← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

وأمّا الضّرب الثّاني والكنايات ذكر في أوّل باب إيقاع الطّلاق، أنّ الطّلاق على ضربين صريح وكناية. وفرع من بيان أنواع الصّريح ثم شرع ههنا في بيان أنواع الكناية، وإنّما قدم ذكر الصّريح لما أنّ الأصل في الكلام هو الصّريح؛ [إذ الكلام وضع للأفهام والأفهام الكامل في الصّريح وأمّا الكناية ففيها ضرب قصور] (١) حتّى ظهر أثره فيما يدرأ بالشبهات من الحدود. قوله ﵀: أو بدلالة الحال، لما أنّ دلالة الحال تصلح دليلاً على المراد كما في البيع بالدراهم (٢) المطلقة يصرف إلى غالب نقد البلد، وكذا لو أطلق النية في الحجيصرف إلى الفرض بدلالة الحال؛ لأن يحمل المشاق فدل ظاهراً على أن غرضه الأهم هو الفرض، فكذلك ههنا. قوله ﵀ أَمَّا الْأُولَى؛ أي: قوله: اعتدى، أنه على تأويل الكلمة، قوله: فإن نوى الأولى تعين بنيته فيقتضي طلاقًا سابقًا، والطلاق يعقب الرجعة، وذكر في النّوادر (٣) هذا استحسان والقياس أن يكون بايباً اعتباراً بسائر الكنايات وإنّما استحسنا بحديث سودة ﵂ (٤) وهو معروف - كذا في «الجامع الصّغير» لقاضي خان ﵀، وهذا أي: القول بالاقتضاء والرّجعة إذا كان قاله بعد الدّخول. وأمّا إذا كان قاله قبل الدّخول جعل قوله: اعتدى، قائمًا مقام قوله: كوني طالقاً، بطريق الاستعارة وكان الحكم وهو الاعتداد إذاً مستعارًا لسببه وهو الطّلاق، واستعارة الحكم للسّبب جائزة إذا كان مخصوصاً به، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٥)؛ أي إذا أردتم القيام إليها، والأفعال الاختيارية مخصوصة بالإرادة السابقة عليها، وقال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (٦)؛ أي: عنبًا والخمر مخصوصة بالعنب (٧)، والاعتداد شرعًا بطريق الأصالة إنّما هو في الطّلاق، وأمّا في غير الطّلاق فبالعارض كالموت وحدوث حرمة المصاهرة وارتداد الزّوج وغيرها.

стр. 1787

وأمّا الثّانية: وهي قوله: اسْتَبْرِي واستبراء الجارية طلب براء رحمها من الحمل كذا في «المغرب» (١)، فلأنّها تستعمل بمعنى الاعتداد، فحينئذ كان قوله: اعتدي، وقوله: استبرئ سواء، ثمّ قوله: اعتدي تعقب الرّجعة. فكذا استبرئ وكان إلحاق قوله: استبرئ لقوله: اعتدي في حق إثبات الرّجعة صحيحًا، وأمّا في حق احتمال الاعتداد لنعم الله فلا يصحّ إلحاق الاستبراء، فلابدّ من إثبات معنى آخر للاستبراء حتّى يكون هو من ألفاظ الكناية به، فيحتاج إلى النيّة؛ لأنّه لو لم يثبت له معنى آخر سوى ما ألحق به من معنى الاعتداد عن النكاح كان هو متعينًا في الطّلاق، فيقع به الطّلاق حينئذٍ بدون النيّة، كما في قوله: اعتدى، إذا نوى به الاعتداد عن النكاح يقع الطّلاق بلا توقف، فكذا في استبرئ، وليس كذلك، بل هو من ألفاظ الكناية، وكان قوله: ويحتمل الاستبراء ليطلقها لإثبات ذلك المعنى؛ يعني: قوله استبرئ رحمك، يحتمل أن يكون معناه اطلبي براءة رحمك حتى تعلمي أنها فارغة عن الولد أم لا، فلو كانت فارغة أطلقك، وإلا فلا، فلو كانت نيته هكذا لا يقع الطلاق ولو كانت بينة الاعتداد عن النكاح يقع، كما في اعتدي، فلذلك احتاج إلى النيّة؛ لأنّ قوله: أنت طالق منها مقتضى، أي: في قوله اعتدي واستبرئ- على ما ذكر أو مضمر - أي: قوله أنت طالق منها مقتضى أو مضمر. ولو كان مظهراً لا تقع بها إلا واحدة لا يعتبر بإعراب الواحدة عند عامة المشايخ (٢)، وهو الصحيح (٣)؛ هذا [٣٣٥/ أ] احتراز عن قول بعضهم، فإنّهم قالوا: إنّما يقع الطّلاق بقوله أنت واحدة، إذا نصبها ليكون صفة للمطلقة، أمّا إذا رفعها فلا يقع؛ لأنّها حينئذٍ تكون صفة شخصها، وقيل: هو قول محمّد ﵀ (٤)، وعند أبي يوسف ﵀ (٥) يَقَعُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الطَّلَاقِ تُعْرِبُ عَنْ الْغَرَضِ وَإِنْ أَخْطَأَ فِي الْإِعْرَابِ، وَإِنْ أَسْكَنَ اختلف المشايخ فيه - كذا في «مبسوط فخر الإسلام» (٦) ﵀، وقال بعضهم: إن أعرب الواحدة بالنّصب يقع من غير نيّة.

стр. 1788

قلنا: هو لا يكاد يصح؛ لأنّ الواحدة وإن انتصب كما يصلح نعتًا للطلقة تصلح نعتًا للمرأة، ألا ترى أنه يستقيم أن يقال: أنت ضاربة ضربة واحدة، وإذا كان كذلك لا يقع بدون النيّة - كذا في «الفوائد الظهيرية» (١) - سوى بين هذه الألفاظ أي: القدوري (٢) ﵀ والكنايات ثلاثة أقسام ما يصلح جواباً وردًّا، وهو سبعة: اخرجياذهبي اغربي قومي تقنعي استبري تخمري (٣). أمّا صلاحية هذه الألفاظ للردّ أن يرد الزّوج بقوله: اخرجي، أي: اتركي سؤال الطّلاق وكذلك: اذهبي اغربي قومي، وأمّا تقنعي فمن القناعة، وقيل: من القناع وهو الخمار، ومعنى الردّ فيه هو أن ينوي واقنعي بما رزقك الله مني منْ أَمْرِ الْمَعِيشَةِ وَاتْرُكِي سُؤَالَ الطَّلَاقِ وَاشْتَغِلِي بِالتَّقَنُّعِ الَّذِي هُوَ أَهَمُّ لَك مِنْ سُؤَالِ الطَّلَاقِ؛ إذ كشف الرأس يشينك والتقنع يزينك.

стр. 1789

وكذا قوله: استبرئ وتخمري؛ لأنّهما من الستر والخمار، وما يصلح جواباً لا ردًا، ثمانية ألفاظ: خَلِيَّةٌ بَرِيَّةٌ بَائِنٌ بَتَّةٌ حَرَامٌ اعْتَدِّي أمرك] بيدك (١) اختاري. ولكن الخمسة الأوّل يصلح للجواب، ويصلح للسّبب، والثلاثة الأخر وهي: اعتدي اختاري أمرك بيدك، لا يصلح للسّبب، ولكن في عدم الصّلاحية للردّ يشترك الثمانية؛ لأنّ الظّاهر أن مراده الطلاق عند سؤالي الطّلاق، والقاضي مأمور بإيقاع الظّاهر؛ لأنّ كلامه جواب لسؤالها الطّلاق، وما تقدم من السّؤال يصير معادًا في الجواب. ألا ترى أنّ الرجل إذا قال لغيره: لي عليك ألف درهم، فقال: نعم كان إقرار بالمال، وإذا قال: أعتقت عبدك، فقال: نعم، كان إقرار بالعتق، واللفظ واحد، فيصير كأنَّ الزّوج قيد كلامه بما سألت، وهو الطّلاق. قوله ﵀: وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى، مثل اغربي واستتري، وَفِي حَالَةِ الْغَضَبِ يُصَدَّقُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ الرَّدِّ وَالسَّبِّ، احتمال الردّ في السّبعة المذكورة، مثل: اخرجي اذهبي، واحتمال السب في الخمسة المذكورة، التي في أوائل الثّمانية، وهي: خلية بَرِيَّةٌ بَائِنٌ بَتَّةٌحرام، ثم وجه احتمال هذه الخمسة معنى السب، فإن قوله: أنت خلية نسبة إلى الشّر، أي: خلية من الخير، ومن جنس الخلق أو أفعال المسلمين بريه، أي: لا أصل لك باين من الخيرات، حرام الصحبة والعشرة لسوء خلقك، إلا فيما يصلح للطّلاق، ولا يصلح للردّ والشتم، وذلك ثلاثة ألفاظ: اعتدي اختاري أمرك بيدك، وهذا الاستثناء من قوله، وَفِي حَالَةِ الْغَضَبِ يُصَدَّقُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، إلا في هذه الثّلاثة، ثم الفرق في حقّ هذه الثّلاثة بين حالة الرضاء وبين حالة الغضب في حكم اللفظ ظاهراً، ألا ترى أن من يقول لغيره - في حالة الرضاء -: لست لأبيك لا يكون قاذفاً له، ولو قال في حالة الغضب، كان قاذفاً له ملتزمًا الحد، وعن أبي يوسف ﵀ (٢) قوله: أنّه يصدق في حالة الغصب، وألحق أبو يوسف الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلسَّبِّ، مِنْ حَيْثُ احْتِمَالُهَا السَّبَّ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّك أَقَلُّ مِنْ أَنْ تُنْسَبِي إلَى مِلْكِي أَوْ أُنْسَبَ إلَيْك بِالْمِلْكِ، وَلَا سَبِيلَ لِيعَلَيْك لِسُوءِ خُلُقِك، واجتماع أنواع الشر فيك، وخليت سبيلك، كراهية مني لصحبتك، ولا التفت إليك بعد هذا لسّوء خلقك فارقتك، أي: في المسكن لسوء خلقك، والحقي بأهلك، بمعنى فارقتك، ولمّا كان في هذه الألفاظ احتمال معنى السّب لسوء الخلق، وحالة الغضب يدل على ذلك، كان مديناً في القضاء إذا لم أرد الطّلاق - كذا في «الجامع الصّغير» (٣) لشمس الأئمة السّرخسي ﵀ والمحيط و «الفوائد» (٤)

стр. 1790

فالحاصل أنّ ألفاظ الكناية عشرون في الكلّ، تصدق قبل ذكر الطّلاق وقبل الغضب، فأمّا بعد ذكر الطّلاق فينقسم إلى قسمين، في سبعة منها يصدق قضاء، كما يصدق في الكلّ، قبل ذكر الطّلاق وهي: اخرجي وأخواته، وفي غير السّبعة لا يصدق بعد ذكر الطّلاق، وهي ثلاثة عشر لفظًا: خلية برية منه بائن حرام اعتدي اختاري هذا لسّوء خلقك الرّواية الظّاهرة خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ فَارَقْتُكِ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكِ لَا مِلْكَ] عليك (١) الحقي بأهلك فيما روي عن أبي يوسف (٢). وأمّا بعد الغضب فهذه الثّلاثة عشر تنقسم إلى قسمين، لا يصدق في ثلاثة، وهي: اعتدي اختاري أمرك بيدك، ويصدق في العشرة، وهي الخمسة المذكورة في ظاهر الرّواية، والخمسة الملحقة بها برواية أبي يوسف، هذا الذي ذكرته من إلحاق ما روي عن أبي يوسف، وهي خمسة ألفاظ بالخمسة المذكورة في ظاهر الرواية، هو رواية هذا الكتاب (٣) وفي رواية «الجامع الصّغير» (٤) لشمس الأئمة السّرخسي ﵀ ورواية «الإيضاح» وغيرها (٥). وأمّا رواية «الجامع الصّغير» (٦)، لفخر الإسلام ﵀ ورواية «الفوائد الظهيرية» (٧)، فالخمسة المرويّة عن أبي يوسف ملحقة بالألفاظ الثلاثة التي لا تدين الزّوج في حالة الغصب أيضاً، كما لا يدين في حال مذاكرة الطّلاق، وهي: اعتدي اختاري أمرك بيدك، ثم الكنايات على نوعين كناية في إنشاء الطّلاق كقوله أنت باين وحرام ونحوهما. وكناية في تفويض الطّلاق كقوله: اخْتَارِي وأمرك بِيَدِك، فإنّه لا يكون الأمر بيدها بهذين اللّفظين إلا عند نية الزّوج الطّلاق، بهذا التخيير، ثم لا يقع الطّلاق بهما، وإن كان في مذاكرة الطّلاق، إلا بعد أن تقول المرأة طلقت نفسي، فذكرهما من باب كناية الطّلاق ههنا باعتبار احتمالهما معنى آخر سوى الطّلاق، من اختيار الدّخول والخروج والطبخ والخبز؛ لأنّ الواقع بها طلاق والطّلاق يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ بِالنَّصِّ، ولهذا يشترط النيّة؛ أي: نية الطّلاق لأنّه صدر من أهله مضافاً إلى محلّه، ولهذا يقال بانت منه، وحرمت عليه كيلا يفسد عليه باب تدارك دفع المرأة عن نفسه، وذلك لأنه لو لم تقع البينونة عند نيته فتثبت الرجعة والزوج يريد فراقها.

стр. 1791

قوله ﵀: وَالشَّرْطُ تَعْيِينُ أَحَدِ نَوْعَيْ الْبَيْنُونَةِ، جواب إشكال يرد على قوله: وَلَيْسَتْ كِنَايَاتٍ، بأن يقال: لو لم يكن كنايات لكانت صريحًا؛ إذ ألفاظ الطّلاق لايخلو عنهما على ما مرّ، وفي الصّريح لا يحتاج إلى النية، وقد احتج ههنا على أنّها كناية، فأجاب عنه وقال: شرطت النيّة لا لاعتبار أن يكون كناية عن الطّلاق، بل باعتبار أنّ هذه الألفاظ يحتمل معاني أُخَرْ سوى معنى الطّلاق، واشترطت النيّة ليتعين بها معنى الطّلاق، ثم بعد تعين جانب الطّلاق بالنية، أو بدلالة الحال كانت هذه الألفاظ عاملة بحقائقها؛ إذ الحقيقة حقيق بأن يراد قوله، وإنّما يصح الثلث جواب سؤال أيضاً، وهو أن لفظ الباين لو كان عاملاً بنفسه لما صحّ نية الثلاث عندكم، كما لا يصحّ نيّة الثلاث في قوله: أنت طالق عندكم؛ لأنّه عامل بنفسه قلنا صحّة نية الثّلاث لم ينشأ من أنّه عامل بنفسه بل نشأت من تنوع البينونة إلى غليظة وخفيفة (١). قوله ﵀: (وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ). إشارة إلى قوله في أوائل باب إيقاع الطّلاق: وَنَحْنُ نَقُولُ: نِيَّةُ الثَّلَاثِ إنَّمَا صَحَّتْ لِكَوْنِهَا جِنْسًا، إلى آخره وَإِنْ قَالَ: لَمْ أَنْوِ بِالْبَاقِي شَيْئًا فَهِيَ ثَلَاثٌ، أي: عندنا، وعند زفر يقع واحدة (٢)، بناء على أن في قول زفر: اعتدي لا يتعيّن للطّلاق في حال مذاكرة الطّلاق بدون النيّة، وعندنا يتعيّن بدلالة الحال من غير نيّة. فإن قيل: ينبغي أن لا يقع؛ لأنّ الكلام متى أمكن حمله على الحقيقة لا يجوز حمله على المجاز، وإن كانت الحقيقة على خلاف العادة لما عرف في مسألة لا أشرب الماء ونوى شرب جميع المياه، لا يحنث أبدًا، وهنا أمكن حمله على الحقيقة لمكان العدّة على وجه لا يخالف العادة فأولى أن لا يقع. قلنا: الطّلاق صار مراداً بقوله اعتدي، فكان خاطراً بالبال، فيحمل الثاني والثّالث عليه وهذا؛ لأنّ اللّفظ إنّما يحمل على الحقيقة لخطرانها بالبال، وما كان أشد خطراناً بالبال كان أولى بالحمل عليه، وفي مسألة لا أشرب الماء ليس فيه داع يدعو إلى المجاز، فحمل على حقيقته فلم يحنث إلى هذا أشار في «الفوائد الظهيرية» (٣)، فَلَا يُصَدَّقُ فِي نَفْيِ النِّيَّةِ، أي: قضاء ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى لمكان الاحتمال؛ لأنّه نوى بالأوّل الإيقاع وبالثّانيوالثّالث: التكرار وإذا قال: عنيت بالأوّل الإيقاع وبالباقي الأمر بعدة واجبة، نظيره من قال لامرأته: أنت طالق وطالق وطالق (٤)، ثم قال: نويت بهنّ واحدة، فإنّه لا يصدق قضاء، ولكن يصدق ديانة، لما قلنا كذا ههنا، كذا في «الجامع الصّغير» (٥)، البرهاني وذكر الإمام شمس الأئمة السّرخسي (٦)، والإمام قاضي خان ﵀ (٧) هذه المسألة على اثني عشر وجهاً، أحدها: أن يقول: لم أنو الطّلاق بشيء منها، وفي هذا كان القول قوله كما لو ذكر ذلك مرّة، والثّاني: أن يقول: نويت بالأولى الطّلاق، ولم أنو بالباقيتين شيئاً (٨)، أو يقول: نويت بالأولى والثّانية الطّلاق ولم أنو بالثالثة شيئاً، أو نويت بالكلمات كلّها الطّلاق، ففي هذه الوجوه يطلق ثلاثاً نوى بالأولى الطّلاق صار الحال مذاكرة الطّلاق، وكان الباقي طلاقاً نوى أو لم ينو؛ لأنّ الأوّل رجعي فيلحقه الباقي، والخامس: إذا قال: نويت بالأولى الطّلاق وبالباقيين الحيض، فهو مدين في القضاء، لما ذكر في الكتاب (٩)، والسّادس: أن يقول نويت بالأولىوالثّانية الطّلاق وبالثّالثة الحيض، فهو مدين أيضاً في القضاء، وتطلق ثنتين لما قلنا، والسّابع: أن يقول نويت بالأولى الطّلاق وبالثالثة الحيض ولم أنو بالثّالثة شيئاً، أو قال: نويت بالأولى الطّلاق وبالثّانية الحيض ولم أنو بالثّالثة شيئاً، فإنّها يطلق ثنتين في هذين الوجهين؛ لأنّه لما صار الحال حال مذاكرة الطّلاق وكل لفظ لم ينو فيه شيئاً فهو طلاق، وإن قال: لم أنو بالأولى والثّانية شيئاً، وعنيت بالثالثة الطّلاق فهي طلاق واحد؛ لأنّه لم يكن الحال حال مذاكرة الطّلاق غير الأولى والثّانية فلا يقع بها شيء، وإنّما يقع بالثّالثة لأجل النيّة.

стр. 1792

وكذا لو قال: لم أنو بالأولى شيئاً ونويت بالثّانية الطّلاق وبالثّالثة الحيض، فهي طلاق واحد، والحادي عشر هو أن يقول: لم أنو بالأولى شيئاً ونويت بالثّانية الطّلاق [أو لم أنو بالثّالثة] الطّلاق، فهي ثنتان؛ لأنّه لم يكن الحال حال مذاكرة الطّلاق عند الأولى، فلا يقع بها شيء، والثّانية صارت طلاقاً بالنيّة، والثّالثة ذكرت في حال مذاكرة الطّلاق، فصار طلاقاً، والثّاني عشر إذا قال: اعتدى ثلاثاً، وقال: نويت في قولي اعتدى طلاقاً، ونويت بالثّلاث ثلاث حيض، فهو كما قال في القضاء، أما نية الطّلاق في قوله اعتدي صحيح؛ لما قلنا، وبعد وقوع الطّلاق يلزمها الاعتداد بثلاث حيض، وكان الظّاهر شاهدًا له فيما نوى، ونصيب الثلاث دليل على ذلك، كأنّه قال بثلاث حيض أيضاً؛ لأنّه أمين، أي لأنّ الزّوج أَمِينٌفِي الْإِخْبَارِ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ، ولهذا يصدق في حال عدم مذاكرة الطّلاق، وإذا كان أمينًا لا يصدق قوله بدون اليمين (١). وذكر في «المبسوط» ولو قال لها: اعتدي، وقال: لم أنو به الطّلاق فهي امرأته بعد أن يحلف، وكذلك في جميع الألفاظ المتقدّمة، إذا قال لم أنو الطّلاق فعليه اليمين؛ لأنّه أمين فيما يخبر عن ضميره، والقول قول الأمين مع اليمين، واليمين لنفي التهمة عنه، ألا ترى أنّ رسول الله ﷺ حلف ابن ركانةفي لفظ النيّة (٢) (٣)، والله أعلم بالصّواب. باب تفويض (٤) الطّلاق لما فرغ من بيان الطّلاق بنفسه، وهو الأصل لما أنّ الأصل أن يكون التصرّف واقعاً للمتصرف نفسه لا لغيره، شرع في بيان التصرّف الذي يستفاد ولاية التصرّف من الغير (٥).

стр. 1793

اعلم أنّ المرأة إذا اختارت نفسها بعدما قال لامرأته اختاري] يقع الطّلاق (١)، والقياس أن لا يقع عليها شيء وإن نوى الزّوج الطّلاق (٢)؛ لأنّ التفويض إليها إنّما يصحّ فيما يملك الزّوج مباشرته بنفسه، وهو لا يملك إيقاع الطّلاق عليها لهذا اللّفظ، حتّى لو قال: اخترتك من نفسي، أو اخترت نفسي منك، لا يقع شيء فلا يملك التّفويض إليها بهذا اللفظ - أيضاً - ولكنّا تركنا القياس لآثار الصحابة ﵃ (٣). روى عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عمروجابر وزيد وعائشة ﵃ أجمعين، قالوا في الرجل يخير امرأته: إن لها الخيار مادامت في مجلسها ذلك، فإذا قامت من مجلسها فلا خيار لها (٤)، وقد خيّر رسول الله ﵇ نسائه حين نزل قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ (٥) (٦)، ثم كان القياس أن لا يبطل خيارها بالقيام عن المجلس؛ لأن التخيير من الزّوج مطلق والمطلق فيما يحتمل التأييد يتأيد. ولكنّا تركنا هذا القياس بآثار الصحابة، ولأنّ الخيار الطّارئ لها على النّكاح من جهة الزّوج معتبر بالخيار الطّارئ شرعًا، وهو خيار المعتقة وذلك يتوقت بالمجلس، فكذا هذا لها الخيار ما بقيت في المجلس، وإن تطاول يومًا أو أكثر؛ لأنّ المجلس قد يطول ويقصر كذا في «المبسوط» (٧).

стр. 1794

قال: مادامت في مجلسها ذلك، وإن قامت منه أو أخذت في عمل آخر، خرج الأمر من يدها، هذا المجموع من قول الصّحابة ﵃؛ ولأنّه تملكت الفعل منها يعني لا توكيلها، لما أنّ التّمليك يقتضي أن يكونالمملك إليه عاملاً لنفسه، وهذا كذلك وكان تمليكًا، فأمّا الوكيل فهو عامل لغيره، والتمليكات تقتضي جواباً في المجلس، فلذلك اقتصر بالمجلس. فإن قيل: ههنا من وجوه من الشبه: إحداها: أنّ ربّ الدّين إذا وكل المديون بإبراء ذمته عن الدّين فهو وكيل، وإن كان عاملاً لنفسه في إبراء ذمته عن الدّين، والدّليل على أنّه وكيل أنه لا يقتصر على المجلس، ويملك صاحب الدّين الرجوع قبل الإبراء، وهو مسألة الجامع. والثّانية: أنّ التّخيير لو كان تمليكًا لكانت المرأة مالكة للطّلاق. فحينئذٍ لا يبقى الزّوج مالكاً لاستحالة كون الشّيء الواحد بجميع أجزائه ملكًا لكلّ واحد] منهما في زمان واحد (١)، والزّوج مالك للطّلاق بعد التخيير، فلا تكون هي مالكة له، فحينئذ يكون تصرفها بالنيابة، لا بالملك والدّليل على صحّة ما ادعينا أنّها نائبة، لا مالكة وهو الشبهة. الثّالثة: ما ذكره محمّد في الزيادات (٢)، رجل قال لامرأته: طلقي نفسك، ثم حلف أن لا تطلق فطلقت هي نفسها حنث الزّوج في يمينه، وإنّما يحنث إذا كانت هي في تطليقها نفسها نايبة عن الزّوج، أمّا إذا لم تكن فلا، قلنا المالك هو القادر على التصرّف؛ لأنّه فاعل عن الملك وهو القدرة والتّمليك تفعيل منه، فيكون لإثبات الملك وهو الإقدار على التصرّف إلا أنّه في الشّرع يراد به القادر على التصرف برأيه واختياره على وجه لو لم يفعله لا يلحقه إثم ولا خلف وعد، وما وقع النّزاع فيه بهذه المثابة فيكون تمليكًا، بخلاف الوكيل إذا لم يأتمره بما أمر به، يلزم فيه خلف الوعد أو الإثم. وأمّا الجواب عن توكيل المديون بإبراء ذمّته أنّه وكيل وإن كان عاملاً لنفسه. قلنا: نعم هناك المديون وكيل عن جانب ربّ الدين، لكن تصرفه لنفسه إنّما وقع ضمن صحّة وكالته، فإنّه في ذلك الإبراء لا يعمل لنفسه خاصّة، بل يعمل لربّ الدّين -أيضاً- بتحقيق ما أمره به، ثم صحّة الرجوع لا يدل على أنّه ليس بتمليك. أَلَا تَرَى أَنَّ الْهِبَةَللأجنبيّ قبل القبض وبعده قابلة للرجوع، وهي تمليك، وعدم صحّة الرجوع فيما نحن بصدده لاشتمال التخيير على معنى التّعليق، لا لكونه تمليكًا.

стр. 1795

وأمّا حنث الزّوج في يمينه في المسألة الثّالثة ممنوع على رواية محمّد ﵀، والمنع مذكور في الزيادات لصاحب «المحيط» (١). وأمّا قوله: لو كانت المرأة مالكة لا يبقى الزّوج مالكاً. قلنا: بقاء ملك الزّوج في الطّلاق لبقاء ملكه في النكاح، فإن ملك الطّلاق يستفاد من ملك النكاح، وملك الطّلاق بهذه الصفة لا يمكن تمليكه من المرأة، فلا جرم ثبت الملك لها بقدر ما ملكها الزّوج، والزّوج ملكها ما في وسعه من التّمليك وهو ولاية التصرف لها في الطّلاق بتمليك الزّوج، لا سلب ولاية تصرّف الزّوج عن الطّلاق، فإنّ ذلك للتصرف يبقى له مادام سببه باقياً وهو النكاح، إلى هذا أشار في «الفوائد الظهيرية» (٢)، ثم لابدّ من النيّة في قوله اختاري أي: نيّة الطّلاق وإذا خيرها وقال: لم أرد به الطّلاق فالقول قوله مع يمينه؛ لأنّ قوله اختاري كلام محتمل، يجوز أن يكون مراده اختاري نفقة أو كسوة أو داراً للسكنى. وفي الكلام المحتمل القول قول الزّوج أنّه لم يرد به الطّلاق مع يمينه، لكونه متّهمًا] في ذلك (٣) وأمّا إذا اختارت بعد ذكر الطّلاق فاختارت نفسها ثمّ قال:] لم (٤) أنوِ به الطّلاق لم يصدق في القضاء، وكذلك إن كان في غضبه، وقد بيّنا هذا في فصول الكنايات. وكما لا يصدقه القاضي، فكذلك لا تسمع المرأة أن تقيم معه إلا بنكاح مستقبل، ثم المخيّرة إذا اختارت زوجها لم يقع عليها شيء، إلا على قول علي (٥) ﵁، فإنّه قال: تطلق تطليقة رجعيّة إذا اختارت زوجها، وكأنّه جعل عين هذا اللّفظ طلاقاً، فقال: إذا اختارت زوجها، فالواقع به طلاق لا يرفع الزّوجة، ولسنا نأخذ بهذا، بل بقول عمر وعبدالله بن مسعودرضي الله عنهما (٦): أنّها إذا اختارت زوجها لا يقع عليها شيء، وقالت عائشة ﵂: «خيّرنا رسول الله ﷺ ولم يكن ذلك طلاقاً» (٧)، وإن اختارت نفسها فواحدة باينة عندنا، وهو قول علي ﵁، وعلى قول عمروابن مسعود ﵄ واحدة رجعيّة وعلى قول زيد ﵁ (٨) إذا اختارت نفسها فثلاث، وكأنّه حمل هذا على أتم ما يكون من الاختيار، وعمر وابن مسعود حملاه على أدنى ما يكون منه وهو التّطليقة الرّجعيّة، ولكنّا نأخذ في هذا بقول علي ﵁؛ لأن اختيارها نفسها إنّما يتحقّق إذا زال ملك الزّوج عنها، فصارت مالكة أمر نفسها وذلك بالواحدة الثّانية، وليس في هذا اللّفظ ما يدل على الثّلاث؛ لأنّ حكم مالكيتها أمر نفسها لا يختلف بالثّلاث والواحدة البائنة، ولهذا قلنا وإن نوى الثّلاث بهذا اللّفظ لا يقع إلا واحدة باينة؛ لأنّ هذا مجرّد نية العدد وهو قوله اختاري أمر بالفعل فلا يحتمل العدد، بخلاف قوله: أنت بائن بنية الثّلاث، إنّما يصحّ هناك باعتبار أنّه نوى نوعًا من البينونة، وههنا الاختياري لا يتنوع، فبقي هذا مجرّد نيّة العدد كذا في «المبسوط» (٩).

стр. 1796

فإن قلت: لابدّ من ذكر الفرق بين قوله: اختاري نفسك، ونوى] الزوج (١) الثلاث فقالت المرأة: اخترت، يقع تطليقة واحدة بائنة ولا يقع الثّلاث، وبين قوله: أمرك بيدك، وطلقي نفسك، وأنت بائن، ففي هذه الصّورالثّلاث، إذا نوى الزّوج التّطليقات الثّلاث، وأوقعت المرأة، يقع الثلاث مع أنّ القياس يقتضي وقوع الثّلاث في الأخبار بعد قوله اختاري بالطّريق الأولى؛ لاجتماع ما يقتضي وقوع الثّلاث فيه، وهو صيغة الأمر، ولفظ الكتابة، وفي تلك الثلاثة لم يجتمع. قلت: الفرق من وجهين: أحدهما: ما ذكره في «الإيضاح» فقال: إنّ القياس يقتضي أن لا يقع بالتخيير شيء وإن اختارت؛ لأن اختيار الشّيء لا يدلّ على الإيقاع، وإنّما يثبت ذلك بإجماع (٢) الصّحابة ﵃، والإجماع انعقد في الطّلقة الواحدة (٣)، فما عدا ذلك يبقى على أصل القياس، ولم يرد الإجماع في حق تلك المسائل على أنّ الواقع فيها الواحدة فأجرى إيقاع الثّلاث هناك على ما تقتضيه تلك الألفاظ وهو مذكور في تقرير تلك المسائل. والثّاني: هو ما أشار إليه شيخ الإسلام فقال: (٤) أن الأمر اسم عام يتناول كل شيء، قال الله تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (٥) أراد به الأشياء كلّها، وإذا كان الأمر إسماعاً ما صلح اسمًا لكلّ فعل، فإذا نوى الطّلاق صار كناية عن قوله: طلاقك بيدك، والطّلاق يحتمل العموم والخصوص، أمّا الاختيار فاسم لفعل خاص وهو الخلوص والصّفوة وثبوت البينونة فيه مقتضى ثبوت الصّفوة والخلوص، فلم يصلح فيه نيّة العموم؛ لأنّ الصّفوة إذا حصلت لها بالاختصاص بنفسها فبعد ذلك لا يزداد هي بانضمام شيء آخر له. وأمّا قوله: طلّقي، فإنّ الطلاق في نفسه محتمل للعموم والخصوص، فإن له إفراداً وأجزاء فيقتضي عمومه تمام أجزائه. وقال: (طَلِّقِي نَفْسَك) مختصر قوله: افعلي فعل التّطليق، فكان هو محتملاً للعموم والخصوص أيضاً، فإذا نوى الثّلاث فقد نوى العموم فيصحّ، وأمّا الفرق بينه وبين قوله: أنت بائن فهو ما ذكر في الكتاب (٦) من أنّ البينونة تتنوّع إلى نوعين: خفيفة وغليظة، فأيّ النّوعين نوى فقد أصاب، بخلاف الاختيار، فإنّه عبارة عن الصّفوة والخلوص والصّفوة إذا حصلت، فلا يريد لها بعد ذلك، فلا يحتمل نيّة الثّلاث فلذلك لم يصحّ نيّة الثّلاث.

стр. 1797

قوله ﵀: وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ النَّفْسِ فِي كَلَامِهِ أَوْ فِي كَلَامِهَا، قلت: هذا ليس بمنحصر بذكر النّفس في حق إرادة الطّلاق الباين من التخيير، فإنّ البينونة كما يقع عند ذكر النّفس في أحد الكلامين، فكذلك ما يقع بذكر ما يقوم مقام النّفس في أحد الكلامين، كالتّطليقة والاختيار، وفي قول المرأة اخترت أبي أو أميّ أو أهلي أو الأزواج على ما يجيء بيانه، ثمّ إنّما اشترط ذكر أحد هذه الأشياء في أحد الكلامين، فإنّه إذا كان في كلام الرجل يتضمّن جوابها إعادة ذلك، كأنّها قالت: فعلت ذلك، وإن كان مذكوراً في كلامها فالعامل لفظها، فإذا وجد ما يختصّ بالبينونة في اللّفظ يقع به كفى ذلك كذا في «الإيضاح» (١). لأنّ كلامه مفسر، وكلامها خرج جواباً له هذا التّعليل لجواب سؤال مقدّر، وهو أن يقال: إنّ قولها اخترت مبهم، والمبهم لا يصلح مفسراً لكلام غيره، فقال في جوابه: إن كلامها خرج جواباً لكلامه، وكلامه مفسر فكان جوابها أيضاً مفسراً. لأنّ الجواب يتضمّن إعادة ما في السؤال؛ لِأَنَّ الْهَاءَ فِي الِاخْتِيَارَةِ أي الهاء سماها لتصورها بصورة الهاء، ولكونها هاء عند الوقف هو الذي يتحد مرّة، فإن قال: اختاري نفسك بطلقة، ويتعدد أخرى بأن قال: اختاري نفسك لما شئت، أو اختاري نفسك بثلاث تطليقات، فعلم بهذا أن اختيارها] نفسها (٢) هو الذي يتخذ مرّة، ويتعدّد أخرى بخلاف اختيارها زوجها، فإنّه لا يتعدّد؛ لأنّه عبارة عن إبقاء النكاح وهو غير متعدّد، وقيد الكلام بشيء ينبئ عن الاتحاد إنّما يفيد فائدته أن لو كان ذلك احترازاً عن شيء ينبئ عن التعدّد، وإلا لا يكون في قيده] فائدة (٣). فعلم بهذا أنّ كلامه وقع في شيء يقبل الاتحاد والتعدّد، وليس هنا منها إلا اختيارها نفسها دون اختيار الزّوج، فكان كلامه مفسراً أيضاً على هذا التقدير، كما في اختاري نفسك، ثمّ جوابها اخترت، وإن كان مبهمًا في نفسه يكون مفسراً لوقوعه جواباً للكلام المفسّر؛ لأنّ الجواب يتضمن إعادة ما في السؤال، ثم ذكر في الكتاب وقوع كلام المرأة (٤) مفسرًّا بذكر النّفس، فقال: ولو قال اختاري، فقالت: اخترت نفسي، يقع الطّلاق إذا نوى الزّوج، لما ذكرنا أن الشّرط في هذا هو أن يقع المفسّر في أحد الكلامين، إمّا في كلام الزّوج أو في كلام المرأة.

стр. 1798

وقد وقع التّفسير ههنا في كلام المرأة تذكر النّفس فيصحّ، ولم يذكر وقوع كلام المرأة مفسّراً بذكر الاختيار، وذكره في كلام الزّوج والحكم فيه كذلك أيضاً؛ لأن ذكر الاختيار لما صحّ التّفسير صار ذكرها بمنزلة ذكر النّفس، فذكر النّفس في أي الكلامين وقع يكون كلامها مفسّرًا، حتّى لو قال الزّوج: اختاري، فقالت المرأة اخترت اختياره تحصل البينونة، كما لو قالت: اخترت نفسي بمقابلة قوله اختاري، وكذلك ذكر الطّلقة في جميع ما ذكرنا من ذكر النّفس والاختيار. ولو قالت المرأة: اخْتَرْتُ أَبِي أوَ أُمِّي أَوْ أَهْلِي وَالْأَزْوَاجَ بعدما قال الزّوج لها اختاري، والقياس أن لا يقع شيء؛ لأنّه لم يوجد في لفظها ما يدلّ على اختيار البينونة. ولكنا نستحسن فيوقع؛ لأنّ الزّوج لو قال لها: الحقي بأهلك، ونوى الطّلاق يكون طلاقاً، فكذلك اختيارها الانضمام إليهم اختيار للبينونة - كذا في «الإيضاح» - كما إذا قال لها: طلقي نفسك، فقالت: أنا أطلّق نفسي لا يطلق، وكذا لو قال لعبده: اعتق رقبتك، فقال: اعتق، لا يعتق وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ حدِيثُ «عَائِشَةَ ﵂ -وهو ما روي أنّه لما نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ … تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ (١) الآية، بدأ رسول الله بعائشة ﵂، فقال لها: «إني مخيرك بأمر فلا تجيبيني حتى تستأمري أبويك»، ثم أخبرها بالآية، فقالت: في هذا أستأمر أبوي فَإِنَّهَا قَالَتْ لَا بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (٢) اعْتَبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ جَوَابًا مِنْهَا، والمعقول فيه هو أنّ الفعل الذي يحتمل الحال والاستقبال أصله الحال فيما يصلح حكاية عن الحال، فقال فلان يصلّي ويقرأ، يراد به الحال في موضع الحكاية، فكذلك ههنا موضع الحكاية؛ لأنّ الاختيار من عمل القلب، فيكون الذكر باللّسان حكاية عن أمر قائم بالقلب لا محالة، وذلك كالرّجل يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أنه جعل إيجاباً؛ لأنّه حكاية عن أمر قائم] بالقلب (٣) وهو التصديق فصار إيجاباً وكذلك قول الشّاهد في مجلس الحكم: أشهد؛ لأنّه حكاية عن معنى قائم] بقلبه (٤).

стр. 1799

فكذلك قولها إنشاء الطّلاق في مسألتنا حيث يقع به الطّلاق. وأمّا قولها أَنَا أُطَلِّقُ نَفْسِي فليس بحكاية عن حال قائمة] بالقلب (١) إذ لا حال ههنا. وإنّما الإيجاب حاصل بهذه الصيغة نفسها من قبل أنّ الإيقاع باللّسان دون القلب، فلم يصحّ] جعل (٢) فعل اللّسان حكاية عن فعل قائم باللّسان على سبيل الحال، فيتعذر الأصل، يحمل على ما هو دخيل عليه، وهو الوعد المستفاد من الاستقبال، فلم يكن بد من لفظ دال على أمر ماض ليجعل إيجاباً، وهو قولها: طلقت - كذا في «الجامع الصّغير» لفخر الإسلام والإمام الكشاني (٣) - ولأن هذه الصيغة حقيقة في الحال ويجوز في الاستقبال. فإن قلت: ما نقول بروايات النحو كلها وهو مشترك بين الحاضر والمستقبل. قلت: نعم كذلك، إلا أن أحد المعنيين من المشترك يترجّح بدلالة تدل على ذلك المعنى، وقد وجد ههنا دلالة إرادة الحال به، إذ العادة العُرفيّة والشّرعية (٤) تدلان على أنّ مثل هذه الصيغة للحال، يقول الرجل فلان يختار كذا، أو أنا أختار كذا، ويقول أملك كذا وكذا من العبيد والجواري، والمراد به الحال. وأمّا الشّرعية فما ذكر في الكتاب من قوله: أشهد في كلمة الشّهادة (٥)، وقوله: أشهد في أداء الشهادة، إلى هذا أشار في الفوايد (٦). قوله ﵀: لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحِكَايَةٍ عَنْ حَالَةٍ قَائِمَةٍ،؛ لأنّه لا حال ههنا حتّى يحمل الكلام عليه من قبل أنّ الإيقاع باللّسان دون القلب، فلم يصحّ فعل اللّسان حكاية عن فعل قائم باللّسان على سبيل الحال؛ لأنّه معدوم يعدو الحكاية يقتضي وجود المحكي عنه طلقت ثلاثاً - في قول أبي حنيفة (٧) ﵀ ولا يحتاج إلى نيّة الزّوج، ولا إلى ذكر نفسها؛ لأنّ اختيار الطّلاق يتكرّر، واختيار الزّوج لا يتكرّر فتكرار التخيير دليل على أن مراد الطّلاق، ولهما أنّ ذكر الأولى ما يجري مجراه، وهو ذكر الوسطى والأخيرة إن كان لا يفيد من حيث التّرتيب بالاتفاق يفيد من حيث الأفراد، وهذا لأنّ الأولى فأثبت الأول، وهو اسم لفرد] سابق والوسطى تأنيث الأوسط وهو اسم لفرد (٨) يقدم عليه مثل ما تأخر عنه والأخيرة اسم لفرد لاحق، إذا ثبت هذا فيقول: قولها الأولى ينتظم معنيين:

стр. 1800

أحدهما: الفرديّة، والآخر: السّبق، فلو بطل معنى السّبق الذي يقتضي التّرتيب، فلا يبطل الفرديّة، فصار كأنّها قالت: اخترت التطليقة الأولى؛ لأنّ معنى قولها اخترت الأولى، اخترت ما صار إلي بالكلمة الأولى، والذي صار إليها بالكلمة الأولى تطليقة، فكأنها صرحت بذلك، وفي ذلك يقع واحدة، فكذا هنا وأبو حنيفة (١) ﵀ يقول الأولى: نعت لمؤنث ولكن النعتينصرف إلى منعوت مذكور، وهو الأصل، والمذكور الاختيار دون الطّلاق، فكان هذا بمنزلة قولها: اخترت الاختيار أو المرأة الأولى، فلو صرحت بذلك طلقت ثلاثاً، وحرف آخر له أنّها أبت بالتّرتيب فيما لا يليق به صفة التّتريب، فيلغو ذكر التّرتيب ويبقى قولها اخترت، ويكون جواباً للكلّ - كذا في «المبسوط» والفوائد (٢) - كالمجتمع في المكان والقوم إذا اجتمعوا في مكان لا يقال هذا أوّل وهذا آخر وإنّما التّرتيب في فعل الأعيان، يقال: هذا جاء أولاً، وهذا جاء آخراً، فإذا لغا ذلك بقي قولها اخترت، ولأنّ الأولى أو الوسطى كما يصلح نعتا للتطليقة تصلح نعتاًللاختياره الحاصلة منها، ولو اقتصرت على قولها اخترت كان جواباً للكلّ، فلا يتغيّر ذلك بكلام محتمل. بخلاف ما لو اختارت التطليقة؛ لأنّ التّطليقة لا يتناول الثلاث - كذا ذكره الإمام قاضي خان ﵀، فإذا لغا في حق الأصل وهو التّرتيب، لغا في حق البناء وهو الأفراد، فإذا لغا جميعًا، بقي قولها: اخترت، وهو يصلح جواباً للكلّ فيقع الثّلاث. فإن قيل: ينبغي أن تقع التطليقة واحدة، كما في قوله: (أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ)؛ لأن الإيقاع في الماضي إيقاع في الحال، بقي قوله: أنت طالق وبه تقع التّطليقة الواحدة. قلنا: هذا طرد وليس بنقص، لما أنّه لو قالت - ههنا ابتداء في جوابه -: اخترت، كان جواباً للكلّ فيقع الثّلاث، فكذا إذا بقي قولها اخترت بعد بطلان ما ضم إليه من التّرتيب والأفراد، كما هناك باب اقتضاء قوله: أنت طالق للطّلقة الواحدة لم يتفاوت بين ما قاله وذلك ابتداء أو بقي ذلك بعدما انضم إليه من قوله أمس، ولو قالت: (طَلَّقْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ)؛ أي: في جواب قول الزّوج اختاريفهي واحدة بملك الرّجعة، وقال بملك الرّجعة غلط وقع من الكاتب- هكذا ذكره في «الفوائد الظهيرية» (٣) - وقال: لأنّ المرأة إنّما تتصرف حكمًا للتّفويض والتّفويض تطليق بصفة الإبانة؛ لأنّه من الكنايات سوى الثلاثة فيملك الإبانة لا غير.

стр. 1801

قلت: والأصحّ من الرواية فهي واحدة لا تملك الرّجعة؛ لأنّ رواية «المبسوط» (١) والجامع الكبير (٢) والزيادات وعامة نسخ «الجامع الصّغير» (٣) هكذا سوى «الجامع الصّغير» لصدر الإسلام، فإنّه ذكر فيه مثل ما ذكره في الكتاب، والدّليل أيضاً يساعد لما ذكر في عامّة النّسخ (٤). فإنّه ذكر في «الجامع الصّغير» (٥) لقاضي خان، أمّا وقوع الواحدة فلما قلنا: وهو أنّ التّطليقة لا يتناول أكثر من الواحدة، وإنّما يكون ثانياً؛ لأنّ العامل تخيير الزّوج والواقع بالتخيير يكون ثانياً؛ لأنّه تمليك النّفس منها والرّجعي لا يثبت ملك النّفس، ثم قال: وفي بعض النّسخ تقع واحدة رجعيّة والصّحيح ما ذكرنا نصّ عليه في الزيادات (٦). فإن قلت: ما الفرق بين قوله: اخترت، وبين قوله: طلقت (٧)، [فإن قولها طلقت] نفسي يصلح جواباً لقوله: اختاري حتّى يقع به التّطليقة الواحدة الباينة، وقولها: اخترت لا يصلح جواباً لقوله: طلقي نفسك، بل يقع لغوًا حتّى لا يقع به شيء، هكذا ذكر في «المبسوط» (٨). قلت: لأنّ لفظ الاختيار الأضعف من لفظ الطّلاق. ألا ترى أنّ الزّوج يملك الإبقاء بلفظ الطّلاق دون لفظ الاختيار، فالأضعف لا يصلح جواباً للأقوى، والأقوى يصلح جواباً للأضعف، يوضحه أن قولها: طلقت نفسي لو كان قبل تخيير الزّوج [توقف على إجازة الزوج]، فإذا كان بعد تخيير الزّوج كان عاملاً، وقولها: اخترت نفسي قبل تخيير الزّوج يكون لغوًا لا يتوقّف على إجازة الزّوج، فكذلك بعد تفويض الزّوج بقوله: طلقي نفسك؛ لأنّ التّفويض غير التخيير كذا في «المبسوط» (٩).

стр. 1802

قوله ﵀: لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهَا الِاخْتِيَارَ لَكِنْ بِتَطْلِيقَةٍ. فإن قيل: لو كان جعل لها الاختيار بتطليقة كان قوله هذا في التّقدير بمنزلة قوله: طلّقي نفسك، وقد ذكرنا أن قولها: أختر، لا يصلح جواباً لقوله: طلّقي نفسك. قلنا: آخر كلامه لما صار تفسيراً للأوّل كان العامل هو المفسّر والمفسّر هو الأمر باليد والتخيير وقولها اخترت يصلح جواباً لذلك كذا ذكره الإمام قاضي خان ﵀ في «الجامع الصّغير» (١) والله أعلم. فصل في الأمر باليد لما ذكر باب تفويض الطّلاق، ذكر فصول أنواع التّفويض من الاختيار والأمر باليد، إلا أنّه قدم فصل الاختيار على غيره؛ لأنّ ذلك مؤيد بإجامعالصّحابة (٢) ﵃ اعلم أنّ الرّجل] إذا جعل (٣) أمر امرأته بيدها فالحكم فيه كالحكم في الخيار في سائر مسائله، إلا أنّ هذا صحيح قياساً واستحسانًا؛ لأنّ الزّوج مالك لأمرها فإنما يملكها بهذا اللّفظ ما هو مملوك له، فيصحّ منه، ويلزم حتّى لا يملك الرّجوع عنه اعتباراً بإيقاع الطّلاق، وإن نوى الأمر ثلاثاً كان كما نوى حتّى إذا طلقت نفسها ثلاثاً تطلق ثلاثاً؛ لأنّ هذا تفويض للأمر إليها، وهو يحتمل العموم والخصوص بخلاف قوله: اختاري، فإنّه أمر بالفعل فلا يحتمل معنى العموم، وإن لم ينو الثلاث فهو واحدة بائنة، وعند ابن أبي ليلى (٤) هو ثلاث (٥)، ولا يصدق في القضاء إذا قال: نويت واحدة؛ لأنّه فوض إليها بهذا الكلام جنس ما يملكه عليها وذلك ثلاث، ولكنا نقول: التفويض قد يكون خاصاً وقد يكون عاماً، فإذا نوى الواحدة فقد قصد تفويضاً خاصاً، وهو غير مخالف للظّاهر، وكذلك إن نوى الطّلاق فقط؛ لأنّه لا يثبت به إلا القدر المتيقن عند الاحتمال.

стр. 1803

وكذلك إن نوى ثنتين؛ لأنّ هذا نية العدد وهي لا تسع في هذا اللّفظ، فيكون واحدة ثانية - كذا في «المبسوط» (١) - كأنّها قالت: اخترت نفسي بمرة واحدة، وإنّما تصير مختارة بمرّة واحدة إذا وقع الثّلاث، وَهُوَ فِي الْأُولَى الِاخْتِيَارَةُ، أراد بالأولى قوله: قد اخترت نفسي بواحدة، وفي الثّانية التّطليقة أراد بالثانية قوله: ولو قالت طلقت نفسي واحدة، وإنّما كان كذلك؛ لأنّ الواحدة صفة فلابدّ لها من موصوف، وهو محذوف، فوجب إثبات ذلك على حسب ما يدل عليه المذكور السابق، والمذكور السّابق في الأوّل قولها: اخترت فيجب إثبات الاختيارة التي يدل عليها اخترت. وفي الثّالثة: يجب إثبات الطّلقة، وهي عبارة عن الواحدة، فيقع واحدة عن الواحدة فيقع واحدة. فإن قيل: كما يجوز أن يراد بها الطلقة الواحدة، فكذا يجوز أن يراد بها المرّة الواحدة كما يقال ضربته ضربة. ألا ترى إلى ما قالوا: لفعله للمرأة، والفعلة للحالة، والمفعل للمصدر، والمفعل للآلة، فلمَ كان إرادة ذلك أولى من إرادة هذا؟. قلنا: إنما يراد به [المرة] إذا كانت مرتبة على فعل مصرف من مصدرها، كما في ضربته ضربة. وأمّا إذا لم يكن فلا ومصدرها الطّلاق دون التّطليق، ثم لو أريد بها التّطليقة وقع التّعارض بين إرادة المرأة والتّطليقة فإثبات التّطليقة أولى لكونها منتفياً بها، إلى هذا أشار في «الفوائد الظهيرية» (٢). قوله ﵀: (وقد حقّقناه من قبل) إشارة إلى قوله: في فصل الاختيار (لا يتنوع لم يدخل فيه اللّيل) وفائدته تظهر في موضعين: أحدهما: أنّها لو اختارت نفسها في اللّيل لا يقع. والثّاني: أنّها لو روت الأمر في اليوم فاختارت زوجها يبطل في ذلك اليوم خاصة، ولا يبطل أبدًا، بل يكون الأمر في يدها بعد الغد، والمسألة الثّانية: وهي قول: أمرك بيدك اليوم وغدًا، لما دخلت فيها اللّيلة خالفت هي هذه المسألة في هذا الحكمين؛ لأنّه صرّح بذكر وقتين بينهما وقت من جنسهما لم يتناوله الأمر وهو الغد، فإنّها لو اختارت نفسها في الغد لا تطلّق لأنّه لم يتناوله الأمر. وإنّما ذكر قوله: من جنسها احترازاً عن قوله: أمرك بيدك اليوم وغدًا، فإنّه دخل فيه اللّيلة، وإن لم يكن من جنس اليوم والغد، لما أنّ المراد منه مد وقت واحد بيومين، فيدخل فيهما اللّيلة ضرورة، وإن لم يكن من جنسهما، وههنا لم يدخل الغد وإن كان من جنس اليوم، وبعد غد علم أنّ المراد منه تحديد الأمر لها في كلّ واحد من الوقتين المذكورين، معتبراً كلّ واحد منهما منفردًا لا متّصلاً، ويذكر اليوم بعبارة الفرد لا يدخل فيه اللّيل: وقال زفر (٣) هما أمر واحد وكذلك لو قال: اليوم ورأس الشّهر؛ لأنّه عطف أحد الوقتين على الآخر من غير تكرار لفظ الأمر، فيكون أمراً واحداً، كما في قوله: (اليوم وغدًا)، ولكنا نقول: أحد الوقتين المذكورين ههنا غير متّصل بالآخر، بل بينهما وقت غير مذكور لا يثبت فيه حكم الأمر، فعرفنا أنّه ليس المراد بذكر الوقت الثاني امتداد الأمر الأوّل، فاقتضى ضرورة إيجاب أمر آخر، فأمّا إذا قال وعداً فأحد الوقتين متّصل بالوقت الآخر، فكان ذكر الغد لامتداد حكم الأمر، فلا يثبت به الأمر الآخر إذ لا ضرورة فيه - كذا في «المبسوط» (٤) -، وَالْأَمْرُ بِالْيَدِ يَحْتَمِلُهُ؛ أي: يحتمل التأقيت فلما يوقت الأمر باليوم الأوّل، وانقطع مجيء الغد لم يعد الانقطاع إلا بتحديد الأمر، فاقتضى ذكر ما بعد الغد بسبب العطف على اليوم أمراً آخر، فصار كأنه قال: نايباً أمرك بيدك بعد غد فيكون الأمر في يدها بعد الغد.

стр. 1804

وأمّا الطّلاق فلا يحتمل التّأقيت حتّى ينقطع بمضي اليوم، فبقي الوصف في بعد الغد بطلاق واحد، فلم يقتض واقعًا آخر- كذا في «مبسوط فخر الإسلام» ﵀؛ لأنّها لا تملك ردّ الأمر، كما لا يملك ردّ الإيقاع، معنى هذا الكلام هو أنّه ليس للمرأة أن تردّ الأمر باليد الذي صدر من زوجها، كما ليس لها أن ترد وقوع الطّلاق الذي أوقعه زوجها عليها بقوله: أنت طالق؛ أي: ليس للمرأة أن ترد الأمر باليد الذي صدر من زوجها كما ليس لها أن ترد وقوع الطّلاق الذي أوقعه زوجها عليها بقوله: أنت طالق أي: ليس للمرأة أن تقول لا أقبل الأمر باليد، بعدما قال لها الزّوج: أمرك بيدك، فإن الأمر باليد يثبت لها إذا قال الزّوج: أمرك بيدك من غير قبول منها، كما يثبت إيقاع الطّلاق عليها إذا قال الزّوج لها: أنت طالق من غير قبول منها. فإذا كان كذلك كان الأمر باقياً في الغد كما كان فكان لها أن تختار نفسها غدًا، وذكر الإمام شمس الأئمة السّرخسي ﵀ في «الجامع الصّغير» (١) في هذا الموضع، ولو اختارت زوجها اليوم بأن ردّت الأمر لم يكن لها أن تختار نفسها غدًا، إلا في رواية عن أبي حنيفة (٢) ﵀، ذكره الكرخيّ ﵀ أنّ لها أن تختار نفسها غدًا، وجعل ردها الأمر في اليوم بمنزلة قيامها عن المجلس إذ اشتغالها بعمل آخر، فيكون لها أن تختار نفسها غدًا، وكأنه ذهب إلى أنّها لا تملك ردّ الإيقاع. ألا ترى أنّه لا يتوقت ضرورة الأمر في يدها على قبولها. فكذلك لا يريد بردها - وجه ظاهر الرواية- أنّ الوقت المذكور ههنا بمنزلة المجلس في قوله: أمرك بيدك مطلقاً، وهناك لو اختارت زوجها خرج الأمر عن يدها، وإن بقي المجلس فههنا إذا اختارت زوجها يخرج الأمر من يدها أيضاً؛ وهذا لأنّ لها الخيار بين أن يختار نفسها بإيقاع الطّلاق وبين أن تختار زوجها يرد الأمر، ولو اختارت نفسها طلقت، ولم يبق لها خيار في الغد، فكذلك إذا اختارت زوجها قلنا لا يبقى لها الخيار في الغد. وعن أبي يوسف (٣) ﵀ أنّه إذا قال: أمرك بيدك اليوم، وأمرك بيدك غدًا أنّهما أمان، حتّى إذا اختارت زوجها اليوم ثم جاء الغد صار الأمر في يدها، جعل شمس الأئمة السّرخسي ﵀ (٤) هذه الرواية صحيحة، فقال: وهو صحيح، لِمَا أَنَّهُ ذَكَرَ لِكُلِّ وَقْتٍ خَبَرًا عرفنا أنّه لم يرد اشتراك الوقتين في خبر الواحد، وجعل الإمام قاضي خان ﵀ هذه الرّواية أصل الرواية (٥)، ولم يذكر فيه خلاف أحد، ثم قال: وروى ابن سماعةعن محمّد ﵀: لو قال لها: أمرك بيدك اليوم، كان الأمر بيدها إلى غروب الشّمس، ولو قال: أمرك بيدك في اليوم، فقامت عن مجلسها بطل وهو على ما ذكرنا من الأصل في قوله: (أنت طالق غدًا أنت طالق في غد)، فَيَحْمِلُ الْيَوْمَ الْمَقْرُونَ بِهِ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ، أي: اليوم المقرون بالأمر باليد، ولما لم يعلم بالقدوم حتّى غربت الشّمس، فإنّما علمت بعد انقضاء مدّة الأمر فلا يبقى الأمر في يدها، كما جعل أمرها بيدها غدًا وهي غائبة، كان لها الخيار إذا علمت، قال: طلقت نفسها قبل العلم لم يطلق، في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله- لأنّ أوامر الشّرع لا تلزم بدون العلم فأوامر العباد كان أولى أن لا تثبت كذا ذكره الإمام قاضي خان ﵀.

стр. 1805

فإن قلت: فقد وجد في هذه المسألة فعل ممتد، وهو الأمر باليد وفعل غير ممتد وهو القدوم، فلماذا ترجّحت جهة الفعل الممتد حتى حمل اليوم على بياض النّهار، ولم يرجح جانب الفعل الذي هو غير ممتدّ وهو القدوم، فلماذا ترجحت جهة الفعل الممتد حتى حمل اليوم على بياض النّهار، ولم يرجح جانب الفعل الذي هو غير ممتد حتّى يحمل اليوم على مطلق الوقت؟. قلت: جواب هذا وما يلحق به من الشبهة قد ذكرت في آخر فصل إضافة الطّلاق إلى الزّمان في قوله: ومن قال لامرأته: يوم أتزوّجك فأنت طالق. قوله ﵀: وقد حقّقناه من قبل، إشارةإلى ذلك الموضع أيضاً (وَإِذَا جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا، أَوْ خَيَّرَهَا فَمَكَثَتْ يَوْمًا لَمْ تَقُمْ، فَالْأَمْرُ فِي يَدِهَا مَا لَمْ تَأْخُذْ فِي عَمَلٍ آخَرَ) - دينيا ذلك العمل أو دنيوياً -، فإذا حدث في عمل آخر على وجه يعرف أن ذلك العمل قطع حكم اتخاذ المجلس خرج الأمر من يدها، وسيأتيك بعد هذا بيان أنواع ذلك العمل وأضداده. فإن قلت: في الأمر باليد أحكام متناقضة، فلابدّ من التّوفيق، فإنّه ذكر قبل هذا ولو قال: أمرك بيدك اليوم وغدًا يدخل اللّيل فلا يبطل هناك الأمر باليد في اليومين، وإن قامت عن المجلس (١)؛ لأنّه لو بطل بالقيام عن المجلس لم يكن لتقييده باليومين فائدة لما أن المرأة إذا لم تقم عن مجلس لا يخرج الأمر من يدها فإن بقيت أيامًا وشهورًا. وكذلك إن كانت غائبة، ولم يسمع الأمر باليد بيدها إلى ما وراء المجلس كذا في الذّخيرة (٢). وقال ههنا يبطل بالقيام عن المجلس، ولو قلت: عدم بطلانه في المسألة الأولى باعتبار أن وقته بيومين لا يصح أيضاً، لما أنّ فيه معنى التّمليك أو التّعليق كما ذكر في الكتاب، فكلاهما غير قابل للتّوقيت كالبيع والهبة والطّلاق والعتاق، وذكر في الذّخيرة (٣) أيضاً إذا جعل أمر امرأته بيدها أو بيد أجنبي ثم أنّها ردّت الأمر أو رده الأجنبي لا يبطل الأمر؛ لأنّ هذا تمليك شيء لازم فيقع لازمًا والمسألة مروية عن أصحابنا. وذكر في الكتاب (٤) ولو قال: أمرك بيدك اليوم وغدًا وإن ردت الأمر في يومها لا يبقى الأمر في يدها فكان قابلاً للردّ فلو قلت: إن قبول الردّ فيما ذكر في الكتاب باعتبار أنّه موقت فقد ذكر في المطلق أيضاً، وهو الذي نحن فيه أنّه يريد بالقيام عن المجلس فكان المطلق أيضاً قابلاً للرد.

стр. 1806

وذكر في فصول (١) الاستروشني (٢) إذا جعل الرجل أمر امرأته بيدها ثم طلّقها طلاقاً باينًا خرج الأمر من يدها وذكر في موضع آخر فيها لا يخرج الأمر من يدها، وإن كان الطّلاق باينًا فلابدّ من دفع هذه المناقضات فيه تظهر فقهالمرأ وكثرة مطالعاته وامتداد مراجعاته في تفتيش المعاني بإحياء الليالي ومحى الدعة والتواني. فصل قلت: وبالله التوفيق. اعلم أنّ الأمر باليد فيه مَعْنَى التَّمْلِيكِ ومعنى التّعليق، أمّا التمليك فلما ذكر في الكتاب (٣)؛ لأنّ المالك هو الذي يتصرف لنفسه وهذا كذلك، وأن المرأة عاملة لنفسها ولا يكون نايبة عن الغير. وأمّا التّعليق فإنّ الإيقاع وإن صدر من غير الزّوج؛ إلا أن الوقوع مضاف إلى معنى من قبل الزّوج على وجه يوجد الإيقاع من المرأة أم لا، فصار كأنّه قال لها: إن طلقت نفسك، فأنت طالق، وبناء هذه الأحكام لوجود هذين المعنيين والتّمليك والتّعليق يتنافيان معنى وحكمًا، لما أنّ التّمليك يقتضي التعدد قطعًا، والتّعليق يقتضي التردد، فلذلك يبرأ؛ أي: الأحكام المبنية عليهما متناقضة. لكن الشّأن في التّخريج ثم التّمليك فيه معتبر بتمليك المنافع كالإجارة (٤) والعارية (٥)، لا بتمليك الأعيان كالبيع والهبة، وبهذا خرج الجواب عن المسألة الأولى، فإن الإجارة والعواري قابلة للتّوقيت وإن كانت للتّمليك فكذا هنا. وذكر في «الذّخيرة» (٦): ولا يسقط بالقيام عن المجلس في الأمر الموقت بوقت ولا بشيء آخر؛ لأن في هذا التّفويض معنى التّعليق والتّوقيت يلائم التّعليق فصح التّوقيت من حيث أنه يتضمّن التّعليق، وإذا صحّ التّوقيت في الأمر باليد صار الطّلاق بيدها في هذه المدة التي وقتها، فلو بطل الأمر بعد ذلك بقيامها عن المجلس أو بشيء آخر لم يكن للتأقيت حينئذ فائدة، ولما لم يكن في الأمر المطلق توقيت يراعي وجوده واعتبرنا جانب التمليك، فقلنا بالاقتصار على مجلس العلم، واعتبرنا معنى التعليق، فقلنا ببقاء للإيجاب إلى ما وراء المجلس إذا كانت غائبة عملاً بالدّليلين بقدر الإمكان.

стр. 1807

وأمّا المسألة الثانية فقد ذكر الإمام الاستروشني ﵀ (١) فقال: ولو جعل أمرها بيدهاأو بيد أجنبي ثم أنّها ردت الأمر أورده الأجنبي لا يصح، وقد ذكر قبل هذا أنّه يريد بالردّ ووجه التّوفيق بينهما أنّ الأمر باليد؛ يريد بالردّ عند التفويض، أمّا بعد ذلك فلابدّ بالردّ قال نظير هذا مسألة ذكرها صاحب «المحيط» (٢) في أوّل إقرار فتاواه، وهي رجل أقر بشيء لرجل وصدقة المقرّ له، ثم ردّ إقراره لا يصحّ الرد، وحاصله أنّ الأمر باليد بمنزلة إبراء الدّين من حيث أنّ ثبوته للمرأة لا يتوقف على القبول على ما ذكرت من «الجامع الصّغير» (٣) لشمس الأئمة، ولكن يريد بالردّ عند ابتداء التّفويض كإبراء الدّين، فإنّه كذلك حيث يسقط الدّين من غير قبول المديون، ولكن يريد بالردّ لما فيه من معنى الإسقاط ومعنى التّمليك، أمّا الإسقاط فإن الدّين عبارة عن وصف شرعي في الذّمة يظهر أثره عند المطالبة، فبالإبراء أزال هذا الوصف فكان إسقاطاً كالإعتاق. وأمّا التّمليك فلقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ … تَعْلَمُونَ﴾ (٤) سمى إبراء الدين التصدّق، والتصدّق عبارة عن التّمليك. وأمّا المسألة الثّالثة: وهي أنّ الذي قاله يخرج الأمر من يدها في الطّلاق البائن هو فيما إذا كان الأمر باليد منجزًا خالياً عن الشرط، فإن قال لها: أمرك بيدك، والذي قاله لا يخرج الأمر من يدها في الطّلاق البائن فيما إذا كان الأمر باليد معلّقاً بالشّرط بأن قال: أكر ترابزنم (٥)، أو قال: واكراز تو غايب شوم (٦)، أو ما أشبه ذلك فأمرك بيدك، ثم أنّه خالعها أو طلّقها] طلاقا (٧) بائنًا لا يبطل الأمر حتّى لو تزوّجها ثم ضربها أو غاب عنها، يصير الأمر بيدها سواء تزوّجها في العدّة أو ما بعد ما انقضت العدّة، ولو طلقها ثلاثاً وتزوّجت بزوج آخر، ثم عادت إلى الأوّل، ثم ضربها لا يصير الأمر بيدها، وهي مسألة أن التنجيزبالثلاث يبطل التعليق عندنا، خلافاً لزفر ﵀ كذا في الفصول في الفصل الحادي والعشرين.

стр. 1808

وذكر في «الذّخيرة» (١): ثم الأمر باليد قد يكون مرسلاً، وقد يكون معلقاً، بالشّرط بأن قال: إذا قدم فلان فأمر امرأتي بيدها، أو قال: بيد فلان فإن كان مرسلاً فهو على وجهين: إن كان مطلقاً غير موقت فحكمه ما ذكرنا، أنّ المفوّض إليه إن كان يسمع فالأمر بيده ما دام في ذلك المجلس، وإن لم يسمع أو كان غائباً فإنّما يصير الأمر بيده إذا علم أو بلغه الخبر، فيكون الأمر في يده مادامفي مجلس العلم، والقبول في المجلس ليس بشرط ولكن إذا ردّ المفوّض إليه ذلك يريد برده، وهذا لما ذكرنا أنّ الأمر باليد يتضمّن معنى التّمليك ومعنى التّعليق والقبول في التّعليقات ليس بشرط، فاعتبرنا معنى التعليق فلم يشترط القبول من المفوّض إليه، واعتبرنا معنى التّمليك قلنا يريد بالردّ عملاً بالمعنيين بقدر الإمكان. وأمّا إذا كان ههنا مؤقت بوقت بأن قال: أمر امرأتي بيد زيد اليوم فإن علم المفوّض إليه بالأمر مع بقاء شيء من الوقت فله الخيار في بقيّة الوقت، ولا يبطل بالقيام من المجلس، وإن مضى الوقت قبل علم المفوض إليه بذلك ينتهي الأمر؛ لأنّه خصّ التّفويض بزمان فلا يبقى بعد مضي ذلك الزّمان وأمّا إذا كان الأمر معلّقاً بالشّرط، فإنّما يصير الأمر في يد المفوّض إليه إذا جاء الشّرط. وإذا جاء الشّرط فإن كان الأمر مطلقاً غير مؤقت بوقت صار الأمر في يده في مجلس علمه، والقبول في ذلك المجلس ليس بشرط لكن يريد بالردّ، وإن كان مؤقتاً فعلم المفوض إليه بالأمر، مع بقاء شيء من الوقت والأمر في يده ما دام ذلك الوقت باقياً، وإذا مضى الوقت قبل العلم ينتهي الأمر، كما إذا قال إذا قدم زيد وأمرك بيدك يومًا، ثمّ المرأة التي كان الأمر في يدها لو قالت: طلاق افكندم تطلق نوت الطّلاق أم، ولو قالت: أمرا فكندم تطلق إن نوت الطّلاق؛ لأنّ هذا اللّفظ في العرف معيّن لإيقاع الطّلاق. قوله ﵀: (مَا لَمْ تَأْخُذْ فِي عَمَلٍ آخَرَ)، يراد به عمل يعرف أنّه قطع لما كان فيه، لا مطلق العمل، حتى لو لبست ثيابها من غير قيام أو أكلت أو شربت أو قرأت قليلا من القرآن أو ما أشبه ذلك، ما هو من عمل الفرقة كانت هي على خيارها، وهذا الذي ذكرته كما يكون في قوله: أمرك بيدك، كذلك يكون في قوله لامرأته، اختاري نفسك وفي قوله طلّقي نفسك. وفي قوله: (أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْتِ) وفي قوله لأجنبي: أمر امرأتي بيدكأو قال له: طلقها إذا شئت أو إن شئت أو أمر امرأتي بيدك في أن يخلعها، وكذا في قوله: اعتق عبدي إذا شئت، بخلاف الوكيل بالبيع إذا قيل له: بعه إن شئت، حيث لا يقتصر على المجلس؛ لأنّ البيع لا يحتمل التّعليق فلم يتقيّد بالمجلس.

стр. 1809

بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهَا: طَلِّقِي ضَرَّتَك لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌوإنابة، ولهذا يملك الرجوع عنه كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (١). وفي «فتاوى أهل سمرقند»: أمر امرأتي بيدها، فقالت المرأة: أعطني كذا إن طلقتني، فقال الزّوج: لا أدري ما هذا؟ فقالت المرأة: إن جعلت أمري بيدي فقد طلقت نفسي، لا تطلق؛ لأنّها تكلمت بكلام زائد، وهو قوله: أعطني كذا إن طلقتني، وقولها: إن جعلت أمري بيدي فقد قطعت المجلس. ومنها أيضاً: رجل قال لامرأته: أمر ثلاث تطليقاتك بيدك، فقالت له: لم لا تطلقني بلسانك، فقالت: طلقت نفسي طلقت؛ لأنّ قولها لم لا تطلّقني بلسانك ليس برد التمليك وكان لها أن تطلق نفسها بعد ذلك، وفيه نوع نظر؛ لأنّه يتبدّل به المجلس من حيث أنّه كلام زائد كذا في «المحيط» (٢) و «الذّخيرة» (٣). والأوّل أصحّ احتراز عن الرواية الأخرى (أَنَّهَا إذَا كَانَتْ قَاعِدَةً فَاتَّكَأَتْ) ففيه روايتان، والصّحيح أنّه لا يبطل خيارها؛ لأن مستجمع الرأي ببكاء مرّة ويقعد أخرى، وإن شتمت أو قرأت شيئاً قليلاً لم يبطل خيارها؛ لأنّه قد يفعل ذلك للاستخارة إلا إذا طال - كذا في «الإيضاح» - ودليل قوله وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ أيضاً، هو أن من حرية إصابة أمر قد يستند للتفكر لما أن الاستناد سبب للرّاحة، كالقعود في حق القائم، ولأنّ الاتكاء نوع جلسه فلا يعتبر به ما هو الثابت للجالس. وفي «المبسوط»: وَإِنْ خَيَّرَهَا وَهِيَ فِي صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأَتَمَّتْ صَلَاتَهَا لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهَا؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ عَنْ قَطْعِ الصَّلَاةِ قَبْلَ إتْمَامِهَا، فَلَا تَتَمَكَّنُ مِنْ الِاخْتِيَارِ مَا لَمْ تَفْرُغْ، دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ بِتَرْكِ الِاخْتِيَارِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ وَالْوَتْرُ فِي هَذَا كَالْمَكْتُوبَةِ؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ قَطْعِهَا قَبْلَ تَمَامٍ فَأَمَّا فِي التَّطَوُّعِ إذَا كَانَتْ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ فَأَتَمَّتْ ذَلِكَ الشَّفْعَ لَا يَبْطُلُ خِيَارُهَا؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ إبْطَالِ الْعَمَلِ وَالرَّكْعَةُ الْوَاحِدَةُ لَا تَكُونُ صَلَاةً مُعْتَبَرَةً، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَاَللَّهِ مَا أَجَزْت رَكْعَةً قَطُّ وَإِنْ تَحَوَّلَتْ إلَى الشَّفْعِ الثَّانِي بَطَلَ خِيَارُهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْ التَّطَوُّعِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ فَاشْتِغَالُهَا بِالشَّفْعِ الثَّانِي دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ افْتَتَحَتْ الصَّلَاةَ بَعْدَ مَا خَيَّرَهَا الزَّوْجُ، وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ إذَا كَانَتْ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ حِينَ خَيَّرَهَا فَأَتَمَّتْ أَرْبَعًا لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَ تُؤَدَّى بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ عَادَةً (٤).

стр. 1810

(وَالسَّفِينَةُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْتِ)؛ يريد بهذا أنّ السفينة ما سارت لا يبطل خيارها، بخلاف الدّابة إذا سارت حيث يبطل الخيار، لما أنّ السّفينة لا يجريها راكبها بل هي تجري به، قال الله تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ (١)، وسير الدّابة مضاف إلى راكبها فكان ذلك كمشيها في حكم تبدل المجلس إلا أن تكون الدّابة واقعة أو تكون سايرة اختارت نفسها متّصلاً بتخيير الزّوج من غير سكوت بين الكلامينفحينئذ يصح اختيارها؛ لأنّ دليل الاعتراض إنّما يتحقق بسكوتها بعد تخيير الزّوج ولم يوجد وكذلك إن كان معها على تلك الدّابة أو كان في محل واحد وهكذا الجواب في البيع إن اتصل قبول المشتري بإيجاب البايع من غير سكتة بينهما في هذا الفصل ينعقد البيع وإلا فلا كذا في «المبسوط» (٢) والله أعلم بالصّواب. فصل في المشيئة وقد تقدم ذكر وجه المناسبة، وقد أراد الزّوج ذلك وقعن عليها، وقد أشبعنا الفرق بين هذا وبين قول الزّوج طلقت، ونوى الثّلاث حيث لا يصحّ نية الثّلاث هناك، وصحت ههنا في أوائل باب إيقاع الطّلاق، فقالت: (أَبَنْت نَفْسِي طَلَقْت)، أي: طلقت طلاقاً رجعياً، وكذا لو قالت: أنا باين أوحرام أوبرية - كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (٣) - فيلقوا الوصف الزائدوهو الإبانة، ويثبت الأصل وهو نفس الطّلاق. فإن قلت: يشكل على هذا اذا قال الزّوج لها طلقي نفسك نصف تطليقه، فطلقت نفسها تطليقه لم تقع، وكذا لو أمرها بثلاث فطلقت نفسها ألفاً لا يقع، والمسألتان في «الجامع الصّغير» (٤) للإمام التمرتاشي، مع أنها أتت بالأصل والزايد، فيجب على ما ذكر في الكتاب أن يثبت الأصل ويلغوا الزايد. قلت: ما ذكر في الكتابمن الزائد وهو وصف وهو الإبانة، فيصحّ أن يلغي الوصف لانحطاط درجته، فكان في الإتيان بالأصل موافقة للزّوج فتطلق، أما ههنا ففي المسألة الأولى النّصف الثّاني أصل كالنّصف الآخر، فلم يثبت التبعية، فكانت هي بالإتيان بالواحدة مغيرة للفظ لا موافقة فلا يصحّ جواباً فيلغوا، ولأنّ الزّوج ملكها نصف الطّلاق الذي يقع سارياً فإذا أوقعت الواحدة لا تكون آتية بما فوّض إليها فلا تقع.

стр. 1811

وفي المسألة الثّانية: المرأة ليست بمالكة للطّلاق، وإنما تملك ما ملكت من الطّلاق بقدر التّفويض والأمر؛ فإذا خالفت لم يصح إيجاب الألف جملة، فلم يثبت ما في ضمنه من الثّلاث. بخلاف الرجل إذا طلق امرأته ألفاً فإنّ الثّلاث تقع؛ لأنّ الرجل يتكلم بالطّلاق عن ملك لا عن أمر، فهو بمالكيته ما يشاء من العدد، إلا أنّه لا ينفذ إلا بقدر المحل فإن المحل شرط النّفاذ لا شرط الإيجاب، وإذا كان كذلك صح إيجاب الألف في نفسها فثبتت ما في ضمنها من الثّلاث، ويعد بقدر المحل - إلى هذا أشار صاحب «الأسرار» والإمام التمرتاشيرحمه الله- (١). قوله: وَيَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، هذا شرح، لا طلاق، جواب محمّد ﵀ وهو قوله: طلقت، فإن محمدًا ﵀ لم يتعرض لوصف الإبانة فكان رجعياً نظراً إلى الطّلاق وهو المتيقن (٢). قوله: بِخِلَافِ الِاخْتِيَارِ، متعلّق بقوله: لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ؛ إلى آخره. ولأنّ الكتابة (٣) إذا صلحت صفة للصّريح يصير الصّريح عند ذكر الكتابة في مضمون الكلام فيصحّ جواباً؛ لأنّ الجواب تارة يكون صريحًا وتارة يكون ضمنًا، وفيما نحن فيه البينونة تصلح صفة للصّريح؛ لأنّ الصّريح يصير باينًا بانقضاء العدة، وكذلك إذا لم يكن مدخولاً بها بخلاف الاختيار؛ لأنّ الطّلاق لا يصير اختياراً قط، فلم يصلح جواباً، فكان هذا منها إعراضاً، فلا يقع شيء، وخرج الأمر من يدها، لاشتغالها بما لا يعنيها -كذا في «الفوائد الظهيرية» (٤) -، وإن قال لها: طلقي نفسك، فليس له أن يرجع عنه؛ لأن فيه معنى اليمين إلى قوله، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهَا: طَلِّقِي ضَرَّتَك لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ.

стр. 1812

فإن قلت: من أين اختصّ جهة اليمين في الأمر بطلاق نفسها دون غيرها، وكذلك أمره غيره بأن يطلق امرأته توكيل لا يمين، حتّى صحّ الرجوع عنه، ومن أين اختصّ جهة التّمليك في الأوّل وجهة التّوكيل في الثّاني؟. قلت: لما اختصّ أمر الزّوج لامرأته بطلاق نفسها بالتّمليك للمعنى الذي ذكر، أنّها تصرف لنفسها لا لغيرها، وكان ذلك التّمليك مثبوتًا بالتّعليق؛ لأن فيه تعليق وقوع الطّلاق بتطليقها كان يمينًا؛ لأنّ كلّ تعليق يوجد من الزّوج في الطّلاق هو يمين (١)؛ لأنّ الطّلاق ممّا يُحلف به فكان يمينًا، واليمين لا يقبل الرجوع بإجماع الأمة؛ لأنّ الأيمان تعقد للزجر عن الأفعال أو للحمل على الأفعال على وجه التّأكيد. ولو قبلت الرجوع ما أفادت فائدتها، فلما كان فيه معنى اليمين والتّمليك قلنا: باللّزوم لمعنى اليمين وبالاقتصار على المجلس لمعنى التمليك، فلذلك لم يمكن الرجوع للزّوج عمّا أمر لامرأته بطلاق نفسها، وذكر الإمام قاضي خان ﵀ أنّ قوله: طلق امرأتي أو طلّقي ضرّتك توكيل؛ لأنّ التوكيل من يعمل لغيره والأجنبي يعمل لغيره، وأمّا المرأة في قول الزّوج لها طلّقي نفسك فبالطّلاق يعمل لنفسها، والتّوكيل لا يقتصر على المجلس؛ لأنّه لو اقتصر على المجلس ربما لا يقدر على الفعل في المجلس، فلا يحصل العرض ويملك الرّجوع عنه؛ لأنّه يعمل للموكّل وفي لحوق المنة ضرّر به فكان له أن يرجع، أمّا قوله: طلقي نفسك تمليك وأنّه تقتصر على المجلس لما قلنا من إجماع الصّحابة ﵃ في خيار المخبرة، ولأنّ قوله طلّقي نفسك مشتمل على التمليك والتّعليق (٢). أمّا التّمليك فلما قلنا، وأمّا التّعليق فلأنّ وقوع الطلاق معلق بقبول المرأة، فإن اعتبرناه تعليقاً كان لازمًا؛ لأنّ تعليق الطّلاق لازم، وإن نظرنا إلى التمليك يكون لازمًا أيضاً فيكون لازمًا على كلّ حال، أمّا قوله لأجنبي طلّق امرأتي يشتمل على التّوكيل والتّعليق، وأنّ التّعليق وإن كان يقتضي اللزوم، فالتوكيل لا يقتضي اللّزوم بل يمنع فلا يثبت اللزوم؛ لأنّ اللزوم لم يكن ثابتًا.

стр. 1813

قوله: (١) والمالك هو الذي يتصرف عن مشيئته واختيار له، وأمّا غير المالك فيطلب منه التّصرف حتمًا، فإذا ذكر المشيئة على وجه الشّرط فيما يحتمل التّعليق يصح ذكر المشيئة، ويصير لازمًا بخلاف التّوكيل بالبيع؛ لأنّه ذكر المشيئة على وجه الشّرط والبيع لا يحتمل التّعليق بالشّرط، فلا يصحّ ذكر المشيئة، وبدون المشيئة لا يصير لازمًا، كذا ذكره الإمام قاضي خان. فإن قيل: هذا توكيل للبيع لا البيع نفسه والتّوكيل به قابل للتّعليق. قلنا: اعتبر التوكيل بالبيع بأصل البيع، ثم قوله: والمالك هو الذي يتصرف عن مشيئته. فإن قيل: لو قال لأجنبي: طلّق امرأتي، كان الوكيل منصرفاً أيضاً عن مشيئة واختيار، فلمَ لا يكون تمليكًا على التّفسير الذي قال؟ قلنا: إنّما نشأذلك الاختيار والمشيئة من عدم نفاذ إلزام الأمر عليه، لعدم الولاية لا من الصيغة، فإنّ الصيغة ملزمة إذا صدرت من ذي ولاية، ولمّا قال للأجنبي: إن شئت، ثبتت فالمشيئة جاءت من الصيغة صريحًا، وأثبتت خاصية المالكية مكان هذا الكلام للتّمليك لا للإلزام. ألا ترى أنّ الله تعالى لو قال: اعملوا كذا إن شئتم، لم يكن إلزاماً، فكان تمليكًا بخلاف المشيئة الثّابتة للوكيل في ضمن عدم نفاذ ولاية إلزام الأمر، وكلامنا في المالكية المستفادة من الصيغ، وذكر في «المبسوط»، وإذا قال لغيره: طلّق امرأتي، فهو رسول معناه أنّ الوكيل في الطّلاق والرسول (٢) سواء؛ لأنّه سفير، ومعبّر والرسالة (٣) لا يختصّ بالمجلس، فكان له أن يطلّقها بعد المجلس (٤)، (وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: طَلِّقْهَا إنْ شِئْت)، كان ذلك على المجلس عندنا حتّى لا يملك الإيقاع بعد قيامه عن المجلس، لأنّا نقول بآخر كلامه، فتبيّن أنّ مراده تمليك أمرها منها لا الرسالة، وجواب التّمليك مقتصر على المجلس، كما لو خاطبها به، وحاصل هذا أنّ في حقّها لا يتحقّق الرسالة، فإنها لا تكون رسولاً إلى نفسها، فيكون تمليكًا، سواء قال لها: طلّقي نفسك بدون ذكر المشيئة، أو قال: إن شئت، وفي حق الأجنبي يتحقّق الرسالة والتّمليك جميعًا، فإذا قال: طلّق، كان رسالة، وإذا قال: إن شئت، كان تمليكًا لأمرها منه، وعلى هذا يقول إذا قال: له (طلّقها)، له أن يعزله قبل الإيقاع، (وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: طَلِّقْهَا إنْ شِئْت)، لم يكن له أن يعزله، كما لو ملك الأمر منها، ومالا يقع واحدة؛ لأنّها أتت بما ملكته، وزيادة بجرزيادة، وهذا لأنّ الواحديّة موجودة في الثلاث، فصار هو كما قالت: طلّقت نفسي واحدة وواحدة وواحدة.

стр. 1814

وكما لو قال لها: (طَلِّقِي نَفْسَك) فطلقت نفسها وضرّتها، أو قال لعبده اعتق نفسك فأعتق نفسه وصاحبه. ألا ترى أنّه إذا قال لها: (طلّقي نفسك، فقالت: أَبَنْت نَفْسِي)، يقع عليها تطليقة رجعيّة وبما زادت من صفة البينونة لا ينعدم الموافقة في أصل الطّلاق، فكذلك إذا أوقعت الثّلاث؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الثَّلَاثِ الْبَيْنُونَةُ الْغَلِيظَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: أَتَتْ بِغَيْرِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا، فَكَانَتْ مُبْتَدِئَةً فَيَتَوَقَّفُ إيقَاعُهَا عَلَى إجَازَةِ الزَّوْجِ، كما لو قال لها: طلّقي نفسك، فطلقت ضرّتها (١). وبيان الوصف أنّ الثّلاث غير الواحدة، لأنّ الواحدة أصل العدد لا تركيب فيها، والثنتان والثّلاث اسم لعدد مركّب فكانت المغايرة بينهما على] سبيل (٢) المضادة، بخلاف ما لو قالت: وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً؛ لأنّها بالكلام الأوّل يكون ممتثلة لما فوّض إليها، وفي الكلام الثّاني والثّالث مبتدئة، وكذلك إذا وقعت على نفسها وضرّتها. فإن قيل: فكذلك ههنا بقولها: طلقت نفسي، تكون ممتثلة لو اقتصرت عليه، وإنّما تكون مبتدئة في قولها ثلاثاً، فيلغي هذه الزيادة. قلنا: مَتَى قُرِنَ بِالْعَدَدِ كَانَ الْوُقُوعُ بِذِكْرِ الْعَدَدِ؛، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا تَطْلُقُ ثَلَاثًا، وكذا لو ماتت قبل قوله ثلاثاً لا يقع الطّلاق، فإذا كانت مبتدئة في كلمة الإيقاع، لم يقع عليها شيء بدون إجازته، وبه فارق صفة البينونة؛ لأنّ قَوْلِهَا أَبَنْت نَفْسِي أي طلقت نفسي تطليقة بائنة، وأصل الطّلاق إنّما يقع بقولها طلقت نفسي لما يذكر صفة البينونة، وهي في ذلك ممتثلة أمره، وهذا بخلاف ما لو قال: لها طلّقي نفسك ثلاثاً، فطلّقت نفسها واحدة، لأنّ الثّلاث غير واحدة. ولكن من ضَرُورَةِ صَيْرُورَةِ الْأَمْرِ في يدها في الثّلاث، وقوع الواحدة بإيقاعها، فإنّها بعض ما صار مملوكًا لها، فإنّما ينفذ باعتبار أنّها تصرفت فيما ملكت، وههنا إنّما صارت الواحدة في يدها، وليس من ضرورة صيرورة] الواحدة في يدها صيرورة (٣) الثّلاث في يدها، فهي في إيقاع الثلاثة غير متصرّفة فيما يملك ولا ممتثلة أمره - كذا في «المبسوط» (٤) -، ولأبي حنيفة: أنها أتت بغير ما فوض إليها، فكانت مبتدئة فحينئذ يتوقف ما أتت به على إجازة الزّوج.

стр. 1815

فإن قلت: قد ذكرت من «المبسوط» في أوّل فصل الأمر باليد: أنّ الزّوج إذا قال: لامرأته أمرك بيدك ونوى الواحدة، والمرأة طلقت نفسها ثلاثاً تقع واحدة (١) عندنا - خلافاً لابن أبي ليلى- فعلى ما ذكر ههنا ينبغي أن لا يقع شيء؛ لأنّها أتت بغير ما فوّض إليها؛ لأنّ الثّلاث غير الواحدة على ما ذكر. قلت: الجواب ما مرّ هناك أيضاً، وهو: أنّ التّفويض لم يتعرّض هناك بشيء فقد يكون خاصاً وقد يكون عامًّا، فإذا نوى الواحدة فقدقصد تفويضاًخاصًا، وهو غير مخالف للظّاهر، فلما وقعت هي ثلاثاً فقد أوقعته فيما هو أصل التّفويض، وهو لا يكون أقلّ من الواحدة فيقع الواحدة والثلاث غير الواحدة. فإن قلت: أين ذهب قولنا أنّ الواحد لا عين العشرة ولا غيرها؟ فكذلك الواحدة مع الثّلاث لا عين الثّلاث ولا غيرها، فلو لم يقع ما أوقعته من حيث أنّها لا عينها فيقع من حيث أنّها لا غيرها، لكونها موافقة له في ذلك من ذلك الوجه. قلت: المغايرة بين أسماء الأعداد أصلها ونفسها ثابتة فوق ثبوتها بين ألفاظ العموم والخصوص، حتّى جرى المجاز والاستعارة في ألفاظ العموم والخصوص، بأن يذكر العام ويراد به الخاص، كما في قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (٢) أو يذكر العام ويراد به بعضه كما في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) ولم يجز ذلك فيما بين أسماء الأعداد، لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز، لما أنّ ذلك بمنزلة أسماء الأعلام لمسمياتها حتّى أثر وصف العلمية في منع الصرف، فإنّه لو اقترن بها سبب آخر يمتنع الصّرف، فقالوا: ستة ضعف ثلاثة بدون التنوين، فلم يجز أن يذكر زيد ويراد به عمرو لا حقيقة ولا مجازاً، فكذلك لا يجوز أن يذكر عدد معلوم ويراد ما فوقه أو ما تحته، فعلم بهذا أنّ المغايرة بينهما ثابتة من كل وجه. وأمّا قولنا: لا غيرها فباعتبار عدم تصوّر الأكثر منها بدون الأقلّ منه لا غير، وهو لا يقدح ثبوت المغايرة بينهما؛ لأنّه يجوز أن يكون لأحد المتغايرين أوصاف فلمشاركته للآخر في وصف من الأوصاف لا تثبت العينية، فلما كانت الثلاث مغايرة للواحدة كان الآتي بالثّلاث مخالفاً للأمر بالواحدة لا محالة، ولأنّ قولنا ذلك في العشرة الموجودة. وأمّا الثّلاث ههنا فمعدوم والواحد الموجود عبر الثّلاث المعدوم لا محالة، وهي بإيقاع الواحدة ما شاءت الثّلاث، فلم يوجد الشّرط، وأمّا لو قال: لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ شِئْت، فَقَالَتْ: قَدْ شِئْت واحدة وواحدة وواحدة، وقع عليها ثلاث تطليقات دخل بها أو لم يدخل؛ لأنّ تمام الشّرط بآخر كلامها، فما لم يتم الشّرط لم ينزل الجزاء، ولهذا وقع الثّلاث عند تمام الشّرط جملة، ولو قالت: قد شئت واحدة فسكتت، ثم قالت: قد شئت واحدة وواحدة، لم يقع عليها شيء؛ لأنّ كلامها يفرق بسكوتها، وهي في الكلام الأوّل شاءت غير ما جعله الزّوج شرطًا؛ لأنّ الشّرط مشيئتها الثّلاث، وَقَدْ شَاءَتْ الْوَاحِدَةَ وَاشْتِغَالُهَا بِمَشِيئَةٍ أُخْرَى يَكُونُ رَدًّا لِلْمَشِيئَةِ التي جعلها الزّوج شرطًا، فكان هذا بمنزلة قولها: لا أشاء، ولو قالت ذلك، لم يكن لها مشيئة بعد ذلك، فكذلك ههنا - كذا في «المبسوط» (٤) -، وهي بإيقاع الواحدة ما شاءت الثّلاث فلم يوجد الشرط فلذلك لم يقع شيء.

стр. 1816

فإن قلت: ما وجه الفرق بين هذه المسألة، وبين قوله لها: طلّقي نفسك ثلاثاً، فطلقت واحدة يقع واحدة والصورة واحدة، ثمّ في تلك المسألة جعلها مالكة لإيقاع الواحدة، حتّى جعل إيقاعها الواحدة إيقاعاً لها وهنا لم يجعلها مالكة لإيقاع الواحدة، حتّى لم يقع شيء بإيقاعها الواحدة؟. قلت: جعل ههنا أيضاً مالكة لإيقاع الواحدة إذا ملك إيقاع الثّلاث ملك لاجزاء الثّلاث، وإنّما لم تقع الواحدة عند إيقاع الواحدة لعدم وجود الشّرط؛ لأنّ الشّرط لوقوع الطّلاق مشيئة الثّلاث فبوجود مشيئة الواحدة لم يوجد مشيئته الثّلاث ولم يقع الواحدة أيضاً؛ لأنّ المشروط لا يتوزع على أجزاء الشّرط. ألا ترى أن الرجل إذا قال لامرأته: إن دخلت هذه الدّار وهذه الدّار [وهذه الدار] (١) فأنت طالق ثلاثاً، فدخلت إحدى هذه الأَدْؤُرٌ الثّلاث لا تقع الواحدة فكذا هنا. وأمّا في تلك المسألة فليس فيه شرطًا، فلما ملكت الثّلاث ملكت إيقاع الواحدة فوقعت الواحدة بإيقاعها، فخرج الأمر من يدها كما لو علقت لمشيئة رجل آخر، ولا يقع الثّلاث بقوله: شئت. فإن قيل: كان ينبغي أن يقع بقول الزّوج شئت؛ لأنّه يملك إيقاع الطّلاق بهذا اللّفظ، قلنا: إنما يملك الإيقاع بمشيئة الطّلاق وهو بهذا اللّفظ شاء مشيئتها؛ لأنّه قصد جوابها حتّى لو قال: شئت الطّلاق يقع إذا نوى كذا في «المبسوط» (٢). قوله ﵀: حَتَّى لَوْ قَالَ: شِئْت طَلَاقَك يَقَعُ إذَا نَوَى، سواء ذكر هذا اللّفظ، وهو قوله: شِئْت طَلَاقَك، بمقابلة جوابها، أو ذكره ابتداء يقع الطّلاق. بخلاف قوله: شئت من غير ذكر الطّلاق، إذاً المشيئة تنبئ عن الوجود، فصار كأنّه قال أوقعت طلاقك؛ وهذا لأنّ المشيئة في الأصل مأخوذة من الشيء، والشيء اسم للموجود فكان قوله: شئت بمنزلة قوله: أوجدت، وإيجاد الطّلاق بإيقاعه. بخلاف الإرادة، فإنّها في اللغة عبارة عن الطّلب، قال النبي ﵇: «الْحُمَّى رَائِدُ الْمَوْتِ» (٣)، أَيْ طَالِبُهُ وَفِي الْمَثَلِ السَّائِرِ: أَهْلَهُيْ طَالِبُ الْكَلَأِ أَوْ الْغَيْثِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الطَّلَبِ الْوُجُودُ، وروي عن أبي حنيفة ﵀ ما يدل على التفرقة بين المشيئة والإرادة، استدلالاً بهذه المسألة، ويجوز أن يكون بينهما تفرقة بالنّسبة إلى العباد وتسويةبالنّسبة إلى الله تعالى؛ لأن ما شاء الله يوجد لا محالة، وكذا ما يطلبه بخلاف العباد -كذا في «الفوائد الظهيرية» (٤) -، ثمّ مع هذا إنّما يشترط النيّة في قوله: سبب طلاقك مع ذكر الطّلاق فإنّه قد يقصد: وجوده وقوعًا وقد يقصد وجوده ملكًا، فلابدّ من النيّة لتعيّن جهة الوجود ووقوعًا، وذكر في «المحيط»، وإذا قال لها: شئت طلاقك ذكر شيخ الإسلام ﵀ في شرحه أنّه يقع الطّلاق ولم يشترط نية الإيقاع (٥).

стр. 1817

وفي «المبسوط» رجل قال لامرأته شائي الطلاق، ينوي به الطلاق، فقالت: قد شئت، فهي طالق، وإن لم يكن له نية فليست بطالق، لما بيّنا أن مشيئتها من عمل فلها كاختيارها فهذا بمنزلة قوله: اختاري الطّلاق، فقالت: قد اخترت، وهناك إن نوى الزّوج الإيقاع يقع، فكذلك في المشيئة، فإن قَالَ: أَحِبِّي الطَّلَاقَ أَوْ أَرِيدِي الطَّلَاقَ أو أهوي الطّلاق، فقالت: قد فعلت كان باطلاً، وإن نوى به الطّلاق؛ لأنّ الإرادة والمحبة والهوى من العباد نوع ثمن، فكأنه قال: تمني الطّلاق فقالت: تمنيت لا يقع؛ وهذا لأنّ المشيئة في صفات المخلوقين ألزم في اللّغة من الإرادة والهوى والمحبة، ألا ترى أنّ المشيئة، لا تذكر مضافة إلى غير العقلاء، وقد تذكر الإرادة قال الله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ (١) وليس إلى الجدار من الإرادة شيء؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِشَرْطٍ كَائِنٍ تَنْجِيزٌ؛ أي: بشرط ثابت موجود كما إذا قال: امرأتي طالق إن كان زيد في الدّار والحال أنّه في الدّار يقع الطّلاق (٢). فإن قيل: لو كان التّعليق بشرط كان تنجيزًا لكان تنجيزًا، فيما إذا قال الرجل هو يهودي إن كنت فعلت كذا أمس وهو يعلم أنّه كان قد فعله، ولو كان تنجيزًا لوجب تكفيره ولم يجب. قلنا: قال شيخ الإسلام خواهر زاده (٣) ﵀: اختلف المشايخ في هذه المسألة فتمنع، وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ نَقُولُ: هَذِهِ الْأَلْفَاظُ صَارَتْ كِنَايَةً عَنْ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى إذَا حَصَلَ التَّعْلِيقُ بِهَا بِفِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ (٤)، فكذا إذا حصل التّعليق بفعل في الماضي تحامياً عن تكفير المسلم، ولا تطلق نفسها إلا واحدة؛ لأنّها تعم الأزمان دون الأفعال، بخلاف كلمه كلها فإن فيها تستوفي الطلاقات الثلاث مرّة بعد أخرى؛ فإنّها تعم الأفعال بالتّكرار على ما يجيء، لكن الأمر صار في يدها، فلا يخرج بالشّك، يعني: لو نظرنا إلى كونه للشّرط يخرج الأمر من يدها بالقيام عن المجلس، ولو نظرنا إلى كونه للوقت لا يخرج، والأمر كان في يدها فلا يخرج بالشك.

стр. 1818

فإن قيل: وجب أن يحمل على الشّرط في هذه الصّورة تصحيحًا للردّ. قلنا: إنّما يحمل على الشّرط إذا كان الردّ صادراً ممن كان التّعليق صادراً منه؛ وهذا لأنّ إرادة الشّرط تختص بمن كان التّعليق مختصًّا به دون من كان الردّ مختصاً به، فلذلك لم يحمل على الشرط تصحيحًا للرد كذا في «الفوائد الظهيرية» (١). (حتّى لو عادت إليه بعد زوج آخر، فطلقت نفسها لم يقع شيء)؛ لأنّه ملك مستحدث، أما لو شاءت مرة فطلقت، وانقضت عدتها، ثم تزوجت بآخر ودخل بها، ثم عادت إليه عادت بثلاث مشيئات، وعند محمّد ﵀ بمشيئتين، فلو لم تشاء شيئاً وردت المشيئة بطل ردها، ولها أن تشاء لتجرّد المشيئة، كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ)؛ لأنّها توجب عموم الانفراد دون الاجتماع، ثم لو شاءت الثّلاث جملة، فعند أبي حنيفة ﵀ (٢)، لا يقع شيء، وعندهما تقع واحدة والطّلاق لا تعلّق له بالمكان فيلغوا (٣). فإن قيل: إذا لغا ذكر المكان، بقي قوله: أنت طالق ست، فينبغي أن يقع، فلا يبطل بالقيام عن المجلس، يدل عليه ما لو قال لها: أنت طالق إندخلت الدّار يقع السّاعة، والمسألة في التّجريد (٤). قلنا: حيث وأين يفيدان ضربًا من التأخير أيضاً، فيشتركان في تحقيق معنى التّأخير، فيجعلان مجازاً عن حرف الشّرط، فلهذا لا يقع. فإن قيل إذا جعلا مجازاً عن حرف الشّرط لماذا يبطل بالقيام عن المجلس؟، وإنّما يبطل بالقيام عن المجلس إذا جعلا مجازاً عن حرف أن، وأمّا إذا جعلا مجازاً عن كلمه إذا أو متى فلا يبطل بالقيام، فلم كان جعلهما مجازاً عن أن أولى من جعلهما مجازاً عن إذا ومتى؟ قلنا: جعلهما مجازاً عن أن أولى لما أنّها لمحض الشّرطيّة، فكانت هي أصلاً في الباب، فكان جعلهما مجازاً عمّا هو أصل في ذلك المعنى الذي هو مجوز المجاز أولى -كذا في «الفوائد الظهيرية» (٥) -؛ لِأَنَّ لَهُ تَعَلُّقًا بِهِ، أي: بالزّمان؛ لأنّ الطلاق لو وقع يقع في زمان دون زمان، وأمّا إذا وقع في مكان كان واقعًا في جميع الأمكنة، فلا يكون له تعلّق بالمكان؛ لأنّه لا فائدة في تعلّقه بالمكان لعدم اختصاصه بالمكان، والتّعليق بالشّيء لبيان الاختصاص به، كما في الأفعال، وكما في الأزمنة فوجب اعْتِبَارُ الزَّمَانِ خُصُوصًا، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا أَوْ عُمُومًا، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْت، أما إذا أرادت ثلاثاً والزّوج واحدة باينة أو على القلب تقع واحدة رجعيّة، وحاصل ذلك أن عند اتفاق إرادتهما يكون ذلك وعند اختلافهما ثبت ما اقتضاه قوله: أنت طالق، وفي مقتضى قوله: أنت طالق الواحدة الرّجعيّة سواء نوى به الزّوج الثّلاث أو الباين أو غيرهما، فكذا هنا وشرح ذلك في «المبسوط»، وقال: وإن قال: أنت طالق كيف شئت، فهي طالق تطليقة في قول أبي حنيفة ﵀ (٦)، ولا مشيئة لها إن لم يكن دخل بها، وإن كان قد دخل بها وقعت تطليقة رجعيّة، والمشيئة إليها في المجلس بعد ذلك، فإن شاءت الثّانية وقد نوى الزّوج ذلك كان بائنًا، وإن شاءت ثلاثاً، وقد نوى الزّوج] ذلك كان طالقاً ثلاثاً، وإن شاءت واحدة بائنة وقد نوى الزّوج (٧) ثلاثاً فهي واحدة رجعيّة وإن شاءت ثلاثاً، وقد نوى الزّوج واحدة بائنة، فهي واحدة رجعيّة وعند أبي يوسف ومحمّد ﵀ (٨) لا يقع شيء ما لم تشأ، فالتّفريع كما قال أبو حنيفة ﵀، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ كَيْف شِئْت عَتَقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا مَشِيئَةَ لَهُ، وَلَا يَعْتِقُ عِنْدَهُمَ ما لم يشأ (٩) وحاصل الاختلاف راجع إلى أنّ أصل الطّلاق هل يتعلّق لمشيتها أم لا؟ عنده لا يتعلّق، وعندهما يتعلّق بها أصل الطّلاق بأوصافه، وثمرة الاختلاف يظهر فيما إذا قامت عن مجلسها، قيل: المشيئة عند أبي حنيفة ﵀ يقع واحدة رجعيّة، وعندهما لا يقع شيء، قال العبد الضّعيف: قال في الأصل: هذا قول أبي حنيفة ﵀ وعندهما لا يقع، وإنّما قال هذا؛ لأنّ ما أورده في هذا الفصل هو مسائل «الجامع الصّغير» (١٠) وليس في أصل رواية «الجامع الصّغير» ذكر قولهما (١١).

стр. 1819

وإنّما ذكر الرّواية على قول أبي حنيفة ﵀ لا غير -كذا في كشف الغوامض (١) -، فذكره ليبين أنّ ما ذكره في «الجامع الصّغير» (٢) قول أبي حنيفة لا قولهما، بدليل ما ذكر في الأصل، هما يقولان: الزّوج تكلم بالطّلاق، وجعله مفوّضاً إليه مشيئتها، فلا يقع بدون مشيئتها كقوله: أنت طالق إن شئت (٣)، أو أنت طالق كم شئت، وأنت طالق حيث شئت، أو أين شئت، لا يقع ما لم تشأ، ولأبي حنيفة ﵀ أن المشيئة إنّما دخلت على حال الطّلاق فبقي أصله بلا مشيئة فوقع؛ وإنّما قلنا ذلك لأنّ كيف وضعت للسؤال عن الحال في اللغة، والحال نوعان: صفة، وعدد، فتعلق ذلك بالمشيئة والبيان فيه إلى الزوج، فإن نوى الإبانة وقد أبانت صحّ، وإن نوى العدد وقد وافقته صحّ أيضاً. وأمّا إذا نَوَى الزَّوْجُ الْوَاحِدَةَ الْبَائِنَةَ فَشَاءَتْ الثَّلَاثَةَ، فَقَدْ شَاءَتْ غَيْرَ مَا نَوَى، وكذلك إن نوى الزّوج الثلاث فشاءت الواحدة الثانية فقد شاءت غير ما نوى؛ فلهذا كان الواقع عليها تطليقة رجعيّة، يوضحه أن الاستخبار عن وصف الشيء وحاله لما كان من ضرورته وجودًا أصلهتقدم وقوع أصل الطّلاق في ضمن تفويضه المشيئة في الصفة إليها، فإن الاستخبار عن وصف الشيء قبل وجود أصله محال، كما في قول القائل: يقول خليلي تراجع، بخلاف قوله: كم شئت؛ لأن الكمية استخبار عن العدد، فيقضي تفويض العدد إلى مشيئتها، وأصل العدد في المعدودات الواحد، وبخلاف قوله: حيث شئت وأين شئت؛ لأنّه عبارة عن المكان والطّلاق إذا وقع في مكان يكون واقعًا في الأمكنة كلها، فكان ذلك تعليق أصل الطّلاق بمشيئتها، وهذه الألفاظ كلّها على المجلس؛ لأنّها لا تنبئ عن الوقت فيتوقت بالمجلس، كقوله: إن شئت

стр. 1820

-كذا في «المبسوط» (١) وغيره-، والتفويض في وصفه يستدعي وجود أصله. فإن قيل: لما كان هذا تفويضاً لوصف الطّلاق إلى مشيئتها يجب أن يكون لها استقلال بإثباته من غير استطلاع رأي الزّوج اعتباراً بعامة التفويضات. قلنا: ذكر الطّحاوي ﵀ في مختصره (٢): أنّ لها أن يجعل الطّلاق ثانياً وثلاثاً في قول أبي حنيفة ﵀، فقد جعل الطّحاوي-﵀ المشيئة إليها في إثبات وصف الثّلاث والبينونة، حتّى قال بعض مشايخنا: أنّه إذا لم ينو الزّوج شيئاً وشاءت المرأة ثلاثاً وواحدة ثانية تقع ما أوقعت، بالاتّفاق على أصلين مختلفين؛ أما على أصل أبي حنيفة ﵀ فلأن الزوج أقام امرأته مقام نفسه في إثبات الوصف، والزّوج متى أوقع طلاقاً رجعيًّا يملك أن يجعله ثانياً وثلاثاً، في قول أبي حنيفة ﵀ فكذلك المرأة. وأمّا على قولهما فكذلك يملك إيقاع الباين وإيقاع الثّلاث؛ لأنّه فوّض الطّلاق إليها على أي وصف شاءت، وهذا معنى قوله في الكتاب وَإِنْ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ تُعْتَبَرُ مَشِيئَتُهَا فِيمَا قَالُوا جَرْيًا عَلَى مُوجِبِ التَّخْيِيرِ وما ذكر في الكتاب قول الجصاص وقد راجعت الفحول في جواب هذا الإشكال، فلم يقرع سمعي بجوابه، فيجب التّعويل على ما ذكره الطّحاوي كذا في «الفوائد الظهيرية» (٣). وإن قال أنت طالق كم شئت أو ما شئت، طلقت نفسها ما شاءت، وذكر في أصل رواية «الجامع الصّغير» (٤)، قال: إن شاءت طلقت نفسها واحدة أو ثنتين أو ثلاثاً، فلم يقم عن مجلسها. فإن قيل: يُبَاحُ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا، والزّوج لا يسعه أن يطلقها ثلاثاً. قلنا: قد روى الحسن بن زياد (٥) عن أبي حنيفة (٦) أن ذلك مباح لها في التخيير، واحتمل أن يكون المراد بقوله: إن شاءت طلقت نفسها ثلاثاً مشيئة القدرة، لا مشيئة الإباحة، يريد بذلك أنّها تقدر عليه، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٧).

стр. 1821

وقال علماؤنا في كتاب العتاق: في عبد بين اثنين دبّر أحدهما نصيبه أن الآخر بالخيار، إن شاء دبّر، وإن شاء استسعى، وإن شاء تركه على حاله، وإن شاء (١) أعتق نصيبه، وقد علمنا أنّه لا يباح له عتق نصيبه، وإنّما عنى به مشيئة القدرة؛ لأنّه لو أعتق نصيبه ضمن للآخر قيمة نصيبه مدبرًا -كذا في «كشف الغوامض» - وذكر في «الفوائد الظهيرية» (٢) في المسألة التي تليها أنّ المرأة إذا طلقت نفسها ثلاثاً على قولهما أو ثنتين على قول أبي حنيفة ﵀ لا يكره، لأنّها مضطرة إلى ذلك؛ لأنّها لو فرقت خرج الأمر من يدها، بخلاف ما لو أوقع الزّوج ذلك؛ لأنّهما يستعملان العدد، يقال: كم مالك؟ وخذ دراهمي ما شئت، أي العدد الذي شئت، فقد فوّض إليها أي عدد شاءت. فإن قلت: هذا مسلم في كم، وأمّا كلمة ما فهي كما تستعمل للعدد كذلك تستعمل للوقت، لما مرّ في قوله: ما لم أطلقك، قال الله تعالى: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (٣)، فقد وقع الشّك في تفويض العدد إليها، فلا يثبت العدد بالشّك. قلت: هذا معارض بمثله، فإنا لو عملنا فيه بمعنى الوقت لا يبطل بالقيام عن المجلس، ولو علمنا بمعنى العدد يبطل فوقع الشّك في ثبوته فيما وراء المجلس، فلا يثبت بالشك، ثم رجحنا جانب العدد بأصل آخر، وهو أنّ هذا تفويض بمعنى التّمليك؛ لأنّه تفويض إلى المرأة أمر نفسها والتّمليكات مقتصرة على المجلس. وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ أَنْ لَوْ كَانَتْ مَعْمُولَةً بِمَعْنَى الْعَدَدِ لَا بِمَعْنَى الْوَقْتِ؛ لأنّ هذا أمر واحد، هذا احتراز عن (كلّما)، وهو خطاب في الحال احتراز عن (إذا ومتى)، فيعمل بهما، أي: بالتبعيض والعموم فإن الثنتين عام بالنسبة إلى الواحدة وبعض بالنّسبة إلى الثّلاث، ولعموم الصّفة، أي: في قوله: مِنْ نِسَائِي مَنْ شَاءَتْ؛ لأنّه وصفها بالمشيئة، وهي عامة، كما في قوله: لما أكلّم إلا رجلاًلا يحنث بالتكلم بجميع رجال الكوفة لهذا، والله أعلم.

стр. 1822

باب الأيمان (١) في الطلاق (٢) لمّا فرغ من بيان تنجيز الطّلاق وهو الأصل صريحًا كناية، شرع في بيان تعليقه وهو الفرع؛ إمّا لأنّه مركب بذكر الطّلاق وحرف الشّرط والمركّب فرع على المفرد، أو لأنّه ليس بعلة في الحال بعروض حرف الشّرط والأصل عدم العروض. ثم اعلم أنّ اسم اليمين كما يقع على الحلف بالله تعالى، فكذلك يقع على ذكر شرط وجزاء، فالمعنى من الشّرط هو ما ذكر فيه حرف (أن) وغيره على ما يجيء، والمعنى من الجزاء ما هو الحكم المعلّق به من طلاق أو عتاق، وإنّما سمّى هذا باليمين لما أنّ اليمين لغة عبارة عن القوة. قال الشّاعر: إن المقادير بالأوقات نازلة … ولا يمين على دفع المقادير أي لا قوّة وسميت اليد اليمنى يمينًا لاختصاصها بزيادة قوّة، ثم أنّ الله تعالى خلق الإنسان على طبائع مختلفة وسجاياً معينة مضطرب الحال منقلب البال، فربما لا يثبت على ما يقصده من أفاضل الأمور، ولا يمتنع عمّا يهواه نفسه من مواضع الشّرور، فيتقوى تارة على حمل نفسه على تلك الأفاضل أو على منعها من تلك الأباطل بذكر اسم الله تعالى؛ الذي يلزم منه المكروه على تقدير هتك حرمته وزوال سداده، أو بذكر الشرط الذي يلزم منه على تقدير حنثه زوال سكنه وفوات وداده، فلما سمّى ذكر اسم الله تعالى إذا ذكر على وجه الحمل أو المنع يمينًا سمّى به أيضاً ذكر شرط وجزاء، لوجود معنى الحمل (٣) أو المنع فيه على ما ذكرنا، أضَاف الطَّلَاق إِلَى النِّكَاح إلى آخره، وحاصل هذا أن ما يحتمل التّعليق بالشَّرْطِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ يجوز إضافته إلى الملك عمّ أو خصّ، وهو قول عمر ﵁ روي ذلك عنه في الظّهار، وعند الشّافعي (٤) ﵀ لا يصحّ، وهو قول ابن عبّاس (٥) ﵁، فإنّه سئل عمّن يقول لامرأة: إن تزوّجتك فأنت طالق، قيل: قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ (٦) الآية، قد شرع الله الطّلاق بعد النكاح، فلا طلاق قبله، وعلى قول ابن أبي ليلى ﵀ إن خصّ امرأة أو قبيلة انعقدت اليمين، وإن عم فقال: كلّ امرأة لا ينعقد، وهو قول ابن مسعود ﵁ لما فيه من سدّ باب نعمة النكاح على نفسه، واستدلّ الشّافعي-﵀ لقوله ﵇: «لا طلاق قبل النكاح» (٧).

стр. 1823

وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص (١) ﵁ أنه خطب امرأة فأبى أولياءها أن يزوجوها منه، فقال: إن نكحتها فهي طالق ثلاثاً، فسئل عن ذلك رسول الله ﵇ فقال: «لا طلاق قبل النكاح»، والمعنى فيه أنه غير مالك لينجز الطّلاق، فلا يملك تعليقها بالشّرط، كما لو قال لها: إن دخلت الدّار فأنت طالق ثلاثاً، ثم تزوّجها فدخلت لم تطلق؛ وهذا لأنّ تأثير الشّرط في تأخير الوقوع إلى وجوده، ومنع ما لولاه لكان طلاقاً، وهذا الكلام لولا الشرط لكان لغوًا لا طلاقاً؛ ولأنّ الطّلاق يستدعي أهليّة في الموقع وملكًا في المحلّ، ثم قيل الأهليّة لا يصحّ التّعليق مضافاً إلى حالة الأهليّة، كالصبي إذا قال لامرأته: إذا بلغت فأنت طالق، فكذلك قيل: ملك المحلّ لا يصحّ مضافاً، وبهذا يتبيّن أنه يصرف مختص بالملك لإيجابه قبل الملك يكون لغوًا، كما لو باع الطير في الهواء ثم أخذه قبل قبول المشتري. وحجّتنا في ذلك أنّ التّعليق بالشّرط يمين، فلا يتوقف صحته على ملك المحل، كاليمين بالله؛ وهذا لأنّ اليمين يصرف من الحالف في ذمة نفسه، لأنّه يوجب البر على نفسه والمحلوف به ليس بطلاق، للشرط له قيام المحلّ؛ لأنّه لا يكون طلاقاً إلا بالوصول إلى المرأة، وما دام يمينًا لا يكون واصلاً إليها، وإنّما الوصول بعد ارتفاع اليمين بوجود الشّرط، فعرفنا أن المحلوف به ليس بطلاق وقيام الملك في المحلّ لأجل الطّلاق، ولكن الحلوف به ما سيصير طلاقاً عند وجود الشّرط بوصوله إليها، ونظيره من الحسيّات الرمي عينه ليس بقتل والترس لا يكون مانعاً ما هو قتل ولا مؤخراً له، بل هو يكون مانعًا ما سيصير قتل إذا وصل إلى المحل، ولمّا كان التّعليق مانعًا من الوصول إلى المحلّ والتّصرف لا يكون إلا تزكية، ومحلّه حكمًا أنه بدون ركنه ومحلّه، فكما أن بدون ركنه لا يكون طلاقاً، فكذلك بدون محله لا يكون طلاقاً، وبه فارق ما لو قال لأجنبية: إن دخلت الدّار فأنت طالق، فإن المحلوف به هناك غير موجود، وما هو يصير طلاقاً عند وجود الشّرط؛ لأنّ دخول الدّار ليس بسبب لملك الطّلاق، ولا هو مالك لطلاقها في الحال حتى يستدلّ به على بقاء الملك عند وجود الشّرط، فأمّا ههنا فيتيقن بوجود المحلوف به؛ لأنّ التزوّج سبب لملك الطّلاق، ولو كان المحلوف به موجودًا بطريق الظّاهر بأن قال لامرأته: إن دخلت الدّار فأنت طالق، انعقدت اليمين، وإن كان من الجائز أن يكون دخولها بعد زوال الملك.

стр. 1824

فإذا كان المحلوف به متيقن الوجود عند وجود الشّرط أولى بأن ينعقد اليمين، وبأن كان لا يملك التنجيز لا يدل على أنّه لا يملك التّعليق، كمن يقول لجاريته: إذا ولدت ولدًا فهو حرّ صحّ، وإن كان لا يملك تنجيز العتق في الولد المعدوم، وإنّما قال لامرأته الحائض: إذا طهرت فأنت طالق، كان هذا طلاق السنة، وإن كان لا يملك تنجيزه في الحال. وهذا بخلاف الأهليّة في التصرف؛ لأنّه لابدّ منه في تصرّف اليمين، كما لابدّ منه في تصرّف الطّلاق، فأمّا الملك في المحلّ فمعتبر للطّلاق دون اليمين، وهذا بخلاف البيع فإنّ الإيجاب أحد شطري البيع وتصرف البيع قبل الملك لغو، فأمّا الإيجاب ههنا فيصرف آخر، سوى الطّلاق، وهو اليمين، وتأويل الحديث ما روي عن مكحول (١) والزّهري (٢) وسالم والشعبي (٣) ﵀ أنّهم قالوا: كانوا في الجاهلية يطلقون قبل التزوّج تنجيزًا، ويعدّون ذلك طلاقاً، فنفى رسول الله ﵇ ذلك بقوله: «لا طلاق قبل النكاح»، وحديث عبد الله بن عمرو مشهور (٤)، ولو ثبت فمعنى قوله إن نكحتها أي: وطئها؛ لأنّ النكاح حقيقة للوطء، وبهذا لا يحصل إضافة الطّلاق إلى الملك عندنا -كذا في «المبسوط» (٥) -، فَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ قِيَامُ الْمِلْكِ، أي: لا يشترط لصحّة اليمين قيام الملك كما في اليمين وبالله، وكذلك في اليمين يذكر شرط وجزاء، بأن قال: إذا أكلت هذا الطّعام فامرأته طالق، فالطّعام ليس في ملكه فأكل، حنث، فعلم أنّ قيام الملك في الحال ليس بشرط، كالشّعبي والزهري وغيرهما وهو مكحول وسالم بن عبد الله (٦).

стр. 1825

ثم اعلم أنّ هذا التّعليق الذي ذكرنا فيما إذا كان التّعليق بصريح الشّرط وهو حرف الشرط يعمل في المعينة وغير المعينة، وأمّا إذا كان معلّقاً بمعنى الشّرط فهو إنّما يعمل في غير المعينة، بأن قال: المرأة التي أتزوّج طالق، فتزوج امرأته، تطلق ولا يعمل في المعينة، حتّى لو قال: هذه المرأة التي أتزوّجها فهي طالق، فتزوّجها لا تطلق؛ لأنّه عرفها بالإشارة فلا يراعى فيها الصّفة وهي التزوّج، فبقي قوله: هذه المرأة طالق، وأمّا حرف أن فيجمع الوجهين أي المعينة وغير المعينة، حتّى لو قال: إن تزوجت هذه المرأة فهي طالق، فتزوّجها تطلق، كما لو تزوّجها في قوله: إن تزوّجت امرأة وهذا للفرق بين صريح الشّرط ودلالته -كذا في أصول الفقه لفخر الإسلام (١) -، وجامع الصّغير للإمام التمرتاشي ﵀ تزوّجت امرأة على أنّها طالق، صحّ النكاح ولم تطلق؛ لأنّه تعذر اعتبار الطّلاق بدلاً أو شرطًا؛ لأنّه تقارب النكاح فلا يعتبر أصلاً. وكذا لو اشترى عبدًا على أنّه حر، صحّ الشراء ولم يعتق. وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: إنْ زَوَّجْتنِي امْرَأَةً فَهِيَ طَالِقٌ، فَزَوَّجَهُ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا تَطْلُقُ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ لم يصح، ولو قال بالفارسيّة: آكرد حتر فلان مراد هندورا طلاق، فتزوجها لا تطلق؛ لأنّه لم يذكر النكاح، ولو قال: يرني دهند، وباقي المسألة بحالها تطلّق، والمختار أنّها لا تطلّق؛ لأنّه حنث بالتزوّج قبل الدخول في نكاحه، فصار كما لو قال لامرأته: إن جلست في نكاحك فأنت طالق، فجلس، ثم تزوّجها لم تطلق؛ لأنّه حنث قبل التزوج -كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ فصحّ يمينًا، أي: عندنا؛ لأنّ التّطليق معلّق عندنا فيكون يمينًا أوإيقاعاً عند الشّافعي، فإن عنده كونها طالقاً معلقبالتطليق، فكان في الحال إيقاعاً، ولكن لم يثبت حكمه في الحال؛ لأنّ الجزاء لابدّ أن يكون ظاهراً أي غالب الوجود ليكون مخيفاً أي بوقوع الجزاء فيما إذا كان المقصود منه المنع، كما إذا قال لامرأته: إن دخلت الدّار فأنت طالق، فإنّه على تقدير الإقدام يلزم وقوع الطلاق الذي يلزم منه قطع إدرار النفقات وكفاية مؤناتها، فكان وقوع الطّلاق مخيفاً لها وذلك إنّما يكون بالإقدام على وجود الشّرط، فلذلك يمتنع عن الإقدام ثم علامة كون اليمين للمنع هي أن يدخل حرف الشّرط على المثبت، كما في: إن دخلت الدّار فأنت طالق.
следующие страницы →