← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

لكن المرأة في هذه الصّورة وهي التي طلّقها قبل الدّخول وقد سمّى لها مهراً أخذت نصف المهر وهو لها متعة مع أنّ الطّلاق فسخ في هذه الحالة لعود مالها إليها سالمًا كان ينبغي أن لا يجب عليه نصف المهر كما في فسخ البيع لكن الشّارع أوجب عليه لها نصف المهر بطريق المتعة وهي لا تتكرّر فلا تجب المتعة لهذه المرأة خاصة وتجب لغيرها من المطلقات لما ذكرنا من جبر الإيحاش في المفوضة بكسر الواو أي في المرأة التي فوضت نفسها من غير مهر إلى الزّوج وبيان هذا لأنّ الله تعالى ما شرع النكاح إلا بالمال لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (١)، والباء للإلصاق فلا ينفك الملصق وهو المال عن الملصق به وهو الانتفاء أي انتفاء النكاح فكان وجوب المال عليه عوضاً عما يملك من البضع ثم لما سقط مهر المثل ههنا وجبت المتعة فكان وجوبها بطريق الحلفية عن مهر المثل لأنّه هو الموجب الأصلي والحلف لا يجتمع مع الأصل وجوباً وإنّما يجمع معه استحباباً لأنّها مبرّة وإحسان فلمّا لم يجمع مع الأصل لم يجتمع وجوباً معه لا عند وجوب كل المفروض كما إذا كان بعد الدّخول. والتّسمية ولا عند وجوب نصف المفروض كما إذا كان قبل الدّخول وبعد التّسمية وهو معنى قوله لا يجامع الأصل ولا شيئاً منه. قوله: ﵀ وَهُوَ غَيْرُ جَانٍ فِي الْإِيحَاشِ (٢) هذا جواب عن حرف الخصم وهو قوله أوحشها بالفراق لأنّه فعل ما فعله بإذن الشّرع فلا تلحقه الغرامة فيما فعله بإذن الشّرع حتى يقال بوجوب المتعة فبقية المتعة مستحبة لكلّ مطلقة لا واجبة. بخلاف ما يقوله الخصم بالوجوب وإذا زوّج الرجل بنته على أن يزوج الزّوج بنته أو أخته أو أمته ليكون أحد العقدين عوضاً عن الآخر [وشرطا] (٣) شرطًا صريحًا بأن قال على أن يكون مهر كلّ واحد منهما نكاح الأخرى. فإنّ النكاح بهذه الصّفة يجوز عندنا ولكلّ واحد منهما مهر مثلها ويسمّى هذا النكاح نكاح الشغار من قولهم شغروا فلانًا عن بلده إذا نفوه وطردوه (٤) لما أنّه عقد نفي عنه المهر وعن ابن فارس (٥) التّركيب يدل على الخلو كذا في المغرب (٦) المهمل الغين.

стр. 1647

وذكر في الصّحاح (١) يقال شغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه ليبول وسمّى به هذا العقد لأنّهما بهذا الشّرط كأنهما رفعا المهر وأخليا البضع عنه لأنّه جعل نصف البضع صداق والنّصف منكوحة والاشتراك في هذا الباب. وذلك لأنّه لما جعل ابنته منكوحة الآخر وصداقاً لابنته اقتضى ذلك انقسام منافع بضعها عليهما نصفين فيصير النّصف منها للزّوج بحكم النكاح والنّصف لبيته بحكم المهر فيلزم الاشتراك في منافع البضع وهذا ممّا لا وجه له. قوله: ﵀ وَلَا شَرِكَةَ بِدُونِ الِاسْتِحْقَاقِ (٢) جواب عن حرف الخصم بيانه أنّ البضع لما لم يكن له صلاحية كونه صداقاً لم يتحقّق الاشتراك لأنّ منافع بضع المرأة لا تصلح أن تكون مملوكة لامرأة أخرى فبقي هذا شرطًا فاسدًا والنكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة. بخلاف ما لو زوجت المرأة نفسها من رجلين حيث لا يصحّ لصلاحيّة الاشتراك لأنها تصح منكوحة لكلّ واحد منهما فيتحقّق بمعنى الاشتراك واستدلاله بالنّهي بقوله ﵇: «وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ» (٣) باطل؛ لأنّ النّهي للخلو عن المهر فكان المراد به أنّه لا تخلوا المرأة بالنكاح عن المهر وبه يقول كذا في الْمَبْسُوطِ (٤)، وخدمة العبد ابتغاء بالمال تقديراً إن لم يكن تحقيقاً؛ لأنّه لمى سمى الخدمة مهراً يجب تسليم نفسه للخدمة ونفسه مال فصار كأن العبد مهرها في حق وجوب التّسليم إليها للخدمة فيمتنع وجوب مهر المثل بخلاف الحرّ فإنّه ليس فيه تسليم مال ولا الانتفاع بالمال فلا يجب. كذا في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٥) لصدر الإسلام ﵀ وروى ابن سماعة عن مُحَمَّد-رحمهما الله- أنّه إذا تزوّجها على أن يرعى غنمها سنة يجوز استدلالاً بقصّة موسى مع شعيب ﵉ فمن أصحابنا من فرّق بينهما فقال هي مأمورة بأن تعظمه وتراعي حقّه وذلك التّعظيم ينعدم باستخدامها إيّاه فلهذا لم يجز أن تكون خدمتها صداقاً وذلك لا يوجد في عمل الرّعي. ألا ترى أنّ الابن لا يستأجر أباه للخدمة ويستأجره لعمل آخر والأصحّ أن في الفصلين أي الرعى والخدمة روايتين في إحدى الروايتين لا تصحّ التّسمية أي تسمية منفعة الحر لأنّ المنفعة ليست بمال واشتراطها من حرّ لا يتضمن بتسليم المال إليها وفي الرّواية الأخرى تصحّ التسمية لأنّ المنفعة تأخذ حكم الماليّة عند العقد ولهذا لا يثبت الحيوان دينًا في الذمّة بمقابلتها فقد صحّت التّسمية ثم تعذّر تسليم المسمّى لكونها ممنوعة من استخدام الزّوج شرعًا فيكون لها قيمة المسمّى كما لو تزوّجها على عبد فاستحق وأبو حنيفة ﵀ يقول امتنع استحقاق المسمّى لكونه غير ماله في نفسه فيسقط اعتبار تسميته ويكون لها مهر المثل كما لو تزوّجها على خمر فكان منفعة البدن هنا بمنزلة منفعةالبضع في نكاح الشّغار وهناك يجب مهر المثل فكذا ههنا كذا ذكره شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ في باب [نكاح] (٦) الشّغار من نكاح الْمَبْسُوطِ (٧)، والمحبوبي في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لما فيه من قلب الموضوع وهو أن عقد النكاح يقتضي أن تكون المرأة خادمة والزّوج مخدومًا لقوله ﵇: «النِّكَاحُ رِقٌّ» (٨)، وفي جعل خدمة الزّوج إيّاها مهراً لها يكون الرجل خادمًا والمرأة مخدومة فكان على خلاف موضوع عقد النكاح فلا يجوز على أنّه ممنوع في رواية أي في رعي الغنم رواية أخرى على أنه لا يجوز مهراً على ما ذكرنا من رواية الْمَبْسُوطِ (٩) على الأصحّ وعلى قول مُحَمَّد ﵀ تجب قيمة الخدمة أي قيمة خدمة الحرّ الذي تزوّجها على خدمته سنة وهذا لأن تقومه أي تقوم ما سمى وهو المنفعة لضرورة أي لاحتياج النّاس إليه في موضع وهو عقد الإجارة فلا يكون له قيمة فيما وراه فصار بمنزلة تسمية شيء لا قيمة له كالخمر فيجب مهر المثل فإن تزوّجها على ألف إلى آخره فالمسألة على وجهين:

стр. 1648

إمّا أن يتزوّجها على ما لا يتعيّن بالتعييّن كالدّراهم والدّنانير أو على ما يتعيّن بالتعيين كالحنطة والشّعير وكل وجه على وجهين: إمّا أن يكون الصّداق مقبوضاً للمرأة. أو لم يكن وكلّ وجه على وجهين إمّا أن تهب المرأة الكلّ أو البعض فإن تزوّجها على ما لا يتعيّن بالتعيين وهو ألف درهم ههنا فوهبت المرأة لزوجها بعد القبض ثم طلّقها الزّوج قبل الدّخول فإنّه يرجع عليها بخمسمائة درهم لأنّ الطّلاق قبل الدّخول بنصف الصّداق بالنصّ وما وهبت الزّوج لا يكون محسوباً عليه مما استوجب الرّجوع به عليها عند الطّلاق لأنّ المقبوض التحق بسائر أملاكها فهبتها هذه الألف كهبة ألف أخرى لأنّه لا يلزمها عند الطّلاق ردّ المقبوض بعينه فإن لها أن تمسكها وندفع غيرها فإنّ النّقود لا تتعيّن في العقود والفسوخ وبه فارق ما لو كان الصّداق عوضاً بعينه فدفعه إليها فوهبت له ثم طلقها قبل الدّخول حيث لا يرجع عليها لأنّ حقّه عند الطّلاق في نصف المقبوض بعينه حتّى لو أرادت أن يحبس المقبوض ويعطيه شيئاً آخر لم يكن لها ذلك فإذا عاد المقبوض إليه قبل الطّلاق فقد وصل إليه عين حقّه فلا يرجع عند الطّلاق عليها بشي آخر ولا يقال إنّما عاد إليه بسبب الهبة لا بسبب الطّلاق فاختلاف الأسباب ينزل منزلة اختلاف الأعيان وهو حجّة زفر ﵀ لأنّا نقول اختلاف الأسباب [لا] (١) ينزل منزلة اختلاف الأعيان بالنّسبة إلى المتعاقدين بل بالنّسبة إلى من سواهما وحديث بريرة ﵂ حيث قال رسول الله ﵇: «هي لكِ صَدَقَة ولَنَا هَدِيَّة» (٢) كان في حق من سواهما أو يقول أن الاسباب غير مطلوبة لأعيانها وبعد حصول المقصود لا يعتبر باختلاف السّبب كمن يقول لآخر لك علي ألف درهم ثمن هذه الجارية التي اشتريتها منك وقال الجارية جاريتك ولي عليك ألف لزمه المال لحصول المقصود وإن كذبه في السّبب وهو بيع الجارية كذا ذكره شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ والمرغيناني-رحمهما الله- قوله: ﵀ لم يرجع وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه بِشَيْء (٣) أي فيما يتعيّن وفيما لا يتعيّن أمّا فيما يتعيّن فلا يشكل لما ذكرنا أنّه وصل إلى الزّوج عين حقّه وأمّا فيما لا يتعيّن فلا يرجع عليها استحسانًا وفي القياس يرجع عليها بنصف الصداق في الوجوه كلّها وهو قول زفر لأنّها أتلفت الصّداق بتصرفها قبل القبض فكان براءته بالإبراء ولا بسبب الطّلاق فلا يحتسب ذلك عمّا وجب عليها بالطّلاق لاختلاف الأسباب فصار هذا كما لو قبضت ثم وهبت. وفي الاستحسان لا يرجع عليها بشيء فإنّ المقصود سلامة نصف الصّداق للزّوج عند الطّلاق وقد حصل له ذلك حين وهبت منه قبل القبض والهبة قبل القبض في حكم الفسخ ولهذا لو وهب المشتري المبيع قبل القبض ينفسخ العقد بينهما نصّ عليه في الجامع الكبير (٤)، ولو وصل بسبب الفسخ لم يكن له أن يرجع عليه بشيء فهذا مثله كذا ذكره الإمام المحبوبي ﵀ ولا يبالي باختلاف السّبب عند حصول المقصود.

стр. 1649

فإن قلت: يشكل على هذا الأصل ما إذا قال الرجل لآخر بعتني هذه الجارية بكذا وقال المولى زوجتها منك لا يحلّ له وطئها لاختلاف السّبب مع أنّ المقصود قد حصل لأنّ كلّ واحد من السّببين أعني الشرى والتزوّج يثبت حل الوطئ ذكره في جنايات هذا الكتاب في فصل من قتل عبدًا خطأ. قلت: هناك اختلف السّبب والحكم معًا أمّا السّبب فظاهر لما أن الشرى غير التزوّج. وأمّا الحكم فإن ملك اليمين يغاير ملك النكاح حكمًا لأنّ النكاح يثبت الحلّ مقصودًا والبيع لا يثبته ولو أثبته لا يكون مقصودًا وهما لا يجتمعان فعند الاختلاف لم يثبت واحد منهما يقينًا فصار كأنّهما لم يثبتا أصلاً للتّدافع في الحكم فلم يثبت الحلّ لما أن الموضع موضع الاحتياط. وأما فيما نحن بصدده فحكم السّببين متّحد؛ لأنّ كلاً منهما يثبت الملك مقصودًا وفي كل منهما وصول ما يستحقّه الزّوج إليه وقد وصل فإنّ حكم الهبة ههنا في حق عدم الرجوع مثل حكم الردّ لنصف المفروض بحكم الطّلاق اعتباراً للبعض بالكلّ لأنه لو لم يقبض شيئاً حتّى وهبت الكلّ للزّوج [ثم] (١) طلّقها قبل الدّخول لا يرجع عليها بشيء ولو قبضت الكلّ [ثم] (٢) ذهبت للزّوج ثمّ طلّقها قبل الدّخول يرجع عليها بنصف ما قبضت ولأنّ هبة البعض حط أي البعض الذي لم يقبضه ثم حطّ بعض البدل يلتحق بأصل العقد فيصير كأنّه تزوجها في الابتداء على الخمس مائة المقبوضة ولأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أنّ مقصود الزّوج قد حصل وهو سلامة نصف الصّداق بلا عوض فلا يستوجب الرجوع عند الطّلاق كمن له على آخر دين مؤجّل فاستعجل قبل حلول الأجل والحط لا يلتحق بأصل العقد في النكاح. ألا ترى أنّ الزيادة فيه لا تلتحق والاستدلال به هو أنّ الحط كالزّيادة في الالتحاق بأصل العقد فإنّ الزّيادة اينما التحقت بأصل العقد التحق الحطّ به أيضاً وههنا لم تلتحق الزّيادة بأصل العقد فكذا الحط وألا يرى أنّها لو حطت عن الزّوج إلا خمسة لم يكمل لها عشرة اعتباراً بالابتداء ولو التحق الحط بأصل العقد يكمل ولو حطت النّصف ولم تهب الباقي حتّى طلّقها لم يتنصف الباقي اعتباراً بالابتداء فعلم بهذا أنّ الحط غير ملحق بأصل العقد في النكاح. ثم المعنى في عدم الالتحاق في النكاح والالتحاق في غيره بأصل العقد هو أنّ النكاح ليس بعقد مغابنة ولا مبادلة مال بمال فلا تقع الحاجة إلى دفع الغبن فلا يلتحق بأصله.

стр. 1650

بخلاف البيع فإنّه عقد مغابنة ومرابحة وتقع الحاجة إلى دفع الغبن ولا يمكن ذلك إلا بأنّ يلتحق الحط بأصل العقد فيما يرجع إلى براءة ذمة العاقد ولأنّ الحط يلتحق بأصل العقد عن المحطوط لا في إيجاب الغرم عليه بسببه لأنّه متبرّع في ذلك والتبرّع لا يوجب الضّمان على المتبرّع فيما يتبرّع به كذا في الأسرار وشرح الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (١) فعنده يرجع عليها إلى تمام النّصف وعندهما بنصف المقبوض. صورته ما إذا تزوّجها على ألف فوهبت المرأة ما تبين وقبضت الباقي فعند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يرجع عليها بثلاث مائة درهم حتّى يتم النّصف وعندهما يرجع عليها بأربعة [مائة] (٢) درهم لأنّ عنده ما سلم للزوج معتبر وعندهما المعتبر هو المقبوض فصار كأنّه تزوّجها على ما قبضت فبنصف المقبوض وهو ثمان مائة على ما مرّ تقريره وهو وقوله [لأنه] (٣) يسلم المهر له بالإبراء فلا تبرأ عمّا تستحقّه بخلاف ما إذا باعت أي المهر العوض لأنّه وصل إليه ببدل والزّوج يستحق عليها نصف المهر بغير عوض فلا ينوب هذا عمّا تستحقّه [بخلاف ما إذا باعت إلى المهر العوض لأنّه] (٤) بالطّلاق قبل الدّخول فلذلك يرجع عليها بنصف المهر ولو تزوّجها على حيوان المراد به الفرس أو الحمار أو نحوهما لا مطلق الحيوان فإنّ التّسمية تفسد بذكر مطلق الحيوان فيجب حينئذ مهر المثل على ما يجيء في هذا الباب فكذا الجواب أي لم يرجع عليها بشيء سواء قبضت أو لم تقبض. قوله: ﵀ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَحَمَّلَتْ فِي النِّكَاحِ (٥) إلى آخره هذا إقامة دليل على دعوتين: أحديهما: أن الحيوان الذي أردناه بأنّه فرس أو حمار وإن كان مجهولاً يصلح دينًا في الذمّة في باب النّكاح بخلاف المعاوضات المحضة. والثّاني: أنّ الحيوان والعروض ممّا يتعيّن [بالتعيين] (٦) بخلاف الدّراهم والدّنانير ثم فائدة الدّعوى الأولى صحّة التّسمية حتّى منعت وجوب مهر المثل وفائدة الدّعوى الثّانية شيئان أحدهما هو أنّها لو وهبت للزوج بعد القبض وطلقها زوجها قبل [القبض] (٧) لا يلزم له عليها شيء من نصف المهر بخلاف الدّراهم والدّنانير حيث كان يرجع الزّوج عليها بنصف المهر بعدما أخذ منها جميع ما أعطى بطريق الهبة لأنّ الدّراهم لا تتعيّن بالتعيين فيجعل كأن هذه الدّراهم التي قبضها منها بطريق الهبة عبر ملك الدّراهم التي أعطاها إيّاها بطريق المهر والثّاني أنّها لو لم تهب وطلقها زوجها قبل الدّخول يجب عليها رد نصف ما قبضت بعينه وليس له ولاية منع ما قبضت وأعطاه غيره.

стр. 1651

بخلاف الدّراهم والدّنانير وإذا تزوّجها على ألف على أن لا يخرجها من البلدة. صورة المسألة فيما إذا كان مهر مثل هذه المرأة أكثر من ألف درهم فسمّى لها الزّوج ألف درهم بشرط أن يفي لها ما هو مرغوبها من أن لا يخرجها من بلدتها أو أن لا يتزوج عليها أخرى أو أن يطلق فلانة ثم أبى أن يطلّقها أو أخرجها من بلدها فلها كمال مهر مثلها عندنا لأنّها إنّما رضيت بالألف باعتبار وفاء ما شرط لها فإذا لم يسلم لها ذلك كان لها كمال مهر مثلها كما في تسمية الكرامة بأن يكرمها ولا يكلّفها الأعمال الشّاقة وما تتعب به مع الألف والهديّة مع الألف أي وشرط أن يهدي لها هديّة ويرسل إليها الثياب الفاخرة مثلاً مع الألف. وقال زفر-﵀ ان شرط لها مع الألف ما هو مال كالهديّة والجواب [هكذا وإن شرط] (١) ما ليس بمال كطلاق الضّرة فليس لها إلا الألف لأنّ المال يتقوّم بالإتلاف فكذلك يتقوم بمنع التّسليم إذا شرط لها في العقد فأمّا الطّلاق ونحوه فلا يتقوّم بالإتلاف فكذلك يمنع التّسليم ولكنّا لا نوجب التّسليم باعتبار تقوم ما شرط لها؛ وإنّما كان لانعدام رضاها بالألف بدون المنفعة المشروطة كذا في الْمَبْسُوطِ (٢) فلها نصف الأوكس في ذلك كلّه بالإجماع عندهما لا يشكل. وكذلك عنده لأنّ مهر المثل لا يعتبر بعد الطّلاق قبل الدّخول فيجب ما هو المتيقّن ونصف الأوكس متيقّن وهو فوق المتعة ظاهراً وصار كالخلع والإعتاق على مال أي بهذا الطّريق الذي ذكرنا بأن خالع أو أعتق على ألف أو ألفين على هذا العبد أو على هذا العبد أنّ الموجب الأصلي مهر المثل كالقيمة في باب البيع إذ هو الأعدل أي مهر المثل هو الأعدل لأنّه لا تجري الزّيادة فيه والنقصان لأنّه قيمة البضع وقيمة الشّيء لا تزيد ولا تنقص. بخلاف التّسمية فإنّ فيها تقع الزّيادة والنّقصان وقد فسدت لمكان الجهالة لأنّه أدخل فيه كلمة الشك معنى هذه المسألة أن يسمّى جنس الحيوان أي نوعه بأن يتزوّجها على فرس أو حمار فالحاصل أنّ جهالة الجنس كما لو تزوّجها على حيوان أو جهالة القدر كما لو تزوّجها على حنطة في الذمّة مانعة لصحّة التّسمية وجهالة النّوع والوصف لا يمنع لأنّ المهر عوض بأصله وليس بعوض في حقّ صفة الماليّة لأنّه لا مالية فيما يقابله وكان عوضاً من وجه واجباً مبتدأ من وجه فلكونه واجباً مبتدأ من وجه صح مع جهالة الوصف والنّوع ولكونه عوضاً من وجه لم يصحّ مع جهالة الجنس والقدر عملاً بهما ثم فيما تزوّج على مجهول الجنس تبطل التّسمية ويجب مهر المثل بالغًا ما بلغ نحو أن يتزوّجها على ثوب أو دابّة أو حيوان وفيما تزوّج على فرس أو حمار فهو معلوم النّوع مختلف الأوصاف.

стр. 1652

وحكمه أنّ الزوج بالخيار إن شاء أعطى لها الوسط من ذلك وإن شاء أعطى قيمته وتجبر المرأة على القبول بخلاف البيع لأنّ النكاح يحتمل ضرباً من الجهالة فإنّه يجوز بمهر المثل مع جهالته فكلّ جهالة هي نظير جهالة مهر المثل لا تمنع صحّة التسمية وجهالة الوصف نظير ذلك فأمّا البيع فلا يصحّ مع الجهالة اصلا ونوع من المهر هو معلوم النّوع والصّفة بأن يزوّجها على مكيل موصوف أو موزون موصوف في الذمّة فإنّه يجوز ولا خيار للزّوج في ذلك بل يجبر الزّوج على دفعه إليها ولا يجوز أن يدفع قيمة ذلك إلا برضاها لأنّ هذا يثبت دينًا في الذمّة صحيحًا ولهذا جاز البيع به فحصل ما يسمّى من المهر دينًا ثلاثة أنواع جهالة فاحشة وجهالة مستدركة وما لا جهالة فيه أصلاً كذا في التحفة (١)، وفتاوى الإمام الولوالجي ﵀. ولنا أنّه معاوضة مال بغير مال إلى آخره بيان هذا هو أنّ المهر إنّما يستحقّ عوضاً عمّا ليس بمال والحيوان يثبت دينًا في الذمّة مطلقاً في مبادلة ما ليس بمال [بمال] (٢). ألا ترى أن الشّرع أوجب في الذمّة مائة من الإبل وأوجب في الجنين غرة عبدًا أو أمة فإذا جاز أن يثبت الحيوان مطلقاً ديناً في الذمّة عوضاً عمّا ليس بمال شرعًا فكذلك يثبت [شرعًا] (٣)، وهذا لأن في معنى الماليّة هذا مال يلتزمه ابتداء والجهالة المستدركة في التزام المال ابتداء لا يمنع صحّته كما في الإقرار فإن من أقرّ لإنسان بعبد صحّ إقراره إلا أنّ هناك لا ينصرف إلى الوسط عند مُحَمَّد لأن المقر به عينه ليس بعوض وهنا عين المهر عوض وإن كان باعتبار صفة الماليّة هو التزام مبتدأ ولكونه عوضاً صرفناه عند إطلاق التّسمية إلى الوسط ليعتدل النّظر من الجانبين كما أوجب الشّرع في الركوب الوسط نظراً للفقراء وأرباب الأموال. ولكونه ما لا يلتزم ابتداء لا يمنع جهالة الصّفة صحّة الالتزام ولهذا لو أتاها بالقيمة أجبرت على القبول لأنّ صحّة الالتزام باعتبار صفة الماليّة والقيمة فيه كالعين كذا في الْمَبْسُوطِ (٤)، وشرطنا أن يكون المسمّى مالاً هذا جواب سؤال مقدّر بأن يقال لما ألحق هذا بالإقرار ينبغي أن تصحّ التّسمية هنا وإن كان المسمّى مجهول الجنس كما في الإقرار فإنّه لو قال لفلان عليّ شيء يصح إقراره ويجب عليه [بيان] (٥) ما أقرّ به فيتخير بينهما أي الزّوج يتخيّر بين أداء العبد وبين أداء قيمته والمرأة تجبر على القبول بأيّهما أتى إذ الثياب أجناس مختلفة من القطن والكتان والإِبْرَيْسِم (٦)، وغير ذلك كذا في الْمَبْسُوطِ (٧) فإن تزوّج مسلم على خمر أو خنزير فالنكاح جايز وعلى قول مالك النكاح فاسد لأن تسمية الخمر والخنزير تمنع وجوب عوض آخر ولا يمكن إيجاب الخمر بالعقد على المسلم فكان باطلاً كما لو باع عينًا بخمر ولكنّا نقول هما شرطا قبول الخمر وهو شرط فاسد إلا أنّ النكاح لا يبطل بالشّرط الفاسد وشرط صحته التسمية أن يكون المسمّى مالاً فإذا بطلت صار كأنّه لم يسم لها عوضاً فكان لها مهر مثلها وهكذا نقول في البيع يصير كأنّه لم يسمّ ثمنًا والبيع يفسد عند عدم تسمية الثّمن كذا في الْمَبْسُوطِ (٨)، وذكر في الإيضاح وعقد النكاح لا يبطل بالشّروط الفاسدة.

стр. 1653

بخلاف البيع وكان الفقه فيه هو أنّ الشّرط الفاسد في البيع يصيره ربا والرّبا حرام بنصّ الكتاب ولا ربا في باب النكاح فلم يؤثر الشّرط في ركن العقد فبقي الركن صحيحًا وأمّا الشّرط الفاسد فإن تزوج امرأة على هذا الدّن من [الخمر] (١) فإذا هو خمر فحاصل الخلاف بينهم هو أن مُحَمَّد مع أبي يوسف -رحمهما الله- في ذوات الأمثال في أنّ الحكم يتعلّق بالتّسمية دون مهر المثل ومع أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ في ذوات القيم في إيجاب مهر المثل دون القيمة ثم الأصل عندهم هو أنّ المعتبر هو الإشارة عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ في الفصول كلّها حتى إذا لم يكن المشار إليه مالاً كان لها مهر المثل وعند مُحَمَّد في الجنس الواحد يعتبر الإشارة وفي الجنسين يعتبر التّسمية. وعند أبي يوسف ﵀ يعتبر التّسمية في الفصول كلها. قوله: ﵀ فَتُعْتَبَرُ الْإِشَارَةُ لِكَوْنِهَا أَبْلَغَ فِي الْمَقْصُودِ (٢)، وذلك لأنّ تسميتة واقعة على المشار إليه لأنّه قال تزوجتك على هذا يبقى إشكال وهو أنّه سمّاه بغير اسمه لكن بهذا لا يمتنع انصراف التّسمية إليه لأنّ الشّيء قد يسمّى باسم مجازه كما يسمّى باسم حقيقته. ألا ترى أنّ من قال لامرأته هذه الكلبة طالق طلقت أو قال لعبده هذا الحمار حرّ فإنّه يعتق فلو امتنعت الإضافة إليه بتسميته باسم غيره لما وقع الطّلاق والعتاق وإنّما لا يمتنع لأنّ التّسمية تحتمل المجاز أمّا الإشارة فلا تحتمله فلا يستقيم أن يجعل الإشارة إلى عين إشارة إلى غيره. أمّا الطّلاق اسم عين يجوز على عين آخر مجازًا فكان صرف التّسمية إلى المشار إليه ممكنًا أمّا صرف الإشارة إلى محلّ آخر غير ممكن لأنّ الإشارة إلى شيء بمنزلة وضع اليد على ذلك الشّيء فلا يتصوّر أن يكون الوضع على شيء وضعًا على آخر فيتعلّق الحكم بالمشار إليه ضرورة والمشار إليه ليس بمال فيجب مهر المثل إلى هذا أشار فخر الإسلام-﵀ (٣) والوصف يتبعه أي في الاستحقاق كذا في الأسرار والتّسمية أبلغ في التّعريف من حيث أنّها تعرف الماهية والإشارة تعرف الذّات فإنّ التّسمية للتّعريف والإشارة كذلك وكلّ واحد منهما اختصّ بنوع تعريف والإشارة بقطع شركة الأغيار ويثبت التّعيين لكن لا يفيد العلم بصفة المشار إليه وماهيته والتّسمية تفيد العلم بصفة المسمّى وماهيته لكن شائعًا في الجنس فيجب اعتبارهما وتعذّر اعتبارهما في شيء واحد؛ لأن قضية الإشارة وجوب مهر المثل إذا كان المشار إليه حراً وقضية تسمية العبد وجوب القيمة فيجب اعتبارهما في الحالين ففي الجنس الواحد اعتبرنا الإشارة.

стр. 1654

وفي الجنسين اعتبرنا التّسمية والاعتبار على هذا الوجه أولى من العكس لأنّ المرأة رضيت بالمسمّى وعند قلة التّفاوت لو علّقنا حق المرأة بالمشار إليه لا يتضرّر كثير ضرر فيتعلّق بالمسمّى والتّفاوت في الجنس الواحد يسير وفي الجنسين كثير وهو معنى ما قال مشايخنا أن المشار إليه إذا كان من جنس المسمّى يتعلّق العقد بالمشار إليه وإذا كان من خلاف جنسه يتعلّق بالمسمّى حتى قالوا لو اشترى فصًا على أنّه ياقوت فإذا هو زجاج يبطل العقد لأنّهما جنسان فيتعلّق العقد بالمسمّى والمسمّى معدوم فيبطل ولو اشترى فصًا على أنه ياقوت أخضر فإذا هو أحمر جاز العقد ويجبر المشتري لأنّهما جنس واحد فيتعلّق العقد بالمشار إليه فيصحّ العقد ويجبر المشتري لفوات الوصف المشروط. وكذا لو اشترى حيواناً على أنّه ذكر فإذا هو أنثى جاز العقد ويجبر المشتري لأن الذكر والأنثى في البهائم جنس واحد وفي الآدمي الذكر والأنثى جنسان يختلفان إذا ثبت هذا فنقول الحرّ مع العبد جنس واحد وكذلك المذكاة مع الميتة لاتفاقهما في الصّورة وأكثر المعاني. وإنّما الاختلاف بينهما في صفة واحدة وهي المالية فإذا غلب ما يوجب الاتحاد جعل جنساً واحداً فيعتبر الإشارة فكان لها مهر المثل لعدم صلاحية المشار إليه للمهر أمّا الخلّ مع الخمر جنسان مختلفان لأنّهما اتفقا صورة واختلفا اسمًا ومعنى والعبرة للمعنى وعند اختلاف الجنس لا يعتبر الإشارة ويصير كأنّه قال تزوجتك على دن من الخلّ وأبو حنيفة ﵀ يقول في الحر والعبد والخلّ والخمر اختلف المعاني والصّفات في ذات واحدة [في صورة واحدة فإنّ الحر يسترقّ والخمر تخلل فهما صفتان تتعاقبان على ذات واحدة] (١)، ومثل هذا لا يوجب اختلاف المجانسة كالصّغر والكبر وإذا ثبت أنّ الجنس واحد كانت العبرة للإشارة والمشار إليه ليس بمال فكان لها مهر المثل فإذا ثبت هذا في العبد الواحد فيقول إذا تزوّجها على هذين العبدين فإذا أحدهما حرّ وهو ظاهر كذا ذكره الإمام قاضي خان ﵀ ووجوب المسمّى وإن قلّ يمنع وجوب مهر المثل. فإن قيل: يشكل على هذا ما ذكره قبل هذا تورق وهو قوله ولو تزوجها على ألف إن قام بها إلى أن قال وإن أخرجها فلها مهر المثل. وكذلك ما ذكره في الزّيادات أنّ الرجل إذا تزوّج امرأة على ألف درهم وعلى أن يعتق إباها ثم إن لم يف بالشّرط فلها الألف إلى تمام مهر مثلها فعلم بهذا أنّ ذكر المسمّى لا يمنع وجوب مهر المثل.

стр. 1655

قلنا: أنّ المرأة إنّما رضيت بالألف بشرط وفاء ما قرن به وهو الإقامة في البلدة وعتق أمّها فإذا لم يصل ذلك المشروط إليها صار كأن التّسمية لم توجد فيجب مهر المثل. وأمّا العبد الباقي في هذه الصّورة فقد رضيت به معنى وإن لم ترض صورة وذلك لأنّه لما ظهر أن أحدهما حر صار كأنّه تزوّجها ابتداء على حرّ وعبد فلو كان كذلك لا يجب مهر المثل كذا هنا ولأنّ المرأة يلزمها الضّرر الكثير هناك وإن لم يكمل مهر المثل لعدم إمكان يوفيها عنه وكانت مغرورة بشرط الزّوج فيجب عليه دفع الغرور بتكميل مهر المثل وفيما نحن بصدده يمكنها التعرّف عن حال كلّ واحد من المشار إليهما قبل النكاح فلو لزمها الضّرر إنما لزمها بتفريط كان منها فكان هذا الضرر أخف وإذا فرق القاضي بين الزّوجين في النكاح الفاسد. فمن النكاح الفاسد النّكاح بغير شهود ونكاح الأخت في عدّة الأخت في الطّلاق البائن ونكاح الخامسة [في عدّة الرابعه] (١)، ونكاح الأمة على الحرّة وغيرها ثم هذا الحكم وهو عدم وجوب المهر قبل الدّخول كما هو في تفريق القاضي فكذلك في المتاركة وتسمية الزّوجين مجاز لوجود صورة التزوّج. قوله: ﵀ وهُوَ يَعْتَبِرُهُ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ (٢)، أي أن القيمة في البيع الفاسد تجب بالغة ما بلغت وإن كانت زائدة على الثّمن فيجب أن يكون مهر المثل في النكاح الفاسد كذلك فيجب هو وإن كان زائدًا على المسمّى لأن كلاً منهما موجب أصلي فإذا اعترض الفساد يرجع إلى الموجب الأصلي وإنّما يتقوّم بالتّسمية أي المستوفى إنما يتقوم زائدًا على مهر المثل بالتّسمية. وأمّا نفس مهر المثل فيثبت بمجرّد العقد في النكاح الصّحيح لما عرف في مسألة المفوضة. قوله: ﵀ لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ (٣)؛ أي لفساد النكاح فإنّ التّسمية ثبتت ههنا في ضمن نكاح فاسد فأخذت حكمه ففسدت [التّسمية] (٤) بفساده ولم تجب الزّيادة على المسمّى لانعدام التّسمية أي حكمًا وإذا كان المسمّى معدومًا حكمًا لا يجب بخلاف ما إذا كان المسمّى أقلّ من مهر المثل يجب المسمّى ولا يجب الزّايد لوجود الرضا من المرأة ومهر المثل يؤيّد هذا القدر لوجوده بقدره فصار كأن التّسمية صحيحة لتأيدها بمهر المثل والضعيف يتقوّى بمؤيّد كالبيع الفاسد [يتقوى] (٥) في إيراث الملك بمؤيّد وهو إيصال القبض به بخلاف البيع أي تجب القيمة فيما إذا كان المسمّى أقلّ من القيمة وعليها العدّة أي في النكاح الفاسد على تقدير الدّخول لما مرّ أنّ الخلوة فيه لا تقام مقام الدّخول فلابدّ من حقيقة الدّخول لوجوب العدّة وذكر في المحيط (٦) في النكاح الفاسد إذا دخل لها الأقلّ ممّا سمّى لها ومن مهر المثل إن كان ثمّة مسمّى وإن لم يكن ثمة مسمّى فلها مهر المثل بالغًا ما بلغ وتجب العدّة ويعتبر الجماع في القبل حتّى يصير مستوفياً المعقود عليه ولكلّ واحد من الزّوجين فسخ هذا النكاح بغير محضر من صاحبه عند بعض المشايخ.

стр. 1656

وعند بعضهم إن لم يدخل بها فكذلك الجواب وإن دخل بها فليس لواحد منهما حق الفسخ إلا بمحضر [من صاحبه كما في البيع الفاسد لكل واحد من المتعاقدين حق الفسخ بغير محضر من صاحبه قبل القبض وليس له ذلك بعد القبض والطلاق] (١) في النكاح الفاسد ليس بطلاق على الحقيقة بل هي متاركة حتّى لا ينتقض به العدد والمتاركة في النكاح الفاسد لا تتحقّق لعدم مجيء كل واحد منهما إلى صاحبه. وإنّما تتحقّق بالقول بأن يقول الزّوج تركتك أو تركتها خليت سبيلك أو خليت سبيلها. قوله: ﵀ وَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقْتِ التَّفْرِيقِ (٢) أي ابتداء العدّة من وقت التّفريق وعند زفر-﵀ من آخر الوطئات حتّى إذا وطئ في النكاح الفاسد. ثم رأت ثلاث حيض ثم فرق القاضي يفيد عندنا. وأمّا عند زفر-﵀ فتكون عدّتها منقضية والإقامة باعتباره أي إقامة النكاح مقام الوطئ باعتبار أن النكاح داع إلى الوطئ. وفي النكاح الفاسد ليس بداع إليه فلا يقام مقام الوطئ حتّى لو تزوّج امرأة نكاحاً فاسدًا بأن تزوّج أمها بشهوة ثم تركها له أن يتزوّج الأم كذا في الخلاصة ومهر مثلها يعتبر بأخواتها أي بعشيرتها التي من قبيل أبيها وقال ابن أبي ليلى ﵀ يعتبر بأمّها وقوم أمّها كالخالات ونحو ذلك لأن المهر قيمة بضع النّساء فيعتبر فيه قراباتها من قبيل النساء. ولكنّا نقول قيمة الشّيء إنّما يعرف بالرجوع إلى قيمة جنسه والإنسان من جنس قوم أبيه لا من جنس قوم أمه. ألا ترى أنّ الأم قد تكون أمة والابنة قد تكون قريشية تبعًا لأبيها لأنّ مهر المثل يختلف باختلاف هذه الأوصاف قال النبي ﵇: «تُنْكَح الْمَرْأَة لِمَالِهَا وَجَمَالِهَا» (٣)، وكذلك يعتبر أن تكون تلك المرأة من بلدتها ولا يعتبر مهرها بمهر عشيرتها في بلدة أخرى لأنّ المهور تختلف باختلاف البلدان عادة. وفي الحاصل مهر المثل قيمة البضع، وقيمة الشّيء إنّما تعرف بالرجوع إلى نظيره بصفته هذا كلّه من الْمَبْسُوطِ (٤). وفي الفتاوى سئل أبو القاسم-﵀ عن امرأة زوجت نفسها بغير مهر وليس لها مثل في قبيلة أبيها في المال والجمال قال ينظر إلى قبيلة أخرى مثل قبيلة أبيها فيقضي لها بمهر مثلها من نساء تلك القبيلة وإنّما يعتبر حالها في السن والجمال حالة التزوج كذا في المحيط والذّخيرة (٥).

стр. 1657

قوله: ﵀ بِاخْتِلَافِ الدَّارِ (١) أي البلد. قوله: ﵀ وَإِذا ضمن الْوَلِيّ الْمهْر صَحَّ ضَمَانه (٢)، وهذا اللّفظ بظاهره يحتمل أن يكون المراد منه ولي الصّغير بأن زوج ابنة الصّغير امرأة وضمن عنه المهر للمرأة ويحتمل أن يكون المراد منه ولي الابنة الكبيرة ثم بقوله فيما بعده ثم المرأة بالخيار في مطالبتها زوجها أو وليّها يعلم أنّ المراد به الثّاني لكن الحكم وهو صحّة الضّمان لا يتفاوت بين الصّورتين لما أنّه ذكر في التتمة الأب إذا زوج ابنه الصّغير امرأة وضمن عنه المهر وأدى كان متطوّعًا استحساناً إلا إذا شهد عند الأداء أنّه أدى ليرجع. فحينئذ لا يكون متطوّعًا ويرجع في ماله ولكن ذكر في باب الوليمة من شرح الطّحاوي (٣) الأب إذا زوج الصّغير امرأة فللمرأة أن تطالب بالمهر من أب الزّوج فيؤدّي الأب من مال ابنه الصّغير وإن لم يضمن الاب باللّفظ صريحًا بخلاف الوكيل إذا زوج فإنّه ليس للمرأة أن تطالب الوكيل بالمهر ما لم يضمن وقد أضافه إلى ما يقبله أي أضاف الضمان إلى شيء يقبل الضّمان وهو المهر لأنّ المهر دين والكفالة والضمان يصحّان في الدّين ويصحّ إبراءه عند أَبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّد -رحمهما الله- أي إبراء الأب المشتري وكذلك الوصي وهذا إذا أجلا أو إبراء ما هو واجب للصبي بعقدهما وأمّا إذا لم يكن واجباً بعقدهما لا يجوز بالإجماع كذا في أحكام الصّفار للإمام الاستروشني-﵀ (٤)، ويملك قبضه بعد بلوغه أي ويملك الأب قبض الثّمن بعد بلوغ الصّغير وولاية قبض المهر للأب هذا جواب سؤال مقدر بأن يقال أنّ الأب يملك قبض الصّداق أيضاً كالوكيل يملك قبض الثمن فلو صحّ الضّمان يصير ضامنًا لنفسه وذا لا يجوز هناك فكذا في الأب. فأجاب عنه بما ذكر في الكتاب وللمرأة أن تمنع نفسها حتّى تأخذ المهر كان هذا في عرفهم أمّا إذا كان في موضع يعجل البعض ويترك الباقي في الذمّة إلى وقت الطّلاق أو الموت كما هو عرف ديارنا كان لها أن تحبس نفسها بالاستيفاء المعجّل وهو الذي يقال بالفارسيّة دستبيمان وليس لها أن تطالبه ببقية المهر المؤجّل الذي يقال له كابين كردني فإن بينوا قدر المعجّل يعجل ذلك وإن لم يبينوا شيئاً ينظر إلى المرأة وإلى المهر المذكور في العقد أنّه كم يكون المعجّل بمثل هذه المرأة من مثل هذا المهر فيعجل ذلك معجّلاً ولا يقدر بالرّبع ولا بالخمس وإنما ينظر إلى المتعارف لأنّ الثّابت عرفاً كالثّابت شرطًا وإن شرطا تعجيل الكل في العقد فهو كما شرطا ووجب تعجيل الكلّ إذ لا يعتبر لدلالة العرف إذا جاء الصّريح بخلافها كذا في المحيط (٥)، وفتاوى قاضي خان-﵀ وغيرهما وصار كالبيع يعني للبائع أن يحبس المبيع حتّى يأخذ الثّمن فكذلك للمرأة أن تمنع نفسها حتى تأخذ المهر لكن على اختيار المتأخّرين حتّى تأخذ المعجّل من المهر ليس للزّوج أن يمنعها من السّفر فإنّه لو تزوّج امرأة بمهر معجل كان لها أن تخرج في حوائجها ما لم تقبض مهرها وكذا لو كان البعض معجّلاً كان لها أن تخرج قبل أداء المعجلّ وبعد أداء المعجّل ليس لها أن تخرج إلا بإذن الزّوج.

стр. 1658

ولو كان المهر كلّه مؤجّلاً [ليس لها ان تمنع نفسها وفي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ-﵀ ولو كان المهر مؤجلاً] (١) لم يكن لها أن تحبس نفسها لاستيفاء المهر [لا] (٢) قبل حلول الأجل ولا بعده في ظاهر الرّواية أمّا قبل حلول الأجل فظاهر. وكذلك بعده لأن هذا العقد ما أوجب لها حق الحبس فلا يثبت بعده وكذا لو كان بعضه عاجلاً وبعضه آجلاً فاستوفت العاجل وكذا لو أجلته بعد العقد مدّة معلومة ليس لها أن تحبس نفسها. وعلى قول أبي يوسف ﵀ لها أن تحبس نفسها في جميع هذه الفصول إذا لم يكن دخل بها لأنّ موجب النكاح عند الطّلاق تسليم المهر أولاً عيناً كان أو دينًا فحين قبل الزوج الأجل مع علمه بموجب العقد فقد رضي بتأخير حقّه إلى أن يوفى المهر بعد حلول الأجل وبه فارق البيع لأنّ تسليم الثمن أولاً ليس من موجبات البيع لا محالة. ألا ترى أنّ البيع لو كان مقايضة لا يجب تسليم أحد البدلين أولا فلم يكن المشتري راضياً بتأخر حقّه في البيع إلى أن يوفي الثّمن وجعل للفتوى على قول أبي يوسف في فتاوى الإمام الولوالجي-رحمهما الله - وقال رجل تزوّج امرأة على ألف درهم إلى سنة فأراد الزّوج الدّخول قبل السنة قبل أن يعطيها شيئاً إن شرط الزّوج في العقد أن يدخل بها قبل السنة جاز وإن لم يشترط في العقد أن يدخل بها قبل السنة. قال مُحَمَّد ﵀ كذلك الجواب كالبيع والجامع بينهما أن بالتأجيل تأخر حق البائع في المطالبة بالثّمن فلا يثبت له حق حبس المبيع فكذا هنا تأخّر حقّها بالمطالبة بالمهر فلا يثبت لها حبس نفسها وقال أَبُو يُوسُف ﵀ القياس أن يكون للزّوج ذلك كالبيع لكن في الاستحسان ليس له ذلك. بخلاف البيع لأنّ هذا أمر فاحش وبهذا نفتي؛ لأنّه حسن وفي ديارنا كلّ المهر إذا كان مؤجلاً والدّخول غير مشروط لم يكن له أن يبني بها على قول أبي يوسف ﵀ استحساناً وأمّا إذا كان بعضه معجلاً فأدى المعجل فله أن يبني بها لأنّ الدّخول عند أداء المعجل مشروط عرفاً فصار كما لو كان مشروطًا نصاً وإن دخل بها فكذلك الجواب عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أي للمرأة أن تمنع [نفسها] (٣) حتى تأخذ المهر وعندهما ليس لها ذلك فينبني على هذا أي على هذا الاختلاف استحقاق النفقة في حال منع نفسها بهذا السّبب فعند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ تجب النّفقة لها؛ لأنّ المنع بحق فلا تكون ناشزة ظالمة فتجب النّفقة وصار المهر مقابلاً بالكل كالعبد إذا جنى جناية إلى آخره وكذلك المدبّر في استحقاق قيمته وإذا كان كذلك فلما حبست نفسها فقد حبست ما لم يصادفه التسليم منها في حقّه فكانت سبيل من ذلك.

стр. 1659

فإن قلت: أن منافع بضعها لاتخلوا أما إن كانت ملحقة بالأعيان كما في البيع أو ملحقة بالمنافع كما في الإجارة فليس فيهما ولاية الحبس بعد التّسليم بالرضاء فيجب أن يكون هناك كذلك وكذلك لا يجوز أن يكون كتسليم بعض المبيع لأنّها تطالب عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بكلّ المهر بخلاف البيع فإنّه إذا سلم بعض المبيع ليس له أن يحبس ما سلم لأجل كلّ الثّمن. قلت: ليس هذا نظير البيع ولا الإجارة في ذلك من الوجه الذي قاله أبو حنيفة ﵀ وذلك لأنّ للزّوج أن يطالبها بتسليم النفس بعد الوطئة الأولى فبقاء حقها في المطالبة بالبدل يمنع توجه المطالبة عليها بتسليم النفس كما قبل الوطأة الأولى. بخلاف البيع والإجارة فإن البائع إذا سلم المبيع إلى المشتري ليس للمشتري أن يطالب البائع بشيء وكذلك بعد تسليم الدّار ليس للمستأجر أن يطالب الآجر بشيء وأمّا قوله لا يجوز أن يكون كتسليم بعض المبيع قلنا أنّ التسليم والإتلاف إنّما وجد في جزء وهي لا تحبس ذلك الجزء كما في البيع وإنما تحبس ما وراه وما وراء ذلك الجزء غير مستوفى فكان لها أن تحبس نفسها لاستيفاء البدل ولكن كل ذلك البدل يصلح أن يكون مقابلاً بإزاء ما بقي بعد الوطأة الأولى من الوطئات. وأمّا قولهما أن المعقود عليه كلّه صار مسلمًا إليه بالوطئة الواحدة فضعيف فإنّ الوطئات بعد الوطئة الأولى في حكم الوطئة الأولى من حيث أنّها مستحقة بالنكاح مقصودًا وإنّما يتأكّد جميع البدل بالوطئة الأولى لدفع الضّرر عنها لأنّ ما وراء الوطأة الأولى مجهول فلا يصحّ للانقسام فإذا صار معلومًا زاحم للأولى وذلك لا يدلّ على أنّه ليس بمقابلة ما يستوفي منه بعد ذلك شيء من البدل ألا ترى أن البدل يتأكد بالخلوة وإذا وطئها بعد ذلك فذلك لا يدلّ على أنّ البدل ليس بمقابلة المستوفى من الوطئ كذا ذكره الإمام المحبوبي ﵀ وإذا أوفاها مهرها نقلها إلى حيث شاء. وكان أبو القاسم الصفاريفتي في عدم المنع من الوطئ بقولهما حتّى لو دخل بها قبل إيفاء المهر ليس لها أن تمنع نفسها منه لطلب المهر ولو منعت لا نفقة لها وفي السّفر يفتي بقول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حتّى لو دخل بها قبل إيفاء مهرها لا يملك أن يخرجها من البلدة إلى السّفر قال الصّدر الشّهيد ﵀ وهذا حسن كذا في فصول الامام الاستروشني ﵀. وقال الإمام ظهير الدين (١) ﵀ في الفوائد وفي هذا إشارة إلى أنّ الاختلاف في القولين لا يكون اتفاقاً على بطلان قول ثالث وقيل لا يخرجها إلى بلد غير بلدها وهو قول الفقيه أبو اللّيث ﵀ وذكر في فصول الاستروشني محالاً [المحال اسم مفعول من الاحاله اي مضافاً ومنسوباً] (٢) إلى العدّة الزّوج إذا أراد أن يخرج المرأة إلى بلد آخر وقد أوفاها مهرها ليس له ذلك هكذا اختار الفقيه أبو اللّيث قال ظهير الدّين المرغيناني -رحمهما الله- الأخذ بقول الله تعالى أولى من الأخذ بقول الفقيه قال الله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ (٣).

стр. 1660

وذكر في التجنيس (١) والفتوى على أن للزّوج أن يسافر بها إذا أوفاها المعجّل (٢) لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ (٣) لأن الغريب يؤذي. فإن قيل: هذا التّعليل معارض لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ (٤) فلا يقبل قلنا قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ (٥) مقيّد بالنصّ بترك الإضرار بدليل سياق الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ (٦) وفي النقل إلى بلد آخر مضارّة ولهذا جاز الإخراج برضاها ومن تزوّج امرأة ثم اختلفا في المهر أي في مقدار المهر فهذه المسألة على وجوه أمّا ان اختلفا في حياتهما أو بعد موتهما إذا اختلف ورثتهما أو بعد موت أحدهما فإن اختلفا في حياتهما فلايخلوا أمّا إن اختلفا قبل الطّلاق أو بعده وكلّ ذلك على وجهين أمّا إن كان الاختلاف في أصل التسمية أو في مقدار المسمّى أما إذا وقع الاختلاف في حال قيام النكاح أو بعد الفرقة بعد الدّخول أو بعد موت أحدهما فإن القول قول المرأة إلى تمام مهر مثلها أو ورثتهما والقول قول الزّوج أو ورثته في الزّيادة في قول أَبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّد-رحمهما الله-. وصورة الاختلاف أن يقول الزّوج تزوّجتك على ألف درهم والمرأة تقول تزوجتني على ألفين كذا في شرح الطّحاوي (٧)، وجامع الصّغير (٨) لِقَاضِي خَانْ والتقسيمات مذكورة في الكتاب ومعناه ما لا يتعارف مهراً هو الصّحيح هذا احتراز عن قول بعض مشايخنا في تفسير قول أبي يوسف ﵀ حيث قالوا معناه ما دون العشرة فإنه مستنكر شرعًا لأنّه لامهر أقلّ من عشرة دراهم والأصحّ أن مراده أن يدّعي شيئاً قليلاً يعلم أنّه لا يتزوّج مثل تلك المرأة على ذلك المهر عادة فإنّه ذكر هذا اللّفظ في البيع أيضاً إذا اختلفا في الثّمن بعد هلاك السّلعة القول قول المشتري إلا أن يأتي بشيء مستنكر وليس في الثّمن تقدير شرعًا كذا في (الْمَبْسُوطِ) (٩) لا يصار إليه أي إلى مهر المثل أنّه بحكم متعة مثلها وهو قياس قولهما أي قول أَبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّد -رحمهما الله- وإنّما خصّ قولهما فإنّ [على] (١٠) قول أبي يوسف القول قول الزّوج في جميع الصّور؛ لأنّ العقد موجبه بعد الطّلاق أي موجب العقد إذا كان الطّلاق قبل الدّخول كمهر المثل قبله أي قبل الطّلاق.

стр. 1661

ووجه التّوفيق أي بين رواية الجامع الكبير وبين روايتي الْمَبْسُوطِ والْجَامِعِ الصَّغِيرِ فإن روايتيهما تتفقان لكن رواية الْمَبْسُوطِ مفسرة بتقدير ورواية الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مطلقة فحملت على رواية الْمَبْسُوطِ لأنّ المطلق يحمل على المتعارف والمتعارف هو الاختلاف في الألوف ورواية الجامع الكبير تخالفهما والمخالفة بسبب اختلاف الوضع على ما ذكر في الكتاب. وقيل في المسألة روايتان فوجه رواية الجامع الكبير هو ما ذكر في الكتاب وكشفه أن المتعة موجب نكاح لا تسمية فيه قبل الطّلاق فكما يحكم مهر المثل لو اختلفا قبل الطّلاق بحكم المتعة. وإذا اختلفا بعد الطّلاق ووجه رواية الْمَبْسُوطِ (١)، والْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٢) هو أنّه عاد إلى المرأة حقها كما كان [وكان] (٣) ينبغي أن يسقط كلّ الصّداق. وإنّما عرفنا بقاء نصف الصّداق نصًّا بخلاف القياس فيما إذا كان الصّداق معلومًا وتعذر إيجاب المتعة لأنّ المتعة حكم نكاح لا تسمية فيه أصلاً وهنا قد اتفقا على التّسمية فقلنا ببقاء ما اتفقا عليه وهو نصف ما أقر به الزوج فإن كان مهر مثلها ألفاً أو أقلّ فالقول قوله أي مع اليمين لأنّ الاصل في [الدّعاء فهي] (٤) أن يكون القول قول من يشهد له الظّاهر مع يمينه وإن نكل يقضي عليه بألفي درهم كما لو أقرّ لأنّ النكول إقرار وإن كان ألفين فالقول قولها أي مع يمينها لأنّ الزّوج يدّعي عليها الحطّ وهي تنكر فإن نكلت [يقضي] (٥) بألف درهم لأنها أقرت بالحط وإن حلفت يقضي [لها] (٦) بألفي درهم ألف بطريق التّسمية لاتفاقهما على تسمية الألف والألف باعتبار مهر المثل وفائدة هذا أن يخيّر الزّوج في هذا الألف إن شاء أعطى الدّراهم وإن شاء أعطى الدّنانير فإيّهما أقام في الوجهين أي فيما إذا شهد مهر المثل للزّوج وفيما إذا شهد مهر المثل للمرأة في الوجه الأوّل: [تقبل بينتها] (٧)، وهو ما إذا كان مهر المثل شاهدًا للزّوج. [وفي الوجه الثّاني: تقبل بينته وهو ما إذا كان مهر المثل شاهدًا للزّوج] (٨)، وفي الوجه الثّاني يقبل بيّنته وهو ما إذا كان مهر المثل شاهدًا للمرأة.

стр. 1662

والأصل في هذا هو أنّ البيّنة تثبت ما ليس بثابت ظاهراً وإن كان مهر مثلها ألفاً وخمسمائة تحالفا لأنّ الزّوج يدّعي عليها الحط عن مهر المثل وهي تنكر والمرأة تدّعي الزيادة وهو ينكر وينبغي أن يقرع القاضي بينهما في البداية لاستوائهما فإن [نكل] (١) الزّوج يقضي عليه بألف وخمسمائة كما لو أقر بذلك صريحًا وإن نكلت المرأة وجب المسمّى ألف لأنّها أقرّت بالحط وإن حلفا جميعًا وجب ألف وخمسمائة ألف بطريق التسمية لا يخيّر الزّوج فيهما لاتفاقهما على تسمية ألف وخمسمائة باعتبار مهر المثل يخيّر فيها الزّوج فأيّهما أقام البيّنة قبلت بيّنته وإن أقاما يقضي بألف وخمسمائة ألف بطريق التّسمية وخمسمائة باعتبار مهر المثل لأنّ البيّنتين بطلتا لمكان التّعارض ونصّ مُحَمَّد – ﵀ في هذا الفصل أنّ بيّنة المرأة أولى لإثباتها الزّيادة كذا في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٢) لِقَاضِي خَانْ وذكر الإمام المحبوبي-﵀ بعد ذكر وجوب مهر المثل فيما إذا تحالفا فقال ثم إذا تحالفا يبدأ بيمين الزوج؛ لأنه أثبتهما إنكاراً وإن أقاما البينة فالبيّنة بيّنة المرأة؛ لأنّها تثبت الزّيادة والبينة مشروعة للإثبات وقال الكرخي- ﵀ يتحالفان أي على قول أَبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّد - رحمهما الله- ثم يصار إلى مهر المثل في الفصول الثّلاثة وهي أن يكون مهر المثل شاهدًا له أو شاهدًا لما بينهما لأنّهما اتفقا على أصل التسّمية والتّسمية الصّحيحة تمنع المصير إلى مهر المثل وإذا حلفا بعذر التّسمية فيحكم مهر المثل. وذكر أبو بكر الرّازي ﵀ أنّ التحالف في فصل واحد وهو إذا لم يكن مهر المثل شاهدًا لأحدهما فإذا كان شاهدًا لأحدهما كان القول قول من يشهد له مهر المثل مع يمينه ولا يتحالفان وهو الصّحيح لأنّ بحكم مهر [المثل] (٣) ليس لإيجاب مهر المثل بل لمعرفة من يشهد له الظّاهر ثم الأصل في الدعاوى أنّ القول قول من يشهد له الظّاهر مع يمينه ولو كان الاختلاف في أصل المسمّى فإن ادّعى أحدهما التّسمية وأنكر الآخر كان القول قول من ينكر التسمية ويجب مهر المثل لأنّه هو الأصل عندهما. أي: عند أَبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّد -رحمهما الله-. وعنده أي عند أبي يوسف ﵀ تعذر القضاء بالمسمّى لعدم ثبوت التّسمية للاختلاف فيجب مهر المثل كما لو تزوّجها ولم يسمّ لها مهراً كذا في (الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) (٤) لِقَاضِي خَانْ وإذا مات الزّوجان وقد سمّى لها مهراً بأن يثبت ذلك بالبيّنة أو يتصادق الورثة فلورثتها أن يأخذوا ذلك من ميراث الزّوج هذا إذا علم أنّ الزّوج مات أولاً أو علم أنّهما ماتا معًا أو لم يعلم أيّهما مات أولاً حينئذ يأخذ ورثة المرأة جميع المهر من تركة الزّوج لأنّ المهر كان واجباً فلما لم يتيقن بسقوط شيء منه بموت المرأة أولاً يسقط وأمّا إذا علم أنّها ماتت أولاً فنصيب الزّوج من ذلك يسقط لأنّه ورث دينًا على نفسه فيسقط بقدر ما ملك فعلم بهذا أنّ [المسمى] (٥) المستثنى منه المحذوف في قوله إلا إذا علم أنّها ماتت أولاً هو الصّور الثّلاث التي ذكرتها.

стр. 1663

قوله: ﵀ معناه إشارة إلى قوله الْمهْر فِي الْوَجْهَيْنِ (١) أي فيما إذا سمّى وفيما إذا لم يسمّ وأمّا الثّاني فوجه قولهما إلى آخره فقولهما قياس وقول أَبِي حَنِيفَةَ-﵀ استحسان ولقول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ طريقان: أحدهما: هو ما استدلّ به أبو حنيفة في الكتاب وقال: أرأيت لو ادّعى ورثة علي ﵁[على ورثة عمر]﵁ (٢) مهر أم كلثوم أكنت أقضى فيه بشيء. وهذا إشارة إلى أنّه انما يقول بهذا بعد تقادم العهد لأنّ مهر المثل يختلف باختلاف الأوقات فإذا تقادم العهد وانقرض أهل ذلك العصر يتعذّر على القاضي الوقوف على مقدار مهر المثل وعلى هذا الطّريق إذا لم يكن العهد متقادمًا بأن لم يختلف مهر مثل هذه المرأة يقضي بمهر مثلها والطّريق الآخر يقتضي سقوطه وإن لم يتقادم وهو أنّ المستحق بالنكاح ثلاثة أشياء المسمّى وهو الأقوى والنّفقة وهي الأضعف ومهر المثل وهو متوسّط على ما قدّرنا فالمسمّى لقوته لا يسقط لا بموت أحدهما ولا بموتهما والنّفقة لضعفها تسقط بموتهما وبموت أحدهما ومهر المثل يتردّد بين ذلك فيسقط بموتهما ولا يسقط بموت أحدهما لانّ ما تردد بين أصلين يوفر حظّه عليهما. ألا ترى أنّ الصّحابة ﵃ اختلفوا أن مهر المثل هل يسقط بموت أحدهما فيكون ذلك اتفاقاً منهم أنّه يسقط بموتهما كذا في الْمَبْسُوطِ (٣)، والمراد منه ما يكون مهيئاً للأكل نحو الحلواء والمشوي وطبق فاكهة مما لا يعطى من المهر عادة بل يتعارف هديه فلا يصدق على خلافه وكذا هذا في جميع قضاء الدّيون. وأمّا لو بعث إليها طعاماً أو دقيقاً أو لوزًا أو عسلاً أو سمنًا وقال هو من المهر فالقول له كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀. قوله: ﵀ فالقول له أي مع اليمين كذا في الذّخيرة (٤) ثم قال فإن حلف والمتاع قائم فللمرأة أن تردّ وترجع بما بقي من المهر، فإن كان هالكًا لا يرجع بالمهر. وأمّا الذي بعث أبو المرأة إن كان هالكًا لم يكن على الزّوج شيء وإن كان قائمًا وقد بعثه الأب من مال نفسه فله أن يرجع فيه لأنّ الواهب في هذه الصّورة الأب وإن كان بعثه من مال البنت برضاها لم يكن له أن يرجع [فيه] (٥) لأنّ الواهب في هذه الصّورة البنت وقد وهبت من زوجها وفي فتاوى أهل سمرقند (٦): رجل تزوج امرأة وبعث إليها هدايا وعوّضته المرأة على ذلك عوضاً ثم زفت إليه ثم فارقها وقال إنما بعثت إليك عاريّه فأراد أن يسترد ذلك وأرادت المرأة أن تسترد العوض فالقول له في الحكم لأنّه أنكر التّمليك وإذا استرد ذلك من المرأة كان للمرأة أن تسترد منه ما عوضته عليه.

стр. 1664

قوله: ﵀ وَقِيلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْخِمَارِ وَالدِّرْعِ (١)، وإنّما قيّد بالوجوب لأنّه إذا بعث الخف والملاءة كان له أن يحتسب من المهر لأنّ ذلك لا يجب عليه. قوله: وغيره كَمَتَاعِ الْبَيْتِ وفي فتاوى الظهيريّة وههنا مسألة عجيبة وهي أنّه لا يجب على الزّوج خفها ويجب عليه خف أمتها لأنّها منهية عن الخروج دون أمتها. [فصل في أحكام النكاح في الكفّار] فصل لما ذكر أحكام النكاح في حق المسلمين وهم الأصول في الشّرائع ذكر من هو تبع لهم في المعاملات ومن المعاملات أحكام النكاح في الكفّار. ثم اعلم أنّ كل نكاح يجوز فيما بين المسلمين فهو جائز فيما بين أهل الذمّة لأنّهم يعتقدون جوازه. ونحن نعتقد ذلك في حقهم أيضاً فإن النبي ﵇ قال: «بُعِثْتُ إلَى الْأَحْمَر وَالْأَسْوَد» (٢) وخطاب الواحد خطاب الجماعة فما يوافقوننا في اعتقاده يكون ثابتاً في حقّهم فأمّا ما لا يجوز بين المسلمين فهو أنواع منها النكاح بغير شهود فإنّه جاز بين أهل الذمّة يقرّون عليه إذا أسلموا عندنا خلافاً لزفر ﵀ على ما يجيء بعد هذا ثمّ قوله وذلك في دينهم جائز من صورة المسألة فإن جواب المسألة قوله فليس لها مهر. قوله: ﵀ فَلَيْسَ لَهَا مهر (٣) يعني وإن أسلما كذا في الْمَبْسُوطِ (٤). وأمّا في الذمية فلها مهر مثلها إن [دخل بها] (٥) أو مات عنها إلى آخره إلا أنّ أهل الذمّة لا يتعرض لهم ما لم يسلموا أو يرفع أحدهما الأمر إلى القاضي كذا في الْمَبْسُوطِ (٦)، وهذا الشرع وقع عاما وهو قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٧) فكان الكافر مخاطباً (٨) أيضاً بإبتغاء النكاح بالمال إذا أراد النكاح لأنّهم التزموا أحكامنا فيما يرجع إلى المعاملات قال الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٩)، ووجوب مهر المثل في النكاح عند نفي المهر من أحكام الاسلام فيظهر في حقّهم كما ظهر حكم الربا وحكم الزنا ولأنّ الابضاع تارة يتناول بالسّفاح وطوراً بالنكاح ثم تناولها بالسّفاح دية إيجاب العقر فيكون تناولها النكاح جهة في إيجاب العقر ولأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أنّ أهل الذمة لا يلتزمون أحكامنا في الديانات كالصّلاة والصّوم وفيما يعتقدون خلافه في المعاملات كبيع الخمر والخنزير والربا مستثنى عن عقودهم قال الله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ (١٠) بيّن أنّه كان حرامًا في دينهم.

стр. 1665

أمّا النكاح بغير مهر جائز في دينهم كما لو تزوّجها على خمر ولأنّ المهر لو وجب لايخلوا إمّا أن يجب حقاً لها أو حقاً للشرع لا وجه إلى الأوّل لأنّها رضيت بغير مهر ولا وجه إلى الثّاني لأنّه غير مخاطب بحقوق الشّرع كذا في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (١) لِقَاضِي خَانْ والفوائد وقد قيل في الميتة والدّم روايتان عن أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وهذا كلّه عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أي كلّ ما ذكر وهو ما إذا كان معينين أو غير معينين لها مهر المثل في [الوجه] (٢) الوجهين أو في المعين وغير المعيّن. قوله: ﵀ وجه قولهما وإنّما جمع قولهما وإن كانا يختلفان فيما بينهما حيث قال أَبُو يُوسُف ﵀ فيهما بمهر المثل ومُحَمَّد ﵀ قال فيهما بالقيمة ومهر المثل غير قيمة الخمر والخنزير لكنهما تتفقان في أن لا يوجبا عين الخمر والخنزير أنّ القبض (٣) مؤكد لتملك في المقبوض. ألا ترى أنّ الصّداق يتنّصف بنفس الطّلاق قبل الدّخول إذا لم يكن مقبوضاً وبعد القبض لا يعود شيء إلى ملك الزّوج إلا بقضاء أو رضاء وكذلك الزّوايد ينتصف قبل القبض ولا ينتصف بعده وكذا لو مر يوم الفطر والصّداق عند غير مقبوض ثم طلّقها قبل الدّخول لا تجب صدقة الفطر عليها بخلاف ما بعد القبض وكذلك الزّكاة لا تجب [عليها] (٤) عند أبي حينفة ﵀ في المهر قبل القبض بخلاف ما بعده ولأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أنّ الملك في الصّداق المعيّن يتم بنفس العقد ولهذا يملك التصرف فيه وبهذه النكتة يخرج الجواب عن فصل البيع فإنّه إذا باع الخمر أو الخنزير أو اشترى.

стр. 1666

ثم أسلم قبل القبض حيث ينفسخ البيع ويمنع عن القبض ويخرج الجواب أيضاً عمّا إذا لم يكونا عينين حيث لا يستحق عين الخمر والخنزير بالإجماع. أمّا البيع فإنّ المبيع بعد القبض يستفاد ملك التصرف فيه لا قبله والإسلام مانع فيه ولأن ضمان المبيع في يد البائع ضمان ملك حتّى لو هلك يهلك على ملكه وكان قبض المشتري ناقلاً لضمان الملك فأمّا ضمان المسمّى في يد الزّوج فليس بضمان ملك حتّى لو هلك يهلك على ملكها ولهذا وجب لها القيمة فلا يكون الإسلام مانعًا من القبض الناقل للضمان إذا لم يكن ضمان ملك كاسترداد المغصوب بلا ولي لأن في استرداد المغصوب إزالة اليد المانعة وهي يد الغاصب وليس ههنا إزالة اليد المانعة فلأن لا تمنع عن القبض كان أولى. وأمّا المسمّى إذا كان غير معيّن فإنما لا يملك قبضه لأنّ القبض هناك موجب ملك العين والإسلام يمنع من ذلك إذا كان ذلك المسمّى خمراً أو خنزيراً. وأمّا قوله أنّ القبض مؤكّد للملك في المقبوض على ما ذكر من المسائل فإن ذلك كلّه يدل على ضعف الثبوت وتعلّق الوكادة بالقبض لا يدلّ على امتناع تأكيد ما هو ثابت بالإسلام بل يدلّ على عكسه فإنّه إذا اشترى خمراً وقبض وبها عيب فالملك غير متأكّد وبالإسلام يتأكّد ويسقط الخيار هذا كلّه من الْمَبْسُوطِ (١)، والأسرار وشروح الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٢). ألا ترى أنّه لو جاء بالقيمة قبل الإسلام تجبر على القبول في الخنزير هذا دليل على أنّ قيمة الخنزير بمنزلة عينه لأنّه لو لم يكن كذلك لما أجبرت على القبول فمن أوجب مهر المثل أوجب المتعة ومن أوجب القيمة أوجب نصفها ففي العين لها نصف العين في قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وفي غير العين في الخمر لها نصف القيمة. وفي الخنزير لها نصف المتعة؛ لأنّ مهر المثل لا ينتصف بالطّلاق قبل الدّخول بل في كل موضع كان الواجب مهر المثل قبل الطّلاق فالواجب المتعة بعد الطّلاق وعند مُحَمَّد لها بعد الطّلاق نصف القيمة على كلّ حال كذا في الْمَبْسُوطِ (٣)، وعند أبي يوسف ﵀ لها المتعة على كلّ حال والله أعلم بالصّواب. باب نكاح الرّقيق آخر هذا الباب عن فصل النصراني والنصرانية؛ لأن الرّق من آثار الكفر إذ الاسترقاق ابتداء لا يرد إلا على الكافر ولاشك أنّ الأثر يقفو المؤثر. وذكر في (الصّحاح) (٤) [في الإيضاح] (٥) الرّقيق المملوك وقد يطلق على الواحد والجمع وذكر في (المغرب) (٦) الرقيق العبد وقد يقال للعبيد ومنه هؤلاء رقيقي وقال مالك ﵀: - يجوز للعبد قيد بالعبد لأنّه لا يجوز للأمة بالإجماع لأن بضعها مملوك المولى لأنّه يملك الطّلاق فيملك النكاح لأنّ الطّلاق حكم يستفاد من النكاح فلما كان أهلاً لحكمه بغير إذن المولى كان أهلاً لسببه.

стр. 1667

واستدلّ أصحابنا بظاهر قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (١)، والنكاح شيء، فلا يملكه العبد بنفسه، ومذهبنا مروي عن عمر ﵁ أنه قال: «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوْلَاهُ فَهُوَ [عَاجرٌ]» (٢) (٣) كذا في الْمَبْسُوطِ (٤) أسند هذا الحديث إلى عمر ﵁ في الْمَبْسُوطِ (٥) كما ترى. ولكن رفعه إلى النبي ﵇ في الإيضاح كما هو المذكور في الكتاب ولأنّ في تنفيذ نكاحهما تعييبهما إذ النكاح عيب فيهما ففي هذا جواب عمّا استدلّ به مالك بأنّه يملك الطّلاق فيملك النكاح لأن في الطّلاق إزالة العيب فيملك إزالة العيب عن نفسه بالطّلاق ولا يملك التعييب بالنكاح. فإن قلت: يشكل على هذا صحّة إقراره بالحدود والقصاص فإن وجوب قطع اليد في السّرقة ووجوب القصاص عيب فيهما على قول أبي يوسف ومُحَمَّد. -رحمهما الله-. وأمّا على قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فمنزلة الاستحقاق وهو أيضاً أقوى العيوب فولايته على هذا التعييب يبطل هذه النكتة. قلت: العبد لا يصير مملوكًا لمالكه فيما يتعلّق به خطاب الشّرع ثم الحدود والقصاص إنّما وجبت عقوبة وجزاء على هتك حرمة لزمت العبد شرعًا وصيانة هتك المحرمات واجبة على من خوطب بها و العبد منه وما ثبت من التعييب ثبت في ضمن صيانة الواجب شرعًا لله تعالى فلا يبالي به وأمّا النكاح فعقد ازدواج واقتضاء شهوة كلّ واحد من الزّوجين من صاحبه فلا يملك إلا بملك الرقبة والرقبة للمولى فلا يصحّ بدون إذنه يوضحه أنّه لو باع رقبته أو رهنه بمال لم يجز، وإن كان منفعة ذلك يرجع إلى المولى فإذا تزوج ولا منفعة للمولى في عقده أولى أن لا يجوز، إلى هذا أشار في الْمَبْسُوطِ (٦) والأسرار وكذا المكاتبه [لا] (٧) تملك تزويج نفسها بدون إذن المولى وتملك تزويج أمتها وفي الأصل الأب والجدّ والوصي والقاضي والمكاتب والمضارب والشّريك المفاوض يملكون تزويج الأمة كذا في الخلاصة لما بيّنا وهو قوله لأنّه من باب الاكتساب وكذلك المدبّر.

стр. 1668

وكذلك المدبرة وابن أمّ الولد ومعتق البعض عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ والمهر دين في رقبته تباع فيه ثم إذا بلغ في مهرها ولم يف الثّمن لا يباع ثانياً لأنّه [بيع] (١) في جميع المهر ويطالب بالباقي بعد العتق وفي دين النّفقة تباع مرّة أخرى لأنّه يجب شيئاً فشيئاً فإن مات سقط المهر والنفقة لأن محلّ الاستيفاء قد فات كذا ذكره الإمام التمرتاشي-﵀ وإذا زوج عبده أمته لا مهر لها عليه، واختلف المشايخ فيه منهم من قال: يجب المهر ثم يسقط، ومنهم من قال: لا يجب وهذا أصحّ؛ لأنّ الوجوب وإن كان حقاً لله تعالى فإنما يجب حقاً لله تعالى للمولى ولو جاز وجوبه للمولى ساعة لجاز وجوبه أكثر من ساعة كذا في فتاوى الإمام الولوالجي والمحيط (٢)، وذكر في الْمَبْسُوطِ (٣) لا مهر لها عليه؛ لأنّ المهر لو وجب كان للمولى، وإنّما وجب في مالية العبد وماليته مملوكة [للمولى] (٤)، فلا فائدة في وجوبه أصلاً، وعلى طريق بعض أصحابنا يجب ابتداء لحق الشّرع ثم يسقط لقيام ملك المولى في رقبة الزّوج، فقال المولى طلقها أو فارقها فليس هذا إجازة بخلاف ما إذا زوّج الفضولي رجلاً امرأة فلما بلغ الخبر إليه قال طلقها حيث يكون إجازة لأنه يملك التّطليق بالإجازة فيملك الأمر به أيضاً كذا في الفوائد الظهيريّة ولأنّ [فعل] (٥) الفضولي إعانة وليس بتمرّد فكان الردّ أليق في العبد لأنّه متمرد ولأنّ الضّرر منجبر في حق الزّوج يملك بضع يقابله. بخلاف ضرر المولى فلذلك افترقا وقال ابن أبي ليلى-﵀ في مسألة الكتاب فقوله طلقها يكون إجازة لأنّه أمر بالطّلاق والمطلق ينصرف إلى الجائز. ولنا أنّ الأمر بالطّلاق يحتمل الأمر بالمتاركة وليس في هذا الكلام ما يدلّ على الإجازة والرضاء فلا يثبت الإجازة حتّى لو قال أوقع عليها تطليقة أو طلّقها تطليقة يقع عليها يكون إجازة لأنّ وقوع الطّلاق يختص بالنكاح الجائز فيكون إجازة كذا ذكره الإمام شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ (٦). فإن قلت: ما الفرق بين هذه الصّورة وبين ما إذا قالت المرأة لرجل طلقني كان إقرار منها بالنكاح وكذلك لو زوّج الرجل فضولي أربعًا في عقده وثلاثاً في عقده وبلغه الخبر فطلق إحدى الثلاث أو إحدى الأربع بغير عينها كان إجازة منه لنكاح ذلك الفريق.

стр. 1669

قلت: أما الأوّل فإنّ الظّاهر من حالها مباشرة النكاح الصّحيح فحمل عليه وهنا دليل الفساد ظاهر وهو تمرّد على مولاه بالنكاح بغير إذنه. وأمّا الثّاني فإنّ قول الزّوج لا يصحّ إلا بأن يحمل على الطّلاق لأنّه إن وقع في التي صحّ نكاحهن صحّ كلامه وإن وقع في التي لم يصح نكاحهنّ لا يصحّ كلامه فجعل منه إجازة للعقد تصحيحًا لكلامه وههنا قول المولى صحيح في الحالين سواء كان أمراً بالطّلاق أو بالمتاركة [لما أنّ قوله طلّقها يصلح أمراً بالمتاركة فإنّ الطّلاق في النكاح الفاسد والموقوف يكون متاركة] (١)، ويصلح أن يكون أمراً له بالطّلاق عن النكاح في الأول لا يصلح أن يكون إجازة وفي الوجه الثّاني يصلح فلا يكون إجازة بالشّك كذا ذكره الإمام التمرتاشي والإمام المحبوبي - رحمهما الله -؛ لأن الطلاق الرجعي لا يكون إلا في النكاح الصّحيح. فإن قيل: إذا قال المولى لعبده كفر يمينك بالمال لا يثبت العتق وإن كان التكفير بالمال لا يتحقق إلا بعد العتق. قلنا: الاعتاق إثبات الأهلية في التصرفات الشّرعية بطريق الأصالة وما هذا حاله لا يثبت في ضمن نوع من التصرفات كالإيمان لا يثبت في ضمن خطاب الشّرائع فلذلك لم يخاطب الكفار بأوامر الشّرائع لما عرف. وأمّا ههنا ما هو الأصل وهو أصل شرعيّة النكاح فثابت للعبد لأنّه يبقى على الحريّة في خصائص الآدمية وإنما توقف النفاذ إلى إذن المولى وهو فرع على أصل النكاح فصحّ أن يثبت النفاذ ضمنًا لما يقتضي النكاح الصّحيح وهو الأمر بالطّلاق الرجعي ومن قال لعبده تزوج هذه الأمة ليس في ذكر الإشارة بالتعيين وفي ذكر الأمة بالتقييد كثير فائدة فإنّ الحكم في غير المعيّن وفي غير الإماء كذلك لأنّه قال في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٢) لِقَاضِي خَانْ-﵀: وكذا لو أمره أن يتزوّج امرأة ولم يعيّن فتزوج امرأة نكاحاً فاسدًا ثم تزوّج أخرى نكاحاً جائزًا أو حدّد النكاح في الأولى لوصف الصحّة عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لا يجوز وعندهما يجوز بناء على أصل مذكور في الكتاب وهو قوله وأصله أنّ الإذن في النكاح ينتظم الفاسد والجائز عنده ألى اخره. ويبتنى عليه حكمان أحدهما ما قلنا أنّه يباع في المهر عنده. وعندهما لا يباع والثّاني إذا تزوجها بوصف الصحّة بعد ذلك عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لا يجوز لانتهاء الإذن بالعقد وعندهما يجوز.

стр. 1670

قوله ﵀: لهما أنّ المقصود من النكاح في المستقبل الإعفاف (١) إلى أن قال: ولهذا لو حلف لا يتزوّج (٢) إنّما قيّد بالمستقبل لأنّه لو حلف وقال أنّه ما تزوّج امرأه في الماضي وقد كان تزوج فاسدًا أو صحيحًا كان حانثاً في يمينه كذا في الْمَبْسُوطِ (٣) كما في البيع أي أن أمره بالبيع فإن أمره به يتناول الجائز والفاسد ومثله اليمين ممنوعة على هذه الطريقة وهي طريقة أجزاه اللّفظ المطلق على إطلاقه فكان إشارة إلى أوّل النكتة ولئن كان قول الكل فالعذر لأَبِي حَنِيفَةَ-﵀ أنّ ثمة تقيد بالعرف ومبنى الإيمان على العرف وكذلك التّوكيل في النكاح عند أَبِي حَنِيفَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٤) لِقَاضِي خَانْ. وأمّا قولهما المراد بالنكاح الإعفاف والتحصين قلنا الإعفاف الحاصل من النكاح ليس في يد المولى فإنّه إنّما يكون بداوم النكاح ودوامه ليس في يده مع أنّ العفة أمر باطن فليس هو في يد المولى أيضاً ومن زوج عبدًا مأذونًا [له اي مأذوناً له] (٥)، ومديونًا ومعناه إذا كان النكاح بمهر المثل أو أقلّ من ذلك حينئذ تكون المرأة أسوة للغرماء. وأمّا إذا كان المسمّى أكثر من مهر المثل فإنّها لا تساوي الغرماء بل يؤخر حقها إلى استيفاء الغرماء ديونهم كدين الصحّة مع دين المرض. قوله: ﵀ وَالنِّكَاحُ لَا يُلَاقِي حَقَّ الْغُرَمَاءِ بِالْإِبْطَالِ (٦) إلى آخره جواب سؤال مقدّر وهو أن يقال النكاح يلاقي حق الغرماء بالإبطال مقصودًا فيجب أن لا تكون المرأة أسوة للغرماء بل يجب أن يدرأ بدين الغرماء أولاً كما لو قتل العبد رجلاً عمدًا فصالح المولى مع الولي على رقبته بدي بدين الغرماء. وكذا لو خلع أمته المديونة المزوجة على رقبتها وزوجها عبد بدي يدين الغرماء. فأجاب عنه بهذا وتفسيره هو أن النكاح لما صحّ بالدّليل وهو قيام ملك الرقبة والحاجة إلى التّحصين وبقاء العبد على الحريّة في حق صحّة النكاح ثبت ما هو من ضرورته التي هو غير منفك عنه وهو لزوم المهر عليه لأنّ النكاح في الأصل أينما ثبت لا يثبت بدون المال رجوعًا إلى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٧) إذ الباء للإلصاق ولا وجود للملصق به بدون الملصق فكان بثبوت المال هنا ضمنًا لصحّة النكاح ضرورة فكان بمنزلة ثبوت المقتضى عند ثبوت المقتضى فيراعى شرائط المقتضى المنصوص لكونه مقصودًا لا شرائط المقتضى المدرج لأنّه غير مقصود وأمّا في تينك المسألتين فالعفو والخلع الذي أصله الطلاق ينفكان عن المال فكان إيجاب المال هناك مضافاً إلى المولى.

стр. 1671

بخلاف النكاح وإلى هذا المعنى أشار بقوله إلا إذا صحّ النكاح وجب الدّين بسبب لا مرد له إلى هذا أشار الإمام التمرتاشي-﵀ فشابه دين الاستهلاك أي [اذا] (١) استهلك العبد مال الغير وذلك الغير أسوة للغرماء ومن زوج أمته فليس عليه أن يبوئها، يقال: وبوَّأت للرجل منزلاً وبوّأته منزلاً بمعنى، أي هيأته ومكنت له فيه. كذا في الصّحاح (٢)، وذكر الإمام التمرتاشي-﵀ التبوئه هي: أن يخلي بينها وبينه ولا يستخدمها وإن كانت تجيء وتخدم المولى بلا استخدامه فلها النفقة. فإن قيل: ينبغي أن يجب على المولى التبوئة؛ لأنّ التبوئة من باب التّسليم والتّسليم واجب على المولى. قلنا: التبوئة أمر زائد على التّسليم؛ لأنّ التسليم يتحقّق بدون التبوئه بأن يقال له متى ظفرت بها وطئتها فلا تجب عليه التبوئه وإذا بقي حقّه في الاستخدام وأنه أمر مستدام فقد ثبت للزوج حق الاستمتاع بالوطئ أيضاً لكن الحاجة إليه تقع أحيانًا فلا يجوز الإنتزاع من يد المولى لأجل حاجة تقع أحيانًا كذا في مبسوط (٣) فخر الإسلام، ولو بوأها بيتاً. ثم بدا له أن يستخدمها له ذلك ولم يذكر أنّه هل تسقط النّفقة بالاستخدام بعد وجوبها بالتبوئه أم لا ذكر الإمام المحبوبي-﵀ أنّها تسقط وإليه أشار في الكتاب بقوله لأنّ النّفقة تقابل الاحتباس وإنّما قلنا أنها تسقط لأنّ المولى أزال ما به كان تجب نفقتها عليه فكانت كالحرّ الناشزة. فإن قيل: إنّما زال ذلك لحق له فإن حق المولى باق في استخدامها بعد التزوّج فينبغي أن لا تسقط النفقة كالحرّة إذا حبست نفسها لاستيفاء الصداق. قلنا: الحرة إذا حبست نفسها لاستيفاء صداقها فالتّفويت إنّما جاء من قبل الزوج حين امتنع من إيفاء ما التزم وههنا التفويت ليس من جهة الزوج بل من جهة من له الحق وهو المولى لشغله إياها بخدمة نفسه فلهذا لم يكن لها النفقة كما في المحبوسة بالدّين فإنّه لا نفقة لها فكذلك ههنا ولو استخدمها الولى ثم أعادها إلى بيت الزّوج فلها النفقة كالحرة إذا هربت من زوجها ثم عادت إلى بيته وكالمحبوسة بالدّين إذا قضت الدّين وعادت إلى بيت زوجها فلها النّفقة. وكذلك لو خرجت حاجة تسقط نفقتها فإذا عادت إلى بيت زوجها تكون لها النّفقة فإن جاءت الأمة بولد من الزّوج فلا نفقة عليه للولد لأنّ ولد الأب مملوك لمولاها فنفقته تكون على مالكه وإن كانت مكاتبة وقد بوأها معه أو لم يبوّئها فلها النفقة لأنّها في يد نفسها كالحرّة وليس لمولاها أن يستخدمها فصارت كالحرّة في استحقاق النّفقة على الزّوج إذا لم تكن ظالمة في حبس نفسها منه كذا ذكره الإمام المحبوبي-﵀.

стр. 1672

وعند الشّافعي ﵀ (١) لا اختيار للعبد؛ لأن مايتناوله النكاح من العبد غير مملوك للمولى عليه فتصرفه فيما لا يملكه من عبده كتصرف الأجنبي. ألا ترى أنّه لا يملك عليه الإقرار بالقصاص كالأجنبي ولا يملك أن يطلق امرأة العبد لأنّها غير مملوكة للمولى يوضحه أن تزويجه بغير رضاه لا يفيد مقصود النكاح لأنّ الطّلاق بيد العبد فيطلقا من ساعته. لكنا نستدل بقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (٢) وإباء عقد المولى شيء فلا يقدر العبد عليه ولأنّه مملوك على الإطلاق فيملك إنكاحه بغير رضاه كالأمة وهذا لأنّ في الأمة إنّما ينفذ عقد المولى [عليها] (٣) بملكه رقبتها لا بملكه ما يملك بالنكاح فإن ولاية التّزويج لا يستدعي ملك ما يملك بالنكاح طردًا وعكساً وجودًا وعدمًا. ألا ترى أنّ الولي تزوج الصّغيرة ولا يملك عليها ما يملك [العبد] (٤) بالنكاح والزوج لا يزوّج امرأته وهو مالك عليها ما يملك بالنكاح وهذا موجود في جانب العبد بل أولى لأن في تزويج الأمة ينظر لنفسه وفي تزويج العبد ينظر للعبد وما قال أنه غير مملوك للمولى عليه فاسد لأنّ العبد لا يستبد بالنكاح بالاتفاق وما لا يملكه المولى من عبده فالعبد فيه يبقى على أصل الحرية فيستبد به وإن كان فيه ضرر المولى كالإقرار [بالقصاص وإيقاع الطّلاق على زوجته وقوله إنه يطلقها من ساعته فكان النكاح غير مفيد قلنا موجب النكاح الحلّ، وكذلك يحصل بالنكاح إلى أن يرتفع بالطّلاق، والظّاهر أن صحة المولى تمنعه من الطّلاق. كذا في الْمَبْسُوطِ (٥)، وأمّا عدم ملكية طلاق امرأة عنده لما أنّ إزالة الحل لمن وقع له الحلّ فالحلّ واقع للعبد وكان الدفع له أيضاً لأنّهما التحق بالإحراز تصرفاً فيشترط رضاهما وعن هذا استخرجت المسألة اللطيفة وهي أنّ المولى إذا زوج مكاتبته الصّغيرة توقف النكاح على إجازتها لأنّها ملحقة بالبالغة فيما يبتنى على الكتابة ثم أنّها لو لم ترد حتّى أدت فعتقت بقي النكاح موقوفاً على إجازة المولى لا على إجازتها لأنّها بعد العتق لم يبق مكاتبة وهي صغيرة والصّغيرة ليست من أهل الإجازة وهذه من ألطف المسائل وأعجبها حيث اعتبر إجازة المكاتبة في حال رقبتها ولم يعتبر في حالة العتق لما ذكرنا من الفرق كذا ذكرها في الخلاصة محالة إلى المحيط لأن المقتول ميّت بأجله فصار كما إذا قتلها أجنبي أو قتلت الأمة نفسها أو قتلت الحرّة نفسها أو قتل المولى زوجها والدّليل على أنّ القتل موت ما لو خرجها المولى ثم أعتقها فاكتسبت مالاً ثم مات من تلك الجراحة فإن الزّوج يرثها ولو مات الزّوج قبلها ورثته أيضاً والتّوريث إنّما يكون عند انتهاء النكاح بالموت فتبين به أن النكاح بذلك لم ينفسخ وسقوط المهر من حكم انفساخ النكاح وله أنّه منع المبدل قبل التّسليم فيجازى بمنع البدل كما إذا ارتدت الحرة قبل الدخول أو قبلت ابن زوجها فإن قبل الصغيرة المنكوحة إذا ارتضعت من أم زوجها أو المجنونة إذا قبلت ابن زوجها بشهوة قبل الدخول حق ثانياً منه لا يسقط المهر وإن منعنا المبدل قبل التّسليم.

стр. 1673

قلنا: أن منع البدل من مانع المعقود عليه وجب بطريق المجاراة لا بطريق الجبر لأن ملك النكاح لا يضمن بالإتلاف فيكون منع البدل أيضاً بطريق المجاراة تحقيق للمساواة الواجبة فعقد المعاوضة وهما ليستا من أهل [المجازاة] بخلاف المولى من أهل المجازاة. ألا ترى أنّه يجب عليه الكفارة حتّى لو كان المولى صبياً يجب أن لا يسقط المهر عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. فإن قيل: أليس أنّ الصّغيرة العاقلة إذا ارتدت تجازى بسقوط المهر إن كان قبل الدخول بها فعند جعلت الصّغيرة من أهل المجاراة. قلنا: إنها لا تجازى على أفعال لا تكون محظورة في حقّها والردة محظورة من الصبية العاقلة بدليل أنّها تحرم عن الميراث بسبب الردة وتسميات بالحبس ولأن القتل يحل في بعض المواضع والردّة لا تحلّ في موضع ما فلا يلزم من خطر الردة خطر القتل في حقها والقتل في حق أحكام الدنيا جعل إتلافاً هذا جواب عن قولهما بأن المقتول ميّت بأجله حتى وجب القصاص والدية والكفارة وحرمان الإرث فكذلك في حقّ المهر اعتبر فعله فجعل بيعًا للمبدل وإن كان المقتول ميتًا بأجله. ألا ترى أن من ذبح شاة إنسان بغير أمره يكون ضامنًا له وباعتبار الموت هو محسن إلى صاحب الشاة فيما ضيغه لأنّه غير متلف عليه شيئاً حيث حلّ أكلها وعلى تقدير الموت لا يحلّ يوضحه أن المولى لو عيّب أمته لم يكن له أن يطالب الزّوج بصداقها مع ولايته فيه شرعياً فإذا أتلفها أولى أن لا يكون له أن يطالب بصداقها أمّا قوله كما إذا قتلها أجنبي قلنا هناك لم يوجد منع المبدل ممن له البدل بخلاف ما نحن فيه. وكذلك إن قتلت هي نفسها لأن ذلك هدر في حق أحكام الدنيا فاعتبر موتًا. وأما مسألة صرّح المولى قلنا إنما اعتبرناه موتًا في حق الزّوج لأن الزوج ليس بقاتل والقتل في حق غير القاتل موت هذا كله من الْمَبْسُوطِ (١) والفوائد الظهيريّة وجامع الإمام التمرتاشي. فإن قلت: ما فائدة تخصيص الحرة في قوله كما إذا ارتدت الحرة وفي تحقيق الارتداد لا تتفاوت الحرة والأمة. قلت: يتفاوتان في حكم الارتداد وإن لم يتفاوتا في تحققه فإنّ الحرّة إذا ارتدت قبل الدّخول بها يسقط المهر رواية واحدة من غير تردد فيه كما ذكر وأمّا إذا ارتدّت الأمة أو قبلت ابن زوجها فقد ذكر في الفوائد فلا رواية عن أصحابنا أن المهر يسقط أم لا من المشايخ من قال: لا يسقط لأنّ المنع ما جاء من قبل من له الحق وهو المولى حتى يجازى بمنع البدل ومنهم من يقول يسقط لأنّ المهر يجب لها ثمّ ينتقل إلى مولاها أو أفرغ عن حاجتها حتّى لو كان عليها دين يصرف المهر إلى دينها كذا ذكره شيخ الإسلام خلافاً لزفر ﵀ وذكر في الْمَبْسُوطِ (٢).

стр. 1674

خلاف الشّافعي (١) مقام خلاف زفر والجامع ما بيّناه وهو قوله أنّه منع المبدل قبل التّسليم. قوله ﵀: حَتَّى تَجِبَ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ (٢)؛ أي فيما إذا كان قبل المولى خطأ وكذلك يجب الضّمان على المولى إن كان عليها دين توضيحه أن بعد قبلها نفسها المهر لورثتها لأنّها ولم يوجد من جهة الورثة ما يكون تفويتًا للمعقود عليه وقد بيّنا أنّ القتل موت في حق غير القاتل ولأن قتل الحرّة نفسها لو اعتبر تفويتًا إنّما يعتبر بعد الموت وبالموت انتقل المهر إلى الورثة فلا يسقط بتفويتها. أمّا في الأمّة مهرها ملك المولى فكان فعله بإبطال المبدل إبطالاً لحق نفسه وهو يملك إبطال حق نفسه هذا كمن قال لغيره اقتل عبدي فقتله لا تجب القيمة على القاتل. والحرّ إذا قال لرجل اقتلني كان عليه ديته ولا يصح إذنه في إبطال حق الورثة كذلك ههنا. فإن قيل: هذا يشكل بالحرّة إذا قتلها وارثها فإنّه لا يسقط المهر أيضاً. قلنا: إنما لا يسقط المهر لأنّ الوارث صار محرومًا عن الميراث فلم يصر مبطلاً حق نفسه في المهر فلذلك لم يبطل المهر بإبطال حقّه في المهر كذا في الْمَبْسُوطِ (٣)، والْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٤) لِقَاضِي خَانْ وإذا تزوّج أمة فالإذن في العزل إلى المولى هذه المسألة يدلّ على جواز العزل خلافاً لما قاله بعض النّاس. أمّا الجواز فلقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٥). قال بعض المفسّرين إن شئتم عزل أو إن شئتم غير عزل. وذلك أنّ اليهود كانوا يكرهون العزل ويقولون هو الودّة الصّغرى فنزلت هذه الآية بالإباحة وعن ابن مسعود وابن عباس ﵄ أنّه سئل عن العزل فقال لا بأس به ولو أنّ الله تعالى أخذ ميثاق نسمة فلو القيتها في صخرة تخلق فيها (٦). وروى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﵇ مثله ثمّ أجمعوا على أنّها لو كانت حرّة فالإذن في ذلك إليها ولو كانت مملوكة غير منكوحة لا إذن فيه إلى أحد وفي المنكوحة لو كانت أمة اختلفوا في تعيين الإذن كما ذكر في الكتاب وفي كراهية الفتاوى إن خاف من الولد السّوء يسعه أن يعزل عنها وإن كانت حرّة لسوء الزّمان.

стр. 1675

وكذا لو عالجت في إسقاط الولد لا يأثم ما لم يستبين شيء من خلقه فإن ذلك لا يكون ولدًا وخلقه إنّما يستبين في مائة وعشرين يومًا ثم إذا عزل بالإذن أو بغير الإذن فظهر بها حبل بعد ذلك هل تحلّ له ففي هذا الحبل قالوا هو على وجهين. أمّا إن عاد إلى مباشرتها بعد العزل. أو لم يعد فإن لم يعد حلّ له ذلك وإن عاد فهو على وجهين: إن بال قبل العود حلّ له النّفي وإن لم يبل لا يحلّ لأنّ بقيّة المني يصل إلى رحمها فتعلق بذلك ولا يسعه نفيه هكذا روي عن علي ابن أبي طالب ﵁ (١). قال أبو حنيفة ﵀ إن اغتسل الرّجل بعدما جامع امرأته قبل أن يبول ثمّ بال فخرج بقيّة المني أنّه يجب الغسل ثانياً ثم لم يذكر في الكتاب ان زوج الامه لو كان عنينا فحق الخصومه لمن يكون قالو فهو على هذا الاختلاف المذكور في العزل ولو قال لها بعد العده كنت راجعتك في العدّة فصدقه المولى وكذبته الأمة أو على العكس بأن كان صدقه الزّوج. وكذبها المولى فالمعتبر قولها وقال القول قول المولى مع الزّوج لأنّ نصفها مملوك المولى فهو بتصديق الزّوج في الرّجعة أقر بالملك له فيما هو خالص حقّه فيصحّ إقراره وكما لو أقرّ عليها بالنكاح وأبو حنيفة ﵀ يقول حكم الرجعة يبنى على العدة والمعتبر في بقاء العدّة وانقضائها قولها لا قول مولاها فكذلك فيما يبنى عليه وهو الرّجعة كذا ذكره الإمام المحبوبي والإمام التمرتاشي -رحمهما الله- وإذا تزوّجت بإذن مولاها ثم أعتقت فلها الخيار وكذلك إذا زوجها مولاها فلها الخيار إن شاءت أقامت معه وإن شاءت فارقته لما روت أنّ عائشة ﵂ لما أعتقت بربوة قال لها رسول الله ﵇: «ملكت بضعك فاختاري» وكان زوجها مغيث يمشي خلفها ويبكي وهي تأباه فقال رسول الله ﵇ لأصحابه: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ شِدَّةِ حُبِّهِ لَهَا، وَبُغْضِهَا لَهُ» ثم قال لها: «اتَّقِي اللَّهَ فَإِنَّهُ زَوْجُك وَأَبُ وَلَدِك» فقال أتأمر لي يا رسول الله فقال: «لَا إنَّمَا أَنَا شَافِعٌ» فقالت: إذاً لا حاجة بي إليه فاختارت نفسها» (٢). والشّافعي (٣) يخالفنا فيما إذا كان زوجها حراً واستدلّ الشّافعي بما روي أنّه كان لعائشة ﵂ زوجان فأرادت عتقهما وسألت رسول الله عن ذلك فأمرها بالبداية بالغلام قال وإنّما أمرها بذلك كيلا يثبت لها الخيار ولكنّا نقول أمرها بذلك لإظهار فضيلة الرجال على النّساء فإنّها لو أعتقها معًا عنده لا يثبت الخيار أيضاً ومن طريق المعنى نقول الشّافع لما اعترض تحقّق المساواة بينهما فلا معنى لإثبات الخيار كالكتابة يجب مسلم إذا أسلمت أو المعسرة إذا سرت والزوح موسر بخلاف ما إذا كان الزّوج عبدًا فإن باعتراض وريثها هناك تنعدم الكفاءة ويظهر التفاوت ولكنّا نقول ثبوت الخيار لها ليس لانعدام الكفاءة فإنّ الكفاءة شرط لابتداء النكاح لا في البقاء.

стр. 1676

ألا ترى أنّه وإن أعسر الزّوج حتّى لم يبق كفوًا لها أو أصابت جاهاً وشرفاً لم يكن لها خيار. ولكن ثبوت الخيار لزيادة ملك الزّوج عليها. وفي هذا لا فرق عندنا بين أن يكون حراً أو عبدًا والرواة اختلفوا في زوج بريرة روي أنّه كان عبدًا وروي أنّه كان حرًّا وأصحابنا قالوا ما روي أنّه كان عبدًا أي عند أصل العقد ولكنّه كان حرًّا عند عتقها ولما تعارضت الرّوايات في صفة زوجها يجعل كأنّه لم ينقل في ذلك شيء وبيع الاعتماد على قول رسول الله ﵇: «مَلَكْتِ بُضْعَكِ فَاخْتَارِي» (١)، وفي هذا التعليل لا فرق بين أن يكون الزوج حراً أو عبدًا كذا في الْمَبْسُوطِ (٢)، ولأنّه يزداد الملك عليها عند العتق لأنّها كانت تتخلّص من زوجها قبل العتق بطلاقين فبعد الإعتاق لا يتخلّص منه إلا بثلاث تطليقات فزاد ملك الزّوج عليها بسبب الإعتاق بتطليقة ثم هي لا تملك دفع تلك الزّيادة إلا بدفع أصل النكاح فخيرها الشّرع لذلك في رفع أصل النكاح أو ابقائه على ما كان وتلك الزيادة نصف الملك عليها فلها أن ترد ولا يمكن ذلك إلا بردّ الأصل فملكت إذ الأصل كعبد بين الاثنين كائنة. أحدهما فللآخر أن يرد الكل لأنّ له أن يرد نصيبه ولا يمكنه إلا يرد الكلّ ولهذا لو اختارت نفسها كان فسخًا لاطلاق كخيار البلوغ لأنّ سبب هذا الخيار معنى في جانبها وهو ملكها أمر نفسها وكل فرقة كانت بسبب من جهة المرأة لا يكون طلاقاً. فإن قلت: هذا التعليل الذي ذكر في الكتاب هو أن ثبوت الخيار لها بسبب ازدياد الملك عليها عند العتق إلى آخره غير لازم على الشّافعي أصلاً وجودًا وعدماً أعني وجود كون زوجها حراً أو عدمه أمّا وجودًا فإنّه لا يرى الخيار لها عند الإعتاق إذا كان زوجها حرًا والكلام فيها ولا يرى ازدياد الملك عليها. وأمّا عدماً فإنّه لا يزداد الملك عليها أيضاً إذا كان زوجها عبدًا وإن أعتقت لما قلنا أنّه يرى عدد الطّلاق معتبراً بحال الرجال على ما يجيء في كتاب الطّلاق إن شاء الله فالزّوج لما كان عبدًا لا يزداد طلاق امرأته عن ثنتين وإن كانت امرأته حرّة فكيف ما دارت القصّة لا يراد إلزام هذه النكتة عليه فما وجه إلزامه لهذه النكتة؟ قلت: هذا تعليل مسألة مبنية على مسألة أخرى بيننا وبين الشّافعي أعني أنّ مسألة خيار العتاقة فيما إذا كان زوجها حرًا مبنية على مسألة أخرى وهي أنّ اعتبار عود الطّلاق معتبر عندنا بحال المرأة وعنده معتبر بحال الرجال حتّى أن العبد إذا كان تحت حرة ملك الطّلقات الثلاث عندنا وعنده التطليقتين فلمّا كان كذلك جعل المصنف ﵀ تلك المسألة التي عليها وهو اعتبار عدد الطّلاق بحال المرأة بمنزلة المتّفق عليها لقيام الدّليل على ذلك لأنّ] (٣) الثّابت بالدّليل الظاهر كانت ثابت إجماعاً لقوّة الدّليل فعلى ذلك التّقدير يلزم ازدياد الملك عليها عند عتقها لا محالة وبهذا الذي قلته من دعوى البنا صرّح صاحب الأسرار والإيضاح فقال: في الأسرار بعد ذكر حديث بريرة ﵁: وأمّا المعنى فبناء على مسألة أخرى وهي أن ملك النكاح على الحرة عندنا على الضّعف من ملك الأمة فبالعتق يزداد عليها نصف الملك.

стр. 1677

فإن قيل: هذا البناء لا يستقيم بل الخيار لها باعتبار أن المولى كان وليها وعند التّزويج وهو غير الأب والجدّ فإذا ملكت نفسها بالإعتاق اختارت نفسها كما إذا زوج الصّغيرة أخوها أو عمّها ثمّ بلغت فلها خيار البلوغ. قلنا: المولى تصرف فيها بحكم أنّه مالك لا أنّه ولي عليها على سبيل النّيابة عنها. ألا ترى أنّ المهر له لا لها والتصرف بمعنى الملك يقع لازمًا كذا ذكر السؤال. والجواب في الأسرار وقال زفر-﵀ لا خيار لها لأن ثبوت الخيار في الأمة؛ ليعود العقد بغير رضاها؛ وسلامة المهر لمولاها، وهذا غير موجود ههنا فإنّ المهر لها، والنكاح ما نفذ إلا برضاها، فكان ابن أبي ليلى يقول: إن أعانها على أداء بدل الكتابة لا خيار لها وإن [لم] (١) يعنها فلها الخيار، ولكن الصّحيح الموافق لتعليل صاحب الشّرع ما بينا، ولو كانت حرّة في أصل العقد ثمّ صارت أمة ثم عتقت بأن ارتد رجل وامرأة ولحقا بدار الحرب معًا ثم سبيا معًا فأعتقت الأمة فلها الخيار عند أبي يوسف-﵀، ولا خيار لها عند مُحَمَّد ﵀؛ لأنّ بأصل العقد ثبت عليها ملك كامل برضاها ثم انتقض الملك بعارض الرق فإذا اعتقت عاد الملك الى اصله كما كان فلا يثبت الخيار لها وأَبُو يُوسُف-﵀ يقول: بالعتق ملكت أمر نفسها، وازداد ملك الزّوج عليها، وذلك يثبت الخيار لها شرعًا، ولما صارت أمة حقيقة التحقت بالتي كانت أمة في الأصل في حكم النكاح، فيثبت لها الخيار بالعتق. كذا في الْمَبْسُوطِ (٢)، وإن تزوّجت أمة بغير إذن مولاها ثمّ أعتقت صحّ النكاح. والحكم في العبد كذلك فإنّ العبد إذا تزوّج حره بغير إذن مولاه ثمّ أعتقه المولى جاز النكاح وكذلك لو باعه فأجاز المشتري كذا في (الْمَبْسُوطِ) (٣)، وعلّل بهذه العلّة التي علّل بها في الأمة فبعد ذلك كان تخصيص الأمة في الكتاب جاز أن يكون لبناء المسألة التي تليها عليها وهي المسألة المتعلّقة بالمهر وهي إنّما تتأتى في حق الأمة لا غير وذكر في الفوائد الظهيريّة إنما خصّها بالأمة لتفريع مسألة الخيار والخيار يختصّ بالإماء دون العبيد. ولكن ههنا ذكر مسألة الخيار قبل هذا وكان تخصيصها بالأمة لما قلت والله أعلم. قوله: ﵀ ثُمَّ أُعْتِقَتْ: صَحَّ النِّكَاحُ (٤)؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْعِبَارَةِ (٥).

стр. 1678

فإن قلت: يشكل هذا بالشّرى فإنّها إذا اشترت ثمّ أعتقها المولى فإنّ الشّرى يبطل. قلت: إنّما كان كذلك لأن الشّرى إنعقد موجباً للملك حين اشترت فلو نفذ بعد عتقها كان موجباً للملك لها فيتغير حكم من له الحق وأمّا ههنا فانعقد موجباً الحلّ لها ابتداء وانتهاء. قوله: ﵀ وَامْتِنَاعُ النُّفُوذِ لِحَقِّ الْمَوْلَى وَقَدْ زَالَ (١). فإن قيل: يرد على هذا الأصل من النقوص منها أن العبد إذا تزوّج بغير إذن مولاه ثم أذن له المولى في النكاح لا يجوز النكاح المباشر بدون الإجازة. ومنها: أنّ الفضولي إذا زوّج رجلاً امرأة [ثم وكله الزّوج] (٢) بالنكاح لا يجوز النكاح [المباشر] (٣) بدون الإجازة. ومنها: أنّ الصّغيرة إذا كان لها وليّان أحدهما أقرب والآخر أبعد [فزوجها الأبعد] (٤) حال قيام الأقرب فإن مات أو غاب غيبة منقطعة حتى تحولت الولاية إلى الأبعد لا يجوز إلا بإجازة مستأنفة. ومنها: أنّ المولى إذا زوج مكاتبة الصّغيرة من إنسان توقف النكاح على إجازتها فإن أدت فعتقت لا يجوز ذلك النكاح إلا بإجازة مستقبلة. قلنا أمّا الجواب عن الأوّل فإن الإذن فكّ الحجر عن التصرف، ولو جاز النكاح المباشر قبل الإذن لا يقع الإذن فكاً فيمتنع الجواز، وقضيته هذا أن لا يجوز بإجازة مستقبلة قياساً إلا أنّا اسْتَحْسَنَّا، وقلنا بالجواز عند الإجازة لقيام الإجازة مقام النّكاح كما في نكاح الفضولي، وهكذا نقول في التوكيل. وأمّا الجواب عن الثّالث فإن الأبعد حين باشره لم يكن ولياً ومن لم يكن وليًا في شيء لا يتأنّى في عواقبه بل يتوانى في ذلك اتكالاً على رأي الأقرب فلم يكن النكاح على الوجه الأصلح فيجب توقيفه على إجازته بعد صيرورته ولياً تمكيناً له من اكتساب أصلح النكاحين وبهذا الحرف يقع الانفصال عن النقص الرّابع كذا في الفوائد الظهيريّة (٥)، ولا خيار لها لأنّ النفوذ بعد العتق وخيار العتق إنّما شرع في نكاح نافذ قبل العتق لدفع زيادة ملك ثبت بعد العتق والنكاح هنا نفذ بعد العتق. قوله: ﵀ فَإِن كَانَت تزوجت بِغَيْر إِذْنه على ألف وَمهر مثلهَا مائَة فَدخل بهَا زَوجهَا (٦) إلى آخره فالمسمّى بمنزلة الثمن ومهر المثل بمنزلة القيمة ثم إنّما قيّد في صورة المسألة بأنّ المسمّى ألف ومهر المثل مائة ليعلم أن المسمّى وإن زاد على مهر المثل فهو للمولى إذا كان الدّخول قبل العتق وكان ينبغي أن يكون ما توازى مهر المثل للمولى وما زاد فللمرأة لما أن مهر المثل قيمة البضع من كل وجه دون الزائد عليه والبضع ملك الولى فكان قيمته له لا الزّايد على قيمة ملكه وجوابه ما ذكر في الكتاب لأنّ نفاذ العقد بالعتق استند إلى وقت وجود العقد.

стр. 1679

فإن قيل: كيف يستند الجواز إلى العقد والمانع من الاستناد قائم لأنّ الملك مانع من الجواز وبالعتق يزول الملك مقصوراً عليه فيمتنع الاستناد باعتبار هذا المانع والدّليل على صحّة هذا ما إذا حرمت هذه الأمة حرمة غليظة على زوج كان لها قبل ذلك والمسألة بحالها لا تحلّ على زوجها الأوّل باعتبار أنّ العقد غير معتبر في حق هذا الدّخول الذي كان قبل العتق. قلنا: ما ذكرته قياس فإنّ القياس هو أن يلزمه مهران مهر بدخول قبل نفاذ النكاح وذلك مهر المثل ومهر بالنكاح وهو المسمّى. وفي الاستحسان يلزمه مهر واحد وهو المسمّى وقت العقد لأنّه لو وجب مهر بالدّخول لوجب بحكم العقد إذ لولاه لوجب الحد وكان المهر واجباً فالدّخول مضاف إلى العقد فإيجاب مهر آخر بالعقد جمع بين المهرين بعقد واحد وذلك ممتنع يوضحه أنّ العبد إذا تزوّج امرأة بغير إذن المولى ودخل بها يجب المهر ويؤخذ به بعد العتق. ولو كان المهر واجباً بالدّخول لا غير وجب أن يؤخذ به في الحال لأنّ العبد المحجور مؤاخذ بضمان الفعل في الحال دون ضمان القول وإذا كان كذلك فقد أمكن القول بالاستناد ولأنّ المقتضى لجواز النكاح موجود وهو صدور الركن من أهله مضافاً إلى محلّه وامتناع الجواز للحاجة إلى التصوّف عن الإضرار بالمولى [فمتى أعتقه المولى فقد خلا هذا النكاح عن الإضرار بالمولى] (١) من وقت وجوده فيثبت الجواز من وقت وجوده عملاً بالمقتضي. ونظير هذا ما قالوا في الإجارات العبد المحجور عليه إذا آجر نفسه في عمل من الأعمال يوقف جوازه إلى إجازة المولى ثمّ لما سلم من العمل [لا] (٢) يجوز العقد ويجب المسمّى فكذا هنا وامتناع حلّها على زوجها الأوّل إنّما كان لأن الاستناد يظهر في القايم لا في المتلاشي والمستوفي بالوطئ متلاش. ولهذا قلنا أنّ الواهب إذا وهب جارية ووطئها الموهوب له مراراً. ثم ارتجعها الواهب لا يجب العُقْر (٣) على الموهوب له وإن كان الرّجوع في الهبة فسخاً لها من الأصل لما عرف في زكاة الجامع (٤).

стр. 1680

فإن قيل: دعوى الاستناد تنتقص بالمسألة الثّانية وهي قوله وإن لم يدخل بها حتّى أعتقها فالمهر لها ولو أسند الجواز إلى أصل العقد يجب أن يكون المهر للمولى كما لو تزوجت بإذن المولى ولم يدخل بها الزّوج حتّى أعتقها. قلنا: إن حكم الاستناد يظهر فيما لا يختلف مستحقّة لا فيما يختلف وههنا يختلف لأن المستحق زمان الثبوت هو الأمة وزمان العقد هو المولى ولما كان المستحق زمان الثبوت هو الأمة امتنع استناد هذا الاستحقاق إلى زمان العقد لأنه لو استند هذا الاستحقاق إلى زمان العقد يبطل هذا الاستحقاق زمان الثبوت فيبطل الاستناد من حيث يثبت كذا في الفوائد الظهيريّة. وذكر في مبسوط (١) فخر الإسلام ﵀ هذا السؤال فقال فإن قالوا حكم النفاذ لا يظهر في المستوفى لأنّه معدوم والاستناد إنما يظهر في الموجود لا في المعدوم. قلنا: بل يظهر هنا؛ لأنّ المستوفى له حكم الأعيان عندنا أو يقال أظهرنا حكم الإذن في البضع وهو موجود وما ورد الاستيفاء إلا في بضع واحد فيجب عليه بدل واحد. فإن قلت: يشكل على ما ذكر في جواب الاستحسان مسألة من قال لأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق فتزوّجها ودخل بها طلقت وعليه نصف المسمّى بالطّلاق قبل الدّخول بحكم العقد ومهر بالدّخول بعد الطّلاق بالحنث. قلت: كمال المهر هناك إنّما وجب بسبب سقوط الحدّ باعتبار الشّبهة ونصف المهر بسبب العقد بالحنث في يمينه فلمّا اختلف السببان قلنا يجب مهر ونصف مهر يحتال كل واحد من السببين. بخلاف ما [يجب] (٢) فيه فإنّه لو وجب المهران هنا لكان الوجوب مستندًا إلى عقد النكاح وإلا وجب الحدّ والعقد الواحد لا يوجب مهرين إلى هذا أشار الإمام المحبوبي-﵀ ووجهه أن له يملك مال أبنه للحاجة إلى البقاء لأنّ الشّرع أضاف مال الولد إلى الأب بقوله ﵇: «أَنْتَ، وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (٣) كبيراً كان الابن أو صغيراً أو جارية ابنه من ماله وكان للأب أن يستولدها ويثبت نسب هذا الولد إذا ادّعاه الأب صدّقه الابن في ذلك أم كذبه لأنّ في إثبات نسب الولد منه إبقاه معنى والشّرع أثبت له ولاية الانفاق على نفسه من مال ولده بغير شيء لحاجته إلى إبقاء نفسه حاجته أصلية فلا يوجب عليه العوض وحاجته إلى إبقاء نسله دون ذلك فيكون معتبراً به في أصل التملك فلذلك كان متملكًا الجارية مقابلاً بالقيمة سابقاً على الاستيلاد وباعتبار صلاحية التملّك.

стр. 1681

قلنا: لو وطئ جارية ابنه وقال علمت أنها علي حرام لا يحد. بخلاف الابن أو نقول أن حاجته إلى تملك الجارية ليست بكاملة لأنّها غير ضرورية. ألا ترى أن الابن لا يجبر على أن يعطي أباه جارية ليستولد ولا يحلّ للأب أن يطأها راغباً في استيلادها فلقيام الحاجة أثبتنا له التملك ولعدم الضّرورة أوجبنا القيمة صيانة لمال الولد. ثم هذا الملك يثبت قبيل الاستيلاد شرطًا له أي شرطًا للاستيلاد بيان هذا هو أنا أجمعنا من غير خلاف بيننا وبين زفر والشّافعي-رحمهما الله- (١) أن استيلاد الأب جارية [الابن] (٢) صحيح حتّى يثبت النّسب إذا ادّعاه بالإجماع وتصير الجارية أم ولد له والاستيلاد لا يصحّ إلا في الملك كما في جاريته ألقنّه أو في حق الملك كما في مكاتبته والجارية المشتركة بينه وبين أخر وذلك لأنّ النّسب لا يثبت إلا بالفراش لقوله ﵇: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» (٣) أي لصاحب الفراش [والمرء إنّما يصير صاحب الفراش] (٤) بملك اليمين أو بملك النكاح وليس ههنا ملك النكاح والكلام فيه مكان الثّابت ملك اليمين وليس للأب ملك في مال ولده قبل الوطئ فيثبت الملك مقتضى الاستيلاد سابقاً عليه شرطًا لصحّته وهذا لأنّا أجمعنا على ثبوت الملك للأب في جارية الابن فبعد ذلك وقع الاختلاف بيننا وبين الشّافعي (٥) في تاريخ الملك فعنده يثبت الملك بصفة التأخر وعندنا يثبت بصفه التقدّم [والقول بالتقدّم] (٦) أولى صيانة لفعله عن الحرمة وصيانة للولد عن الرّق فلما لاقى وطئه ملكه بهذا الطّريق لم يجب العقر. فإن قيل: فمن العجب أنّ الجارية إذا كانت مشتركة بين الأب والابن وولدت فأدعاه الأب يثبت النّسب فيجب العقر إجماعاً مع نوع ملك له ولا يجب فيما نحن فيه مع أنّه لا ملك للأب فيها أصلاً ووجوب العقر في تلك المسألة يدل على أن الملك لم يثبت سابق على الوطئ كما قال زفر والشّافعي-رحمهما الله- فلما لم يثبت الملك هناك لم يثبت هنا بالطّريق الأولى وكذلك أنّ الأب إذا وطئها وطئاً غير معلّق يجب العقر وكذلك إذا وطئ جارية ابنه ثم قذفه إنسان لا يحدّ ولو كان الملك نائباً بوصف التقدم لما وجب العقر في المسألتين ولوجب الحدّ في المسألة الثالثة.

стр. 1682

قلنا: أمّا الفرق بين هذه المسألة وبين المسألة الأولى فهو أن الحاجة إلى إثبات الملك بوصف التقدم ههنا أمسّ لأن الملك لو لم يثبت بهذا الوصف لكان الوطئ مصادفاً للمحل الخالي عن أحد الملكين وفيما إذا كانت مشتركة بينهما لم يصادف الوطئ المحلّ الخالي عن أحد الملكين لاشتماله على أحد الملكين وأمّا المسألة الثّانية فلا ترد نقضاً لأن الملك غير ثابت فيها لا بوصف التقدّم ولا بوصف التأخّر فلا يستويان في الحاجة إلى إثبات الملك لما أنّ إثبات الملك بصفة التقدم كان لصيانة فعله عن الحرمة وصيانة الولد عن الرّق وهذا المجموع لا يتأتى ههنا. [وأمّا المسألة الثّالثة فلأن الملك بوصف التقدم كان زايد لصيانة فعل عن الحرمة وصيانة الولد عن الرّق وهذا المجموع لا يتأتى ههنا] (١). وأمّا المسألة الثّالثة فلأن الملك بوصف التقدم مجتهد فيه فيكون الوطئ حراماً عند البعض فيتمكن فيه شبهة وبالشّبهة تدرء الحدود إلى هذا أشار في الفوائد والجامع المحبوبي-﵀. قوله: ﵀ ثُمَّ هَذَا الْمِلْكُ يَثْبُتُ قُبَيْلَ الِاسْتِيلَاءِ شَرْطًا لَهُ (٢) أي لتصحيح الاستيلاد. فإن قلت: ليس له نظير في الشّرع لما أن الملك للأب يثبت بسبب العلوق لما مرّ أنّ الملك لا يثبت في الوطئ الذي لا علوق فيه فكان الملك حكمًا للعلوق لا محالة وحكم الشّيء إن لم يتعقبه على ما هو الأصحّ من المذهب فلا يسبقه فكيف سبق ههنا والقول بتقدم الحكم قول بما لا نظير له في الشّرع. قلت: بل له نظير لكن لا على تقدم الحكم على السّبب وهو جميع مسائل المقتضى كما في قوله اعتق عبدك عني بألف درهم على ما يجيء فيثبت التّمليك سابق على الإعتاق لأنّ التّمليك شرط لصحّة الإعتاق عن الآمر والكلام في الحقيقة بيننا وبين الخصم راجع إلى أن ثبوت الملك للأب شرط للاستيلاد أو حكم له. قلنا: أنّه شرط استدلالاً بدلالة الإجماع فإنّ الإجماع ينعقد بيننا وبين الخصوم أن استيلاد الأب صحيح في جارية الولد ومن شرط صحّة الاستيلاد وقوع الوطئ في الملك حتّى إذا خلا عن الملك أصلاً لا يثبت الاستيلاد كما في جارية الأجنبي فلما ثبت كونه شرطًا ثبت متقدمًا لأنّ الشروط أبدًا تتقدم على الحكم وكان هذا نظير ما قلنا في السّرقة في انتقال العصمة فإنا نقول انتقلت العصمة من العبد إلى الله تعالى قبيل السرقة استدلالاً بقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ (٣) ليكون جزاء الله بالقطع على مقابلة جناية وقعت في عصمة الله تعالى على الخلوص لما عرف. وأمّا قوله إن الملك لا يثبت في الوطئ الذي لا علوق فيه فلما قلنا أن إثبات الملك للأب لضرورته ثبوت نسبه لبقاء نسله وفيما لا علوق فيه لا ضرورة فلا يثبت الملك شرطًا ولا حكمًا لأنّ الثّابت بالضّرورة يتقدّر بقدر الضّرورة.

стр. 1683

قوله: ﵀ حَتَّى يَجُوزَ لَهُ التَّزَوُّجُ بِهَا (١) أي يجوز للأب التزوّج بجارية الابن هذا نتيجة عدم حقيقة الملك [وعدم حق الملك] (٢) إذ لو كان واحد منهما لا يجوز التزوّج كما في مملوكته ومكاتبته على ما قلنا وهذا الحكم أعني جواز التزوّج للأب مذهبنا فصار كأنّه قال أنّ للأب حق التمليك لقوله ﵇: «أَنْتَ، وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (٣) لا حق الملك ولا حقيقته عندنا والدّليل على أنّ المذهب هذا عندنا جواز حلّ التزوّج. ولكن لم يذكر دليل عدم حقيقة الملك وحقه لظهوره إذ الفائز بالحكم هو الفائز بالسّبب والفائز بالسّبب هو الابن لا الاب. فكذلك كان هو فائزًا بالحكم حتّى حلّ للابن وطئها ثم ذكر الإمام المحبوبي ﵀ حرمة الوطئ أي وطئ جارية ولده فقال هو قول أكثر العلماء. وقال ابن أبي ليلى-﵀: لا بأس للرّجل أن يطأ جارية ابنه إذا احتاج إليه وهو مذهب أنس بن مالك ﵁ ولكن الصّحيح قول الأكثر [لما] (٤) قلنا. وذكر الإمام التمرتاشي ﵀ هذا إذا كان الأب حرًا مسلمًا أمّا إذا كان عبدًا أو مكاتباً أو كافراً لم يجز دعوته لعدم الولاية والجدّ كالأب عند عدمه فأمّا أبو الأم فلا؛ لأنّه لا ولاية له بحال؛ لأنّه صحّ التّزويج عندنا خلافاً للشّافعي (٥) [فوجه] (٦). قوله: ﵀ أن للأب حق الملك في مال ولده حتّى لو وطئ جارية ابنه مع علمه بحرمتها لا يلزمه الحد فلا يجوز له أن يتزوّجها كالمولى إذا تزوّج الأمة من كسب مكاتبة لأنّ حق الملك في مال ولده أظهر (٧). ألا ترى أن استيلاده في جارية الابن صحيح واستيلاد المولى أمة مكاتبة لا يصحّ ولكنّا نقول ليس له في جارية ولده ملك ولا حق ملك فيجوز [له] (٨) أن يتزوّجها كأمة لابنه وأخيه وإنّما قلنا ذلك لأنّه [لا] (٩) يحلّ للابن أن يطأ جاريته بالاتفاق ولو كان لأبنه فيها حق ملك لم يحلّ له وطئها كالمكاتب فإنّه لا يحلّ له أن يطأ أمته لما كان للمولى فيها حق الملك فأمّا سقوط الحدّ فليس لقيام حق الملك له في الجارية ولكن لظاهر الإضافة في قوله ﵇: «أَنْتَ، وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (١٠)، وهذا الظّاهر وإن لم يكن معمولاً به في إيجاب ملك أو حق ملك له فيها يصير شبهة في إسقاط الحدّ كالبيع بشرط الخيار لا يوجب الملك ولا حق الملك للمشتري ثم يسقط الحدّ به وكذلك العقد الفاسد من نكاح أو بيع قبل القبض ولا تصير أم ولده وهذا عندنا وقال زفر ﵀ تصير أمّ ولد له.

стр. 1684

وكذلك لو استولدها بنكاح فاسد ووطئ بشبهة لا تصير أمّ ولد له خلافاً لزفر ﵀. وحجّته أنّه لو استولدها بفجور صارت أمّ ولد له فإذا استولدها بنكاح أو شبهة نكاح أولى أن تصير أم ولد له ولكنّا نقول إذا استولدها بغير شبهة يصير متملّكًا لها لحاجته إلى ذلك كيلا يضيع ماءه فإن إثبات النّسب منه غير ممكن بدون التملك لأنّه ليس له فيها ملك ولا حق ملك وإذا تملكها سابقاً على الاستيلاد كان استيلاده في ملك نفسه فلهذا صارت أمّ ولد له وههنا [هو] (١) غير محتاج إلى تملكها لإثبات النّسب بل النكاح أو شبهة النكاح تكفي لذلك فلم يصر متملّكًا فلهذا لا تصير أم ولد له كذا في الْمَبْسُوطِ (٢)، وكذا يملك من التصرّفات ما لا يبقى معها ملك الأب كالبيع والهبة. قوله: ﵀ لِصِحَّةِ الْعِتْقِ عَنْهُ (٣) أي عن الآمر فيصير قوله: أَعْتِقْ طَلَبُ التَّمْلِيكِ مِنْهُ (٤) أي من المولى بقوله منه صلة طلب لا التمليك طلب التّمليك منه بالألف ثم أمره بإعتاق عبد الآمر عنه فقوله طلب التمليك منه ثم أمره كلاهما على لفظ المصدر المضاف لا على لفظ الماضي [فوجه] (٥) قوله ﵀: - قولنا لأن إيجاب الحكم الشّرعي يتضمن تقديم مقتضاه تصحيحًا له كرجل يقول لامرأة وقد دخل بها اعتدّى إذا نوى الطّلاق صحّ لأنّه لا صحّة لاعتدادها إلا بتقديمه فوجب تقديمه. فإن قلت: إذا صرّح المقتضى وهو التمليك لا يصحّ العتق من الآمر بل يقع عن المأمور ذكره في التقويم فلا يكون مقتضاه أقوى من تصريحه. قلت: كم من شيء يثبت ضمنًا ولا يثبت قصدًا كبيع الأجنة في أرحام الأمّهات فإنه يثبت ضمنًا وإن كان لا يثبت قصدًا وكذلك الحكم في جنين الأضحيّة. والجندي يصير مقيمًا بإقامة السلطان في المصر وإن كان الجندي في المفازة وإذا ثبت الملك فسد النكاح للتنافي على ما مرّ. فإن قيل: وجب أن لا يبطل النكاح ههنا وإن ثبت ملك اليمين لوجهين: أحدهما أن الملك ثابت هنا بطريق الاقتضاء والحكم الثّابت بطريق الاقتضاء ثابت بطريق الضّرورة لأنّه لا عموم للمقتضى فاثبتنا التمليك ضرورة صحّة العتق فلا يثبت الملك فيما وراء صحّة العتق وفساد النكاح ما وراء العتق فيجب أن يجعل الملك عدمًا في حقّه وألا يلزم تعميم المقتضى وعن هذا قلنا لا يصحّ نية الثّلاث في قوله اعتدي وفي قوله أنت طالق لما عرف والثاني أن الملك ههنا كما يثبت يزول حكمًا للإعتاق ومثل هذا الملك لا يفسد النكاح كالوكيل إذا اشترى منكوحته لا يفسد النكاح لأنّ الملك كما يثبت يزول قلنا نعم أن المقتضى لا عموم له وأن فساد النكاح أمر وراء العتق ولكن من ضروراته ولوازمه فإنّه أينما ثبت الملك ثبت فساد النكاح فلا يكون هذا من تعميم المقتضى بل [هو] (٦) من قبيل إثبات المقتضى بلوازمه والمقتضى إذا ثبت ثبت ما هو من لوازمه.

стр. 1685

ألا ترى أن من قال لصغير له أم معروفة هذا ولدي ثم جاء أمّة بعد موت المدّعي وصدقته وادّعت ميراثها منه بالنكاح فإنّه يقضي لها بالميراث ولاشك أنّ ثبوت النكاح ههنا لضرورة ثبوت النّسب منه مقتضى ثم ظهر أثر ذلك النكاح في استحقاق الميراث والميراث أمر وراء صحّة النسب. ولكن من حيث الظاهر أنّ النكاح أينما ثبت ثبت موجباً للميراث مع أن النكاح متصور في الجملة أن لا يكون موجباً للإرث كما إذا تزوّج المسلم كتابيّة فلأن يثبت فساد النكاح ههنا لما أنّه لم يوجد الملك غير مفسد للنكاح في صورة ما بالطّريق الأولى. وأمّا الجواب عن الثّاني ففيه منع وتسليم أمّا المنع فهو أنّه لا نسلّم أنّ الملك يثبت للوكيل ثم يثبت للموكّل فإنّ المشايخ اختلفوا فيه والأصحّ أنّه يثبت للموكل ابتداء وهو اختيار شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وأبي طاهر الدبّاس (١) -رحمهما الله- كذا ذكره في وكالة التتمة. فحينئذ لا يتجه علينا نقضًا وأمّا التّسليم فهو أنّا سلّمنا أنّه يثبت الملك للوكيل أولاً ثم ينتقل إلى الموكّل ولكن الفرق بينهما هو أن الملك متى ثبت في المحل على هذا الوجه إن تعلّق به حق غيره زمان الثبوت لا يفسد به النكاح وإن لم يتعلّق به حق غيره يفسد وفيما نحن فيه لم يتعلّق به حق غيره وفي شرى الوكيل منكوحته قد تعلّق به حق غيره وهو الموكّل فلا يفسد به النكاح بعض هذا مذكور في (الفوائد الظهيريّة) لأنّه تقدم التّمليك بغير عوض لأنّه لما جاز سقوط القبول وهو الركن في المسألة الأولى فلأن يسقط القبض وهو شرط تمام الهبة في هذه المسألة أولى لما أن مرتبة الشّرط دون مرتبة الرّكن كما إذا كان عليه كفارة ظهار فأمر غيره أن يطعم عنه بأن قال لآخر اطعم عني عن كفارة يميني عشرة مساكين بعشرة دراهم فأطعم عنه تسقط عنه الكفارة ولا يفصل بين ما إذا كان الطّلب بعوض أو بغير عوض لما أن كلام العاقل يجب تصحيحه ما أمكن وقد أمكن تصحيحه ههنا بأن يتضمن إعتاقه عنها ثبوت الملك سابقاً عليه كما إذا كان يبدل كذا في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٢) لأبي اليسر (٣) ﵀[قوله] (٤): لأنّه فعل حسي أي لما كان فعلاً حسيًّا لا يتضمّنه القول أي لا يمكن أن يقال أنّ الإعتاق يتضمن القبض لأن هذا قول والقول لا يتضمّن الفعل أمّا الفعل يتضمّن القول إلا أن قول أبي يوسف ﵀ أظهر كذا في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٥) لأبي اليسر وفي تلك المسألة الفقير ينوب عن الآمر في القبض كالفقير في باب الزكاة ينوب قبضه عن الله تعالى ثم يصير قابضاً لنفسه أمّا العبد فلا يقع في يده شيء لأن الإعتاق إتلاف للملك.
следующие страницы →