← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

قلنا: لو وطئ جارية ابنه وقال علمت أنها علي حرام لا يحد. بخلاف الابن أو نقول أن حاجته إلى تملك الجارية ليست بكاملة لأنّها غير ضرورية. ألا ترى أن الابن لا يجبر على أن يعطي أباه جارية ليستولد ولا يحلّ للأب أن يطأها راغباً في استيلادها فلقيام الحاجة أثبتنا له التملك ولعدم الضّرورة أوجبنا القيمة صيانة لمال الولد. ثم هذا الملك يثبت قبيل الاستيلاد شرطًا له أي شرطًا للاستيلاد بيان هذا هو أنا أجمعنا من غير خلاف بيننا وبين زفر والشّافعي-رحمهما الله- (١) أن استيلاد الأب جارية [الابن] (٢) صحيح حتّى يثبت النّسب إذا ادّعاه بالإجماع وتصير الجارية أم ولد له والاستيلاد لا يصحّ إلا في الملك كما في جاريته ألقنّه أو في حق الملك كما في مكاتبته والجارية المشتركة بينه وبين أخر وذلك لأنّ النّسب لا يثبت إلا بالفراش لقوله ﵇: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» (٣) أي لصاحب الفراش [والمرء إنّما يصير صاحب الفراش] (٤) بملك اليمين أو بملك النكاح وليس ههنا ملك النكاح والكلام فيه مكان الثّابت ملك اليمين وليس للأب ملك في مال ولده قبل الوطئ فيثبت الملك مقتضى الاستيلاد سابقاً عليه شرطًا لصحّته وهذا لأنّا أجمعنا على ثبوت الملك للأب في جارية الابن فبعد ذلك وقع الاختلاف بيننا وبين الشّافعي (٥) في تاريخ الملك فعنده يثبت الملك بصفة التأخر وعندنا يثبت بصفه التقدّم [والقول بالتقدّم] (٦) أولى صيانة لفعله عن الحرمة وصيانة للولد عن الرّق فلما لاقى وطئه ملكه بهذا الطّريق لم يجب العقر. فإن قيل: فمن العجب أنّ الجارية إذا كانت مشتركة بين الأب والابن وولدت فأدعاه الأب يثبت النّسب فيجب العقر إجماعاً مع نوع ملك له ولا يجب فيما نحن فيه مع أنّه لا ملك للأب فيها أصلاً ووجوب العقر في تلك المسألة يدل على أن الملك لم يثبت سابق على الوطئ كما قال زفر والشّافعي-رحمهما الله- فلما لم يثبت الملك هناك لم يثبت هنا بالطّريق الأولى وكذلك أنّ الأب إذا وطئها وطئاً غير معلّق يجب العقر وكذلك إذا وطئ جارية ابنه ثم قذفه إنسان لا يحدّ ولو كان الملك نائباً بوصف التقدم لما وجب العقر في المسألتين ولوجب الحدّ في المسألة الثالثة.

стр. 1682

قلنا: أمّا الفرق بين هذه المسألة وبين المسألة الأولى فهو أن الحاجة إلى إثبات الملك بوصف التقدم ههنا أمسّ لأن الملك لو لم يثبت بهذا الوصف لكان الوطئ مصادفاً للمحل الخالي عن أحد الملكين وفيما إذا كانت مشتركة بينهما لم يصادف الوطئ المحلّ الخالي عن أحد الملكين لاشتماله على أحد الملكين وأمّا المسألة الثّانية فلا ترد نقضاً لأن الملك غير ثابت فيها لا بوصف التقدّم ولا بوصف التأخّر فلا يستويان في الحاجة إلى إثبات الملك لما أنّ إثبات الملك بصفة التقدم كان لصيانة فعله عن الحرمة وصيانة الولد عن الرّق وهذا المجموع لا يتأتى ههنا. [وأمّا المسألة الثّالثة فلأن الملك بوصف التقدم كان زايد لصيانة فعل عن الحرمة وصيانة الولد عن الرّق وهذا المجموع لا يتأتى ههنا] (١). وأمّا المسألة الثّالثة فلأن الملك بوصف التقدم مجتهد فيه فيكون الوطئ حراماً عند البعض فيتمكن فيه شبهة وبالشّبهة تدرء الحدود إلى هذا أشار في الفوائد والجامع المحبوبي-﵀. قوله: ﵀ ثُمَّ هَذَا الْمِلْكُ يَثْبُتُ قُبَيْلَ الِاسْتِيلَاءِ شَرْطًا لَهُ (٢) أي لتصحيح الاستيلاد. فإن قلت: ليس له نظير في الشّرع لما أن الملك للأب يثبت بسبب العلوق لما مرّ أنّ الملك لا يثبت في الوطئ الذي لا علوق فيه فكان الملك حكمًا للعلوق لا محالة وحكم الشّيء إن لم يتعقبه على ما هو الأصحّ من المذهب فلا يسبقه فكيف سبق ههنا والقول بتقدم الحكم قول بما لا نظير له في الشّرع. قلت: بل له نظير لكن لا على تقدم الحكم على السّبب وهو جميع مسائل المقتضى كما في قوله اعتق عبدك عني بألف درهم على ما يجيء فيثبت التّمليك سابق على الإعتاق لأنّ التّمليك شرط لصحّة الإعتاق عن الآمر والكلام في الحقيقة بيننا وبين الخصم راجع إلى أن ثبوت الملك للأب شرط للاستيلاد أو حكم له. قلنا: أنّه شرط استدلالاً بدلالة الإجماع فإنّ الإجماع ينعقد بيننا وبين الخصوم أن استيلاد الأب صحيح في جارية الولد ومن شرط صحّة الاستيلاد وقوع الوطئ في الملك حتّى إذا خلا عن الملك أصلاً لا يثبت الاستيلاد كما في جارية الأجنبي فلما ثبت كونه شرطًا ثبت متقدمًا لأنّ الشروط أبدًا تتقدم على الحكم وكان هذا نظير ما قلنا في السّرقة في انتقال العصمة فإنا نقول انتقلت العصمة من العبد إلى الله تعالى قبيل السرقة استدلالاً بقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ (٣) ليكون جزاء الله بالقطع على مقابلة جناية وقعت في عصمة الله تعالى على الخلوص لما عرف. وأمّا قوله إن الملك لا يثبت في الوطئ الذي لا علوق فيه فلما قلنا أن إثبات الملك للأب لضرورته ثبوت نسبه لبقاء نسله وفيما لا علوق فيه لا ضرورة فلا يثبت الملك شرطًا ولا حكمًا لأنّ الثّابت بالضّرورة يتقدّر بقدر الضّرورة.

стр. 1683

قوله: ﵀ حَتَّى يَجُوزَ لَهُ التَّزَوُّجُ بِهَا (١) أي يجوز للأب التزوّج بجارية الابن هذا نتيجة عدم حقيقة الملك [وعدم حق الملك] (٢) إذ لو كان واحد منهما لا يجوز التزوّج كما في مملوكته ومكاتبته على ما قلنا وهذا الحكم أعني جواز التزوّج للأب مذهبنا فصار كأنّه قال أنّ للأب حق التمليك لقوله ﵇: «أَنْتَ، وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (٣) لا حق الملك ولا حقيقته عندنا والدّليل على أنّ المذهب هذا عندنا جواز حلّ التزوّج. ولكن لم يذكر دليل عدم حقيقة الملك وحقه لظهوره إذ الفائز بالحكم هو الفائز بالسّبب والفائز بالسّبب هو الابن لا الاب. فكذلك كان هو فائزًا بالحكم حتّى حلّ للابن وطئها ثم ذكر الإمام المحبوبي ﵀ حرمة الوطئ أي وطئ جارية ولده فقال هو قول أكثر العلماء. وقال ابن أبي ليلى-﵀: لا بأس للرّجل أن يطأ جارية ابنه إذا احتاج إليه وهو مذهب أنس بن مالك ﵁ ولكن الصّحيح قول الأكثر [لما] (٤) قلنا. وذكر الإمام التمرتاشي ﵀ هذا إذا كان الأب حرًا مسلمًا أمّا إذا كان عبدًا أو مكاتباً أو كافراً لم يجز دعوته لعدم الولاية والجدّ كالأب عند عدمه فأمّا أبو الأم فلا؛ لأنّه لا ولاية له بحال؛ لأنّه صحّ التّزويج عندنا خلافاً للشّافعي (٥) [فوجه] (٦). قوله: ﵀ أن للأب حق الملك في مال ولده حتّى لو وطئ جارية ابنه مع علمه بحرمتها لا يلزمه الحد فلا يجوز له أن يتزوّجها كالمولى إذا تزوّج الأمة من كسب مكاتبة لأنّ حق الملك في مال ولده أظهر (٧). ألا ترى أن استيلاده في جارية الابن صحيح واستيلاد المولى أمة مكاتبة لا يصحّ ولكنّا نقول ليس له في جارية ولده ملك ولا حق ملك فيجوز [له] (٨) أن يتزوّجها كأمة لابنه وأخيه وإنّما قلنا ذلك لأنّه [لا] (٩) يحلّ للابن أن يطأ جاريته بالاتفاق ولو كان لأبنه فيها حق ملك لم يحلّ له وطئها كالمكاتب فإنّه لا يحلّ له أن يطأ أمته لما كان للمولى فيها حق الملك فأمّا سقوط الحدّ فليس لقيام حق الملك له في الجارية ولكن لظاهر الإضافة في قوله ﵇: «أَنْتَ، وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (١٠)، وهذا الظّاهر وإن لم يكن معمولاً به في إيجاب ملك أو حق ملك له فيها يصير شبهة في إسقاط الحدّ كالبيع بشرط الخيار لا يوجب الملك ولا حق الملك للمشتري ثم يسقط الحدّ به وكذلك العقد الفاسد من نكاح أو بيع قبل القبض ولا تصير أم ولده وهذا عندنا وقال زفر ﵀ تصير أمّ ولد له.

стр. 1684

وكذلك لو استولدها بنكاح فاسد ووطئ بشبهة لا تصير أمّ ولد له خلافاً لزفر ﵀. وحجّته أنّه لو استولدها بفجور صارت أمّ ولد له فإذا استولدها بنكاح أو شبهة نكاح أولى أن تصير أم ولد له ولكنّا نقول إذا استولدها بغير شبهة يصير متملّكًا لها لحاجته إلى ذلك كيلا يضيع ماءه فإن إثبات النّسب منه غير ممكن بدون التملك لأنّه ليس له فيها ملك ولا حق ملك وإذا تملكها سابقاً على الاستيلاد كان استيلاده في ملك نفسه فلهذا صارت أمّ ولد له وههنا [هو] (١) غير محتاج إلى تملكها لإثبات النّسب بل النكاح أو شبهة النكاح تكفي لذلك فلم يصر متملّكًا فلهذا لا تصير أم ولد له كذا في الْمَبْسُوطِ (٢)، وكذا يملك من التصرّفات ما لا يبقى معها ملك الأب كالبيع والهبة. قوله: ﵀ لِصِحَّةِ الْعِتْقِ عَنْهُ (٣) أي عن الآمر فيصير قوله: أَعْتِقْ طَلَبُ التَّمْلِيكِ مِنْهُ (٤) أي من المولى بقوله منه صلة طلب لا التمليك طلب التّمليك منه بالألف ثم أمره بإعتاق عبد الآمر عنه فقوله طلب التمليك منه ثم أمره كلاهما على لفظ المصدر المضاف لا على لفظ الماضي [فوجه] (٥) قوله ﵀: - قولنا لأن إيجاب الحكم الشّرعي يتضمن تقديم مقتضاه تصحيحًا له كرجل يقول لامرأة وقد دخل بها اعتدّى إذا نوى الطّلاق صحّ لأنّه لا صحّة لاعتدادها إلا بتقديمه فوجب تقديمه. فإن قلت: إذا صرّح المقتضى وهو التمليك لا يصحّ العتق من الآمر بل يقع عن المأمور ذكره في التقويم فلا يكون مقتضاه أقوى من تصريحه. قلت: كم من شيء يثبت ضمنًا ولا يثبت قصدًا كبيع الأجنة في أرحام الأمّهات فإنه يثبت ضمنًا وإن كان لا يثبت قصدًا وكذلك الحكم في جنين الأضحيّة. والجندي يصير مقيمًا بإقامة السلطان في المصر وإن كان الجندي في المفازة وإذا ثبت الملك فسد النكاح للتنافي على ما مرّ. فإن قيل: وجب أن لا يبطل النكاح ههنا وإن ثبت ملك اليمين لوجهين: أحدهما أن الملك ثابت هنا بطريق الاقتضاء والحكم الثّابت بطريق الاقتضاء ثابت بطريق الضّرورة لأنّه لا عموم للمقتضى فاثبتنا التمليك ضرورة صحّة العتق فلا يثبت الملك فيما وراء صحّة العتق وفساد النكاح ما وراء العتق فيجب أن يجعل الملك عدمًا في حقّه وألا يلزم تعميم المقتضى وعن هذا قلنا لا يصحّ نية الثّلاث في قوله اعتدي وفي قوله أنت طالق لما عرف والثاني أن الملك ههنا كما يثبت يزول حكمًا للإعتاق ومثل هذا الملك لا يفسد النكاح كالوكيل إذا اشترى منكوحته لا يفسد النكاح لأنّ الملك كما يثبت يزول قلنا نعم أن المقتضى لا عموم له وأن فساد النكاح أمر وراء العتق ولكن من ضروراته ولوازمه فإنّه أينما ثبت الملك ثبت فساد النكاح فلا يكون هذا من تعميم المقتضى بل [هو] (٦) من قبيل إثبات المقتضى بلوازمه والمقتضى إذا ثبت ثبت ما هو من لوازمه.

стр. 1685

ألا ترى أن من قال لصغير له أم معروفة هذا ولدي ثم جاء أمّة بعد موت المدّعي وصدقته وادّعت ميراثها منه بالنكاح فإنّه يقضي لها بالميراث ولاشك أنّ ثبوت النكاح ههنا لضرورة ثبوت النّسب منه مقتضى ثم ظهر أثر ذلك النكاح في استحقاق الميراث والميراث أمر وراء صحّة النسب. ولكن من حيث الظاهر أنّ النكاح أينما ثبت ثبت موجباً للميراث مع أن النكاح متصور في الجملة أن لا يكون موجباً للإرث كما إذا تزوّج المسلم كتابيّة فلأن يثبت فساد النكاح ههنا لما أنّه لم يوجد الملك غير مفسد للنكاح في صورة ما بالطّريق الأولى. وأمّا الجواب عن الثّاني ففيه منع وتسليم أمّا المنع فهو أنّه لا نسلّم أنّ الملك يثبت للوكيل ثم يثبت للموكّل فإنّ المشايخ اختلفوا فيه والأصحّ أنّه يثبت للموكل ابتداء وهو اختيار شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وأبي طاهر الدبّاس (١) -رحمهما الله- كذا ذكره في وكالة التتمة. فحينئذ لا يتجه علينا نقضًا وأمّا التّسليم فهو أنّا سلّمنا أنّه يثبت الملك للوكيل أولاً ثم ينتقل إلى الموكّل ولكن الفرق بينهما هو أن الملك متى ثبت في المحل على هذا الوجه إن تعلّق به حق غيره زمان الثبوت لا يفسد به النكاح وإن لم يتعلّق به حق غيره يفسد وفيما نحن فيه لم يتعلّق به حق غيره وفي شرى الوكيل منكوحته قد تعلّق به حق غيره وهو الموكّل فلا يفسد به النكاح بعض هذا مذكور في (الفوائد الظهيريّة) لأنّه تقدم التّمليك بغير عوض لأنّه لما جاز سقوط القبول وهو الركن في المسألة الأولى فلأن يسقط القبض وهو شرط تمام الهبة في هذه المسألة أولى لما أن مرتبة الشّرط دون مرتبة الرّكن كما إذا كان عليه كفارة ظهار فأمر غيره أن يطعم عنه بأن قال لآخر اطعم عني عن كفارة يميني عشرة مساكين بعشرة دراهم فأطعم عنه تسقط عنه الكفارة ولا يفصل بين ما إذا كان الطّلب بعوض أو بغير عوض لما أن كلام العاقل يجب تصحيحه ما أمكن وقد أمكن تصحيحه ههنا بأن يتضمن إعتاقه عنها ثبوت الملك سابقاً عليه كما إذا كان يبدل كذا في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٢) لأبي اليسر (٣) ﵀[قوله] (٤): لأنّه فعل حسي أي لما كان فعلاً حسيًّا لا يتضمّنه القول أي لا يمكن أن يقال أنّ الإعتاق يتضمن القبض لأن هذا قول والقول لا يتضمّن الفعل أمّا الفعل يتضمّن القول إلا أن قول أبي يوسف ﵀ أظهر كذا في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٥) لأبي اليسر وفي تلك المسألة الفقير ينوب عن الآمر في القبض كالفقير في باب الزكاة ينوب قبضه عن الله تعالى ثم يصير قابضاً لنفسه أمّا العبد فلا يقع في يده شيء لأن الإعتاق إتلاف للملك.

стр. 1686

وأما دعوى انحطاط درجة الشرط عن درجة الركن فمسلم. ولكن دليل السّقوط إنّما يعمل في محلّه ولا يعمل في غير محلّه فجاز أن يكون الشّرط وإن كان أدون من الركن ممّا لا يحتمل السقوط كالطّهارة والنية في باب الصّلاة حيث لا تسقطان بحال والقراءة تسقط بالاقتداء والقيام يسقط بالعذر وهما ركنان (١). والله أعلم. باب نكاح أهل الشرك لما ذكر باب الرّقيق للمناسبة التي ذكرنا ذكر من هو أدون منزلة وأخس رتبة منهم وهم أهل الشرك الذين لا كتاب لهم قوله: ﵀ لأنّه لَا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَالْمُرَافَعَةِ إلَى الْحُكَّامِ (٢) أي والمرافعة فإن أحدهما [كان] (٣) عنده للتعرّض في الوجه الأوّل أي التزوج بغير شهود. وفي الوجه الثّاني أي التزوج في عدة الكافر. وقال زفر ﵀ لا يتعرض لهم في ذلك إلا أن يسلموا أو يرافعوا فحينئذ يفرق القاضي بينهم لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٤)، ولأنّهم بعقد الذمّة صاروا من أهل دارنا والتزموا أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات فيثبت في حقّهم ما يثبت في حقّنا. ألا ترى أن حرمة الربا بالله في حقّهم بهذا الطّريق فكذا حرمة النكاح بغير شهود ولكنا نعرض عنهم لمكان عقد الذمة لا لأنا نقرهم على ذلك كما نتركهم وعبادة النّار والأوثان على سبيل الإعراض لا على سبيل التقرير والحكم بصحة ما يفعلون بل ليصير الخطاب قاصراً عنهم في أحكام الدنيا استدراجاً بهم ومكراً عليهم وتركًا لهم على جهلهم وتمهيدا لعقاب الآخرة والخلود في النّار وتحقيقاً لقول النبي ﵇: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» (٥)، ولا نعرض عنهم في عقد الربا؛ لأنّ ذلك مستثنى من عقد الذمّة قال ﵇: «إلَّا مَنْ أَرْبَى فَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَهْدٌ» (٦)، وحجّتنا في ذلك أنّ الإشهاد على النكاح من حقّ الشّرع، وهم لا يخاطبون بحقوق الشّرع بما هو أهم من هذا إلى آخره كذا في (الْمَبْسُوطِ) (٧) و أصول الفقه لفخر الإسلام (٨) ﵀.

стр. 1687

وأمّا قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١) قلنا إن ممّا أنزل الله أن لا يلزم حكم الخطاب إلا بعد البلوغ والخطاب في حقّهم كأنّه غير نازل فإنّهم يكذبون المبلغ، ويزعمون أنه لم يكن رسولاً، وقد انقطعت ولاية الإلزام بالسّيف وبالمحاجة؛ لمكان عقد الذمة فصار حكم الخطاب قاصراً عنهم، وشيوع الخطاب إنّما يعتبر في حق من يعتقد كون المبلغ رسولاً فإذا اعتقدوا ذلك بأن أسلموا ثبت حكم الخطاب في حقّهم كذا في الأسرار والْمَبْسُوطِ (٢)، وحرمة النكاح بغير شهود مختلف فيه فإن عند مالك وابن أبي ليلى-رحمهما الله- النكاح بغير الشّهود جائز ولم يلتزموا أحكامنا بجميع الاختلافات ولكن لا يتعرّض لهم لمكان عقد الذمة وإذا كان كذلك فلما رافعوا أو أسلموا وجب الحكم فيهم بما هو حكم الإسلام كما في نكاح المحارم وهذا إذا رفع أحدهما الأمر إلينا أو أسلم والعدّة غير منقضية فرق بينهما. وأمّا إذا كانت المرافعة أو الإسلام بعد انقضاء عدّة الزّوج الأوّل ولكن كان تزوج الزّوج الثّاني قبل انقضاء عدّة الزّوج الأوّل لا نفرق بالإجماع أو الإسلام بعد انقضاء العدة لا نفرق بالإجماع كذا في الْمَبْسُوطِ (٣) والأسرار. ولأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أن الحرمة لا يمكن إثباتها إلى آخره واختلف مشايخنا في [قول] (٤) أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ منهم من يقول: العدة لا تجب من الذمي؛ لأنّ وجوبها؛ لحق الشّرع أو؛ لحق الزّوج ولا يمكن إيجابها؛ لحق الشّرع هنا؛ لأنّهم لا يخاطبون بذلك، ولا لحق الزوج؛ لأنّه لا يعتقد ذلك وإذا لم تجب العدة كان النكاح صحيحًا، ومنهم من يقول العدة واجبة، ولكنها ضعيفة لا تمنع النكاح بناء على اعتقادهم كالاستبراء فيما بين المسلمين فكان النكاح صحيحًا، وبعد المرافعة أو الإسلام الحال حال بقاء النكاح، والعدّة لا تمنع بقاء النكاح كالموطوءة إذا وطئت بالشّبهة كذا في الْمَبْسُوطِ (٥) فانظر كيف جمع المصنف ﵀ بين القولين بنكته واحدة حيث جعل أول التّعليل بتعليل البعض وأتم آخره بتعليل البعض الآخر. قوله: ﵀ وَعِنْدَهُ لَهُ حُكْمُ الصِّحَّةِ فِي الصَّحِيحِ (٦) احتراز عن قول مشايخ العراق فإنّهم قالوا له حكم الفساد وقال مشايخنا له حكم الجواز واتفقوا على قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أنّه لا يجري الإرث ويقضي بالنّفقة ولا يسقط إحصانه متى دخل بها واتفقوا على قوله أيضاً لو تزوج أختين في عقده واحدة ثم فارق أحديهما قبل الإسلام ثمّ أسلم أنّ الباقية نكاحها على الصحّة حتى يُقرّا عليه.

стр. 1688

وحاصله أنّ الذمي إذا تزوج محارمه أو تزوّج خمس نسوة أو أختين فما داموا على الكفر ولم يترافعوا إلينا لم يتعرّض لهم بالاتفاق إذا كانوا يدينون ذلك غير أن على قول أبي يوسف ومُحَمَّد -رحمهما الله- هذا النكاح [يقع] (١) فاسد حالة الكفر حتى طلبت من قاضي المسلمين النّفقة فالقاضي لا يقضي لها بذلك ولا يجري الإرث بينهما وإذا دخل بها يسقط إحصانه حتّى لو أسلم بعد ذلك وقذفه قاذف لا يحدّ. [وأمّا قول أبي حينفة ﵀-فقد اختلف المشائخ وقد ذكرناه كذا في المحيط فوجه] (٢) قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أنّ الكافر لو تزوّج مجوسيّة صحّ النكاح بالاتّفاق والمجوسية محرمة النكاح بخطاب الشّرع كذوات المحارم وإنّما حكمنا بجوازه بينهم لأنّ الخطاب في حقّهم كأنه غير نازل فإنهم يكذبون المبلغ إلى آخر ما قرّرنا من الْمَبْسُوطِ (٣) فلما قصر الخطاب عنهم بقي حكم المنسوخ في حقّهم ما لم يثبت النّاسخ كما بقي حكم جواز الصّلاة إلى بيت المقدس في حق أهل قباء لما لم يبلغهم الخطاب بالتوجه إلى الكعبة فإذا ثبت حكم صحة النكاح بهذا الطّريق ثبت به ما هو من ضرورة صحّة النكاح كالنّفقة وبقاء الإحصان فأمّا الميراث فليس من ضرورة صحّة النكاح من كل وجه فقد يمتنع التوارث بأسباب كالرق واختلاف الدين إذا ثبتت هذه القاعدة فنقول عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إن رفع أحدهما الأمر إلى القاضي وطلب حكم الإسلام لم يفرق بينهما إذا كان الآخر يأتي ذلك وعندهما نفرق بينهما لأن أصل النكاح كان باطلاً ولكن ترك التعرض كان للوفاء بعقد الذمّة فإذا رفع أحدهما وانقاد لحكم الإسلام كان هذا بمنزلة ما لو أسلم أحدهما وأبو حنيفة ﵀ يقول أصل النكاح كان صحيحًا فرفع أحدهما إلى القاضي ومطالبته بحكم الإسلام لا يكون حجّة على الآخر في إبطال الاستحقاق الثابت له باعتقاده بل اعتقاده يكون معارضاً لاعتقاد الآخر فبقي حكم الصحّة على ما كان. بخلاف ما إذا أسلم فإنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى فلا يكون اعتقاد الآخر معارضاً لإسلام المسلم منهما. وبخلاف ما إذا رفعا لأنّهما إنقادا لحكم الإسلام فيثبت حكم الخطاب في حقّهما بانقيادهما له وإليه أشار الله تعالى في قوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ (٤) فيكون مرافعتهما كإسلامهما كذا في الْمَبْسُوطِ (٥) إلا أن المحرمية تنافي بقاء النكاح كما تنافي ابتداء النكاح حتّى لو اعترضت المحرميّة في نكاح المسلمين برضاع أو مصاهرة يبطل النكاح بخلاف العدّة على ما مرّ.

стр. 1689

وفي الْمَبْسُوطِ (١) فأمّا إذا تزوّج الكافر ذات رحم محرم منه من أم أو ابنة أو أخت فإنّه لا يتعرّض لهم في ذلك وإن علم القاضي ما لم يرفعوا إليه إلا في قول أبي يوسف ﵀ الآخر ذكره في كتاب الطّلاق أنّه يفرق بينهما إذا علم ذلك لما روي أنّ عمر ﵁ كتب إلى عماله: أن فرقوا بين المجوس وبين محارمهم وامنعوهم عن الرمرمة، إذا أكلوا (٢)، ولكنّا نقول هذا غير مشهور وإنّما المشهور ما كتب به عمر بن عبدالعزيز إلى الحسن البصري -رحمهما الله-: ما بال الخلفاء الرّاشدين تركوا أهل الذمة وما هم عليه من نكاح المحارم واقتناء الخمور والخنازير وكتب إليه إنما بذلوا الجزية ليتركوا وما يعتقدون وإنّما أنت متبع ولست بمبتدع والسّلام، ولأنّ الولاة والقضاة من ذلك الوقت إلى يومنا لم يشتغل أحد منهم بذلك مع علمهم أنّهم يباشرون ذلك ولا يجوز أن يتزوّج المرتد (٣)؛ لأنّ المرتدّ مستحق القتل والمستحق إلى جهة كالمصروف إلى تلك الجهة، فصار كالميّت فلا ينتظم مصالح النكاح وكذا المرتدة لا يتزوّجها مسلم ولا كافر فقد عمّ الكافر ليتناول أهل الكتاب والمشركين والمرتدين فإنّه ذكر في الْمَبْسُوطِ (٤)، ولايجوز نكاح المرتدة مع أحد لأنها مأمورة بالتأمّل لتعود إلى الإسلام وممنوعة من الاشتغال بشيء آخر ولأنّها بالردّة صارت محرمة فالنكاح يختص بمحل الحلّ ابتداء أو تحبس هي لتسلم فلا ينتظم مصالح النكاح بالمحبوسة فإن كان أحد الزّوجين مسلمًا فالولد على دينه. فإن قلت: كيف يصحّ هذا التّعميم ولا وجود لنكاح المسلمة مع كافر أي كافر كان. قلت: هذا محمول على حالة البقاء بإن أسلمت المرأة ولم يعرض الإسلام على الزّوج بعد فجاءت بالولد والشافعي-﵀ (٥) يخالفنا فيه أي في جعل الولد تبعًا للكتابي فإنّه يجعل الولد تبعًا للمجوسي في حقّ حلّ الذّبيحة والنكاح حتّى حلّ ذبيحة ذلك الولد المولود بين الكتابي والمجوسيّ ويحل مناكحته للمسلمين ولا يحلّ ذلك عند الشّافعي-﵀ (٦) فقال وقعت المعارضة بينهما فإنّ أحدهما يوجب الحرمة والآخر يوجب الحل فيغلب موجب الحرمة للحديث بخلاف ما إذا كان أحدهما مسلمًا لأنّ الكفر لا يعارض الإسلام ولكنّا نستدلّ بقوله ﵇: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ» (٧). الحديث، فقد جعل اتفاق الأبوين علّه ناقل عن أصل الفطرة فيثبت ذلك فيما أتفق عليه الأبوان وفيما اختلفا فيه يبقى على أصل الفطرة أوعلى ما هو أقرب إلى أصل الفطرة ونحن بينا التّرجيح وهو قوله لأنّ فيه نوع نظر له وذلك لأنّا لو قلنا بأنّه كتابي تحلّ ذبيحته ويجوز مناكحته فكان فيه نظر للولد ولأنّ الكتابي يعتقد التّوحيد أو يظهره فكان في جعل الولد تبعًا له نوع نظر للولد وذلك واجب كذا في الْمَبْسُوطِ (٨).

стр. 1690

ثم ذكر كفر الزّوج مطلقاً في إسلام المرأة فقال وإذا أسلمت المرأة وزوجها كافر. وذكر كفر المرأة مقيدًا بالمجوسية في إسلام الزّوج فقال وإن أسلم الزوج وتحته مجوسيّة لما أنّ النكاح لا يبقى مع كفر الزّوج بالإباء عند إسلام المرأة أي كفر كان. وأمّا كفر المرأة عند إسلام الزّوج فإنّما يوجب التّفريق إن لو لم يجز النكاح ابتداء مع ذلك الكفر كما في المجوسيّة. وأمّا إذا كانت كتابيّة فيبقى النكاح بينهما وإن أسلم زوجها على ما يجيء بعد هذا محطوط وإن أبت فرق القاضي بينهما فإن لم تسلم المرأة حتى مات الزّوج كان لها المهر كاملاً دخل بها أو لم يدخل بها؛ لأنّ النكاح منته بالموت حين لم يفرق القاضي بينهما فيتقرّر به جميع المهر كذا في الْمَبْسُوطِ (١)، وإن كانت من غير أهل الكتاب فهي امرأته حتّى يعرض عليها الإسلام فإن أسلمت وإلا فرق بينهما وكذلك إن كانت المرأة هي التي أسلمت والزّوج من أهل الكتاب [أو من غير أهل الكتاب] (٢) فهي امرأته حتّى يعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا فرّق بينهما ويستوي إن كان دخل بها أو لم يدخل عندنا. وقال الشّافعي-﵀ (٣) إن كان قبل الدّخول تقع الفرقة بإسلام أحدهما وإن كان بعد الدّخول يتوقّف وقوع الفرقة بينهما على انقضاء ثلاث حيض ولا يعرض الإسلام على الآخر. قوله: كما في الطّلاق فإنّ نفس الطّلاق قبل الدّخول يرفع النكاح وبعد الدّخول لا يرفع إلا بانقضاء العدة وحجّتنا في ذلك ما روي أن دهقانة نهر الملك أسلمت فأمر عمر ﵁ أن يعرض الإسلام على زوجها فإن أسلم وإلا فرق بينهماوإن دهقانًا [كل سيّد من العجم دهقان ضم الدال لغة فيه ويقال: للمرأة دهقانه على القياس نهر الملك على طريق الكوفة من بغداد وهو يسقي الفرات] (٤) أسلم على عهد علي ﵁ فعرض الإسلام على امرأته فابت ففرق بينهماوكأن المعنى فيه أنّ النكاح كان صحيحًا بينهما فلا يرتفع إلا بعد وجود السّبب الموجب له وإسلام المسلم منهما لا يصلح سبباً لذلك لأنّه سبب لإثبات العصمة وتأكيد الملك به.

стр. 1691

وكذلك كفر من أصرّ منهما على الكفر لأنّه كان موجودًا قبل هذا وما كان مانعًا لابتداء النكاح ولا لبقائه وكذلك اختلاف الدّين فإن عينه ليس بسبب كما لو كان الزّوج مسلمًا والمرأة كتابية فلابدّ من أن يقرّر السّبب الموجب للفرقة لمّا تعذّر استدامة النكاح بينهما وذلك السبب عرض الإسلام على الكافر منهما لابطريق الإجبار عليه. ولكن لأنّ بالنكاح وجب عليه الإمساك بالمعروف أو التّسريح بالإحسان والإمساك بالمعروف في أن يساعدها على الإسلام فإذا أبى ذلك تعين التّسريح بالإحسان فإذا امتنع من ذلك ناب القاضي منابه في التّفريق بينهما ولأنّ قرار النكاح يقف على زوال كفر الآخر لا زوال إسلام هذا فعلم أنّ الفرقة كانت بسبب كفر الباقي منهما دون الإسلام ثم إذا كانت المرأة هي التي أبت الإسلام حتى فرق القاضي بينهما كانت الفرقة بغير طلاق بالاتفاق وإن كان الزوج هو الذي أبى الإسلام كان الفرقة بطلاق عند أَبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّد -رحمهما الله- وعند أبي يوسف ﵀ تكون الفرقة بغير طلاق. وأمّا الفرقة بردّة المرأة فتكون بغير طلاق وردة الزّوج كذلك في قول أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يوسف. وفي قول مُحَمَّد يكون بطلاق وحجّة أبي يوسف في الفصلين أن سبب هذه الفرقة يشترك فيه الزوجان على معنى أنّه متحقق منهما وهو الإباء والردّة ومثل هذه الفرقة تكون بغير طلاق كالفرقة الواقعة بالمحرميّة وملك أحد الزّوجين صاحبه وحجّة مُحَمَّد في الفصلين أن سبب الفرقة قول من جهة الزّوج إمّا إباء أو ردّة فيكون بمنزلة إيقاع الطّلاق وهذا لأنّه يفوت الإمساك لهذا السّبب فيتعيّن التّسريح بالإحسان [والتّسريح] (١) طلاق كما في العنين بهذا الطّريق وأبو حنيفة ﵀ يقول بالفرق بينهما من وجهين: أحدهما أنّ الفرقة بالردّة كانت لفوات صفة الحلّ وذلك مناف للنكاح. ألا ترى أنّ الفرقة لا تتوقف على قضاء القاضي فإنّه ينافي النكاح ابتداء وبقاء فيكون نظير المحرمية والملك وإنما إباء الإسلام فغير مناف للنكاح. ألا ترى أنّ الفرقة لا تقع به إلا بعد قضاء القاضي بها فالفرقة بسبب غير مناف للنكاح إذا كان مضافاً إلى الزّوج يكون طلاقاً والثّاني أنّ في فصل الإباء لما كانت الفرقة لا تقع إلا بالقضاء أشبهت الفرقة بسبب العنية وفي مسألة الردّة لمّا لم تتوقّف الفرقة على القضاء أشبهت الفرقة بسبب المحرمية والملك. ألا ترى أنّها تتم بالمرأة وليس إليها في الطّلاق شيء في الفصلين يقع طلاقه عليها مادامت في العدّة أمّا في الإباء فظاهر لأنّ الفرقة كانت بالطّلاق وأمّا في الردّة فلأنّ حرمة المحلّ بهذا السّبب غير متأيدة.

стр. 1692

ألا ترى أنّها ترتفع بالإسلام فيوقر على الطّلاق ما هو موجبه وهو حرمة المحلّ إلى غاية إصابة الزّوج الثّاني فلذلك يقع طلاقه عليها في العدّة بخلاف ما بعد المحرمية فإنّ حرمة المحلّ هناك مؤبدة فلا يظهر معه ماهو موجب الطّلاق كذا في الْمَبْسُوطِ (١)، والأسرار لم تقع الفرقة عليها حتى تحيض ثلاث حيض ثم تبين من زوجها هذا إذا أسلمت المرأة وهي تحيض وأمّا إذا كانت ممّن لا تحيض فلا تقع الفرقة ما لم يمض ثلاثه أشهر فإن أسلم الباقي منهما في المدّة فهما على النكاح وإلا فقد وقعت الفرقة بينهما عند مضي المدّة ثم المرأة إذا كانت هي المسلمة فهي كالمهاجرة ولا عدة عليها بعد ذلك في قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وعندهما يجب عليها العدّة بعد وقوع الفرقة بثلاث حيض وإن كان الزّوج هو المسلم فلا عدة عليها بالإجماع كذا في شرح الطّحاوي (٢). فعلم بهذا أنّ ما قالوا ثلاث حيض لأجل الفرقة وثلاث حيض أخرى لأجل العدّة لا يصحّ إجزاؤه على الإطلاق بل هو محمول على قولهما خلافاً لأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مقام السّبب وهو تفريق القاضي عند إباء الزّوج الإسلام كما في حفر البئر فإن الأصل أن يضاف التلف في وقوع البئر إلى الثقل لإنّه هو العلّة للسقوط والحفر شرطه لأنّ الأرض كانت مسئلة مانعة عمل الثقل فبالحفر زال المانع فعمل الثقل عمله فعلم به أنّه شرط لكن العلّة ليست بصالحة للحكم لأنّ الثقل طبع لا يفدى فيه والمشي مباح لا شبهة فيه فلم يصلح المشي عليه بواسطة الثقل وإذا لم يعارض الشرط ما هو علة أو للشرط شبة بالعلل كما يتعلّق به من وجود الحكم أقيم مقام العلّة في ضمان النفس والأموال جميعًا كذا ذكره فخر الإسلام-﵀ في أصول الفقه فكذلك ههنا كان الأصل أن تضاف الفرقة إلى تفريق القاضي عند إباء الزّوج الإسلام ولكن هو غير ممكن لأن يد أهل الإسلام لا تصل إلى المصر منهما لتعرض عليه الإسلام ويحكم بالفرقة عند إبائه فأقيم ثلاث حيضات مقام ثلاث عرضات في تقرّر سبب الفرقة لما أن انقضاء ثلاث حيض شرط البينونة في الطّلاق الرجعي وشرط انقطاع علائق النكاح في الطّلاق البائن وإنّما كان كذلك لأنّ الزّوج صار غير مريد لها حين لم يساعدها على الاسلام وبعد ماصار غير مريد لها فالفرقة تقع بانقضاء ثلاث حيض كما لو طلقها إلا أنّ هناك إذا كان الطّلاق قبل الدّخول يمكن إثبات الفرقة [بنفسه لمباشرة الزوج سبب الفرقه] (٣)، وههنا لا يمكن إثبات الفرقة قبل الدّخول بدون انقضاء ثلاث حيض لأنّ الزوج ما باشر سبباً بل هو مستديم لما كان عليه فلذلك توقف انقطاع النكاح على انقضاء ثلاث حيض في الوجهين جميعًا كذا في الْمَبْسُوطِ (٤)، وبهذا خرج الجواب عمّا يرد على ما ذكر في الكتاب في قوله ولا فرق بين المدخول بها وغير المدخول بها.

стр. 1693

فإن قيل: العدة غير واجبة على غير المدخول له فكيف تقوم ثلاث حيض مقام انقضاء العدّة في حق المدخول له لأنا نقول لما أقيم ثلاث حيض مقام تفريق القاضي عند الإباء لم يكن [بد من وجوده سواء كان قبل الدخول أو بعده كما لا] (١) بدّ من وجود تفريق القاضي عند إمكانه في دار الإسلام عند الإباء من غير نظر إلى أنّه دخل بها أو لم يدخل والشّافعي ﵀ (٢) يفصل أي بين المدخول بها وغير المدخول بها حيث يقول إن كان قبل الدخول تقع الفرقة بإسلام أحدهما وإن كان بعد الدّخول يتوقف على انقضاء العدّة وهذا الحكم عنده [لا] (٣) يختلف بدار الحرب ودار الإسلام كما مرّ له أي للشّافعي-﵀ وهو قوله إلا أن ملك النكاح قبل الدّخول غير متأكّد إلى آخره وإذا وقعت الفرقة والمرأة حربية فلا عدّة عليها أي بالإجماع لأنّ حكم الشّرع لا يثبت في حقّها [ابتداء] (٤) فلأن يبقى أولى لأنّ البقاء أسهل من الابتداء فكم من شيء يتحمّل حالة البقاء في النكاح ولا يتحمّل في الابتداء. ألا ترى أنّ المنكوحة إذا وطئت بشبهة تعتد له وتبقى منكوحة ولا يجوز نكاح المعتدة [ثم] (٥) من وطئ بشبهة ابتداء وإذا خرج أحد الزّوجين إلينا من دار الحرب مسلمًا وقعت البينونة (٦) بينهما خلافاً للشّافعي ﵀ (٧)، والخلاف فيما إذا خرج أحد الزّوجين مسلمًا غير مراغم. وأمّا إذا خرجت المرأة مراغمة مسلمة وقعت الفرقة بالاتفاق عندنا لتباين الدّارين وعنده للقصد إلى المراغمة والاستيلاء على حق الزوج. وأمّا إذا خرجت غير مراغمة لزوجها أو خرج الزّوج مسلمًا أو ذميًّا تقع الفرقة بتباين الدّارين عندنا ولا يقع عند الشّافعي (٨) كذا في الْمَبْسُوطِ (٩) له أنّ التباين أثره في انقطاع الولاية المراد بانقطاع الولاية سقوط مالكيته عن نفسه وعن ماله كالحربي المستأمن والمسلم المستأمن يعني أنّ الحربي إذا دخل دارنا بأمان أو دخل المسلم دار الحرب بأمان لا تثبت الفرقة وإن كان تباين الدّار موجوداً.

стр. 1694

علم أنّ [القياس] (١) ليس بسبب للفرقة ولهذا أسقط الدّين عن ذمة المسمي يعني أنّ الحربي إذا سبي وعليه دين لآخر بطل بالسّبي كذا في الأسرار وهذا لأنّ السّبي سبب لملك ما يحتمل الملك ومحلّ النكاح محتمل للتملك فيصير مملوكًا للسابي لأنّه لو امتنع ثبوت الملك إنما يمتنع لحق الزّوج وهو ليس بحق محترم ولهذا قلنا لو كانت المسبية منكوحة لمسلم أو ذمي لا يبطل النكاح لأن مالك النكاح محترم واحتج هو أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢) معناه ذوات الأزواج من النساء ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣) فإنّها محللة لكم وإنّما نزلت الآية في سبايا أوطاس وإنّما سبي أزواجهن معهنّ. وحجّتنا في ذلك أن السبي سبب لملك الرقبة مالاً فلايكون مبطلاً للنكاح كالشّرى وهذا لأنّ المملوك بالنكاح ليس بمال فلا يثبت فيه التملّك بالسّبي مقصودًا لأن بملك البضع مقصودًا بسببه مختص بشرائط من الشهود والولي وذلك لا يوجد في السّبي فإنّما يثبت الملك هنا تبعًا لملك الرقبة وذلك لا يثبت إلا عند فراغ المحلّ عن حق الغير ونفس السّبي ليست بمنافية للنكاح. ألا ترى أنّ مالك النكاح لو كان محترمًا لا يبطل النكاح مع تقرّر السّبي والمنافي إذا تقرّر فالمحترم وغير المحترم فيه سواء كما إذا تقرّر بالمحرميّة والرضاع وأمّا الدين فإن كان على عبد فسبي لم يسقط الدّين نص عليه في المأذون [وإن كان على حر فسبي يسقط لأنّه لما] (٤) صار عبدًا والدّين لا يجب على العبد إلا شاغلاً مالية رقبته فكذلك لا يبقى إلا شاغلاً للماليّة وحين كان واجباً على الحرّ لم يكن شاغلاً لماليّة الرقبة إذ لا ماليّة في رقبته فلا يمكن إبقاؤه إلا بتلك الصّفة وقد تعذر إبقاؤه بتلك الصّفة بعد السّبي. ألا ترى أنّه لو كان الدّين لمحترم لا يبقى كذلك وبه يبطل. قولهم أن السّبي يقتضي صفا المسبي للسّابي فإنّ مالك النكاح إذا كان محترمًا يبقى النكاح ولا صفا. فإن قيل: يجوز أن يكون الدّين في الذمة بلا تعلّق في الرّقبة كالعبد يقر بدين. قلنا: لا يجوز ذلك وإنّما لا يطالب إذا أقر لأنّه غير ثابت في حق المولى لأن إقراره ليس بحجة عليه حتّى إذا ثبت بالاستهلاك معاينة [تقع] (٥) فيه كذا في الْمَبْسُوطِ (٦) والأسرار.

стр. 1695

ولنا أن مع التّباين حقيقة وحكمًا لا تنتظم المصالح. المراد بالحقيقة تباعدهما شخصاً وبالحكم أن لا يكون في الدّار التي دخلها على سبيل الرجوع بل يكون على سبيل القرار والسكنى، وفي قوله حكمًا جواب عن قوله كالحربي المستأمن والمسلم المستأمن لأنّ الحربي المستأمن وإن كان في دار الإسلام حقيقة ولكن هو في دار الحرب حكمًا لأنّه على نية الرجوع فلذلك لم يترتب عليه حكم التباين وكذلك في المسلم المستأمن حتّى لو انقطعت نية الرجوع كان حكم التباين ثابتًا في حقّه فإنّه ذكر في الْمَبْسُوطِ (١)، ويستوي في وقوع الفرقة بتباين الدّارين إن خرج أحدهما مسلمًا أو ذميًا أو خرج مستأمنًا ثم أسلم أو صار ذميًّا لأنّه صار من أهل دارنا حقيقة وحكمًا والآية دليلنا فإنّ الله تعالى حرّم ذوات الأزواج فلما لم يثبت انقطاع الزّوجية بينهما كانت محرمة على السابي بهذا النصّ كذا في الْمَبْسُوطِ (٢). المهاجرة من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية وإذا خرجت المرأة إلينا مهاجرة بأن خرجت مسلمة أو ذميّة على نية أن لا ترجع إلى ما هاجرت منه أبدًا لأنّ الفرقة وقعت بعد الدّخول في دار الإسلام. وإنّما قيّد به احترازاً عمّا لو طلّقها الحربي ثلاثاً في دارهم ثم هاجرت فإنّه لا عدّة عليها بالإجماع لأنّ الفرقة وقعت في دارهم وهم لا يؤاخذون بأحكامنا فبانت بلا عدة فلا تجب بعد ذلك عدّة لأنّها إذا سقطت مرّة أصلاً لا تعد إلا بتجديد سبيها وكذلك لا تجب العدّة على التي سبيت فإنّ السّبي المبيح للسابي منع ثبوت العلّة والعلّة لا تعمل عند معارضة المانع إيّاها وهذا كأمّ الولد تعتق فتلزمها العدّة وإذا كانت منكوحة لا تجب وأبو حنيفة ﵀ استدلّ بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٣)، فالله تعالى أباح نكاح المهاجرة مطلقا فتقييد ذلك بما بعد انقضاء العدّة يكون زيادة وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٤)، وفي إيجاب العدّة إمساك بعصم الكوافر والمعنى فيه أنّ هذه الفرقة وقعت بتباين الدّارين فلا توجب العدّة كالمسبية وهذا لأنّ تباين الدّارين حقيقة وحكمًا مناف للنكاح فكان منافياً لأثر النكاح فلا تجب العدة لحق الشّرع مع وجود المنافي ولا لحق الزّوج لأنّه حربي غير محترم كذا في الْمَبْسُوطِ (٥) والأسرار ولا خطر لملك الحربي.

стр. 1696

فإن قيل: لو خرجت حاملاً اعتدت بالإجماع ولو لم يكن لملكه خطر لما وجبت العدّة في صورة الحمل أيضاً قلنا هناك لا تعتد ولكنها لا تتزوج لأن في بطنها ولد إثابت النّسب وهذا كما قيل أنّ فراش أمّ الولد لا يمنع التزويج ولو كان في بطنها ولد لم يجز. فإن قيل: أبلغ ما في الباب أن يكون سقوط الحرمة بتباين الدّارين في حكم السّقوط بالموت وهناك وجبت العدّة قلنا أنّ الموت لا يوجب سقوط الحرمات أصلاً فإنّ التركة مبقاء على أصل ملكه وإنّما أسقط الموت الحرمة في حقيقة صفة مالكيته وذلك منقطع بالموت حتّى لا يصح منه إضافة الطّلاق إلى ما بعد الموت ولكن بقيت الحال المملوكة على حكم ملكه لبقاء الحرمة حكمًا فلزمتها العدة بحكم الملك لا بحقيقته وبتباين الدّارين أسقطت الحرمة حقيقة وحكمًا حتّى أنّ المرتد الذي يلحق بدار الحرب يصير بمنزلة الميّت حكمًا فتورث أملاكه ويعتق مدّبروه فأوجب الزّوال لا إلى أثر ملكه كذا في الأسرار فإذا ظهر الفراش في حق النّسب يظهر في حق المنع من النكاح وهذا هو الأصح بخلاف الحبل من الزنى لأنّ الحبل من الزنى لا نسب له وهنا النّسب ثابت من الحربي وباعتبار ثبوت النّسب المحل مشغول فلهذا لا يصحّ النكاح ما لم يفرغ المحلّ عن حق الغير كذا في الْمَبْسُوطِ (١)، وإذا ارتد أحد الزّوجين عن الإسلام وقعت الفرقة سواء دخل بها أو لم يدخل بها عندنا وعند الشّافعي-﵀ (٢) إن كان لم يدخل بها فكذلك وإن كان بعد الدّخول يتوقف انقطاع النكاح على انقطاع ثلاث حيض بناء على أصله على ما مرّ وسواء كانت امرأته مسلمة أو كتابية أو مجوسيّة بصورة المسلمة والكتابية ظاهرة. وأمّا صورة المجوسية فهي ما إذا كان الزّوج كتابياً والمرأة مجوسية فأسلم الزّوج ثم ارتد عن الإسلام بانت منه فإنّ النكاح بعد إسلامه باق ما لم يفرق القاضي بينهما. ألا ترى أنّها لو أسلمت كانا على نكاحهما منفردة بالردّة في حال بقاء النكاح موجب للفرقة وقال ابن أبي ليلى-﵀ لا تقع الفرقة بردّة أحدهما قبل الدّخول ولا بعده حتّى يستتاب المرتد فإن تاب فهي امرأة وإن مات أو قبل ورثته وجعل هذا قياس إسلام أحد الزّوجين ولكنّا نقول الردّة تنافي النكاح والمرض (٣) السّبب المنافي موجب للفرقة بنفسه كالمحرمية.

стр. 1697

وأمّا اختلاف الدّين فعينه لا ينافي النكاح حتى يجوز ابتداء النكاح بين المسلم والكتابية وكذلك الإسلام لا ينافي النكاح فإنّ النكاح نعمة وبالإسلام تصير النعم محرزه له فلذلك لا تقع الفرقة هناك إلا بقضاء القاضي كذا في الْمَبْسُوطِ (١). وذكر في المحيط (٢) إذا ارتدّ أحد الزّوجين وقعت الفرقة بينهما في الحال هذا جواب ظاهر الرّواية. وأمّا بعض مشايخ بلخ وبعض مشايخ سمرقند كانوا يفتون بعدم الفرقة بارتداد المرأة حسمًا لباب المعصية وعامتهم على أنّه تقع الفرقة إلا أنّها تجبر على الإسلام والنكاح مع زوجها الأوّل لأنّ الحسم يحصل بالجبر على النكاح مع الأوّل ومشايخ بخارى كانوا على هذا ووجهه أنّ الردّة منافية للنكاح لما ذكرنا أنّ الفرقة بالردة لفوات صفة الحل وذلك مناف للنكاح. ألا ترى أنّ الفرقة لا تتوقف على قضاء القاضي فكان نظير المحرمية وقد ذكرنا من (الْمَبْسُوطِ) (٣). فإن قلت: [لو كانت الردّة منافية للنكاح كالمحرمية] (٤) ينبغي أن لا يقع طلاق بالمرتدّ إذا طلق امرأته بعد الارتداد كما في المحرمية ومع هذا لو طلقها يقع بالاتفاق على ما يجيء في سبر هذا الكتاب. قلت: فقد أشار في الأسرار إلى أنّ ردّة أحد الزّوجين سبب موجب الفرقة على سبيل المنافاة حكمًا لا وضعًا بدليل أنّ الردّة اسم لتبديل الدّين لا لقطع النكاح شرعًا ووضعًا وكذلك يصح في غير نكاح ولأنّ الفرقة عقيب الردّة بلا فصل واقعة بالإجماع في غير المدخول بها ثبت أنّها وقعت لمنافاة بينهما حكمًا إذ لا ثالث هاهنا وإذا كان كذلك كانت المحلّية باقية من حيث الوضع والحقيقة لانعدام تأييد الحرمة فكانت المرتدّة في العدّة محلاً للطّلاق وغير باقية من حيث الحكم فجعلناه فسخًا عملاً بالشّبهين بخلاف الحرمة الثّابتة بالمحرميّة لأنها مؤبدّة فكانت منافية للنكاح من كل وجه فلم تبق محلاً للطّلاق لانعدام فائدة أثر الطّلاق. وحاصله أنّ الفرقة إذا وقعت بين الزّوج وامرأته بخيار البلوغ أو خيار العتاقة بعد الدّخول ووجبت عليها العدة فلو طلّقها في هذه العدّة لا يقع في المنتقى لأنّه فسخ والعقد إذا فسخ يجعل كأنّه لم يكن. وقال في المحيط (٥) والأصل أنّ المعتدة بعدة الطّلاق يلحقها الطّلاق والمعتدة بعدّة الوطئ لا يلحقها الطّلاق ولو أسلم أحد الزّوجين لا يقع على الآخر طلاقه وكل فرقة توجب الحرمة مؤبدًا فإنّ الطّلاق لا يلحق المرأة وكذا لو اشترى منكوحته لم يلحقها الطّلاق هذا المجموع من الخلاصة.

стр. 1698

وذكر في المحيط (١) وكل فرقة توجب التحريم مؤبدًا فإن الطّلاق لا يلحق المرأة لأنّه لا يظهر له أثر وإذا ارتد الرجل ولحق بدار الحرب لم يقع على المرأة طلاقه لأن تباين الدّارين مناف للنكاح فكان منافياً للطّلاق الذي هو من أحكام النكاح فإن عاد إلى دار الإسلام وهي في العدّة وقع عليها الطّلاق لأنّ المنافي وهو تباين الدّارين قد ارتفع ومحليّة الطّلاق بالعدّة وأنها قائمة فيقع الطّلاق وإذا ارتدت المرأة ولحقت بدار الحرب لم يقع طلاق الزّوج عليها عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لأنّ العدّة قد سقطت عنها عنده لفوات المحلية لأن من كان في دار الحرب فهو كالميّت في حقّنا وبقاء الشّيء في غير محلّه مستحيل والعدّة متى سقطت لا تعود الا بعود سببها بخلاف الفصل الأوّل؛ لأن هناك العدة باقية ببقاء محلّها لأنّها في دار الإسلام إلا أنّ تباين الدّارين كان مانعًا وقوع الطّلاق فإذا ارتفع المانع والعدة باقية وقع وقال أَبُو يُوسُف ﵀ يقع الطّلاق لأنّ العدّة باقية. وذكر في طلاق الْمَبْسُوطِ (٢) من حيث المعنى إذا ملك أحد الزّوجين الآخر وقعت الفرقة بغير طلاق ثم لا يقع طلاقه عليها لأنّ ملك رقبتها كما تنافي أصل ملك النكاح تنافي ملك اليد بسبب النكاح وبه كان محلاً لوقوع الطّلاق عليها فلهذا لا يقع طلاقه عليها. قوله: ﵀ وَإِن لم يدْخل بهَا فَلَا مهر لَهَا وَلَا نَفَقَة (٣). فإن قيل: قوله ولا مهر مستقيم فما فائدة ذكره ولا نفقة إذ المسلمة إذا كانت غير مدخولة ووقعت الفرقة لا تجب النّفقة على زوجها. فحينئذ لا يرتاب أحد في عدم وجوب النّفقة في المرتدّة إذا كانت غير مدخولة. قلنا: قوله ولا نفقة راجع إلى ما ذكر قبيلة وهو قوله وإن كانت هي المرتدّة فلها كل المهر إن دخل بها ولكن لا نفقة لها لأنّ الفرقة من قبلها ما روي أن بني حنيفة ارتدوا. حنيفة أبو حيي من العرب وهو حنيفة بن [لجيم] (٤) بن صعب بن علي بن بكر بن وائل كذا في الصّحاح (٥). قوله: ﵀ لِجَهَالَةِ التَّارِيخِ (٦) جواب لسؤال وهو ما ذكره فخر الإسلام في مبسوطه بقوله. فإن قيل: لأن ارتدادهم ما كان جملة بالإجماع فكيف يستقيم التعلّق به.

стр. 1699

قلنا: عند جهالة التّاريخ بالتقدّم والتأخر يجعل في الحكم كأنّه وجد جملة ولأن ردتهم كان يمنع الزّكاة على اعتقاد أنّها ليست بواجبة والمنع كان قائمًا بالمنعة جمله فصار بمنزلة فعل واحد فلا يوصف بالتقدّم والتأخّر. وفي الْمَبْسُوطِ (١) والمعنى فيه أنّه لم يختلف بهما دين ولا دار فيبقى ما كان بينهما على ما كان كما إذا أسلم الكافران معًا والفقه فيه أن وقوع الفرقة عند رده أحدهما لظهور خبثه عند المقابلة بطيب المسلم فإذا ارتدّا معًا لا يظهر هذا الخبث بالمقابلة لأنه يقابل الخبيث بالخبيث واعتبار البقاء بالإبتداء فاسد فإن عدّة الغير تمنع ابتداء النكاح ولا يمنع البقاء فإن أسلم أحدهما وقعت الفرقة بينهما بإصرار الآخر على الردّة لظهور خبثه الآن عند المقابلة بطيب الآخر حتّى أن كانت المرأة هي التي أسلمت قبل الدّخول فلها نصف الصّداق وإن كان الزّوج هو الذي أسلم فلا شيء لها لأنّ الفرقة من جانب من أصرّ على الردّة فإن إصراره بعد إسلام الآخر كإنشاء الردّة والله أعلم بالصّواب. باب القسم لما ذكر جواز نكاح عدد من النّساء لم يكن بدّ من بيان العدل الوارد من الشّارع في حقهن وهذا بابه ولكن اعتراض ما هو أهم منه من بيان جواز النكاح وعدمه الراجعين إلى أمر الفروج وغيرهما أوجب تأخيره والقسم بالفتح مصدر قسم القسّام المال بين الشركاء فرّقه بينهم وعيّن أنصبابهم ومنه القسم بين النساء. وأمّا القسم بالكسر النّصيب مثل طحنت طحنًا والطّحن الدّقيق. والقسمة اسم للمقاسمة والتقاسم كذا في الصّحاح (٢)، والمغرب (٣) وإذا كان للرّجل امرأتان حرتان فعليه أن يعدل بينهما اعلم بأنّ الزّوج مأمور بالعدل في القسمة بين النساء وذلك ثابت بالكتاب والسنّة. أمّا الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (٤) معناه أن لا يجوزوا وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ (٥) معناه ولن تستطيعوا العدل والتسوية في المحبة فلا تميلوا في القسم. وأمّا السنّة فهي المذكورة في الكتاب كذا في الْمَبْسُوطِ (٦) والإيضاح.

стр. 1700

قوله: ﵀ وَالْقَدِيمَةُ وَالْجَدِيدَةُ سَوَاءٌ (١) احتراز عن قول الشّافعي ﵀ (٢) فإنّه يقول إن كانت الجديدة بكراً يفضلها بسبع ليال وإن كانت ثيباً فبثلاث ثم التّسوية بعد ذلك لحديث أبي هريرة ﵁ أنّ النبي ﵇ قال: «تُفَضَّلُ الْبِكْرُ بِسَبْعٍ وَالثَّيِّبُ بِثَلَاثٍ» (٣). وحجّتنا في ذلك أن سبب [وجوب] (٤) التّسوية اجتماعهما في نكاحه وذلك بنفس العقد ولو وجب تفضيل أحديهما لكانت القديمة أولى بذلك لأنّ الوحشة في جانبها أكثر حيث أدخل عليها غيرها فإن ذلك يغيضها عادة ولأنّ للقديمة زيادة حرمة بالخدمة كما قيل لكل جديدة لذّة ولكلّ قديمة حرمة. فأمّا الحديث فالمراد التفضيل بالبداية دون الزّيادة كما ذكر في حديث أم سلمة ﵂ «إنْ شِئْت سَبَّعْت لَك وَسَبَّعْت لَهُنَّ» (٥)، ونحن به نقول أن للزّوج أن يبدأ بالجديدة ولكن بعد أن نسوى بينهما كذا في الْمَبْسُوطِ (٦). قوله: ﵀ بِكْرَيْنِ كَانَتَا أَوْ ثَيِّبَيْنِ (٧) [وكذلك] (٨) المسلمة والكافرة والمراهقة والبالغة والمجنونة والعاقلة والمريضة والصّحيحة كلّ واحدة منهن في استحقاق القسم على السّواء للمساواة بينهما في سبب هذا الحق وهو الحلّ الثّابت بالنكاح وكذلك في طرف الرّجل المجبوب والخصي والعنّين في القسم [لأنّ وجوب القسمة] (٩) بين النّساء سواء لما يجيء أن وجوب العدل في الصّحبة والمؤانسة دون المجامعة وحال هؤلاء في هذا [الحال] (١٠) كحال الفحل وكذلك الغلام الذي لم يحتلم إذا دخل بامرأتين له فإنّه يسوي بينهما في القسم لأن وجوب التّسوية لحق النّساء وحقوق العباد يتوجّه على الصّبيان عند تفرد السّبب كما يتوجه على البالغين كذا في الْمَبْسُوطِ (١١).

стр. 1701

«جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» (١)، ورواية الْمَبْسُوطِ (٢) «وَأَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ» يقال له شق مائل أي مفلوج كذا في المغرب (٣) الحق الوعيد بمقابلة ميل أحدهما فدلّ إلحاق الوعيد على أنّ العدل بينهما واجب إذ الوعيد إنّما يلزم عند ترك الواجب ولأن القسم من حقوق النكاح كالنّفقة ولا تفاوت بينهنّ في ذلك لما أنّ حكم الحلّ والاستحقاق على السّواء فكذا في الحكم المرتّب عليه والاختيار في تقدير الدّور للزّوج أي يجعل الزّوج لكلّ واحدة منهما ليلة ليلة أو ليلتين ليلتين أو أكثر لأنّ المستحق هو التّسوية دون طريقها أي لا طريق التسوية أي ليس للمرأة أن تقول ليلة لي وليلة [أخرى] (٤) لضرّتي ولا أجوز أن تبيت عندي ليلتين وعندها ليلتين لما أنّ قدر الدّور مفوّض إلى الزّوج لا إلى المرأة والتّسوية المستحقة في البيتوتة لافي المجامعة لأنّ ذلك شيء يبتنى على النشاط فلا يقدر على اعتبار المساواة فيه وهو نظير المحبة بالقلب فلما كان كذلك لا يسقط وجوب القسم بمرضه لأنّه يقدر على البيتوتة وإن لم يقدر على الجماع. وكذلك لا يسقط لمرضها لما روي أنّ رسول الله ﵇ استأذن نساءه في مرضه أن يكون في بيت عائشة ﵂ فأذن له في ذلك فكان في بيتها حتّى قبض ﷺ (٥) ففي هذا دليل على أنّ الصّحيح والمريض في القسمة سواء وإنّ [عند] (٦) الإذن له أن يقيم عند أحديهنّ كذا في مبسوطي شمس الأئمّة وفخر الإسلام-رحمهما الله-.

стр. 1702

وقال الشّافعي ﵀ القرعة (١) مستحبة والكلام هاهنا في فصلين أحدهما أن يسافر بايهن شاء من غير إقراع بينهما عندنا وعند الشافعي –﵀ (٢) ليس له ذلك إلا أنّ يقرع بينهما والثّاني أنّه إذا سافر ببعضهن بغير إقراع ليس للباقيات بعد الرّجوع الاحتساب عليه بتلك المدّة عندنا. وقال الشّافعي ﵀ (٣) إن سافر ببعضهن بغير إقراع فذلك محسوب عليه في حقّ الأخرى وهذا الفصل بناء على الفصل الأوّل لأنّ الإقراع مستحق عنده فإذا لم يفعل ذلك كانت مدّة سفره نوبة التي كانت معه فينبغي أن يكون عند الأخرى مثل ذلك لتحقّق العدل ولكنّا نقول وجوب التّسوية في وقت استحقاق القسم عليه [وهو مذكور في الكتاب وهو قوله: الا ترى انّ له ان لايستصحب واحدة منهن فكذا له ان يسافر بواحدة منهن] (٤)، وقد بيّنا أنّه لا حق للمرأة في القسم في حال سفر الزّوج فلا يلزمه مراعاة [النسوة] (٥) باعتبار تلك المدّة ألا ترى أن في حال الحضر لا فرق بين أن تكون البداية بإقراع أو غير إقراع. فكذلك في السّفر ولو أقام عند أحديهما شهراً أي في غير حالة السّفر ثم خاصمته الأخرى في ذلك قضى عليه أن يستقبل العدل بينهما وما مضى فهو هدر غير أنه فيه إثم لأنّ القسمة تكون بعد الطّلب من كلّ واحد منهما فما مضى قبل الطّلب ليس من القسمة في شيء والواجب عليه العدل في القسمة فإن عاد للجور بعدما نهاه القاضي أوجعه عقوبة وأمره بالعدل لأنّه أساء الأدب فيما صنع وارتكب ما هو حرام عليه وهو الجور فيعزّر في ذلك ويؤمر بالعدل ولو أنّ عند الرجل امرأة فقد خلت في سنها أي كبرت فأراد أن يستبدل بها شابه فطلبت أن يمسكها ويتزوّج الأخرى ويقيم عند التي يتزوج أيامًا ويقيم عندها يومًا فتزوّج على هذا الشّرط كان جائزًا لا بأس به لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا﴾ (٦) قال علي ﵁: إنّما نزلت الآية في هذا وإذا كان للرجل امرأة واحدة وكان يقوم باللّيل ويصوم بالنّهار فاستعدت عليه امرأته [واستعدى فلان الأمير على من ظلمه اي استعان به فأعداه عليه اي اعانه عليه ونصره، المغرب (٧) (٨) فإنّه يؤمر بأن يبيت معها وأن يفطر لها بلغنا عن عمر ﵁ انّه قال لكعب بن سؤر [سور المدينة معروف وبه سمّي والد كعب بن سؤر الأزدي والشين تصحيف، المغرب (٩) (١٠) اقض بينهما فقال: أراها إحدى نسائه الأربع له ثلاثة أيّام ولياليهنّ ولها يوم وليلة.

стр. 1703

وقصّة هذا الحديث أن امرأة جاءت إلى عمر ﵁ فقالت: إن زوجي يصوم ويقوم باللّيل، فقال: نعم الرّجل زوجك، فأعادت كلامها مراراً في كلّ ذلك يجيبها عمر بهذا فقال كعب بن سؤر/: يا أمير المؤمنين إنّها تشكو زوجها في أنّه هجر صحبتها فتعجب عمر من فطنته فقال: اقض بينهما فقضى كعب بما ذكر فولاه عمر قضاء البصرة (١). ثم في ظاهر الرّواية لا يتعيّن حقّها في يوم وليلة من كل أربع ليال ولكنه يؤمر الزّوج بأن يراعي قلبها ويبيت معها أحيانًا من غير أن يكون في ذلك شيء مؤقت وروى الحسن عن أَبِي حَنِيفَةَ -رحمهما الله- قال إذا كان للرجل امرأة واحدة فاشتغل عنها بالصّيام والقيام او بصحبة الإماء فخاصمته في ذلك قضى القاضي لها بليلة من كلّ أربع ليال لحديث كعب بن سؤر ﵁ ولأن للزّوج أن يسقط حقّها عن ثلاث ليالي بأن يتزوّج ثلاثاً سواها. وليس له أن يسقط من حقّها أكثر من ذلك. ووجه ظاهر الرّواية أن القسمة والعدل إنّما يكون عند المزاحمة ولا مزاحمة ههنا حين لم يكن في نكاحه إلا واحدة وهذا لأنّ عند المزاحمة يلحق كلّ واحدة منهما المغايظة بمقامه عند الأخرى فيستحق عليه التّسوية ولايجب ذلك عند عدم المزاحمة كذا في مبسوط (٢) لأنّها أسقطت حقاً لم يجب بعد فلا يسقط لأنّ الإسقاط إنما يتحقق في القائم فيكون رجوعها امتناعاً فصار بمنزلة العارية وللمعير أن يرجع متى شاء لما قلنا فكذا هذا كذا في مبسوط (٣) فخر الإسلام ﵀ والله اعلم. كتاب الرضاع لم يذكر عامة مسائل الرضاع في فصل المحرمات وأتى بكتاب له على حدة لما أنّ أحكاماً جمة مخصوصة به لا يشاركه فيها غيره ثم المعنى في تحريم الرضاع ما هو المعنى في تحريم المصاهرة بل أولى لأنّ الأصل في التّحريم فيهما هو [الحرمه] (٤) ثم الوطئ هناك قد يكون معلقاً وقد لا يكون لاسيّما في حق أسبابه من التقبيل والمعانقة بشهوة ولا جزية فيها أصلاً فحرم هنا باعتبار شبهة الجزية وإقامة الأسباب مقام الجزئية [وهاهنا الجزية] (٥) ثابتة يقينًا لما أنّ اللبن الذي هو جزء الآدمي يحصل به إثبات اللّحم وإنشاز العظم وإليه أشار رسول الله ﵇ فقال: «الرَّضَاعُ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ» (٦) فكان التّحريم به أولى.

стр. 1704

ثم الرضاع لغة مصّ اللّبن من الثّدي وجعل في الدّيوان فتح الراء أصلاً والكسر لغة فيه وجعل الفعل من باب علم أصلاً وكونه من باب ضرب لغة فيه وهو لغة أهل نجد ومنه قول السّلولي (١) على هذه اللغة شعر: وذَمُّوا لنا الدنيا وهم يَرْضِعونَها … أَفاويقَ حتى ما يَدِرُّ لها ثَعْلُ (٢) الفيقة بالكسر اسم اللّبن الذي يجتمع بين الحلبتين صارت الواو بالكسرة ما قبلها والجمع فيق ثم أفواق ثم أفاويق الثعل زيادة في الإختلاف أي الضروع بهذا نهجوا العلماء وإنما ذكر الثعل للمبالغة في الإرتضاع فإن الثعل لا يدر في الشّريعة عبارة عن مص شخص مخصوص وهو أن يكون صبياً رضيعًا من ثدي مخصوص وهو ثدي الآدمية في وقت مخصوص وهو ما يذكر بعد قوله لا يثبت التّحريم إلا بخمس رضيعات يكتفي الصبي بكل واحدة منهاكذافي الْمَبْسُوطِ (٣) لقوله ﵇: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ وَلَا الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ» (٤) المصّة من فعل الرضيع والإملاجة من فعل المرضع يقال ملج الصبي أمّه من باب علم أي رضعها وأملجت المرأة الصبي أي أرضعته. ثم وجه التمسك له بهذا الحديث لا يتم إلا بنفي مذهبنا وهو ثبوت حرمة الرضاع وإن قلّ الارتضاع لكن لما انتفى به مذهبنا يثبت مذهبه ضرورة لعدم القابل بالفصل أي بين القليل وبين خمس رضعات. وقول من قال من أصحاب الظّواهر بثلاث رضعات غير معتبر فلا يقدح له في وجه التمسك به كما ذكرنا ويتمسك أيضاً بحديث عائشة ﵂ أنّها قالت: كان فيما أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس رضعات معلومات يحرمن وكان ذلك مما يتلى بعد رسول الله ﵇ (٥)، ولنا قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٦) الآية، أثبتت الحرمة بفعل الإرضاع فاشتراط العدد فيه يكون زيادة على النص ومثله لا يثبت بخبر الواحد وفي حديث علي ﵁ أنّ النبي ﵇ قال: «الرَّضَاع قَلِيلُه وَكَثِيرُه سَوَاء» (٧) يعني في إيجاب الحرمة ولأنّ هذا سبب من أسباب التّحريم فلا يشترط فيه العدد كالوطئ.

стр. 1705

وأمّا حديث عائشة ﵂ فضعيف جدًا لأنّه إذا كان متلوًا بعد رسول الله ﵇ ونسخ التلاوة بعد رسول الله ﵇ لا يجوز فلماذا لايتلى الآن. وذكر في الحديث دخل داجن البيت فأكله وهو يقوي قول الروافض فإنّهم يقولون كثير من القرآن ذهب بعد رسول الله ﵇ ولم يثبته الصّحابة في المصحف وهو قول باطل بالإجماع ثمّ لو ثبت هذا الحديث إنّما كان ثبوته في الوقت الذي كان إرضاع الكبير مشروعًا لما أنّ إنبات اللّحم وإنشاز العظم في حق الكبير لا يحصل بالرّضعة الواحدة، فكان العدد فيه مشروعًا ثم انتسخ بانتساخ حكم إرضاع الكبير كذا في الْمَبْسُوطِ (١) «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» (٢) فالنبي ﵇ شبه هذه الحرمة بحرمة النّسب وتلك الحرمة لم تعلق بتكرّر السّبب وهو الوطئ بل يثبت بنفس الوطئ والنكاح فدّل السّببية على أن لا عبرة لتكرار المصّة كذا في مبسوط فخر الإسلام. قوله: ﵀ وإن كانت لِشُبْهَةِ الْبَعْضِيَّةِ (٣) جواب سؤال مقدّر بأن يقال ينبغي أن لا يثبت الرّضاع بالقليل لما أن تحريم الرضاع انما كان لإنشازه العظم وإنباته اللّحم [كما جاء في الحديث. وفي القليل لا يثبت ذلك فلا يوجب الحرمة فأجاب عنه بقوله لكنّه أمر باطن أي إنشاء العظم وإنبات اللحم] (٤) فكذلك تعلق الحكم بفعل الإرضاع كما في السّفر والنّوم والإنشاز بالزّاي المهملة الإحياء وفي التنزيل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (٥) ومنه «لَا رَضَاعَ إلَّا مَا أَنْشَرَ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ» (٦) أي قواه وشده كان أحياه. ويروى بالزّاء كذا في المغرب (٧). وقال زفر ﵀ ثلاثة أحوال أي ثلاث سنين لأنّ الحول [حسن] (٨) للتّحول أي الحول صالح للتحول من حال إلى حال كما في أجل العنين وهذا لأنّ الطّباع أربع من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة فلا تتبدّل العادة بالفصال إلابسنّة فكان الحول صالحًا للزّيادة على الحولين فقدرت الزّيادة به أي بالحول وهذا معنى ما قال في الكتاب إلى هذا أشار في الأسرار.

стр. 1706

ولزفر-﵀ وجه آخر فيه وهو أن يقول لما ثبت مدّة الرضاع بحولين ونصف كما قال أبو حنيفة ﵀ فلابدّ من الزّيادة عليها بشيء لأنّ الصّبي لا يتعود أكل الطّعام بعد الفطام بمرّة واحدة فاعتبرت تلك الزّيادة بأقل مدة الحمل وهو ستّة أشهر وتعيين ذلك للمعنى يجيء فلذلك كانت ثلاث سنين لهما قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾ (١) الآية والأوجه التمسّك لهما ما ذكرفي الْمَبْسُوطِ (٢) لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٣) ولا زيادة بعد التمام والكمال لما أنّ هذه الآية نصّ في بيان مدّة الرضاع لأنّ سوق الآية له وما ذكر في الكتاب ظاهر لأنّ سوق الآية لإثبات منه الوالدة منه الوالدة على الولد فالتمسّك بالنص الذي سيق لإثبات المدعى أولى وقال الله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (٤) ولا رضاع بعد الفصال. وله هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٥) كالأجل المضروب للدينين كما إذا قال لفلان علي ألف درهم وخمسة أقفزة حنطة إلى شهرين يكون الشّهران أجل كلّ واحدة من الدّينين بطريق الكمال إلا أنّه قام المنقص في أحدهما أي في حقّ الحمل والمنقص حديث عائشة ﵂ وهو ما قالت: (الولد لا يبقى في بطن أمّه أكثر من سنتين ولو بفلكه مغزل) (٦). فإن قلت: في النقيص معنى التغيير والزيادة على النص فلا يصحّ تغير موجب الكتاب بخبر الواحد كما لا يصح تخصيصه ابتداء بخبر الواحد لما فيه من نوع تغيير. قلت: نعم كذلك إلا أنّ الكتاب مؤول والآية المؤولة في إثبات الحكم مثل القياس. وإنّما قلنا ذلك لأنّ فخر الإسلام ﵀ جعل الأجل المضروب للمدتين متوزعًا عليهما. وكذلك عامة أهل التّفسير فكان هو مخالفاً لما ذكر ههنا فقال وفيه إشارة إلى أن أقلّ مدة الحمل ستّة أشهر إذا رفعت مدّة الرضاع ذكره في أوائل أصول الفقه.

стр. 1707

وكذا في التّيسير والكشّاف (١) وغيرهما روي أن رجلاً تزوّج امرأة فولدت لستة أشهر فجيء بها إلى عثمان ﵁ فشاور في رحمها، فقال ابن عبّاس ﵁ (٢): إن خاصمتكم بكتاب الله تعالى خصمتكم قالوا: كيف قال أنّ الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٤) فحملها ستّة أشهر وفصاله حولين وتركها كذا في التّيسير فقدرت بأدنى مدّة الحمل وهي ستّة أشهر؛ لأنّ تلك المدة مدّة تغير الغذاء، فإنّ الولد يبقى في البطن ستّة أشهر ويتغدّى بغذاء الأم، ثم ينفصل فيصير أصلاً في الغذاء فثبت أنّ مدّة تغيّر الغداء ستة أشهر كذا في الإيضاح والمحيط (٥)، والحديث محمول على مدّة الاستحقاق وإنّما أبهم الاستحقاق لأنّ بعضهم قالوا المراد من قوله ﵇: «لَا رَضَاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ» (٦) أي لا يستحق الولد الرضاع بعد الحولين وقال بعضهم المراد من الحديث نفي استحقاق الآجرة وقال في المحيط (٧) وكثير من المشائخ قالوا أن مدّة الرضاع في حق استحقاق الأجر على الأب مقدّرة بحولين عند الكلّ حتى لا تستحق المطلقة أجرة الرضاع بعد الحولين بالإجماع ويستحق في الحولين بالإجماع وذكر في الأسرار. وأمّا الحديث فليس فيه بيان الحكم وعينه غير مراد لأنّ الرّضاع عينه بعد الحولين مما يوجد فلئن جاز لهما الحمل على حكم الحرمة جاز لنا أن نحمل على حكم الوجوب وإذا مضت مدّة الرضاع لم يتعلّق بالرضاع تحريم سواء فطم أو لم يفطم وقال بعض النّاس الكبير والصّغير سواء في حكم الرضاع. واحتجوا بظاهر النّصوص وتقول عائشة ﵂ (٨) حتى كان إذا أراد أن يدخل عليها أحد من الرجال امرت أختها أم كلثوم أو بعض بنات أختها أن ترضعه خمساً ثم كان يدخل عليها إلا أن غيرها من نساء رسول الله ﵇ كنّ يأبين ذلك ويقلن لا يرى هذا من رسول الله إلا رخصة لسهلة خاصة حيث قال لها رسول الله ﵇: «أَرْضِعِي سَالِمًا خَمْسًا تَحْرُمِينَ بِهَا عَلَيْهِ» (٩)، ولكنّا نقول انتسخ هذا الحكم بقول رسول الله ﵇: «الرَّضَاعُ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ» (١٠)، وذلك في الكبير لا يحصل والصّحابة اتفقوا على هذا ولأنّ الرضيع في اللغة اسم للصّغير دون الكبير لأنّه سمّى به لتربيه باللبّن لا لوجود الفعل.

стр. 1708

ألا ترى أن الكبير لا يسمّى رضيعًا وإن شرب اللّبن ولما لم يكن هو رضيعًا لم تكن المرأة مرضعة واسم الرّضيع بمنزلة اسم الصبي يزول بالكبر [وإن كان الكبير] (١) قد يتصابى وروي أن أبا موسى الأشعري ﵁ سئل عن رضاع الكبير فأوجب الحرمة ثم أتوا عبد الله بن مسعود ﵁ فسألوه عن ذلك فقال: أترون هذا الأشمط رضيعًا فيكم، فلما بلغ أبا موسى حلف أن لا يفتي مادام عبد الله فيهم، وفي رواية: فقال أبو موسى: «لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مَادَامَ هَذَا الْحَبْرُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ» (٢). وهذا كاسم المأكول لا يطلق على ما لا يتغدى به وإن أكل بل يقال فلان أكل غير مأكول ويطلق على المأكول وإن لم يؤكل لأنّه صالح للتغدي فكذلك اسم الرّضيع للصّغير الذي تربيه باللّبن لضعفه وإن ربي بشيء آخر كذا في الْمَبْسُوطِ (٣) والأسرار ولا يعتبر الفطام قبل المدّة يعني إذا فطم الصبي قبل أن يمضي الحولان ثم يسقى بعد ذلك لبن امرأة قبل أن يمضي الحولان فهو رضاع بالإجماع في ظاهر الرّواية. وكذلك لو فطم قبل أن يمضي حولان ونصف على قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ثم أرضع في تلك المدّة فهو رضاع أيضاً على قوله في ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أَبِي حَنِيفَةَ -رحمهما الله- قال هذا إذا لم يتعود الصّبي الطّعام حتّى لا يكتفي به بعد هذا الطّعام. وأمّا إذا صار بحيث يكتفي بالطّعام لا تثبت الحرمة برضاعه؛ لأنّه بعدما صار بحيث يكتفى بالطّعام فاللّبن بعده لايغذيه، فلا يحصل به معنى البعضية كذا في الْمَبْسُوطِ (٤) قيل لا يباح وفي طريقة أبي اليسرلا يباح شربه للطّفل إذا استغنى. فإن قيل: يجوز للدّواء قلنا بعض علمائنا لم يجوّزوا بعضهم جوّزوا إذا علم أنّه يزول به الرمد كذا ذكره الإمام التمرتاشي-﵀ للحديث الذي روينا وهو قوله ﵇: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» (٥) قوله من الرّضاعة في قوله إلا أم أخته من الرضاعة جاز أن يتعلّق بالأم [وجاز أن يتعلّق بالأخت] (٦) وجاز أن يتعلّق بهما أما صورة تعلقه بالأم فهو أن يكون لرجل أخت من النّسب ولها أمّ من الرضاعة فإنّه يجوز له أن يتزوّج أم أخته التي كانت أمّها من الرضاعة فأمّا صورة تعلّقه بالأخت فبان يكون له أخت من الرّضاعة ولها أمّ من النّسب فإنّه يجوز أن يتزوّج أمّ أخته التي كانت أمّها من النّسب.

стр. 1709

وأمّا صورة تعلّقه بهما فبأن يجتمع الصبي والصبيّة الأجنبيان في ثدي امرأة أجنبية وللصبية أم أخرى من الرضاعة فإنّه يجوز لذلك الصّبي أن يتزوّج أم أخته التي كانت الأم من الرضاعة التي انفردت بها رضيعًا. وذكر في المحيط (١) قال أصحابنا ﵀ وما يتعلّق به التّحريم في النّسب يتعلّق به في الرضاع إلا في مسألتين أحديهما أنّه لا يجوز للرجل أن يتزوّج أم أخته من النّسب ويجوز في الرضاع وإنّما كان كذلك لأنّ في النّسب إن كانا أخوين لأمّ وأمّ الأخ أمة وإن كانا أخوين لأب فأمّ الأخ امرأة أبيه وهذا المعنى معدوم في الرّضاع والمسألة الثّانية فإنّه لا يجوز للرجل أن يتزوّج أخت ابنه من النّسب ويجوز في الرضاع وإنّما كان كذلك لأن أخت ابنه من النّسب إن كانت منه فهي ابنته وإن لم يكن منه فهي ربيبة وهذا المعنى لا يتأتى في الرضاع حتّى أن في النّسب لو لم يوجد أحد هذين المعنيين فإنّه يجوز إن كانت جارية بين شريكين جاءت بولد فادعياه حتّى ثبت النسب فيهما ولكلّ واحد منهما ابنة من امرأة أخرى جاز لكلّ واحد من الموليين أن يتزوّج بابنة شريكه وإن كان كلّ واحد من الموليين متزوّجًا بأخت أبنه من النّسب وفي غيرها بين المسألتين فحكم الرضاع وحكم النّسب سواء. قوله: ولا يجوز ذلك من النّسب (٢)، وقد ذكرنا صورة ما يجوز ذلك من النّسب على ما ذكرنا من الجارية المشتركة فعلم بذلك أنّه غير مجرى على إطلاقه لما روينا إشارة إلى قوله يحرم من الرضاع ما يحرم من النّسب لإسقاط اعتبار التبني فإن حليلة الابن المتبنى كان حراماً في الجاهليّة. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون لإسقاط حليلة ابن الرضاع أو لإسقاطهما فما وجه ترجيح جانب حليلة الابن المتبنى في الإسقاط. قلنا: حرمة حليلة ابن الرضاع ثابتة بالحديث المشهور وهو قوله ﵇: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» (٣) فحملناه على حليلة الابن المتبنى لكيلا يلزم التّدافع بين موجب الكتاب والسنّة المشهورة ولبن الفحل هذا من قبيل إضافة الشّيء إلى سببه؛ لأنّ سبب اللّبن إنّما هو الفحل على ما ذكر في آخر هذه المسألة فأقيمت للأسباب في باب الحرمات مقام المسبّب كما أقيم المسّ بشهوة مقام [الوطئ] (٤) وحرمة المصاهرة «لِيَلِجْ عَلَيْكِ أَفْلَحُ، فَإِنَّهُ عَمُّكِ مِنْ الرَّضَاعَةِ»، فإنّ عائشة ﵂ ارتضعت من امرأة قُعَيْس وكان اسم أخ قعيس أفلح فلما كانت تلك المرأة أمًا لها [كان زوجها أباً لها] (٥)، وأخو الزّوج عمًا لا محالة فإنّ عائشة قالت يا رسول الله: «إنَّ أَفْلَحَ بن أَبِي قُعَيْسٍ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَّا فِي ثِيَابٍ فَضْلٍ فَقَالَ: لِيَلِجْ عَلَيْكِ أَفْلَحُ، فَإِنَّهُ عَمُّكِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، فَقُلْتُ: إنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ لَا الرَّجُلُ قال: فلِيَلِج علَيْك فَإِنَّهُ عَمُّك» (٦)، والعمّ من الرضاعة لا يكون إلا باعتبار لبن الفحل كذا في الْمَبْسُوطِ (٧) ولأنّه سبب لنزول اللّبن منها فيضاف إليه في موضع الحرمة احتياطاً.

стр. 1710

فإن قلت: لاشكّ أن السّبب الذي أقيم مقام المسبب في إثبات الحكم كان أدنى [حال] (١) من المسّبب الذي هو الأصل في إثبات الحكم. ألا ترى أنّ المسّ بشهوة أقيم مقام الوطئ في إيجاب حرمة المصاهرة باعتبار أنّه سبب الوطئ وثبوت حرمة المصاهرة بالوطئ الحلال حكم ثابت بإجماع بيننا وبين الشّافعي-﵀ وفي المسّ بشهوة على الاختلاف وإن كان المسّ حلالاً وما ذاك إلا أضعف السّبب وقوة المسبّب ثم ههنا لو ارتضع الصبي من ثُنْدُوَةِ (٢) الرجل نفسه إذا نزل له اللّبن لا يثبت حرمة [المصاهرة] (٣) فكيف يثبت منه بارتضاع اللّبن الحاصل بسببه ولا يثبت من اللّبن الحاصل من نفسه. قلت: افتراق الحكم لافتراق الوصف وذلك لأنّ المعنى الذي لأجله يثبت الحرمة بسبب الرضاع لا يوجد في إرضاع الرّجل فإنّ ما نزل من ثندوته ولا يتغدى به الصبي ولا يحصل به إنبات اللّحم وهو نظير وطئ الميتة في أنّه لا يوجب حرمة المصاهرة وإن كان المسّبب موجودًا إلى هذا أشار في الْمَبْسُوطِ (٤). ثم اعلم أنّ ههنا دقيقة لابدّ من معرفتها وعن إهمالها وقع بعضهم في الخطأ وهي أن من شرط لبن الفحل أن يكون لبن المرأة بسبب الولادة أو الحمل من زوجها حتّى أنّه لو نزل لها لبن بدون الولادة أو الحمل من زوجها كما ينزل للبكر كان ذلك اللّبن لبن المرأة خاصّة لا لبن الزّوج وإن كانت تلك المرأة تحت زوجها. وتفسير ذلك ما ذكره في الذّخيرة والمحيط (٥) فقال امرأة ولدت من زوج وأرضعت ولدها ثم يبس ثم درّ لها اللّبن بعد ذلك فأرضعت صبيًّا أنّ لهذا الصّبي أن يتزوّج بأبنة هذا الرجل من غير هذه المرأة قال وليس هذا بلبن الفحل وكذلك إذا تزوّج امرأة ولم تلد منه قط ثم نزل لها اللّبن فإنّ هذا اللّبن من هذه المرأة دون زوجها حتّى لو أرضعت صبيّة لا تحرم هي على ولد هذا الزّوج من غير هذه المرأة ولو زنى بامرأة فولدت منه فأرضعت بهذا اللّبن صبيّة لا يجوز لهذا الزّاني أن يتزوّج بهذه الصبية ولا لابيه ولا لأبناء أولاده لوجود البعضية بين هؤلاء وبين الزّاني فحصل من هذا أن يفسر لبن الفحل أن المرأة إذا أرضعت بلبن حدث من حمل رجل فذاك الرجل أبو الرضيع لا يحلّ لذلك الرجل نكاحها إن كان أنثى وكذلك إذا كان لرجل امرأتان وحملتا منه فأرضعت كلّ واحدة منهما صغيراً فقد صارا أخوين لأب فإن كان أحدهما أنثى لا يحلّ النكاح بينهما وإن كانا اثنتين لا يحلّ الجمع بينهما لأنّهما أختان لأب لأنّه يجوز أن يتزوّج بأخت أخيه من النّسب بأن كان له أخ لأب وأخت لأمّ فلأخيه لاب أن يتزوّج أخته لأمّ لأنّه لا نسب بينهما موجب للحرمة فكذلك في الرضاع كذا في الْمَبْسُوطِ (٦)، وكلّ صبيين اجتمعا غلب الصبيّ على الصّبية لأنّ المذكّر أبدًا يغلب على المؤنث وكما في القمرين ثم لم يرد من الاجتماع هنا الاجتماع من حيث الزّمان ولا من حيث التبني والتسري بل المراد من الاجتماع اجتماعهما في امرأة واحدة ارتضاعاً على ثدي واحدة على الإضافة أي على ثدي امرأة واحدة حتّى لو اجتمعتا في ضرع بهيمة واحدة لا يحرم أحدهما على الآخر على ما يجيء فكان هو بمنزلة طعام أكلاه من إناء واحد وذكر في الْمَبْسُوطِ (٧) حكاية في هذا وقال ومُحَمَّد بن إسماعيل (٨) -رحمهما الله- صاحب الإخبار كأن يقول يثبت به حرمة الرضاع فإنّه دخل بخارى في زمن الشّيخ أبي حفص الكبير (٩) ﵀ وجعل يفتي فقال له الشّيخ لا تفعل فلست هنالك فأبى أن يقبل نصيحته حتّى استغنى عن هذه المسألة إذا ارتضع صبيّان بلبن شاة فأفتى بثبوت الحرمة فاجتمعوا وأخرجوه من بخارى لسّبب هذه الفتوى وهذا لأن ثبوت الحرمة بطريق الكرامة وذلك يختصّ بلبن الآدميّة دون لبن الأنعام ولا يتزوّج المرضعة أحدًا من ولد التي أرضعت المرضعة بصيغة اسم المفعول وبالرّفع على الفاعليّة ونصب أحدًا على المفعولية من ولد التي على طريق الإضافة هذا هو الأصل من النّسخ وفي نسخة أخرى ولا يتزوّج المرضعة أحد من ولد التي أرضعت بعكس الأولى في الفاعليّة والمفعولية وهذا أيضاً صحيح فكان كلاهما بخط شيخي ﵀ ونسختان آخريان ليستا بصحيحتين وهما بعد صيغة اسم الفاعل في المرضعة كونها فاعلة أو مفعولة على ما ذكرنا ولكن على هذين التّقديرين لا بدّ أن يكون قوله من الولد الذي أرضعته معرفاً باللام وإذا اختلط اللّبن بالماء واللّبن هو الغالب تعلّق به التّحريم وكذا لو خلط بالدّواء أو بلبن البهيمة فالعبرة للغالب وفسّر الغلبة مُحَمَّد-﵀ فقال إن لم يغيّر الدّواء اللّبن تثبت الحرمة وإن يغيّر لا تثبت وقال أَبُو يُوسُف-﵀ أن غُيِّر طعم اللّبن ولونه لا يكون رضاعاً وإن غير أحدهما دون الآخر يكون رضاعًا وقيل على قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إذا جعل اللّبن في دواء أو خلط بالماء لا يثبت الحرمة بكل حال كذا في فتاوى قاضي خان (١٠) [وإذا غلب الماء لم يتعلّق به التحريم خلافاً للشّافعي فإنه عنده قدر ما يحصل به خمس رضعات من اللّبن] (١١) إذا جعل في جب من الماء فشربه الصبي يثبت به الحرمة كذا في الْمَبْسُوطِ (١٢)، ونحن نقول المغلوب غير موجود حكمًا حتّى لا يظهر بمقابلة الغالب.

стр. 1711

فإن قيل: إن اعتبرت جهة الحكم لم تثبت به حرمة الرضاع وإن اعتبرت الحقيقة تثبت لأنّ اللبن موجود حقيقة وإن قل فعند التعارض ترجح الحرمة احتياطاً. قلت: التعارض لم يثبت لأنّ التعارض عبارة عن تقابل الحجّتين على السّواء. وههنا لم تثبت المساواة بينهما لما أنّ للغالب فضلاً ذاتياً وللمغلوب فضلاً حالياً وهو جهة الحرمة فكان الترجيح لمعنى راجع إلى الذّات لا لمعنى راجع إلى الحال. فإن قيل: يشكل هذا بما إذا وقعت قطرة من الدّم أو الخمر في جبّ من ماء نجسة وإن كان الماء غالباً حقيقة. قلنا: الماء لما لم يكن غالباً حكما بأن كان عشراً في عشر فهو في حكم القلّة فلمّا كان الماء أقلّ من عشر في عشر كان قليلاً والنّجاسة أيضاً قليلة فتعارضا فترجح جانب النّجاسة لظهور أوان التّرجيح بمعنى راجع إلى الحال وهو الحرمة عملاً بالاحتياط بخلاف اللبن فإنّه لم يرد التقدير فيه فيعتبر جانب الحقيقة لانعدام التّعارض لما ذكرنا أنّ الرّجحان بالذّات سابق على الرجحان بالحال هكذا نقل من فوائد مولانا الإمام حميد الدّين الضّرير (١) ﵀ كما في اليمين وهو أنّه لو حلف لا يشرب اللّبن فشرب لبنًا مخلوطًا بالماء والماء غالب على اللّبن لا يحنث ولأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أنّ الطّعام أصل إلى آخره ولأنّ إلقاء الطّعام في اللّبن يغيره. ألا ترى أنه بِرِقِّ به وربّما يتغيّر به لونه فكان بمنزلة ما لو غيّرته النّار. قوله: ﵀ هو الصّحيح احتراز عن قول بعضهم في قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فقالوا هذا عنده إذا كان لا يتقاطر اللّبن من الطّعام عند حمل اللّقمة فأمّا إذا كان يتقاطر منه اللّبن تثبت به الحرمة عنده لأن القطرة من اللّبن إذا دخلت حلق الصّبي كانت كافية لإثبات الحرمة والأصحّ أنّه لا تثبت على كلّ حال عنده لأن التغذي كان بالطّعام دون اللّبن كذا في الْمَبْسُوطِ (٢) يتعلّق التحريم بهما لإنّ الشيء يتكثر بجنسه ولا يصير مستهلكًا به وأصل المسألة في الأيمان وهو ما إذا حلف لا يشرب من لبن هذه البقرة فخلط لبنها بلبن بقرة أخرى فشربه فهو على الخلاف الذي بيّنا فأوجر الصّبي تعلّق به التّحريم خلافاً للشّافعي (٣) الوجور الدواء الذي يصب في وسط الفم يقال أوجرته ووجرته وهذا الخلاف بيننا وبين الشّافعي ﵀ بناء على أصلين:

стр. 1712

أحدهما أنّ اللّبن لا يموت عندنا لأنّه لا حياة فيه. ألا ترى أنّه يحلب في حالة الحياة من الحيوان فيكون ظاهراً وما فيه الحياة إذا بان من الحيّ يكون ميتًا فإذا لم يكن في اللّبن حياة لا يتنجس بالموت بل عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يبقى طاهراً وعندهما ينجس بنجاسته الوعاء كما في أنفجة الميت فكأنه حلب لبن امرأة في قارورة نجسة فأوجر به صبي فتثبت به الحرمة. وعند الشّافعي-﵀ اللّبن يموت فيكون نجس العين وثبوت حرمة الرضاع باعتبار معنى الكرامة فلا يثبت بما هو نجس العين (١). والثّاني أن عنده الفعل الذي هو حرام لعينه وهو الزنى لا يوجب حرمة المصاهرة لأنّ ثبوتها بطريق الكرامة فكذلك إيجار لبن الميتة حرام فلا تثبت به الحرمة ثمّ قاس لبن الميتة بوطئ الميتة ولكن عندنا الفعل وإن كان حراماً يثبت به الحرمة إذا تحقق فيه المعنى الموجب للحرمة ولهذا أثبتنا الحرمة بالزنا لأنّ معنى البعضية لا ينعدم به حقيقة فكذلك ههنا ثبوت الحرمة باعتبار أنّ اللّبن يغذي الصّبي فيتقوى به ولو سلّمنا له حرمة اللّبن بالموت فبالحرمة لا يخرج من أن يكون مغذياً. ألا ترى أنّ لحم الميتة مغذ، فكذلك لبنها وبه فارق وطئ الميتة لأنّ معنى البعضية ينعدم منه أصلاً وشبه اللّبن بالبيضة فإن بالموت لا يخرج البيضة من أن تكون مغذية. فكذلك اللّبن كذا في الْمَبْسُوطِ (٢)، وهذه الحرمة تظهر في الميتة دفنًا وتتميماً هذا جواب عن حرف الخصم وهو قوله بالموت لم يبق محلاً بها يعني لا تظهر فائدة حرمة الرضاع في حقّ الميتة وهي الأصل فكذلك لم يثبت لهذا الإيجار حرمة الرضاع فأجاب عنه بهذا وقال بل بقيت في حقّ الميتة أيضاً فائدة وهي في حقّ دفن هذه الميتة وتتميمها بأن كان لهذه المرضعة التي أوجر لبن هذه الميتة في فمها زوج فإن لهذا الزّوج يجوز أن يدفن ويتمم الميتة لما أنّ زوج الصّغيرة هذه صار محرمًا لها بالصّهرية بسبب هذا الإيجار لأنّ الميتة تكون أم المرأة وإذا احتقن الصبي باللّبن صوابه حقن لا احتقن. يقال حقن المريض داواه [بالحقنة] (٣)، وهي دواء يجعل في خريطة من أدم يقال له المحقنة و قولهم: احتقن الصبي بلبن أمّه بعيد واحتقن بالضم غير جائز. وإنّما الصّواب حُقِنَ أي عولج بالحقنة كذا في المغرب (٤) ولكن ذكرفي (تاج المصادر) (٥) الاحتقان حقنة كردن فجعله متعدّياً فعلى هذا يجوز استعماله على البناء للمفعول وهو الأكثر في استعمال الفقهاء لأنّه ليس بلبن على التّحقيق ثم تسميته لبنًا بقوله وإذا نزل للرّجل لبن لتصوّره بصورة اللّبن كما يقال دم السّمك مع أنّه ليس بدم على التحقيق لتصوره بصورة الدّم وهذا لأنّ اللّبن إنّما يتصور ممّن يتصوّر منه الولادة فلا يتصوّر الولادة من الرجل فلذلك لم يتصوّر نزول اللّبن منه على التّحقيق.

стр. 1713

وإنّما قلنا ذلك لأنّ الله تعالى خلق اللّبن في أصله لغذاء الولد لعدم احتماله سائر الأطعمة والأشربة في ابتداء حاله ليقوم هو مقام الطّعام والشّراب فلذلك اختصّ اللّبن على التّحقيق ممّن يتصوّر منه الولادة فأرضعت الكبيرة الصّغيرة حرمتا على الزّوج (١) ثمّ إن كان هذا قبل الدّخول بالكبيرة جاز له أن يتزوّج بالصّغيرة لأنها ربيبته ولم يدخل بأمّها ولا يتزوّج الكبيرة أبدًا لأنّها أم امرأته من الرضاع كذا في الإيضاح (٢) ثم إن لم يدخل الكبيرة فلا مهر لها سواء تعمّدت الفساد أو لم يتعمّد وللصّغيرة نصف المهر وقال مالك-﵀ لا يجب لأنّ الفرقة جاءت من قبلها بأن صارت بنتًا للكبيرة فسقط مهرها كما سقط مهر الكبيرة بأن صارت أمّها. ألا ترى أن مهر الكبيرة يسقط وإن قصدت الحسبة بأن خافت الهلاك على الصّغيرة فإنا نقول أن هذه الفرقة لما صارت بسبب ضمان واستقام الإضافة إلى اسم الأمية والبنتية أضفناها إلى الأمية التي في الأم لأنّها هي المخاطبة دون البنت كذا في الأسرار. قوله: ﵀ وَالِارْتِضَاعُ وَإِنْ كَانَ فِعْلًا مِنْهَا (٣) إلى آخره جواب سؤال مقدّر بأن يقال العلة لثبوت الفرقة هنا ارتضاع الصّغيرة دون الإلقام الذي هو فعل الكبيرة لأن الإلقام سبب والارتضاع علّه فيضاف الحكم إلى العلة لا إلى السّبب فأجاب عنه إن فعلها غير معتبر لأنّها صغيرة. ألا ترى أن الصّغيرة لو قبلت بورثها لا تحرم عن الميراث وذكر الإمام التمرتاشي ﵀. ولا يقال لولا اختصاصها ما جاءت الفرقة قيل له هي مجبورة على ذلك بحكم الطّبع والكبيرة في إلقام الثّدي في فمها مختارة فأضيف الفساد إليها كمن ألقى حيّه على إنسان فلدغته أن الضّمان على الملقى لأنّ اللّدغ لها طبع حتّى أنّ الصّغيره لو جاءت إلى الكبيرة وهي نائمة فارتضعت بانتا ولكل واحدة نصف المهر ولا يرجع الزوج على أحد. قوله: ﵀ لَكِنَّ فِعْلَهَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي إسْقَاطِ حَقِّهَا (٤). فإن قيل: يشكل هذا بصغيرة مسلمة تحت مسلم ارتد ابواها ولحقا بها بدار الحرب بانت من زوجها ولا يقضى لها بشيء من المهر ولم يوجد الفعل منها قيل له الردّة محظورة لا إباحة لها بحال من الأحوال وأنّها تعني قام بها حكمًا بخلاف الارتضاع لأنّه لا خاطر له.

стр. 1714

فإن قيل: يشكل هذا برجل تزوّج امرأة ولم يدخل بها حتّى جاء رجل وقتلها يقضى على الزّوج بالمهر ولا يرجع على القاتل شيء مع أنّ القتل محظور. قلنا: القصاص وجب على القاتل إن كان القتل عمدًا والقصاص أحد موجبي القتل وإن كان القتل خطأ وجبت الدّية وأنها أحد موجبيّته أيضاً فلا يستوجب شيئاً آخر بسبب قتل واحد وللزّوج نصيب مما هو الواجب فلا يتضاعف حقّه بالتّضمين وأمّا الزّوج فيما نحن بصدده ولا نصيب له من شيء فيضمن من أتلف عليه نصف الصّداق كذا في الفوائد الظهيريّة (١). وذكر في الأسرار في جواب سؤال الردّة فقال لا يمكن إضافة الفرقة إلى ردة أبويها فإن ردتها في الجملة تنفصل عن ردتهما ولا تبين هي بردتهما وإنّما تبين بردة نفسها فكانت الفرقة لمعنى فيها. ثم قال في الأسرار هذه مسألة مشكلة ويرجع به الزّوج على الكبيرة إن كانت تعمّدت افساد لأنّ نصف المهر كان على عرضية السقوط بأن قبلت ابن زوجها بعدما صارت مشتهاة وقد أكدته بالإرضاع فتضمن [نصف] (٢) المهر كما في شهود الطّلاق وكما لو زنى بامرأة ابنه قبل الدّخول بها تقع الفرقة بينهما ويقضى على الاب بنصف الصّداق ويرجع به على ابنه. فإن قيل: يشكل هذا برجل تحته صغيرتان رضيعتان فجاءت امرأتان لهما لبن من رجل فأرضعت كلّ واحدة منهما حرمتا على الزّوج ولم يغرما شيئاً فإن تعمدتا الفساد قيل له في الفرق بينهما أن فعل الكبيرة هنا يستقل بالإفساد. فيضاف إليه الفساد وأمّا فعل كلّ واحدة منهما على الانفراد هناك لا يستقل بالإفساد فلا تضاف الفرقة إلى كلّ واحدة من المرأتين يوضحه أنّ الفساد هناك باعتبار الجمع بين الأختين لأنّهما لما ارتضعتا منهما صارتا أختين لأب فالأختيّة قائمة بهما فلا تعدو إلى المرأتين فلا يعتبر بعدتهما وههنا الفساد باعتبار الجمع بين الأم والبنت فالأميّة قائمة بالمرضعة فيعتبر بعدتها لأنها مخاطبة على ما ذكرنا إلى هذا أشار في الْمَبْسُوطِ (٣)، والفوائد الظهيريّة، ولكن ذكر الإمام المحبوبي-﵀ في مسألة وطئ الابن أمرأة أبيه أنّ الأب لا يرجع على الابن وإن قال الابن تعمدت فساد النكاح لما أنّه وجب عليه حدّ الزّنا ولا يغرم شيئاً، وأما لو قتل الابن امرأة أبيه وقال تعمدت فساد النكاح يرجع الأب بما وجب عليه من نصف الصّداق على الابن لأنّه آكد ما كان على شرف السقوط تعديا فيرجع عليه وعن مُحَمَّد ﵀ أنّه يرجع في الوجهين أي فيما إذا تعمدّت الفساد [ولم يتعمّد] (٤) لأنّ من أصله أنّ السبب كالمباشر ولهذا جعل فتح باب القفص والاصطبل [في حلّ قيد الابن] (٥) موجباً للضّمان وفي المباشرة المتعدى وغير المتعدى سواء فكذلك في التسبيب على قوله وعلى قول الشّافعي ﵀ (٦) يرجع عليها بمهر مثل المنكوحة لأنّها أتلفت ملك نكاحه فيها وملك النكاح عنده مضمون بالإتلاف حتّى قال في شاهدي الطّلاق [قبل] (٧) الدّخول إذا رجعا ضمنا [نصف المهر] (٨) كذا في الْمَبْسُوطِ (٩) أمّا لأنّ الإرضاع ليس بإفساد للنكاح وضعاً لأنّ وضعه لتربية الصّغير لا لإفساد النكاح ثم لمّا لم يكن الإرضاع سببا للفساد وضعًا كانت المرضعة مسبّبة لا مباشرة فتقيّد الضّمان بقصد الإفساد والتّعدي فيضمن عند التعدي ولا يضمن عند عدمه كحافر البئر في ملك نفسه لا يضمن ما تلف به.

стр. 1715

بخلاف الحافر في ملك الغير وإنّما يثبت ذلك باتفاق الحال أي إنّما ثبت الفساد هنا [الارضاع] (١) لتأدية الإرضاع إلى اجتماع الأم والبنت في ملك رجل واحد نكاحاً لأنّ الإرضاع سبب موضوع للإفساد ولأنّ إفساد النكاح ليس بسبب لإلزام المهر لأنّه غير مضمون بالإتلاف لما أن ملك النكاح ليس بمتقوّم في نفسه لأنّه ليس بملك عين فلا منفعة إنّما هو ملك ضروري لا يظهر إلا في حق الاستيفاء. ألا ترى أنّه لا يظهر في حق الانتقال إلى الورثة ولا في حق النّقل إلى الغير فكذلك في حق التقوم بالمال فلذلك لم ينهض موجباً للضّمان عند الإتلاف ثم قوله إلا أن نصف المهر يجب بطريق المتعة جواب سؤال يرد على قوله لأنّ إفساد النكاح ليس بسبب لإلزام المهر بأن يقال قلت: إن إفساد النكاح ليس بسبب لإلزام المهر فلا يكون ملزمًا على الزوج شيئاً فقد انتقض قولك بوجوب نصف المهر عند الإفساد فعلم بهذا أنّ الإفساد ملزم شيئاً على الزّوج. فأجاب عنه بهذا وتفسير الجواب هو أنّ وجوب نصف المهر بطريق المتعة والمتعة تجب ابتداء بالنص بقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ (٢) لا بمقتضى العقد فإنّ العقد قد انفسخ قبل الاستيفاء فصار كهلاك المبيع قبل القبض وهو لا يوجب على المشتري شيئاً فكذلك ههنا ولو علمت بالنكاح ولم تعلم بالفساد لا تكون متعدية ايضاً كما لو أرضعتها ولم تعلم بالنكاح ومنهم من يقول هي ضامنة بكل حال لأنّها جهلت بحكم الشّرع فلا تعذر ألا ترى أنّها لو قبّلت ابن زوجها عن شهوة وهي لا تعلم بفساد النكاح محرم على زوجها ولا تعذر بجهلها كذا ذكره الإمام المحبوبي ﵀ وهذا بناء على اعتبار الجهل لدفع قصد الفساد لا لدفع الحكم وهذا جواب سؤال مقدر يرد على جواب المسألة وهو أن يقال الجهل بحكم الشّرع في دار الإسلام ليس بعذر فكيف جعل جهل المرأة بفساد النكاح عذراً لها في حق عدم وجوب الضّمان فأجاب عنه بهذا وتفسير الجواب هو أنا لم نعتبر الجهل لدفع حكم الشّرع هو وجوب الضّمان. وإنّما اعتبرناه لدفع قصد الفساد الذي به يصير الفعل تعدّياً أي يعلم قصدها الفساد أنّها متعدّية وبعدم قصدها الفساد يعلم أنّها غير متعدية فكان عدم التعدّي مبنيًّا على عدم قصد الفساد [وعدم قصد الفساد] (٣) مبنياً على الجهل بالفساد فعدم الضّمان هنا كان لعدم علة الضّمان التي هي التّعدي وهذا معنى ما قاله الإمام الكشّاني (٤) ﵀ في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٥) بقوله فإنّها إذا لم تعلم الفساد لم تقصد وإذا لم تقصد لا تصير العلّة موجودة مع الجهل فكان هذا عدم الحكم لعدم العلة لا عدم الحكم مع وجود العلّة لعذر الجهل فحصل من هذا أنّها ضمنت في وجه واحد ولم تضمن في ثلاثة أوجه كلّها مذكورة في الكتاب وهي ظاهرة.

стр. 1716

وفي الْمَبْسُوطِ (١)، ولو كنّ ثلاثاً أي الصبايا ثلاثاً تحت رجل فأرضعتهن معًا امرأة بأن حلبت في قارورة، وألقمت إحدى ثدييها أحديهن والأخرى وأوجرت الثّالثة معاً بنّ جميعًا؛ لأنّهنّ صِرن أخوات معًا وإن أرضعتهن واحدة بعد أخرى بانت الأوليان والثّالثة امرأته؛ لأنّها حين أرضعت الثّانية فقد تحقّقت الأجنبية بينها وبين الأولى فيقع الفرق بينه وبينهما، ثم ارتضعت الثّالثة وليس في نكاحه غيرها وعلى هذا قياس المسائل ولا يقبل في الرضاع شهادة النّساء منفردات سواء كنّ أجنبيات أو أمّهات أحد الزّوجين والمراد من الانفراد انفرادّهن من الرجال لا انفرادهن عن جماعتهن فإنهنّ وإن كثرن لا تقبل شهادتهنّ في الرضاع بدون اختلاط الرجل معهن، وقال الشّافعي-﵀ (٢) يثبت الرضاع بشهادة أربع نسوة بناء على مذهبه أن فيما لا تطلع عليه الرجال يعتبر فيه شهادة أربع نسوة لتقوم كل امرأتين مقام رجل وزعم أن الرضاع مما لا يطلع عليه الرجال لأنه بالثّدي يكون ولا يحلّ مطالعته للأجانب ولكنّا نقول الرضاع ممّا يطلع عليه الرجال لأن ذي الرّحم المحرم ينظر إلى الثّدي وهو مقبول الشّهادة في ذلك ولأن الحرمة كما تحصل بالرضّاع من الثّدي تحصل بالإيجار من القارورة وذلك ممّا يطلع عليه الرجال وقال مالك ﵀ (٣) لا تثبت بشهادة امرأة واحدة واستدلّ في ذلك بحديث عقبة بن الحارث ﵁ أنّه تزوّج ابنة أبي إهاب فجاءت امرأة سوداء وأخبرت أنّها أرضعتهما فذكر ذلك لرسول الله ﵇ فأعرض عنه ثم ذكر ثانياً فأعرض عنه ثم ثالثاً فقال: «فارقها إذن» فقال: إنّها سوداء يا رسول الله قال: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ» (٤) كذا في الْمَبْسُوطِ (٥) كمن اشترى لحمًا وأخبره واحد أنّه ذبيحة مجوسيّ فإنّه لا ينبغي للمسلم أن يأكل ويطعم غيره لأن المخبر أخبره بحرمة العين وبطلان الملك فتثبت الحرمة مع بقاء الملك ثم لما ثبت الحرمة هنا مع بقاء الملك لا يمكنه الرد على بائعه ولا أن يحبس الثّمن عن البائع كذا في فتاوى قاضي خان ﵀ (٦).

стр. 1717

وحجّتنا في ذلك حديث عمر ﵁ على ما يوافق مذهبنا، وحديث عقبة دليلنا فإنّ رسول الله ﵇ أعرض عنه في المرّة الأولى والثّانية فلو كانت الحرمة ثابتة لما فعل ذلك لما رأى منه طمأنينة القلب إلى قولها حيث كرّر السؤال أمره أن يفارقها احتياطاً. والدّليل على أنّ الشّهادة كانت عن ضِغْن (١) فإنّه قال جاءت امرأة سوداء تستطعمنا فأبينا أن نطعمها فجاءت تشهد على الرضاع وبالإجماع بمثل هذه الشّهادة لا تثبت الحرمة فعرفنا أنّ ذلك كان احتياطاً على وجه التنزه وإليه أشار ﵇ في قوله: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ» (٢)، وعندنا إذا وقع في قلبه أنّها صادقة فالأحوط أن يتنزّه عنها ويأخذ بالثّقة سواء أخبرت بذلك قبل عقد النكاح أو بعده وسواء شهد به رجل أو امرأة فأما القاضي فلا يفرق بينهما ما لم يشهد به رجلان أو رجل وامرأتان كذا في الْمَبْسُوطِ (٣). ولنا أنّ ثبوت الحرمة لا تقبل الفصل عن زوال الملك في باب النكاح فإنّ بقاء النكاح لا يتصوّر مع ثبوت الحرمة للمؤبدة فإذا لم يبطل النكاح بخبر الواحد لا تثبت الحرمة. فلذلك حلّ له إمساكها ووطئها لأنّ ملك النكاح لم يبطل بهذه الشّهادة كذا في فتاوى قاضي خان ﵀ والله أعلم بالصّواب.

стр. 1718

كتاب الطلاق (١) (٢) اعلم أن الترتيب الوجودي يقتضي التّرتيب الوضعي (٣)، ثُمَّ الطلاق شُرِعَ لرفع قيد النكاح] فكان (٤) مقتضيًا سبق النكاح لا محالة وجودًا متناسبًا ترتيبًا ووضعًا لذلك هكذا، ثُمَّ محاسن الطلاق عند الحاجة إليه كثيرة: [محاسن الطلاق عند الحاجة] منها: الِاشْتِقَاق (٥)؛ فإنّه مأخوذ من إطلاق الأسير (٦) عن القيد، وإطلاق البعير عن العِقَالِ (٧)، فكان نفس الطّلاق إحسانًا؛ لأنّ نفس المانع ضرر، لاسيّما إذا كان الإطلاق متضّمنًا معنى الإعتاق (٨)، وفي ذلك قال النبي ﵇: «النكاح رق) (٩)، فكان الطّلاق إعتاقاً وكلّ إعتاق حسن عقلاً.

стр. 1719

ومنها: أنه شَرَّعَ العدد في الطلاق ليُجَرِّبَ نفسه في الفراق كما جَرَّبَ في النكاح (١)، فأمَّا أن يصبر على موجب الطلاق، أو يرجع إلى ما فيه الاجتماع والوفاق (٢). ومنها: حصر العدد بالثلاث؛ لأن التجرب بها يحصل غالبًا. ومنها حكم الحرمة الغليظة (٣)؛ لِيَتَأَدَّبَ بِمَا فِيهِ غَيْظُ (٤) الفحول (٥)، و] يصون (٦) عن الفضول (٧). (٨) (٩)

стр. 1720

ومنها: أنّ الطلاق جُعل في يد الرجال دون النّساء؛ لما أنّهن ضعيفة الأداء سريعة الاغترار قليلة الاصطبار. ومنها: أنه لم يشترط الْعِوَضُ (١) في أصله؛ لأنه لو شرط عليها] برقتها (٢) وهي عاجزة عن الأداء على ما عليه حيلتها، فلا يحصل فيه مقاصد النص، وإلى ما ورائها من المحاسن السنية. ثم يحتاج ههنا إلى بيان سبعة أشياء، وهي بيان معناه لغة وشريعة، وركنه (٣)، وسببه (٤)، وشرطه (٥)، وحكمه (٦)، وأقسامه.
следующие страницы →