوجه ما بيّنا. والثّاني: أن خيار المعتقة لا يبطل بالسّكوت بل يمتد إلى آخر المجلس كخيار المخيرة وخيار البلوغ في جانبها يبطل بالسّكوت لأنّ المعتقة إنّما يثبت لها الخيار بتخيير الشّرع حيث قال رسول الله ﵇: «مَلَكْت بُضْعَك فَاخْتَارِي» (١) فيكون بمنزلة الثّابت بتخيير الزّوج فأمّا هذا الخيار فيثبت للبكر لانعدام تمام الرضاء منها ورضاء البكر يتم بسكوتها شرعًا. ألا ترى أنّها لو زوّجت بعد البلوغ فسكتت كان سكوتها رضاء فكذلك إذا زوّجت قبل البلوغ ولهذا قلنا لو بلغت ثيباً لا يبطل خيارها بالسّكوت كما لو زوجت بعد البلوغ وكذلك الغلام لا يبطل خياره بالسّكوت لأنّ السّكوت في حقّه لم يجعل رضاء كما لو زوج بعد البلوغ والثّالث أن خيار العتق يثبت للأمة دون الغلام وخيار البلوغ يثبت لهما جميعًا لأن ثبوت خيار العتق باعتبار زيادة الملك وذلك في عتق الأمة دون الغلام وثبوت خيار البلوغ لنقصان شفقة الولي وذلك موجود في حق الغلام والجارية. ولا يقال بأنّ الغلام ههنا يتمكّن من التخلّص بالطّلاق كما في العتق لأنّا نقول أنّه لا يتمكّن من التخلّص عن المهر بالطّلاق ولم يكن متمكّنًا من التخلّص عند العقد بخلاف العبد فإنّه كان عند العقد متمكّنًا من التخلّص بالطّلاق بدون وجوب المهر فإنّ وجوب المهر كان يومئذ في مال المولى وباعتبار تملك المولى إجباره على النكاح فلهذا فرقنا بينهما. والرّابع أنّ المعتقة إذا علمت بالعتق ولم تعلم أنّ لها الخيار لا يسقط خيارها حتّى تعلم به والتي بلغت إذا لم تعلم بالخيار وعلمت بالنكاح [فسكتت] (٢) سقط خيارها لأنّ سبب الخيار في العتق وهو زيادة الملك حتّى لا يعلمه إلا الخواص من النّاس فتعذّر بالجهل وقد كانت مشغولة بخدمة المولى فعذرناها لذلك.

стр. 1614

وأمّا خيار البلوغ فظاهر يعرفه كل أحد ولظهوره ظن بعض النّاس أنّه يثبت في نكاح الأب أيضاً ولأنّها ما كانت مشغولة بشيء قبل البلوغ فكان سبيلها أن تتعلّم ما تحتاج إليه بعد البلوغ فلذلك لا تعذر بالجهل والخامس أن خيار البلوغ في حق الثّيب والغلام لا يبطل بالقيام عن المجلس وخيار العتق يبطل بالقيام عن المجلس لأنّ سبب خيار البلوغ عدم الرضاء فبقي ما لم يوجد الرضاء كخيار العيب أمّا خيار العتق ثبت بتخيير الشّرع فيكون بمنزلة الخيار الثّابت بتخيير الزّوج وذلك يبطل بالقيام عن المجلس ولأنها ملكت بضعها بتمليك الشّرع وجواب التّمليك يقتصر على المجلس كما في البيع والقيام عن المجلس دلالة الردّ كذا في (الْمَبْسُوطِ) وجامع الصّغير لِقَاضِي خَانْ. ثم عندهما أي عند أَبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّد -رحمهما الله- لأنّ قول أبي يوسف ﵀ لا يردها هنا لأنّه لا يرى خيار البلوغ وإن كان الزّوج غير الأب والجد فعذرت بالجهل [كجهل] (١) من أسلم في دار الحرب بالشّرائع فأنه يعذر بخلاف جهل من أسلم في/ دار الإسلام حيث لا يعذر. قوله: أو يجيء منه بالجزم بالعطف على ما لم يقل فكان تقديره أو ما لم يجيء وكذلك الجارية أي لا يبطل خيار الجارية بعد الدّخول ما لم تقل رضيت أو ما لم يجيء ما [لم] (٢) يعلم به أنه رضا. قوله: اعتباراً لهذه الحالة بحال ابتداء النكاح (٣) فهذا التعليل يتعلّق بمجموع ما ذكر وهو خيار البكر وخيار الغلام وخيار الجارية التي دخل بها الزوج أي يبطل خيار البكر بالسّكوت اعتباراً بحال ابتداء النكاح عليها بعد البلوغ. وخيار الغلام لا يبطل ما لم يقل رضيت أو يجيء ما يعلم منها أنّه رضاء اعتباراً بابتداء نكاحه وهو بالغ وخيار الجارية التي دخل بها زوجها قبل البلوغ لا يبطل ما لم تقل رضيت أو يجيء ما يعلم منها أنّه رضاء اعتباراً بابتداء النكاح عليها بعد البلوغ فإنّها لو كانت بالغة ثيباً فأخبرت بتزويجها لا يكون سكوتها رضاء فكذلك ههنا. وخيار البلوغ في حق البكر لا يمتدّ إلى آخر المجلس يعني يبطل بمجرّد السّكوت ثم المراد من المجلس هو مجلس صيرورتها بالغة [بأن] (٤) رأت الدّم في مجلس وقد كانت بلغها خبر النكاح فسكتت وهي بكراً ومجلس بلوغ خبر النكاح وهي بكر بالغة فسكتت يبطل الخيار في الوجهين ولا يبطل بالقيام في حق الثّيب.

стр. 1615

والغلام أي في خيار [الغلام] (١). ثمّ الفرقة بخيار البلوغ ليس بطلاق وفائدته تظهر في موضعين: أحدهما أن الفرقة إذا وقعت بخيار البلوغ ثم بنكاحها يملك الزّوج ثلاث تطليقات. والثاني أنّ الفرقة به إذا كانت قبل الدّخول لا يجب نصف المسمّى بخلاف الطّلاق قبل الدّخول كذا ذكره الأستاذ ﵀ (٢)، وهل يقع الطّلاق في العدة إذا كانت الفرقة بعد الدّخول لو طلّقها يذكر في باب نكاح أهل الشّرك وذكر الإمام التمرتاشي-﵀ ثم الفرقة التي تختصّ بقضاء هي الفرقة بالجب والعنّة واللّعان وإباء الزوج الإسلام طلاق وبخيار البلوغ وعدم الكفاءة ونقصان في المهر فسخ. وكذا إذا مات بعد البلوغ قبل التّفريق يعني ورثة الآخر بخلاف ما لو كان النكاح بعد البلوغ فردّ حيث يبطل بردّه لأنّ ثمة أصل العقد موقوف فيبطل بموت من توقف على إجارته وهنا العقد كان نافذًا فلا يبطل بمجرّد الردّ ما لم يتأكّد بالقضاء لما ذكرنا أنّ خيار البلوغ مختلف فيه وسببه باطن خفي وهو قصور شفقة الولي فكان الردّ إبطالاً لحق الآخر فلا ينفرد به أحدهما كذا ذكره الإمام قاضي خان-﵀ وهو معنى قوله بخلاف مباشرة الفضولي ولا نظر في التفويض إلى هؤلاء لعجزهم عن تحصيل الكفو على وجه النّظر وهذا في الصّغير والمجنون [ظاهر] (٣) فأمّا العبد فعاجز أيضاً لقوله تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ (٤) لا يقدر على شيء والولاية قدرة [القدرة] (٥) للعبد قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ (٦) أي لم يشرع الله ولم يحكم أن يكون للكافرين على المؤمنين ولاية ولو ثبت الولاية فذلك حسي لا شرعي وذكر في الْمَبْسُوطِ (٧)؛ لأن اختلاف الدين يقطع التوارث.
следующие страницы →