← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

وفي الْمَبْسُوطِ (١)، ولو كنّ ثلاثاً أي الصبايا ثلاثاً تحت رجل فأرضعتهن معًا امرأة بأن حلبت في قارورة، وألقمت إحدى ثدييها أحديهن والأخرى وأوجرت الثّالثة معاً بنّ جميعًا؛ لأنّهنّ صِرن أخوات معًا وإن أرضعتهن واحدة بعد أخرى بانت الأوليان والثّالثة امرأته؛ لأنّها حين أرضعت الثّانية فقد تحقّقت الأجنبية بينها وبين الأولى فيقع الفرق بينه وبينهما، ثم ارتضعت الثّالثة وليس في نكاحه غيرها وعلى هذا قياس المسائل ولا يقبل في الرضاع شهادة النّساء منفردات سواء كنّ أجنبيات أو أمّهات أحد الزّوجين والمراد من الانفراد انفرادّهن من الرجال لا انفرادهن عن جماعتهن فإنهنّ وإن كثرن لا تقبل شهادتهنّ في الرضاع بدون اختلاط الرجل معهن، وقال الشّافعي-﵀ (٢) يثبت الرضاع بشهادة أربع نسوة بناء على مذهبه أن فيما لا تطلع عليه الرجال يعتبر فيه شهادة أربع نسوة لتقوم كل امرأتين مقام رجل وزعم أن الرضاع مما لا يطلع عليه الرجال لأنه بالثّدي يكون ولا يحلّ مطالعته للأجانب ولكنّا نقول الرضاع ممّا يطلع عليه الرجال لأن ذي الرّحم المحرم ينظر إلى الثّدي وهو مقبول الشّهادة في ذلك ولأن الحرمة كما تحصل بالرضّاع من الثّدي تحصل بالإيجار من القارورة وذلك ممّا يطلع عليه الرجال وقال مالك ﵀ (٣) لا تثبت بشهادة امرأة واحدة واستدلّ في ذلك بحديث عقبة بن الحارث ﵁ أنّه تزوّج ابنة أبي إهاب فجاءت امرأة سوداء وأخبرت أنّها أرضعتهما فذكر ذلك لرسول الله ﵇ فأعرض عنه ثم ذكر ثانياً فأعرض عنه ثم ثالثاً فقال: «فارقها إذن» فقال: إنّها سوداء يا رسول الله قال: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ» (٤) كذا في الْمَبْسُوطِ (٥) كمن اشترى لحمًا وأخبره واحد أنّه ذبيحة مجوسيّ فإنّه لا ينبغي للمسلم أن يأكل ويطعم غيره لأن المخبر أخبره بحرمة العين وبطلان الملك فتثبت الحرمة مع بقاء الملك ثم لما ثبت الحرمة هنا مع بقاء الملك لا يمكنه الرد على بائعه ولا أن يحبس الثّمن عن البائع كذا في فتاوى قاضي خان ﵀ (٦).

стр. 1717

وحجّتنا في ذلك حديث عمر ﵁ على ما يوافق مذهبنا، وحديث عقبة دليلنا فإنّ رسول الله ﵇ أعرض عنه في المرّة الأولى والثّانية فلو كانت الحرمة ثابتة لما فعل ذلك لما رأى منه طمأنينة القلب إلى قولها حيث كرّر السؤال أمره أن يفارقها احتياطاً. والدّليل على أنّ الشّهادة كانت عن ضِغْن (١) فإنّه قال جاءت امرأة سوداء تستطعمنا فأبينا أن نطعمها فجاءت تشهد على الرضاع وبالإجماع بمثل هذه الشّهادة لا تثبت الحرمة فعرفنا أنّ ذلك كان احتياطاً على وجه التنزه وإليه أشار ﵇ في قوله: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ» (٢)، وعندنا إذا وقع في قلبه أنّها صادقة فالأحوط أن يتنزّه عنها ويأخذ بالثّقة سواء أخبرت بذلك قبل عقد النكاح أو بعده وسواء شهد به رجل أو امرأة فأما القاضي فلا يفرق بينهما ما لم يشهد به رجلان أو رجل وامرأتان كذا في الْمَبْسُوطِ (٣). ولنا أنّ ثبوت الحرمة لا تقبل الفصل عن زوال الملك في باب النكاح فإنّ بقاء النكاح لا يتصوّر مع ثبوت الحرمة للمؤبدة فإذا لم يبطل النكاح بخبر الواحد لا تثبت الحرمة. فلذلك حلّ له إمساكها ووطئها لأنّ ملك النكاح لم يبطل بهذه الشّهادة كذا في فتاوى قاضي خان ﵀ والله أعلم بالصّواب.

стр. 1718

كتاب الطلاق (١) (٢) اعلم أن الترتيب الوجودي يقتضي التّرتيب الوضعي (٣)، ثُمَّ الطلاق شُرِعَ لرفع قيد النكاح] فكان (٤) مقتضيًا سبق النكاح لا محالة وجودًا متناسبًا ترتيبًا ووضعًا لذلك هكذا، ثُمَّ محاسن الطلاق عند الحاجة إليه كثيرة: [محاسن الطلاق عند الحاجة] منها: الِاشْتِقَاق (٥)؛ فإنّه مأخوذ من إطلاق الأسير (٦) عن القيد، وإطلاق البعير عن العِقَالِ (٧)، فكان نفس الطّلاق إحسانًا؛ لأنّ نفس المانع ضرر، لاسيّما إذا كان الإطلاق متضّمنًا معنى الإعتاق (٨)، وفي ذلك قال النبي ﵇: «النكاح رق) (٩)، فكان الطّلاق إعتاقاً وكلّ إعتاق حسن عقلاً.

стр. 1719

ومنها: أنه شَرَّعَ العدد في الطلاق ليُجَرِّبَ نفسه في الفراق كما جَرَّبَ في النكاح (١)، فأمَّا أن يصبر على موجب الطلاق، أو يرجع إلى ما فيه الاجتماع والوفاق (٢). ومنها: حصر العدد بالثلاث؛ لأن التجرب بها يحصل غالبًا. ومنها حكم الحرمة الغليظة (٣)؛ لِيَتَأَدَّبَ بِمَا فِيهِ غَيْظُ (٤) الفحول (٥)، و] يصون (٦) عن الفضول (٧). (٨) (٩)

стр. 1720

ومنها: أنّ الطلاق جُعل في يد الرجال دون النّساء؛ لما أنّهن ضعيفة الأداء سريعة الاغترار قليلة الاصطبار. ومنها: أنه لم يشترط الْعِوَضُ (١) في أصله؛ لأنه لو شرط عليها] برقتها (٢) وهي عاجزة عن الأداء على ما عليه حيلتها، فلا يحصل فيه مقاصد النص، وإلى ما ورائها من المحاسن السنية. ثم يحتاج ههنا إلى بيان سبعة أشياء، وهي بيان معناه لغة وشريعة، وركنه (٣)، وسببه (٤)، وشرطه (٥)، وحكمه (٦)، وأقسامه.

стр. 1721

[الطلاق لغة] أمّا اللّغة: فهو عبارة عن دفع القيد، يقال: طلق تطلق تطليقًا وطلاقًا، كما يقال: سلَّم يسلِّم تسليمًا وسلامًا (١). وهو أيضاً عبارة عن ارتفاع القيد، يقال: طلقت المرأة يطلق طلاقاً، وهو مشتّق من إطلاق الإبل والأسير (٢)، ولكن استعمل في حقّ النّساء من باب التفعيل، وفي غيرها مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ، وعن هذا قالوا لو قال لامرأته: أنت مُطَلَّقَةٌ -بالتّشديد-يقع الطلاق بدون النية (٣)، ولو قال: أنت مُطْلَقَةٌ-بسكون الطاء-لا يقع بدون النيّة. وإن كانا في اللّغة سواء. وهذا كما في قولهم: حِصَانٌ، وحَصَانٌ (٤)، كلاهما للمنع، ولكن في الفرس حِصان بالكسر، وفي المرأة حَصان بالفتح، وكذلك عَدل] العِدل (٥) (٦)، بالفتح والكسر، كلاهما من المعادلة، لكن العَدْلُ مخصوص بالآدمي دون الآخر، وأمّا الثاني: فإنَّه في عرف الفقهاء عبارة عن لفظه صادرة من الزوج، رافعة قيد النكاح عن المرأة المنكوحة (٧). وأمّا ركنه: فهو هذه اللّفظ الصّادرة من الزوج (٨). وأمّا سببه: فهو الحاجة المحوجة إلى الطّلاق من المستأجرة (٩)، وعدم الموافقة وخوف حياطة حدود الزواج، ورغبة استبدال غيرها التي لا تجامعها شرعًا، كأختها وأربع سواها، وأمّا طبعًا كعامة الضّراير وغيرها.

стр. 1722

وأمّا شرطه: فمن الزّوج كونه عاقلاً بالغًا، ومن المرأة كونها في نكاحه، أو عدّته التي] تصلح (١) بها محلاً للطّلاق على ما قدمنا في النكاح (٢). وأمّا حكمه: فزوال الملك عن المحلّ مع انتقاص العدد في] البائن (٣) وانتقاص العدد في الحال، وزوال الملك عند انقضاء العدّة في (٤) الرجعي (٥)، والإثم في مواضع مخصوصة على ما يجيء. وأمّا أقسامه: فهي ما ذكر في الكتاب بقوله: الطّلاق على ثلاثة أوجه. إلى هذا أشار في «المبسوط» (٦) (٧) و «المنشور» (٨) وغيرهما (٩). [حكم الطلاق] وإيقاع الطّلاق مُبَاحٌ (١٠) وإن كان مبغضاً في الأصل عند عَامَّةِ] العلماء (١١) (١٢)، ومن النّاس من يقول: (١٣) لا يباح إيقاع الطّلاق إلا عند الضّرورة (١٤) (١٥) لقوله ﵇: «لعن الله كلّذوّاق (١٦) مطلاق (١٧) (١٨)، ولنا قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١٩).

стр. 1723

وقال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) وذلك كلّه يقتضي إباحة الإيقاع (٢)، وطلق رسول الله ﵇ حفصة (٣)، (٤) وكذلك الصّحابة ﵃، فطلق المغيرة بن شعبة (٥)، كان له أربع نسوة، فأقامهنّ بين يديه صفّا، وقال: أنتن حسنات الأخلاق، ناعمات الأرزاق، طويلات الأعناق اذهبن فأنتن] طلاق (٦) (٧)، كذا في «المبسوط (٨) وكذا في (الأسرار» (٩) (١٠).

стр. 1724

(التحريمات التي تنفذ من الزّوج بحكم] ملك (١) النكاح أربعة أنواع: الطلاق، والإيلاء (٢) واللّعان (٣) والظّهار (٤) وقوله ﵀ (وَلَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِي الْكَرَاهَةِ) (٥)؛ أي: في عدم الكراهة (٦)، كذا وجدتُ بخط شيخي (٧) ﵀؛ لأنّ الأصل في الطّلاق هو الحظر (٨)؛ لأنّه قطع النكاح، الذي هو سنة، فيكون محظوراً، ولأنّ الحكم وهو إباحة الطّلاق يدار على دليل الحاجة (٩) لا على حقيقتها؛ لأنّ الوقوف على حقيقة الحاجة [٣٢١/ أ] متعذّر، فيقام السّبب الظّاهر مقام الأمر الخفي تيسيراً، فإذا فعل ذلك وقع الطّلاق وهذا احتراز عن قول الشيعة (١٠). (١١)

стр. 1725

[وقوع الطلاق البدعي] وفي «المبسوط»: إذا طلّق الرجل امرأة في حالة الحيض أو في طهر قد جامعها فيه يقع الطّلاق عند جمهور الفقهاء (١)، وعند الشيعة لا يقع، إذا طلّقها ثلاثاً جملة عندنا يقع ثلاثاً والزيدية (٢) من الشيعة يقولون: يقع واحدة، والإمامية (٣) يقولون: لا يقع شيء (٤)، ويزعمون أنّه قول علي ﵁، وهو افتراء منهم على علي ﵁، ومشهور من قول علي: «كلّ طلاق جائز إلا طلاق الصبيّ والمعتوه» (٥)، وشبهتهم أن الزوج مأمور شرعًا بإيقاع الطّلاق للسنّة، والمأمور من جهة الزّوج بإيقاع الطّلاق للسنّة، وهو الوكيل (٦)، إذا أوقع لغير السنّة، لم تقع، فكذلك المأمور شرعًا أولى؛ لأنّ أمر الشرع ألزم وحجّتنا في ذلك حرفان:

стр. 1726

أحدهما: أنّ النّهي (١) دليل ظاهر على تحقّق المنهي عنه؛ لأن النّهي عما لا يتحقّق لا يكون، فإن موجب النّهي الانتهاء على وجه يكون المنهيّ عنه فيه مختاراً حتّى يستحقّ الثّواب، إذا انتهى، ويستوجب العقاب إذا اقدم، وما لم يكن المنهيّ عنه متحققاً لا يتصوّر كونه مختاراً في الانتهاء. والثّاني: أنّ النّهي متى كان لمعنى في غير المنهي عنه لا يعدم المنهيّ عنه، ولا يمنع نفوذه شرعًا كالنّهي عن الصّلاة في الأرض المغصوبة (٢)، وههنا النّهي بمعنى في غير الطّلاق من تطويل العدة، واشتباه أمر العدة عليها، وسدّ باب التلاقي عند العدم فلا يمنع بعوده. وهذا بخلاف الوكيل؛ فإنه يعود تصرفه بأمر الموكل (٣)، فإذا خالف المأمور لم ينفذ، وههنا يعود تصرفه بحكم ملكه، وهو بعقد النكاح صار مالكًا للتطليقات والملك عليه تام، ليعود التّصرف ممن هو من أهل التّصرف، وإن لم يكن مأموراً به ولا مأذونًا فيه، بخلاف الصبي (٤) والمعتوه (٥)؛ لأن الأهليّة لإيقاع الطّلاق غير متحقّقة فيهما (٦). وذكر الإمام التمرتاشي (٧) ﵀ بين النّاس اختلاف في وقوع الثّلاث في هذه الصورة، وهذا الاختلاف غير معتدّ به، حتى لا يسع للقاضي أن يقضي به ولو قضى لا ينفذ (٨).

стр. 1727

وذكر الرّازي (١): ولم يجعل أصحابنا (٢) قول من نفى الوقوع خلافاً؛ لأنّهم أوجبوا الحد على من وطئها في العدّة، فيبتلي بالإيقاع عقيب الوقاع، يَعْنِي لَوْ أَخَّرَ الطَّلَاقَ إلَى آخِرِ الطُّهْرِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُجَامِعَ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ زَمَانُ تَجَدُّدِ الرَّغْبَةِ فَإِذَا جَامَعَ، وَمَنْ قَصْدُهُ تَطْلِيقُهَا يُبْتَلَى الزَّوْجُ بِالطَّلَاقِ الْبِدْعِيِّ (٣)، وهو الطّلاق بعد الجماع فيكون مبتلى بالطّلاق الْبِدْعِيِّضرورة، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤) ﵀: كُلُّ الطَّلَاقِ مُبَاحٌ (٥). فإن قلت: يُشْكِلُ على هذا التعميم طلاقه في حالة الحيض، وطلاقه في طهر قد جامعها فيه فإنّ الطّلاق - في هذين الوقتين - حرام عنده أيضاً (٦)، ذكره في «المبسوط» (٧) و «الخلاصة الغزالية» (٨) (٩).

стр. 1728

قلت: أمّا الطّلاق في حالة الحيض فقد ذكر جوابه في الكتاب، وهو أنّه اقترن به معنى محرم، وهو تطويل العدّة، وكذلك في طهر قد جامعها فيه اقترن به معنى محرّم، وهو التباس أمر العدة عليها، فإنّه إذا طلّقها في طهر قد جامعها فيه تلبس أمر العدّة، فإنّها لا تدري أنّها حامل فتعتد بوضع الحمل، أو حائل فتعتد بالإقراء، وأمّا إذا طلّقها في طهر لم يجامعها فيه فقد انعدم هذان المعنيان، فيجوز من غير كراهة سواء وقع الثّلاث أو الواحدة، وهو معنى قولهم هذا طلاق صادف زمان الاحتساب مع زوال الارتياب (١). ثمّ قال (٢): لا أعرف في الجمع بدعة (٣)، ولا في التّفريق سنة، بل الكلّ مباح، ويقول: إيقاع الثّلاث جملة سنة، حتّى إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً للسنّة، وقع الكلّ في الحال عنده (٤)، قال: وبالاتّفاق (٥) (٦) لَوْ نَوَى وُقُوعَ الثَّلَاثِ جُمْلَةً، يَقَعُ جُمْلَةً، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ سُنَّةٌ، لَمَا عَمِلْت نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ بِخِلَافِ الْمَلْفُوظِ بَاطِلٌ (٧)، واستدلّ بحديث الحسن بن علي (٨) ﵁ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ (شَهْبَاءَ) (٩) ثلاثاً حين هنّأته بالخلافة بعد موت علي (١٠) ﵁ (١١)، وحجّتنا في ذلك ظاهر قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١٢)؛ معناه في دفعتين (١٣)، كقول القائل: أعطيته مرتين، وضربته مرتين، والألف واللام للجنس، فيقتضي أن يكون كلّ الطّلاق المباح في دفعتين، ودفعة ثالثة في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ (١٤)، أو في قوله تعالى: [٣٢١/ ب] ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١٥) على حسب ما اختلف فيه أهل التّفسير (١٦).

стр. 1729

وفي حديث مَحْمُودِ بن لبيد (١): أن رجلاً طلّق امرأته ثلاثاً بين يدي رسول الله ﵇، فقام رسول الله ﵇ مغضباً، فقال: «أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم» (٢)، واللعب بكتاب الله تعالى ترك العمل به، فدلّ أن إيقاع الثلاث جملة مخالف للعمل بما في الكتاب، وأن المراد من قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣) تفريق الطلقات على عدد إقراء العدة (٤). ألا ترى أنّه خاطب الزّوج بالأمر بإحصاء العدة، وفائدة التّفريق فإنّه قال: لا يدري لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً؛ أي: يبدو له فيرجعها وذلك عند التّفريق لا عند الجمع. وفي حديث عبادة بن صامت ﵁ (٥): أن قومًا جاءوا إلى رسول الله ﵇ وقالوا: أن أبانا طلّق امرأته ألفاً، فقال: «بَانَتْ امْرَأَتُهُ بِثَلَاثٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَقِيَ تِسْعُمِائَةٍ وَسَبْعَةٍ وَتِسْعِينَ وِزْرًا فِي عُنُقِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (٦)، وأن الحسن ﵁ إنّما قال لِشَهْبَاءَ: أنت طالق ثلاثاً للسنة، وعندنا هذا لا بأس به، ولأنّ في إيقاع الثّلاث قطع باب التلاقي، وتفويت التّدارك عند النّدم، وَفِيهِ مَعْنَى مُعَارَضَةِ الشَّرْعِ، فَالْإِسْقَاطَاتُ فِي الْأَصْلِ لَا تَتَعَدَّدُ، كَالْعَتَاقِ وَغَيْرِهِ وَإِنَّمَا جَعَلَ الشَّرْعُ الطَّلَاقَ مُتَعَدِّدًا لِمَعْنَى التَّدَارُكِ عِنْدَ النَّدَمِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ تَفْوِيتُ هَذَا الْمَعْنَى فِي نَفْسِهِ بَعْدَ مَا نَظَرَ الشَّرْعُ لَهُ، كَمَا لَا يُبَاحُ لَهُ الْإِيقَاعُ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ حَالَةُ نَفْرَةِ الطَّبْعِ عَنْهَا، وَكَوْنُهُ مَمْنُوعًا شَرْعًا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَنْدَمُ إذَا جَاءَ زَمَانُ الطُّهْرِ، فَيُكْرَهُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ لِمَعْنَى خَوْفِ النَّدَمِ، فَهَذَا مِثْلُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فِيالطُّهْرِ، ثُمَّ أُخْرَى فِي الْحَيْضِ يَكُونُ مَكْرُوهًا، وَلَيْسَ فِي إيقَاعِ الثَّانِيَةِ فِي الْحَيْضِ مَعْنَى تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ، وَلَا مَعْنَى اشْتِبَاهِ أَمْرِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا، فَدَلَّ أَنْ مَعْنَى كَرَاهَةِ الْإِيقَاعِ لِمَعْنَى خَوْفِ النَّدَمِ، فهذا مثله كذا في «المبسوط» (٧).

стр. 1730

(لما فيه من النِّكَاحِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِالْمَصَالِحُالدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ). أما الدينيّة؛ فلأنّ فيه حفظ نفسه عن الزّنى وحفظ المرأة عن الزنا، وفيه تكثير الموحدين وتحقيق مباهاة سيّد المرسلين بكثرة أمته. وأمّا الدنيوية؛ فلأن بالنكاح يقوم أمر المعيشة؛ لأنّ المرأة تعمل داخل البيت والرجل خارجه، فينتظم أمرهما، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ فِيهِ مَعْنَى الْحَظْرِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ إلَى الْخَلَاصِ مِنْ حِبَالَةِ النِّكَاحِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِتَفْرِيقِ الطَّلَاقِ علىالْأَطْهَارِ (١) ثابته؛ أي: والحاجة ثابتة في التفريق على الْأَطْهَارِ] نظراً إلى دليلها أي دليل الحاجة وهو الإقدام على الطّلاق في زمان تجدد الرغبة وهو الطّهر (٢). فإن قلت: لو كانت الإباحة دائرة مع دليل الحاجة - وهو الإقدام على الطّلاق في زمان تجدّد الرغبة، وهو الطّهر على ما ذكرت - ينبغي أن لا يتفاوت بين إرسال الثلاث جملة في ذلك الوقت، أو قرن الثّلاث لوجود دليل الإباحة عند إرسال الثلاث أيضاً، وهو الإقدام على الطّلاق في زمان تجدّد الرّغبة. قلت: نعم كذلك فإنّ دليل الإباحة قد وجد، ولكن عارضه دليل الحرمة، وهو مخالفة السنّة لقوله ﵇: «أنّ من السنّة أن يستقبل الطهر استقبالاً» (٣)، وحديث عبادة بن صامت إثبات المعصية عند إرسال الثّلاث جملة وغيرهما من النّصوص، والعلّة (٤) لا تعمل في معارضة النصّ (٥)، وإنّما عملها عند عدم النصّ والحاجة في نفسها باقية، هذا جواب سؤال مقدّر؛ ذكره فخر الإسلام (٦) ﵀، وفي «المبسوط» (٧) وهو أنّ الأصل في الطّلاق لو كان الحظروالإباحة تعارضه لكان لا يباح الطّلاق الثّاني والثّالث، وإن فرقهما على الأطهار لانقضاء الحاجة بالواحدة؛ لأنّ الخلاص بالواحدة يتحقّق.

стр. 1731

فأجاب عنه وقال: دليل الحاجة موجود، وهو قيام ملكه، فجاز أن يكون الزّوج محتاجاً إلى سدّ باب التّزوج لبدايته فيها، أو لمعنى آخر، فكانت حاجة نافية إلى استكمال الثلاث بالتّفريق، فيجب على هذا التّعليل أن يباح إرسال الثّلاث جملة أيضاً، لكن لما كانت العلة على ذلك التّقدير معارضة للنصّ لم يؤثر، فأثرت عند عدم المعارضة، وهو استكمال الثلاث بالتّفريق على الأطهار. قوله ﵀: والْمَشْرُوعِيَّةُ فِي ذَاتِهِإلى آخره هذا جواب عمّا قاله الخصم (١)، وهو قوله وَالْمَشْرُوعِيَّة لَا تُجَامِعُ الْحَظْرَ (٢). وإنّا نقول: الحظر جاء لمعنى في غير الطّلاق - وهو ما ذكرناه - وهو قوله: فيه قَطْعِ النِّكَاحِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الْمَصَالِحُوسنّة النبي ﵇، ولكن ليس في نفس الطّلاق حظر؛ لأنّ نفسه إزالة [٣٢٢/ أ] الرق وهي محمودة، وليست بمحظورة، فصار هو كالصّلاة في الأرض المغصوبة، فإنّها مكروهة باعتبار الغصب، لا أنّها مكروهة في ذاتها (٣). قوله ﵀: لما قلنا، إشارة إلى قوله: وَلَا حَاجَةَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الثَّلَاثِ، وسنة في العدد، وهي إيقاع الواحدة في طهر لم يجامعها فيه، ويصير إلى أن ينقضي الأجل، وكذلك السنّة في الوقت هي أن يختار الوقت، وَهُوَ الطُّهْرُ الْخَالِي عَنْ الْجِمَاعِ، لإيقاع الطّلاق، ولكن الافتراق بينهما هو أن المقصود في سنة الوقت هو الطّهر الخالي عن الجماع، وفي سنة العدد المقصود هو رعاية جانب العدد؛ فلذلك لم يختلف في سنة العدد المدخول بها وغير المدخول بها، غير أنّهما يختلفان في حقّ الوقت، ففي حق المدخول بها بشرط الوقت وهو الطهر الخالي عن الجماع؛ لكون الطّلاق سنياً وفي غير المدخول بها لا بشرط، حتّى أنّه لو طلّقها في حالة الحيض لا يكون بدعيًا، لما أنّ الرغبة فيها صادقة لعدم الدّخول بها، وإنّما سمى الواحد عددًا مجازاً لأنّه أصل العدد (٤). وَلَنَا أَنَّ الرَّغْبَةَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا صَادِقَةٌ لَا تَقِلُّ بِالْحَيْضِ، فكان الطّلاق في حالة الطهر مشروعًا بلا كراهة نظرًا إلى دليل الرّغبة.

стр. 1732

فإن قيل: ينبغي أن يكون الطّلاق في حالة الحيض مكروهًا في حق غير المدخول أيضاً؛ لقوله النبيّ ﵇ لعمر (١) ﵁: «إن ابنك أخطأ السنة» (٢)، والعبرة لعموم اللّفظ (٣)، وهو الطّلاق في حالة الحيض، فتعم المدخول بها وغير المدخول بها. قلنا: كان ذلك في حقّ المدخول بها بدليل آخر ذلك الحديث وهو مدّة فليراجعها؛ لأنّ الشّهر في حقها قائم مقام الحيض. فإن قيل: لما أقيم الشّهر مقام الحيض، فإذا وقع الطّلاق في أيّ شهر، كان من الأشهر الثّلاثة، كان موقعًا للطّلاق في الحيض، فكان حراماً كما في حالة الحيض. قلنا: الْخُلْفُ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ بِحَالِهِ لَا بِذَاتِهِ؛ أي لا يقوم مقامه من جميع الوجوه، فإنّ الشّهر في حقّ الآيسة طهر حقيقة، وإنّما أقيم الشّهر مقام الحيض في حق انقضاء العدّة والاستبراء. وذكر شيخ الإسلام (٤): فلو كانت الأشهر بدلاً عن الإقراء (٥) في حق جميع الأحكام، لكان الطّلاق بعد الجماع محرمًا، كما في حق ذوات الإقراء، فلما لم يحرم علم أنّ الأشهر قامت مقام الحيض في حقّ تعلّق انقضاء العدّة بها لا غير (٦)، ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٧) أي: من الصغائر اللاتي لم يبلغن، أو اللاتي بلغن بغير حيض، كذلك يعتدون بثلاثة أشهر، كذا في «التّيسير» (٨) (٩).

стр. 1733

[اقامة الشهر مقام الحيض] وَالْإِقَامَةُ فِي حَقِّ الْحَيْضِ أي: إقامة الشّهر مقام الحيض في حق الحيض خاصّة، لا في حقّ الحيض والطّهر، وهو احتراز عن ظن بعض أصحابنا (١). وفي «المبسوط»: وقد ظن بعض أصحابنا أنّ الشّهر في حق التي لا تحيض بمنزلة الحيض والطّهر في حقّ التي تحيض، وليس كذلك، بل الشّهر في حقها بمنزلة الحيض في حقّ التي تحيض حتّى يتقدّر به الاستبراء (٢) (٣)،] ولو كانت الإقامة باعتبارهما لكان ينبغي أن يقدر الاستبراء بعشرة؛ لأنّه أكثر الحيض (٤) ويفصل به بين طلاقي السنّة؛ وهذا لأنّ المعتبر في حقّ ذوات القرء الحيض، ولكن لا يتصوّر تجدّد الحيض إلا بتحلل الطّهر، وفي الشّهور يتقدم هذا المعنى، فكان الشّهر قايمًا مقام ما هو المعتبر (٥). فإن قلت: في أيّ موضع يظهر ثمرة اختلاف بعض أصحابنا في أنّ الشّهر قائم مقام الحيض والطّهر، وعند غيرهم في حقّ الحيض خاصة. قلت: في حق إلزام الحجّة (٦)، فإنّهم لما اجتمعوا على أنّ الاستبراء يكتفى بالحيض لا غير، من غير توقف إلى الطّهر والشّهر قائم مقامه في حقّ التي لا تحيض، علمنا أنّ الشّهر قائم مقام الحيض لا غير؛ لأنّ الخلف إنّما يعمل فيما يعمل فيه الأصل، واشتراط الحيض مع الطّهر في ثلاث حيض إنّما كان ليتحقّق عدد الثلاثة، لا لذات الطّهر على ما ذكر في «المبسوط» (٧) ولو كان لذاته لا يشترط فيما لا يشترط فيه العدد من الحيض، فكانوا محجوجين؛ لما قلنا من أثر العلة تعبير الشّهور بالأهلة سواء كانت ناقصة أو كاملة، وإن كان في وسطه أي: وَإِنْ كَانَ فِي وَسَطِهِ فَبِالْأَيَّامِ فِي حَقِّ التَّفْرِيقِ بَيْنَ طَلَاقَيْ السُّنَّةِ، وَذَلِكَ ثَلَاثُونَ يَوْمًا بِالِاتِّفَاقِ (٨)، وَفِي حَقِّ الْعِدَّةِ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (٩) ﵀ أي: يعتبر جميع ثلاثة أشهر بالأيّام، ولا يحكم بانقضاء عدّتها إلا بتمام تسعين يومًا، من حين طلّقها - كذا في «المبسوط» (١٠) - ويجوز أن يطلّقها، ولا يفصل بين وطئها وطلاقها بزمان، قال شمس الأئمة الحلواني (١١) [٣٢٢/ ب]﵀ وكان شيخاً ﵀ يقول: (١٢) هذا إذا كانت صغيرة لا يرجى منها الحيضوالحبل (١٣)، وأمّا إذا كانت صغيرة يرجى منها الحيض والحبل فالأفضل أن يفصل بين جماعها وطلاقها بشهر (١٤) - كذا في «المبسوط» (١٥) - ولكن يكثر من وجه آخر.

стр. 1734

فإن قيل: تعارضت جهة الرغبة مع جهة الفتور، فتساقطتا بالمعارضة، فرجعنا إلى الأصل، وهو أنّ الأصل في الطّلاق الحظر؛ لما مرّ، فيحرم عدم الفصل بين وطئها بطلاقها كما في ذوات الحيض. قلنا: الطّهر زمان الرغبة، فلما عارضة فتور الرغبة بالجماع تساويا، فترجّحت جهة الرغبة بعد معارضتهما الْوَطْءِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُعَلَّقٍ، أو يكون تعارض الفتور بالجماع مع الرّغبة المعنيّة، وهي الرغبة في وطء غير معلّق، فبقي تعيّن الرغبة باعتبار أنّ الزّمان زمان الطّهر، وذلك لأنّ انتفاء المعيّن لا يوجب انتفاء، ونفس الرغبة كافية لنفي الكراهة لصلاحتها لدليل الحاجة، والشّرع ورد بالتّفريق على فصول العدّة، وفصول العدة هي الأشهر، والحيض والشّهر في حق الحامل ليس من فصولها، وَلَا يُرْجَى مَعَ الْحَملِ.، أي: لا يرجى تجدّد الطّهر مع الحمل؛ لأنّ الحيض غير ممكن، فلا يمكن الطّهر؛ لأنّ النّهي عنه بمعنى في غيره. قال شيخي ﵀: (١) الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ هَاهُنَا هُوَ النَّهْيُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ ضِدِّ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢) أي: لإظهار عدّتهن، والأمر المذكور في قوله ﵇: «مر ابنك فليراجعها» (٣) لما أنّه كان مأموراً برفع الطّلاق الواقع في حالة الحيض لأجل الحيض، كان منهيًّا عن إيقاع الطّلاق في حالة الحيض (٤). قوله ﵀: وهو ما ذكرنا، إشارة إلى قوله: لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ تَطْوِيلُ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا لَا الطَّلَاقِ؛ وذلك لأنّ الحيض الذي وقع الطّلاق فيه لا يعتبر من العدّة، فيطول العدة، وهذا يفيد الوقوع؛ لأنّ المراجعة إنّما تكون بعد وقوع الطّلاق؛ ولأنّه ذكر عند عمر ﵁ في الشّورى (٥) ابنه قال: "سبحان الله! أقلّد أمور المسلمين من لم يخش طلاق امرأته، فطلّقها في حالة الحيض"، فهذا إشارة منه إلى أن ذلك كان واقعًا، خلافاً للروافض (٦) على ما ذكرنا، عملاً بحقيقة الأمر، وهي نزولاًيقال هذا الأمر يثبت الوجوب على عمر بأن يأمر ابنه بالمراجعة فكيف يثبت وجوب المراجعة بقول عمر.

стр. 1735

قلنا: فعل النّائب (١) كفعل المنوب (٢)، فصار كأنّ النبي ﵇ أَمَرَ، فيثبت الوجوب في الطّهر الذي يلي الحيضة؛ أي: الحيضة التي طلّقها فيها. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ (٣) ﵀: ما ذكره، أي: ما ذكره الطّحاوي (٤) وَمَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ (٥) قَوْلُهُمَا (٦)، وكلا الوجهين روى في حديث ابن عمر فطريق رواية شعبة (٧) مثل قولهما، وطريق رواية أخرى مثل قول أبي حنيفة (٨) ﵀ (٩) كذا في «المبسوط» (١٠)، أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ كُلِّ طَلَاقَيْنِ بِحَيْضَةٍ، بحيضة، أي: كاملة.

стр. 1736

فإن قلت: هذا خلاف النصّ، وهو قوله ﵇: "أن يستقبل الطهر استقبالاً" (١)، وهو غير متعرض طهراً أطلقها في الحيض الذي قبله أو لم يطلقها فيه. قلنا: الطّهر مع الحيض المتّصل به، فصلٌ واحد من فصول العدة، فالطّلاق في الحيض كالطّلاق في الطّهر المتّصل به، فلو طلّقها في الطّهر حقيقة، لم يكن له أن يطلقها في ذلك الطّهر ثانيًا - على وجه السنّة - فكذلك إذا طلّقها في الحيض المتّصل بهذا الطّهر؛ لما أنّ السنّة أن يفصل بين كل طلاقين بحيضة؛ لأنّ اللام فيه للوقت. فإن قلت: لما كانت اللام ههنا للوقت، كان تقدير كلامه أنت طالق ثلاثاً أَوْقَاتِ السَّنَةِ، فلو قال هكذا، ثم نوى إيقاع الثّلاث جملة السّاعة لا يصّح، بل يقع مفرقاً في ثلاثة أطهار، فيجب أن يكون ههنا كذلك، وليس ههنا كذلك بل تصحّ نيته جملة السّاعة بدليل. قوله: (وَإِنْ نَوَى أَنْ يَقَعَ الثَّلَاثُ السَّاعَةَ) فهو على ما نوى، فما وجهه؟ (٢). قلت: الفرق بينهما هو أنّ كلامه ههنا ذو وجهين؛ لما أنّ اللام ليس بصريح في الوقتـ بل يحتمله فترجح جانب الوقت بذكر السنة، ومطلق السنة ينصرف إلى الكامل، وهو السنّة وقوعًا وإيقاعاً؛ فلذلك انصرف إليه عند عدم النية. أمّا جانب احتمال أن يكون اللام للوقت فباقٍ، فترجّح جانب أن لا يكون للوقت عند نيّة أن تقع جملة، وكان ذكر السنة منصرفاً إلى سنة من وجه دون وجه، وهو السنّة من حيث الوقوع. وأمّا عند التّصريح بالوقت لم يحتمل عند وقت السنة، فانصرف [٣٢٣/ أ] لذلك إلى وقت السنّة كاملاً، وهو أن يكون وقوعًا وإيقاعًا، وهو إنّما يكون عند التّفريق على الأطهار - إلى هذا أشار في «الفوائد الظهيرية» (٣) (٤) - أو نوى عند رأس كلّ شهر واحدة، فهو على ما نوى؛ لأنّ رأس الشّهر يحتمل أن يكون زمان طهرها فيكون سبباً مطلقاً.

стр. 1737

ويحتمل أن يكون رأس الشّهر زمان حيضها، فيكون سنياً من حيث الوقوع، وكان متردّدًا بين أن يكون سنياً مطلقاً، وبين أن يكون سنياً من حيث الوقوع، ولو كان سنياً من حيث الوقوع قطعًا صحّت بينة، فهذا أولى كذا في «الجامع الصّغير» (١) (٢) لقاضي خان (٣)؛ لأنّه سنّي وقوعًا؛ لما ذكرنا أنّ وقوع الثّلاثة جملة من مذهب أهل السنّة والجماعة - بخلاف الروافض-؛ لما أنّه عرف صحة وقوعه بالسنّة، وهي ما روي عن النبي ﵇ أنّه قال: «من طلّق امرأته ألفاً، بانت امرأته بثلاث والباقي رد عليه» (٤)، وما ذكرنا من حديث عبادة بن الصّامت ﵁ أنّ قومًا جاءوا إلى النّبي ﵇ … الحديث (٥). فإن قيل: ما ذكرتم من المعنى موجود في الإيقاع؛ لأنّه إذا صحّ الوقوع صحّ الإيقاع لامتناع الوقوع بدون الإيقاع، فحينئذ يكون سبباً من حيث الإيقاع والوقوع. قلنا: الوقوع لا يوصف بالحرمة؛ لأنّه ليس فعل المكلف (٦)، ولأنّه حكم شرعي، وحكم الشّرع لا يوصف بالبدعة، والإيقاع يوصف بها لكونها فعل المكلّف، فكان الوقوع أشبه بالسنّة المرضيّة، فلذلك قال سنّتي وقوعًا، بخلاف قوله: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا أوقات لِلسُّنَّةِ؛ لأنّ هناك صرّح بالإضافة إلى الأوقات (٧).

стр. 1738

وفيما نحن فيه ذكر ما هو تعريض، وكناية عنها والعمل بالصّريح أولى - كذا في «الفوائد الظهيرية» (١) - لا إيقاعاً أنّ السنّة في الإيقاع تفريق الثلاث على الإطهار، فإذا نواها جملة لا يكون الإيقاع سنيًّا، فحينئذ تكون اللام للتّعليل، فكان معنى قوله: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ، أي: وقوع الثّلاث جملة مستفاد لأجل السنّة الواردة فيه (٢)، وقعن عندنا لما قلنا، وهو قوله: ولنا أنه محتمل لفظاً، بخلاف ما إذا قال: أنت طالق للسنّة، ولم ينصّ على الثلاث حيث لا يصحّ نية الجملة فيه، اعلم أن هذا الذي ذكره رواية بعض شروح «الجامع الصّغير» (٣). (٤) وأمّا رواية «المبسوط»: فإنّه يصحّ نيّة الثلاث جملة (٥) فيه أيضاً، كما لو نصّ على الثلاث - كذا ذكره الإمام قاضي خان، وفي «الجامع الصّغير» (٦) - وقال: وإن نوى وقوع الثّلاثة جملة يصحّ؛ لأنّه إذا نوى الثّلاث صار كقوله: أنت طالق ثلاثاً للسنّة، وفي ذلك لو نوى الوقوع جملة يصحّ - كذا هنا ذكره في باب الطّلاق من الأصل (٧) - وذكر بعض المتأخّرين (٨) في شرح هذا الكتاب: أنّه لا يصحّ حتّى لا يقع أكثر من واحدة؛ لأنّ الثلاث ليست بملفوظة، وإنّما يصحّ نيّة الثلاث لتعدّد وقت السنّة، فإذا نوى وقوع الكلّ ساعة بطل تعدّد الوقت، فيبطل نيّة الثّلاث ضرورة فَيُفِيدُ تَعْمِيمَ الْوَقْتِ فيه؛ أي: يفيد تعميم أوقات السنة، ومن ضرورة تعميم الواقع؛ لأنّه جعل كلّ وقت طرفاً للواقع.

стр. 1739

وقد تكرّر للظّرففيتكرّر المظروف، كما في قوله: أنت طالق في كلّ يوم؛ أي: من ضرورة تعميم الوقت في قوله: أنت طالق للسنّة تعميم الواقع، فإذا نوى الثلاث جملة، لا يتعمّم الوقت، فلا يتعمم الواقع، فلا يجوز نيّة الثلاثلا لأنّ بطلان المقتضى يوجب بطلان المقتضى في قوله أنت طالق للسنة (١). وأمّا في قوله: (أنت طالق ثلاثا للسنة)، ونيّة الثلاث جملة صحيحة؛ لأنّ الثلاث مذكورة صريحًا فيصح نيّته لما مرّ فلا يصحّ نيّة الثّلاث؛ لأن نعت الفرد لا يحتمل العدد، والله أعلم. [أنواع الطلاق من حيث الوقوع] فصل (٢) لما ذكر طلاق السنّة لأنه الأصل في شرعيّة الطّلاق طلاق السنّة، وذكر أيضاً ما يقابله من طلاق البدعة، تحقيقاً للمقابلة لا أصالة، شرع في بيان أنواع الطّلاق التي تقع أو لاتقع وما يملك به كمال العدد وما لا يملك. قوله: لِقَوْلِهِ: ﵊ «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إلَّا طَلَاقَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ» (٣). فإن قلت: نفي الجواز من طلاق الصّبي (٤) والمجنون (٥) لا يقتضي عدّم الوقوع؛ لما أنّ الطّلاق في حالة الحيض وإرسال الثلاث جملة في طهر واحد يوصف بالحرمة - على ما مرّ في لفظ «المبسوط» (٦) - وما كان حراماً لا يكون جائز، فكيف استدلّ هنا لعدم الجواز على عدم الوقوع.

стр. 1740

قلت: المراد من الجواز هنا النفاذ، كما في البيع وغيره، ونفاذه إنما يكون بالوقوع، وإنما [٣٢٣/ ب] قلنا ذلك؛ لأنّ فعل الصبيّ والمجنون فيما يرجع إلى المعاملات لا يوصف بالحرمة؛ لأنّه لا يجري القلم عليهما بكتبة السّيئة والحرمة باعتبارها، فكان الجواز محمولاً على النفاذ، وذلك بالوقوع، وهما عديما العقل (١). فإن قلت: هذا في المجنون المسلم، وأمّا الصّبي فيوصف بالعقل، فيقال: يصحّ إسلام الصبيّ العاقل. قلت: لا لم يعتدل عقله بالبلوغ كان طرف العدم ثابتاً لقيام الصبا خصوصاً فيما هو ضرر محض وهو زوال ملك النكاح. وفي «المبسوط» وطلاق الصبي باطل (٢)؛ لأنّه ليس له قصد معتبر شرعًا، خصوصاً فيما يضرّه، وهذا لأنّ اعتبار القصد ينبني على الخطاب، والخطاب ينبني على اعتدال الحال، ولكن قدر ذلك العقل، وإن لم يعتدل يصلح، لتحقيق ما هو حسن بعينه؛ بحيث لا يحتمل القبح كالإيمان وتحقيق ما هو فسخ بعينه، بحيث لا يحتمل الحسن كالردّة (٣)؛ لأنّهما لا يحتملان الردّ بعد تحقّقهما بحدهما، لما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى. ولنا: أنه قصد إيقاع الطلاق، هذا احتراز عن الإقرار بالطّلاق في حالة الإكراه بالإقرار فإن إقراره هناك لغو حيث لا يقع به الطّلاق؛ لأنّه ما قصد هناك إيقاع الطّلاق، بل قصد الإقرار، وهو خبر متمثل بين الصدق والكذب، وقيام السّيف على رأسه دليل على أنّه كاذب فيه، والمخبر عنه إذا كان كذباً فبالإخبار عنه لا يصير صدقاً في حال أهليته، احتراز عن الصبي والمجنون فلا يعزى عن قضيته أي: عن حكمه؛ وهذا لأنّه عرف الشّرين، واختار أهونهما. هذا جواب عن قوله إنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُجَامِعُ الِاخْتِيَارَ، فقال: بل هو اختار لِأَنَّهُ عَرَفَ الشَّرَّيْنِ وَاخْتَارَ أَهْوَنَهُمَا، وذلك لأنّ الإكراه لا يزيل الخطاب (٤). أمّا في غير ما أكره عليه فلا إشكال، وفيما أكره عليه كذلك، حتّى ينوّع الأمر عليه فتارة يباح له الإقدام، كالفطر في رمضان، وتارة يعترض عليه كشرب الخمر، وتارة يحرم عليه كالقتل والزّنا، والخطاب إنّما يرد على المختار، وذكر في «المبسوط»، وحجّتنا في ذلك ما روي أن امرأة كانت تبغض زوجها، فوجدته نائمًا فأخذت شفرة، وجلست على صدره ثم حركته، وقالت: لتطلقني ثلاثاً أو لاذبحنك فناشدها الله فأبت فطلّقها ثلاثاً ثمّ جاء إلى رسول الله ﵇ فسأله عن ذلك فقال: «لا قيلولة في الطّلاق» (٥) (٦).

стр. 1741

[طلاق المكرة والهازل] وروي عن عمر ﵁ أنّه قال: «أربع مبهمات مقفلات، ليس فيهنّ رد يد النكاح والطّلاق والعتّاق والصدقة» (١)، إلا أنّه غير راض بحكمه وذلك غير محلّ به كالهازل (٢). فإن قلت: الفرق ثابت بين المكره (٣) (٤) والهازل (٥)؛ لأنّ المكره له اختيار فاسد وللهازل اختيار كامل، والفاسد في حكم العدم، فلا يلزم من الوقوع في الهازل الوقوع في المكره (٦)، قلت: للهازل اختيار كامل في السّبب، أمّا في حق الحكم - وهو المقصود من السّبب - فلا اختيار له أصلاً، فكان اختيار الهازل - أيضاً - غير كامل بالنّظر إلى هذا، فكانا متساويين، فيجوز اعتبار أحدهما بالإقصار كزواله بالبنج. وفي مسألة البنج (٧) تفصيل: فإنّه ذكر عبد العزيز الترمذي (٨) ﵀ فقال: سألت أبا حنيفة وسفيان الثّوري (٩) - رحمهما الله : شرب البنج فارتفع إلى رأسه وطلق امرأته، قال: إن كان حين شرب يعلم ما هو، تطلق امرأته، وإن كان حين شرب لم يعلمما هو، لا تطلق، ولو شرب من الأشربة التي تتّخذ من الحبوب أو من العسل أو من الشّهد (١٠) وسكر (١١)، وطلق امرأته لا يقع طلاقه عند أبي حنيفة (١٢) وأبي يوسف (١٣)، خلافاً لمحمّد (١٤) ﵀ على ما يجيء في الأشربة إن شاء الله تعالى كذا في «المحيط» (١٥) (١٦).

стр. 1742

وذكر في «المبسوط» وحجّتنا ما روينا: كلّ طلاق جائز الإطلاق الصبي والمعتوه، ولأنّ السّكران (١) مخاطب، فإذا صادف تصرفه محله تعد كالصّاحي، ودليل الوصف قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٢) إن كان هذا خطابا في حال سكره، فهو نصّ، وإن كان خطابًاله قبل سكره، فهو دليل على أنّه مخاطب في حال سكره؛ لأنّه لا يقال إذا جننت فلا تفعل كذا (٣). وَلَنَا أَنَّهُ زَالَبِسَبَبٍ - هُوَ مَعْصِيَةٌ - فَجُعِلَ بَاقِيًا حُكْمًا زَجْرًا لَهُ. فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين سفر المعصية؟ فإنّ أصحابنا جعلوا ذلك السّفر سبباً للتّخفيف، حتّى ترخّص برخص المسافرين كسفر ليس فيه معصية، ولم يجعلوا زوال العقل هنا بشرب هو معصية بمنزلة [٣٢٤/ أ] شرب لا معصية فيه، حتّى فرقوا بين زوال العقل بالبنج وبين زواله بشرب الخمر؟ (٤). قلنا: الرّخصة (٥) هناك مبنية على نفس السّفر، ولا معصية فيها، إنّما المعصية تقصد في باطنه، وحيث في عقيدته أو تحصل المعصية بعد انقضاء السّفر. ألا ترى أنّه يجوز هناك أن يكون أوّل السّفر لنيّة المعصية، ثم انقلب للطّاعة. وأمّا هنا إذا ثبت زوال العقل بشرب هو معصية، كان زوال العقل مضافاً إلى الشّرب الذي هو معصية - لا محالة - فلا يمكنه الامتناع عند زوال العقل بعد تحقّق الشرب المسكر؛ لأنّه من المتولدات فجعل السّبب قائمًا في حق الحكم كما في حقّ] القتل (٦) العمد في حقّ القصاص، وأمّا هناك فيتصوّر الانفصال، فاعتبر منفصلاً على ما ذكرنا - هكذا نقل من إفادة مولانا حميد الدّين (٧) ﵀ ثم على قوله: (زَجْرًا لَهُ)، يرد الإشكال، فإنّه لو كان تحقيق وقوع الطّلاق للزّجر، لكان تحقيق الردّة والإقرار بالحدود الخالصة لله تعالى أولى به؛ لأنّ الزّجر والعقوبة هناك، ثمّ قلنا: ذكر في «المبسوط»، وهذا بخلاف الردّة، فإنّ الركن فيها الاعتقاد، والسّكران غير معتقد لما يقول، فلا يحكم بردّته لانعدام ركنها، لا للتخفيف عليه بعد تقرّر السّبب (٨).

стр. 1743

أَمَّا الْإِقْرَارُ بِالْحُدُودِ فَإِنَّ السَّكْرَانَ لَا يَكَادُ يَثْبُتُ على شيء، فيجعل راجعًا عمّا أقرّ، فيؤثر السكر فيما يحتمل الرجوع. ثم اعلم أنّ ههنا اختلاف الروايتين، وذلك لأنّ فخر الإسلام (١) ﵀ جعل السّكر على نوعين مباح ومحظور، ثمّ رتب هذه الأحكام، وهي وقوع الطّلاق والعتاق على السّكر المحظور، دون المباح، وجعل السّكر من المباح بمنزلة الإغماء في حق منع وقوع الطّلاق والعتاق، ثم قال: أمّا السّكر المباح فمثل من أكره على شرب بالقتل، فإنّه يحل له، وكذلك المضطر إذا شرب منها ما يرد به العطش فسَكَّرتْه (٢)، وأمّا السكر المحظور فهو السّكر من كل شراب محرم يعني] إذا شرب طايعًا (٣)، ويستفاد ذلك من قوله: (محرم)، وجعل الإمام أبو الفضل الكرماني (٤) ﵀ في «الإيضاح» (٥) (٦) حكم جميع السكر بمنزلة حكم السكر المحظور سوى سكر البنج، وقال: ولو أكره على الشّرب أو شرب الخّمر عند الضّرورة، فسكر فإن طلاقه واقع؛ لأن زوال العقل حصل بفعل هو محظور في الأصل، فإن حظر الفعل وإن زال يعارض الإكراه، لكن السّبب الدّاعي إلى الحظر قائم، فأثر قيام السّبب في حقّ الطّلاق حَتَّى لَوْ شَرِبَ فَصُدِعَ إلى أن قال: لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ (٧).

стр. 1744

فإن قيل: الصُّدَاعَ أَثَرُ الشُّرْبِ، وزوال العقل أَثَرُ الصداع، فكان زوال العقل مضافاً إلى الشّرب بواسطة الصداع، فإن الحكم كما يضاف إلى العلّة، يضاف إلى علّة العلّة، كما في الرمي وقود الدّابة. قلنا: إنّما يضاف إلى علة العلّة إذا لم يكن للعلّة المتّصلة به صلاحية الإضافة إليها، ولا ينفصل بالثّانية، كالنفوذ لا ينفصل عن الرمي. بخلاف ما نحن فيه؛ لأنّه يتصوّر انفصال الصداع عن الشّرب، فاعتبر منفصلاً، ولأنّ شرب الخمر ليس بموضوع للصداع، فلا يضاف الصداع إلى شربها. [من بيده الطلاق] بخلاف الرمي فإنّه موضوع للنّفوذ، والقود فإنّه موضوع للانقياد. وطلاق الأمة ثنتان (١) إلى آخره، أنت الطّلاق على تأويل التّطليقة. ثم مذهبنا (٢) فيه قول علي وابن مسعود (٣) ﵁ (٤)، وما قاله الشافعي (٥) قول عمر (٦) وزيد ابن ثابت ﵁ (٧)، وأمّا عبد الله بن عمر (٨) فيعتبر بمن رق منهما حتّى لا يملك عليها ثلاث تطليقات إلا إذا كانا حزين - كذا في «المبسوط» (٩) -؛ لقوله ﵇: «الطّلاق بالرجال والعدّة بالنّساء» (١٠).

стр. 1745

فوجه التمسّك به: أنّ النبي ﵇ قابل الطّلاق بالعدّة على وجه يختصّ كل واحد منهما بجنس على حدّة، ثمّ اعتبار العدّة بالنّساء من حيث القدر، فيجب أن يكون اعتبار الطّلاق بالرجال من حيث القدر تحقيقًا للمقابلة، ومعنى الآدمية في الحر أكثر بدليل شهادة الأحكام؛ لأنّ الحرّ يصلح للقضاء والشهادة والولاية، وإذا كان كذلك فيعتبر حال الزّوج؛ لأنّه هو المالكوالمالكية من معنى الآدمية أيضًا؛ وذلك فيما قبله بأنّه يملك الثلاث إذا كان حرًا ويملك ثنتين إذا كان عبدًا «طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» (١) (٢)، فقد جمع بين الطّلاق والعدّة، والعدّة يعتبر بالنّساء (٣). [طلاق الأمة] فكذلك الطّلاق، ثم هذا اللفظ ورد عامًا فكان معناه طلاق كل الإماء ثنتان، سواء كان زوجهما حراً أو عبدًا، فلو كان اعتبار الطّلاق بالرجال لكان [٣٢٤/ ب] لبعض الإماء ثنتان فلم يبق اللام للجنس ولا دليل له. فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد منه التي تحت عبد فكان طلاقها ثنتين فلم يبق عاماً. قلنا: لا يصح ذلك؛ لأنّه لو كان المراد هذا لم يبق لتخصيص العدّة بها بالحيضتين فائدة أدالها في قوله: وَعِدَّتُهَاراجعة إلى الأمة المذكورة، فلو كان المراد ذلك؛ لكان التّقدير وعدّة الأمة التي تحت العبد حيضتان وليس للتخصيص حينئذٍفائدة؛ لأن الإجماع، منعقد بيننا وبين الخصم (٤)، أنّ عدّة الأمة لا تزداد لا وتنتقص (٥) بكون زوجها حراً أو عبدًا من الحيضتين، وَلِأَنَّ حِلَّ الْمَحَلِّيَّةِ نِعْمَةٌ رُدّ لتعليل الخصم في موضع، فإنّه يقول: حِلَّ الْمَحَلِّيَّةِ إشارة إلى تمهيد المحلّ، لإثبات الملك فيه بالعقد، وذلك ليس من الكرامة، بل هو مشعر بنقصان حال المحلّ، فلم يؤثر رقها في تنصيف الحلّ، وأنا نقول الحل نعمة وكرامة من الجانبين جميعًا، قال الله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٦) فسوّى بينهما في موضع النّفي فكذا في موضع الإثبات؛ وهذا لأنّ عقد النكاح من باب المصالح وضعًا من الجانبين، فثبوت الملك عليها ما كان مقصودًا.

стр. 1746

ولكن لتحقيق ما هو المقصود، وهو حلّ المحليّة لتحقيق المقصود. ألا ترى أن من كان أبعد عن الإسلام لم يثبت في حقه حلّ المحلية كالمجوسيّة (١)، والشّافعي ﵀ (٢) نظر إلى صورة العقد والملك، ونحن (٣) نظرنا إلى المعنى المطلوب من العقد، وإذا ثبت أنّه من باب الكرامة يجب أن ينتقص بسبب الرق، وقد تعذّر إظهار النقصان في نفس الحل؛ لأنّه لا يقبل الوصف بالتجزي فأظهرنا أثره في تحديد العقد عليها فيملك التّجديد في حق الحرة مرّتينوفي حق الأمة مرّة واحدة كذا في «الإيضاح» (٤). ثم المراد من قوله: (إلَّا أَنَّ الْعُقْدَةَ لَا تَتَجَزَّأُ فَتَكَامَلَتْ عُقْدَتَانِ)، أي: إلا أنّ العقدة لا تتجزأ فيتكامل الطلقتين، فإنّ العقدة تستعمل بمعنى الطلقة - على ما يجيء من لفظ «المبسوط» (٥) -؛ لما أنّ العقدة سبب للطلقة فسمّى السّبب باسم المسبّب، ويحتمل أن يكون المراد من العقدة ما هو المذكور في «الإيضاح» (٦) هو أنّ الحلّ الذي هو نعمة في حقهما لا يحصل إلا بالعقد، فكان يجب أن ينصف العقد، فيكون للحرّة عقد تام، وللأمة نصف عقد ولكن العقد لا ينصف ولا يتجزأ فيتكامل العقد للأمة، فلما حصل لها عقد لضرورة التّمليك حصل للحرة عقدان تحقيقًا للتّضعيف في حق الحرّة، ثم التنضيف بالعقد الواحد، والتّضعيف بالعقدين إنّما يتحقّق إذا كان منتهى طلاق الأمة يتبين، ومنتهى طلاق الحرة ثلاثاً إذا طلق الأمة واحدة بائنة بحل بعقد، ثم إذا طلّقها أخرى انتهى الحلّ في الحرّة ينتهي الحلّ بعد العقدين بالطّلقة الثّالثة، فصار منتهى حل الحرّة بالعقدين، ومنتهى حلّ الأمة بالعقد الواحد، وتفسير هذا ما ذكر في «الأسرار» (٧) (٨)، فقال فيه: ثمّ أنّ هذا الوصف وهو حلّ الحرة في حكم ضعف حلّ الأمة، وحلّ الأمة على النّصف، حيث ينصف برقها كم يتّصف برقها كما يتصف حلاً لعبد برقه وإذا صار على النّصف، فإن بنصف ما يفوت به حلّ الحرّة وهو تطليقة، ونصف إلا أنّها لا يتجزأفصارت ثنتين، ومعنى المذكور في الكتاب على هذا التّفسير هو أن حلّ المحلية لما كان نعمة في حقّ المرأة وجب تنصيفه في حقّ الأمة عند تفويت ذلك الحلّ بالطّلاق، ثم تفويت الحلّ في حقّ الحرّة بثلاث عقد أي بثلاث تطليقات، كان في حق الأمة تطليقة ونصف، تحقيقاً للتّنصيف ولكن لا يمكن تجزيه التطليقة فكملناها نقلنا في حق الأمة عقدتان؛ أي: تطليقان وفي حقّ الحرة ثلاث تطليقات (٩).

стр. 1747

وفي «المبسوط» ولأنّه قابل الطّلاق بالعدّة، والمقابلة تقتضي التّسوية وبالاتّفاق في العدّة يعتبر حالها، فكذلك في الطّلاق، ومن ملك على امرأته عددًا من الطّلاق بملك إيقاعها أوقات السنة وبهذا أفحم عيسى بن أبان (١) الشّافعي-﵀ فقال: أيها الفقيه إذا ملك الحرّ على امرأته الأمة ثلاث تطليقات، كيف يطلقها في أوقات السنّة؟ فقال: يوقع عليها واحدة، فإذا حاضت وطهرت أوقع أخرى، فلما أراد أن يقول: فإذا حاضت وطهرت، قال: حَسْبُكفإنّعِدَّتُهَاقَدْ انْقَضَتْ، فَلَمَّا تَحَيَّرَ رَجَعَ فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْجَمْعِ بِدْعَةٌ وَلَا فِي التَّفْرِيقِ سُنَّةٌ (٢). والمعنى أيضاً دليلنا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُهُ الْحُرُّ عَلَى النِّسَاءِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عُقْدَةً [٣٢٥/ أ] فإنّه يتزوج أربع نسوة، ويملك على كلّ واحدة ثلاث عقد، فينبغي أن يملك العبد نصف ذلك وذلك ستّ عقد بأن يتزوّج حرّتين فيملك على كلّ واحد منهما ثلاث عقد كما هو مذهبنا (٣)، وذكر في «الأسرار» بعد هذا وعندك لا يملك إلا أربعًا والعبد لا يملك على الأمتين إلا أربعًا فوجب أن لا يملك الحر عليهن إذا كن إماء إلا ضعفها ثمانياً، وهذا مذهبنا. وتأويل ما روي وهو قول الطّلاق بالرجال، قيل: أنه كلام زيد (٤)، لا يثبت مرفوعًا إلى رسول الله ﵇ (٥)، وقيل: معناه إيقاع الطّلاق بالرجال:

стр. 1748

وأمّا قوله: مَعْنَى الْآدَمِيَّةِ فِي الْحُرِّ أَكْمَلُ، فَكَانَتْ مَالِكِيَّتُهُ أَبْلَغَ وَأَكْثَرَ. قلنا: أنّ الحجر يثبت مرّة بأحوال المالك مع قيام أهل الملك، كما في الصبي والمجنون، ومرّة يثبت لمعنى في المحلّ، بأن لا يقبل التّصرف، كالعصير يتخّمر والعبد يأبق، وههنا المرأة محل هذا العقد، فيقع الاختلاف في التصرّف بسبب اختلال المحلّ؛ لما أنّ حل المحلّ يختلّ بالرّق على ما مرّ كذا في «المبسوط» (١) و «الأسرار». لأن ملك النكاح حق العبد؛ لأنّ النكاح من خواصّ الآدمية والعبد مبقي على أصل الحريةفيها، فعلى هذا يجب أن يملك العبد النكاح بدون إذن المولى، لكن لو قلنا به يتضرّر المولى، فلذلك لم يملك بدون إذن المولى، والله تعالى أعلم بالصّواب وإليه المرجع والمآب. باب إيقاع الطّلاق لما ذكر أصل الطّلاق ووصفه، شرع في بيان تنويعه، فقال: الطّلاق على ضربين أي: التّطليق (٢) بأن ورود الفعال بفتح الفاء بمعنى التّفعيل شايع في كلامهم كالسّلام والكلام والسّراح وأنّه يعقب الرجعة (٣) بالنصّ وهو قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٤)، وهذه الآية تدل على أنّ الطّلاق الرجعي لا يرفع الزّوجية، ولا يبطلها، فإنّ الله تعالى سمّاه بعلاً (٥) بعد الطّلاق وهو الزّوج (٦). فإن قيل: أليس أنّ الله تعالى قال: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، وإنّما يستعمل الردّ فيما زال عنه ملكه، فأمّا ما هو في حكم ملكه لا يصحّ أن يقال: مردها إلى ملكه، قيل لهم: يجوز إطلاق اسم الرد عند انعقاد سبب زوال الملك، فيكون الردّ بمعنى المنع للسبّب عن إثبات الزوال، ويكون فسخًا للسّبب، فإنّ اسم الردّ كما يطلق لفسخ السببّ والحكم جميعًا [ففيه فسخ (٧) للسّبب والحكم]، كما إذا اشترى جارية فوجد بها عيباً، ففسخ، يقال: رد الجارية بالعيب يطلق لفسخ السّبب فقط، وإذا اشترى على أنّهما بالخيار، ولم يثبت الملك للمشتري بالاتفاق (٨)، ثم إذا فسخها يقال: ردّ الجارية، ففيه فسخ للسّبب لا غير.

стр. 1749

فإن قيل: لايخلو عن أحد المجازين؛ لأنّ الردّ لو كان على حقيقته وهو الردّ بالنكاح الجديد كان اسم الفعل مجازاً، ولو كان البعل على حقيقته، كان الردّ مجازاً، فلم يرجح جعل جانب الردّ مجازاً. قلنا: لما أنّ البعل في اللغة اسم للزّوج حقيقة، والحقيقة لا يترك إلا بالدّليل، وأمّا لفظ الرد فيستعمل في الوجهين اللّذينذكرهما، ولأنّه جعل الردّ إلى الأزواج والردّ إذا كان بسبب النكاح لا يكون هو أحق منها، إلى هذا أشار في شرح التأويلات، ذلك إذا نوى الإبانة (١)، هذا عطف على حكم المسألة فيما قبله، وهو قوله: فَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ أن يكون رجعيًّا أيضاً وإن نوى الإبانة؛ لأنّه قصد إثبات الإبانة في الحال فيرد عليه؛ لأنّ الشّارع أخّر حكم الإبانة إلى انقضاء العدّة؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢) فالإمساك إنّما يتحقق أن لو كان الحلّ والملك باقياً، وقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ﴾ (٣)، فهو أن يترك الرجعة حتّى تنقضي العدّة، فعلم بهذا أنّ البينونة معلقة به. تَحْقِيقُهُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الرَّجْعَةَ إمْسَاكًا، وَالْإِمْسَاكُ إبْقَاءُ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ، فَمَا دَامَتْ الْعِدَّةُ بَاقِيَةً كَانَتْ وِلَايَةُ الرَّجْعَةِ بَاقِيَةً، وَإِذَا انْقَضَتْ مِنْ غَيْرِ رَجْعَةٍ بَانَتْ، فَصَارَتْ الْبَيْنُونَةُ مُعَلَّقَةً بِالِانْقِضَاءِ كذا في «مبسوط فخر الإسلام» (٤) (٥) فيرد عليه؛ لأنّه استعجل ما أخّره الشّرع، فيجازى بالردّ كما في قتل المورث، فجوزي بالحرمان، وكما في قصد من عليه السّهو بتسليمه قطع الصّلاة، ردّ قصده عليه، ولو نوى الطّلاق عن [٣٢٥/ ب] وثاق بفتح الواو وهو: القيد (٦)، والكسر لغة فيه لم يدين في القضاء؛ أي: لم يصدّق فاستعمال التدين بمعنى التّصديق على وجه الاستعارة؛ لأنّ حَقِيقَتُهُ دَيَّنْت الرَّجُلَ تَدْيِينًا وَكَلْتُهُ إلَى دِينِهِ فَاسْتُعْمِلَ، أي: أوكلته إلى دينه لأنّه يحتمله؛ لأنّ الطّلاق من الإطلاق، والإطلاق يستعمل في الإبل والوثاق، فيحتمل أن يكون الطّلاق عبارة عنه مجازاً؛ فلذلك دين فيما بينه وبين الله (٧)، ولو قال: أنت طَالِقٌ مِنْ وَثَاقٍ، لم يقع عليها شيء في القضاء؛ لأنّه بين موصولاً بكلامه، مراده من قول طالق والبيان المغني صحيح موصولاً، ولو قال: عنيت بقولي طالق من عمل من الأعمال في رواية الحسن عن أبي حنيفة (٨)، هذا والأوّل سواء، وفي ظاهر الرواية (٩) لابد من هُنَاكَ لَا يُدَيَّنُ فِي الْقَضَاءِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ لَفْظَ الطَّلَاقِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَمَلِ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، إلا أن يذكر موصولاً، فيقول أنت طالق من عمل كذا.

стр. 1750

فحينئذ هي امرأته فيما بينه وبين الله تعالى ويقع الطّلاق في القضاء؛ لأنّه ليس ببيان من حيث الظّاهر لما لم يكن ذلك اللفظ مستعملاً منه،] وكل ما لا يدينه القاضي فيه، فكذلك المرأة إذا سمعت منه أو شهد به عنها شاهد عدل، لا يسعها أن تدينه لأنها لا تعرف منه (١)، إلا الظّاهر كالقاضي - كذا في «المبسوط» (٢) - والحاصل أنّ الفرق بين إرادة الوثاق وبين إرادة العمل في قوله: أنت طالق في موضعين، أحدهما: في إرادتهما عند القران، والثّاني: في إرادتهما عند عدم القران. وقال الشّافعي ﵀ يقع ما نوى، وهو قول زفر (٣). (٤) وقول أبي حنيفة ﵀ الأوّل (٥)؛ لأنّ الصّريح (٦) أقوى من الكناية (٧) فإذا صحّ بنية الثلاث في قوله: أنت بائن، فلأن يصح في قوله: أنت طالق أولى، وحجّتنا في ذلك هي أنّ ابن عمر ﵄ لما طلّق امرأته أمره رسول الله ﵇ بأن يراجعها، ولَمْ يَسْتَفْسِرْهُ إنَّك أَرَدْت الثَّلَاثَ أَمْ لَا، وَلَمْ يُحَلِّفْهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَتْ نِيَّةُ الثَّلَاثِ تِسْعًا فِي هَذَا اللَّفْظِ لَحَلَّفَهُ كَمَا حَلَّفَ ابنرُكَانَةَ (٨) (٩) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي لَفْظِ الْبَتَّةِ (١٠)، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، فَلَا تَعْمَلُ نِيَّتُهُ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: حُجِّي أَوْ زُورِي أَبَاك أَوْ اسْقِينِي مَاءً مِنْ خَارِجٍ، وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ اللَّفْظِ فَقَدْ تَجَرَّدَتْ النِّيَّةُ عَنْ اللَّفْظِ، وَبِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لَا يَقَعُ شَيْءٌ. - «المبسوط» (١١) -ذِكْرُ الطَّالِقِ ذِكْرٌ لِطَلَاقٍ ُ هُوَ صِفَةٌ لِلْمَرْأَةِ لَا لِطَلَاقٍ هُوَ تَطْلِيقٌ، وحاصله أن ذكر النعت (١٢) يقتضي وصفاً ثانياً بالموصوف لغة، كذكر العالم هو ذكر لعلم قام بالموصوف لا بالواصف وكذلك في قولنا جالس وقائم.

стр. 1751

وإذا كان كذلك فيه العدد إنّما يعمل في الطّلاق الذي هو فعل الرجل إذا كان محتملاً لنيّة العدد، فلما كان هذا نعيا للمرأة، ولم يكن الطّلاق نائباً لها قبل هذا، كان نعته إياها بذلك كذباً محضاً في مخرجه لغة، كما إذا قلت لرجل قائم بأنّه جالس، أو على العكس، لكن أثبت طلاق بها شرعًا لا لغة قبيل قوله: أنت طالق لضرورة تصحيح وصف الواصف به وذلك نائب اقتضاؤه لا عموم للمقتضي عندنا؛ لأنّ ثبوته لتصحيح الكلام لما أنّ الثّابت بطريق الضّرورة يثبت على حسب ثبوت الضّرورة لا ما وراه، والضّرورة تندفع بالواحدة، فلما لم يثبت الطّلاق فيما وراءها، لا لغة ولا شرعًا، كانت نيته الثلاث أو الثنتين مصادفة للعدم فلا يثبت؛ لأنّ بمجرّد النيّة لا يقع بشيء إذا لم يكن اللّفظ محتملاً لها، وكذلك قَوْلِهِ قَدْ طَلَّقْتُكِ أَوْ أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ فلا وجه لتصحيحه، إلا أن يجعل الطّلاق ثابتاًقبل أخباره بهذا الضّرورة تصحيح أخباره، فكان هذا ثابتاً شرعًا - أيضاً - بطريق الاقتضاء، فلا تعمل نية الثنتين أو الثّلاث لما قلنا. بخلاف قوله: طَلِّقِي؛ لأنّ ثبوت التّطليق هناك ليس على طَرِيق الِاقْتِضَاء؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ لتصحيح الصدق حتّى يثبت الطّلاق قبله ضرورة، لما أنّه للطّلب لا للأخبار، فلم يثبت هناك من معنى الاقتضاء الذي ذكرناه في الأخبار، ويوفيه هذا الكلام في الوافي وذكر في «المبسوط» أنّ نيّة العدد لا يعمل هناك عندناحتّى لو نوى الثّنتين لا يصح ونيته الثلاث إنّما صحت باعتبار معنى العموم؛ لأنّه تفويض والتفويض قد يكون عامًا وقد يكون خاصًّا (١) والمفوّض [٣٢٦/ أ] إليها بهذا اللّفظ طلاق، والطّلاق بمنزلة أسماء الأجناس محتمل للعموم والخصوص، فتعمل بينة في العموم فصار بمنزلة قوله أنت طالق. فإن قيل: لما أقيم قوله: أنت الطّلاق مقام أنت طالق. وفي قوله: أنت طالق لا يصحّ نيّة الثّلاث، فينبغي أن لا يقع بقوله أَنْتِ الطَّلَاقُ الثلاث وإن نوى كما في قوله أنت طالق. قلنا: لا يصحّ نية الثلاث في قوله: أنت طالق؛ لأن ذلك نعت فرد من كلّ وجه فلا يحتمل العدد كما ذكر. وأمّا الطلاق فهو مصدر في أصله، وإن وصف به، فلمح فيه جانب المصدر به فلذلك خالف لقوله: أنت طالق في صحّة نية الثلاث، وفي «المبسوط» لَوْ قَالَ أَنْتِ الطَّلَاقُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ (٢) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْكِسَائِيَّ (٣) -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَعَثَ إلَى مُحَمَّدٍ (٤) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِفَتْوَى فَدَفَعَهَا إلَيَّ فَقَرَأْتهَا عَلَيْهِ، مَا قَوْلُ الْقَاضِي الْإِمَامِ فِيمَنْ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: فَإِنْ تَرْفُقِي يَا هِنْدُ فَالرِّفْقُ أَيْمَنُ فَأَنْتِ طَلَاقٌ وَالطَّلَاقُ عَزِيمَةٌ … وَإِنْ تَخْرِقِي يَا هِنْدُ فَالْخَرْقُ أَشْأَمُ ثَلَاثٌ وَمَنْ يَخْرِقْ أَعَقُّ وَأَظْلَمُ (٥) كَمْ يَقَعُ عَلَيْهَا؟. فَكَتَبَ فِي جَوَابِهِ: إنْ قَالَ: ثَلَاثٌ مَرْفُوعًا تَقَعُ وَاحِدَةً، وَإِنْ قَالَ: ثَلَاثًا مَنْصُوبًا، يَقَعُ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا ذَكَرَهُ مَرْفُوعًا كَانَ ابْتِدَاءً، فَيَبْقَى قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ، فَتَقَعُ وَاحِدَةً، وَإِنْ قَالَ: ثَلَاثًا مَنْصُوبٌ عَلَى مَعْنَى الْبَدَلِ أَوْ عَلَى التَّفْسِيرِ يَقَعُ بِهِ ثَلَاثٌ (٦)، والمثنى بمعزل منهما أي: من الفردية والجنسية.

стр. 1752

[مسألة طلاق اليد] ولو قال: يدك طالق أو رجلك طالق لم يقع الطلاق/ (١). فَإِنْ قِيلَ الْيَدُ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جميع البدن؛ لقوله ﵇: «على اليد ما أخذت حتّى ترده» (٢). قلنا: ذكر في «الأسرار»: أراد النّبي ﵇ بذكر اليد هناك صاحبها، وعندنا متى قال الزّوج: أردت إضمارصاحبها طلقت، وإنّما الكلام من حيث حقيقته، ولأنّه يجوز أن يكون اليد هناك عبارة عن الكلّ مقرونًا بالأخذ؛ لأنّ الأخذ باليد يكون ولا يكون كذلك مقرونًا بالطّلاق (٣)، وأنّه نأب بُنى على حسب عُرْفِ اللِّسَانِ (٤) بكلّ بلد، فمتى جاء بلفظ يكنى به عن البدن كله في عرف بلدهم، كان طلاقاً صحيحًا، وإن امتنع ذلك في بلد آخر لا يكون طلاقاً في ذلك البلد، كالنبطي (٥) يطلق امرأته بالفارسية فتطلق، والعربيّ إذا تكلّم به وهو لا يدري ما هو لم تطلق فهذا باب لا مناقشة فيه (٦)، وإنّما الخلاف في أَنَّ مَا يُمْلَكُ تَبَعًا، هَلْ يَكُونُ مَحَلًّا لِإِضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَيْهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ صَيْرُورَتِهِ عِبَارَةً عَنْ جملة البدن؟ فأمّا على جوازه وصيرورته أنّه عبارة عن البدن، فلا إشكال أنّه يقع بذلك يدًا كان أو رجلاً، بعدما يستقيم ذلك في اللغة أو كانت لغة لقوم يعرف لسانهم، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ.

стр. 1753

قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ (١): إذَا قَالَ لَهَا رَأْسُك طالق، وعن اقتصار الطّلاق على الرأس لا يبعد أن يقول] لا تطلق، ولو قال يدك طالق، وأراد به العبارة عن جميع البدن لا بد أن يقول (٢) أنّها تطلق - كذا في «المحيط» (٣) - فيكون محلاً لحكم الطّلاق؛ لأنّ الطّلاق هو رفع حكم النكاح، وحكم النكاح حلّ الاستمتاع - وهو موجود ههنا - فكان حكم النكاح ثابتاً فكان محلاً للطّلاق. فِي الطَّلَاقِ الْأَمْرُ عَلَى الْقَلْبِ أي: في كلّ موضع اجتمع الحلّ والحرمة مترجّح جانب الحرمة في الابتداء والانتهاء، ثمّ في النكاح عدم انعقاده، من باب تغليب الحرمة على الحلّ فكذلك وقوع الطّلاق في قوله: يدك طلاق على وجه السراية (٤)، من باب تغليب الحرمة على الحلّ - أيضاً -، وكانت المفارقة بين النكاح والطّلاق عند إضافتهما إلى اليد؛ لوجهين: أحدهما: أن مبنى الطّلاق على السّراية دون النكاح، والثاني: أن تغليب الحرمة على الحلّ في النكاح في عدم انعقاده، وفي الطّلاق في وقوعه فلذلك افترق الحكم بينهما، لا أنّ اليد ليست بمحلّ حكم النكاح. ولنا أنّه أضاف الطّلاق إلى غير محلّه فيلغوا؛ وذلكلأنّ الأصبع أو اليد ليست بمحلّ لإضافة النكاح إليها. فكذلك الطّلاق لمعنى، وهو أنّها تبع (٥) في حكم النكاح والطّلاق، ولهذا صحّ النكاح والطّلاق، وإن لم يكن لها يد ويبقى بعد فوات اليد؛ وهذا لأنّ النكاح والطّلاق يزدان عليها فيكون الأطراف فيها تبعًا، كما في ملك الرقبة سرى، وإذا ثبت أنّها تبع فيذكر الأصل يصير التبع مذكوراً، أمّا بذكر التبع فلا يصير الأصل مذكوراً، وإذا كان تبعًا لم يكن محلاً لإضافة التصرف [٣٢٦/ ب] إليه مقصودًا، والسّراية إنّما تتحقق بعد صحة الإضافة إلى محلّه. والأصحّ أنّه لا يصحّ؛ أي: لا يقع حتّى لا يكون به مظاهراً، فإنّه إذا قَالَ: ظَهْرُكِ أَوْ بَطْنُكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا؛ وإن طلّقها نصف تطليقة (٦) أو ثلثها، كانت تطليقة واحدة، وعند نفاه القياس (٧) (٨) لا يقع عليها شيء؛ لأنّ نصف التّطليقة غير مشروع وإيقاع ما ليس بمشروع من الزّوج باطل.

стр. 1754

ولكنّا نقول: ما لا يحتمل الوصف بالتحري، فذكر بعضه كذكر كلّه، فَكَانَ هُوَ مُوقِعًا تَطْلِيقَةً كَامِلَةً بِهَذَا اللَّفْظِ، وَإِيقَاعُ التَّطْلِيقَةِ مَشْرُوعٌ. [وقوع أجزاء الطلاق] وكذا الجواب في كلّ جزء سمّاه من النّصف أو الثلث أو الرّبع فهو كذا، وإن قال: أنت/ طَالِقٌ نِصْفَيْ تَطْلِيقَةٍ فَهِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْقَعَ أَجْزَاءَ تَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، وإن قال: أنت طالق نصف تطليقة، وثلث تطليقة، وربع تطليقة، وقد دخل بها فهي طالق ثلاثاً؛ لأنّه أوقع من كلّ تطليقة من التّطليقات الثّلاث جزءاً، فإنّه نكر التطليقة في كلّ كلمة والمنكر إذا اعتد منكراً، فالثاني غير الأول، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَثُلُثَهَا وَسُدُسَهَا لَمْ تَطْلُقْ إلَّا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْأَجْزَاءَ الْمَذْكُورَةَ إلَى تَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ بِحَرْفِ الْكِنَايَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَثُلُثَهَا وَرُبُعَهَا، فَمِنْ أَصْحَابِنَا (١) من يقول ههنا يطلق ثنتين؛ لأنك إذا جمعت هذه الأجزاء المذكورة يكون أكثر من واحدة، فالأصحّ (٢) أنّها لا تطلق إلا واحدة؛ لأنّه أضاف الأجزاء المذكورة إلى تطليقة واحدة فلم يقع إلا واحدة - كذا في «المبسوط» (٣) - ولو قال لها: أنت طالق ثلاثة أنصاف تطليقتين، فهي طالق ثلاثاً وهذه من خواص مسائل «الجامع الصّغير» (٤)، وذكرفَخْرُ الْإِسْلَامِ: إنَّمَا أَوْرَدَ: يَعْنِي مُحَمَّدًا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِإِشْكَالٍ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ عَدَدٍ نَصَّفْته لَا يَكُونُ إلَّا نِصْفَيْنِ، فالقول بالثّلاثة في ذلك يجب أن يلغو، والجواب عنه أنّه إنّما أراد بهذا تسمية الطّلاق، أي: أراد بذلك النّصف نفس الطّلاق، ثمّ جمع هذا الطّلاق الذي أراده بذكر النّصف بالثّلاث، فكان كلّ نصف تطليقتين عبارة عن تطليقة واحدة، فكان ثلاث تطليقات عند الاجتماع لا محالة؛ لأنّه لما كان نصف تطليقتين عبارة عن تطليقة واحدة فإيقاع التّطليقة الواحدة ثلاث مرات على المدخول بها يوجب التّطليقات الثلاث (٥).

стр. 1755

فإن قيل: أليس أنّه لو قال لها: أنت طالق ثلاثة أرباع تطليقتين إلا ثنتين، لم تطلق ولم يقل هذا وقع ثلاث مرّات ربع تطليقتين وربع التّطليقتين نصف تطليقة، ومن أوقع على امرأته ثلاث مرّات نصف تطليقة يطلق ثلاثاً (١). قلنا: جواب هذا اللّفظ غير محفوظ قضاء، وبعد التّسليم الفرق واضح، فإن الأجزاء التي أوقعها هناك وهي ثلاثة أرباع موجودة في التّطليقتين؛ لأنّ ربع تطليقتين نصف تطليقة فثلاثة أرباع تطليقتين تطليقة ونصف فيقع تطليقتان، فلا حاجة إلى صرف الكلام عن ظاهره، وههنا الأجزاء التي أوقعها غير موجودة في التّطليقتين؛ إذ ليس للتطليقتين ثلاثة أنصاف فلا وجه لتصحيح كلامه، إلا ما ذكرنا وكلام العاقل محمول على الصحّة، فلهذا جعلنا كأنّه طلقها ثلاث مرات نصف التّطليقتين - كذا في «الجامع الصّغير» (٢) لشمس الأئمة السّرخسي (٣) (٤) ﵀-ولو قال: أنت طالق من واحدة إلى ثنتين إلى آخره. وحاصله أنّ الأقسام الثلاثة موجودة من الأقسام الأربعة التي اقتضتها] القسمة (٥) (٦) العقلية، ولم يوجد الرّابع، وهو أن يدخل الغاية الثّانية دون الأولى، وذلك أن عندهما تدخل الغايتان، وعند زفر (٧) لا يدخل الغايتان، وعند أبي حنيفة (٨) ﵀ يدخل الغاية الأولى دون الثّانية وقال زفر-﵀: في الأولى لا يقع شيء إلى آخر، وقد حاج الأصمعيّ (٩) زفر في هذه المسألة عند باب الرّشيد (١٠)، فقال له الأصمعيّ: ما قولك في رجل] قيل له (١١) كم سنك؟ فقال: ما بين ستين إلى سبعين، أيكون ابن تسع سنين فيتحير زفر-﵀، واستحسن في مثل هذا كذا ذكره فخر الإسلام ﵀ (١٢).
следующие страницы →