← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

ولنا أنّ القرابة داعية إلى آخره والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا﴾ (١) معناه في نكاح اليتامى وإنّما يتحقق هذا الكلام إذا كان يجوز نكاح اليتيمة وقد نقل عن عائشة ﵂ في تأويل الآية أنّها نزلت في يتيمة تكون في حجر وليّها يرغب في مالها وجمالها ولا [يسقط] (٢) في صداقها. [قوله] (٣) فنهوا عن نكاحين حتّى يبلغوا بهنّ [على] (٤) سننهنّ في الصّداق والمعنى فيه أنه وليها بعد البلوغ فيكون وليًّا لها في حالة الصغر كالأب والجدّ وهذا لأن تأثير البلوغ في زوال الولاية فإذا جعل هو الولي بعد بلوغها بهذا السّبب عرفنا أنّه وليّها في حالة الصّغر وبه فارق المال لأنّه لا يستفيد الولاية بهذا السّبب في المال بحال وكان المعنى فيه أنّ المال تجري فيه الجنايات الخفية وهذا الولي قاصر الشفقة فربما يحمله ذلك على ترك النّظر لها فأمّا الجناية في النّفس فمن حيث التّقصير في المهر أو الكفاءة، وذلك ظاهر توقف عليه إن فعله فيرد عليه تصرفه كذا في الْمَبْسُوطِ (٥). بخلاف التّصرف في المال لأنّه يتكرّر فلا يمكن تدارك الخلل أي بعد [تداول] (٦) الأيدي بأن باع الولي من ماله شيئاً ثم باع المشتري إلى آخر أوغاب المشتري فلا يمكن تدارك الخلل الواقع من قصور الشفقة بخلاف النكاح فإن المتناكحين باقيان فيمكن تدارك الخلل وجه قوله في المسألة الثّانية. وهو قوله: وفي الثّيب الصّغيرة أيضاً وقد ذكرناها. قوله: إنّ الثيابة سبب لحدوث الزنى. وفي المغرب (٧) ثيبت تثييبا إذا صارت ثيباً كعجزت المرأة وثيبت الناقة. وأمّا الثّيب في جميعها والثيابة والثيوبة في مصدرها فليس من كلامهم [قوله] (٨) ثم الذي يؤكد كلامنا فيما تقدم وهو قوله ويجوز نكاح الصّغير والصّغيرة إذا زوجهما الولي ذكر الولي مطلقاً وإطلاق الجواب في غير الأب والجدّ يتناول الأم والقاضي أي في إثبات الخيار عند البلوغ أراد بإطلاق الجواب قوله فإن زوجهما غير الأب والجدّ فلكلّ واحد منهما الخيار إذا بلغ. قوله هو الصحيح احتراز عمّا روى خالد ابن صبيح المروزي عن أَبِي حَنِيفَةَ -رحمهما الله- أنه لا يثبت الخيار وفيما إذا كان القاضي هو الذي زوج اليتيمة فوجهه أنّ للقاضي ولاية تامة تثبت في المال والنفس جميعًا فتكون ولايته في القوّة كولاية الأب ووجهه ظاهر الرّواية أنّ ولاية القاضي متأخرة عن ولاية الأخ والعم فإذا ثبت لهما الخيار في تزويج الأخ والعم ففي تزويج القاضي أولى وهذا لأنّ شفقة القاضي إنّما يكون لحق الدّين والشّفقة بحق الدّين لا تكون إلا من المتيقن بعد التكلّف فيحتاج إلى إثبات الخيار لهما إذا أدركا لننظر لأنفسهما.

стр. 1612

وكذلك الأم إذا زوجت الصّغير والصّغيرة جاز عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وفي إثبات الخيار لهما إذا أدركا عنه روايتان في إحدى الروايتين لا تثبت لأنّ شفقتها وافرة كشفقة الأب أو أكثر والأصحّ أنّه يثبت لهما الخيار لأنّ لها قصور الرأي مع وفور الشّفقة ولهذا لا تثبت ولايتها في المال وتمام النّظر بوفور الرّأي والشفقة كذا في (الْمَبْسُوطِ) (١) لقصور الرأي في أحدهما أي الأم ونقصان [الشّفقة] (٢) في الآخر أي القاضي. ويشترط فيه القضاء أي في فسخ النكاح فيختار البلوغ لأنّ الفسخ ههنا أي في خيار البلوغ لدفع ضرر خفي وهو تمكن الخلل لما أن سبب الخيار قصور شفقة المزوج ولا توقف على حقيقته فكان ضعيفاً في نفسه. [فكذلك] (٣) توقف على قضاء القاضي ولأنّ السّبب مختلف فيه لأنّ [من] (٤) مذهب أبي يوسف ﵀ أنّه لا خيار لها كما في تزويج الأب ومنهم من رأى الخيار فكان الضرر غير متيقّن به فيحتاج إلى القضاء ليقع إلزاماً على الآخر من كلّ وجه. قوله ولهذا يشتمل الذكر والأنثى أيضاً (٥) لتمكن الخلل أي تمكن الخلل ثابت في حقّهما لأن قصور شفقة الولي جاز أن يكون في حق الغلام وجاز أن يكون في حق الأنثى. وأمّا ثبوت خيار العتق فاعتبار زيادة الملك وذلك يختص بجانب الأمة دون الغلام فلذلك [افتراقا] (٦) في شمول الخيار/ وعدم شموله. لدفع ضرر جليّ وهو زيادة الملك أي ملك الزّوج عليها. فإن قيل: العتق كان [لا] (٧) يملك مراجعتها في قرائن ويملك عليها تطليقتين وعدتها حيضتان وقد ازداد ذلك بالعتق فكان لها أن تدفع الزّيادة ولا يتوسّل إلى دفع الزّيادة إلا بدفع أصل الملك فكما أن دفع أصل الملك عند انعدام رضاها يتمّ بها فكذلك دفع زيادة الملك. فأمّا ههنا فالبلوغ لا يزداد الملك وإنّما كان ثبوت الخيار لتوهّم ترك النّظر من الولي وذلك غير متيقّن به فلذلك لم تتم الفرقة إلا بالقضاء فملكت المعتقة دفع ما كان ثابتًا ضمنًا لدفع الزّيادة لا قصدًا. ولا يقال بأن المرأة إن كانت دافعة للزّيادة فهي مبطلة حق الزوج عمّا كان ثابتا والزّوج يستبقى ملكه الثّابت ثم ثبوت الزّيادة من ضرورات ذلك فلماذا يترجح جانب المرأة لأنّا نقول بلى الزّوج يتضرّر بإبطال ما كان باقياً له إلا أنّ اعتبار جانب المرأة أولى لأنّها تبطل حقاً مشتركًا بينهما لدفع زيادة حق عليها للزّوج والزّوج يثبت لنفسه زيادة حق عليها لاستيفاء حق مشترك بينهما وبينه ولأن الزّوج رضي بهذا الضّرر حيث تزوج الأمة باختياره أمّا المرأة لم ترضى بهذا الضّرر لأنّه لا اختيار لها في النّكاح والحاصل أنّ الفرق بين خيار البلوغ وخيار العتق من خمسة أوجه:

стр. 1613

أحدها: ما بيّنا بأنّ خيار البلوغ في الفرقة يحتاج إلى القضاء وخيار العتق لا. والوجه ما بيّنا. والثّاني: أن خيار المعتقة لا يبطل بالسّكوت بل يمتد إلى آخر المجلس كخيار المخيرة وخيار البلوغ في جانبها يبطل بالسّكوت لأنّ المعتقة إنّما يثبت لها الخيار بتخيير الشّرع حيث قال رسول الله ﵇: «مَلَكْت بُضْعَك فَاخْتَارِي» (١) فيكون بمنزلة الثّابت بتخيير الزّوج فأمّا هذا الخيار فيثبت للبكر لانعدام تمام الرضاء منها ورضاء البكر يتم بسكوتها شرعًا. ألا ترى أنّها لو زوّجت بعد البلوغ فسكتت كان سكوتها رضاء فكذلك إذا زوّجت قبل البلوغ ولهذا قلنا لو بلغت ثيباً لا يبطل خيارها بالسّكوت كما لو زوجت بعد البلوغ وكذلك الغلام لا يبطل خياره بالسّكوت لأنّ السّكوت في حقّه لم يجعل رضاء كما لو زوج بعد البلوغ والثّالث أن خيار العتق يثبت للأمة دون الغلام وخيار البلوغ يثبت لهما جميعًا لأن ثبوت خيار العتق باعتبار زيادة الملك وذلك في عتق الأمة دون الغلام وثبوت خيار البلوغ لنقصان شفقة الولي وذلك موجود في حق الغلام والجارية. ولا يقال بأنّ الغلام ههنا يتمكّن من التخلّص بالطّلاق كما في العتق لأنّا نقول أنّه لا يتمكّن من التخلّص عن المهر بالطّلاق ولم يكن متمكّنًا من التخلّص عند العقد بخلاف العبد فإنّه كان عند العقد متمكّنًا من التخلّص بالطّلاق بدون وجوب المهر فإنّ وجوب المهر كان يومئذ في مال المولى وباعتبار تملك المولى إجباره على النكاح فلهذا فرقنا بينهما. والرّابع أنّ المعتقة إذا علمت بالعتق ولم تعلم أنّ لها الخيار لا يسقط خيارها حتّى تعلم به والتي بلغت إذا لم تعلم بالخيار وعلمت بالنكاح [فسكتت] (٢) سقط خيارها لأنّ سبب الخيار في العتق وهو زيادة الملك حتّى لا يعلمه إلا الخواص من النّاس فتعذّر بالجهل وقد كانت مشغولة بخدمة المولى فعذرناها لذلك.

стр. 1614

وأمّا خيار البلوغ فظاهر يعرفه كل أحد ولظهوره ظن بعض النّاس أنّه يثبت في نكاح الأب أيضاً ولأنّها ما كانت مشغولة بشيء قبل البلوغ فكان سبيلها أن تتعلّم ما تحتاج إليه بعد البلوغ فلذلك لا تعذر بالجهل والخامس أن خيار البلوغ في حق الثّيب والغلام لا يبطل بالقيام عن المجلس وخيار العتق يبطل بالقيام عن المجلس لأنّ سبب خيار البلوغ عدم الرضاء فبقي ما لم يوجد الرضاء كخيار العيب أمّا خيار العتق ثبت بتخيير الشّرع فيكون بمنزلة الخيار الثّابت بتخيير الزّوج وذلك يبطل بالقيام عن المجلس ولأنها ملكت بضعها بتمليك الشّرع وجواب التّمليك يقتصر على المجلس كما في البيع والقيام عن المجلس دلالة الردّ كذا في (الْمَبْسُوطِ) وجامع الصّغير لِقَاضِي خَانْ. ثم عندهما أي عند أَبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّد -رحمهما الله- لأنّ قول أبي يوسف ﵀ لا يردها هنا لأنّه لا يرى خيار البلوغ وإن كان الزّوج غير الأب والجد فعذرت بالجهل [كجهل] (١) من أسلم في دار الحرب بالشّرائع فأنه يعذر بخلاف جهل من أسلم في/ دار الإسلام حيث لا يعذر. قوله: أو يجيء منه بالجزم بالعطف على ما لم يقل فكان تقديره أو ما لم يجيء وكذلك الجارية أي لا يبطل خيار الجارية بعد الدّخول ما لم تقل رضيت أو ما لم يجيء ما [لم] (٢) يعلم به أنه رضا. قوله: اعتباراً لهذه الحالة بحال ابتداء النكاح (٣) فهذا التعليل يتعلّق بمجموع ما ذكر وهو خيار البكر وخيار الغلام وخيار الجارية التي دخل بها الزوج أي يبطل خيار البكر بالسّكوت اعتباراً بحال ابتداء النكاح عليها بعد البلوغ. وخيار الغلام لا يبطل ما لم يقل رضيت أو يجيء ما يعلم منها أنّه رضاء اعتباراً بابتداء نكاحه وهو بالغ وخيار الجارية التي دخل بها زوجها قبل البلوغ لا يبطل ما لم تقل رضيت أو يجيء ما يعلم منها أنّه رضاء اعتباراً بابتداء النكاح عليها بعد البلوغ فإنّها لو كانت بالغة ثيباً فأخبرت بتزويجها لا يكون سكوتها رضاء فكذلك ههنا. وخيار البلوغ في حق البكر لا يمتدّ إلى آخر المجلس يعني يبطل بمجرّد السّكوت ثم المراد من المجلس هو مجلس صيرورتها بالغة [بأن] (٤) رأت الدّم في مجلس وقد كانت بلغها خبر النكاح فسكتت وهي بكراً ومجلس بلوغ خبر النكاح وهي بكر بالغة فسكتت يبطل الخيار في الوجهين ولا يبطل بالقيام في حق الثّيب.

стр. 1615

والغلام أي في خيار [الغلام] (١). ثمّ الفرقة بخيار البلوغ ليس بطلاق وفائدته تظهر في موضعين: أحدهما أن الفرقة إذا وقعت بخيار البلوغ ثم بنكاحها يملك الزّوج ثلاث تطليقات. والثاني أنّ الفرقة به إذا كانت قبل الدّخول لا يجب نصف المسمّى بخلاف الطّلاق قبل الدّخول كذا ذكره الأستاذ ﵀ (٢)، وهل يقع الطّلاق في العدة إذا كانت الفرقة بعد الدّخول لو طلّقها يذكر في باب نكاح أهل الشّرك وذكر الإمام التمرتاشي-﵀ ثم الفرقة التي تختصّ بقضاء هي الفرقة بالجب والعنّة واللّعان وإباء الزوج الإسلام طلاق وبخيار البلوغ وعدم الكفاءة ونقصان في المهر فسخ. وكذا إذا مات بعد البلوغ قبل التّفريق يعني ورثة الآخر بخلاف ما لو كان النكاح بعد البلوغ فردّ حيث يبطل بردّه لأنّ ثمة أصل العقد موقوف فيبطل بموت من توقف على إجارته وهنا العقد كان نافذًا فلا يبطل بمجرّد الردّ ما لم يتأكّد بالقضاء لما ذكرنا أنّ خيار البلوغ مختلف فيه وسببه باطن خفي وهو قصور شفقة الولي فكان الردّ إبطالاً لحق الآخر فلا ينفرد به أحدهما كذا ذكره الإمام قاضي خان-﵀ وهو معنى قوله بخلاف مباشرة الفضولي ولا نظر في التفويض إلى هؤلاء لعجزهم عن تحصيل الكفو على وجه النّظر وهذا في الصّغير والمجنون [ظاهر] (٣) فأمّا العبد فعاجز أيضاً لقوله تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ (٤) لا يقدر على شيء والولاية قدرة [القدرة] (٥) للعبد قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ (٦) أي لم يشرع الله ولم يحكم أن يكون للكافرين على المؤمنين ولاية ولو ثبت الولاية فذلك حسي لا شرعي وذكر في الْمَبْسُوطِ (٧)؛ لأن اختلاف الدين يقطع التوارث.

стр. 1616

فكذلك يقطع ولاية التّزويج قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ (١) الآية، نصّ على قطع الولاية بين من هاجر وبين من لم يهاجر حين كانت الهجرة فريضة فكان ذلك تنصيصاً على انقطاع الولاية بين الكفّار والمسلمين بالطّريق الأولى ويجري بينهما التوارث لأن لأنكحة الكفّار فيما بينهم حكم الصحّة إلا على قول مالك فإنّ أنكحتهم باطلة عنده لأنّ الجواز نعمة وكرامة ثابتة شرعًا فلا يجعل الكافر أهلاً لمثله ولكنّا نستدل بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)﴾ (٢) ولو لم يكن لهم نكاح لما سمّاها امرأته وقال ﵇: «وُلِدْت مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أُولَدْ مِنْ سِفَاحٍ» (٣) وهذه نعمة كما قال ولكن الأهلية لهذه النّعمة باعتبار صفة الآدمية. وبالكفر لم يخرج من أن يكون من بني آدم فلا يخرج من أن يكون أهلاً لهذه النّعمة كذا في الْمَبْسُوطِ (٤). ولغير العصبات من الأقارب كالأخوال والخالات والعمّات ولاية التّزويج معناه عند عدم العصبات أي عصبته كانت سواء كان عصبة تحل النكاح بينه وبين المرأة كابن العمّ أولاً يحل كالعم ثمّ بعد العصبات وإن تعدت مولى العتاقة ثم العصبة لمولى العتاقة ثم الأم ثم ذوي الأرحام/ الأقرب فالأقرب فإنّ الأقرب عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ -بعد العصبات الأم [ثم البنت] (٥) ثم بنت الابن ثم بنت البنت [ثم] (٦) ابن الابن ثم بنت بنت البنت ثم الأخت لأب وأم ثم الأخت لأب ثم الأخ والأخت لأم ثم أولادهم ثمّ العمات والأخوال والخالات وأولادهم على هذا التّرتيب ثمّ مولى الموالات ثمّ السلطان ثمّ القاضي ومن نصبه القاضي إذا شرط تزويج الصّغار والصّغاير في عهده وإذا لم يشرط فلا ولاية له، ثمّ إنّما يحتاج إلى الولي في الصّغير والصغيرة والمجنون والمجنونة وإذا زال الصّغر والجنون تزول الولاية عندنا. كذا في (المحيط) (٧) و (فتاوى) قاضي خان. لهما ما روينا وهو قوله ﵇: «الإِنكَاح إلَى الْعَصَبَات» (٨)، ولم يوجد وإدخال الألف واللام دليل على أن جميع الولاية في باب النكاح إنّما تثبت لمن هو عصبة دون من ليس بعصبة وحجّة أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حديث ابن مسعود ﵁ في إجازته تزويج امرأته لابنتها فإنّ الأصحّ أنّ ابنتها لم تكن من عبد الله وإنّما جوز نكاحها بولاية [الأمومية] (٩) ثم قرابة الأب يقدمون باعتبار العصوبة وهذا لا يبقى ثبوتها لهؤلاء عند عدم العصبات كاستحقاق الميراث يكون بسبب القرابة وتقدم في ذلك العصبات ثم يثبت بعد العصبات لذوي الأرحام كذا في (الْمَبْسُوطِ) (١٠) وإذا عدم الأولياء فالولاية إلى الأمام.

стр. 1617

وقد ذكرنا من رواية (المحيط) (١) أنّ مولى الموالاة مقدّم على الإمام ثمّ مادام له قريب فالقاضي ليس بولي في قول أَبِي حَنِيفَةَ وعند صاحبيه- ﵏ مادام له عصبة فالقاضي ليس بولي ثم القاضي إنّما يملك إنكاح من يحتاج إلى الوليّ إذا كان ذلك في عهده ومنشوره وإلا فلا كذا في (فتاوى) قاضي خان وإذا غاب الولي الأقرب كالأب جاز لمن هو أبعد منه كالجدّ أن يزوّج ههنا ثلاثة أقاويل فعندنا الأبعد أن يزوّجها دون السلطان وقال الشّافعي- ﵀ يزوّجها السلطان وقال زفر ﵀ لا يزوجها أحد حتّى يحضر الأقرب. وحجّتنا في ذلك أنّ ثبوت الولاية بمعنى النّظر للمولى عليه حيث لا يثبت إلا على من هو عاجز عن النّظر لنفسه وجعل الأقرب مقدّمًا لأن نظره لها أكثر لزيادة القرب ثم النّظر لها لا يحصل بمجرّد رأي الأقرب بل برأي حاضر منتفع به وقد خرج رأيه من أن يكون منتفعًا به لهذه الغيبة فالتحق بمن [لا] (٢) رأى له أصلاً كالصّغير والمجنون ورأي الأبعد خلف عن رأي الأقرب ففي ثبوت الحكم للخلف لا فرق بين انعدام الأصل وبين كونه غير منتفع به، ألا ترى أنّ التراب لما كان خلفاً عن الماء في حكم الطّهارة فمع وجود الماء النجس يكون التراب خلفاً كما أن عند عدم [الماء التراب خلف لأنّ الماء النّجس عند منتفع به في حكم الطّهارة هو كالمعدوم أصلاً ونظيره الحضانة والتربية تقدم فيها المقدم] (٣) الاقرب فإذا تزوّج الأقرب حتى اشتغلت تزوّجها كانت الولاية للأبعد يوضحه أن للأبعد قرب التدبير وبعد القرابة وللأقرب قرب القرابة وبعد التّدبير وثبوت الولاية بهما فاستويا من هذا الوجه فكان بمنزلة ولييّن في درجة واحدة فإنهما [زوجهما] (٤) يجوز. [وعن هذا قلنا إذا زوّجها الأقرب حيث هو يجوز لأنّها انتفعت برأيه، ولكن هذه منفعة حصلت لها اتفاقاً فلا يجوز بناء الحكم عليها] (٥) فلذلك تثبت الولاية للأبعد كذا في (الْمَبْسُوطِ) (٦) وهو اختيار بعض المتأخّرين منهم القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي (٧) (٨) والقاضي الإمام أبوعلي النّسفي (٩)، وهو قول مُحَمَّد بن مقاتل الرّازي [وسفيان الثّوري] (١٠) (١١)، وأبي عصمة سعد بن معاذ المروزي (١٢) ﵏ وقيل إذا كان بحال يَفُوت الْكُفْء الخاطب باستطلاع رأيه وعن هذا ذكر الإمام قاضي خان في (الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) (١٣) حتّى لو كان [مختفياً] (١٤) في البلدة لا يوقف عليه يكون غيبتة منقطعة وكذا لو انتظر حضوره أو استطلاع رأيه يَفُوت الْكُفْء، الخاطب فهو منقطعة، وإلا فلا عليه أكثر المشايخ منهم الشّيخ الإمام أبو بكر مُحَمَّد بن الفضل (١٥)، والشّيخ الإمام شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السّرخسي-رحمهما الله- وقال مُحَمَّد-﵀ أبوها لأنّ ولاية الأب تعم النفس والمال ولا يثبت للابن الولاية في المال ولهما أنّ الابن هو المقدّم في العصوبة، ألا ترى أنّ الأب معه يستحق السّدس بالفرضية فقط كذا في الْمَبْسُوطِ (١٦)، والله أعلم بالصّواب./

стр. 1618

فصل في الأكفاء (١) لما كانت الكفاءة (٢) معتبرة في النكاح (٣) بحيث يكون للأولياء التّفريق عند عدمها لكن لا على شرط الجواز حتّى جاز للأب أن يزوّج بنته [عبدًا] (٤) عند أَبِي حَنِيفَةَ ألحق ذكرها بسائر الشّرائط وآخرها عنه لانحطاط درجتها (٥). قوله: الْكَفَاءَة فِي النِّكَاح مُعْتَبرَة (٦) أي يعتبر وجودها في حق اللّزوم في النكاح فإنّ عند عدمها كان للأولياء الاعتراض بالتفريق وذكر في شرح الطّحاوي (٧) القياس أن لا تكون الكفاءة معتبرة في النكاح كما في ساير العقود إلا أنا شرطنا الكفاءة فيه بالجبر وهو قوله ﵇: «أَلَا لَا تُزَوِّجُ النِّسَاءَ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ، وَلَا يُزَوَّجْنَ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ» (٨) ثم الكفاءة إنّما تعتبر في خمسة أشياء في النّسب والحرية والكفاءة من حيث المال والكفاءة في الحرف.

стр. 1619

والخامس: الكفاءة في الحسب، كذا في الْمَبْسُوطِ (١)، وذكر الإمام الولوالجي (٢) ﵀ في سبعة أشياء وزاد عليها التّقوى وإسلام الأب والعقل (٣)؛ ولأن انتظام مصالح النكاح والمصالح هي السكن والازدواج والتّوالد والتّناسل وهذه المقاصد لا تتحصل عادة إلا عند التساوي في أسباب الشّرف لأنّ الزّوج إذا لم يكن شريفاً فلما ترض المرأة أن تكون مستفرشة له. فحينئذ يختلفان ويتشاجران فلا تتحقّق مقاصد النكاح عند ذلك وعن الكرخي-﵀ أنه كان يقول: الأصح عندي أنّه لا تعتبر الكفاءة أصلاً؛ لأنّ الكفاءة غير معتبرة فيما هو أهم من النكاح، وهو الدّماء فلأن لا تعتبر في النكاح أولى، ولكن هذا ليس بصحيح فإنّ الكفاءة في الدّين غير مُعْتَبَرَة في باب الدّم حتى يقتل المسلم بالكافر الذي يدلّ ذلك على أنّه غير معتبر في النكاح كذا في الْمَبْسُوطِ (٤) بخلاف جانبها أي أنّ الكفاءة إنّما تعتبر في جانب الرجال للنساء. بخلاف جانب المرأة للرجال لأنّ المرأة وإن كانت خسيسة يستفرشها الرجال فلم يعتبر الكفاءة [في جانبها ثم الكفاءة تعتبر في النسب الا على قول سفيان الثوري ﵀ فإنه كان يقول لاتعتبر الكفاءة] (٥) من حيث النّسب وقيل أنّه كان من العرب فتواضع ورأى المولى كفوًا [له] (٦) وأبو حنيفة ﵀ كان من الموالي فتواضع ولم ير نفسه كفوًا للعرب. وحجّته في ذلك قال ﵇: «النَّاسُ سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إنَّمَا الْفَضْلُ بِالتَّقْوَى» (٧)، وهذا الحديث يؤيّده قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٨)، وقال ﵇: «كُلُّكُمْ بَنُوا آدَم طَفّ الصَّاع لَمْ يُمْلَأه» (٩).

стр. 1620

وفي المغرب (١) طَفُّ الصّاع وطففه وطفافه مقداره النّاقص من ملئه معناه أنّ كلكم في الانتساب إلى أبٍ واحد بمنزلة ثم شبههم [في نقصانهم] (٢) بالمكيل الذي لا يبلغ أن يملأ المكيال. وعن الأزهري (٣) كلكم قريب بعضكم من بعض لأنّ طف الصّاع قريب من ملئه والآثار تدلّ على المساواة وأن التفاضل بالعمل فـ «مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُه، لَمْ يُسْرِع بِهِ نَسَبُه» (٤) ولنا ما ذكرنا من الحديث والمعقول والمراد من الأثرين الذين رواهما في أحكام الآخرة وبه نقول أنّ التفاضل في الآخرة بالتقوى كذا في الْمَبْسُوطِ (٥)، والموالي بعضهم اكفاء لبعض. وفي المغرب (٦) أن الموالى بمعنى العتقاء لما كانت غير عرب في الأكثر غلبت على العجم حتّى قالوا الموالي أكفاء بعضها لبعض والعرب أكفاء بعضها لبعض ولا يعتبر التفاضل فيما بين قريش لما روينا وهو قوله ﵇: «قُرَيْشٌ بَعْضُهُم أَكْفَاءٌ لِبَعْض» (٧) حيث قابل النبي ﵇ البعض بالبعض من غير اعتبار الفضيلة بين قبائلهم. ألا ترى أنّ النبي ﵇ زوّج ابنتيه من عثمان – ﵁ وكان عبشمياً [أي قبيلة عبد شمس] (٨) فعرفنا أن بعضهم أكفاء لبعض وتسكينًا للفتنة لا لانعدام أصل الكفاءة، ولا يكون العرب كفوًا لقريش والموالي لا يكون أكفاء للعرب كذا في (الْمَبْسُوطِ) (٩) وبأهله قبيلة من قيس غيلان وهي في الأصل اسم امرأة من همدان كانت تحت معين ابن أعصر ابن سعد بن قيس غيلان فنسب ولده إليه (١٠) كذا في الصّحاح (١١) لأنهم معروفون بالخساسة لأنهم كانوا يأكلون بقيّة الطّعام مرّة ثانية ولأنّهم كانوا يأخذون من عظام الميتة ويطبخون ويأخذون الدسومات منها كما قيل ولا ينفع الأصل من هاشم إذا كانت النّفس من باهله، وقيل إذا قيل للكلب يا باهلي عوى الكلب من لوم هذا النّسب.

стр. 1621

وفي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (١) للتمرتاشي غير العربي لا يكافئ العربي لأنّ العربي أقرب إلى النبي ﵇ والعرب لا يكافئ القرشي لأنّ قريشاً رهط النبي/ ﵇ فمن كان أقرب إليه كان أفضل والقرشي يكافئ القرشي وإن كان بنوا هاشم أفضلهم لأنّه ﵇ زوّج ابنته من عثمان وهو قرشي والقرشي من كان من ولد النضر أو جمعهم أب دونه من المنتسبين إليه والهاشمي من كان من ولد هاشم أو جمعهم أب دونه من المنتسبين إليه والعربي من جمعهم أب فوق النضر. ومن أسلم بنفسه لا يكون كفوًا لمن له أب واحد في الإسلام وذكر الإمام المحبوبي في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٢)، هذا في الموالي وأمّا في العرب فإن من لا أب له في الإسلام من العرب وهو مسلم فهو كفؤ لمن له أباً في الإسلام لأنّ العرب يتفاخرون بالنّسب فيعدّون النّسب كفوا لنسب آخر إذا كانا مسلمين. وأمّا العجم قد ضلوا أنسابهم ومفاخرتهم بالإسلام فمن كان له أباً في الإسلام يفتخر على من لا أب له في الإسلام ولا يعد مكافئًا إياه والكفاءة في الحرية نظيرها في الإسلام في جميع ما ذكرنا أي من الوفاق والخلاف فإنّ العبد لا يكون كفوًا لامرأة حرّة الأصل وكذلك [للعبد] (٣) لا يكون كفؤًا [للحرية] (٤) الأصلية والمعتق أبوه لا يكون كفوًا لامرأة لها أبوان في الحريّة (٥) وروي عن أبي يوسف- ﵀ أن الذي أسلم بنفسه [إذا] (٦) أعتق إذا أحرز من الفضائل ما يقابل نسب الآخر كان كفؤاً له. ويعتبر أيضاً الكفاءة في الدّين أي في الديانة وهي التقوى والصّلاح والحسب وإنّما فسّره بالدّيانة لأن مطلق الدّين الإسلام ولا كلام فيه لأنّ إسلام الزّوج شرط جواز نكاح المسلمة إنّما الكلام في حق الاعتراض للأولياء بعد انعقاد العقد وذلك لا يكون إلا في الدّين بمعنى الدّيانة ثم الكفاءة يعتبر في التقوى حتّى لا يكون الفاسق كفوًا للعدل عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ سواء كان معلن الفسق أو لم يكن هكذا ذكر شيخ الإسلام وذكر شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السّرخسي -رحمهما الله- أنّ الصّحيح عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أن الكفاءة في التّقوى والحسب غير معتبرة وعن أبي يوسف ﵀ أنّه يعتبر الكفاءة في الحسب ولم يعتبر في التقوى وفسّر الحسب فقال هو مكارم الأخلاق كذا في المحيط (٧)، وذكر الإمام المحبوبي محيلاً إلى صدر الإسلام - رحمهما الله- فالخسيس لا يكون كفؤا للحسيب، والحسيب الذي له جاه وخدمة وحشمة عند الناس والخسيس الذي لا جاه له بل هو من جملة العوام.

стр. 1622

قوله: وهذا قول أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يوسف -رحمهما الله- هو الصّحيح [أي قران قول أَبِي حَنِيفَةَ مع قول أبي يوسف- رحمهما الله- هو الصّحيح] (١) فإنّه روي عن أَبِي حَنِيفَةَ رواية أخرى أنّه مع مُحَمَّد-رحمهما الله- في أنّه غير معتبر كذا وجدت بخط شيخي ﵀ وفي (الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) (٢) لِقَاضِي خَانْ وذكر شمس الأئمة السّرخسي-رحمهما الله- الصّحيح من مذهب أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أنّ الكفاءة من حيث الصّلاح غير معتبرة قالوا الحسيب يكون كفؤًا للنّسيب حتّى أنّ الفقيه يكون كفوًا للعلوي لأنّ شرف العلم فوق شرف النّسب وفي الصّحاح (٣) الصَفْعُ كلمة مولدة والرجل صفعان، وهو الذي يضرب على قفاه بعرض الكف إلا إذا كان يصفع ويسخر منه ويخرج إلى الأسواق سكران فيستهزئ به الصّبيان لا يكون كفوًا لامرأة صالحة من أهل البيتوتات قيل وعليه الفتوى كذا في (المحيط) (٤)، ولو تزوّجها وهو كفؤ لها ثم صار فاجرا داعرًا لا يفسخ النكاح لأن اعتبار الكفاءة عند ابتداء النكاح لا استمرارها بعد النكاح كذا في الفتاوى الظهيريّة (٥). ويعتبر في المال إلى أن قال وبالنّفقة قوام الازدواج وهي إلى ذلك أحوج منها إلى نسب الزّوج فإذا كان تنعدم الكفاءة ويضعه نسب الزّوج فيعجزه عن المهر والنّفقة أولى وعن أبي يوسف ﵀ أنّه قال إذا كان يقدر على ما يعجلها من الصّداق ويكتسب فينفق عليها يومًا بيوم كان كفوًا لها.

стр. 1623

وأمّا إذا كان قادراً على المهر والنّفقة كان كفوًا لها وإن كانت صاحبة أموال عظيمة وبعض المتأخرين اعتبروا الكفاءة في كثرة المال بحديث عائشة ﵂ (رأيت ذا المال مهيباً ورأيت ذا الفقر مهينًا وقالت: إن [أحساب] (١) أهل الدنيا المال) (٢)، والأصحّ أن ذلك لا يعتبر لأن كثرة المال في الأصل/ مذمومة قال ﵇: «هَلَكَ الْمُكْثِرُونَ إلَّا مَنْ قَالَ بِمَالِهِ: هَكَذَا وَهَكَذَا» (٣) يعني يتصدّق به كذا في الْمَبْسُوطِ (٤). لأنّه تجري المساهلة في المهور لأن الآباء يتحملون المهور الغالية عن الابناء ولا يتحملون النفقة الدّارة فلذلك إذا لم يكن قادراً على النّفقة لا يكون كفوًا وإن كان قادراً على المهر كذا في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٥) لِقَاضِي خَانْ وعن أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ في ذلك روايتان في رواية لا يعتبر وهو الظّاهر حتى يكون البيطار كفوًا للعطار وفي رواية قال الموالي بعضهم أكفاء لبعض إلا الحائك والحجّام وقال أَبُو يُوسُف الكفاءة في الحرفة معتبرة حتّى لا يكون الحجّام والدّباع والحائك والكنّاس كفوًا للعطّار والبزّار والصّراف وهو أظهر الرّوايتين عن مُحَمَّد وقيل هذا اختلاف عصر وزمان ففي زمن أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الدناءة في الحرفة لا يعدّ منقصة فلم يعتبر وفي زمانهما تعدّ منقصة فاعتبرهما في الكفاءة كذا ذكره الإمام قاضي خان. فللأولياء الاعتراض عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وعلى قول أبي يوسف ومُحَمَّد -رحمهما الله- لا يثبت للأولياء حق الاعتراض إلا أنّ قول مُحَمَّد لا يتحقّق في تزويجها نفسها وإنّما يتحقق فيما قال في كتاب الإكراه فيما إذا أكرهت المرأة والولي على أن يتزوّجها بأقلّ من مهر مثلها (٦).

стр. 1624

ثم زال الإكراه ورضيت المرأة وأبى الولي أن يرضى فليس له ذلك في قول أبي يوسف ومُحَمَّد -رحمهما الله- لأنّ المهر من خالص حقها إلى آخره كذا في الْمَبْسُوطِ (١)، وذكر في الأسرار وعلى قول مُحَمَّد ﵀ لا يتصوّر هاهنا. وإنّما يتصوّرهما إذا طلبت التّزويج من الولي بكفؤ بدون مهر مثلها لم يجبر الولي عليه وعندهم جميعًا يجبر وذكر في الْمَبْسُوطِ (٢) ثم فيما فيه الاعتراض للولي لو طلق زوجها قبل تفريق القاضي وقبل أن يدخل بها كان لها نصف ما سمّى لها لأنّ الطّلاق قبل الدّخول مسقط للطّلاق قياساً إلا أنا أوجبنا لها نصف المسمّى بالنصّ وإن فرّق القاضي بينهما فإن كان قبل الدّخول بها فلا شيء لها لأنّه فسخ أصل النكاح بهذا التّفريق. قوله: وقد صحّ ذلك (٣) أي الرّجوع وهذه شهادة صادقة عليه أي وهذه المسألة شهادة صادقة على الرجوع ويعيّرون بنقصانها فأشبه الكفاءة. فإن قيل: لم يشبه الكفاءة لما أنّ بينهما فرقاً في ذلك وهو أنّ الشّرع قد ندبنا إلى رخص الصّداق ولم يندبنا إلى ترك الكفاءة وكذلك رسول الله ﵇ لم يضع بناته في غير الأكفّاء وزوجهنّ بأدنى الصّداق (٤) فإنّه ما زاد على أربع أوقية ونشٍ ومهورهن كانت فوق مهور سائر النّساء؛ لأنّ الزّيادة بقدر الشّرف ولم يزل الشرف كان لقريش قلنا أن الرّخص مندوب إليه وطلب تمام مهر المثل مباح وكذلك المندوب في الإسلام أن يضع الرجل ابنته عند الأكرم عند الله وإن كان دونها في النّسب، فلما كان كذلك كان في كلّ واحد منهما معنى النّدب ولا كلام فيه إنّما الكلام في أنّ الأولياء يتعيرون بنقصان مهورهنّ كما في عدم الكفاءة وفيه إلحاق الضّرر بنساء العشيره أيضاً فإن من تزوّج منهنّ بعد هذا بغير مهر فإنّما يقدّر مهرها بمهر هذه فعرفنا أن في ذلك ضرراً عليهنّ.

стр. 1625

بخلاف التقاء بعد التّسمية لأنّ الأولياء لا يشتغلون بذلك عادة وإنما حقهم في أصل التّسمية والشرف فيه يقع فأمّا الاستيفاء بكماله فضرب من اللّوم في العادات وينشدون: قول المرأة في ولادتها بنتًا (١). وَمَا عَلَيَّ أَنْ تَكُونَ جَارِيَهْ … تَمشُطُ رَأْسِي وَتَكُونُ فَالِيَهْ حَتَّى مَا إذَا بَلَغَتْ ثَمَانِيَهْ … زوّجها مَرْوَانَ أَوْ مُعَاوِيَهْ أزواج صدق بمهور غالية (٢) وفي رواية الْمَبْسُوطِ أَخْتَانُ صِدْق افتخرن بشرف الزّوج وغلاء المهر كذا في الأسرار والْمَبْسُوطِ (٣). وذكر الإمام التمرتاشي لو رضي بالزّوج أقرب الأولياء لم يكن للباقين الاعتراض لأنه لا ولاية لغيره معه فأما المستوون فإذا رضي به البعض سقط حق الباقين خلافاً لأبي يوسف ﵀ كدين لهم إبراء أحدهم أو لهم قصاص فعفا أحدهم أو لهم شفقة فأبطل أحدهم لا يسقط حق الباقين كذا هنا (٤). ولهما الاعتراض حق [واحد] (٥) ثبت لكلّ واحد منهم كملا فتصرف أحدهم كتصرف الكلّ كما في الإنكاح والأمان وسكوت الولي ليس برضاء لأنّه محتمل فإن قبض مهرها وجهزها فهو رضاء دلالة فإذا زوجها/ الوليّ من غير كفؤ ثم فارقته ثم زوّجت نفسها إياه بغير الوليّ فكان للوليّ حقّ التّفريق فلا يكون رضاه بالنّكاح الأوّل رضا بالنكاح الثّاني كذا ذكره في الذّخيرة (٦). ولا يجوز ذلك لغير الأب والجدّ هذا بالإجماع بدليل ما ذكر بعد هذا بقوله ولهذا لا يملك ذلك غيرهما وهذا الخلاف المذكور بين أَبِي حَنِيفَةَ وصاحبيه-﵏ كما هو في المهر فكذلك في عدم الكفاءة بأن زوج ابنته غير كفؤ لها ثابت أيضاً على ما يجيء بعد هذا فيما يقولان أنّ الأب لو زوج أمة ابنتها بمثل هذا الصّداق لا يجوز فإذا زوجها أولى وولايته عليها دون ولاية المرأة على نفسها ولو زوّجت هي نفسها من غير كفؤ وبدون صداق مثلها ثبت للأولياء حقّ الاعتراض فههنا أولى.

стр. 1626

ولكن أبا حنيفة ترك القياس بما روي أنّ النبي ﵇ تزوج عائشة على صداق خمسمائة درهم زوّجها منه أبو بكر ﵁ وزوج فاطمة من علي ﵁ على صداق أربعمائة درهم (١) ومعلوم أن ذلك لم يكن صداق مثلها لأنّه إن كان ذلك صداق مثلها مع أنّهما مجمع [الفاضل] (٢) فلا صداق في الدنيا يزيد على هذا المقدار والمعنى فيه أنّ النكاح يشتمل على مصالح وأغراض ومقاصد جمّة والأب وآفر الشّفقة كامل الرّأي إلى آخره. بخلاف تصرف الأب في المال؛ لأنّه لامقصود هناك سوى المالية فإذا قصر في المالية فليس بإزاء هذا النقصان ما يجبره وبخلاف [فالزوج] (٣) أمته لأن سائر مقاصد النكاح لا يحصل للصّغير والصّغيرة هناك إنما يحصل للأمة ففي حق الصّغير قد انعدم ما يكون جبراً للنقصان وبخلاف العمّ والأخ فإنّه ليس لهما شفقة وافرة فيحمل بقصرها في الكفاءة والمهر على معنى ترك النّظر. وبخلاف المرأة في نكاح نفسها؛ لأنها سريعة الانخداع ضعيفة الرأي متابعة للشهوة عادة فكان تقصيرها في الكفاءة والصّداق لمتابعة الهوى لا لتحصيل سائر المقاصد على أن سائر المقاصد تحصل لها دون الأولياء وبسبب عدم الكفاءة والنقصان في الصّداق بغير الأولياء وليس بإزاء هذا النقصان في حقهم ما يكون جابراً فيثبت لهم حق الاعتراض كذا في الْمَبْسُوطِ (٤) والله أعلم بالصّواب. فصل في الوكالة (٥) بالنكاح وغيره

стр. 1627

فلمّا كانت الوكالة نوعًا من الولاية من حيث أن فعل الوكيل ينفذ على الموكل كفعل الولي ينفذ على المولى عليه ألحقها بباب الكفاءة التي طلبها للأولياء. قوله: ويجوز لابن العمّ أن يزوج بنت عمّه من نفسه (١)، وفي هذا الاختلاف بيننا وبين الشّافعي ﵀ (٢) بدليل قوله في الكتاب إلا أنّ الشّافعي يقول في الولي ضرورة (٣). ثم اعلم أن هذه المسألة تدلّ على صحة ما ذكرت من الخلاصة الغزالية (٤) في شرح قوله: ويجوز نكاح الصّغير والصّغيرة إلى قوله: في غير الأب والجدّ على أنّ الولاية ثابته عند الشّافعي لغير الأب والجدّ من العصبات بخلاف ما يدلّ عليه ظاهر رواية الهداية (٥) هناك حيث لم يجعل هناك غير الأب والجدّ ولياً عنده فجعل ابن العم ههنا وليًا وهو غير الأب. والجدّ [قوله لأنّه لا] (٦) يتولاه سواه لأن في تنفيذ العقد بعبارته ضرورة لأنّ أكثر ما في الباب أن يأمر غيره من أحد الجانبين فيكون مأموره قائمًا مقامه وهو الولي من الجانبين شرعًا فيملك مباشرة العقد. ووجه قول علمائنا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ (٧) أي في نكاح اليتامى فهو دليل على أنّ للولي أن يزوّج وليته من نفسه وكذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (٨) دليل على أنّ المولى أن يزوّجها من نفسه. وفي الحديث أن شرط علي ﵁ أتوه بشيخ مع جارية فسأله عن قصّتها فقال: أنها ابنة عمي وأني خشيت أنّها إذا بلغت ترغب عنّي فتزوّجها فقال: خذ بيد امرأتك (٩)، والمعنى فيه أنّ العاقد فيه معبّر والواحد كما يصلح أن يكون معبّراً عن الواحد يصلح أن يكون معبّرًا عن اثنين (١٠).

стр. 1628

ألا ترى أنّه لا يستغنى عن إضافة العقد إلى الزّوجين وبه ظهر الفرق بينه وبين البيع فإنّه يستغني عن إضافة العقد إلى غيره في البيع فكان مباشراً للعقد لا معبراً ولما باشر العقد في البيع من الجانبين أدّى إلى أحكام متضادّة/ لأنّه يكون مطالباً [ومطالباً] (١) مسلمًا ومستلمًا مخاصمًا ومخاصَمًا وفي باب النكاح لا تتعلّق الحقوق بالعاقد فلا تؤدّي إلى أحكام متضادة ولهذا قلنا ببيع الأب مال ولده من نفسه لأنّه في جانب الصّغير يكون ملزمًا إيّاه حقوق العقد بولايته عليه حتّى إذا بلغ كانت الخصومة في ذلك إليه دون الأب كذا في (الْمَبْسُوطِ) والتمانع في الحقوق دون التعبير أي الحقوق من التّسليم والتسلّم والإيفاء والاستيفاء لو رجعت إلى شخص واحد يمتنع كما في الوكيل في البيع وليست الحقوق براجعه إلى الوكيل في النكاح فلا يمتنع. فإن قيل: الكتابة لا تنعقد بالوكيل الواحد والحقوق لا تجب للوكيل وعليه الإجماع كما في النكاح. قلنا: روى ابن سَمَّاعَة (٢) ﵀ أنّها تنعقد بالواحد ثم الجواب أنّ الوكيل في اختيار تسميته بدل الكتابة مالك يسمي ماشياً وكذلك أن بين له ملك الزيادة عليه في حق المولى والنّقصان في حق العبد. بخلاف الرّسول فإنّه لا يملك ولما صار مالكًا في حق اختيار التسمية لم يستقم إثبات ولاية الاختيار على التّناقض. وأمّا النكاح فيصحّ بلا تسميه فبطلان ولاية التسمية لمعنى التناقض لا يبطل ولاية النكاح إذ هذا لا يكون أكثر حالاً من ترك التسمية رأساً كذا في الأسرار. وإذا تولى طرفيه فقوله زوجت يتضمن الشطر من أي شطري الإيجاب والقبول لأن الواحد لما قام مقام اثنين قامت عبارته الواحدة أيضاً مقام عبارتين وله مجيز أي قابل يقبل وسواء كان ذلك القائل فضولياً آخر ووكيلاً أو أصيلاً انعقد موقوفاً إنّ ركن التصرف وهو قوله زوجت وتزوّجت من أهله وهو الحرّ العاقل البالغ مضافاً إلى محلّه وهو الأنثى من بنات آدم وليست من المحرمات [قوله] (٣)، وقد يتراخى حكم العقد عن العقد كما في البيع بشرط الخيار فإن لزومه متراخ إلى سقوط الخيار هذا جواب عن قول الخصم، لأنّ العقد وضع لحكمه فبلغها فأجازت فهو باطل أي خلافاً لأبي يوسف-﵀ وإن قال آخر اشهدوا أني زوّجتها منه أي بعدما قال تزوّجت فلانة فبلغها الخبر جاز أي بالإجماع وهذا عند أَبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّد-رحمهما الله- أي مجموع ما ذكر، وقال أَبُو يُوسُف ﵀: إذا زوجت نفسها غائباً فبلغه فأجاز جاز (٤) وكذلك في جانب الرجل إذا تزوج امرأة غائبة فبلغها الخبر فأجازت جاز عنده وحاصل هذا أن الواحد لا يصلح فضوليًّا (٥) من الجانبين قبل هذا إذا تكلم الفضولي بكلام واحد بأن قال: الفضولي زوّجت فلانة من فلان وقبلت منه يتوقف بالإجماع كذا في شرح الكافي أو فضوليًا من جانب أصيلاً من جانب كالمسألة الأولى.

стр. 1629

فكذلك إذا كان فضولياً من جانب وكيلاً من جانب وذكر الإمام المحبوبي-﵀ فقال (١): واعلم أن ههنا مسائل شتّى ثلاث منها تقف على الإجازة بلا خلاف أحديها أنّ الفضولي إذا قال زوجت فلانة من فلان وقبل عنه فضولي آخر أو قال الرجل تزوجت فلانة وهي غائبة فأجابه فضولي وقال زوجتها منك أو قالت المرأة زوجت نفسي من فلان الغائب وقبل عن فلان فضولي توقف العقد على الإجازة في هذه الفصول الثّلاثة بالاتّفاق لأنّه عقد جرى بين اثنين فيكون باباً موقوفاً على الإجازة وفي ثلاث منها اختلاف: أحديها: … ما ذكر أولاً وهو قوله ومن قال اشهدوا أني قد تزوّجت فلانة. والثّانية: … أن تقول المرأة زوجت نفسي من فلان وفلان غائب ولم يقبل عنه أحد. والثّالثة: … أن يقول الفضولي زوجت فلانة من فلان وهما غائبان ولم يقبل أحد فعلى قولهما لا يتوقف العقد على إجازة الغائب وهو قول أبي يوسف-﵀ أولاً وعلى قوله الآخر يقف لأنّ الكلام الواحد في باب النكاح عقد تام. ألا ترى أنّه لو كان مأموراً بالعقد أو ولياً من الجانبين كان كلامه عقداً نافذاً. قوله: وما جرى بين الفضوليين عقد [تام] (٢) لوجود الإيجاب والقبول فيتوقّف وكذا الخلع (٣) وأختاه وهما الطّلاق على مال والإعتاق على مال لأنّه تصرف يمين من جانبه (٤). وإنما قلنا أن الخلع في جانبه يمين لما فيه من تعليق الطّلاق لقبولها والطّلاق يحتمل التّعليق بالشّرط ولهذا لا يصحّ الرجوع عنه ولا يبطل لقيامه عن المجلس وفي النكاح قوله زوّجت فلانة لا يمكن أن يجعل تعليقاً لأنّ النكاح لا يحتمل التّعليق بالشّرط فكان هذا شطر العقد فلا يتوقف. فإن قيل: لو قال الزّوج بمحضر منها طلقتك بكذا فقامت المرأة عن المجلس قبل القبول فإنّه يبطل ذلك ولو كان تعليق بالشّرط لما بطل بقيامها عن المجلس كما في سائر التعليقات.

стр. 1630

قلنا: لا يلزم من كونه تعليقاً امتناع بطلانها بالقيام على المجلس فإن من التعليقات ما يبطل بالقيام عن المجلس ويقتصر على وجود الشّرط في المجلس كقوله لها أنت طالق إن شئت يقتصر على وجود المشيئه في المجلس حتّى يبطل بقيامها عن المجلس فهذا مثله كذا في الْمَبْسُوطِ (١) والفوائد (٢). ثم اعلم أنّ عقد الوكيل عند غيبة الموكل إنّما تصح إذا عرفه باسمه ونسبه وذكر في التّفاريق زوجها من نفسه بأمرها وقال اشهدوا أن فلانة وكلتني أن أزوجها من نفسي ولم ينسبها ولم يعرفها الشّهود وبيعه فيما بينه وبين الله وفي النّوازل لم ينسبها ولم يعرفها الشّهود لا يجوز النّكاح [لأنّ الغائب] (٣) إنّما يعرف بالتسمية. ألا ترى أنّه لو قال تزوّجت امرأة قد وكلتني لا يجوز وفي شرح [القاضي] (٤): لو كانت حاضرة متيقنة ولا يعرفها الشّهود، فعن الحسن وبشر يجوز وقيل لا يجوز ما لم يرتفع، ويراها الشّهود كذا ذكره الإمام التمرتاشي-﵀، ولا وجه إلى التنفيذ فيهما للمخالفة أي لمخالفة الأمر لأنّ الآمر لم يأمره به ولا إلى التنفيذ في أحديهما غير عين للجهالة وكان أَبُو يُوسُف-﵀ يقول أولاً يصح نكاح أحديها بغير عينها والبيان إلى الزّوج لأنّ المأمور ممتثل أمره في أحديهما ولا ينفذ أن يكون أحديهما بغير عينها منكوحة والأخرى مطلقة كما لو طلق إحدى امرأتيه ثلاثاً بغير عينها قال: شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ (٥)، وهذا ضعيف لأنّه إنّما يثبت في المجهول ما يحتمل التّعليق بالشّرط [كما في الطّلاق وأمّا النكاح فلا يحتمل التّعليق بالشّرط لأنّه تمليك وما لا يحتمل التّعليق بالشّرط] (٦) لا يثبت في المجهول لأنّه تعليق بالبيان. بخلاف الطّلاق ولو أمره بأن يزوّج فلانة فزوّجها مع أخرى في عقد جاز ونكاح فلانة للأمر به. ولو أمره أن يزوّجه امرأتين في عقده فزوجه واحدة جاز وبمثله لو أمره بشرى ثوبين في صفقة لا يملك التّفريق لأنّ الثياب إذا اشتريت جملة توجد بأرخض ممّا يشتري على التفاريق فاعتبر قيده.

стр. 1631

أمّا هنا فبخلافه وكذا ذكره [الامام] (١) التمرتاشي-﵀ ومن أمره أمير بأن يزوجه امرأة فزوجه [أمة] (٢) لغيره. وإنّما قيد بقوله أمير لكون الكفاءة مستحسنة في الوكالة عندهما على ما ذكر في الكتاب وذكر الإمام المحبوبي ﵀ وعلى هذا الخلاف إذا لم يكن أميراً فزوجه الوكيل أمة أو حرة عمياء أو مقطوعة اليدين أو رتقاء أو مفلوجة أو مجنونة وقيّد بقوله لغيره فإنّه لو زوّجه أمه نفسه لا يجوز إجماعاً لمكان التهمة كذا في (الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) لِقَاضِي خَانْ رجوعًا إلى إطلاق اللّفظ وعدم التّهمة فإنّ لفظ امرأة مطلق يقع على الحرّة والأمة كما إذا حلف بأن لا يتزوّج امرأة يقع على كل امرأة على الحرّة والأمة جميعًا كذا ذكره صدر الإسلام-﵀. وقال أَبُو يُوسُف ومُحَمَّد - رحمهما الله - لا يجوز إلا أن يزوجه كفوًا دلّت المسألة على أن عندهما الكفاءة تعتبر في النّساء للرّجال أيضاً كذا في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ للكُشانِيّ (٣): لأن المطلق ينصرف إلى المتعارف كما في التوكيل بشراء الفحم والجمد. وههنا أيضاً المعتاد التزوج بالأكفاء فيتقيد بها. قلنا: العرف مشترك أي يستعمل فيما قلتم ويستعمل فيما قلنا فلا يكون لأحد الخصمين حجّة على الآخر أو عرف عملي فلا يصلح مقيدًا لما أنّ التقييد والإطلاق وصف لفظي والعمل ليس بلفظه فلا يصلح مقيَّدًا للفظ لأن المقيّد إنّما يصلح مقيدًا إن كان وروده فيما فيه الإطلاق وهو اللّفظ لما أن بين الإطلاق والتقييد معارضة وإتحاد المحلّ شرط المعارضة بيان ذلك أنّ العرف على نوعين لفظي نحو الدّابة تفيد لفظًا بالفرس ونحو المال بين العرب بالإبل وعمل أي العرف من حيث العمل والاستعمال لا من حيث اللّفظ بيان ذلك فيما ذكره صدر الإسلام ﵀ في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٤)، وقال: وأمّا قولهم فإنّهم لا يتزوّجون إلا الأكفاء قلنا هذا عادة فعل والكلام ينصرف إلى ما يعتاده النّاس قولاً/ لا فعلاً.

стр. 1632

ألا ترى أن من حلف لا يأكل لحمًا فأكل لحم الآدمي أو لحم الخنزير يحنث وإن كان النّاس لا يأكلون لحم الادمي ولا لحم الخنزير عرفاً (١)، فعلم بهذا أنّ العرف العمل لا يصلح مقيدًا لإطلاق اللّفظ وكذلك ههنا المتعارف أن لا يتزوّج النّفيس الخسيسة عملاً ولكن لا يكون هذا رافعًا لإطلاق اللفظ كما أنّ هناك عرف وترك أكل لحم الآدمي والخنزير لم يصلح مقيدًا لإطلاق قوله لا يأكل لحمًا بل بقي اللّحم مطلقاً كما كان لأنّ إطلاقه لا يرتفع إلا بلفظ آخر وذكر شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ (٢) المنع في مسألتي الْفَحْم وَالجَمد (٣) لما أنّ ذلك أيضاً عرف عملي فلا يصلح مقيدًا لإطلاق اللّفظ كذا في الفوائد الظهيريّة ولو زوّجه صغيرة لا يجامع مثلها جاز بالإجماع فإنّه معتاد ألا ترى أن النبي ﵇ تزوج عائشة ﵂ وهي بنت ست سنين (٤) ذكره الإمام المحبوبي أن اعتبار الكفاءة استحسان عندهما أي في جانب النساء للرجال. وأمّا في القياس فهو غير معتبر؛ لأنّه ذكر في الْمَبْسُوطِ (٥)، وإذا تزوّجت المرأة رجلاً خيراً منها فليس للولي أن يفرق بينهما؛ لأنّ الكفاءة غير مطلوبة من جانب النّساء لأنّ الولي لا يتغير بأن يكون تحت الرجل من لا يكافئه؛ لأن نسب الولد يكون إلى أبيه لا إلى أمّه ألا ترى أن إسماعيل ﵇ كان من قوم إبراهيم ﵇[لا] (٦) من قوم هاجر، وكذلك إبراهيم ﵇ ابن رسول الله ﵇ كان من قريش وما كان قبطياً، وأولاد الخلفاء من الإماء يصلحون للخلافة. وذكر الإمام الإسْبِيجَابِيّ ﵀. وقولهما أحسن للفتوى وبه أخذ الفقيه أبو الليث ﵀ والله أعلم.

стр. 1633

باب المهر لما ذكر ركن النكاح وشرطه وما هو في معنى الشّرط شرع في بيان حكمه وهو وجوب المهر وبه صرّح في المنشور (١) (٢) بأن وجوب المهر حكم النكاح لما أنّ المهر إمّا مسمّى أو مهر المثل يجب بالعقد فكان حكمه ثم الله تعالى بحكمته البالغة لم يشرع عقد النكاح إلا ببدل لتّعظيم خطره عند الناكح ويحل شأنه لعين الطّامح ويكون خوف المطالبة بالصّداق مانعًا له عن الطّلاق فحينئذ يمتد التّوافق والتّساعد ويدوم البقاء والتّوالد وعن هذا كانت المتعة والنكاح الموقت حراماً وازداد حسن تأييد المعاشرة قوة ونظاماً. ثم اعلم أنّ الكلام ههنا في مواضع في وجوب المهر بدون الذكر وفي بيان ما يصلح وما لا يصلح وفي بيان ما تفسد به التسمية وما يصح وفي بيان ما يستحق به جميع المهر وما يسقط به نصفة. وفي بيان من يعتبر به مهر المثل وفي بيان حكم الاختلاف بين الزّوجين وما يتبعها فبدأ ببيان الأوّل. وقال ويصحّ النكاح وإن لم يسم فيه مهراً ولها مهر مثلها من نسائها إن دخل بها أو مات عنها وهو أحد قولي الشّافعي-﵀ (٣) وفي القول الآخر لا يجب بنفس العقد وإنّما يجب المهر بالفرض بالتّراضي أو بقضاء القاضي حتّى إذا مات أحدهما قبل الدّخول فلا مهر لها عنده وذكر في (الأسرار) وغيره قوله الثّاني مطلقاً ومشايخهم مختلفون فيما إذا دخل بها فأكثرهم على أنّه يجب المهر بالدّخول. ومنهم من يقول لا يجب بالدّخول [أيضاً] (٤) كذا في الْمَبْسُوطِ (٥) سوى ما أحيل ثم المهر واجب شرعًا هذا جواب سؤال مقدّر وهو أن يقال ينبغي أن لا يتم النكاح بدون تسمية المهر لأنّ المهر واجب كالثّمن في باب البيع فكما يفسد البيع هناك عند ترك تسمية الثمن فكذا هنا عند ترك تسمية المهر فأجاب عنه وقال نعم أنّ المهر واجب لكن وجوب المهر لا بأنه شرف المحل المحترم وهو بضع الحرّة ويضع من لا يملكه بملك اليمين لا لصحّة النكاح فلذلك لم يحتج إلى ذكره لصحّة النكاح فيصح النكاح وإن لم يسم المهر. قوله: وَفِيهِ خِلَافُ مَالِكٍ-﵀ (٦) أي فيما إذا تزوجها بشرط أن لا مهر لها (٧) فإن هذا النكاح لا يجوز عنده فقال؛ لأنّه عقد معاوضة ملك متعة بملك مهر فيفسد بشرط نفي عوضه كالبيع بشرط أن لا ثمن إلا أنّا نقول أنّه قد ثبت بالدّليل أنّ النكاح ينعقد بلفظ الهبة وهي تمليك في اللّغة بلا عوض فكان قوله بشرط أن لا مهر لك تقريراً لما أوجبه الهبة لأنّ النكاح بغير تسمية المهر جائز بالإجماع (٨) وما كان عوضاً شرط ذكره في العقد لا يختلف بين ترك ذكره وبين نفي ذكره كالبيع.

стр. 1634

ألا ترى أنّ البيع بلا ثمن ومطلقاً عن ذكر الثمن سواء في عدم الجواز إلى هذا أشار في الأسرار. ولنا قوله ﵇: «وَلَا مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَة» (١) إنّما ذكره بالواو لأنّ هذا معطوف على ما قبله في الحديث وهو ما روى جابر ﵁ أنّ النبي ﵇ قال: «أَلَا لَا تُزَوِّجُ النِّسَاءَ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ، وَلَا يُزَوَّجْنَ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاء ولا مهر أقل من عشرة دراهم» (٢). وفي حديث عبدالله بن عمر ﵄ أنّ النبي ﵇ قال: «لَا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِم ولَا مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَة دَرَاهِم» (٣). فإن قلت: هذا الحديث معارض بما روي من الأحاديث منها ما روي عن النبي ﵇ أنّه قال: «من اسْتَحَلَّ بِدِرْهَمٍ فَقَدْ اسْتَحَلَّ» (٤)، ومنها ما روي أن امرأة عرضت نفسها على رسول الله ﵇ فلم ير فيها رغبة فقال: «مَالي حَاجَة إلى النِّسَاء» فقالت: زوّجني من شئت فقام رجل فقال زوّجها منّي فقال: «ماذا تُصْدِقُهَا؟ فقال: إزاري هذا فقال: «إذًا قَعَدْتَ، وَلَا إزَارَ لَك الْتَمِسْ، وَلَوْ بِفَلْسٍ الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» (٥) ولأنّه قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٦) مطلق (٧) فيقيد ذلك المال بالعشرة يكون زيادة على النصّ ولا يجوز ذلك بالخبر الواحد (٨).

стр. 1635

قلت: تأويل الأحاديث فيما يعجله لها باليد. ألا ترى أنّه أمر ذلك الرّجل بالالتماس والصّداق يمكن إثباته في الذمّة (١) فعرفنا أنّ المراد ما يعجله لها باليد وذلك غير مقدر عندنا. وأما تقييد الآية بمال مقدر فقد عرفنا بإشارة النصّ (٢) وهي قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ (٣) معناه ما قدّرنا فإنّ الغرض عبارة عن التقدير وخبر الواحد ورد مفسراً لذلك التّقدير المجهول الذي ثبت بالكتاب وهذا لأنّ كل مال أوجبه الشّرع تولى بيان مقداره كالزكوات وغيرها. فكذلك الصّداق ممّا أوجبه الشّرع عرف بقوله ما فرضنا فيكون مقدراً شرعًا كذا في (الْمَبْسُوطِ) (٤) أو كان معنى قوله فهو مهر أي بعض المهر فإنّ الدّرهم من المهر وفائدة ذكره أنّه لا يجب مهر المثل عند ذكر الدّرهم وبه نقول لأنّ تسمية ما لا يصلح مهراً شرعًا كانعدامه كما في تسمية الخمر والخنزير فما ذكره زفر-﵀ قياس وما ذكرناه استحسان وللاستحسان وجهان:

стр. 1636

أحدهما: أنّ العشرة في كونها صداقاً لا يتَجَزَّأ وذكر بعض ما لا يتَجَزَّأ كذكر كلّه كما لو تزوّج نصفها صحّ النكاح في جميعها. والثّاني: أنّ الإمهار إلى تمام العشرة حق الشّرع، وما زاد على ذلك حقها فإذا رضيت بالخمسة فقد أسقطت ما هو حقها، وبعض ما هو حق الشّرع فيعمل إسقاطها فيما هو حقها، وهو الزّيادة على العشرة، ولا يعمل في حق الشّرع، كذا في الْمَبْسُوطِ (١). قوله: ولا ترضى فيه بعوض يسير فلما كان كذلك لا يكون عدم التّسمية دليلاً على الرضاء بالعشرة فلا تجب العشرة لذلك بل يجب مهر المثل لأنّ بالدخول يتحقق تسليم المبدل وهو البضع وبه يتأكّد تسليم البدل أي بتسليم المبدل يتأكّد تسليم البدل وهو المهر كما في تسليم المبيع في باب البيع يتأكّد وجوب تسليم الثّمن لأنّ وجوب الثّمن قبل ذلك كان على ضعف ووهاء لأنّه كان على عرضته أن يهلك المبيع في يد البائع وينفسخ البيع وبتسليمه يتأكّد وجوب الثّمن على المشتري فكذلك ههنا كان وجوب المهر على ضعف ووهاء لأنّه كان على عرضيّه إن قبلت المرأة ابن زوجها أو ارتدت والعياذ بالله فيسقط جميع المهر والشيء بانتهائه يتقرر فكذلك ههنا النكاح بالموت يتقرّر والدّليل عليه جريان الإرث بينهما فإنّ الإرث سببه أمّا النّسب أو السّبب ولا نسب ههنا فكذلك لا سبب سوى سبب النكاح فعلم به أنّ النكاح بينهما باق تقديراً فيتقرر بجميع مواجبة أي فيما يمكن تقريره مثل الإرث والعدّة والمهر والنّسب ولكن لا يتقرّر في حق وجوب النّفقة وفي حق وجوب النّفقة وفي حق حل التزوّج بعد انقضاء العدّة. قوله: وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ [بِهَا] (٢) وَالْخَلْوَة (٣). أي بعدما سمّى لها مهراً. قوله والْأَقْيِسَةُ مُتَعَارِضَةٌ (٤) جواب سؤال مقدّر وهو أن يقال ينبغي أن يسقط الكلّ لأنّ بالطّلاق قبل الدّخول يعود المعقود عليه سالمًا إليها فيجب أن يسقط كلّ البدل كما إذا تبايعا ثم أقالا فأجاب عنه وقال إن ههنا قياساً آخر يقتضي وجوب كل المهر لأنّه فوت ما ملكه باختياره فصار كمن اشترى شيئاً. ثم باعه من آخر وكمن أعتق عبده فهذا الوجه يوجب تأكّد جميع البدل فعلم أنّ القياسين متعارضان فتركناهما وأخذنا بالنّص كذا ذكر الأستاذ (٥) المحقق ﵀.

стр. 1637

فإن قلت: ففي هذا وجوه من السؤال: أحدها: أن ههنا ليس أوان القياس إذ فيه نصّ ظاهر ولا وجود لقياس واحد مع وجود النصّ على مخالفة النص فصلاً عن الأقيسة والثّاني: أنّ التّعارض إذا ثبت بين الحجّتين إنّما يصار إلى ما بعدهما من الحجّة لا إلى ما قبلهما حيث يرجع إلى السنّة عند معارضة الآيتين لما عرف وانعكس ههنا. والثّالث: أن المعارضة في الحقيقة لا تثبت بين القياسين لفقد شرطها لما عرف في أصول الفقه لشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ (١) ولئن تثبت صورة فلا يتركان بل يعمل المجتهد بأيّهما كان بشهادة قلبه. قلت: أمّا الجواب عن الأوّل فقد ذكر الأستاذ ﵀ هذا نص دخل فيه الخصوص فإنّه إذا سمّى الخمر أو الخنزير في العقد ثم طلّقها قبل الدخول لا يجب نصف المفروض وإذا ثبت الخصوص فيه جاز أن يعارضه القياس وهو أن لا يجب عليه شيء لعود المعقود إليها سالمًا كما في إقالة البيع ثم يقول القياسان متعارضان صورة فلم يثبت الخصوص وإذا لم يثبت الخصوص بالقياس يجب عليه نصف المسمّى عملاً بالنصّ والأوجه فيه أن يقال ذكر معارضة القياسين أو الأقيسة ههنا لا لإثبات الحكم بهما أو بأحدهما بل لبيان أنّ العمل [بهما غير ممكن لتعارضهما في انفسهما ولمخالفتة كل منهما النص فصار كأنه قال فوجب علينا العمل] (٢). بظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ﴾ (٣) من غير رجوع إلى القياس والمعقول فإنا لو خلّينا [ومجرد] (٤) القياس وعملنا به على وجه الفرض والتقدير وإن لم يكن أوان العمل بالقياس من غير نظر إلى النصّ يلزم ترك أخذ [أحد] (٥) القياسين فتركناهما جميعًا. فعملنا بالنصّ وبهذا خرج الجواب عن الأسولة كلّها فإنّه لما لم تكن المعارضة على حقيقتها بل هذا قول على وجه الفرض والتقدير لا يرد فيه ما يرد في التعارض وهذا كما قيل في نجاسة البئر وتقرير نزحها بالسنّة بحسب قدر الواقع منها أن في أحكام البئر اتباعاً للآثار وتمسكًا بالسنن وإلا فيها قياسان متعارضان أحدهما يقتضي أن لا ينجس البئر أصلاً كما روي عن مُحَمَّد ﵀ أنّه قال اجتمع رأيي ورأي أبي يوسف أنّ ماء البئر في حكم الماء الجاري لأنّه ينبع من أسفلها ويؤخذ من أعلاها فلا يتنجّس بوقوع النّجاسة أو تطم طمّاً ويحفر في موضع آخر كما قاله بشر لأنّه وإن نزح ما فيها من الماء تبقى الطّين والحجارة نجساً [ولكن] (٦) لما كان القياسان مخالفين للآثار المشهورة والسنن المستفيضة بتقدير النّزح بحسب تقدير الواقع لم يعمل بهما لعدم أوانهما لأن أوان القياس هو بعد الكتاب والسنّة والسنّة موجودة ههنا.

стр. 1638

فكذلك ههنا فإن القياسين مخالفان لظاهر الكتاب كما هناك [قوله: ففيه تفويت الزوج الملك الفاء لتفسير التعارض ثمّ] (١). قوله: تفويت الزوج الملك على نفسه باختياره (٢) يقتضي وجوب كل المهر كالمشتري إذا تلف المبيع قبل القبض. وقوله: وفيه عود المعقود عليه (٣) سالمًا يقتضي عدم وجوب شيء من المهر كما في الإقالة والفسخ بخيار رؤية أو شرط. قوله: إِن دخل بهَا أَو مَات (٤) الزّوج وكذلك إن ماتت المرأة فإنه ذكر في شرح الطّحاوي (٥) في هذه الصورة فإن طلقها بعد الدخول أو بعد الخلوة أو مات الزّوج أو ماتت المرأة فلها مهر المثل وكذا أيضاً في تحفة الفقهاء (٦)، والذّخيرة (٧)، وأكثرهم أي أكثر أصحاب الشّافعي ﵀ (٨)، ولنا أن المهر وجوباً حق الشرع وذكر في المحيط (٩)، وفي المهر حقوق ثلاثة: حق الشّرع: وهو أن لا يكون أقلّ من عشرة، وحق الأولياء: وهو أن لا يكون أقلّ من مهر مثلها، وحق المرأة: وهو كونه ملكًا لها، غير أن حق الشّرع، وحق الأولياء يعتبر وقت العقد لا في حالة البقاء. وكذلك إذا زوجت نفسها من رجل بمقدار مهر مثلها ثم أبرأته عن كلّها أو عن بعضها لا يكون للأولياء حق الاعتراض وفي الْمَبْسُوطِ (١٠)، والمعنى فيه أنّ المسمّى إذا تأكّد بالتّسمية والعقد جميعًا ولتأكده لا يسقط كله لا بالطّلاق ولا بالموت والنفقة ضعيفة من كل وجه لأنّها لا تجب بنفس العقد ولا بالتّسمية فتسقط بالطّلاق والموت جميعًا ومهر المثل ضعيف من وجه لأنّه غير مسمّى في العقد وقوي من وجه لأنّه واجب بنفس العقد فلقوته من وجه لا يسقط بالموت ولضعفه من وجه يسقط كلّه بالطّلاق قبل الدّخول ولو طلقها قبل الدّخول بها فلها المتعة. وإنما قلنا أن المتعة مخصوصة في هذه الصّورة لسياق الآية وهو قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ (١١) الآية، قيل أو بمعنى الواو أي وما لم تفرضوا.

стр. 1639

قوله: ثم هذه المتعة واجبة (١) إنما قيد بقوله ثم هذه لأنّه إذا طلّقها بعد الدّخول وقد سمّى لها مهرها أو طلّقها بعد الدّخول ولم يسمّ لها مهراً فإنّ المتعة لهما مستحبة بالاتّفاق على ما يجيء. وأمّا في هذه الصّورة وهي ما إذا طلّقها قبل الدخول ولم يسمّ لها مهراً فإن المتعة فيها واجبة عندنا (٢) وقال مالك ﵀ (٣) المتعة مستحبة في جميع الصّور بدليل ما ذكر في المنظومة (٤) ولا ترى وجوبها في الشّرعة وقال: لأنّ الله تعالى سمّاه إحسانًا بقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ (٥). وقلنا المتعة واجبة في هذه الصّورة التي ذكرنا لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ (٦) فالأمر للوجوب وما ذكره من الإحسان مصروف إلى التي لها مهر أو نصف مهر دفعًا للتّعارض إلى هذا أشار في الْمَبْسُوطِ (٧)، والمتعة ثلاثة أثواب إلى قوله درع وخمار وملحفة يعني كرتة ومعجر وجادر وفي الْمَبْسُوطِ (٨)، وأدنى المتعة درع وخمار وملحفة وذلك لأنّ المرأة تصلي في ثلاثة أثواب وتخرج في ثلاثة أثواب عادة فيكون ذلك متعة لها تذكره من الزّوج إذا فارقها قبل أن يدخل بها [وفي مبسوط] (٩) فخر الإسلام ﵀ قالوا هذه في ديارهم.

стр. 1640

وأما في ديارنا فينبغي أن يجب عليه أكثر من ذلك لأن يمتعها بثياب بدنها عادة والنساء في ديارنا تلبس أكثر من ذلك عادة فينبغي أن يزاد عليها إزار ومكعب. قوله: ﵀ لِقِيَامِهَا مَقَامَ مَهْرِ الْمِثْلِ (١). كان من حقّه أن يقول لقيامها مقام نصف مهر المثل لأنّ المهر التّام لم يجب في صورة من الصّور إذا طلقت المرأة قبل الدّخول ولكن يراده إلحاق المتعة بنفس مهر المثل في اعتبار حالها من غير نظر إلى تمام مهر المثل أو نصفة. وفي مهر المثل المعتبر حالها فكذا فيما قام مقامه. وذكرفي شرح الطّحاوي (٢) المتعة ثلاثة أثواب على اعتبار حالها فإن كانت من السفلة (٣) فمن الكرباس (٤)، وإن كان وسطًا فمن القز (٥)، وإن كانت مرتفعة الحال فمن الإبريشم (٦) ثم هي لا يزاد على نصف مهر مثلها وفي الذّخيرة (٧)، والمتعة ثلاثة أثواب على ما ذكرنا وسط لا جيّد غاية الجودة ولا ردي غاية الرداءة إلا إذا زاد ذلك على نصف مهر مثلها فحينئذ لها نصف مهر مثلها وإن كان لا يزيد ذلك على نصف مهر مثلها [فلها] (٨) الأثواب إلا أن تنقص قيمتها عن خمسة دراهم. والحاصل أن لها الأقلّ من نصف مهر المثل ومن المتعة إلا أن تكون قيمة المتعة أقلّ من خمسة دراهم.

стр. 1641

فحينئذ لا تنقص عن خمسة دراهم وهذا لأنّ مهر المثل هو العوض الأصلي ولكن يقدر بنصفه لجهالته فيصير إلى المتعة خلفاً عنه ولا يجوز أن يزيد على نصف مهر المثل ولا ينقص عن خمسة دراهم لأنّ المهر لا يكون أقلّ من عشرة دراهم وإن كانت المتعة مثل نصف المهر فلها المتعة لأنّها فريضة بكتاب الله تعالى فعند المساواة تترجّح المتعة. وقال الشّافعي-﵀ المتعة شيء نفيس من ثوب أو خادم أو فرس أو نحو ذلك ولا يعتبر بمهر المثل لأنّه سقط بالطّلاق قبل الدّخول فلا يعني لاعتباره بعد ذلك ولكنا نقول النكاح الذي فيه التّسمية في حكم الصّداق أقوى ممّا لا يسميه فيه وإذا كان في العقد الذي فيه التسمية لا يجب لها بالطّلاق أكثر من نصف ما كان واجباً قبله فلذلك في النكاح الذي لا يسميه فيه وقد كان الواجب قبل الطّلاق مهر المثل فلا يزاد بالمتعة على نصف مهر المثل بعد الطّلاق بل الواجب الأقل من المتعة ومن نصف مهر المثل كذا في (الْمَبْسُوطِ) (١)، وإن تزوّجها ولم يسمّ لها مهراً ثم تراضيا على تسمية أو رافعته إلى القاضي ففرض لها مهراً لأن لها أن ترافعه إلى القاضي ليفرض لها مهراً كذا ذكره الإمام التمرتاشي-﵀. ولنا أنّ هذا الفرض [بتعيين الواجب بالعقد وهو مهر المثل بدليل أنّه إذا دخل بها يسقط مهر المثل ويلزمه المفروض بعده فلولا أنّ هذا] (٢) تعيين لمهر المثل و تقدير له لكان يلزمه مهر المثل مع المفروض كما إذا سمّى لها مهراً ثم زاد لها شيئاً فإنّهما جميعًا يجبان على تقديري الموت والدّخول فثبت أن هذا تقدير لمهر المثل وبالطّلاق قبل الدّخول يسقط اعتبار مهر المثل فكذا يسقط اعتبار ما كان تقديراً أو تعيينًا له ولأنّ العقد من الابتداء انعقد موجباً مهر المثل فلا ينعقد موجباً شيئاً آخر فيكون فرض الزّوج تعيينًا لمهر المثل كذا في الفوائد الظهيريّة وإذا خلا الرّجل بامرأته وليس هناك مانع من الوطئ أي مانع حسي كالمرض أو شرعي كالصّوم. ولنا أنّها سلّمت المبدل حيث دفعت الموانع والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (٣) نهى عن استرداد شيء من الصّداق بعد الخلوة مابلغ نهي فإن الإفضاء عبارة عن الخلوة ومنه سمّى المكان الخالي فضاء فلابد من الخلوة وبعد وجود الخلوة يتأكّد وجوب المهر لأنّ البدل في عقود المعاوضات يقرره بتسليم من له البدل المبدل لا تحقيقه استيفاء المبدل.

стр. 1642

ألا ترى أن البائع إذا خلّى بين المبيع وبين المشتري أو الآجر إذا خلى بين المستأجر والمستأجر يتأكد البدل وإن لم يوجد القبض حقيقة والمعنى فيه أنّه لو وقفنا تقرّر البدل على استيفاء المبدل حقيقة فمن عليه البدل يمتنع عن الاستيفاء قاصدًا الإضرار والضّرر مرفوع شرعًا. قوله: ﵀ وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي مَرَضِهَا (١)، وفي الذّخيرة (٢). والحاصل أنّ المرض في جانبها متنوع بلا خلاف وأمّا المرض في جانبه فقد قيل أنّه متنوع أيضاً وقيل أنّه غير متنوع وأنّه يمنع صحّة الخلوة على كل حال وجميع أنواعه في ذلك على السّواء. قال الصّدر الشّهيد ﵀ (٣) هو الصّحيح وإن كان أحدهما صائمًا تطوعًا فلها المهر كله. فإن قلت: ينبغي أن لا يلزم كلّ المهر لأنّه يلزمه القضاء على تقدير الإفساد فلا تكون الخلوة صحيحة كما في قضاء رمضان. قلت: لزوم القضاء في التطوع عندنا لضرورة صيانة المؤدّى عن البطلان والثّابت بالضّرورة يتقدّر بقدر الضّرورة فيظهر ذلك في حقّ الصّائم ثم خاصّة بالقضاء فلا يعدو إلى غيره حتّى تفسد الخلوة. بخلاف صوم [قضاء] (٤) رمضان فإنّه فرض مطلقاً فكان أثره عاماً. وفي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٥) لِقَاضِي خَانْ وإن كان صائمًا عن التطوّع فلها كلّ المهر؛ لأنّ له الإفطار بعذر الضّيافة وإدخال السّرور على أخيه هكذا روي عن مُحَمَّد ﵀ وهو موافق لما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنّ رجلاً أضاف رسول الله ﵇ مع أصحابه وكان فيهم رجل صائم وقال له رسول الله ﵇: «أحب أخاك واقض يومًا مكانه» (٦) فعلى هذا قالوا له أن يفطر لأجل المرأة.

стр. 1643

ومنهم من قال لا يباح له الإفطار بعذر الضّيافة لما روي عن رسول الله ﵇ أنّه قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطراً فليأكل وإن كان صائمًا فليصلّ يعني فليدع له بالبركة والخير» (١)، والأوّل أصحّ والحديث الثّاني محمول على أنّه لا يفطر لشهوة نفسه. قوله: ﵀ وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَهْرِ هُوَ الصَّحِيحُ (٢)؛ أي أخذ رواية المنتقى (٣) في حق كمال المهر دفعًا للضّرر عنها هو الصّحيح. وأمّا في حق جواز الإفطار فالصحيح غير رواية المنتقى وهو أنّه لا يباح الإفطار من غير عذر فكان هذا فائدة تقييده بقوله وهذا القول في المهر. وأمّا قوله: هو الصّحيح فاحتراز عن رواية شاذة عن أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وهي أن صوم التطوّع يمنع صحّة الخلوة لأنه يمنعه عن الوطئ شرعًا لما فيه من إبطال العمل كذا في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٤) لِقَاضِي خَانْ أنّ المستحق عليها التّسليم في حق المستحق لأنّ هذا عجز لا يرجى زواله وكان المعقود عليه في حقه منفعة المساس وقد سلمت ذلك من غير مانع ولهذا لو جاءت بولد يثبت النّسب منه كذا ذكره الإمام قاضي خان. ولكن ذكر الإمام التمرتاشي-رحمهما الله- بثبوت النسب على التّفصيل فقال وقالوا إن علم أنّه ينزل يثبت وإن علم بخلافه فلا وعليها العدّة في جميع هذه المسائل أي سواء كانت [الخلوه] (٥) صحيحة أو فاسدة. وذكر في جامع الصّغير (٦) لِقَاضِي خَانْ والتمرتاشي-رحمهما الله- إلا إذا أفسدت الخلوة بالعجز عن الجماع حقيقة. فحينئذ لا تجب العدة. وذكر في الذّخيرة (٧) الأحكام التي تقوم الخلوة مقام الجماع في حقها وما لا يقوم فقال: وأمّا الأحكام التي أقاموا الخلوة فيها مقام الوطئ تأكّد جميع المسمّى إن كان في العقد تسمية وتأكّد مهر المثل إن لم يكن في العقد تسمية وثبوت النّسب ووجوب العدّة ووجوب النّفقة والسّكنى في هذه العدّة وحرمة نكاح أختها مادامت العدّة قائمة وحرمة نكاح أربعة سواها وحرمة نكاح الأمة عليها على قياس قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ في حرمة نكاح الأمة على الحرّة في العدّة عن طلاق بائن ومراعاة وقت وقوع الطّلاق في حقّها.

стр. 1644

وأمّا الأحكام التي ما أقاموا الخلوة فيها مقام الوطئ فالإحصان حتّى لا يصير محصنًا بالخلوة وحرمة البنات والإحلال للزّوج الأوّل والرّجعة والميراث حتّى لو طلقها ثم مات وهي في العدّة لا يرث. وأمّا وقوع طلاق آخر في هذه العدة فقد قيل لا يقع وقيل يقع وهو الأقرب إلى الصّواب لأنّ الأحكام لما اختلفت في هذا الباب وجب القول بالوقوع احتياطاً ثمّ هذا الطّلاق يكون رجعيًّا أو بائنًا ذكر شيخ الإسلام-﵀ أنّه يكون بائنًا والعدّة حق الشّرع والولد حتّى لا يصير الولد هالكًا فلا يصدق أي في أنّه لم يطأ في إبطال حق الغير وهو حق الشّرع والولد. بخلاف المهر أي لا يجب المهر فيما إذا كانت الخلوة فاسدة لأنّه قال لانحطاط في إيجابه فلا يجب ويستحب المتعة لكلّ مطلقة إلا لمطلقة واحدة وهي التي طلّقها الزّوج قبل الدّخول وقد سمّى لها مهراً إلى آخره وهذا هو الصّحيح من النّسخ وهذا بخطّ شيخي ﵀ أيضاً ولكن وقع الاشتباه ههنا في المستثنى وفي المستثنى منه وفي قول الشّافعي ﵀. أمّا في المستثنى فإنّه ذكر في الْمَبْسُوطِ (١)، والحصر أن المتعة تستحب للتي طلّقها قبل الدّخول وقد سمّى لها مهراً ولاستثناء ههنا يقتضي أن لا يستحب لهذه المرأة. وأمّا في المستثنى منه فهو أن المتعة واجبة للتي طلقها قبل الدّخول ولم يسمّ لها مهراً لما ذكر [قيل هذا] (٢) بقوله فإن تزوّجها ولم يسمّ لها مهراً إلى أن قال ثمّ هذه المتعة واجبة. ثم عمّ ههنا بالاستحباب لكلّ مطلقة في صدر الكلام ثم استثنى حكم واحدة من الاستحباب وهو يقتضي أن لا يستحبّ في حقّها وصرّح بالاستحباب في حقها في الْمَبْسُوطِ (٣) والحصر. وأمّا في قول الشّافعي-﵀ (٤) فإنّه لم ير المتعة واجبة لهذه المرأة المستثناة في الكتاب حيث استثناها من الوجوب بقوله تجب لكلّ مطلقة إلا لهذه. وذكر في الحصر أنّ المتعة واجبة عنده لهذه المرأة المستثناة أيضاً مع نصف المفروض أمّا الجواب عن الاشتباه الواقع في المستثنى فظاهر وأنّ المذكور لفظ القدوري. وعند أبي الحسن القدوري ﵀ (٥) الحكم في حق المرأة التي استثنيت هكذا فإنّه ذكر في شرحه أنّ المتعة واجبة ومستحبة فالواجبة للتي طلّقها قبل الدّخول والتسمية والمستحبة لكلّ مطلقة إلا التي طلّقها قبل الدّخول وقد سمّى لها مهراً فكان اختياره وقع على خلاف ما اختاره في الْمَبْسُوطِ (٦)، والحصر ورواية التحفة تؤيد ما اختار القدوري فإنّه ذكر في التحفة (٧) أمّا المتعة المستحبّة فهي ثابتة لكلّ مطلقة لم تستحق بالطّلاق جميع المهر ولا نصفه فكان فيه إشارة إلى أنّها لا تستحبّ لمن استحقّت نصف المهر وههنا المستثناة قد استحقت نصف المهر فلا يستحب لها المتعة.

стр. 1645

وأمّا الجواب عن الاشتباه الواقع في المستثنى منه فإنّه لما بيّن من تجب لها المتعة مرّة أراد بالكلّ المذكور ههنا غير تلك إذ لو كانت هي داخلة ههنا أيضاً يلزم تكرار حكمها ذكراً من غير فائدة فكان تقدير الكلام ويستحب المتعة لكلّ مطلقة سوى التي ذكرنا حكمها أنّ المتعة واجبة لها إلا التي طلقها قبل الدّخول وقد سمّى لها مهراً فكان قوله إلا التي طلّقها استثناء عن قوله لكلّ مطلقة لا عن قوله سوى التي ذكرنا حكمها لأنّه لا يصح الاستثناء لأنّ استثناء الواحد عن الواحد لا يصحّ فكان مستثنى عن قوله لكلّ مطلقة ضرورة لكن بعد خروج المذكورة أولاً عن اسم الكل لذكرها مرّة وقال بعضهم في التّصحيح جاز أن يريد بالاستحباب الوجوب مجازاً حتّى يدخل تلك المذكورة سابقاً في اسم الكلّ أيضاً كما يراد بالوجوب الفرض. قلت: هذا لا يصحّ لأنّه حينئذ يلزم أن يتناول لفظ الاستحباب للوجوب والاستحباب في لفظ واحد فكان جمعًا بين الحقيقة والمجاز بل الوجه ما قلنا وذكر الإمام بدر الدّين [الكردي] (١) ﵀ وحاصله أن المطلقات أربعة مطلقة قبل الدّخول والتّسمية وهي التي يجب لها المتعة ومطلقة بعد الدّخول وقد سمّى لها مهراً ومطلقة بعد الدّخول فلم يسمّ لها مهراً فيستحب المتعة لهما ومطلّقة قبل الدّخول بعد التّسمية وهي التي لا يستحب لها المتعة ولا يجب على اختيار القدوري وصاحب التحفة (٢) خلافاً لشمس الأئمة ونجم الدّين-﵏ لأن ما أخذت من نصف الصّداق قائم مقام المتعة. وأمّا الجواب عن قول الشّافعي ﵀ بأنّ في وجوب المتعة لهذه المذكورة المستثناة وهي التي طلقها قبل الدّخول وقد سمّى لها مهراً قولين له وأصحّ القولين ما هو المذكور في الكتاب فكان المذكور في الحصر واقعًا على القول الآخر له. وإنّما قلنا أنّ المذكور في الكتاب أصحّ قوليه لأنّه ذكر في الخلاصة الغزالية (٣). فقال فإن طلّقها قبل المسيس وبعد التّسمية أو الفرض فحسبها نصف المهر بنصّ القرآن وهو الصّحيح. قوله: ﵀ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ صِلَةً مِنْ الزَّوْجِ (٤) هذا دليل قوله تجب لكل مطلقة وبقوله صلة يحترز عن قولنا بأنّ المهر عوض والمتعة خلف عنه لأنّه أوحشها بالفراق فتجب المتعة لكلّ مطلقة جبراً لإيحاشها بالطّلاق وتداركًا لإذاقته إيّاها مرارة الفراق.

стр. 1646

لكن المرأة في هذه الصّورة وهي التي طلّقها قبل الدّخول وقد سمّى لها مهراً أخذت نصف المهر وهو لها متعة مع أنّ الطّلاق فسخ في هذه الحالة لعود مالها إليها سالمًا كان ينبغي أن لا يجب عليه نصف المهر كما في فسخ البيع لكن الشّارع أوجب عليه لها نصف المهر بطريق المتعة وهي لا تتكرّر فلا تجب المتعة لهذه المرأة خاصة وتجب لغيرها من المطلقات لما ذكرنا من جبر الإيحاش في المفوضة بكسر الواو أي في المرأة التي فوضت نفسها من غير مهر إلى الزّوج وبيان هذا لأنّ الله تعالى ما شرع النكاح إلا بالمال لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (١)، والباء للإلصاق فلا ينفك الملصق وهو المال عن الملصق به وهو الانتفاء أي انتفاء النكاح فكان وجوب المال عليه عوضاً عما يملك من البضع ثم لما سقط مهر المثل ههنا وجبت المتعة فكان وجوبها بطريق الحلفية عن مهر المثل لأنّه هو الموجب الأصلي والحلف لا يجتمع مع الأصل وجوباً وإنّما يجمع معه استحباباً لأنّها مبرّة وإحسان فلمّا لم يجمع مع الأصل لم يجتمع وجوباً معه لا عند وجوب كل المفروض كما إذا كان بعد الدّخول. والتّسمية ولا عند وجوب نصف المفروض كما إذا كان قبل الدّخول وبعد التّسمية وهو معنى قوله لا يجامع الأصل ولا شيئاً منه. قوله: ﵀ وَهُوَ غَيْرُ جَانٍ فِي الْإِيحَاشِ (٢) هذا جواب عن حرف الخصم وهو قوله أوحشها بالفراق لأنّه فعل ما فعله بإذن الشّرع فلا تلحقه الغرامة فيما فعله بإذن الشّرع حتى يقال بوجوب المتعة فبقية المتعة مستحبة لكلّ مطلقة لا واجبة. بخلاف ما يقوله الخصم بالوجوب وإذا زوّج الرجل بنته على أن يزوج الزّوج بنته أو أخته أو أمته ليكون أحد العقدين عوضاً عن الآخر [وشرطا] (٣) شرطًا صريحًا بأن قال على أن يكون مهر كلّ واحد منهما نكاح الأخرى. فإنّ النكاح بهذه الصّفة يجوز عندنا ولكلّ واحد منهما مهر مثلها ويسمّى هذا النكاح نكاح الشغار من قولهم شغروا فلانًا عن بلده إذا نفوه وطردوه (٤) لما أنّه عقد نفي عنه المهر وعن ابن فارس (٥) التّركيب يدل على الخلو كذا في المغرب (٦) المهمل الغين.

стр. 1647

وذكر في الصّحاح (١) يقال شغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه ليبول وسمّى به هذا العقد لأنّهما بهذا الشّرط كأنهما رفعا المهر وأخليا البضع عنه لأنّه جعل نصف البضع صداق والنّصف منكوحة والاشتراك في هذا الباب. وذلك لأنّه لما جعل ابنته منكوحة الآخر وصداقاً لابنته اقتضى ذلك انقسام منافع بضعها عليهما نصفين فيصير النّصف منها للزّوج بحكم النكاح والنّصف لبيته بحكم المهر فيلزم الاشتراك في منافع البضع وهذا ممّا لا وجه له. قوله: ﵀ وَلَا شَرِكَةَ بِدُونِ الِاسْتِحْقَاقِ (٢) جواب عن حرف الخصم بيانه أنّ البضع لما لم يكن له صلاحية كونه صداقاً لم يتحقّق الاشتراك لأنّ منافع بضع المرأة لا تصلح أن تكون مملوكة لامرأة أخرى فبقي هذا شرطًا فاسدًا والنكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة. بخلاف ما لو زوجت المرأة نفسها من رجلين حيث لا يصحّ لصلاحيّة الاشتراك لأنها تصح منكوحة لكلّ واحد منهما فيتحقّق بمعنى الاشتراك واستدلاله بالنّهي بقوله ﵇: «وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ» (٣) باطل؛ لأنّ النّهي للخلو عن المهر فكان المراد به أنّه لا تخلوا المرأة بالنكاح عن المهر وبه يقول كذا في الْمَبْسُوطِ (٤)، وخدمة العبد ابتغاء بالمال تقديراً إن لم يكن تحقيقاً؛ لأنّه لمى سمى الخدمة مهراً يجب تسليم نفسه للخدمة ونفسه مال فصار كأن العبد مهرها في حق وجوب التّسليم إليها للخدمة فيمتنع وجوب مهر المثل بخلاف الحرّ فإنّه ليس فيه تسليم مال ولا الانتفاع بالمال فلا يجب. كذا في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٥) لصدر الإسلام ﵀ وروى ابن سماعة عن مُحَمَّد-رحمهما الله- أنّه إذا تزوّجها على أن يرعى غنمها سنة يجوز استدلالاً بقصّة موسى مع شعيب ﵉ فمن أصحابنا من فرّق بينهما فقال هي مأمورة بأن تعظمه وتراعي حقّه وذلك التّعظيم ينعدم باستخدامها إيّاه فلهذا لم يجز أن تكون خدمتها صداقاً وذلك لا يوجد في عمل الرّعي. ألا ترى أنّ الابن لا يستأجر أباه للخدمة ويستأجره لعمل آخر والأصحّ أن في الفصلين أي الرعى والخدمة روايتين في إحدى الروايتين لا تصحّ التّسمية أي تسمية منفعة الحر لأنّ المنفعة ليست بمال واشتراطها من حرّ لا يتضمن بتسليم المال إليها وفي الرّواية الأخرى تصحّ التسمية لأنّ المنفعة تأخذ حكم الماليّة عند العقد ولهذا لا يثبت الحيوان دينًا في الذمّة بمقابلتها فقد صحّت التّسمية ثم تعذّر تسليم المسمّى لكونها ممنوعة من استخدام الزّوج شرعًا فيكون لها قيمة المسمّى كما لو تزوّجها على عبد فاستحق وأبو حنيفة ﵀ يقول امتنع استحقاق المسمّى لكونه غير ماله في نفسه فيسقط اعتبار تسميته ويكون لها مهر المثل كما لو تزوّجها على خمر فكان منفعة البدن هنا بمنزلة منفعةالبضع في نكاح الشّغار وهناك يجب مهر المثل فكذا ههنا كذا ذكره شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ في باب [نكاح] (٦) الشّغار من نكاح الْمَبْسُوطِ (٧)، والمحبوبي في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لما فيه من قلب الموضوع وهو أن عقد النكاح يقتضي أن تكون المرأة خادمة والزّوج مخدومًا لقوله ﵇: «النِّكَاحُ رِقٌّ» (٨)، وفي جعل خدمة الزّوج إيّاها مهراً لها يكون الرجل خادمًا والمرأة مخدومة فكان على خلاف موضوع عقد النكاح فلا يجوز على أنّه ممنوع في رواية أي في رعي الغنم رواية أخرى على أنه لا يجوز مهراً على ما ذكرنا من رواية الْمَبْسُوطِ (٩) على الأصحّ وعلى قول مُحَمَّد ﵀ تجب قيمة الخدمة أي قيمة خدمة الحرّ الذي تزوّجها على خدمته سنة وهذا لأن تقومه أي تقوم ما سمى وهو المنفعة لضرورة أي لاحتياج النّاس إليه في موضع وهو عقد الإجارة فلا يكون له قيمة فيما وراه فصار بمنزلة تسمية شيء لا قيمة له كالخمر فيجب مهر المثل فإن تزوّجها على ألف إلى آخره فالمسألة على وجهين:

стр. 1648

إمّا أن يتزوّجها على ما لا يتعيّن بالتعييّن كالدّراهم والدّنانير أو على ما يتعيّن بالتعيين كالحنطة والشّعير وكل وجه على وجهين: إمّا أن يكون الصّداق مقبوضاً للمرأة. أو لم يكن وكلّ وجه على وجهين إمّا أن تهب المرأة الكلّ أو البعض فإن تزوّجها على ما لا يتعيّن بالتعيين وهو ألف درهم ههنا فوهبت المرأة لزوجها بعد القبض ثم طلّقها الزّوج قبل الدّخول فإنّه يرجع عليها بخمسمائة درهم لأنّ الطّلاق قبل الدّخول بنصف الصّداق بالنصّ وما وهبت الزّوج لا يكون محسوباً عليه مما استوجب الرّجوع به عليها عند الطّلاق لأنّ المقبوض التحق بسائر أملاكها فهبتها هذه الألف كهبة ألف أخرى لأنّه لا يلزمها عند الطّلاق ردّ المقبوض بعينه فإن لها أن تمسكها وندفع غيرها فإنّ النّقود لا تتعيّن في العقود والفسوخ وبه فارق ما لو كان الصّداق عوضاً بعينه فدفعه إليها فوهبت له ثم طلقها قبل الدّخول حيث لا يرجع عليها لأنّ حقّه عند الطّلاق في نصف المقبوض بعينه حتّى لو أرادت أن يحبس المقبوض ويعطيه شيئاً آخر لم يكن لها ذلك فإذا عاد المقبوض إليه قبل الطّلاق فقد وصل إليه عين حقّه فلا يرجع عند الطّلاق عليها بشي آخر ولا يقال إنّما عاد إليه بسبب الهبة لا بسبب الطّلاق فاختلاف الأسباب ينزل منزلة اختلاف الأعيان وهو حجّة زفر ﵀ لأنّا نقول اختلاف الأسباب [لا] (١) ينزل منزلة اختلاف الأعيان بالنّسبة إلى المتعاقدين بل بالنّسبة إلى من سواهما وحديث بريرة ﵂ حيث قال رسول الله ﵇: «هي لكِ صَدَقَة ولَنَا هَدِيَّة» (٢) كان في حق من سواهما أو يقول أن الاسباب غير مطلوبة لأعيانها وبعد حصول المقصود لا يعتبر باختلاف السّبب كمن يقول لآخر لك علي ألف درهم ثمن هذه الجارية التي اشتريتها منك وقال الجارية جاريتك ولي عليك ألف لزمه المال لحصول المقصود وإن كذبه في السّبب وهو بيع الجارية كذا ذكره شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ والمرغيناني-رحمهما الله- قوله: ﵀ لم يرجع وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه بِشَيْء (٣) أي فيما يتعيّن وفيما لا يتعيّن أمّا فيما يتعيّن فلا يشكل لما ذكرنا أنّه وصل إلى الزّوج عين حقّه وأمّا فيما لا يتعيّن فلا يرجع عليها استحسانًا وفي القياس يرجع عليها بنصف الصداق في الوجوه كلّها وهو قول زفر لأنّها أتلفت الصّداق بتصرفها قبل القبض فكان براءته بالإبراء ولا بسبب الطّلاق فلا يحتسب ذلك عمّا وجب عليها بالطّلاق لاختلاف الأسباب فصار هذا كما لو قبضت ثم وهبت. وفي الاستحسان لا يرجع عليها بشيء فإنّ المقصود سلامة نصف الصّداق للزّوج عند الطّلاق وقد حصل له ذلك حين وهبت منه قبل القبض والهبة قبل القبض في حكم الفسخ ولهذا لو وهب المشتري المبيع قبل القبض ينفسخ العقد بينهما نصّ عليه في الجامع الكبير (٤)، ولو وصل بسبب الفسخ لم يكن له أن يرجع عليه بشيء فهذا مثله كذا ذكره الإمام المحبوبي ﵀ ولا يبالي باختلاف السّبب عند حصول المقصود.

стр. 1649

فإن قلت: يشكل على هذا الأصل ما إذا قال الرجل لآخر بعتني هذه الجارية بكذا وقال المولى زوجتها منك لا يحلّ له وطئها لاختلاف السّبب مع أنّ المقصود قد حصل لأنّ كلّ واحد من السّببين أعني الشرى والتزوّج يثبت حل الوطئ ذكره في جنايات هذا الكتاب في فصل من قتل عبدًا خطأ. قلت: هناك اختلف السّبب والحكم معًا أمّا السّبب فظاهر لما أن الشرى غير التزوّج. وأمّا الحكم فإن ملك اليمين يغاير ملك النكاح حكمًا لأنّ النكاح يثبت الحلّ مقصودًا والبيع لا يثبته ولو أثبته لا يكون مقصودًا وهما لا يجتمعان فعند الاختلاف لم يثبت واحد منهما يقينًا فصار كأنّهما لم يثبتا أصلاً للتّدافع في الحكم فلم يثبت الحلّ لما أن الموضع موضع الاحتياط. وأما فيما نحن بصدده فحكم السّببين متّحد؛ لأنّ كلاً منهما يثبت الملك مقصودًا وفي كل منهما وصول ما يستحقّه الزّوج إليه وقد وصل فإنّ حكم الهبة ههنا في حق عدم الرجوع مثل حكم الردّ لنصف المفروض بحكم الطّلاق اعتباراً للبعض بالكلّ لأنه لو لم يقبض شيئاً حتّى وهبت الكلّ للزّوج [ثم] (١) طلّقها قبل الدّخول لا يرجع عليها بشيء ولو قبضت الكلّ [ثم] (٢) ذهبت للزّوج ثمّ طلّقها قبل الدّخول يرجع عليها بنصف ما قبضت ولأنّ هبة البعض حط أي البعض الذي لم يقبضه ثم حطّ بعض البدل يلتحق بأصل العقد فيصير كأنّه تزوجها في الابتداء على الخمس مائة المقبوضة ولأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أنّ مقصود الزّوج قد حصل وهو سلامة نصف الصّداق بلا عوض فلا يستوجب الرجوع عند الطّلاق كمن له على آخر دين مؤجّل فاستعجل قبل حلول الأجل والحط لا يلتحق بأصل العقد في النكاح. ألا ترى أنّ الزيادة فيه لا تلتحق والاستدلال به هو أنّ الحط كالزّيادة في الالتحاق بأصل العقد فإنّ الزّيادة اينما التحقت بأصل العقد التحق الحطّ به أيضاً وههنا لم تلتحق الزّيادة بأصل العقد فكذا الحط وألا يرى أنّها لو حطت عن الزّوج إلا خمسة لم يكمل لها عشرة اعتباراً بالابتداء ولو التحق الحط بأصل العقد يكمل ولو حطت النّصف ولم تهب الباقي حتّى طلّقها لم يتنصف الباقي اعتباراً بالابتداء فعلم بهذا أنّ الحط غير ملحق بأصل العقد في النكاح. ثم المعنى في عدم الالتحاق في النكاح والالتحاق في غيره بأصل العقد هو أنّ النكاح ليس بعقد مغابنة ولا مبادلة مال بمال فلا تقع الحاجة إلى دفع الغبن فلا يلتحق بأصله.

стр. 1650

بخلاف البيع فإنّه عقد مغابنة ومرابحة وتقع الحاجة إلى دفع الغبن ولا يمكن ذلك إلا بأنّ يلتحق الحط بأصل العقد فيما يرجع إلى براءة ذمة العاقد ولأنّ الحط يلتحق بأصل العقد عن المحطوط لا في إيجاب الغرم عليه بسببه لأنّه متبرّع في ذلك والتبرّع لا يوجب الضّمان على المتبرّع فيما يتبرّع به كذا في الأسرار وشرح الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (١) فعنده يرجع عليها إلى تمام النّصف وعندهما بنصف المقبوض. صورته ما إذا تزوّجها على ألف فوهبت المرأة ما تبين وقبضت الباقي فعند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يرجع عليها بثلاث مائة درهم حتّى يتم النّصف وعندهما يرجع عليها بأربعة [مائة] (٢) درهم لأنّ عنده ما سلم للزوج معتبر وعندهما المعتبر هو المقبوض فصار كأنّه تزوّجها على ما قبضت فبنصف المقبوض وهو ثمان مائة على ما مرّ تقريره وهو وقوله [لأنه] (٣) يسلم المهر له بالإبراء فلا تبرأ عمّا تستحقّه بخلاف ما إذا باعت أي المهر العوض لأنّه وصل إليه ببدل والزّوج يستحق عليها نصف المهر بغير عوض فلا ينوب هذا عمّا تستحقّه [بخلاف ما إذا باعت إلى المهر العوض لأنّه] (٤) بالطّلاق قبل الدّخول فلذلك يرجع عليها بنصف المهر ولو تزوّجها على حيوان المراد به الفرس أو الحمار أو نحوهما لا مطلق الحيوان فإنّ التّسمية تفسد بذكر مطلق الحيوان فيجب حينئذ مهر المثل على ما يجيء في هذا الباب فكذا الجواب أي لم يرجع عليها بشيء سواء قبضت أو لم تقبض. قوله: ﵀ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَحَمَّلَتْ فِي النِّكَاحِ (٥) إلى آخره هذا إقامة دليل على دعوتين: أحديهما: أن الحيوان الذي أردناه بأنّه فرس أو حمار وإن كان مجهولاً يصلح دينًا في الذمّة في باب النّكاح بخلاف المعاوضات المحضة. والثّاني: أنّ الحيوان والعروض ممّا يتعيّن [بالتعيين] (٦) بخلاف الدّراهم والدّنانير ثم فائدة الدّعوى الأولى صحّة التّسمية حتّى منعت وجوب مهر المثل وفائدة الدّعوى الثّانية شيئان أحدهما هو أنّها لو وهبت للزوج بعد القبض وطلقها زوجها قبل [القبض] (٧) لا يلزم له عليها شيء من نصف المهر بخلاف الدّراهم والدّنانير حيث كان يرجع الزّوج عليها بنصف المهر بعدما أخذ منها جميع ما أعطى بطريق الهبة لأنّ الدّراهم لا تتعيّن بالتعيين فيجعل كأن هذه الدّراهم التي قبضها منها بطريق الهبة عبر ملك الدّراهم التي أعطاها إيّاها بطريق المهر والثّاني أنّها لو لم تهب وطلقها زوجها قبل الدّخول يجب عليها رد نصف ما قبضت بعينه وليس له ولاية منع ما قبضت وأعطاه غيره.
следующие страницы →