← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وإذا كان كذلك فيه العدد إنّما يعمل في الطّلاق الذي هو فعل الرجل إذا كان محتملاً لنيّة العدد، فلما كان هذا نعيا للمرأة، ولم يكن الطّلاق نائباً لها قبل هذا، كان نعته إياها بذلك كذباً محضاً في مخرجه لغة، كما إذا قلت لرجل قائم بأنّه جالس، أو على العكس، لكن أثبت طلاق بها شرعًا لا لغة قبيل قوله: أنت طالق لضرورة تصحيح وصف الواصف به وذلك نائب اقتضاؤه لا عموم للمقتضي عندنا؛ لأنّ ثبوته لتصحيح الكلام لما أنّ الثّابت بطريق الضّرورة يثبت على حسب ثبوت الضّرورة لا ما وراه، والضّرورة تندفع بالواحدة، فلما لم يثبت الطّلاق فيما وراءها، لا لغة ولا شرعًا، كانت نيته الثلاث أو الثنتين مصادفة للعدم فلا يثبت؛ لأنّ بمجرّد النيّة لا يقع بشيء إذا لم يكن اللّفظ محتملاً لها، وكذلك قَوْلِهِ قَدْ طَلَّقْتُكِ أَوْ أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ فلا وجه لتصحيحه، إلا أن يجعل الطّلاق ثابتاًقبل أخباره بهذا الضّرورة تصحيح أخباره، فكان هذا ثابتاً شرعًا - أيضاً - بطريق الاقتضاء، فلا تعمل نية الثنتين أو الثّلاث لما قلنا. بخلاف قوله: طَلِّقِي؛ لأنّ ثبوت التّطليق هناك ليس على طَرِيق الِاقْتِضَاء؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ لتصحيح الصدق حتّى يثبت الطّلاق قبله ضرورة، لما أنّه للطّلب لا للأخبار، فلم يثبت هناك من معنى الاقتضاء الذي ذكرناه في الأخبار، ويوفيه هذا الكلام في الوافي وذكر في «المبسوط» أنّ نيّة العدد لا يعمل هناك عندناحتّى لو نوى الثّنتين لا يصح ونيته الثلاث إنّما صحت باعتبار معنى العموم؛ لأنّه تفويض والتفويض قد يكون عامًا وقد يكون خاصًّا (١) والمفوّض [٣٢٦/ أ] إليها بهذا اللّفظ طلاق، والطّلاق بمنزلة أسماء الأجناس محتمل للعموم والخصوص، فتعمل بينة في العموم فصار بمنزلة قوله أنت طالق. فإن قيل: لما أقيم قوله: أنت الطّلاق مقام أنت طالق. وفي قوله: أنت طالق لا يصحّ نيّة الثّلاث، فينبغي أن لا يقع بقوله أَنْتِ الطَّلَاقُ الثلاث وإن نوى كما في قوله أنت طالق. قلنا: لا يصحّ نية الثلاث في قوله: أنت طالق؛ لأن ذلك نعت فرد من كلّ وجه فلا يحتمل العدد كما ذكر. وأمّا الطلاق فهو مصدر في أصله، وإن وصف به، فلمح فيه جانب المصدر به فلذلك خالف لقوله: أنت طالق في صحّة نية الثلاث، وفي «المبسوط» لَوْ قَالَ أَنْتِ الطَّلَاقُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ (٢) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْكِسَائِيَّ (٣) -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَعَثَ إلَى مُحَمَّدٍ (٤) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِفَتْوَى فَدَفَعَهَا إلَيَّ فَقَرَأْتهَا عَلَيْهِ، مَا قَوْلُ الْقَاضِي الْإِمَامِ فِيمَنْ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: فَإِنْ تَرْفُقِي يَا هِنْدُ فَالرِّفْقُ أَيْمَنُ فَأَنْتِ طَلَاقٌ وَالطَّلَاقُ عَزِيمَةٌ … وَإِنْ تَخْرِقِي يَا هِنْدُ فَالْخَرْقُ أَشْأَمُ ثَلَاثٌ وَمَنْ يَخْرِقْ أَعَقُّ وَأَظْلَمُ (٥) كَمْ يَقَعُ عَلَيْهَا؟. فَكَتَبَ فِي جَوَابِهِ: إنْ قَالَ: ثَلَاثٌ مَرْفُوعًا تَقَعُ وَاحِدَةً، وَإِنْ قَالَ: ثَلَاثًا مَنْصُوبًا، يَقَعُ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا ذَكَرَهُ مَرْفُوعًا كَانَ ابْتِدَاءً، فَيَبْقَى قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ، فَتَقَعُ وَاحِدَةً، وَإِنْ قَالَ: ثَلَاثًا مَنْصُوبٌ عَلَى مَعْنَى الْبَدَلِ أَوْ عَلَى التَّفْسِيرِ يَقَعُ بِهِ ثَلَاثٌ (٦)، والمثنى بمعزل منهما أي: من الفردية والجنسية.

стр. 1752

[مسألة طلاق اليد] ولو قال: يدك طالق أو رجلك طالق لم يقع الطلاق/ (١). فَإِنْ قِيلَ الْيَدُ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جميع البدن؛ لقوله ﵇: «على اليد ما أخذت حتّى ترده» (٢). قلنا: ذكر في «الأسرار»: أراد النّبي ﵇ بذكر اليد هناك صاحبها، وعندنا متى قال الزّوج: أردت إضمارصاحبها طلقت، وإنّما الكلام من حيث حقيقته، ولأنّه يجوز أن يكون اليد هناك عبارة عن الكلّ مقرونًا بالأخذ؛ لأنّ الأخذ باليد يكون ولا يكون كذلك مقرونًا بالطّلاق (٣)، وأنّه نأب بُنى على حسب عُرْفِ اللِّسَانِ (٤) بكلّ بلد، فمتى جاء بلفظ يكنى به عن البدن كله في عرف بلدهم، كان طلاقاً صحيحًا، وإن امتنع ذلك في بلد آخر لا يكون طلاقاً في ذلك البلد، كالنبطي (٥) يطلق امرأته بالفارسية فتطلق، والعربيّ إذا تكلّم به وهو لا يدري ما هو لم تطلق فهذا باب لا مناقشة فيه (٦)، وإنّما الخلاف في أَنَّ مَا يُمْلَكُ تَبَعًا، هَلْ يَكُونُ مَحَلًّا لِإِضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَيْهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ صَيْرُورَتِهِ عِبَارَةً عَنْ جملة البدن؟ فأمّا على جوازه وصيرورته أنّه عبارة عن البدن، فلا إشكال أنّه يقع بذلك يدًا كان أو رجلاً، بعدما يستقيم ذلك في اللغة أو كانت لغة لقوم يعرف لسانهم، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ.

стр. 1753

قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ (١): إذَا قَالَ لَهَا رَأْسُك طالق، وعن اقتصار الطّلاق على الرأس لا يبعد أن يقول] لا تطلق، ولو قال يدك طالق، وأراد به العبارة عن جميع البدن لا بد أن يقول (٢) أنّها تطلق - كذا في «المحيط» (٣) - فيكون محلاً لحكم الطّلاق؛ لأنّ الطّلاق هو رفع حكم النكاح، وحكم النكاح حلّ الاستمتاع - وهو موجود ههنا - فكان حكم النكاح ثابتاً فكان محلاً للطّلاق. فِي الطَّلَاقِ الْأَمْرُ عَلَى الْقَلْبِ أي: في كلّ موضع اجتمع الحلّ والحرمة مترجّح جانب الحرمة في الابتداء والانتهاء، ثمّ في النكاح عدم انعقاده، من باب تغليب الحرمة على الحلّ فكذلك وقوع الطّلاق في قوله: يدك طلاق على وجه السراية (٤)، من باب تغليب الحرمة على الحلّ - أيضاً -، وكانت المفارقة بين النكاح والطّلاق عند إضافتهما إلى اليد؛ لوجهين: أحدهما: أن مبنى الطّلاق على السّراية دون النكاح، والثاني: أن تغليب الحرمة على الحلّ في النكاح في عدم انعقاده، وفي الطّلاق في وقوعه فلذلك افترق الحكم بينهما، لا أنّ اليد ليست بمحلّ حكم النكاح. ولنا أنّه أضاف الطّلاق إلى غير محلّه فيلغوا؛ وذلكلأنّ الأصبع أو اليد ليست بمحلّ لإضافة النكاح إليها. فكذلك الطّلاق لمعنى، وهو أنّها تبع (٥) في حكم النكاح والطّلاق، ولهذا صحّ النكاح والطّلاق، وإن لم يكن لها يد ويبقى بعد فوات اليد؛ وهذا لأنّ النكاح والطّلاق يزدان عليها فيكون الأطراف فيها تبعًا، كما في ملك الرقبة سرى، وإذا ثبت أنّها تبع فيذكر الأصل يصير التبع مذكوراً، أمّا بذكر التبع فلا يصير الأصل مذكوراً، وإذا كان تبعًا لم يكن محلاً لإضافة التصرف [٣٢٦/ ب] إليه مقصودًا، والسّراية إنّما تتحقق بعد صحة الإضافة إلى محلّه. والأصحّ أنّه لا يصحّ؛ أي: لا يقع حتّى لا يكون به مظاهراً، فإنّه إذا قَالَ: ظَهْرُكِ أَوْ بَطْنُكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا؛ وإن طلّقها نصف تطليقة (٦) أو ثلثها، كانت تطليقة واحدة، وعند نفاه القياس (٧) (٨) لا يقع عليها شيء؛ لأنّ نصف التّطليقة غير مشروع وإيقاع ما ليس بمشروع من الزّوج باطل.

стр. 1754

ولكنّا نقول: ما لا يحتمل الوصف بالتحري، فذكر بعضه كذكر كلّه، فَكَانَ هُوَ مُوقِعًا تَطْلِيقَةً كَامِلَةً بِهَذَا اللَّفْظِ، وَإِيقَاعُ التَّطْلِيقَةِ مَشْرُوعٌ. [وقوع أجزاء الطلاق] وكذا الجواب في كلّ جزء سمّاه من النّصف أو الثلث أو الرّبع فهو كذا، وإن قال: أنت/ طَالِقٌ نِصْفَيْ تَطْلِيقَةٍ فَهِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْقَعَ أَجْزَاءَ تَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، وإن قال: أنت طالق نصف تطليقة، وثلث تطليقة، وربع تطليقة، وقد دخل بها فهي طالق ثلاثاً؛ لأنّه أوقع من كلّ تطليقة من التّطليقات الثّلاث جزءاً، فإنّه نكر التطليقة في كلّ كلمة والمنكر إذا اعتد منكراً، فالثاني غير الأول، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَثُلُثَهَا وَسُدُسَهَا لَمْ تَطْلُقْ إلَّا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْأَجْزَاءَ الْمَذْكُورَةَ إلَى تَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ بِحَرْفِ الْكِنَايَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَثُلُثَهَا وَرُبُعَهَا، فَمِنْ أَصْحَابِنَا (١) من يقول ههنا يطلق ثنتين؛ لأنك إذا جمعت هذه الأجزاء المذكورة يكون أكثر من واحدة، فالأصحّ (٢) أنّها لا تطلق إلا واحدة؛ لأنّه أضاف الأجزاء المذكورة إلى تطليقة واحدة فلم يقع إلا واحدة - كذا في «المبسوط» (٣) - ولو قال لها: أنت طالق ثلاثة أنصاف تطليقتين، فهي طالق ثلاثاً وهذه من خواص مسائل «الجامع الصّغير» (٤)، وذكرفَخْرُ الْإِسْلَامِ: إنَّمَا أَوْرَدَ: يَعْنِي مُحَمَّدًا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِإِشْكَالٍ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ عَدَدٍ نَصَّفْته لَا يَكُونُ إلَّا نِصْفَيْنِ، فالقول بالثّلاثة في ذلك يجب أن يلغو، والجواب عنه أنّه إنّما أراد بهذا تسمية الطّلاق، أي: أراد بذلك النّصف نفس الطّلاق، ثمّ جمع هذا الطّلاق الذي أراده بذكر النّصف بالثّلاث، فكان كلّ نصف تطليقتين عبارة عن تطليقة واحدة، فكان ثلاث تطليقات عند الاجتماع لا محالة؛ لأنّه لما كان نصف تطليقتين عبارة عن تطليقة واحدة فإيقاع التّطليقة الواحدة ثلاث مرات على المدخول بها يوجب التّطليقات الثلاث (٥).

стр. 1755

فإن قيل: أليس أنّه لو قال لها: أنت طالق ثلاثة أرباع تطليقتين إلا ثنتين، لم تطلق ولم يقل هذا وقع ثلاث مرّات ربع تطليقتين وربع التّطليقتين نصف تطليقة، ومن أوقع على امرأته ثلاث مرّات نصف تطليقة يطلق ثلاثاً (١). قلنا: جواب هذا اللّفظ غير محفوظ قضاء، وبعد التّسليم الفرق واضح، فإن الأجزاء التي أوقعها هناك وهي ثلاثة أرباع موجودة في التّطليقتين؛ لأنّ ربع تطليقتين نصف تطليقة فثلاثة أرباع تطليقتين تطليقة ونصف فيقع تطليقتان، فلا حاجة إلى صرف الكلام عن ظاهره، وههنا الأجزاء التي أوقعها غير موجودة في التّطليقتين؛ إذ ليس للتطليقتين ثلاثة أنصاف فلا وجه لتصحيح كلامه، إلا ما ذكرنا وكلام العاقل محمول على الصحّة، فلهذا جعلنا كأنّه طلقها ثلاث مرات نصف التّطليقتين - كذا في «الجامع الصّغير» (٢) لشمس الأئمة السّرخسي (٣) (٤) ﵀-ولو قال: أنت طالق من واحدة إلى ثنتين إلى آخره. وحاصله أنّ الأقسام الثلاثة موجودة من الأقسام الأربعة التي اقتضتها] القسمة (٥) (٦) العقلية، ولم يوجد الرّابع، وهو أن يدخل الغاية الثّانية دون الأولى، وذلك أن عندهما تدخل الغايتان، وعند زفر (٧) لا يدخل الغايتان، وعند أبي حنيفة (٨) ﵀ يدخل الغاية الأولى دون الثّانية وقال زفر-﵀: في الأولى لا يقع شيء إلى آخر، وقد حاج الأصمعيّ (٩) زفر في هذه المسألة عند باب الرّشيد (١٠)، فقال له الأصمعيّ: ما قولك في رجل] قيل له (١١) كم سنك؟ فقال: ما بين ستين إلى سبعين، أيكون ابن تسع سنين فيتحير زفر-﵀، واستحسن في مثل هذا كذا ذكره فخر الإسلام ﵀ (١٢).

стр. 1756

قوله: ثُمَّ الْغَايَةُ الْأُولَى لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا الثَّانِيَةُ، ولا ثانية قبل الأولى ولابدّ للكلام من الابتداء، فإذا لم تقع الأولى كما قال زفر (١)، تصير الثّانية ابتداء. فلا يمكن إيقاعهما أيضاً؛ فلأجل هذه الضّرورة أدخلت الغاية الأولى، ولا ضرورة في الغاية الثّانية، فأخذنا فيها بالقياس كما قال زفر (٢) ﵀: وحاصله أنّه لما لم يتصوّر وقوع الثّانية [٣٢٧/ أ] إلا بعد وقوع الأولى أوقعنا الأولى، وهذا المعنى لا يوجد في الغاية الأخيرة ولأنّه يتصوّر وقوع الثّانيّة بدون الثّالثة. فإن قيل: أليس أنّه لو قال لها: أَنْت طَالِق تَطْلِيقَة بَائِنَة، لم يقع إلا واحدة. ولا يقال من ضرورة وقوع الثّانية وقوع الأولى. قلنا: لأنّ قوله بائنة صار لغوًا هناك، وقوله ههنا من واحدة إلى ثلاث كلام معتبر في إيقاع الثّانية، ولا يتحقّق ذلك إلا بعد إيقاع الأولى. فإن قيل: فعلى قول زفر ﵀ إذا قال أنت طالق من واحدة إلى واحدة ينبغي أن لا يقع بشيء لأنّه ليس بين الحدين شيء. قلنا: قد قال بعض المتأخّرين: ينبغي أن يكون هذا على قياس مذهبه، قال ﵀ والأصحّ أنّه يقع تطليقة واحدة؛ لأن آخر كلامه لغو باعتبار أنّه جعل الشيء الواحد حدًا ومحدودًا، وذلك لا يتصوّر، فإذا لغا آخر كلامه، يبقى قوله: أنت طالق -كذا في «الجامع الصّغير» (٣)، لشمس الأئمة السرخسي -. وَلَنَا أَنَّ عَمَلَ الضَّرْبِ أَثَرُهُ فِي تَكْثِيرِ الْأَجْزَاءِ، وذلك لأنّ الواحد بالضرب في المثنى لا يزداد في نفسه، ولكن تتكثر أجزاؤه وتتعدّد أبعاضه؛ لأنّه لو كان يزداد في نفسه لم يبق في دار الدّنيا فقير (٤)، لأنّ الفقير الذي بقي إلى هذا الوقت، لابد أنه كان واحد مما يبقيه ممّا يأكل ويشرب ويلبس حتّى بقي، ثم لو وجد درهمًا مثلاً فجعله عشرين ألف جزء، كان له عشرين ألف درهم على تقدير زيادة المضروب في نفسه، وكذلك ما وجده من المأكولات والمشروبات والملبوسات، لو زاد في نفسه عند الضّرب صار عينًا ولم يبق فقيراً، وإذا ثبت أنّه لم يردد في نفسه عند الضّرب، تكثر أجزاؤه عند الضّرب، كأنه أوقع أجزاء طلقة واحدة بصفة التّفرق.

стр. 1757

وحينئذ لا يقع إلا واحدة، كما لو قال لها: أنت طالق تطليقة وثلثها وربعها، وكما لو قال لها: أنت طالق نصفي تطليقة على ما ذكرنا إلى هذا أشار في «الفوائد الظهيرية» (١)؛ لِأَنَّ (الطَّلَاقَ لَا يَصْلُحُ) ظَرْفًا؛ لأنّه عرض، والعرض يفتقر إلى المحلّ ليقوم فيه، وهو لا يقوم بنفسه، فكيف يقوم غيره به حتّى يصير محلاً له؟ ونوى الضّرب والحساب فهي ثنتان، وكذلك لو لم ينو شيئاً - كذا في «الجامع الصّغير» (٢) لقاضي خان (٣) -. الاعتبار للمذكور الأوّل، وهو قوله (أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ) على ما بيّناه، وهو قوله: (أَنَّ عَمَلَ الضَّرْبِ) أَثَرُهُ فِي تَكْثِيرِ الْأَجْزَاءِ لَا فِي زِيَادَةِ الْمَضْرُوبِ، وإن نوى واحدة مع ثنتين يقع الثلاث، أي: سواء دخل بها أو لم يدخل فلذلك أطلق ولم يقيد بالدخول، بخلاف ما إذا نوى واحدة وثنتين، فإنّه إذا، (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً مَعَ وَاحِدَةٍ أَوْ مَعَهَا وَاحِدَةٌ تَقَعُ ثِنْتَانِ)، سواء دخل بها أو لم يدخل بخلاف ما إذا قال: أنت طالق واحدة وواحدة، وقال: زفر هي بائنة؛ لأنّه وصف الطّلاق بالطّول. فإن قيل: على قول زفر، إذا قال الرّجل لامرأته: أنت طالق تطليقة طويلة، يقع الطّلاق رجعيًّا على ما ذكر في المنظومة، وواصف الطلاق حين أوقعه بالطّول أو العرض له المراجعة، فكيف صح تعليله هنا بالوصف بالطّول في إيقاع البينونة؟. قلنا: يفرق بين ذكر الطّول صريحًا وبين ذكره كناية، ويقول: إذا ذكره صريحًا فقد وصف صريح الطّلاق بما لا يوصف به حقيقة؛ لأنّ الطّلاق عرض وليس له طول، والطّول والعرض من صفات الأعيان، فلما لغا وصفه بالطّول، بقي صريح الطّلاق، وهو يعقب الرجعة بالنصّ.

стр. 1758

وأمّا إذا قال: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ هُنَا (إلَى الشَّامِ) (١)، فقد أثبت الطّول بطريق الكناية، وثبوت الشّيء بالكناية أقوى من ثبوته بالصّريح، فإن ثبوت الشيء بالكناية] ثبوت (٢) [بدليله ولا كذلك الصّريح (٣). ألا ترى أن قولك: فلان كثير الرماد (٤)، أبلغ في إثبات الجود من قولك: فلان جواد، لما أن كثرة الرّماد أثر الجود وعلامته. وأمّا قوله: جواد فمجرّد وصف لا غير، أو يقول جاز أن يوقع تعليل المسألة على مذهبنا فيقول: لما قال لامرأته أنت طالق من ههنا إلى الشّام، فقد وصف الطّلاق بالطّول وفي وصف الطّلاق بالطّول صريحًا عندكم تثبت البينونة فكذا في وصفه بالطّول بطريق الكناية عندي هذا كما علّل مسالة سقوط النيّة أصلاً في صوم رمضان من الصّحيح المقيم بالقياس على صاحب النصاب إذا وهبه من الفقير بعد الحول مع أنّ الزكاة لا تسقط عنده فيما إذا تصدّق بجميع النصاب على فقير واحد (٥). قُلْنَا: لَا بَلْ وَصَفَهُ بِالْقَصْرِ إلى آخره وذكر الإمام التمرتاشي-﵀ (٦) لنا أنّه من المرأة دون الطّلاق حتّى لو [٣٢٧/ ب] قال: أنت طالق] تطليقة (٧) إلى الشّام فنائن (٨)؛ لأنّ الطّول يكون صفة لا طلقة، وكذا لو قال: أنت طالق تطليقة طولها كذا وعرضها كذا، ولا يكون ثلاثاً وإن نوى؛ لأنّ الطّول والعرض يكون للشّيء الواحد، فلا يسع فيه نية الثّلاث، ولو اعتبر على رواية أنت طالق تطليقة شديدة أو طويلة أو عريضة، ونوى الثلاث، قيل: لا يكون ثلاثاً وقيل يكون؛ لأنّ الطّلاق لا يتخصّص بمكان دون مكان.

стр. 1759

بخلاف الزّمان فإن الطلاق لا يخصص ولا يعلق به؛ لما أنّ بين الطّلاق والزّمان مناسبة من حيث التجدّد والحدوث، فيمكن أن يقال: تجدّد الطّلاق بحسب تجدّد الزمان الذي تعلّق به الطّلاق. بخلاف المكان، فإنّه عين قائم بنفسه، ولا يتجدّد كلّ ساعة، ولما لم يكن للطلاق تعلّق بالمكان، كان ذكر المكان وعدم ذكره بمنزلة، فبقي أنت طالق، وهو موجب لوقوع الطّلاق في الحال. وأمّا الزّمان فهو على ثلاثة أوجه: أمّا إن كان أوقع الطّلاق في الزّمان الماضي (١) أو الحال (٢) أو الاستقبال (٣)، ففي الماضي والحال وقع في الحال؛ لأنّ الزّمان الماضي مضى عنه حالياً عن الطّلاق، وليس في وسعه شغل ذلك الزّمان بالطّلاق؛ لأنّه انعدم وإنشاء الصَّفة في المعدوم ليس بمقدور للعباد، ولكن لو كان واقعًا فيما مضى كان واقعًا في الحال؛ لأنّ الطّلاق لا يتوقت؛ فلذلك جَعَل كأنّه أوقعه في الحال فظاهر؛ لأنّ الطّلاق صادف محلّه فيقع (٤). وأمّا إذا أوقعه في المستقبل فيقع؛ لتعلّقه به لما أنّ الطّلاق فعل من الأفعال كلّها تتجدد ساعة فساعة، فكذلك الزّمان؛ فلذلك ناسب التعليق بالزّمان المستقبل، فيوجد الطّلاق عند وجود ذلك الزّمان الذي عينه، فكان كلاهما معدومًا في الحال، وهذا هو معنى التّعليق وذكر في «المبسوط» إذا قال: (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِمَكَّةَ أَوْ فِي مَكَّةَ فَهِيَ طَالِقٌ فِي الْحَالِ) (٥)، وكذلك قوله: أنت طالق في ثوب كذا وعليها غيره طلقت؛ لأن وصفه إيّاها بالطّلاق لا يختصثوب دون ثوب، وإن قال: عنيت به إذا لبست ذلك الثوب دين فيما بينه وبين الله؛ لأنّه جعل ذكر الثوب كناية عن فعل اللبس فيه، وهو نوع من المجاز، وكذلك قوله: في الدّار، أو في الظلّ، أو في الشّمس (٦). وإن قال: في ذهابك إلى مكة (٧)، أو في دخولك الدّار، وفي لبسك ثوب كذا، لم يطلق حتّى يفعل ذلك؛ لأنّ حرف (في) للظرف، والفعل لا يصلح ظرفاً للطّلاق على أن يكون شاغلاً له، فيحمل على معنى الشرط لمناسبة بين الشّرط والظرف؛ لأنّ المظروف لا يوجد بدون الظّرف، وكذلك المشروط لا يوجد بدون الشّرط، والشّرط يكون سابق على المشروط، فكذلك الظّرف يكون سابقاً على المظروف (٨).

стр. 1760

فصل في إضافة الطّلاق إلى الزّمان لمّا شرع في باب إيقاع الطّلاق، أورد فيه فصولاً مترادفة من إضافة الطّلاق وتنويعه وتشبهه. قوله ﵀: آخِرَ النَّهَارِ صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي الْعُمُومِ، صحيحة فيما بينه وبين الله تعالى، كما لو قال: لا أكل طعاماً وهو ينوي طعاماً دون طعام، - كذا في «المبسوط» (١) - (يُؤْخَذُ بِأَوَّلِ الْوَقْتَيْنِ الَّذِي تَفَوَّهَ بِهِ)؛ لأنّه وصفها بالطّلاق في اليومين وبوقوع تطليقة عليها في الحال ينصف بالطّلاق اليوم وغدًا وبعد غد، فكان قوله غدًا فضلاً من الكلام. فإن قيل: لماذا لم يجعل ذكر الغد لإيقاع تطليقة أخرى فيه. قلنا: لعدم الحاجة إلى ذلك، فإنا إنّما نجعل كلامه الذي هو وصف حقيقة إيقاعاً لأجل الحاجة، وهذه الحاجة ترتفع بالواحدة فإنّها بالتطليقة الواحدة تكون طالقاً في الوقتين جميعًا، فلا يقع أخرى لذلك، كما قال في النّوازل (٢) لو قال لها: أنت طالق أوّل النّهار وآخره أنّه يقع تطليقة واحدة (٣)، وَإِذَا قَالَ: غَدًا كَانَ إضَافَةً وَالْمُضَافُ (٤) لَا يَتَنَجَّز؛ وذلك لأنّه لما قال: غداً اليوم فإنّما وصفها بالطّلاق غدًا وبالطّلاق الذي يقع عليها في الغد لا تكون موصوفة بأنّها طالق اليوم (٥)، فلغا قوله اليوم، ولا ينبغي أن يجعل كلامه إيقاعاً تطليقة أخرى في اليوم فإنّه أضاف الطّلاق أولاً إلى المستقبل (٦)، ثم ذكر الوقت القائم، وهو متقدّم في الوجود، والمضاف إلى المستقبل لا يتقدم وجوده على الوقت المضاف إليه، وإذا لم يصح بعدم المضاف اقتضى وقوعه ضرورة وقوع طلاق آخر في الوقت، كما لو قال: أنت طالق [٣٢٨/ أ] آخر النّهار وأوّله؛ حيث تقع تطليقتان، كما لو قال لامرأته في اللّيل: أنت طالق في نهارك، فإنّها تطلق تطليقتين للمعنى الذي قلنا: وكذلك ههنا قلنا في تلك المسألة إنّما وقعت تطليقة أخرى؛ لأنّه ذكرها بحرف الواو، والواو في مثله يعتبر للابتداء، فيجعل كلّ واحد طرفاً على حدة، فاقتضى مظروفاً، وههنا أضاف الطّلاق إلى وقتين بغير حرف الواو، وجعل الوقت الثاني صفة للأوّل، فإنّه بغير الواو يصير الثاني صفة للأوّل؛ كقوله: ضربت رجلاً أسود، والوقت الثّاني لا يصحّ صفة للأوّل فيلغوا ذكره؛ لأنّه لما وصفها في الوقتين بأنّها طالق بتطليقة واحدة لم يمكن إيقاع تطليقتين؛ لأنّه إنّما صرّح بأنّها طالق بطلاق يقع عليها في الغد، فلهذا جعلنا آخر الوقتين لغوًا في الوجهين كذا في «الجامع الصّغير» (٧) لشمس الأئمة السرخسي-﵀، والإمام المحبوبي (٨) ﵀.

стр. 1761

فإن قيل: قد ذكر حكم هذين الوقتين إذا ذكرا بغير الواو، فما حكمها إذا ذكر مع الواو؟. قلت: قد ذكر في «المبسوط» الفرق بين المسألتين عند ذلك، فقال: ولو قال أنت طالق اليوم وغدًا طلقت للحال واحدة، ثم لا يطلق عرفا؛ لأنّ العطف للاشتراك وقد وضعها بالطّلاق في الوقتين، وهي التّطليقة الواحدة تتصّف بالطّلاق في الوقتين جميعًا، وأمّا إذا قال: غدًا واليوم تطلق واحدة اليوم عندنا وأخرى غدًا؛ لأنّه عطف الجملة النّاقصة على الجملة الكاملة، فالخبر المذكور في الجملة الكاملة يصير معاداً في الجملة النّاقصة، فإنّ العطف للاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في الخبر، فكأنّه قال وأنت طالق اليوم وعند زفر (١) ﵀ أنّه لا يطلق إلا واحدة؛ لأنّ صيغة كلامه وصف، وهي بالتّطليقة الواحدة تتصف بأنّها طالق في الوقتين جميعًا (٢). وجوابه ما ذكرناقوله ﵀ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: الْيَوْمَ كَانَ تَنْجِيزًا وَالْمُنَجَّزُ لَا يَحْتَمِلُ الْإِضَافَةَ، فإن قلت: هذه الدّعوى إنّما تصح إن لو اقتصر على ذكر اليوم، وأمّا عند ضمّه إلى ذلك ذكر الغد فلا فات أوّل الكلام يتوقّف إلىآخره إذا كان في آخره ما يغيّره. ألا ترى أنّه إذا قال: طَالِقٌ الْيَوْمَ إذَا جَاءَ غَدٌ فَهِيَ طَالِقٌ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ، فلم يقل هناك المبحر بذكر اليوم لا يحتمل التّعليق بذكر الشّرط، لما قلنا أنّ أوّل الكلام يتوقّف على آخره، إذا كان في آخره ما يغيّره، فينبغي أن يكون هنا كذلك بأن لا يلقي ذكر الإضافة كما لا يلقي هناك ذكر التّعليق. قلت: قاله الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «المبسوط» جوابه، فقال: إنّما تغير حكم أول الكلام هناك؛ لأنّ ذلك تعليق بالشّرط وبذكر الشّرط موصولاً يخرج كلامه من أن يكون تنجيزًا، كما لو قال: أنت طالق اليوم إذا كلمت فلاناً، أو إن كلمت فلاناً لم تطلق قبل الكلام، وتبين بذكر الشّرط أنّ قوله اليوم لبيان وقت التّعليق، لا لبيان وقت الوقوع بخلاف قوله: اليوم غدًا، فإنّ هناك ليس بذكر الشّرط، فيبقى قوله اليوم بيانًا لوقت الوقوع (٣). وذكر في «الذّخيرة» (٤) (٥) في جواب هذا السؤال فقال: إن قوله: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ إيقاع للحال، وقال: إذا جاء غد تعليق، فقد أتى بالإيقاع والتّعليق فلابدّ من اعتبار أحدهما، فاعتبر بالتعليق؛ لأنّ في اعتبار التعليق الغاء كلمة واحدة، وهي اليوم وفي اعتبار اليوم إلغاء كلمات وهي قوله: إذا جاء غد ولاشك أن الفاء كلمة واحدة أهون، وإذا اعتبرنا التعليق، صار تقدير مسألتنا: أنت طالق إذا جاء غد؛ لأنّ قوله: أنت طالق إيقاع الواحدة من حيث الحقيقة، فلو وقع أخرى في الغد إنّما يقع كيلا يلغو ذكر الغد ولا يلغو ذكر الغد إذا لم يقع أخرى في الغد، فيكون الغد؛ لأنّه جعل الغد طرفاً لكونها طالقاً في الغد، وإذا وقعت واحدة في اليوم، فيبقى ذلك في الغد ظرفاً لكونها طالق في الغد، وقوله ﵀ على ما بيّنا إشارة إلى قوله: لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي الْعُمُومِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُهُ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ، ولأبي حنيفة (٦) ﵀ أنّه نوى حقيقة كلامه في هذه النكتة جواب عن قولهما بقوله على ما بيّناه أي: أنّه نوى التّخصيص في العموم، فكان هو خلاف الظّاهر، فلا يصدّق قضاءً، فقال: ففي خلاف الظّاهر إنّما يدين في القضاء إذا لم يكن بينة مصادفة لحقيقة كلامه، وههنا صادفت بينة حقيقة كلامه فتدين قضاء وديانة.

стр. 1762

أَلَا تَرَى أَنَّ [٣٢٨/ ب] مَنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَنَوَى جَمِيعَ النِّسَاءِ، صُدِّقَ قَضَاءً وَدِيَانَةً، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ لِمُصَادَفَةِ نِيَّتِهِ حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، والظرفية لا تقتضي الاستيعاب؛ أي: الظرفية الثابتة بكلمة في لا تقتضي الاستيعاب، بخلاف الظّرفية المنزوعة عنها كلمة في أنها تقتضيه. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِلَّهِ عليّ أن أصوم في هذه السنة، فصام يومًا يخرج عن العهدة، ولو قال: لله علي أن أصوم السنة يلزمه صوم جميع السنة بالإجماع (١) (٢)، والفقه هو أنّ قوله غدًا يصير ظرفاً بطريق الضّرورة؛ لأنّ الظّرفيّة تثبت لا بلفظ يدل عليها. وفي قوله: في غد يثبت بلفظ يدل عليها والثّابت باللّفظ يحتمل البينة؛ لأن النيّة لتعيين بعض ما احتمله اللّفظ، وما يثبت بدونه فلا يحتملها فيبقى على ما اقتضاه اللّفظ يوضح فرق المسألة ههنا الفرق المذكور في قوله أنت طالق كلّ يوم. وقوله: أنت طالق في كل يوم، حيث يقع في الأوّل تطليقة واحدة؛ لأنّه وضعها بالطّلاق في كلّ الأيّام، وهي موصوفة بالطّلقة الواحدة في جميع الأيام، لما أنّه لو سكت على أنت طالق كانت واحدة، وكانت طالق كلّ يوم، وكذا إذا ذكر كلّ يوم، وكذا إذا قال: أنت طالق أبدًا وفي الثّاني يقع ثلاث تطليقات في ثلاثة أيام؛ لأنّه أوقع عليها في كل يوم تطليقة - كذا في «الفوائد الظهيرية» (٣) وشروح «الجامع الصّغير» (٤) - (ونفس الجزء الأوّل)، أي: عند عدم النيّة هذا جواب عن قولهما، وهو قوله: ولهذايَقَعُ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ؛ يعني أنّ وقوع الطّلاق في الأوّل باعتبار عدم المزاحم؛ لأن كلّ الغد ظرف فإذا عين آخر النّهار كان التعيين القصدي أولى بالاعتبار، فكان ذلك منه تعيينًا لا تغييراً، فيتعين المبهم يصح منه قضاء وديانة، كما إذا قال لامرأتيه: أحديكما طالق، ثم عين أحديهما فهو تعيين لا يعتبر، والجامع بينهما تعيين المبهم، يعني أن قوله: وَاَللَّهِ لَأَصُومَنَّ عُمْرِي يستغرق جميع عمره كما أن غدًا يستغرق جميع الغد وكذلك لأصومنّ الدّهر.

стр. 1763

وقال: (والله لأصومنّ في عمري أو في الدّهر) لا يستغرق العمر والدّهر، بل يجب عليه صوم يوم من العمر لا غير؛ لِأَنَّهُ أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ، أي: معلومة مُنَافِيَةٍ لِمَالِكِيَّةِ الطَّلَاقِ فَيَلْغُوَ؛ لأنّها لم تكن في ملكه في ذلك الوقت الذي أضاف الطّلاق إليه (١). وحاصله أنّه متى وصفها بالطّلاق في وقت لم يكن هو مالكاً للإيقاع فيه كان ذلك منه إنكارًا للطّلاق لا إقراراً به، كما قال: طلقتك قبل أن أتزوجك أو قبل أن تخلقي ومتى وصفها بالطّلاق في وقت كان مالكاً للإيقاع فيه، كان ذلك منه إقراراً صريحًا بالطّلاق، ومن ضرورة كونها طالق في ذلك الوقت أن يكون طالقاً في الحال، ولأنّه يمكن تصحيحه إخباراً عن عدم النكاح إلى آخره؛ وهذا لأنّه لما كان للإخبار وضعًا جعل إخباراً، كما لو قال لامرأتيه: أحديكما طالق مراراً، لم يقع إلا واحدة؛ لإمكان جعل الثّاني إخباراً. فإن قيل: ما ذكرتم منتقض بما إذا قال لامرأته بعد الدّخول: أنت طالق، قاله مراراً يقع الثّلاث، وإن أمكن جعل الثّاني والثّالث إخباراً. قلنا: لا يمكن؛ لأنّ القيد كما يزول عنها يعود إليها، فيمتنع كون الثّاني إخباراً، وهذا عند بعضهم، والمتبحّرون من مشايخنا يقولون: يتوقف زوال القيد عنها على انقضاء العدّة. ولذا قالوا: لو قال لامرأته وهي مدخول بها: أنت طالق، ثم قال: (كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ) يقع عليها طلاق آخر، وهذا شاهد لهم بقيام النكاح بعد الطّلاق، وإذا كان كذلك تعذر اعتبار الثّاني إخباراً، وهذا بخلاف ما استشهد به؛ لأنّ القيد ثمة يزول عن مسمّى أحديهما قضية للإخبار بلا عود لامتناع وجوب العدّة عليها؛ إذ وجوبها من وقت البيان وحاصل هذه النكتة أن قوله: أنت طالق إنما يجعل إنشاءً وإيجاباً للطّلاق، وإن لو لم يمكن جعله إخباراً؛ إذ هو حقيقة في الإخبار والكلام على حقيقته، ما لم يقم الدّليل على مجازه فلما تزوّجها اليوم، فقد أمكن العمل بحقيقته؛ لأنّها كانت طالقاً أمس فلم يجب إيقاع الطّلاق، فأمّا [٣٢٩/ أ] إذا تزوّجها أوّل من أمس فلم يستقم العمل بحقيقته، فوجب إضمار الواقع فيه اقتضاء؛ لأنّه وصفها بكونها طالقاً أمس وهي لم تكن طالقاً، فلم يمكن تصحيح هذا الكلام بطريق الإخبار، إلا أن يتضمّن طلاقًا قبله، فيكون إيقاع الطّلاق أمس، وإيقاع الطّلاق في الماضيلا يتصوّر، ولكن إيقاع الطّلاق في الماضي إيقاع في الحال - كذا في «الجامع الصّغير» لشمس الأئمة وفخر الإسلامو «الفوائد الظهيرية» (٢) -.

стр. 1764

(ولو قال أنت طالق ما لم أطلقك) إلى آخره، ههنا ثلاث مسائل في ثنتين على الاتفاق (١)، وفي واحدة على الاختلاف، ثم كلمها ومتى ونيتهما في هذه المسائل للوقت بالاتفاق (٢)، فمتى سكت عن هذا القول، فقد وجد شرط وقوع الطّلاق فيقع، وكلمة أن في قوله: (إن لم أطلقك) للشّرط بالاتّفاق (٣)، فلذلك لم يجز قرانها بما يتيقن وجوده إذا كان يعرف وقت وجوده، فكان شرط وقوع الطّلاق عليها عدم التّطليق، ومادام في الإحياء يتوقع منه التّطليق، ثم البرّ في هذه المسألة للتطليق والحنث عدم التّطليق، كَمَا فِي قَوْلِهِ: إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ، أي:] قال: أنت طالق إن لم آت البصرة (٤)، فإنّه لا يقع الطّلاق حتّى يقع] اليأس (٥) عن الإتيان،] فإذا انتهى إلى الموت فقد وقع اليأس (٦)، فوجد الشرط والمحل قايد والملك باق فوقع. فكذلك ههنا موتها بمنزلة موته، أي: يقع الطّلاق قبل موتها أيضاً. قوله ﵀: هو الصحيح احتراز عن رواية النّوادر، فإنّه قال في النّوادر: لا يقع الطّلاق بموتها (٧)؛ لأنّ الزّوج قادر على الإيقاع، كما إذا قال: إن لم أدخل الدّار فأنت طالق، يقع الطّلاق بموته، ولم يقع بموتها؛ لأن بعد موتها يمكن دخول الدّار فلا يتحقق الياس، فلا يقع (٨)، وفي «المبسوط»: ثم إن مات الزّوج وقع الطّلاق عليها قبل موته تقليل، وليس لذلك القليل حدّ معروف، ولكن قبيل موته يتحقّق عجزه عن إيقاع الطّلاق عليها فيتحقّق شرط الحنث، فإن كان لم يدخل بها فلا ميراث لها، وإن كان قد دخل بها فلها الميراث بحكم القرار حين يقع الثّلاث عليها بإيقاعه قبيل موته بلا فصل، وإن ماتت المرأة وقع الطّلاق أيضاً قبيل موته، وفي النّوادر يقول: لا يقع؛ لأنّه قادر على أن يطلقها ما لم يمت، فإنّما عجز بموتها فلو وقع الطّلاق لوقع بعد الموت] فيوجد الشّرط عند انقضاء محلّ الطلاق (٩)، وهو نظير قوله: إن لم آت البصرة، وجه ظاهر الرّواية أنّ الإيقاع من حكمه الوقوع، وقد تحقّق العجز عن إيقاعه قبيل موتها] لأنّه لا يعقبه الوقوع، كما لو قال: أنت طالق مع موتك، فيقع الطّلاق قبيل موتها (١٠) بلا فصل ولا ميراث للزّوج؛ لأنّ الفرقة وقعت بينهما قبل موتها بإيقاع الطّلاق عليها، ثم الفرق بين رواية مسألة الكتاب وبين قوله: أنت طالق إن لم آت البصرة؛ حيث لا يقع الطّلاق بموتها (١١).

стр. 1765

وفي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ (١) (٢) يَقَعُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ تَحَقَّقَ شَرْطُ الْوُقُوعِ وَهُوَ عَدَمُ التَّطْلِيقِ فِي زَمَانٍ يُمْكِنُ التَّطْلِيقُ وَهُوَ آخِرُ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ فَتَطْلُقُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، بخلاف قوله: إن لم آت البصرة (٣)؛ لأنّه لا يتحقق الشّرط بموتها؛ لأنّه قادر على إتيانه البصرة، فلم يتحقّق الشّرط فلم يقع الطّلاق، وإذا يكون كرهه وقتلةبل في القصة. أمن السوية إن إذا استغنيتم … وأمنتموا فأنا البعيد الأجنب وإذا الشدائد بالشدائد مرة … أسجتكم فأنا المحب الأقرب ولجندب سهل البلاد وعذبها … وإلى الملاح وحزنهن المجذب وإذا تكون كريهة أدعى لها … وإذا يحاس الحيس يدعى جندب والأشجاء الأحزان والحيس الخلط، قوله: وَإِذَا يُحَاسُ الْحَيْسُ- وهو تمر يخلط بسمن وأقط، ثم يُدْلَك حتى يختلط، يقول: منه حايس الحيس بجنسه جنساً؛ أي: اتخذه، ولأبي حنيفة (٤) ﵀ أنّها تستعمل في الشّرط - أيضاً - بطريق الحقيقة، فإنّه اسم مشترك بين الوقت والشّرط، وإذا استعمل للشّرط سقط منه معنى الوقت أصلاً، فصار كحرف أن، وهو مذهب أبي حنيفة ﵀ وبه قال أهل الكوفة (٥)، وأمّا البصريونيقولون أداء للوقت (٦).

стр. 1766

ولكن يستعمل للشّرط مجازاً، ولا يسقط به معنى الوقت إذاأردت به الشّرط بمنزلة متى، وهو مذهب أبي يوسف ومحمّد (١) ﵀ كذا في «المبسوط» (٢). وَاسْتَغْنِ مَا أَغْنَاك رَبُّك بِالْغِنَى … وَإِذَا تُصِبْك خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلْ أبني إن أباك حارب يومه … وإذا دعيت إلى المكارم فاعجل أوصيك أيضاً آمراً لك ناصح … ظني برب الدّهر غير معقل استغن بما أغناك ربك بالغنى، وإذا تصيبك خصاصة بتحمل (٣). كون الشّيء إذا دنى غير معقل، من عقلت الإبل من العقال، شدد للكثرة والمبالغة التحمل التصبر، وقيل هو الاكتفاء بالجمل وهو الشحم المذاب، يوصي الأب ابنه يتصالح، بقول: أن أباك قريب يوم موته، فاعمل بنصيحتي فإن عقل مصروف الدّهر عالم بها غير ممنوع عن العلم بها، فمن نصائحي هو أن تتعفف عن المسألة، ورفع الحاجة إلى الغير مادام إعتاق الله باقياً بك. وأمّا إذا أصابك فقر تكلف بالصّبر على الفعل الجميل، أو أكل الجهل وهو الشحم المذاب تعففاً، فإن أريد الشّرط لم يطلق، وإن أريد به الوقت يطلق في الحال، فلا يطلق بالشّك. فإن قيل: بالنّظر إلى هذه النكتة ينبغي أن يقال بوقوع الطّلاق؛ لأنّه لما تعارض معنى الشّرط مع معنى الوقت يرجح دليل الحرمة، وهو دليل الوقوع فيقع الطّلاق حينئذٍ. قلنا: هذا متروك] بجميع (٤) صور التردد، وإن كان تغليب جانب الحرمة موجودًا فإنّه إذا شكّ في انتقاضطهارته، وقد كان طاهراً قبله يقينًا فإنّه لم يقل فيه بالانتقاص، مع أن في الانتقاض تغليب جانب الحرمة، والصلاة يراعى فيها جانب الاحتياط؛ لما أنّ الشك لا يزيل اليقين، فههنا كذلك، ولا يلزم على هذا قوله: أنت طالق حين لم أطلقك، أنّه يقع للحال، وإن اختلف استعمال هذه الكلمة في المدّة بين مديد وقصير؛ لأنّه متى ذكر بكلمة لما كان ذلك مضافاً إلى الماضي، فجعل ذلك إيقاعاً للحال، ولو قال: حين لا أطلقك لم يقع، إلا لمضي ستة أشهر؛ لأنه لا يدخل في المستقبل، يقال لا أفعل كذا والحين يذكر ويراد به الأبد، ويذكر ويرد به الساعة، ويذكر ويراد به ستة أشهر، والأبد والسّاعة غير مراد عرفاً، فتعين الوسط كذا ذكره الإمامالكشاني وقاضي خان (٥)، معناه قال ذلك موصولاً، وأمّا إذا قال مفصولاً، فيقعان قياساً واستحسانًا (٦)؛ لأنّه وجد الزّمان الحالي عن التّطليق.

стр. 1767

وكذا لو قال: أنت طالق ثلاثاً ما لم أطلقك ولم أطلقك أنت طالق موصولاً، تقع واحدة ولا تقع الثلاث؛ لأنّ الثّلاث مضاف إلى الزّمان الحالي عن التّطليق، ولم يوجد ذلك الزّمان إذا طلّقها موصولاً، وعلى قول زفر ﵀ تقع الثّلاث (١). قوله ﵀ (وَالْقِيَاسُ أَنْ يَقَعَ الْمُضَافُ)، أي: المضاف أيضاً مع المنجز فيقعان، وفي «المنتقى» (٢): لو قال لها: إذا طلقتك فأنت طالق وإذا لم أطلقك فأنت طالق، فمات قبل أن يطلق يقع عليها طلاقان؛ لأنّه لما مات قبل التّطليق صار حانثًا في اليمين الثّانية، فيقع عليه الطّلاق باليمين الثانية، وهذا الطّلاق يصلح شرطًا في اليمين الأولى؛ لأنّه وقع بكلام وجد بعد اليمين الأولى فيحنث في اليمينين جميعًا، فيقع عليها طلاقان، ولو قال: إذا لم أطلقك فأنت طالق، فمات قبل أن يطلق يقع تطليقة واحدة؛ لأنّه لما مات قبل التّطليق صار حانثاً في اليمين الاولى فيقع الطّلاق، وهذا الطّلاق لا يصلح شرطًا في اليمين الثّانية؛ لأنّه وقع بكلام وجد قبل اليمين الثّانية والشّروط تراعى في المستقبل، لا في الماضي هكذا ذكر في «المنتقى» (٣). ولم يذكر فيه خلافاً، وعلى قياس قولهما ينبغي أن لا ينتظر الموت، بل كما سكت يحنث في قوله: إذا لم أطلقك فأنت طالق - كذا في «الجامع الصّغير» (٤) لقاضي خان ﵀. قوله ﵀: وَأَخَوَاتُهُ. وهي نحو قوله: حَلَفَ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَوَهُوَ لَابِسُهُ، ولا يركب هذه الدّابة وهو راكبها، فنزعه في الحال وينزل منها لا يحنث، وإن كان اللبس القليل يوجد وقت اشتغاله بالنّزع فيحمل عليه، وَإِذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ يَمْتَدُّ كَالصَّوْمِ وَالْأَمْرِ بِالْيَدِحتّى إذا قال: أنت طالق إذا صمت يومًا، طلقت في اليوم الذي يصوم حين تغيب الشّمس، ولو قال: أمرك بيدك (٥) يوم تقدم فلان، فقدم فلاناً] نهاراً (٦)، فلم تعلم به حتّى جن اللّيل قال لا خيار لها؛ لأنّ الأمر باليد ممّا تمتدّ فحمل على بياض النّهار، فإذا لم تعلم حتّى مضى فإنّما وقع العلم بعد انقضاء الأمر، فلم يبق الأمر في يدها على ما يجيء، والطّلاق من هذا القبيل هكذا وقع في عامّة النسخ ولكن الصّريح من النسخ (٧).

стр. 1768

والتزوّج من هذا القبيل لوجوه: أحدها: أنّه هكذا وجدت مصحّحًا بخطّ شيخي [٣٣٠/ أ] وغيره، والثّاني: أنّه اعتبر في الكتاب من وزان هذه المسألة فعل الشّرط لا فعل الجزاء، فقال في باب اليمين في الكلام من كتاب إيمان هذا الكتاب وقال: (وَلَوْ قَالَ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا فَأَمْرَأَتْهُ طَالِقٌ فَهُوَ عَلَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)، إلى أن قال: وَالْكَلَامُ لَا يَمْتَدُّ ولم يقل والطّلاق لا يمتد، وإن كان حكمها واحد. والثّالث: أن ذكر الفعل إنّما يستقيم من غير تأويل في أتزوّجك، لا في أنت طالق. والرّابع: أن ذكر القِرَان في قوله: (إذَا قُرِنَ)، يدل على أنّ المراد به التزوّج لا الطّلاق؛ لأنّ المقارنة بين اليوم والتزوّج أكثر من المقارنة بين اليوم والطّلاق؛ لأن اليوم والتزوّج يقترنان على وجه الإضافة والمضاف مع المضاف إليه كشيء واحد. فإن قلت: يشكل على هذا ما إذا قال: والله لا أكلِّم فلاناً اليوم ولا غدًا ولا بعد غد، فله أن يكلّمه باللّيل، ولا يحنث مع أنّ الكلام فعل غير ممتدّ على ما ذكرت من رواية الكتاب، وقد اقترن باليوم فلم يحمل على مطلق الوقت. وكذلك لو قال: لا يكلّمه في كلّ يوم، لا يدخل اللّيلة حتّى لو كلّمه ليلاً لا يحنث، والمسألتان في «تتمة الفتاوى» (١). قلت: أمّا في المسألة الأولى فقد أريد النّهار باليوم، بدلالة إعادة حرف النّفي عند ذكر الغدر، وإلا لا يكون لذكر حرف النّفي فائدة حتى لو لم يعد، وقال: والله لا أكلّمه اليوم وغدًا وبعد غد، يدخل اللّيلة، فصار بمنزلة قوله: لا أكلّمه ثلاثة أيّام. وأمّا في مسألة الثّانية فذكر كلمة في لتحديد الكلام على ما ذكرنا في قوله: أنت طالق في كلّ يوم والتّحديد إنّما يتحقّق إن لو لم يتناول ذكر اليوم لمطلق الوقت؛ لأنّه يكون للاستمرار لا للتحديد، ألا ترى أنّه لو قال: لا أكلّمه كلّ يوم دخلت اللّيلة، حتّى لو كلّمه ليلاً أو نهاراً يحنث في يمينه إلى هذا أشار في الذّخيرة (٢).

стр. 1769

فإن قلت: ما يقول في قوله: (أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ)، واليوم هناك محمول على بياض النّهار، مع أن الأوجه الثلاثة التي ذكرتها تقتضي أن يكون المراد من الفعل المقرون فعل القدوم، فحينئذ يجب أن يكون المراد من اليوم مطلق الوقت، فيدخل فيه اللّيل والنّهار (١). قلت: الجواب عنه من وجهين أحدهما: أنّ المقصود من ذكر الشّرط والجزاء الجزاء. وقوله: (يوم يقدم) في معنى الشّرط وإن لم يكن حرف الشّرط مذكوراً، والأمر باليد جزاؤه وهو ممتدّ، فحمل اليوم على بياض النّهار نظراً إلى جانب الجزء الذي هو المقصود، بخلاف ما ذكرنا من الأوجه الثلاثة في مسالة التزوّج والكلام، فإن كلاً من فعلي الشّرط والجزاء فعل غير ممتدّ، فاعتبر جانب الأوجه الثلاثة هناك لذلك. والثّاني: أنّ اليوم في أصله موضوع لبياض النّهار، ولهذا يذكر عند مقابلة اللّيل، ويقال يوم وليلة، ويترجم بالفارسية اليوم روز، وفعل الشّرط مع جزائه بمنزلة كلام واحد؛ لتعلّق كلّ منهما بالآخر، ولمّا كان كذلك، ووجد فعل ممتد، وهو الأمر باليد مع ذكر اليوم في كلام واحد، يرجح جانب الوضع الأصلي لليوم، وهو بياض النّهار؛ لما أنّ الأصل يراعى جانبه مهما أمكن، وقد أمكن هنا للوجه الذي ذكرنا فلذلك حمل اليوم على بياض النّهار والله أعلم. فصل (٢) وملك النكاح مشترك بينهما حتّى سميا متناكحين، وهذا في النكاح يذكر كلّ واحد منهما وينتهي النكاح بموت كلّ واحد منهما، حتّى يرث كلّ واحد منهما صاحبه، وحجّتنا في ذلك ما روي أن امرأة قالت لزوجها: لو كان إلي ما إليك لرأيت مَاذَا أَصْنَعُ، فَقَالَ: جَعَلْتُ إلَيْكِ مَا إلَيَّ، فَقَالَتْ: طَلَّقْتُكَ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى ابن عَبَّاسٍ ﵄، فقال: "خطّا الله نوءها، هلّا قالت: طلقت نفسي منك" (٣)، وروي: خطّ الله نوءها من الخطيطة، وهي أرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين، فعلته بمعنى مفعوله؛ أي: جعلت كالمخطوطة بخط ظاهر بينهما (٤).

стр. 1770

والنوء: جمع انواء، وهي: كواكب تستمطر بها العرب (١)، فقول ابن عبّاس ﵁: خطأ الله نوءها أي: جعل هذا النوء لا تصيب أرضها، شبّه تفويض الرجل التطليق إليها بالنوء الذي يستمطر به، وشبه بطلان ذلك بتطليقها زوجها بالمطر، الذي ينزل ولا يصيب أرضها، بل يتعداها وخطأ الشّيخ الإمام نجم الدّين عمر النسفي (٢) ﵀ خطأه، وصوّبه صاحب الفائدة-كذا «الفوائد الظهيرية» وغيرها (٣) -. وذكر في «المغرب» (٤) (٥) في حديث ابن عبّاس ﵄: «خطأ الله نوءها إلا طلقت [٣٣٠/ ب] نفسها» أي: جعله مخطئاً لا يصيبها مطره، وهذا إنكار لفعلها، ويقال لمن طلب حاجة فلم ينجح: "أخطأ نوءك"، ويروى خطي بالألف اللينة من الخطيطة، وهي الأرض التي لم تمطر، وأصله خطط فعليه الطاء الثّالثة تاء، وأمّا خط فلم يصح ولأنّ معنى الطّلاق هو الإطلاق والإرسال وقيد الملك في جانبها لا في جانبه. ألا ترى أنّها لا تتزوّج بغيره، والزّوج يتزوّج بغيرها، فلا يتحقّق الإرسال في جانبه، ولهذا يكون بالوقوع عليها لا عليه، وإنّما هو مطلق لها كما يكون المولى معتقاً لعبده، ولو قال: أنا حرّ منك لم يعتق العبد، فكذلك الطّلاق وبه فارق لفظ البينونة] والحرمة؛ لأنّ البينونة (٦) قطع للموصلة والوصلة بينهما، ألا ترى أنّه يقال: بان عنها] وبانت عنه (٧)، وكذلك الحرمة والذي يقول: الملك مشترك، كلام لا معنى له، بل الملك للزوج عليها خاصّة حتّى يتزوج المسلم الكتابية ولا يتزوج الكتابي المسلمة (٨).

стр. 1771

وما يثبت لها بالنكاح ملك المهر والنّفقة فذلك لا يقبل الطّلاق، وما يثبت له عليها ملك الحل، وهو الملك الذي يقابله البدل والطّلاق مشروع لرفعه، وإنما يرفع الشيء عن المحلّ لوارد عليه دون غيره، ثم الملك الذي يثبت في جانبها تبع للملك الثابت للزّوج عليها، وما يكون تبعًا في النكاح لا يكون محلاً لإضافة الطّلاق إليه عند تأكيدها ورجلها - كذا في «المبسوط» (١) - بخلاف الإبانة؛ لأنّها لإزالة الوصلة وهي مشتركة. فإن قلت: لو كان الزّوج والمرأة في الإبانة مشتركين، لا يجد حكم الإبانة في حقّ الإضافة إليهما فلم يتحد بل اختلف، ألا ترى أنّه إذا قال لامرأته: أنا نائن، يعني: منك، ولم يقل منك لا يقع شيء، وإن عنى به الطّلاق، وكذلك لو قال: أنا حرام ولم يقل عليك. بخلاف ما لو قال: أنت نائن أو أنت حرام، ونوى به الطّلاق، يقع الطّلاق، وإن لم يقل مني. قلت: الفرق بينهما إنما تراجع من وجه آخر، وهو أن البينونة قطع الوصلة المشتركة، ولا وصلة في حقها إلا التي بينها وبينه؛ إذ لا يتصوّر على المرأة نكاحان فعند إضافة البينونة إليها يتعيّن الوصلة التي بينهما وإن لم يضف إلى نفسه، وأمّا في جانبه فالوصلة تحقّق بينه وبين غيرها مع قيام الوصلة بينه وبينها، فإذا قال: أنا نائن، لا يتعين بهذا اللّفظ الوصلة التي بينهما لتعدّدها ما لم يقل منك، وكذلك في لفظ الحرمة، فإنها لا تحل إلا له خاصة. بخلاف جانبه فإنّه يحل لها ولغيرها مع قيامها، فعلم بهذا إنّما نشأ إفراق تلك الإضافة من جهة اختصاص وصلة المرأة وعدم اختصاص وصلة الزّوج، ولكن الوصلة بينهما بالله على وجه الكمال، فصحّ إضافة البينونة إلى كلّ واحد منهما، ولكن على وجه يعلم بها إرادة الوصلة القائمة بينها - إلى هذا أشار في «المبسوط» (٢) -وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ. أحديهما: قوله: أنت طالق واحدة أولاً، والثّانية: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا شَيْءَ أي: لا فرق في حق التّشكيك في الإيقاع أو في حقّ الوضع، ولو كان المذكور ههنا، أي: في «الجامع الصّغير» (٣) قول الكلّ، فعن محمّد ﵀ روايتان؛ لأنّه لم يذكر الخلاف في وضع «الجامع الصّغير» (٤) في أنّه شيء، وكان عن محمّد (٥) ﵀ أيضًا لا يقع شيء، ثم ذكر قول محمّد في طلاق «المبسوط» بأن عنده يطلق واحدة رجعية في قوله: أنت طالق واحدة أو لا شيء (٦)، ولا تفاوت بين هذا الوضع وبين وضع «الجامع الصّغير» بقوله: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا (٧) فلما اتحد الوضعان، فذكر في أحدهما أنّ الجواب قول الكل في أنّه لا يقع، وفي الآخر ذكر أنه على قول محمّد يقع واحدة رجعية، يلزم من ذلك ضرورة ورود الروايتين عن محمّد (٨)، أمّا لو قال لها: أنت طالق أو لا بدون ذكر الواحدة، أو قال: أو لا شيء، أو قال: أنت طالق أو غير طالق، لا يقع شيء عند الكل.

стр. 1772

قوله ﵀ له أي: لمحمد، ولهما أي: لأبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀ (١) أن الوصف متى قرن، أي قوله: أن الوصف متى قرن بالعدد، أي: بالواحدة أو بالثنتين أو بالثلاث، وإنّما أطلق اسم العدد على الواحدة لما أنّها أصل العدد، يعني أنّ الوصف متى قرن بالعدد كان الكلّ كلامًا واحدًا في الإيقاع، فحينئذ كان الشّك الدّاخل في الواحدة [٣٣١/ أ] في الإيقاع، فحينئذ يصير نظير قوله: أنت طالق أولاً، وهناك لا يقع شيء بالإجماع (٢)، فكذا ههنا، والدّليل على أنّ الشّك إذا دخل في الواحدة كان كأنه دخل في أنت طالق، مسائل ثلاث: أحديها: ما ذكر في الكتاب، وهو أنّه لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثاً، يقع الثلاث، ولو كان الوقوع بقوله: أنت طالق لما وقع الثلاث (٣). والثّانية: أنّه لو قال لامرأته: أنت طالق واحدة إن شاء الله، لا يقع شيء، فلو كان الوقوع قوله: أنت طالق، لكان قوله: واحدة فاصلاً بين الاستثناء والواقع فلا يعمل الاستثناء. والثّالثة: أنّه لو قال لها: أنت طالق واحدة. أو قال: أنت طالق ثلاثاً فصادفها قوله: أنت طالق وهي حية، وصادفها العدد وهي ميتة لا يقع شيء، فلو كان الوقوع بقوله: أنت طالق لوقع الطّلاق، وثمرة ذلك تظهر في غير المدخول بها حتّى لو كانت مطلقة يجب نصف المسمّى، ولو لم تكن مطلقة يجب جميع المسمّى ويظهر أيضاً في حقّ أنّه لا يطلق امرأته فليس بشيء، أي: لا يقع شيء؛ لأنّ معنى قوله مع مولى أي بعد موتي. ألا ترى أنّه لو قال: أنت طالق مع دخولك الدّار، فإنّ الدّخول يصير شرطًا، ولا يطلق إلا بعد الدّخول، فكذلك ههنا، ولو وقع الطلاق بهذا اللفظ إنما يقع بعد موته أو بعد موتها، ولا نكاح بينهما بعد موت أحدهما، ولأن للمقارنة وحال موت أحدهما حال ارتفاع النكاح، والطّلاق لا يقع إلا في حال استقرار النكاح، فإذا كان الإيقاع يقترن بالموت، كان الوقوع بعده (٤)؛ لأن الوقوع حكم الإيقاع والحكم يعقب السّبب، ولا يقترن به، - كذا ذكره شمس الأئمة السّرخسي ﵀ في «الجامع الصّغير» (٥) - وَأَمَّا مِلْكُهُ إيَّاهَا فَلِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ ضَرُورِيٌّ؛ لأنّ إثبات الملك على الحرة ثابت على خلاف القياس، ولما طرأ عليه ملك اليمين وهو الحلّ القوي ينتفي للحل الضعيف.

стр. 1773

فإن قيل: هذا مسلم فيما إذا ملك الزّوج جميع منكوحته لملك اليمين. وَإِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَوْ شِقْصًا (١) منها فلا يثبت الحلّ بملك الشّقص، فينبغي أن لا ينتفي الحلّ الثّابت بينهما نكاحاً؛ لأنّه لا يطرأ عليه لأجل قوي ولا ضعيف (٢). قلنا: ملك اليمين دليل الحلّ، فقام دليل الحلّ مقام الحل تيسيراً، فعلى هذا ينبغي أن يبطل نكاح المكاتب - أيضاً - إذا اشترى منكوحته؛ لورود دليل الحل القوي على الضّعيف ومع ذلك لا يبطل، - ذكر في «المبسوط» -؛ لأنّ الثّابت له في كسبه حقّ الملك وحقّ الملك لا يمنع بقاء النكاح، ولأن ملك اليمين لا يثبت المكاتب، إنّما يثبت له ملك التصرف؛ لأنّ قيام الرق تمنعه عن ذلك، فالمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فلم يبطل نكاحه لذلك (٣)، لَا عِدَّةَ هُنَاكَ أي: في حق مولاها الذي كان زوجها؛ أي: لا يظهر أثر عدتها في حقّه بدليل حلّ وطئها. وأمّا العدّة فواجبة في نفسها حتّى أنّه لو أعتقها ليس لها أن يتزوّج تأخر قبل انقضاء عدّتها كذا ذكره الإمام المحبوبي ﵀، وَلَوْ قَالَ لَهَا وَهِيَ أَمَةٌ لِغَيْرِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ مَعَ عِتْقِ مَوْلَاك إيَّاكَ، أراد به الإعتاق واستعار الحكم عن علته. ألا ترى إلى قوله: إياك ولا تستعمل ذلك، إلا فيما يتعدى من الفعل - كذا ذكره فخر الإسلام في «الجامع الصّغير» (٤) -؛ لأنّ اللّفظ بينهما؛ أي: لفظ العتق يحتمل الإعتاق والعتق على طريق البدلية، فللإعتاق على طريق الاستعارة لما أن العتق لا يتصوّر بدون الإعتاق، فكأنه ذكر الحكم، وأراد علته وللعتق على طريق الحقيقة؛ لأنّه هو الملفوظ، فكان معنى الانتظام ههنا، احتمال التناول على طريق البدليّة، لما عرف أنّ اللّفظ الواحد لا ينتظم الحقيقة والمجاز معًا. قوله ﵀: (وَالْمَذْكُورُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ)، أي: العتق معدوم على خطر الوجود أي متردّد الوجود، والحكم وهو الطّلاق تعلق بذلك المذكور - وهو العتق - فكان العتق شرطًا، ووقوع الطّلاق مشروطًا، فلما كان كذلك مكان وقوع الطّلاق بعد وقوع العتق، لما أنّ المشروط يتعقب الشّرط، فصار كأنّه قال: إن أعتقك مولاك فأنت طالق اثْنَتَيْنِ، وإنّما حمل مع ههنا للشّرط لما أنّه ليس بمحكم للقران، بل يجيء لمعنى التعدية والتعقيب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ … يُسْرًا﴾ (٥)؛ أي: بعد العسر لأنّهما متضادان فلا يجتمعان (٦).

стр. 1774

وقال تعالى: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ (١)؛ أي: بعده وهذا الحدّ الذي ذكره للشّرط موجود ههنا، وهو محكم [٣٣١/ ب] للشرط لا يحتمل غيره، فحمل المحتمل على المحكم، فلما كان هو بمعنى الشّرط للوجه الذي قلنا، والمشروط يجد بعد وجود الشّرط، وههنا الشّرط هو العتق والطّلاق هو المشروط؛ لأنّ وجود الطّلاق متعلّق بوجود العتق، كان طلاق الثنتين مصادفاً إياها وهي حرّة، فيملك الرجعة لذلك. فإن قيل: يجب على هذا أن يصحّ قوله: أنت طالق مع نكاحك، بمعنى إن أنكحتك فأنت طالق، ولم يصحّ ذلك. قلنا: العدول عن حقيقة معنى القران في مع فيما نحن بصدده باعتبار أنّه مالك لإنشاء الطّلاق تنجيزًا أو تعليقاً، وكان ذلك من ضرورة تصحيح كلام من هو مالك للتصرّف في ذلك مع تحمل تغيرات من تقديم الكلمات بعضها على بعض وتأخيرها، والعدول عن معنى القران الذي هو حقيقة لكلمة مع، فلم يلزم من العدول ههنا العدول هناك؛ لأنّه غير مالك لإنشاء الطّلاق تنجيزًا وتعليقاً إلا في صورة صريح الشّرط مع منافاة الدّليل، وهو قوله: (إن تزوجتك فأنت طالق)، فلمّا لم يلزم العدول عن معنى القران يقينًا على حقيقته، والطّلاق مع النكاح يتنافيان؛ إذ الطّلاق رفع القيد والنكاح إثباته، فيلغوا كلامه ضرورة: وقال محمّد ﵀: يملك الرجعة وكان كلتا المسألتين أعني قوله: أنت طالق مع عتق مولاك. وفي قوله: ولو قال: إذا جاء غد فأنت طالق ثنتين، وعلق المولى به العتاق - أيضاً - عنده سواء في أنّه يملك الزّوج الرجعة، فوجه ذلك هو أن الزّوج قرن إيقاع الطّلاق بإعتاق المولى معنى؛ أي: على وجه التّعليق لما أنّه علّق الطّلاق بالشّرط الذي علّق به المولى العتق، وهو مجيء الغد، والعتق يقارن الإعتاق؛ لأنّ الإعتاق علّة العتق، والعلة مع المطول يقترنان، كما في الاستطاعة مع الفعل عندنا - خلافاً للمعتزلة - فكان التّطليق مقارنًا للعتق ضرورة، لما أنّ المقارن لمقارن الشيء مقارن لنفس ذلك الشّيء، فإنّه لما قرن التطليق من الإعتاق، كان التطليق مقارنًا؛ لأنّ العتق يقارن الإعتاق، ثمّ العتق حكم الإعتاق، فتتعقب الإعتاق، على ما هو اختيار بعض المشايخ، والحال أن التطليق مقارن للعتق، فكان وقوع الطّلاق عقيب الإعتاق ضرورة، فصار كالمسألة الأولى معنى، ولا يتضح كلام محمّد ﵀ ههنا إلا أن يوصف حكم العلّة بالتأخّر عن العلّة، كما هو قول بعض المشايخ كما وصفه شمس الأئمة السرخسي ﵀ في مسألة: أنت طالق مع موتي (٢)، وقد ذكرناه عن قريب، ثم العتق ههنا حكم الإعتاق، فلما وصف العتق بالتأخّر عن الإعتاق والتّطليق مقترن بالعتق، فكان التّطليق بعد الإطلاق، فيصادفها الطّلاق وهي حرة فيملك الرجعة.

стр. 1775

فإن قلت: ما وجه التّخلص عمن يعكس المسألة؟ فيقول: كما أنّ الزوج علق طلاق الثنتين بمجيء الغد، فكذلك المولى علق الإعتاق بمجيء الغد، فكما قرن التطليق بالإعتاق فكذلك قرن الإعتاق بالتّطليق، ولما قرن الطلاق الذي هو حكم التّطليق بالعتق، الذي هو حكم الإعتاق، كذلك قرن العتق بالطّلاق - أيضاً - فكان العتق واقعًا عليها بعد] ذكر (١) التطليق] كما ذكرت (٢) أنت وقوع الطّلاق بعد الإعتاق، فكان طلاق الثنتين مصادفاً إياها وهي أمة فتحرم حرمة غليظة. قلت: وجهه هو العمل بالاحتياط والعمل بالأصل؛ وذلك لأنّا لو قلنا: يتأخّر العتق عن التّطليق يلزمه الحرمة الغليظة، ولو قلنا يتأخّر الطّلاق عن الإعتاق على الوجه الذي قلنا من مقارنة التطليق للعتق لا يلزم ولم يكن لازمه، قيل: هذا فلا يثبت الشّك. فإن قلت: يلزم من هذا إثبات أمر آخر بالشّك وهو ولاية الرجعة. قلت: الرجعة عبارة عن استدامة النكاح، فكان له قبل هذا ولاية استدامة النكاح، فيبقى ما كان على ما كان، وهو العمل بموجب الشك، فإنّ الشّك إذا ثبت في موضع ولم يكن ترجيح أحد الجانبين على الآخر، فيعمل بما كان على ما كان، ولقول محمّد ﵀ وجهان آخران صحيحان - ذكرهما في «الفوائد الظهيرية» (٣) - أحدهما: أنّ قوله: أنت حرّة أو جزء من قوله: أنت طالق ثنتين، وهما أي: التّطليق والإعتاق بهذين اللّفظين يوجدان في زمان واحد فينعدم أوجزهما في الوجود، [٣٣٢/ أ] وهو قوله: أنت حرة فصادفها التّطليقتان وهي حرّة، فيملك الرجعة عليها. والثّاني: أنّ التطليق مع الإعتاق وإن تقارنا في الوجود، لكن يتأخر حكم التّطليق عن حكم الإعتاق في الوجود، لكون الطّلاق مختصاً ببطء الثبوت؛ لأنّ ثبوته مع المنافي، لأنّ الأصل في الطّلاق الحظر والعتاق مختصّ بسرعة الثبوت؛ لأنّ ثبوته على وفاق الدّليل، لأنّ الإعتاق مندوب إليه شرعًا، بل هو واجب في مواضع الكفّارات، فكان أسرع ثبوتًا فيلزمه تقدمه على الطّلاق، وحينئذٍ يصادفها الطّلاق وهي حرّة وهذا معنى مؤثر. ألا ترى أنّ الملك في البيع الفاسد تأخر إلى زمان القبضبخلاف البيع الصّحيح؛ لأنّ ثبوت حكم البيع الصّحيح على وفاق الدّليل، وثبوت حكم البيع الفاسد على خلافه، وأمّا وجه قولهما فظاهر، وهو أنّ الطّلاق والعتاق تعلقا بشرط واحد، وهو مجيء الغد، فيقعان معًا فكما أنّ العتق صادفها وهي أمّه (٤)، فكذلك الطّلاق صادفها وهي أمة، والأمة تحرم حرمة غليظة بتطليقتين (٥).

стр. 1776

وأمّا في الفصل الأوّل فإنّه علّق التّطليق بإعتاق المولى، فيقع الطّلاق بعد العتق؛ لأنّ وجود المشروط] بعد (١) وجود الشّرط، قوله-﵀: فيقترنان، أي العتق مع الطّلاق والإعتاق مع التطليق، والله أعلم بالصّواب. فصل في تشبيه الطّلاق ووصفه ذكر فصل وصف الطّلاق بعد ذكر أصول الطّلاق وتنويعه، لما أنّ الوصف تابع، فيتبع موصوفه، ومن قال لامرأته: أنت طالق هكذا يشير بالإبهام والسّبابة، وقد طعن بعض النّاس في تسمية السّبابة، قالوا: هذا اسم جاهلي، وإنّما اسمها الشّرعي المسبحة (٢). والجواب: أنّه كتب في بعض النسخ السباحة وهي من أسمائها. وأما السّبابة فقد وردت في السنة في حديث عبدالله ابن عمر (٣) ﵄: "أنّ النبي ﵇ أدخل السّبابتين في أذنيه في صفة الطهور" (٤)، وروى أنّه ﵇ "أمسك السّبابة والإبهام للأذنين" (٥)، ولأنّ الأسماء التي هي أعلام لا يوجب تحقيق معانيها في المسميات بالإجماع - كذا في «الجامع الصّغير» لفخر الإسلام -، وقال ﵇: «الشهر هكذا» الحديث (٦).

стр. 1777

وروي عن النبي ﵇ أنّه عدّ الشّهر وقال: «هكذا أو هكذا وهكذا»، نشر الأصابع كلّها في كلّ مرة، ثم قال: «مرة الشّهر هكذا وهكذا وهكذا» (١)، وجنّس إبهامه في المرّة الثّالثة وكان مراده ﵇ من ذلك بيان أنّ الشّهر قد يكون ثلاثين، وقد يكون تسعة وعشرين، والقول كما يكون باللّسان فكذلك الجوارح. قال الشاعر: فقالت بطرف العين خيفة أهلها … إشارة مذعور ولم تتكلم (٢) واعلم بأنّه لا فرق بين الإشارة بالأصابع التي اعتاد النّاس الإشارة بها وبين الأصابع الأخر - كذا في «الفوائد الظهيرية» (٣) -. وقيل: إذا أشار بظهورها فبالمضمومة منها، يعني إذا جعل باطن الكف إليها، فأمّا إذا جعل ظهرالكف إليها وبطون الأصابع إلى نفسه لا يقع الا واحدة؛ لأنّ الظّاهر شاهد له، وأنّ العادة فيما بين النّاس الإشارة ببطون الأصابع إلى المخاطب لا إلى نفسه - كذا في «الجامع الصّغير» لقاضي خان (٤) -. وقيل: إن] كان (٥) بطن كفه إلى السّماء فالعبرة للنشر، وإن كان إلى الأرض فالعبرة للضم، وقيل: إن كان نشراً عن ضم فالعبرة للنشر، وإن كان ضمًا عن نشر فالعبرة للضمّ -كذا ذكره الإمام التمرتاشي -، ولو لم يقل هكذا يقع واحدة يعني أشار بأصابعه، فقال: أنت طالق ولم يقل هكذا فهي واحدة؛ لأنّ الإشارة إنّما اعتبرت تفسيرًا إذا قربت بعدد مبهم،] ولم يوجد ههنا ذكر عدد مبهم (٦)، فبقي قوله: أنت طالق وهو لا يحتمل العدد؛ لأنّه نعت فرد فلا يقع إلا واحدة - كذا ذكره فخر الإسلام في «المبسوط» (٧) -.

стр. 1778

وَلَنَا أَنَّهُ وَصَفَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ؛ أي وصف الطّلاق بالبينونة بقوله: أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ والطّلاق يحتمل البينونةألا ترى أنّ البينونة قبل الدّخول يحصل به. فإن قيل: لو كان قوله: أنت طالق محتملاً للبينونة، ينبغي أن تصحّ نية البينونة في قوله: أنت طالق؛ لأنّ النيّة إنّما تعمل فيما احتمله اللّفظ، ولم يصحّ بالإجماع (١). قلنا: النيّة تصح في الملفوظ لا في غير الملفوظ، والبينونة ما صارت ملفوظة، فلا تُعمل نيته كمن عليه السّهو إذا سلّم، يريد به قطع الصّلاة لا تُعمل نيته، بخلاف ما إذا قال: [٢٣٢/ ب] أنت طالق نائن، فالبينونة ملفوظة وحجّتنا في هذا - أيضاً ما ذكره في «المبسوط» - وهو أنّ إيقاع صفة البينونة تصرف من الزّوج في ملكه، فيكون صحيحًا كإيقاع أصل الطّلاق، بيانه أنّ الطّلاق بالنكاح] للزوج وما صار (٢) مملوكًا له، إلا للحاجة إلى النقص عن عهدة النكاح (٣). وذلك بإزالة الملك] مملوكة بالرفع وبالدخول نافية يتأكد ملكة (٤) و] كذلك قبل الدّخول إزالة الملك مملوكة للزّوج وبالدّخول يتأكّد ملكه (٥). فلا يبطل ما كان نائباً له بالملك من ولاية الإزالة، وكذلك يملك الاعتياض عن إزالة الملك. وإنّما يملك الاعتياض عمّا هو مملوك له، فثبت أنّ الإبانة مملوكة له، فكان وصفه الطّلاق الذي أوقع بالبينونة تصرّفًا منه في ملك نفسه، فيجب إعمال ما أمكن، وكان ينبغي على هذا الأصل أن يزول الملك بنفس الطّلاق، إلا أن حكم الرّجعة بعد صريح الطّلاق قد يثبت شرعًا، بخلاف القياس فلا يلحق به ما ليس في معناه؛ لأنّ قوله لها: أنت طالق يحتمل الطّلاق المبين وغير المبين، وكان قوله: نائباً؛ لتعيين أحد المحتملين كما يقول النّاس، يكون محتملاً للعموم والخصوص، وإذا قال النّاس كلهم، يزول به هذا الاحتمال، وكذلك إذا قال: بعت يحتمل البيع بخيار والبيع البات، وإذا قال: بيعًا باتًا فلا يزول به هذا الاحتمال. قوله ﵀: فَتَقَعُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ- إلى قوله -: لما مرّ من قبل، وهو قوله: نقول: نية الثلاث إنما صحت لكونها جنسًا، إلى آخره - في أوائل باب إيقاع الطّلاق - في مقابلة قول زفر: يقع تطليقات بأعيان؛ لأنّ قولهنائن خبر للمبتدأ بعد خبر فكان المبتدأ مقدّراً له، فصار كأنّه قال: أنت طالق أنت نائن (٦).

стр. 1779

فهذا معنى قوله؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يَصْلُحُ لِابْتِدَاءِ الْإِيقَاعِ، وذكر الإمام التمرتاشي ﵀: وإن نوى بالنية أخرى قياسان، وكذا كلّ كتابه، وكذا (إذا قال: أنت طالق أفحش الطّلاق)، وهذا معطوف على قوله أنت طالق بائن في الأحكام الأربعة وهو قوله فتقع واحدة بائنة إذا لم تكن له نية أو نوى الثنتين، ولو نوى الثلاث فثلاث، ولو عنى بقوله: أنت طالق واحدة، وبقوله: أفحش الطّلاق وأخرى، تقع تطليقتان. فإن قيل: أنّ قوله (أفحش) أفعل التّفصيل، فيقتضي أن يكون هناك فاحشان أحدهما أفحش من الآخر، والأفحش هو الذي لا يكون فوقه أفحش، فيتعيّن الثلاث؛ لأنّه ليس فوقها طلاق. فحينئذ لا يشترط نيّة الثلاث، بل يقع الثلاث في قوله: أفحش الطّلاق، نوى أو لم ينو. قلنا: هذا الوزن مشترك بين التّفصيل وبين مجرّد الإثبات قال الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (١). وقال الشاعر: أن الذّي سمك السماء بنا لنا … بيتا دعايمه أعز وأطول (٢) أي: عزيزة وطويلة، وإذا كان كذلك لم يجب حمل مطلق اللفظ على الثلاث، فكذا هذا الجواب في الأخبث والأسوأ الأشد، إلى هذا أشار في «الفوائد الظهيرية» (٣)، فكان تشبيهًا في توحيده أي: في تقريره عن الوصف وعن العدد فيكون رجعيًّا. وأمّا الثّاني: وهو قوله: (أَوْ كَأَلْفٍ) فيراد به التشبه في القوة، يقال: ربّ واحد يعدل ألفاً زايدًا، والواحد القوي في الطّلاق هو الطّلاق البائن، فيصحّ نيته لذلك، وقد يراد به الكثرة فيصحّ نية الثلاث لذلك، فيصحّ نيّة الأمرين وهما القوة والكثرة في العدد وعند عدم نيتهما يثبت أقلّهما، وهو الواحد البائن، ثم في قول يقع ثانياً أي: شيء كان المشبه به احتراز عن قول زفر فإنه لو وقع البينونة عنده بشرط أن يكون المشبه به عظيمًا في نفسه وإلا فهو رجعيّ، وفي قوله أَمَّا ذِكْرُ الْعِظَمِ فَلِلزِّيَادَةِ لَا مَحَالَةَ، وَعِنْدَ زُفَرَ إنْ كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ مِمَّا يُوصَفُ بِالْعِظَمِ لا غير رواية هذا الكتاب وعامة شروح «الجامع الصّغير» (٤).

стр. 1780

ولكن زاد في «الذّخيرة» و «الجامع الصّغير» البرهاني (١) في قول أبي يوسف، (٢) وقال: إن لم يذكر لفظ العظم لكن شبهه بشيء عظيم أو صغير حقير إن كان له حدة يكون بائنًا، وإن لم يكن له حدة يكون رجعياً، فعلى هذا إن شبه برأس الإبرة تقع واحدةبائنة، عند أبي يوسف-﵀، وَبَيَانُهُ فِي قَوْلِهِ مِثْلُ رَأْسِ الْإِبْرَةِ مِثْلُ عِظَمِ رَأْسِ الْإِبْرَةِ وَمِثْلُ الْجَبَلِ مِثْلُ عِظَمِ الْجَبَلِ، عند أبي حنيفة-﵀ خاصّة على تقدير أن يكون محمد مع أبي يوسف-﵀ مثل عظم رأس الإبرة يكون نائنا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ﵀ (٣) مثل الحبل يكون نائنا عند أبي حنيفة وزفر مثل عظم الحبل يكون نائنا بالإجماع (٤) [٣٣٣/ أ] المركب: فعند أبي حنيفة لوجود التّشبيه، وعند أبي يوسف لوجود ذكر العظم وعند زفر لكون الحبل عظيمًا عند النّاس (٥) والله أعلم بالصّواب. فصل في الطّلاق قبل الدّخول لما كان وضع النكاح للدّخول كان الطّلاق بعد الدّخول جرياً على الأصل، والطّلاق قبل الدّخول بمنزلة العارض فقدم الأصل على العارض، ثمّ شرع في بيان العوارض، فإنّ له أحكاماً تخصه فلذلك فصل بفصل على حدة. قوله ﵀: لِأَنَّ الْوَاقِعَ مَصْدَرٌ مَحْذُوفٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ طَلَاقًا ثَلَاثًا، إنّما ذكر هذا ردّ لقول من يقول أن قوله: أنت طالق عامل بنفسه فيقع، والمرأة غير مدخولة، فيلغوا ذكر الثّلاث؛ لأنّها بانت لا إلى عدة، فقال: لا بل الواقع ذكر العدد إذا كان العدد مقرونًا بقوله: أنت طالق، لما أنّ قوله: ثلاثاً، عدد والمرأة ليست بمتعدّدة. وإنّما المتعدّد ما يدل عليه قوله: أنت طالق، وهو الطّلاق فصار كأنّه قال: أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًاثلاثاً، وكان الواقع في الحقيقة هو المصدر الموصوف بالثّلاث، وقال في «المبسوط» (٦): وهذا عندنا، وهو قول عمر وعلي وابن عبّاس وأبي هريرة ﵃، وقال الحسن البصري ﵀: يقع واحدة بقوله، طالق، فيبين لا إلى عدة، وقال: ثلاثاً، يصادفها وهي أجنبيّة فلا يقع به شيء، كما لو قال لها: أنت طالق وطالق وطالق، ولكنّا نقول: الطَّلَاقُ مَتَى قُرِنَ بِالْعَدَدِ فَالْوُقُوعُ بِالْعَدَدِ، لأنّ الموضع هو العدد وإذا صرّح بذكر العدد كان هو العامل دون ذكر الوصف، ولهذا لو ماتت المرأة بعد قوله طالق، قبل قوله ثلاثاً لا يقع شيء، وهذا لأنّ الكلّ كلمة واحدة في الحكم، فإن إيقاع الثلاث لا يتأتى بعبارة أوجز من هذا، والكلمة الواحدة لا يفصل بعضها عن بعض بخلاف قوله: طالق وطالق وطالق؛ لأنّها كلمات متفرّقة فإن فرق الطّلاق بانت بالأولى، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ، وكذا لو قال: أنت طالق وطالق وطالق، وإنّما يفترق الحكم بين ذكر الواو وعدمه إذا كان في آخره شرط أو استثناء (٧).

стр. 1781

وقال في «الإيضاح» (١): إذا قال أنت طالق طالق إن دخلت الدّار، وهي غير مدخول بها، بانت بالأولى ولم يتعلّق الثّانية، وإن كان معطوفاً؛ نحو: إن قال: وطالق إن دخلت الدّار، وفطالق إن دخلت، تعلقاً جميعًا بالدخول؛ لأنّ قوله: أنت طالق، من حيث أنّه جزاء الكلام قاصر يحتاج إلى ذكر الشّرط ليتمّ الكلام يمينًا. فيتوقّف الأول والثّاني على ذكر الشّرط، فتعلّقا به دفعة واحدة فإذا لم يوجد حرف العطف. والثّاني: صار فاصلاً بين الأوّل وبين ما ذكر من الشّرط بعده فكان تنجيزًا، وكذا إذا قال: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة، وقعت واحدة؛ لأنّها بانت بالأولى، وعند مالك ﵀ (٢) تطلق ثلاثاً؛ لأنّ الواو للجمع وجمعه بين التّطليقات بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع، بأن يقول لها: أنت طالق ثلاثاً. ولكنّا نقول الواو للعطف، فلا يقتضي جمعًا وليس في آخر كلامه ما يغير موجب أوله؛ لأنّ موجب أوّل الكلام وقوع الطّلاق وهو واقع سواء أوقع الثّانية والثالثة أو لم يوقع، فتَبِيْن بالأولى، كما تكلّم بها ثمّ تكلّم بالثّانية وهي ليست في عدّته، وهذا بخلاف ما لو ذكر شرطًا أو استثناء في آخر الكلام؛ لأنّ في آخره ما يغير موجب أوّله فيوقف أوّله على آخره كذا في «المبسوط» (٣). فإن قلت: هذا الذي ذكرته هو أنّ الواو للعطف، فلا يقتضي توقف أوّل الكلام على آخره إذا لم يكن في آخره ما يغيّره من الشّرط والاستثناء، فيقع الأولى دون الثّانية منقوض بما إذا قال لها - وهي غير مدخولة -: أنت طالق واحدة ونصفاً، وبقوله: أنت طالق أحدًا وعشرين فإنّ في الأولى تقع الثنتان وفي الثّانية تقع الثّلاث، وفي هاتين الصّورتين ذكر الكلام بالواو العاطفة وليس في آخره ما يغيره، ومع ذلك يوقف أوّل الكلام على آخره حتّى وقع الثنتان أو الثلاث في حق غير المدخول بها. قلت: القياس ما ذكرت أولاً، وهو أن لا يتوقّف أوّل الكلام على آخره إذا لم يكن في آخره ما يغيره، فيقع الواحدة في هاتين الصورتين - أيضاً - وهو قول زفر. لأنّ المراد من نصف التّطليقة كمالها، فكأنّه قال: أنت طالق واحدة [٣٣٣/ ب] وواحدة ولكنّا نقول هذا كلّه ككلام واحد معنى؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ وَاحِدَةٍ وَنِصْفٍ بِعِبَارَةٍ أَوْجَزَ مِنْ هَذِهِ فَإِنَّ لِوَاحِدَةٍ وَنِصْفٍ عِبَارَتَيْنِ، إمَّا هَذِهِ، وَإِمَّا اثْنَتَانِ إلَّا نِصْفٌ، وَذَلِكَ لَا يَصِيرُ مَعْلُومًا إلَّا بِالِاسْتِثْنَاءِ،، وهذا معلوم في نفسه فهو أولى العبارتين، بخلاف قوله واحدة وواحدة فإنّهما عبارتان؛ لأن الاثنتين عبارة أوجز من هذا، وهي أن يقول: ثنتين، وكذلك لو قال: أنت طالق أحدًا وعشرين، عندنا تطلق ثلاثاً، لأنّه ليس لهذا العدد عبارة أوجز من هذا، فكان الكلام واحدًا معنى وعند زفر يطلق واحدة؛ لأنّهما كلامان أحدهما معطوف على الآخر، فتبين بالأولى، وإن قال أحد عشر يطلق ثلاثاً بالاتفاق؛ لأنّه ليس بينهما حرف العطف فكان الكلّ واحداً - كذا في «المبسوط» (٤) -.

стр. 1782

فإن قيل: الواو العاطفة لمطلق الجمع عندنا، فحينئذ يجب أن يتوقّف أوّل الكلام على آخره في قوله: أنت طالق واحدة وواحدة، ليتحقّق الجمع. قلنا: لو توقف لصار للقِرَان ولم يوضع لِلقِرَان. فإن قيل: لو لم يتوقف يصير للتّرتيب، وهو أيضاً ليس من مذهبنا. قلنا: الواو لم يوضع للقران والتّرتيب، ولكن لمطلق الجمع، إلا أنّه وقع الطّلاق بالأول لوجود الإيقاع وعدم المانع، فلم يبق محلاً للثّانية، بخلاف ما إذا قال: مع واحدة؛ لأنّها للقران فتوقف الأولى على الثّانية فوقعتا معًا. فإن قلت: يشكل على هذا ما إذا قال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق ثلاثاً إن شئت، فقالت: قد شئت واحدة وواحدة واحدة، وقع عليها ثلاث تطليقات، مع أنّها ما آتت به بعد ذكر جزاء الشّرط بحرف الواو. قلت: إنّما طلقت هناك ثلاثاً؛ لأن تمام الشّرط بآخر كلامها فما لم يتم الشّرط لا ينزل الجزاء، فكذلك وقع الثّلاث عند تمام الشرط جملة، سواء دخل بها أو لم يدخل بها - كذا في «المبسوط» (١) -، (وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، فَمَاتَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ وَاحِدَةً كَانَ بَاطِلًا) أي: لا يقع شيء، بخلاف ما إذا مات الرجل بعد قوله: أنت طالق قبل قوله ثلاثاً، فهي طالق واحدة؛ لأنّ الزّوج وصل لفظ الطّلاق بذكر العدد، فما إذا ماتت المرأة فكان العامل هو العدد وذكر العدد حصل بعد موتها، فأمّا إذا مات الرجل فلفظ الطّلاق ههنا لم يتّصل بذكر العدد، فيبقى قوله: أنت طالق، وهو عامل بنفسه فيقع. ألا ترى أن من قال لامرأته: أنت طالق وهو يريد أن يقول ثلاثاً فأمسك رجل فاه، فلم يقل شيئاً بعد ذكر الطّلاق فهي طالق واحدة؛ لأنّ الوقوع بلفظه لا يقصده، وهو ما يلفظ إلا بقوله: أنت طالق، - كذا في «المبسوط» (٢) -. فإن قيل: لماذا وضعت المسألة من غير المدخول بها؟ أعني قوله: (وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فَمَاتَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ وَاحِدَةً كَانَ بَاطِلًا)، والحكم في المدخول بها أيضاً، كذلك قلنا النكاح قبل الدّخول واه؛ لأن الملك في المهر لا يتأكّد قبل الدّخول فلمّا كان واهياً، وهذا الإيجاب إذا لم يكن له تأثير في إبطال ملك واه فلأن لا يكون له تأثير في إبطال ملك مؤكّد أولى، فكان الوضع في غير المدخول بها وضعًا في المدخول بها بالطّريق الأولى - كذا في «الفوائد الظهيرية» (٣) -، وهذه تجانس ما قبلها من حيث المعنى؛ أي: هذه المسائل الثلاث، وهي قوله: (أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فَمَاتَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ وَاحِدَةً)، وكذا لو ماتت قبل قوله: ثنتين، أو ماتت قبل قوله: ثلاثاً، يوافق ما قبلها وهو قوله: (وَإِذَا طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَقَعْنَ عَلَيْهَا)، من حيث الدّليل، وهو أنّ الواقع فيها جميعًا ذكر العدد لا ذكر الوصف وحده، إلا أنّ الحكم اختلف بينهما لما أنّ ذكر العدد الذي هو الواقع في هذه المسائل الثّلاث صادف المرأة وهي ميتة فلم يقع الطّلاق أصلاً.

стр. 1783

وهناك لما لم يقع الطّلاق بذكر الوصف نفسه بل بالعدد وصادفها العدد، وهي] منكوحة حية (١) وقع الثلاث، لكون الواقع هو العدد فكان الاعتبار في الصّورتين للعدد لا للوصف، ولو قال: أنت طالق واحدة قبل واحدة أو بعدها واحدة، وقعت واحدة وجنس هذه المسائل ينبني على أصله - كذا في «المبسوط» (٢) -، والأصلان مذكوران في الكتاب. أحدهما: قوله: وَالْأَصْلُ؛ لأنّه متى ذكر شيئين، والآخر قوله: وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ فِي الْمَاضِي إيقَاعٌ فِي الْحَالِ، ثم لما ثبت [٣٣٤/ أ] أنّه متى أدخل الطرف بين شيئين ولم يقربها بها الكتابة كان صفة للمذكور أولاً، فكانت صفة القبلية في قوله: (أنت طالق واحدة قبل واحدة) صفة للواحدة الأولى، فسبقت الواحدة الأولى بالوقوع قبل الثّانية فبانت لا إلى عدّة؛ لأنّها غير مدخولة فلم تقع الثّانية، فكان معنى قوله: (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَ وَاحِدَةٍ)، أي: قبل واحدة يقع عليك فتبين بالأولى. وكذلك قوله: (أَوْ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ)، أي: بعدها واحدة أخرى يقع عليك فبانت بالأولى قبل أن يقع الأخرى، (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ تَقَعُ ثِنْتَانِ)؛ لأنّ القبلية صفة الثّانية لاتصالها بحرف الكناية، فصار كأنّه قال قبلها أخرى وقعت عليك، وهذا منه إسناد للثانية إلى وقت ماضٍ، فيكون موقعًا لها في الجامع الأولى فكان وقوع الواحدة بالإنشاء بالإقرار فيقع ثنتان، وإذا قال: أنت طالق واحدة بعد واحدة يقع ثنتان؛ لأن التعدية صفة للأولى فيكون معناه أنت طالق واحدة بعد واحدة أخرى قد وقعت عليك، فاقتضى إيقاع الواحد في الحال وإيقاع الأخرى قبل هذه فكان وقوع الواحدة بالإنشاء، والأخرى بالإقرار فيكون ثنتين. وفي المدخول بها تقع ثنتان في الوجوه كلها، وهذا الجواب مشكل في قوله: (أنت طالق واحدة قبل واحدة)؛ لأنّ كون الشيء قبل غيره لا يقتضي وجود ذلك الغير - على ما ذكره محمّد ﵀ في الزيادات (٣) (٤) - ألا ترى قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٥) إلى قوله: ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ … قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ … رَبِّي﴾ (٦).

стр. 1784

وقال النبي ﵇: «خلّلوا أصابعكم قبل أن تتخللها نار جهنم» (١)، وجوابه مذكور في أصول الجامع - كذا في «الفوائد الظهيرية» (٢) -. لهما أن حرف الواو للجمع المطلق دون الترتيب، بدليل تعلّق الكلّ بالشّرط من غير وقوع في الحال، فلو كان للترتيب في مثل هذه لما تعلّق الكلّ كما في كلمة (ثم) عند أبي حنيفة ﵀ (٣)، ولِما عرف من أصلنا في آية الوضوء، ولأنّ قوله: واحدة جملة ناقصة معطوفة على الجملة التّامة، والمذكور في الجملة التّامة يصير معاداً في الجملة النّاقصة، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٤) معناه فعدّتهن ثلاثة أشهر (٥) فههنا يصير كأنّه قال ثانياً وأنت طالق واحدة إن دخلت الدّار ولو صرّح بهذا ثم دخلت الدّار طلقت ثنتين فكذا هنا كذا في «المبسوط». (٦) قوله ﵀: كما إذا نجز بهذه اللفظة، بأن قال لها: (أنت طالق واحدة وواحدة)، فإنّه يقع واحدة بالاتفاق (٧) - على ما مرّ - والمعلّق بالشّرط كالملفوظ به عند وجود الشّرط، فلذلك اعتبر بالمنجز. فإن قلت: لا نسلّم صحّة اعتبار المعلّق بالمنجز مطلقاً في حقّ تفريق الطّلقات، فإن تفريق الوقوع في التنجيز لا يدلّ على تفريق الوقوع في التّعليق. ألا ترى أن من قال لامرأته التي لم يدخل بها: إن دخلت الدّار فأنت طالق واحدة لا بل ثنتين، فدخلت الدّار يطلق ثلاثاً، ولو نجز بهذا اللفظ قبل الدّخول بها لم تقع إلا واحدة لما أنّ المنجز طلاق فتبين بالأولى، والمعلّق بالشرط ليس بطلاق، بل يجتمع جملة ثم عند الوقوع يقعن جملة، فعلم بهذا أنّ اعتبار المعلّق المنجز غير صحيح. قلت: بل يصحّ اعتباره بالمنجز؛ لأنّ الواو في اللغة لعطف مطلقاً، من غير أن يقتضي جمعًا ولا ترتيباً، كما في قوله: جاء زيد وعمرو، لا يقتضي جمعًا ولا ترتيباً، وهذا الأصل لا يختلف بين التّنجيز والتّعليق.

стр. 1785

وأمّا قوله: إن دخلت الدّار فأنت طالق واحدة لا بل ثنتين (١)، فإنما كان كذلك؛ لأن (لَا بَلْ) لِاسْتِدْرَاكِ الْغَلَطِ بِإِقَامَةِ الثَّانِي مُقَامَ الْأَوَّلِ، فَصَحَّ ذَلِكَ فِي التَّعْلِيقِ لِبَقَاءِ الْمَحَلِّ بَعْدَمَا تَعَلَّقَ الْأَوَّلُ بِالشَّرْطِ، فَتَتَعَلَّقُ الثَّانِيَةُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ بِلَا وَاسِطَةٍ كالأولى، فصار كأنّه أعاد الشّرط في حق الثنتين، عملاً بموجب (لا بل)، بخلاف ما إذا نجز بقوله: لا بل؛ لأنّها بانت بالأولى فلم يصحّ منه التكلّم بالثنتين لعدم المحلّ، فأمّا إذا قال: الثّانية والثّالثة بدون حرف العطف بأن قال: إن دخلت الدّار فأنت طالق واحدة واحدةواحدة، ثم دخلت طلقت واحدة بالاتفاق (٢)؛ لأنّه ما عطف الثّانية والثّالثة على الأولى فيتعلّق الأولى ويلغوا الثّانية والثّالثة، وأمّا إذا ذكر الثّانية بالفاء فقد ذكر حكمه في الكتاب هذا إذا كان تعليق الثّانية والثّالثة في الطّلاق، وأمّا إذا كان في الظّهار والإيلاء [٣٣٤/ ب] بأن قال: إن دخلت الدّار وإن تزوّجتك فأنت طالق وأنت عليّ كظهر أمي والله لا أقربك (٣)، ثمّ دخلت الدّار وتزوّجها طلقت وسقط عنه الإيلاء والظّهار عند أبي حنيفة (٤) ﵀؛ لأنّ تعليقها بالشّرط بواسطة الطّلاق فيشتق وقوع الطّلاق وتبين إلى عدة، فلا يكون مظاهراً ولا مولياً منها بعدما خرجت من ملكه، وعند أبي يوسف ومحمّد (٥) ﵀ مطلق مظاهر مولى؛ لأنّ الكلّ تعلّق بالتزوّج عندهما جملة، ولو قال: إذا تزوّجتك فوالله لا أقربك، وأنت عليّ ظهر أمي وأنت طالق، ثم تزوّجها، وقع هذا كلّه عليهاأمّا عندهما فلا إشكالوعند أبي حنيفة (٦) ﵀ فلأنه يشتق الإيلاء ويكون بعده محلاً للظّهار، فيصير مظاهراً، ثم يكون بعدهما محلاً للطّلاق فيقع الطّلاق - أيضاً -، وعلى هذا حكم التّعليق بدخول الدّار - كذا في «المبسوط» (٧) -.

стр. 1786

وأمّا الضّرب الثّاني والكنايات ذكر في أوّل باب إيقاع الطّلاق، أنّ الطّلاق على ضربين صريح وكناية. وفرع من بيان أنواع الصّريح ثم شرع ههنا في بيان أنواع الكناية، وإنّما قدم ذكر الصّريح لما أنّ الأصل في الكلام هو الصّريح؛ [إذ الكلام وضع للأفهام والأفهام الكامل في الصّريح وأمّا الكناية ففيها ضرب قصور] (١) حتّى ظهر أثره فيما يدرأ بالشبهات من الحدود. قوله ﵀: أو بدلالة الحال، لما أنّ دلالة الحال تصلح دليلاً على المراد كما في البيع بالدراهم (٢) المطلقة يصرف إلى غالب نقد البلد، وكذا لو أطلق النية في الحجيصرف إلى الفرض بدلالة الحال؛ لأن يحمل المشاق فدل ظاهراً على أن غرضه الأهم هو الفرض، فكذلك ههنا. قوله ﵀ أَمَّا الْأُولَى؛ أي: قوله: اعتدى، أنه على تأويل الكلمة، قوله: فإن نوى الأولى تعين بنيته فيقتضي طلاقًا سابقًا، والطلاق يعقب الرجعة، وذكر في النّوادر (٣) هذا استحسان والقياس أن يكون بايباً اعتباراً بسائر الكنايات وإنّما استحسنا بحديث سودة ﵂ (٤) وهو معروف - كذا في «الجامع الصّغير» لقاضي خان ﵀، وهذا أي: القول بالاقتضاء والرّجعة إذا كان قاله بعد الدّخول. وأمّا إذا كان قاله قبل الدّخول جعل قوله: اعتدى، قائمًا مقام قوله: كوني طالقاً، بطريق الاستعارة وكان الحكم وهو الاعتداد إذاً مستعارًا لسببه وهو الطّلاق، واستعارة الحكم للسّبب جائزة إذا كان مخصوصاً به، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٥)؛ أي إذا أردتم القيام إليها، والأفعال الاختيارية مخصوصة بالإرادة السابقة عليها، وقال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (٦)؛ أي: عنبًا والخمر مخصوصة بالعنب (٧)، والاعتداد شرعًا بطريق الأصالة إنّما هو في الطّلاق، وأمّا في غير الطّلاق فبالعارض كالموت وحدوث حرمة المصاهرة وارتداد الزّوج وغيرها.

стр. 1787

وأمّا الثّانية: وهي قوله: اسْتَبْرِي واستبراء الجارية طلب براء رحمها من الحمل كذا في «المغرب» (١)، فلأنّها تستعمل بمعنى الاعتداد، فحينئذ كان قوله: اعتدي، وقوله: استبرئ سواء، ثمّ قوله: اعتدي تعقب الرّجعة. فكذا استبرئ وكان إلحاق قوله: استبرئ لقوله: اعتدي في حق إثبات الرّجعة صحيحًا، وأمّا في حق احتمال الاعتداد لنعم الله فلا يصحّ إلحاق الاستبراء، فلابدّ من إثبات معنى آخر للاستبراء حتّى يكون هو من ألفاظ الكناية به، فيحتاج إلى النيّة؛ لأنّه لو لم يثبت له معنى آخر سوى ما ألحق به من معنى الاعتداد عن النكاح كان هو متعينًا في الطّلاق، فيقع به الطّلاق حينئذٍ بدون النيّة، كما في قوله: اعتدى، إذا نوى به الاعتداد عن النكاح يقع الطّلاق بلا توقف، فكذا في استبرئ، وليس كذلك، بل هو من ألفاظ الكناية، وكان قوله: ويحتمل الاستبراء ليطلقها لإثبات ذلك المعنى؛ يعني: قوله استبرئ رحمك، يحتمل أن يكون معناه اطلبي براءة رحمك حتى تعلمي أنها فارغة عن الولد أم لا، فلو كانت فارغة أطلقك، وإلا فلا، فلو كانت نيته هكذا لا يقع الطلاق ولو كانت بينة الاعتداد عن النكاح يقع، كما في اعتدي، فلذلك احتاج إلى النيّة؛ لأنّ قوله: أنت طالق منها مقتضى، أي: في قوله اعتدي واستبرئ- على ما ذكر أو مضمر - أي: قوله أنت طالق منها مقتضى أو مضمر. ولو كان مظهراً لا تقع بها إلا واحدة لا يعتبر بإعراب الواحدة عند عامة المشايخ (٢)، وهو الصحيح (٣)؛ هذا [٣٣٥/ أ] احتراز عن قول بعضهم، فإنّهم قالوا: إنّما يقع الطّلاق بقوله أنت واحدة، إذا نصبها ليكون صفة للمطلقة، أمّا إذا رفعها فلا يقع؛ لأنّها حينئذٍ تكون صفة شخصها، وقيل: هو قول محمّد ﵀ (٤)، وعند أبي يوسف ﵀ (٥) يَقَعُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الطَّلَاقِ تُعْرِبُ عَنْ الْغَرَضِ وَإِنْ أَخْطَأَ فِي الْإِعْرَابِ، وَإِنْ أَسْكَنَ اختلف المشايخ فيه - كذا في «مبسوط فخر الإسلام» (٦) ﵀، وقال بعضهم: إن أعرب الواحدة بالنّصب يقع من غير نيّة.

стр. 1788

قلنا: هو لا يكاد يصح؛ لأنّ الواحدة وإن انتصب كما يصلح نعتًا للطلقة تصلح نعتًا للمرأة، ألا ترى أنه يستقيم أن يقال: أنت ضاربة ضربة واحدة، وإذا كان كذلك لا يقع بدون النيّة - كذا في «الفوائد الظهيرية» (١) - سوى بين هذه الألفاظ أي: القدوري (٢) ﵀ والكنايات ثلاثة أقسام ما يصلح جواباً وردًّا، وهو سبعة: اخرجياذهبي اغربي قومي تقنعي استبري تخمري (٣). أمّا صلاحية هذه الألفاظ للردّ أن يرد الزّوج بقوله: اخرجي، أي: اتركي سؤال الطّلاق وكذلك: اذهبي اغربي قومي، وأمّا تقنعي فمن القناعة، وقيل: من القناع وهو الخمار، ومعنى الردّ فيه هو أن ينوي واقنعي بما رزقك الله مني منْ أَمْرِ الْمَعِيشَةِ وَاتْرُكِي سُؤَالَ الطَّلَاقِ وَاشْتَغِلِي بِالتَّقَنُّعِ الَّذِي هُوَ أَهَمُّ لَك مِنْ سُؤَالِ الطَّلَاقِ؛ إذ كشف الرأس يشينك والتقنع يزينك.

стр. 1789

وكذا قوله: استبرئ وتخمري؛ لأنّهما من الستر والخمار، وما يصلح جواباً لا ردًا، ثمانية ألفاظ: خَلِيَّةٌ بَرِيَّةٌ بَائِنٌ بَتَّةٌ حَرَامٌ اعْتَدِّي أمرك] بيدك (١) اختاري. ولكن الخمسة الأوّل يصلح للجواب، ويصلح للسّبب، والثلاثة الأخر وهي: اعتدي اختاري أمرك بيدك، لا يصلح للسّبب، ولكن في عدم الصّلاحية للردّ يشترك الثمانية؛ لأنّ الظّاهر أن مراده الطلاق عند سؤالي الطّلاق، والقاضي مأمور بإيقاع الظّاهر؛ لأنّ كلامه جواب لسؤالها الطّلاق، وما تقدم من السّؤال يصير معادًا في الجواب. ألا ترى أنّ الرجل إذا قال لغيره: لي عليك ألف درهم، فقال: نعم كان إقرار بالمال، وإذا قال: أعتقت عبدك، فقال: نعم، كان إقرار بالعتق، واللفظ واحد، فيصير كأنَّ الزّوج قيد كلامه بما سألت، وهو الطّلاق. قوله ﵀: وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى، مثل اغربي واستتري، وَفِي حَالَةِ الْغَضَبِ يُصَدَّقُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ الرَّدِّ وَالسَّبِّ، احتمال الردّ في السّبعة المذكورة، مثل: اخرجي اذهبي، واحتمال السب في الخمسة المذكورة، التي في أوائل الثّمانية، وهي: خلية بَرِيَّةٌ بَائِنٌ بَتَّةٌحرام، ثم وجه احتمال هذه الخمسة معنى السب، فإن قوله: أنت خلية نسبة إلى الشّر، أي: خلية من الخير، ومن جنس الخلق أو أفعال المسلمين بريه، أي: لا أصل لك باين من الخيرات، حرام الصحبة والعشرة لسوء خلقك، إلا فيما يصلح للطّلاق، ولا يصلح للردّ والشتم، وذلك ثلاثة ألفاظ: اعتدي اختاري أمرك بيدك، وهذا الاستثناء من قوله، وَفِي حَالَةِ الْغَضَبِ يُصَدَّقُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، إلا في هذه الثّلاثة، ثم الفرق في حقّ هذه الثّلاثة بين حالة الرضاء وبين حالة الغضب في حكم اللفظ ظاهراً، ألا ترى أن من يقول لغيره - في حالة الرضاء -: لست لأبيك لا يكون قاذفاً له، ولو قال في حالة الغضب، كان قاذفاً له ملتزمًا الحد، وعن أبي يوسف ﵀ (٢) قوله: أنّه يصدق في حالة الغصب، وألحق أبو يوسف الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلسَّبِّ، مِنْ حَيْثُ احْتِمَالُهَا السَّبَّ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّك أَقَلُّ مِنْ أَنْ تُنْسَبِي إلَى مِلْكِي أَوْ أُنْسَبَ إلَيْك بِالْمِلْكِ، وَلَا سَبِيلَ لِيعَلَيْك لِسُوءِ خُلُقِك، واجتماع أنواع الشر فيك، وخليت سبيلك، كراهية مني لصحبتك، ولا التفت إليك بعد هذا لسّوء خلقك فارقتك، أي: في المسكن لسوء خلقك، والحقي بأهلك، بمعنى فارقتك، ولمّا كان في هذه الألفاظ احتمال معنى السّب لسوء الخلق، وحالة الغضب يدل على ذلك، كان مديناً في القضاء إذا لم أرد الطّلاق - كذا في «الجامع الصّغير» (٣) لشمس الأئمة السّرخسي ﵀ والمحيط و «الفوائد» (٤)

стр. 1790

فالحاصل أنّ ألفاظ الكناية عشرون في الكلّ، تصدق قبل ذكر الطّلاق وقبل الغضب، فأمّا بعد ذكر الطّلاق فينقسم إلى قسمين، في سبعة منها يصدق قضاء، كما يصدق في الكلّ، قبل ذكر الطّلاق وهي: اخرجي وأخواته، وفي غير السّبعة لا يصدق بعد ذكر الطّلاق، وهي ثلاثة عشر لفظًا: خلية برية منه بائن حرام اعتدي اختاري هذا لسّوء خلقك الرّواية الظّاهرة خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ فَارَقْتُكِ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكِ لَا مِلْكَ] عليك (١) الحقي بأهلك فيما روي عن أبي يوسف (٢). وأمّا بعد الغضب فهذه الثّلاثة عشر تنقسم إلى قسمين، لا يصدق في ثلاثة، وهي: اعتدي اختاري أمرك بيدك، ويصدق في العشرة، وهي الخمسة المذكورة في ظاهر الرّواية، والخمسة الملحقة بها برواية أبي يوسف، هذا الذي ذكرته من إلحاق ما روي عن أبي يوسف، وهي خمسة ألفاظ بالخمسة المذكورة في ظاهر الرواية، هو رواية هذا الكتاب (٣) وفي رواية «الجامع الصّغير» (٤) لشمس الأئمة السّرخسي ﵀ ورواية «الإيضاح» وغيرها (٥). وأمّا رواية «الجامع الصّغير» (٦)، لفخر الإسلام ﵀ ورواية «الفوائد الظهيرية» (٧)، فالخمسة المرويّة عن أبي يوسف ملحقة بالألفاظ الثلاثة التي لا تدين الزّوج في حالة الغصب أيضاً، كما لا يدين في حال مذاكرة الطّلاق، وهي: اعتدي اختاري أمرك بيدك، ثم الكنايات على نوعين كناية في إنشاء الطّلاق كقوله أنت باين وحرام ونحوهما. وكناية في تفويض الطّلاق كقوله: اخْتَارِي وأمرك بِيَدِك، فإنّه لا يكون الأمر بيدها بهذين اللّفظين إلا عند نية الزّوج الطّلاق، بهذا التخيير، ثم لا يقع الطّلاق بهما، وإن كان في مذاكرة الطّلاق، إلا بعد أن تقول المرأة طلقت نفسي، فذكرهما من باب كناية الطّلاق ههنا باعتبار احتمالهما معنى آخر سوى الطّلاق، من اختيار الدّخول والخروج والطبخ والخبز؛ لأنّ الواقع بها طلاق والطّلاق يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ بِالنَّصِّ، ولهذا يشترط النيّة؛ أي: نية الطّلاق لأنّه صدر من أهله مضافاً إلى محلّه، ولهذا يقال بانت منه، وحرمت عليه كيلا يفسد عليه باب تدارك دفع المرأة عن نفسه، وذلك لأنه لو لم تقع البينونة عند نيته فتثبت الرجعة والزوج يريد فراقها.
следующие страницы →