← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

وقال علماؤنا في كتاب العتاق: في عبد بين اثنين دبّر أحدهما نصيبه أن الآخر بالخيار، إن شاء دبّر، وإن شاء استسعى، وإن شاء تركه على حاله، وإن شاء (١) أعتق نصيبه، وقد علمنا أنّه لا يباح له عتق نصيبه، وإنّما عنى به مشيئة القدرة؛ لأنّه لو أعتق نصيبه ضمن للآخر قيمة نصيبه مدبرًا -كذا في «كشف الغوامض» - وذكر في «الفوائد الظهيرية» (٢) في المسألة التي تليها أنّ المرأة إذا طلقت نفسها ثلاثاً على قولهما أو ثنتين على قول أبي حنيفة ﵀ لا يكره، لأنّها مضطرة إلى ذلك؛ لأنّها لو فرقت خرج الأمر من يدها، بخلاف ما لو أوقع الزّوج ذلك؛ لأنّهما يستعملان العدد، يقال: كم مالك؟ وخذ دراهمي ما شئت، أي العدد الذي شئت، فقد فوّض إليها أي عدد شاءت. فإن قلت: هذا مسلم في كم، وأمّا كلمة ما فهي كما تستعمل للعدد كذلك تستعمل للوقت، لما مرّ في قوله: ما لم أطلقك، قال الله تعالى: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (٣)، فقد وقع الشّك في تفويض العدد إليها، فلا يثبت العدد بالشّك. قلت: هذا معارض بمثله، فإنا لو عملنا فيه بمعنى الوقت لا يبطل بالقيام عن المجلس، ولو علمنا بمعنى العدد يبطل فوقع الشّك في ثبوته فيما وراء المجلس، فلا يثبت بالشك، ثم رجحنا جانب العدد بأصل آخر، وهو أنّ هذا تفويض بمعنى التّمليك؛ لأنّه تفويض إلى المرأة أمر نفسها والتّمليكات مقتصرة على المجلس. وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ أَنْ لَوْ كَانَتْ مَعْمُولَةً بِمَعْنَى الْعَدَدِ لَا بِمَعْنَى الْوَقْتِ؛ لأنّ هذا أمر واحد، هذا احتراز عن (كلّما)، وهو خطاب في الحال احتراز عن (إذا ومتى)، فيعمل بهما، أي: بالتبعيض والعموم فإن الثنتين عام بالنسبة إلى الواحدة وبعض بالنّسبة إلى الثّلاث، ولعموم الصّفة، أي: في قوله: مِنْ نِسَائِي مَنْ شَاءَتْ؛ لأنّه وصفها بالمشيئة، وهي عامة، كما في قوله: لما أكلّم إلا رجلاًلا يحنث بالتكلم بجميع رجال الكوفة لهذا، والله أعلم.

стр. 1822

باب الأيمان (١) في الطلاق (٢) لمّا فرغ من بيان تنجيز الطّلاق وهو الأصل صريحًا كناية، شرع في بيان تعليقه وهو الفرع؛ إمّا لأنّه مركب بذكر الطّلاق وحرف الشّرط والمركّب فرع على المفرد، أو لأنّه ليس بعلة في الحال بعروض حرف الشّرط والأصل عدم العروض. ثم اعلم أنّ اسم اليمين كما يقع على الحلف بالله تعالى، فكذلك يقع على ذكر شرط وجزاء، فالمعنى من الشّرط هو ما ذكر فيه حرف (أن) وغيره على ما يجيء، والمعنى من الجزاء ما هو الحكم المعلّق به من طلاق أو عتاق، وإنّما سمّى هذا باليمين لما أنّ اليمين لغة عبارة عن القوة. قال الشّاعر: إن المقادير بالأوقات نازلة … ولا يمين على دفع المقادير أي لا قوّة وسميت اليد اليمنى يمينًا لاختصاصها بزيادة قوّة، ثم أنّ الله تعالى خلق الإنسان على طبائع مختلفة وسجاياً معينة مضطرب الحال منقلب البال، فربما لا يثبت على ما يقصده من أفاضل الأمور، ولا يمتنع عمّا يهواه نفسه من مواضع الشّرور، فيتقوى تارة على حمل نفسه على تلك الأفاضل أو على منعها من تلك الأباطل بذكر اسم الله تعالى؛ الذي يلزم منه المكروه على تقدير هتك حرمته وزوال سداده، أو بذكر الشرط الذي يلزم منه على تقدير حنثه زوال سكنه وفوات وداده، فلما سمّى ذكر اسم الله تعالى إذا ذكر على وجه الحمل أو المنع يمينًا سمّى به أيضاً ذكر شرط وجزاء، لوجود معنى الحمل (٣) أو المنع فيه على ما ذكرنا، أضَاف الطَّلَاق إِلَى النِّكَاح إلى آخره، وحاصل هذا أن ما يحتمل التّعليق بالشَّرْطِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ يجوز إضافته إلى الملك عمّ أو خصّ، وهو قول عمر ﵁ روي ذلك عنه في الظّهار، وعند الشّافعي (٤) ﵀ لا يصحّ، وهو قول ابن عبّاس (٥) ﵁، فإنّه سئل عمّن يقول لامرأة: إن تزوّجتك فأنت طالق، قيل: قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ (٦) الآية، قد شرع الله الطّلاق بعد النكاح، فلا طلاق قبله، وعلى قول ابن أبي ليلى ﵀ إن خصّ امرأة أو قبيلة انعقدت اليمين، وإن عم فقال: كلّ امرأة لا ينعقد، وهو قول ابن مسعود ﵁ لما فيه من سدّ باب نعمة النكاح على نفسه، واستدلّ الشّافعي-﵀ لقوله ﵇: «لا طلاق قبل النكاح» (٧).

стр. 1823

وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص (١) ﵁ أنه خطب امرأة فأبى أولياءها أن يزوجوها منه، فقال: إن نكحتها فهي طالق ثلاثاً، فسئل عن ذلك رسول الله ﵇ فقال: «لا طلاق قبل النكاح»، والمعنى فيه أنه غير مالك لينجز الطّلاق، فلا يملك تعليقها بالشّرط، كما لو قال لها: إن دخلت الدّار فأنت طالق ثلاثاً، ثم تزوّجها فدخلت لم تطلق؛ وهذا لأنّ تأثير الشّرط في تأخير الوقوع إلى وجوده، ومنع ما لولاه لكان طلاقاً، وهذا الكلام لولا الشرط لكان لغوًا لا طلاقاً؛ ولأنّ الطّلاق يستدعي أهليّة في الموقع وملكًا في المحلّ، ثم قيل الأهليّة لا يصحّ التّعليق مضافاً إلى حالة الأهليّة، كالصبي إذا قال لامرأته: إذا بلغت فأنت طالق، فكذلك قيل: ملك المحلّ لا يصحّ مضافاً، وبهذا يتبيّن أنه يصرف مختص بالملك لإيجابه قبل الملك يكون لغوًا، كما لو باع الطير في الهواء ثم أخذه قبل قبول المشتري. وحجّتنا في ذلك أنّ التّعليق بالشّرط يمين، فلا يتوقف صحته على ملك المحل، كاليمين بالله؛ وهذا لأنّ اليمين يصرف من الحالف في ذمة نفسه، لأنّه يوجب البر على نفسه والمحلوف به ليس بطلاق، للشرط له قيام المحلّ؛ لأنّه لا يكون طلاقاً إلا بالوصول إلى المرأة، وما دام يمينًا لا يكون واصلاً إليها، وإنّما الوصول بعد ارتفاع اليمين بوجود الشّرط، فعرفنا أن المحلوف به ليس بطلاق وقيام الملك في المحلّ لأجل الطّلاق، ولكن الحلوف به ما سيصير طلاقاً عند وجود الشّرط بوصوله إليها، ونظيره من الحسيّات الرمي عينه ليس بقتل والترس لا يكون مانعاً ما هو قتل ولا مؤخراً له، بل هو يكون مانعًا ما سيصير قتل إذا وصل إلى المحل، ولمّا كان التّعليق مانعًا من الوصول إلى المحلّ والتّصرف لا يكون إلا تزكية، ومحلّه حكمًا أنه بدون ركنه ومحلّه، فكما أن بدون ركنه لا يكون طلاقاً، فكذلك بدون محله لا يكون طلاقاً، وبه فارق ما لو قال لأجنبية: إن دخلت الدّار فأنت طالق، فإن المحلوف به هناك غير موجود، وما هو يصير طلاقاً عند وجود الشّرط؛ لأنّ دخول الدّار ليس بسبب لملك الطّلاق، ولا هو مالك لطلاقها في الحال حتى يستدلّ به على بقاء الملك عند وجود الشّرط، فأمّا ههنا فيتيقن بوجود المحلوف به؛ لأنّ التزوّج سبب لملك الطّلاق، ولو كان المحلوف به موجودًا بطريق الظّاهر بأن قال لامرأته: إن دخلت الدّار فأنت طالق، انعقدت اليمين، وإن كان من الجائز أن يكون دخولها بعد زوال الملك.

стр. 1824

فإذا كان المحلوف به متيقن الوجود عند وجود الشّرط أولى بأن ينعقد اليمين، وبأن كان لا يملك التنجيز لا يدل على أنّه لا يملك التّعليق، كمن يقول لجاريته: إذا ولدت ولدًا فهو حرّ صحّ، وإن كان لا يملك تنجيز العتق في الولد المعدوم، وإنّما قال لامرأته الحائض: إذا طهرت فأنت طالق، كان هذا طلاق السنة، وإن كان لا يملك تنجيزه في الحال. وهذا بخلاف الأهليّة في التصرف؛ لأنّه لابدّ منه في تصرّف اليمين، كما لابدّ منه في تصرّف الطّلاق، فأمّا الملك في المحلّ فمعتبر للطّلاق دون اليمين، وهذا بخلاف البيع فإنّ الإيجاب أحد شطري البيع وتصرف البيع قبل الملك لغو، فأمّا الإيجاب ههنا فيصرف آخر، سوى الطّلاق، وهو اليمين، وتأويل الحديث ما روي عن مكحول (١) والزّهري (٢) وسالم والشعبي (٣) ﵀ أنّهم قالوا: كانوا في الجاهلية يطلقون قبل التزوّج تنجيزًا، ويعدّون ذلك طلاقاً، فنفى رسول الله ﵇ ذلك بقوله: «لا طلاق قبل النكاح»، وحديث عبد الله بن عمرو مشهور (٤)، ولو ثبت فمعنى قوله إن نكحتها أي: وطئها؛ لأنّ النكاح حقيقة للوطء، وبهذا لا يحصل إضافة الطّلاق إلى الملك عندنا -كذا في «المبسوط» (٥) -، فَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ قِيَامُ الْمِلْكِ، أي: لا يشترط لصحّة اليمين قيام الملك كما في اليمين وبالله، وكذلك في اليمين يذكر شرط وجزاء، بأن قال: إذا أكلت هذا الطّعام فامرأته طالق، فالطّعام ليس في ملكه فأكل، حنث، فعلم أنّ قيام الملك في الحال ليس بشرط، كالشّعبي والزهري وغيرهما وهو مكحول وسالم بن عبد الله (٦).

стр. 1825

ثم اعلم أنّ هذا التّعليق الذي ذكرنا فيما إذا كان التّعليق بصريح الشّرط وهو حرف الشرط يعمل في المعينة وغير المعينة، وأمّا إذا كان معلّقاً بمعنى الشّرط فهو إنّما يعمل في غير المعينة، بأن قال: المرأة التي أتزوّج طالق، فتزوج امرأته، تطلق ولا يعمل في المعينة، حتّى لو قال: هذه المرأة التي أتزوّجها فهي طالق، فتزوّجها لا تطلق؛ لأنّه عرفها بالإشارة فلا يراعى فيها الصّفة وهي التزوّج، فبقي قوله: هذه المرأة طالق، وأمّا حرف أن فيجمع الوجهين أي المعينة وغير المعينة، حتّى لو قال: إن تزوجت هذه المرأة فهي طالق، فتزوّجها تطلق، كما لو تزوّجها في قوله: إن تزوّجت امرأة وهذا للفرق بين صريح الشّرط ودلالته -كذا في أصول الفقه لفخر الإسلام (١) -، وجامع الصّغير للإمام التمرتاشي ﵀ تزوّجت امرأة على أنّها طالق، صحّ النكاح ولم تطلق؛ لأنّه تعذر اعتبار الطّلاق بدلاً أو شرطًا؛ لأنّه تقارب النكاح فلا يعتبر أصلاً. وكذا لو اشترى عبدًا على أنّه حر، صحّ الشراء ولم يعتق. وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: إنْ زَوَّجْتنِي امْرَأَةً فَهِيَ طَالِقٌ، فَزَوَّجَهُ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا تَطْلُقُ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ لم يصح، ولو قال بالفارسيّة: آكرد حتر فلان مراد هندورا طلاق، فتزوجها لا تطلق؛ لأنّه لم يذكر النكاح، ولو قال: يرني دهند، وباقي المسألة بحالها تطلّق، والمختار أنّها لا تطلّق؛ لأنّه حنث بالتزوّج قبل الدخول في نكاحه، فصار كما لو قال لامرأته: إن جلست في نكاحك فأنت طالق، فجلس، ثم تزوّجها لم تطلق؛ لأنّه حنث قبل التزوج -كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ فصحّ يمينًا، أي: عندنا؛ لأنّ التّطليق معلّق عندنا فيكون يمينًا أوإيقاعاً عند الشّافعي، فإن عنده كونها طالقاً معلقبالتطليق، فكان في الحال إيقاعاً، ولكن لم يثبت حكمه في الحال؛ لأنّ الجزاء لابدّ أن يكون ظاهراً أي غالب الوجود ليكون مخيفاً أي بوقوع الجزاء فيما إذا كان المقصود منه المنع، كما إذا قال لامرأته: إن دخلت الدّار فأنت طالق، فإنّه على تقدير الإقدام يلزم وقوع الطلاق الذي يلزم منه قطع إدرار النفقات وكفاية مؤناتها، فكان وقوع الطّلاق مخيفاً لها وذلك إنّما يكون بالإقدام على وجود الشّرط، فلذلك يمتنع عن الإقدام ثم علامة كون اليمين للمنع هي أن يدخل حرف الشّرط على المثبت، كما في: إن دخلت الدّار فأنت طالق.

стр. 1826

وأمّا إذا كانت للحال فحرف الشّرط يدخل على النفي، كما في قوله: إن لم تدخل الدّار فأنت طالق. فإن قلت: فقد صحّ في اليمين التي هي للمنع ما لا يمكن الامتناع منه، كما إذا قال لامرأته: إن حضت فأنت طالق، فلو كانت فائدة اليمين المنع - كما قلت من الصورة -، لما صحّ هذه اليمين، لما أنّ المرأة غير قادرة على منع الحيضة، فلا يفيد اليمين فائدتها. قلت: بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْغَالِبِ الشَّائِعِ لا النادر؛ لأنّ الكلام في الكليّات العامّة فلا يرد عليه الإفراد الخاصّة، فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْيَمِينِ وَهُوَ الْقُوَّةُ، أي: أن الحامل على الوفاء هو قوة خوف نزول الجزاء والخوف إنّما يحصل بكون الجزاء غالب النزول عند الشّرط، وذلك بأحد هذين، فإذا انعدما انعدم الخوف وانعدم معنى اليمين؛ لأنّ معنى اليمين هو تأكيد العزم والوفاء وإنّما يحصل ذلك بما قلنا، والظهور بأحد هذين وهما: أن يكون مالكاً أو يضيف إلى الملك بأن قال إن ملكتك فأنت حرّ، ثم تزوّجها، فدخلت الدّار لم تطلق، وقال ابن أبي ليلى: تطلق؛ لأن المعتبر لوقوع الطّلاق وقت وجود الشّرط، فإنّ الطّلاق يصل إلى المحلّ، والملك موجود عند وجود الشّرط فيقع الطّلاق، ولكنّا نقول: هذا بعد انعقاد اليمين، ولا ينعقد اليمين بدون المحلوف به، فإذا لم يكن هو مالكاً للطّلاق في الحال، ولا في الوقت المضاف إليه لم ينعقد اليمين، فبعد ذلك وإن صار مالكاً للطّلاق لم ينعقد اليمين في الوقت المضاف إليه، فلا يقع شيء؛ لأنّ اليمين ما كانت منعقدة، و كذلك لو قال لها: أنت طالق غدًا، ثم تزوّجها اليوم لا يقع عليها شيء إذا جاء غد - كذا في «المبسوط» (١) -؛ لأنّ الحالف ليس بمالك إلى آخره، ولا يقال: لم لا يدرج إن تزوجك، بتقدير إن تزوجك ودخلت الدّار فأنت طالق، صيانة عن الإلغاء. ولأنّا نقول فعل اليمين ممّا نذم به، فلا يجوز تصحيح قوله على وجه يؤدي إلى مذمته؛ وذلك لأنّ الله تعالى ذم من هو كثير الحلف فقال: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ … حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ (٢)، وإذا كان مذمومًا لا يكون السّعي إلى تصحيحه واجباً، وألفاظ الشّرط ولم يقل حروف الشّرط كما قال بعضهم لما أن عامتها اسم (كإذا ومتى). فإن قلت: كيف لم يورد ما هو للشّرط وضعًا وهو لو أورد ما لم يوضع له كإذا ومتى وكلّ - وقد ذكر في المفصّل - ومن أصناف الحرف، حرفا الشّرط وهما: (أن ولو) فعلم به أنّ الموضوع للشّرط ذلك الحرفان لا غير، وغيرهما دخيل عليهما وبكلمة (لو) يتعلّق الطّلاق أيضاً حتّى لو قال لامرأته: أنت طالق لو دخلت الدّار، يتعلّق الطّلاق - ذكره الإمام التمرتاشي ﵀.

стр. 1827

قلت: جاز أن يكون ترك ذكره باعتبار أن كلمة (لو) تعمل عمل الشّرط معنى لا لفظًا، وهذه الألفاظ تعمل عمله لفظًا ومعنى، فإنّه في مواضع الجزم يجزمن وفي غير مواضع الجزم لزم دخول الفاء في جزائهنّ، بخلاف كلمة (لو)؛ لأنّ الشّرط مشتقّ من العلامة. ذكر في «الصّحاح» (١) الشّرط (٢) بالتّحريك العلامة، وأشراط السّاعة علاماتها، فعلى هذا معنى ما ذكر في الكتاب لِأَنَّ الشَّرْطَ مُشْتَقٌّمِنْ الْعَلَامَةِ؛ لأنّ معنى الاشتقاق الذي هو عبارة عن أن ينتظم الصيغتين فصاعدًا معنى واحداً، ولم يوجد فيما ذكر في الكتاب، وهذه الألفاظ أي: سوى كلمة كلّ تليها الأفعال، مثل قولك: إن دخلت، وإن خرجت. اعلم أنّ الجزاء متى تقدم على الشرط يتعلّق بدون حرف الفاء، وإن تأخّر لا يتعلّق بدونه إذا كان الجزاء اسمًا كقوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ (٣) وإن كان فعلاً يتعلّق كقوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ﴾ (٤)، وإن قال: أنت طالق إن، فعند محمّد يقع لعدم ذكر ما يتعلّق به، وعند أبي يوسف لا؛ لأنّ ذكره بيان إرادة التّعليق، وإن قال: أنت طالق وإن دخلت، تطلق للحال لعدم حرف التّعليق. ولو قال: فإن دخلت، لا رواية فيه فلقائل أن يقولتطلق، لأنّ الفاء صارت فاصلة. ولقائل أن يقول: يتعلّق؛ لأنّ الفاء حرف تعليق، ولو قال: أنت طالق دخلت، تطلق للحال؛ لأنّه لم يوجد التّعليق وكذلك لو قال: لدخلت. وكذا أنت طالق لدخولك؛ لأنّه جعل الدّخول علّة الإيقاع. وكذا لو قال: إن دخلت وأنت طالق، تطلق؛ لعدم التّعليق -كذا ذكره الإمام التّمرتاشي-، فقالت: قد حضت، طلقت هي ولم تطلق فلانة. هذا ليس بِمُجْرًى عَلَى عُمُومِهِ، بل هذا فيما إذا كذّبها الزّوج في قولها حضت. وأمّا إذا صدّقها يقع الطّلاق عليهما جميعًا -كذا في «شرح الطّحاوي» (٥) -، كما في الدّخول، أي: دخول الدّار كما قيل في حق العدة والغشيان. أمّا قبول قولها في العدّة وهو ظاهر بأن قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِيأو لم تنقض، أمّا في الغشيان بأن تقول المطلّقة الثلاث انقضت عدّتي وتزوّجت بزوج آخر، ودخل في الزّوج الثّاني إلى آخره، على ما يجيء، أو يقبل قول المرأة في حقّ حل الجماع وحرمته بقولها أنا طاهر أو حائض، لكنّها كشاهدة في حق ضرتها فلا تقبل.

стр. 1828

فإن قلت: يلزم من هذا أن يكون الشّيء الواحد موجودًا، ولا يكون موجودًا في حالة واحدة، وهو محال، فإنّها لم تكن حاضت لا تطلق هي ولا ضرّتها؛ لأنّ الشّرط لم يوجد، وإن حاضت طلقت هي وضرتها لوجود الشّرط. وأمّا أن يوجد في حقّها ولا يوجد في حق ضرّتها فلا؛ لأنّه حينئذٍ يكون الشّيء الواحد موجودًا ولا موجودًا في حالة واحدة. قلت: هذا أمر شرعي، فإن الشّرع لما أثبت لقولها حضت وصفين متغايرين وهما الإقرار والشّهادة، رتب على ذينك الموصفين المتغايرين حكمين متغايرين على وفاق ما يقتضيه ذانك الوصفان، وليس ببعيد أن يعطي الشيء الواحد أوصافاً مختلفة فبحسب اختلاف تلك الأوصاف تثبت أحكام مختلفة، وهو شيء واحد، كمن حلف لا يشرب الخمر، ثمّ شرب خمر الذميّ في نهار رمضان بغير إذنه، يجب عليه خمسة أحكام مختلفة، وما سببها إلا شيء واحد وهو الشّرب، فالأحكام هي ضمان (١) خمر الذميّ، وكفارة الفطر، وقضاء صوم ذلك اليوم، وكفارة الحنث، والحد. وكذلك يثبت الحكمان في رواية من المسائل لاقتضائها الوجود والعدم بحسب الحجّة، ألا ترى أن الملك إذا ثبت للمستحق بإقرار المشتري أي لم يرجع على البايع بالثّمن، وإن شهادة الرجل وامرأتين بالسّرقة حجّة في حق المال دون القطع، وأحد الورثة إذا أقرّ بدين الميّت يصدق في حقّه، ولا يصدق في حقّ سائر الورثة، وإن كان كلّ واحد من الوصفين في هذه المسائل لا ينفكّ عن الآخر، لاولم يقل فيه، ردت الملك للمستحقّ أم لا؟ بل يقال: ثبت من حيث الإقرار ولم يثبت من حيث الشّهادة. قوله ﵀: وكذلك لو قال: إن كنت تحبين، إلى قوله: ولا تطلق صاحبتها، غير أنّ هذه المسألة تفارق المسألة الأولى بوجهين: أحدهما: أنّ هذا يقتصر على المجلس، إذا صرت بذلك في المجلس يقع ولا يقع في غير ذلك المجلس؛ لأنّه أثبت التخيير حيث جعل الأمر إلى اختيارها ومحبتها، وفي مسألة الحيض لا يقتصر؛ لأنّه ليس فيه معنى التّمليك بل هي نظيره سائر التّعليقات فلا يقتصر على المجلس. والثّاني: أنّها لو كانت كاذبة فيما قالت لا يقع الطّلاق فيما بينه وبين الله تعالى في مسألة الحيض. وأمّا في فصل المحبة فيقع؛ لأنّ حقيقة المحبة والبغض ما لا يوقف عليها من قبل أحدٍ لا من قبلها ولا من قبل غيرها؛ لأنّ القلب متقلب لا يستقرّ على شيء ممّا لم يوقف عليه يتعلّق الحكم بدليله، كالسّفر مع المشقّة، والنوم مع الحدث، فصار كلّ الشّرط هو الاخبار عن المحبّة وقد وجد فتبعه حكمه.

стр. 1829

وأمّا الحيض فإنّ له حقيقة وأيّامًا معلومة فيتعلّق الحكم به فإذا أخبرت كاذبة لا يقع فيما بينه وبين الله -كذا في «مبسوط فخر الإسلام» (١) ﵀، وذكر مسألة في «الفوائد الظهيرية» (٢)، تشهد لصحّة ما ذكرنا، وهي أنّه لو قال: أنت طالق إن كنت أنا أحبّ كذا، ثم قال: لست أحبّه وهو كاذب به، فهي امرأته ويسعه أن يطأها فيما بينه وبين الله تعالى. قال شمس الأئمة ﵀: وهذا مشكل؛ لأنّه إن كان لا يعرف ما في قلبها حقيقة يعرف ما في قلبه، ولكن الطّريق ما قلنا، وهو أنّ ما في قلبه وما في قلبها لا يمكن الوقوف على حقيقته، فإنّما يتعلّق الحكم بالسّبب الظّاهر وهو الإخبار فيدور الحكم مع السّبب الظّاهر وجودًا وعدمًا، ويسقط اعتبار المعنى الخفي ولا يتيقن بكذبها جواب سؤال مقدّر، فإنّه ذكر السؤال. والجواب في «الجامع الصّغير» لقاضي خان ﵀ وقال: فإن قيل: لما كان قبول قولها في حقّها باعتبار الصدق فإذا أخبرت بمحبته العذاب، ونحن نتيقن بكذبها في ذلك، وجب أن لا يقبل قولها أصلاً. قلنا: لم يتيقن بكذبها في ذلك فإنّ الجاهل قد يختار العذاب على ما يبغضه، فلعلها لشدة بغضها زوجها وجهلها بمقدار ألم العذاب يختار ذلك، فلم تكن كاذبة قطعًا، فإذا استمر ثلاثة أيام حكمنا بالطّلاق حين حاضت، وفائدة هذا تظهر فيما إذا كانت المرأة غير مدخول بها، فإنّها لما رأت دماً تزوجت بزوج آخر، واستمر بها الدّم ثلاثة أيّام، كان النكاح صحيحًا؛ لانقطاعها عن الزوج بأوّل ما رأت لا إلى عدة، وتطهر أيضاً فيما إذا قال: إن حضت فعبدي حرّ، والمسألة بحالها كان العبد حرًا من حين رأت الدّم حتّى كان الإكساب للعبد، ويظهر أيضاً في حق الجناية منه وعليه، وقيل: يجب على المعنى أن يجيب بقوله: كانت مطلقة من أوّل ثلاثة أيّام عمّا سئل بعد استمرار ثلاثة أيّام هل يقع الطّلاق أم لا؟. وبالفارسيّة طلاق شده است، ولو قال لها: إذا حضت حيضة فأنت طالق لم تطلق حتّى يظهر من حيضها، وكذا إذا قال إذا حضت نصف حيضة؛ لأنّ الحيض لا ينتصف - كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀، وعن هذا قالوا: لو قال: إذا حضت فأنت طالق، كان الطّلاق بدعياً، وإذا قال: إن حضت حيضة فأنت طالق، كان سنيًا؛ لأنّه لا يقع إلا بعد ما طهرت، ولهذا حمل عليه في حديث الاستبراء، وهو ما قال ﵇ في سبايا (٣) أوطاس (٤): «ولا الحبالى حتى يستبرئن بحيضة» (٥)، أراد بها الحيضة الكاملة وكمال الحيض بانتهائه بها (٦)، وذلك انقطاع الدّم إذا كان أيّامها عشرة أو بالانقطاع والغسل أو ما يقوم مقام الغسل إذا كانت أيّامها دون العشرة -كذا ذكره الإمام قاضي خان ﵀.

стр. 1830

اعلم أن ههنا قيدًا ذكره في «الذّخيرة» (١)، وهو إنّما يقبل قولهما فيما اخبرت من الطهر والحيض، الذي هو شرط وقوع الطّلاق إذا كان في ذلك الوقت الذي اخبرت به كان الطّهر أو الحيض قائمًا. فأمّا إذا لم تكن موصوفة بما أخبرت في تلك الحال التي اخترت به، فلا تصدق وإن كان ذلك الطّهر والحيض بعد يمين الزّوج، بيان ذلك: أنّ الرجل إذا قال لامرأته: إنْ حِضْت حَيْضَةً فأنت طالق، فمكثت عشرة أيّام، ثم قالت المرأة حضت حيضة وطهرت واغتسلت، وكذّبها الزّوج فالقول في ذلك قولها. وأمّا إذا قالت بعد تطاول الزّمان حضت فطهرت، وأنا الآن حائض بحيضة أخرى، لا يقبل قولها، ولا يقع عليها الطّلاق؛ لأنّها أخبرت عمّا هو شرط وقوع الطّلاق حين فواتها وانعدامها، ولا يقع الطّلاق إلا إذا أخبرت عن الطّهر بعد انقضاء هذه الحيضة، فحينئذ يقع الطّلاق، وكذلك في المسألة الأولى، إذا قال لها: إن حضت فأنت طالق، فمكثت خمسة أيام ثمّ قالت: قد حضت منذ خمسة أيام، وأنا الآن حايض صدقت، ووقع عليها الطّلاق؛ لأنّها أخبرت عمّا هو شرط وقوع الطّلاق حال قيامه، وهو ورود الدّم فإنّ الشّرط في هذه الحالة نفس الحيض، والحيض عبارة عنورود الدّم، ولو قالت - في هذه الصّورة -: حضت وطهرت لا تصدّق إذا كذّبها الزّوج؛ لأنّها أخبرت عمّا هو شرط وقوع الطّلاق حال فواته، والمعنى فيه هو أنّ الله تعالى جعل المرأة أمينة فيما تخبر من الحيض أو الطهر ضرورة إقامة الأحكام المتعلقة بها، فمادامت الأحكام قائمة كان الِائْتِمَانِ قائمًا من جهة الشّرع، فيصدق، وإذا كانت الأحكام مقتضية، كان الِائْتِمَانِفايتًا، فلا تصدق. وهذا بخلاف المودع في حق الوديعة (٢)، فإنّ المودع إذا قال: رددت الوديعة أو هلكت فإنّه يصدق، فلا يشترط لتصديقه فيما أخبر قيام الأمانة؛ لأنّ المودع صار أمينًا من جهة صاحب المال صريحًا وابتداءً لا لضرورة إقامة الأحكام فإنّ صاحب المال ائتمنه مطلقاً. أمّا المرأة إنّما صارت أمينة فيما يخبر من الحيض أو الطّهر ضرورة إقامة الأحكام المتعلّقة بها على ما ذكرنا، وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا صُمْت يَوْمًا طَلُقَتْ، وكذا إذا قالت: صمت صومًا، بخلاف ما إذا قال: إذا صمت يعني فصامت ساعة مقرونة بالنية، طلقت -كذا ذكره الإمام التمرتاشي-، لزمه في القضاء تطليقة؛ لأنّ التيقّن فيها وفي الثّانية شك، وفيما بينه وبين الله تعالى ينبغي أن يأخذ التّطليقتين حتّى إذا كان طلقها قبل هذا واحدة فلا ينبغي له أن يتزوّجها حتى تنكح زوجًا غيره؛ لاحتمال أنّها مطلقة ثلاثاً، ولأن ترك امرأة يحل له وطئها خير من أن يطأ امرأة محرّمة عليه، وإن ولدت غلاماً وجاريتين في بطن واحد، فإن علم أنّها ولدت الجاريتين أولاً هي طالق ثنتين بولادة الأولى منهما، وقد انقضت عدّتها بولادة الغلام أولاً طلقت واحدة بولادة الغلام، وتطليقتين بولادة الجارية الأولى، وقد انقضت عدتها بولادة الأخرى، وَإِنْ وَلَدَتْ إحْدَى الْجَارِيَتَيْنِ أَوَّلًا، ثُمَّ الْغُلَامَ ثُمَّ الْجَارِيَةَ، طلقت تطليقتين بولادة الجارية الأولى والثّالثة بولادة الغلام، وقد انقضت عدّتها بولادة الأخرى، كذا في «المبسوط» (٣).

стр. 1831

فحاصل أحوالهما لايخلو عن ثلاثة أوجه، فإن علما أنّ الغلام أوّل طلقت واحدة وانقضت عدتها بالجارية، فلا يقع شيء، وإن علما أن الجارية أوّل طلقت ثنتين، وإن اختلفا فالقول للزّوج؛ لإنكاره الزيادة، وإن قالا: لا ندري طلقت واحدة قضاء، وفي النسوة ثنتان، هذا في الولادة، ولو قال: إن كان حملك هذا جارية فأنت طالق، وإن كان غلاماً فثنتين، فولدتهما لم تقع؛ لأنّ الحمل اسم لجميع ما في البطن، وما في البطن ليس بغلام ولا جارية، فلم يوجد شرط الحنث، ألا ترى لو نظر إلى جوالق، فقال: إن كان فيه حنطة فامرأتي طالق، وإن كان فيه دقيق فعبدي حرّ، فإذا فيه حنطة ودقيق لم تطلق ولم يعتق، وكذا لو قال: إن كان ما في بطنك، ولو قال إن كان في بطنك، لزماه بوجود الشّرطين -كذا ذكره الإمام التمرتاشي-، والمراد بالتنزّه: التّباعد عن السّوء وعمّا هو في مضان الحرمة؛ إذ هما في حكم الطّلاق كشيء واحد، من حيث أنّ الطّلاق لا يقع إلا بهما. فصار الشّرطان بمنزلة شرط واحد، ولو كان شرطًا واحداً لما وقع بدون وجود الملك، فكذلك ههنا إلا أن الملك يشترط حالة التّعليق إلى آخره، جواب سؤال مقدّر، وهو أن يقال: لما كان محلّ اليمين الذمّة، ينبغي أن لا يشترط الملك وقت تعليق اليمين، فأجاب عنه وقال: إنّما اشترط الملك وقت التّعليق لكون الجزاء غالب الوجود؛ لأنّ الملك إذا كان موجودًا وقت التّعليق فالظّاهر بقاءه باستصحاب الحال إلى وقت وجود الشّرط، واذا لم يوجد الملك وقت التعليق لا يكون الجزاء غالب الوجود، فلا يفيد اليمين فائدتها، وهي المنع عن الإقدام على وجود الشرط الذي يلزم منه نزول الجزاء، وفيما بين ذلك الحال حال بقاء اليمين فنستغني عن قيام الملك، كما إذا علّق طلاقها بالشّرط فأبانها وانقضت عدّتها، ثم تراجع بانت بالشّرط. فإنّها تطلق بالإجماع (١)، واليمين لم يبطل بزوال الملك وكان كالنصاب إذا انتقص في خلال الحول لم يضره، وإن قال لها: إن دخلت الدّار فأنت طالق ثلاثاً، فطلّقها ثنتين إلى آخره، فائدة الخلاف لم يظهر في هذا الذي ذكره في الكتاب، فَإِنَّهَا إذَا تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ وَعَادَتْ إلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ دَخَلَتْ الدَّارَ يَقَعُ عَلَيْهَا الثَّلَاثُ بِالِاتِّفَاقِ (٢)، أمّا عند محمّد ﵀ فلعدم الهدم، وأمّا عندهما وإن وجد الهدم، فبالدخول في الدّار تقع الثّلاث؛ لأن الثّلاث معلقة بدخول الدّار (٣).

стр. 1832

وإنّما يظهر ثمرة الاختلاف فيما إذا علق الطّلقة الواحدة بدخول الدّار، ثم نجزها طلقتين وتزوّجت بزوج آخر، فعادت إلى الأوّل، ودخلت الدّار، تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ الْغَلِيظَةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ (١)، لِعَدَمِ الْهَدْمِ، وَعِنْدَهُمَا لا يثبت لتحقّق الهدم قَدْ بَقِيَ حَتَّى وُقُوعِهَا فَتَبْقَى الْيَمِينُ، أي: بنكاحها ثانياً بعد تزوّجها بزوج آخر، ولنا أنّ الجزاء طلقات هذا الملك؛ لأنّ المطلق يتقيد بدلالة الحل، فينصرف هذا الطّلاق إلى الطّلقات المملوكة، لا الطّلقات المستحدثة بعد التزوّج بزوج آخر؛ لأنّ الطّلقات الثّلاث تابعة لها عن دخول الدّار، فلا يتحقّق بزوج الثاني ولا العود إلى الأوّل ثانياً، فيكون المراد من إطلاق الطّلاق هو الطّلقات المملوكة من حيث الظّاهر، أو لأنّها لما تزوّجت بزوج آخر فالظّاهر أنّها لا تعود إلى الأوّل ثانياً، لما أنّ الزّوج الأوّل أتى بمكروه طبعها، وهو الطّلقات] الثّلاث فائتة جازاه بشيء هو مكروه طبع الزّوج، وهو يحلّل الزّوج الثّاني فإذا كان كذلك لا يوجد ملك الطّلاق المستحدثة (٢) ظاهراً، فلا يكون لذلك مراد الزّوج الطلقات المستحدثة، فتعيّن لإطلاقه الطلقات المملوكة، وقد انتهى ذلك بإرساله الثلاث. وذكر في «المبسوط» وحجّتنا في ذلك أن انعقاد هذه اليمين باعتبار التّطليقات المملوكة، فإن اليمين بالطّلاق لا ينعقد إلا في الملك، أو مضافة إلى الملك، ولم يوجد الإضافة ههنا، فكان انعقادها باعتبار التّطليقات المملوكة، وهي محصورة بالثّلاث، وقد أوقع كلّه والكلّ من كلّ شيء لا يتصوّر بعدده، فعرفنا أنّه لم يبق شيء من الجزاء المتعلّق بالشّرط طلاقاً كان أو غيره (٣)، والطريق المعتمد أن يقول بوقوع الثلاث عليها خرجت من أن يكون محلاً للطّلاق؛ لأنّ الطّلاق مشروع لرفع الحل، وقد ارتفع الحلّ بالتّطليقات الثّلاث، وفوت محلّ الجزاء يبطل اليمين كفوت محلّ الشّرط بأن قال: إن دخلت هذه الدّار، ثم جعل الدّار بستاناً أو حمّامًا لا يبقى اليمين فهذا مثله. فإن قلت: يشكل هذا بما إذا قال لعبده: إن دخلت الدّار فأنت حر، ثم باعه، ثم اشتراه، فدخل الدّار يعتق، مع أنّه بالبيع لم يبق العبد محلاً ليمينه، وكذلك بقيت هذه المرأة لحكم النكاح في حقّ الظّهار بعد الثلاث، فتبقى في حقّ الطّلاق أيضاً.

стр. 1833

لأنّهما حكمان مستفادان من ملك النكاح، وهو أنّه لو قال: لها إن دخلت الدّار فأنت عليّ كظهر أمي، ثم طلقها ثلاثاً، ثم عادت إليه بعد زوج يكون مظاهراً منها إذا دخلت الدّار، وكذلك لو طلّقها ثنتين في مسألة اليمين، ثمّ عادت إليه بعد زوج آخر فدخلت الدّار، تطلق ثلاثاً ما الفرق بين هذه المسائل؟. قلت: أمّا الأوّل فإنّ العبد بصفة الرّق كان محلاً للعتق، وبالبيع لم يفت تلك الصفة حتّى لو فاتت بالعتق لم يبق اليمين، وأمّا الثّاني فلأن محلتّه الطّهار لا ينعدم بالتّطليقات الثّلاث؛ لأن الحرمة بالظّهار غير الحرمة بالطّلاق، فإن تلك الحرمة حرمة إلى وجود التّكفير، وهذه حرمة إلى وجود ما يرفعها، وهو الزّوج الثّاني، إلا أنّها لو دخلت الدّار بعد التطليقات الثلاث إنّما يصير مظاهراً؛ لأنّه لا حل بينهما في الحال والظّهار تشبيه المحلية بالمحرمة، وذلك يوجد بعد التزوّج بها إذا دخلت الدّار. وأمّا الثّالث فإنّها إنّما تطلق ثلاثاً عند دخول الدّار؛ لأنّ المحلّ باق بعد الثنتين فإنّ المحليّة باعتبار صفّة المحلّ، وهي قايمة بعد الثنتين فيبقى اليمين، وعلى هذا لو قال: أنت طالق كلمّا حضت حيضة فبانت بثلاث، ثم لو عادت إليه بعد زوج لم يقع عليها شيء إن حاضت، إلا على قول زفر، وكذلك إن أتى منها فبانت بالإيلاء، ثمّ تزوّجها فبانت أيضاً، حتّى بانت بثلاث، ثم تزوّجها بعد زوج لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا بِهَذَا الْإِيلَاءِ طَلَاقٌ، إلا على قول زفر (١) ﵀ ولكن إن قربها كفر يمينه؛ لأنّ اليمين نافية فإنّ انْعِقَادَهَا وَبَقَاءَهَا لَا يَخْتَصُّ بِمَحَلِّ الْحِلِّ، فَإِذَا قَرُبَهَا، تَحَقَّقَ حِنْثُهُ فِي الْيَمِينِ، فَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ-كذا في «المبسوط» (٢) -وقد فات، أي الجزاء المملوك، وَإِنْ لَبِثَ سَاعَةً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْمَهْرُ، يريد به العقر، أي عندهما، خلافاً لأبي يوسف ﵀ وإن أخرجه ثمّ أدخله وجب عليه المهر، أي بالإجماع (٣). (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ (٤) رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ أَنَّهُ أَوْجَبَ الْمَهْرَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ). أي: فيما إذا لم يخرجه، لوجود الاستمتاع في غير الملك.

стр. 1834

وحاصله أنهُ جَعَلَ الدَّوَامَ عَلَى اللَّبَاثِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِمَنْزِلَةِ الدُّخُولِ الِابْتِدَائِيِّ. وجه الظّاهر أنّ الجماع إدخال الفرج في الفرج ولا دوام للإدخال، ولما لم يكن له الدّوام لم يجعل الدّوام على الإدخال بمنزلة الإدخال الابتدائي، فلم يجب العقر فيما إذا لم يخرجه ثمّ يدخله، والجماع في الأصل عبارة عن الموافقة والمساعدة في أي شيء كان، فإن محمّدًا ﵀ كثيراً ما يقول في كتاب الحج على أهل المدينة ألستم قد جامعتمونا في كذا أي وافقتمونا. وحكي عن الطّحاوي ﵀ أَنَّهُ كَانَ يُمْلِي عَلَى ابْنَتِهِ مَسَائِلَ يَقُولُ فِي إمْلَائِهِ أَلَسْنَا قَدْ جَامَعْنَاكُمْ عَلَى كَذَا، أَوَلَسْتُمْ قَدْ جَامَعْتُمُونَا عَلَى كَذَا، فَتَبَسَّمَتْ ابْنَتُهُ يَوْمًا مِنْ ذَلِكَ فَوَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ مَا شَأْنُك؟ فَتَبَسَّمَتْ مَرَّةً أُخْرَى، فَأَحَسَّ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهَا ذَهَبَتْ إلَى الْجِمَاعِ الْمَعْرُوفِ بِهَذَا اللَّفْظِ، فَقَالَ أَوَ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا فَاحْتَرَقَ غَضَبًا، وَقَطَعَ الْإِمْلَاءَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ اللَّهُمَّ لَا أُرِيدُ حَيَاةً بَعْدَ هَذَا فَتَمَنَّى الْمَوْتَ فَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ نَحْوِ خَمْسَةِ أَيَّامٍ كذا في «الفوائد الظهيرية» (١)، لوجود المساس مع أن هذا له حكم دوام الجماع -عند أبي يوسف- كيلا يمنع مانع فأمّا دوام المساس فموجود بالإجماع (٢) والله أعلم. فصل في الاستثناء (٣) الحق بالتّعليق فصل الاستثناء؛ لأنّهما جميعًا من بيان التغير، ولأنّ الشّرط يمنع كلّ الكلام، والاستثناء يمنع بعض الكلام، والجزء يتبع الكلّ، ثم ذكر أولاً في هذا الفصل من مسائل الاستثناء مسألة إنشاء الله تعالى لقربها ومشابهتها بمسائل ما قبل الفصل من مسائل التّعليق بوجهين: أحدهما: وجود حرف الشّرط منهما، والثّاني منع موجب كلّ الكلام، الاستثناء: استفعال، من الثني وهو الصّرف، يقال: شئت الشيء عطفته، ثم المناسبة بين قوله: إنشاء الله وبين الاستثناء من حيث أن كلّ واحد منهما يمنع أول الكلام أو هو اسم توقيفي، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ (٤)، ثم اختلفوا في أن قوله: إنشاء الله بعد ذكْرِ الْجُمَلِ لِلْإِبْطَالِ أَوْ لِلتَّعْلِيقِ؛ ذكر ذلك في باب الاستثناء من إقرار هذا الكتاب، فقال: لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ إمَّا إبْطَالٌ أَوْ تَعْلِيقٌ، أي: إبطال على قول أبي يوسف (٥)، وتعليق على قول محمّد (٦)، وثمرة الاختلاف تظهر في مواضع: أحدها: أنّه إذا قدم المشيئة، فقال: إن شاء الله أنت طالق، عند أبي يوسف (٧) ﵀ لا يقع الطّلاق؛ لأنّه إبطال، فيبطل الطّلاق سواء قدم أو أخّر، بخلاف الفاء أو بغيره.

стр. 1835

وقال محمّد (١): يقع الطّلاق؛ لأنّه للتّعليق، فإذا قدّم الشّرط ولم يذكر حرف الجزاء لم يتعلّق، وبقي الطلاق من غير شرط -كذا في الجامع الكبير لقاضي خان (٢) -، وذكر في كتاب قاضي والفتوى على قول أبي يوسف (٣)، والثاني يظهر فيما ذكر في «الإيضاح» (٤). ولكن ذكر الاختلاف فيه على عكس ما ذكر في «الجامع الكبير» لقاضي خان فقال قال أبو يوسف ﵀ هذه الكلمة شرط (٥). وقال محمّد: رفع للكلام والاختلاف يظهر فيما إذا جمع بين ثنتين، فقال: أنت طالق إنْ دَخَلْت الدَّارَ، وَعَبْدِي حُرٌّ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا إن شاء الله، قال أبو يوسف: يعود إلى الجملة التّامة، وقال محمد: ينصرف إلى الكلّ، فأبو يوسف اعتبر صيغة الشّرط والأصل في الجملتين إذا وجدنا، ثم عقب ذلك لم يشرط أن ينصرف الشّرط إلى الجملة التّامة، ومحمّد اعتبر معنى الكلام، فقال: الصيغة صيغة الشّرط ومعناه رفع الحكم وإعدامه على خلاف سائر التعليقات، فإن التعليق بالشروط وإن كان إعداماً للحال ولكن عرضية الوجود له ثابتة عند وجود الشّرط، والتّعليق بمشيئة الله إعدام لحكم الكلام أصلاً؛ إذ لا طريق للوقوف على المشيئة، وإحدى الجملتين ليست بأولى في الانعدام من الأخرى فانصرف إلى الكلّ (٦). ولو قال: أنت طالق وعبدي حرّ إنشاء الله، انصرف إليهما بلا خلاف؛ لأنّه إن اعتبر شرطًا -كما قاله أبو يوسف (٧) - انصرف إليهما وإذا اعتبر رفعًا -كما قاله محمّد- فكذلك، وذكر في «المحيط» (٨) ما يوافق لما ذكر في «الإيضاح» (٩)، فقال: قوله: إن شاء الله، يستعمل لإبطال الكلام أو يستعمل استعمال الشّروط للتّعليق، فعلى قول أبي يوسف (١٠) يستعمل استعمال الشروط، وعلى قولهما يستعمل استعمال الإبطال، حتّى أن من قال لامرأته: إن شاء الله أنت طالق، إنشاء الله وأنت طالق، فعلى قولهما لا يقع الطّلاق، وعلى قول أبي يوسف يقع.

стр. 1836

والثالث: يظهر فيما ذكر في طلاق «فتاوى قاضي خان»، فقال: ثم اختلف أبو يوسف ومحمّد أن الطّلاق المعروف بالاستثناء في موضع يصح الاستثناء هل يكون يمينًا؟ قال أبو يوسف: يكون يمينًا حتّى لو قال لامرأته: إن حلفت بطلاقك فعبدي حرّ، ثم قال لها: أنت طالق إنشاء الله، حتّى يصحّ الاستثناء عندهما يحنث، في قول أبي يوسف، وقال محمّد (١): لا يكون يمينًا ولا يحنث، وإنماعدام أي: أنّ الاستثناء لعدم العلية قبل وجود الشّرط، والشّرط لا يعلم ههنا فيكون إعداماً من الأصل، فلذلك صار هو لإبطال الكلام (٢). وذكر في «شرح الطّحاوي» أنّ قوله إنشاء الله (٣)، كما يعطل] ويبطل (٤) الكلام الذي قبله، كذلك لو قال: إن لم يشأ الله، أو قال ما شاء الله يبطل الكلام، وكذلك إذا علق بمشيئة من لا يظهر مشيئته لنا، كما إذا قال: أنت طالق إن شاء الجن، أو هذه الحائط، وما أشبه ذلك، ولو قال: أنت طالق إن شاء فلان، فعلم فلان ذلك في المجلس فشاء يقع الطّلاق. وكذلك إن كان غائباً فإنّه يقتصر على مجلس علمه، بخلاف ما إذا قال: أنت طالق إن دخل فلان الدّار، أو فعل فعل كذا ففي أي وقت وجد الشّرط يقع الطّلاق، ولا يقتصر على المجلس، قال: وكذا إذا ماتت، هذا معطوف على قوله: لم يقع الطّلاق، والموت ينافي الموجب دون المبطل، هذا جواب سؤال مقدّر، بأن يقال: أن الموت ينافي قوله: أنت طالق. حتّى لا يقع الطّلاق بقوله: أنت طالق حالة الموت، فينبغي أن ينافي المبطل -أيضاً -، وهو قوله: إن شاء الله، كما ينافي الموجب، فحينئذ يقع الطلاق، فأجاب عنه، وقال: أنّ الموت مبطل للإيجاب، كما أن إنشاء الله مبطل له فيتناسبان [من حيث الإبطال فلذلك لم يبطل الموت الاستثناء فلا يقع الطلاق لصحة الاستثناء، بخلاف ما إذا تاب الزوج، أي بعد قوله: أنت طالق، قبل قوله: إنشاء الله وهو يريد الاستثناء] حيث يقع الطّلاق، وإرادته الاستثناء إنّما يعلم فيما إذا كان قال قبل ذلك: إني أطلق امرأتي واستثنى.

стр. 1837

وذكر في «المحيط» (١) فقال: وعلى قياس مسألة النّوازل، قالوا أن من حلف، وأراد أن يقول في آخره: إن شاء الله، فسد إنسان فمه، أنه يكون استثناء، تأويله إذا ذكر الاستثناء بعد دفع اليد عن فمه متصلاً به، وقد وجدنا في نوادر هشام (٢) (٣) أنّه قال: سألت محمدًا عمن قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً، وهو يريد أن يستثنى، فأمسكت بفمه، وحالت بينه وبين الاستثناء، قال يلزمه الطّلاق في القضاء، وفيما بينه وبين الله تعالى. وَالْأَصْلُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَكَلُّمٌ بِالْحَاصِلِ بَعْدَ الثُّنْيَا هُوَ الصَّحِيحُ. هذا احتراز عن قول بعضهم أن الاستثناء من الاثبات نفي ومن النفي إثبات، وهذا ينزع إلى أن في الاستثناء معنى المعارضة، وذلك فاسد لما عرف، ومعناه أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أي: بما بقي من المستثنى منه، فيصحّ استثناء البعض من الجملة فلمّا صحّ استثناء البعض من الجملة بعد ذلك لم يفرق بين أن يكون المستثنى أقل أو أكثر. خِلَافًا لِلْفَرَّاءِ (٤)، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ. قوله ﵀: (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثِنْتَيْنِ)؛ لأنّه استثناء الأكثر، ولكنا نقول طريق الاستثناء ما. قلنا: هو أن يكون عبارة عمّا وراء المستثنى، فشرط صحّته أن يبقى وراء المستثنى شيء يجعل كلامه عبارة عنه، وفي هذا لا فرق بين الأقلّ والأكثر، مع أنّ استثناء الأكثر موجود في القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٥) استثنى الغاوين، وهم أكثر من المؤمنين على ما قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٦)، ولم يذكر في الكتاب (٧) إذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا نصف تطليقة، كم يقع، وقيل: على قول أبي يوسف ﵀ (٨) يطلق ثنتين؛ لأنّ التّطليقة كما لا يتجزأفي الاستثناء، فصار كأنّه قال: إلا واحدة، وعند محمّد يطلق ثلاثاً؛ لأنّ في الإيقاع إنّما لا يتجزأ لمعنى في الموقع، وذلك لا يوجد في الاستثناء] فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: إلَّا وَاحِدَةً في الاستثناء أي: (٩) فيتجزأ فيه.

стр. 1838

وإذا كان المستثنى نصف تطليقة صار كلامه عبارة عن تطليقتين ونصف، فتطلق ثلاثاً، ولا يصحّ استثناء الكلّ من الكلّ؛ لأنّه لا يبقى شيء يصير متكلّمًا به، فلمّا لم يبق شيء ههنا بعد الاستثناء لم يجعل متكلّمًا بما بقي، فبقي كلامه الأوّل كما كان، فيقع الثّلاث. فظنّ بعض أصحابنا (١) أن استثناء الكلّ رجوع، والرجوع عن الطّلاق باطل، فلذلك لم يصحّ وهذا وهم منهم، لما أنّه أبطل استثناء الكلّ في الوصيّة - أيضاً - مع أنّ الوصيّة تحتمل الرّجوع. فدلّ أنّ الطّريق ما قلنا، ولو قال: أنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (٢) ﵀ يطلق ثلاثاً؛ لأنّ عطف بعض الكلمات على البعض والعطف للاشتراك، وعند ذلك صار مستثنى للكلّ، فكأنه قال: إلا ثلاثاً، وهو الظّاهر من قول أبي يوسف (٣)، وروي عنه أنّه يقع واحدة، وهو قول زفر (٤)؛ لأنّه لو قال: إلا واحدة وواحدة كان مستثنى للثنتين، فكان صحيحًا، وإنّما بطل استثناء [الثالثة] فقط كذا في «المبسوط» (٥). وذكر في زيادات المصنف-﵀ (٦) -أنّ استثناء الكلّ من الكلّ إنّما لا يصحّ، إذا كان تعيّن ذلك اللّفظ، أي: تعين لفظ المستثنى منه. وأمّا إذا استثنى بغير ذكر اللّفظ فيصحّ، وإن كان هو استثناء الكلّ [من الكل] من حيث المعنى، فإنّه لو قال: كُلُّ نِسَائِي طَوَالِقُإلَّا كُلَّ نِسَائِي، لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ بل يطلق كلّهن. ولو قال: كلّ نسائي يَقُولَ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا زَيْنَبَ وَهِنْدَ وَعَمْرَةَ وَبَكْرَةَ، لا تطلق واحدة منهنّ، وإن كان هو استثناء الكلّ من الكلّ، فكذلك لو قال: ثلث مالي لزيد إلا ثلث مالي، لا يصحّ الاستثناء. ولو قال: ثلث مالي لزيد إلا ألفاً، وثلث ماله ألف صحّ الاستثناء، وذكر في «المحيط» و «الذّخيرة» (٧)، وذكر القدوري في شرحه إذا أوقع [أكثر] من ثلث، ثم استثنى كان الاستثناء من جملة الكلام، لا من جملة الثّلاث التي يحكم بوقوعها نحو] أن يقول: أنت طالق عشرًا إلا تسعًا، وقعت واحدة فقد صح الاستثناء في هذه الصورة (٨) (٩) أن كان هذا استثناء الكلّ من الكلّ لفظًا، وروي عن محمّد - في النّوادر - نسائي طوالق إلا فلانة وفلانة، وليس له من النسوة سواهنّ صحّ الاستثناء (١٠)، وفي البقالي (١١) به إذا كان كلّ مرأة لي طالق إلا هذه، وليس له غيرها لم تطلق، ثم كما يصحّ الاستثناء من أصل الكلام يصحّ الاستثناء من الاستثناء (١٢)، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ (١٣) إنّه استثنى آل لوط من جملة النّاس، واستثنى امرأة لوط من آله، بيان هذا إذا قال: لها أنت طالق ثلاثاً إلا الاثنين إلا واحدة، يقع ثنتان، والأصل في جنس هذه المسائل أنّ المستثنى ثانياً يجعل مستثنى من الاستثناء الأول، وهو ببيان، ثم ينظر إلى ما بقي من الاستثناء الأوّل فيجعل ذلك مستثنى من أصل الكلام، إذا ثبت هذا فيقول: الاستثناء الثّاني واحدة يجعل مستثنى من الاستثناء الأوّل وهو ببيان، بقي من الاستثناء الأوّل واحدة، فيجعل ذلك مستثنى من أصل الكلام، وهو الثلاث يبقى من أصل الكلام ببيان فهي الواقع.

стр. 1839

فعلم بهذا أن استثناء الكلّ من الكلّ إنمّا لا يصحّ إذا وقع استثناء الكلّ جملة. أمّا إذا استثنى جزء فجزّأ حتّى أتى الكلّ فإنّه يجوز، لما أنّ الاستثناء يصرف فيما صح فيه اللفظ، فلما استثنى الجزء عن الكلّ صحّ لفظًا، فكذلك فيما بقي؛ إذ لو كان الاستثناء يتبع الحكم الشرعي لما صحّ في قوله: أنت طالق عشراً إلا تسعًا؛ لما أنّه لا مزيد على الثّلاث شرعًا، وهو صحيح بلا خلاف كما ذكرنا والله أعلم بالصواب. باب طلاق المريض (١) لمّا فرغ من بيان طلاق الصّحيح سنياً وبدعياً تنجيزًا وتعليقاً صريحًا وكناية كلاً وجزء. شرع في بيان طلاق المريض متعرضاً لبعض ما ذكر إذ المرض من العوارض السّماوية، فأخّر بيانه عن بيان حكم من به الأصل وهو الصحّة، أصل الباب أنّ من أبان امرأته في مرض الموت (٢) من غير رضاها - وهي ممّن ترثه -، ثم مات في عدّتها ورثت، خلافاً للشّافعي (٣) فإن مات بعد انقضاء العدّة لم ترثه، خلافاً لمالك وابن أبي ليلى كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٤). قيد بالإبانة؛ لأنّ في الطّلاق الرجعيّ إذا مات الزّوج وهي في العدّة ترث -أيضاً -، لكن لا باعتبار الفرار، بل باعتبار أن حكم النكاح باق من كلّ وجه، وبمرض الموت؛ لأنّه إذا طلقها ثانياً في مرض ثم صحّ ثم مات، لم ترث وبغير الرضاء؛ لأنّه إذا كانت برضاها لا ترث، وممن ترثه احترازاً عن الكتابية والأمة، فلأنّهما لا ترثان وبالموت في العدّة؛ لأنّه إذا مات بعد انقضاء العدّة لا ترث. قلت: لم يذكر في أصل الباب هذا قيدًا آخر يجب ذكره، وهو أنّ يقول: إذا أبانت المرأة نفسها من الزّوج وهي مريضة، فإن حكم الفرار كما ثبت من جانب الرجل، يثبت من جانب المرأة] أيضا وهو أن المرأة] (٥) إذا ارتدت - والعياذ بالله - وهي مريضة يثبت حكم الفرار في حقها؛ لأنّه تعلق حق زوجها بمالها حين مرضت، فكانت بالردّة قاصدة إلى إبطال حقّه، فارة عن ميراثه، فيرد عليها قصدها، فيرثها زوجها.

стр. 1840

بخلاف ما إذا كانت صحيحة حين ارتدت؛ لأنّها بانت بنفس الردّة، فلم تصير مشرفة على الهلاك؛ لأنّها لا تقبلبخلاف الرجل، فلا يرثها زوجها؛ لأنّها لم تكن فارة، كذا في «المبسوط» (١). وذكر في «المبسوط» قَالَ: ﵁ (٢) -، إذَا طَلَّقَ الْمَرِيضُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا أو واحدة باينة، ثم مات وهي في العدّة فلا ميراث لها منه - في القياس -، وهو أحد أقاويل الشّافعي ﵀، وفي الاستحسان ترث منه، وهو قولنا، وقال ابن أبي ليلى: وإن مات بعد انقضاء العدّة ترث منه ما لم تتزوّج بزوج آخر، وهو قول الشّافعي (٣) ﵀، وقال مالك (٤): وإن مات بعدما تزوجت بزوج آخر فلها الميراث منه، وجه القياس إن سبب الإرث انتهاء النكاح بالموت، ولم يوجد لارتفاعه بالتّطليقات، والحكم لا يثبت بدون السّبب، كما لو طلّقها قبل الدّخول، ولأنّ استحقاق الميراث إمّا بالسّبب أو بالنّسب وقد انعدم الأمران ههنا. وهذا بخلاف ما إذا طلّقها لا بسؤالها؛ لأن السّبب وإن انقطع حقيقة إلا أنا قضينا ببقاء السّبب تصوّنًا عن الإضرار بها، لتعلّق حقّها بماله في ابتداء مرضه، وَلَكِنَّا اسْتَحْسَنَّا؛ لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ ﵃ فقد روى عن إبراهيم (٥) قال: جاء عروة البارقي (٦) إلى شريح (٧) من عند عمر ﵃ بخمس خصال منهنّ: إذا طلق المريض امرأته ثلاثاً ورثته إذا مات وهي في العدّة (٨)، وعن الشّعبي ﵀: أن أم البنين بنت عيينةبن حصن (٩) كانت تحت عثمان بن عفان ﵁ فارقها وورثها بعدما حوصر، فجاءت إلى علي ﵁ بعدما قتل، فأخبرته بذلك، فقال: «تركها حتّى إذا أشرف على الموت فارقها وورَّثها منه» (١٠)، وأن عبد الرحمن بن عوف (١١) ﵁ طلق امرأته تماضر (١٢) أحد التطليقات الثلاث في مرضه، فورَّثها عثمان منه، وقال: «ما اتهمته» (١٣) (١٤)، ولكن أردت السنة، والقياس يترك بإجماع الصحابة (١٥) ﵃.

стр. 1841

فإن قيل: الإجماع، فقد قال ابن الزبير (١) -في حديث تماضر-: لو كان الأمر إلى لما ورثتها. وقال عبد الرّحمن بن عوف ﵁: «ما طلقتها ضراراً ولا فراراً». قلنا: مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵁: مَا وَرَّثْتهَا، أَيْ؛ لِجَهْلِي بِوَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ يَخْفَى عَلَيْهِ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى عُثْمَانَ ﵁، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهَا سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ (٢). ولكن توريث عثمان ﵁ إياها بعد سؤال الطّلاق دليل على أنّه كان يورثها قبله، وقد قيل: هي ما سألته الطّلاق. ولكنّه قال لها: إذا طهرت فآذينني، فلما طهرت آذنته، وبهذا لا يسقط ميراثها. قوله ﵀ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ قَصْدُهُ بِتَأْخِيرِ عَمَلِهِ إلَى زَمَانِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا، بتأخير متعلّق بقوله فيرد، والباء للآلة، وقال: دفعًا مفعول له فيرد، فإن الشّارع لما أخّر عمل الطّلاق إلى انقضاء العدّة في كثير من الأحكام من حرمة التزوج وحرمة الخروج والبروز وحرمة نكاح الأخت. والرّابعة سواها وغيرها صلح ذلك التأخير في تأخير عمل الطلاق في حق الإرث أيضاً، فصار كأنّه لم يطلقها، كما هي كذلك في حق تلك الأحكام، أي: فيرد على هذا المريض المطلق قصده حرمًانها عن الإرث باستعانة تأخير عمل الطّلاق إلى انقضاء العدّة، لأجل دفع الضّرر عن المرأة، وبهذا خرج الجواب عن السؤال الوارد في قوله دفعًا للضّرر. فإن قيل: لما كانت العلّة دفع الضّرر عن المرأة التي تعلّق حقها بماله في ابتداء مرضه، لوجب التّوريث في حقّ غير المدخول بها - أيضاً - إذا طلقها بغير سؤالها، لما أن حرمان الإرث في حقّها ضرر أيضاً. لأنّا نقول إنّما نقول ببقاء النكاح حكمًا عند الإمكان ببقائه حكمًا، وذلك الإمكان عند بقاء العدّة، حتّى إذا انقضت عدة المعتدة لا نقول ببقاء النكاح حكمًا [أيضاً] ولا عدة على غير المدخول بها، لنا فلم يمكن الحكم بالبقاء لذلك، فلم يثبت التوريث، وإن تحقّق الضّرر أو يقول طلب دفع الضّرر هنا أي: في المدخولة أمس من دفع الضّرر في غير المدخولة، لما أن هذه المعتدة لا يمكنها اكتساب السّبب بواسطة التزوج، ولا كذلك ثمة، فلم يلزم من لزوم دفع الضّرر هنا لزوم دفعه هناك، وحاصله أنا نجعل البينونة الموجودة كالعدم، صيانة لحقها ودفعًا للظلم، كما جعل الشّرع القرابة الموجودة في حكم العدم بسبب العقل دفعًا للظلم.

стр. 1842

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا تَرِثُ فِي الْوَجْهَيْنِ (١)، أي: في العدّة وبعد انقضاء العدّة، كما لو كان الطّلاق برضاها أو قبل الدّخول أو مات بعد انقضاء العدّة، وكما لو برأ ثم مات وهي في العدّة، وكما لو ماتت المرأة لا ميراث له منها. ولنا حديث عبد الرّحمن بن عوف وهو المعروف، ولم ينكر عليه أحد -كذا في الشّامل- والزّوجة في هذه الحالة هذا جواب عن حرف الخصم، وهو قوله: ولهذا لا يرثها إذا ماتت، معنى أنّ الزّوج إذا كان مريضاً لا يتعلّق للزّوج حقّ في مال المرأة؛ لأنّ المرأة صحيحة فلا يرث الزّوج إذا ماتت؛ إمّا لأنّه لم يتعلّق حقه بمالها، أو لأنّه لما طلقها صار راضياً لحرمان إرثه عنها، كما إذا طلقها بسؤالها لا يرث المرأة. فأمّا الزوج فيما نحن بصدده فظالم، فجاز أن يتعلّق حق المرأة بماله، فلا تُحرم عن ميراثه ردًا لقصده. قوله ﵀ فيبطل (في حقه) بالنّصب؛ لأنّه جواب النفي (فإذا طلّقها ثلاثاً بأمرها) إلى آخره وإذا طلّقها بسؤالها فلا ميراث لها. وكذلك إذا وقعت الفرقة بمعنى من قبلها، فلا ميراث لها؛ لأنّا إنما بقينا النكاح في حق الإرث مع وجود القاطع صيانة لحقها، وقد رضيت لبطلان حقها بسؤال الطلاق، ولمباشرته سبب الفرقة فعمل القاطع عمله. وعن هذا قلنا أن امرأة العنين إذا اختارت نفسها في مرض الموت، فلا ميراث لها، وإذا جامعها ابن المريض مكرهة لم يرث؛ لأنّ الفرقة غير مضاف إلى الزّوج، وبقاء الإرث بعد الفرقة بسبب الفرار، وذلك عند إضافة الفعل إليه، فإذا لم يوجد لا يبقى الميراث، قال: إلا أن يكون الأب أمر الابن بذلك؛ لأنّه ينتقل فعل الابن إلى الأب في حق الفرقة، فصار كأن الأب باشر بنفسه للفرقة فيصير فاراً. وفي «فتاوى أبي الليث» (٢): (٣) إذا قالت لزوجها: طلّقني فطلقها ثلاثاً، ثم مات وهي في العدّة ورثت استحساناً؛ لأنّها سألت الواحدة وهو طلقها ثلاثاً، بغير رضاها -كذا في «المحيط» (٤) - ثم مات وهي في العدّة لم ترثه، وكذلك إذا كانت المرأة أمة أو كتابية حين أبانها في مرضه، ثمّ عتقت الأمة وأسلمت الكتابية، فلا ميراث لها وإن مات [وهي] في العدّة؛ لأنّه لم يكن فارًا من ميراثها، ثم طلقها، إذ لم يتعلّق حقّها بماله في المرض، فلو ورثت كان فيه إقامة العدة مقام النكاح في ابتداء الاستحقاق بعد العتق والإسلام، وذلك غير ما اتفق عليه الصّحابة، فلا يمكن إثباته بالرأي -كذا في «المبسوط» (٥) -، وَالتَّأْخِيرِ لِحَقِّهَا، أي: تأخير عمل الطّلاق لأجل حقّ المرأة، فإذا رضيت بسقوط حقّها بالخلع، فلا حاجة إلى تأخير عمل الطّلاق لأجل حق المرأة إلى انقضاء العدّة في حقّ التّوريث، وإن قال لها في مرضه: إلى آخره، فعند أبي حنيفة ﵀ في هذه المسألة والمسألة التي تجيء بعدها يجب الأقلّ، وقول زفر في مقابلته يجب فيهما بالغًا ما بلغ، وعندهما في المسألة الأولى تجب بالغًا ما بلغ.

стр. 1843

وفي الثّانية يجب الأقل وَهِيَ سَبَبُ التُّهْمَةِ، وَالْحُكْمُ يُدَارُ عَلَى دَلِيلِ التُّهْمَةِ وَلِهَذَا يُدَارُ عَلَى النِّكَاحِ وَالْقَرَابَةِ، وهي أي: العدّة بسبب التهمة، أي تهمة إيثار الزّوج الزّوجة على سائر الورثة بزيادة نصيب لها كما في حقيقة الزّوجة، والحكم: أي عدم صحّة الإقرار والوصيّة على دليل التّهمة كالعدّة والنكاح والقرابة. وَلِهَذَا يُدَارُ، أي: الحكم الذي ذكرنا وهو عدم صحّة الإقرار والوصيّة، عَلَى النِّكَاحِ وَالْقَرَابَةِ؛ أي: لا يجوز وصيته ولا إقراره لمنكوحته وقريبه، لهذا المعنى وهو أن الْحُكْمُ يُدَارُ عَلَى دَلِيلِ التُّهْمَةِ، فالنكاح والعدة والقرابة دليل التهمة، وتلخيص هذا الكلام هو أن في إقراره ووصيته لمنكوحته بعد الطّلاق تهمة المواضعة، فإنّ الإنسان قد يختار الطّلاق لينفتح باب الوصيّة والإقرار له، ولكن التهمة أمر مبطّن، فلذلك أراد الشّرع حكم التهمة مع دليل التهمة، ولم يعتبر التّهمة عند عدم دليلها. ألا ترى أنّه أدار حكم التّهمة وهو عدم قبول الوصيّة والإقرار مع النكاح والقرابة، حيث لم تجوز الوصيّة والإقرار بمنكوحته به ولقريبه بالإجماع؛ فلذلك لم يعتبر أيضاً الوصية والإقرار بمعتدته. وأمّا المرأة التي يصادف الزّوجان على أنّ عدتها قد انقضت فليس فيه دليل التهمة، فلذلك اعتبرنا صحّة إقراره ووصيته لها، لكونها أجنبيّة كسائر الأجنبيات، يوضحه أنّه لو اعتبرت التهمة هنا، لاعتبرت في حقّ التزوّج لما أن الحلّ والحرمة يوجد فيهما بالاحتياط، وإذا كان يجوز له أن يتزوّج أختها وأربعًا سواها، ويجوز لها أن تتزوّج بزوج آخر، عرفنا أنّه لا تهمة فيه أصلاً، وأبو حنيفة ﵀ (١) لَمَّا مَرِضَ، وَالنِّكَاحُ قَائِمٌ بَيْنَهُمَا فِي الظَّاهِرِ، فَقَدْ صَارَ مَمْنُوعًا عَنْ الْإِقْرَارِ، والوصيّة لها، ومحتمل تهمة المواضعة إلى آخره، ولكن هذه التهمة فيما بينهما وبين سائر الورثة لا في حق الشّرع، وحلّ التزوّج حق الشّرع؛ فلهذا صدقا في ذلك -كذا في «المبسوط» (٢) وجامع الصّغير لفخر الإسلام-. قال بكر ﵀: ما تأخذه، تأخذه بطريق الميراث لا بطريق الدّين، وفايدته يظهر لو نوي شيء من التركة قبل القسمة، فالنوى على الكلّ ولو كان ما يأخذه يأخذه بطريق الدّين لَكَانَ التَّوَى (٣) على الورثة مادام شيء من التركة قائمًا، وكذا لو طلبت أن يأخذ دنانير (٤) والتركة عروض، ليس له ذلك ولو كان ما تأخذه تأخذه دينًا، فكان لها ذلك، ولو أرادت أن تأخذ من عين التركة ولا يعطها الورثة ليس لها ذلك، وتعامل فيه بناء على زعمها؛ لأنّ في زعمها أن لا تأخذه تأخذه بطريق الدّين، فالحاصل أنّ الشّرع رجح جانب الورثة أن يعطوها من عين التركة فلهم ذلك، وإن اختاروا أن يُعْطُوهَا مِنْ غَيْرِ التَّرِكَةِ فلهم ذلك -كذا ذكره التمرتاشي (٥) -، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ أي حُكْمُ الْفِرَارِ بما هو في معنى المرض إلى آخره، فأثبتهذا أن حكم الفرار غير منحصر بالمرض، بل كلّ شيء يقربه إلى الهلاك غالباً، فهو في معنى مرض الموت وما لا فلا.

стр. 1844

وفي «المبسوط»: والحاصل أنّ المريض مشرف على الهلاك، وكلّ سبب يعرض ممّا يكون الغالب فيه الهلاك فهو بمنزلة المرض، وما يكون الغالب السّلامة وقد يخاف الهلاك منه -أيضاً- لا يجعل بمنزلة المرض، ولهذه أخوات تخرج على هذا الحرف، منها راكب السّفينة بمنزلة الصّحيح، فإن تلاطمت الأمواج وخيف الغرق فهو كالمريض في هذه الحالة، والمرأة الحامل كالصّحيحة فإذا أخذها الطلق فهي كالمريضة، والمقعد والمفلوج (١) مادام يزداد ما به كالمريض وإن صار قديمًا لا يزداد كان بمنزلة الصّحيح في الطّلاق وغيره؛ لأنّه ما دام يزداد في علته فالغالب إن آخره الموت، وإذا صار بحال لا يزداد فلا يخاف منه فهو بمنزلة الصّحيح -كذا في «المبسوط» (٢) -. وقال (اذَا مَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ، أَوْ قُتِلَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ) إلى آخره، وإذا طلّقها في مرضهثم قتل أو مات من غير ذلك المرض، غير أنه لم يصح، فلها الميراث، وكان عيسى ابن أبان ﵀ (٣) يقول: لا ميراث لها؛ لأن مرض الموت ما يكون سبباً للموت، ولما مات لسبب آخر علمنا أنّه لم يكن مرضه مرض الموت، وإن حقها لم يكن متعلقاً بماله يومئذ، فهو كما لو طلّقها في صحّته. ولكنّا نقول قد اتّصل الموت بمرضه حين لم يصح حتّى مات. وقد يكون للموت سببان، فلا يتبين بهذا أن مرضه لم يكن مرض الموت، وإن حقّها لم يكن ثابتًا في ماله، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ إرْثَهَا مِنْهُ بِحُكْمِ الْفِرَارِ، وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ ههنا -كذا في «المبسوط» (٤) -. (إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ)، إلى قوله: فأنت طالق، أي: فأنت طالق باين؛ لأن حكم الفرار إنما يعطى له إذا كان الطّلاق باينًا - على ما ذكرنا -وكانت هذه الأشياء أي: ووجدت هذه الأشياء تامة إلا في قوله: (إذَا دَخَلْت الدَّارَ)، أي: إلا في فصل واحد، وهو ما إذا كان التعليق بفعلها الذي لها منه بدّ فإنّه لا يصير فاراً. وَلَنَا أَنَّ التَّعْلِيقَ السَّابِقَ يَصِيرُ تَطْلِيقًا عِنْدَ الشَّرْطِ حُكْمًا لَا قَصْدًا، يظهر ذلك بمسألتين، إحداهما: أنّه لو علق طلاق امرأته بالشّرط، ثمّ وجد الشّرط وهو مجنون، فإنّه يقع الطّلاق مع أن طلاق المجنون غير واقع، علم أنّ التّطليق هنا غير حقيقي.

стр. 1845

والثّانية: أنّ الرّجل إذا علق طلاق امرأته بشرط، ثم حلف أن لا يطلق امرأته، ثمّ وجد الشّرط لا يحنث، فلو كان وجود الشّرط بمنزلة التّطليق حقيقة لحنث؛ ولأنّه لم يوجد منه صنع بعد التّعليق في حالة الصحّة في حقّ وجود الشّرط، ولا كان متمكنًا من المنع؛ لأن ما كان يقدر على إبطال التّعليق ولا على منع الأجنبي من إيجاد الشّرط فلا يكون ظالماً، فلم يترتب عليه ما ترتب على الفار الظّالم، ولأنا إن نظرنا إلى التّعليق فحقها لم يكن متعلقاً بماله وقت التعليق، وإن نظرنا إلى الشّرط فلا صنع للزّوج، فلا يكون فاراً أو لابدّ له منه يصير فاراً. فإن قيل يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِيرَ فَارًّا فِي التَّعْلِيقِ بِالْفِعْلِ الَّذِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ إذَا كَانَ مِمَّا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ يَصِيرُ مُضْطَرًّا في مباشرة ذلك الفعل، فلا يصير الفعل ظلمًا فلا يرث. قلنا: الاضطرار في جانب الفاعل لا ينفي وجوب الضّمان عنه، كمن اضطرّ إلى أكل مال الغير، أو إلى قتل الجمل الصائل، أو أتلف مال غيره، نائمًا أو مخطئاً أو لحاجته إلى سدّ رمقه واستيفاء بهجته، فإنّه يضمن، وإن لم يوصف فعله بالظلم، لما أنّ بقاء عصمته للغير يكفي لإيجاب الضّمان، فكذلك ههنا لم ترث؛ لأنّها راضية بذلك، فصار كأنّه طلقها بسؤالها لما أنّ الرضاء بالشّرط رضاء بالمشروط. فإن قيل: لا كذلك فإنّ أحد الشريكين في العبد إذا قال لصاحبه: إن ضربته فهو حرّ، فضربه يعتق وللضارب ولاية تضمين الحالف، مع أنّ الضّارب ضربه باختياره، فلم يجعل ذلك منه رضاء يعتقه. قلنا: الرضاء بالشّرط يكون رضاء بالمشروط إذا كان إقدام الشّرط باختياره ورضاه. وأمّا إذا كان مجبوراً فلا كما في الشق الثاني من لْفِعْلُ مِمَّا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ كَأَكْلِ الطَّعَامِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ-على ما ذكر في الكتاب (١) -، والذي ذكرته من مسألة الإعتاق من قبيل ذلك، فإن تلك المسألة موضوعة في كتاب العتاق، فيما إذا كان قال: أحد الشّريكين إن لم أضرب هذا العبد اليوم فهو حرّ، فقال له شريكه: إن ضربته سوطًا فهو حرّ، فضربه، قال: للضّارب تضمين الحالف، وهو مضطر إلى اكتساب هذا الشّرط وفعل الشّرط بطريق الاضطرار لا يدل على رضاه بالمشروط. ولا كذلك في مسألتنا فكانت راضية بالمشروط؛ لأنّها أقدمته باختيارها، -إلى هذا أشار في «الفوائد الظهيرية» (٢) - أو يقول: أن حكم الفرار حكم ثبت على خلاف القياس بشبهة العدوان، لما ذكرنا في أوّل الباب، فكذلك ينفي حكمه -أيضاً- بشبهة الرضاء، ولا كذلك حكم الضمان، وقد وجد هنا شبهة رضا المرأة فكفى ذلك لنفي حكم الفرار.

стр. 1846

قوله ﵀ في الدنيا راجع إلى أكل الطّعام. وقال: أو في العقبى راجِعٌ إلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ، قِيلَ إنَّمَا خَصَّهَا بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ جَمِيعُ الْمَكْتُوبَاتِ فِيهِ سَوَاءً؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ (١)، فكان الفهم في النّظير إلى الأوّل أسبق، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ (٢)، أي: لاترث المرأة؛ لأنّه حين علق الزّوج الطّلاق لم يكن لها في ماله حق، فلا يتهم بالقصد إلى الفرار، ولم يوجد بعد ذلك منه صنع، وأكثر ما في الباب أن ينعدم رضاها أو فعلها باعتبار أنّها لاتجد منه بدًا، فيكون هذا كالتّعليق بفعل حسي أو بمجيء رأس الشّهر، وقد بيّنا أنه هناك لا يرث إذا كان التّعليق في الصحّة. فكذا ههنا لما أنّ الزّوج لما يباشر العلة في مرضه ولا الشّرط، فلا يكون فاراً، وهما يقولان: أنّها مكرهة من قبل الزّوج؛ لأن حد المكره أن يكون مضطراً بين شرين، والمرأة كذلك؛ لأنّها لو باشرت الشّرط تتضرّرفوقع الطّلاق، وإن امتنعت تعاقب في دار الآخرة، وهذا الاضطرار جاء من قبل الزوج، فكانت مكرهة فيضاف فعلها إليه، كمن أكره إنسانًا على إتلاف مال نفسه؛ هذا لأن الإكراه كما يقع بخوف تلف عاجل، فكذلك يقع بالتّفسيق. ألا ترى أن فعل القاضي في باب القضاء بالشهادة، فيقول إلى الشّاهد حتى يكون الضّمان عليهم إذا رجعوا؛ لأنّ القاضي يصير ملجأ إليه بشهادتهم؛ لأنّه تفسيق لو لم يفضبها، إلى هذا أشار في «المبسوط» و «الأسرار» و «الجامع الصّغير» لقاضي خان، وذكر في «مبسوط فخر الإسلام» (٣) في هذه المسألة: الصّحيح ما قاله محمّد (٤)، قوله ﵀: ولو طلّقها فارتدت، أي: طلقها ثلاثاً أو باينًا، فإنّه إن لم يظهر أثر الثلاث والبينونة في الارتداد، فظهر فيما ذكره بمقابلته من مسألة المطاوعة، فإنّها إنما ترث في المطاوعة بعد الطّلاق الباين. وأمّا إذا طاوعت ابن زوجها حال قيام النكاح أو بعد الطلاق الرجعي، فلا ترث بوقوع الفرقة بالمطاوعة وهي في العدّة لم ترث.

стр. 1847

بخلاف النّفقة، فإنّها بالردّة تسقط ثم بالإسلام تعود؛ لأنّها معتدة -كذا ذكره الإمام التمرتاشي (١) ﵀؛ إذْ الْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ أَحَدًا؛ لأن الإرث ولاية لنفوذه على المورث وعلى سائر الورثة، وبالارتداد تنقطع الولاية؛ لِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ لَا تُنَافِي الْإِرْثَ، بل تنافي النكاح كَمَا فِي الْأُمِّ وَالْأُخْتِ وهو الباقي، أي: الإرث، فَتَكُونُ رَاضِيَةً بِبُطْلَانِ السَّبَبِ، أي: سبب الإرث وهو النكاح، لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِالْمُطَاوَعَةِ لِتَقَدُّمِهَا عَلَيْهَا، أي: لتقدم الحرمة الحاصلة بالطّلقات الثلاث على المطاوعة، ولاعن في المرض ورثت. وقال محمّد ﵀: لا ترث؛ لأنّ الطّلاق إنّما يقع بلعانها؛ لأنّه آخر اللعانين، فكان آخر المدارين (٢). فإن قيل: لا كذلك، لأن الفرقة إنّما تقع بقضاء القاضي عندنا، فكان القضاء آخر المدارين. قلنا: اللعان شهادة عندنا - على ما يأتي - والحكم أبدًا يثبت بالشّهادة لا بالقضاء، وجه قولهما: أن الفرقة وإن كانت تقع بلعانها، إلا أنّها مضطرة في ذلك، لاستدفاع العار عن نفسها. وقد ذكرنا أنها إذا باشرت الشّرط عن اضطرار، لا تحرم عن الميراث -كذا في «الفوائدالظهيرية» (٣) -. وقد بيّنا الوجه فيه، وهو قوله: لأنّها مضطرة في المباشرة فيكون ملحقاً بالتّعليق بمجيء الوقت، فصار كأنّه قال: إذا مضت أربعة أشهر ولم أقربك، فأنت طالق، ولو علّق الطّلاق في صحّته بأمر سماوي، ووجد الشّرط في المرض لا يكون فارًّا، فلذلك ههنا. فإن قيل: الإيلاء ليس نظير تعليق الطّلاق بمجيء الوقت، وإن كان الإيلاء في الصحّة لما أنّه متمكن من إبطال الإيلاء بالعي، فإذا لم يبطل في حالة المرض، صار كأنّه إنشاء الإيلاء في المرض، وهناك يرث فكذلك ههنا، فكان نظير من كلّ وكيلاً في صحّته بالطّلاق، فطلّقها الوكيل في المرض كان فارًّا؛ لأنّه كان متمكنًا من العزل فإذا لم يعزل جعل كأنّه إنشاء، كذلك ههنا. قلت: الفرق بينهما ثابت وهو أنّه لا يمكنه إبطال الإيلاء إلا بضرر يلزمه، فلم يكن متمكّنًا مطلقاً، خلاف مسألة الوكالة -كذا ذكره الإمام قاضي خان ﵀، (والطلاق الذي يملك فيه الرجعة، ترث به في جميع الوجوه)، أي: سواء كان الطّلاق بسؤالها أو بغير سؤالها، وسواء كان التّعليق بفعلها أو بفعله، وسواء كان الفعل ممّا لها منه بدًّا ولم يكن سوى قيام العدّة، فإنّه مشروط فيها جميعًا والله أعلم.

стр. 1848

باب الرّجعة (١) وقد نبّهت مراراً على أن كل ترتيب أوجب طبعًا يوجب وضعًا (٢). فمن ذلك ذكر باب الرجعة في هذا المقام، لما أنّ الرجعة تقتضي سابقة الطّلاق لا محالة؛ إذ الرّجعة شرعت لرفع الطّلاق، والرفع أبدًا يكون بعد الوقوع. فلمّا ذكر وقوع الطّلاق بأنواعه وصفة موقعه من صحيح ومريض، قفاه بذكر الرجعة فيما يستحقّ فيه الرجعة طلباً للتّناسب، ثمّ من محاسن الطّلاق أنّ الله تعالى ترحم علينا بأن لم يجعل الطّلاق قاطعًا للنكاح، ورافعًا للوصلة ذات النجاح؛ إذ لو جعل كذلك تعذّر التدارك بالنّدم وربّما لا ينال بعده كثير من المحاسن والخِدم. فحينئذ قد يفضي إلى أهواء باطنة تستجلب الرحم؛ إذ لا يحسن منه مسكه بمنعه، ولا زيرًا لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً فإنّ النّعمة إذا شرفت على الزّوال عزّت، وعطف من لم يرث إليها هزّت. فلذلك جعله قاطعًا للنكاح عند انتفاخ الضغينة وانضمام القرينة من صفة البينونة أو الفداء أو الثّلاث، ليكون ذلك مضافاً إلى فعله الناشئ منه بغير اكتراث، يقال: رجع بنفسه رجوعًا، ورجع إلى الجواب رجعًا، وقال تعالى: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ (٣)، وله على امرأته رُجعة ورَجعة، والفتح أفصح، ومنها الطّلاق الرجعي كذا في «الصّحاح» و «المغرب» (٤). أصل الباب هو [أن] صريح الطّلاق بعد الدّخول دون الثّلاث في الحرّة ودون الثّنتين في الأمة معقب للرجعة بالكتاب والسنّة وإجماع الأمة (٥)، وهو ظاهر -كذا في «الجامع الصّغير» لقاضي خان (٦) - وكان شيخي ﵀ يقول: إنما يتحقّق الطّلاق الرجعي بأربع شرايط: أحديها: صريح لفظ الطّلاق، أوبعض الكنايات المخصوصة، والثّانية: أن لا يكون بمقابلته مال، والثّالثة: أن لا يستوفي الثلاثة من الطّلاق إمّا جملة أو تتميمًا، والرّابعة: أن تكون المرأة مدخولاً بها. وذكر في «المحيط» (٧) إذا أراد الرجل أن يراجع امرأته فالأحسن أن يراجعها بالقول لا بالفعل؛ لأنّ صحّة المراجعة بالقول متفق عليها (٨)، وصحّة المراجعة بالفعل مختلف فيها (٩)، لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ (١٠)، يعني قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ (١١)، يعني إذا قرب انقضاء عدّتهن فأمسكوهنّ، لما أنّه لا يصحّ الرجعة بعد انقضاء العدة بالإجماع (١٢)، (والرَّجْعَةُ أَنْ يَقُولَ: رَاجَعْتُك)، أي: في الحضرة (أَوْ رَاجَعْت امْرَأَتِي) أي: في الحضرة والغيبة، لكن بشرط الإعلام لها على ما يجيء؛ لأنّ الإعلام مستحب.

стр. 1849

ومن ألفاظ الرّجعة أيضاً رددتك أو مسكتك أو أن يقول أنت عندي كما كنت] أو أنت امرأتي (١)، إن نوى الرجعة أو أن يقول بالفارسيّة: باز آوردم ترا (٢) آو باز كروان كردم ترا (٣)، وكما تثبت الرجعة بالقول تثبت بالفعل وهو الوطء والتقبيل عن شهوة -كذا في «الجامع الصّغير» لقاضي خان والتمرتاشي رحمهما الله (٤) -. (أَوْ يَطَأَهَا أَوْ يُقَبِّلَهَا أَوْ يَلْمِسَهَا) واللمس من حد نصر وضرب. وقال الإمام قاضي خان ﵀: هذا إذا كان الفعل من الرجل فإن كان من المرأة بأن نظرت إلى فرجه أو قبّلته - على قول أبي حنيفة ومحمّد رحمهما الله (٥) - تكون رجعة، وعلى قول أبي يوسف ﵀ (٦) لا تكون رجعة؛ لأنّ الرّجعة بالقول تكون من جانب الزّوج، ولا تكون من جانب المرأة فكذلك الرّجعة بالفعل. ولهما أن فعل الرّجل إنّما كان رجعة حملاً لفعله على الحلّ، فيستوي فيه الرّجل والمرأة، كما استويا في حرمة المصاهرة، ولهذا لو أدخلت فرجها في فرجه وهو نائم تكون رجعة، فكذلك ههنا، وإن تزوّجها في العدّة لا تكون رجعة في قول أبي حنيفة ﵀، وعلى قول محمّد ﵀ تكون رجعة (٧). قوله ﵀: لِأَنَّ الرَّجْعَةَ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ؛ لأنّ الرّجعةإثبات الحلّ عنده، فكان بمنزلة ابتداء النكاح، ثم النكاح ابتداء لا يصحّ إلا بالقول، فكذا الرجعة. قلت: وهذا الخلاف أعني صحّة الرجعة عندنا بالقول وبالفعل، وعدم صحّتها عنده إلا بالقول بناء على خلاف آخر بيننا وبينه، وهو الخلاف في تفسير الرجعة، فعندنا الرجعة عبارة عن استدامة الملك، والفعل المختص بالملك يكون أدلّ على استدامة الملك من القول، وهو نظير الفيء في الإيلاء، فإنّه منع المزيل من أن يعمل بعد انقضاء المدّة وذلك يحصل بالجماع، وعنده الرجعة عبارة عن إقامة (٨) سبب لاستباحة الوطء ورفع الخلل الواقع في الملك، فلا يكون إلا بالقول، فكان الجماع قبل الرجعة حرام، كما في الجماع قبل النكاح، فهناك لا يثبت النكاح بالفعل، فكذلك هنا -أيضاً- لا تثبت الرّجعة بالفعل -إلى هذا أشار في «المبسوط» (٩) - وعندنا: هو استدامة النكاح على ما بيّناه، وهو إشارة إلى قوله: ألا ترى أنّه سمّى إمساكًا وهو الابقاء.

стр. 1850

وقوله: وسنقرّره، إشارة إلى ما ذكر في آخر هذا الباب، وهو قوله: أنّها قائمة حتّى ملك مراجعتها إلى آخره. فإن قلت: كما سمّى الله تعالى الرّجعة إمساكًا، فكذلك سمّاها ردًّا في قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (١)، وحقيقة الردّ لا يكون إلا بعد الزّوال. قلت: لمّا قامت لنا مسائل إجماعية بأن الملك لم يُزل، لزم علينا أن نحمل معنى الردّ إلى الردّ الذي هو إعادتها إلى الحالة الأولى، حتّى لا تبين بانقضاء العدّة؛ لا لأنّه يعيدها إلى الملك بعد الزّوال، أمّا المسائل فهو أنّه يملك الاعتياض بالخلع بعد الطّلاق الرّجعي إجماعاً، وملك الاعتياض لا يكون إلا بعد بقاء أصل الملك، وكذلك يملك عليها سائر التصرّفات التي كان يملك عليها قبل الطّلاق، وهو الظّهار والإيلاءواللعان، دلّ ذلك على بقاء الملك مطلقاً. فإن قلت: جاز أن يثبت حرمة الوطء، مع قيام أصل الملك، كمن كاتب أمته يحرم وطؤها، وإن بقي الملك بعد الكتابة. قلت: ملك النكاح ليس نظير ملك اليمين، فإن صفة الحلّ تنفك هناك عن أصل الملك ابتداء وبقاء، كما قلنا في الأخت من الرضاعة، والأمة المجوسية، وهنا صفة الحلّ لا تنفصل عن أصل الملك ابتداء وبقاء -إلى هذا أشار في «المبسوط» (٢) -. والأولى في الاستدلال في حلّ الوطء بعد الطّلاق الرّجعيّ ما ذكره في «الأسرار»، فقال: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ (٣)، استثنى الأزواج من وجوب الحفظ، فيثبت أنّه لا يجب والزّوجية قايمة؛ لأنّ الزّوج والبعل سواء لغة، فالله تعالى سمّى المطلّقين بعولة بعد الطّلاق الرّجعي، فقال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٤). وكذلك قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٥)، وأراد به الرّجعة، والإمساك كف عن الزّوال لا ردّ. وَالْفِعْلُ قَدْ يَقَعُ دَلَالَةً عَلَى الِاسْتِدَامَةِكَمَا فِي إسْقَاطِ الْخِيَارِ، كمن باع أمته على أنّ البايع بالخيار ثلاثة أيّام، ثم وطؤها البائع يسقط الخيار، كما إذا أسقط بالقول، وهنا أولى؛ لأنّ في البيع يحتاج إلى رفع السّبب المزيل وهو البيع، أمّا هنا لا يحتاج إلى رفع الطّلاق، بل يحتاج إلى منع ما لولاه يزول والمنع أسهل من الرّفع، فلأن يكون الفعل دليلاً على الاستدامة هنا أولى، والجامع بينهما وجود السّبب المزيل، وَالدَّلَالَةُ فِعْلٌ يَخْتَصُّ بِالنِّكَاحِ، أي: يجب أن تكون دلالة استدامة النكاح التي هي الرجعة بفعل هو مخصوص بالنكاح، مثل الوطء والتقبيل بشهوة والنظر إلى الفرج لا مطلق الفعل، مثل النظر إلى وجهها والمسّ بغير شهوة وهذه الأفاعيل وهي الوطء وغيره يختصّ به أي: بالنكاح.

стр. 1851

فإن قيل لا نسلم ثم أنّ هذه الأفاعيل مخصوصة بالنكاح؛ لأنّها توجد في الأمة المملوكة أيضاً. قلت: إن الملك هو المقصود في الأمة، وهذه الأفاعيل تابعة في حق المملوكة، والتابع معدوم حكماً. قوله ﵀: وغيرهما كالخافضة، وهي الخائنة وكالشّاهد في الزّنا إذا احتاج إلى تحمل الشهادة -في أحد قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - شَرْطٌ لَا تَصِحُّ الرَّجْعَةُ إلَّا بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهَذَا عَجِيبٌ مِنْ مَذْهَبِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجْعَلُ الْإِشْهَادَ (١) على النكاح شرطًا، ويجعل الإشهاد على الرّجعة شرطًا كذا في «المبسوط» (٢). ولنا إطلاق النصوص في الرّجعة من غير شرط الإشهاد، وهي قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ (٦)، وقال ﵇: «مر ابنك فليراجعها» (٧)، وما تلاه وهو قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٨) محمول عليه، أي: على الاستحباب، كيلا يجري التناكر، كما في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٩). لَا تَرَى أَنَّهُ قَرَنَهَا بِالْمُفَارَقَةِ وَهُوَ فِيهَا مُسْتَحَبٌّ، أي: قرن آية الإشهاد فيما تلاه بالمفارقة، حيث قال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١٠) والإشهاد في المفارقة مستحبّ، فكان مستحبًّا في الرّجعة أيضاً.

стр. 1852

فإن قلت: أين ذهب قولكم إنّ القِرَان في النظم، لا يوجب القِرَان في الحكم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) فكيف أوجب ههنا؟. قلت: هذا ليس من قبيل ذاك، فإنّ الذي نحن بصدده جملتان، تقفتهماجملة أخرى واقعًا حكم الأخيرة عليهما على السّواء، وما هذا شأن الجملتين لا يتخلّف حكم أحدهما عن الأخرى، وهذا لأنّ أمر الإشهاد لمّا كان منصرفاً إليهما، وهو لفظ واحد استحال أن يراد من اللّفظ الواحد معنيان مختلفان، فلذلك ما أريد من إحدى الجملتين كان مرادًا من الأخرى، وألا يلزم المحال. يوضحه أن حكم الجملتين لمَّا لم يختلف بسبب شمول حكم جملة أخرى عليهما، كانت الجملتان بمنزلة حمل متّصل ببعض تقّفاها كلمة الاستثناء، فإنّها تشمل الكلّ وتلغي حكم الكلّ، كما إذا قال: أنت طالق، وعبدي حر، وعلي نذر صوم، إن شاء الله، وكذلك لو كان المذكور شرطًا مكان الاستثناء يتعلّق كلّها بالشّرط، فكانت كلّ واحدة من تلك كأنّها جملة ناقصة لدخول كلّها تحت حكم جملة أخرى، والقِرَان في الجمل النّاقصة يوجب القِرَانُ في الحكم، فكذلك ههنا، فكان كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣)، ولا شكّ أنّ ذلك الوعد العظيم شامل لكلّ منهم على السّواء. فكذلك ههنا بخلاف قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٤)، فإنّ كلّ واحدة من الجملتين مستقلة بنفسها، لم يلحقها ما ينافي استقلالها، فكذلك لم يقتضي ثبوت الحكم في إحداهما ثبوته في الأخرى. وذكر في «المبسوط» في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٥)، فقال: ألا ترى أنّه جمع بين الفرقة والرّجعة وأمر بالإشهاد عليهما، ثمّ الإشهاد على الفرقة مستحبّ لا واجب، فكذلك على الرجعة، وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٦) ثم البيع صحيح من غير إشهاد (٧)، فكان قود تقرير هذا كما ترى دالاً على ما قلنا، ويستحبّ أن يعلمها، أي: ويستحبّ للزّوج] إذا راجعها (٨) أن يعلمها بمراجعتها بأنّه راجعها، وذلك لأنّه لو لم يعلمها بالرّجعة ربما تقع المرأة في المعصية، فإنّها ربما تتزوج بناء على زعمها أن زوجها لم يراجعها، وقد انقضت عدّتها فتزوّجت آخر، وجامعها الزّوج الثاني فكانت هي عاصية، وزوجها الذي أوقعها فيها مسيئاً بتركه الإعلام، ولكن مع ذلك لو لم يعلمها بالرّجعة جاز؛ لأنّ الرّجعة عندنا استدامة للقائم، وليست بإنشاء فكان الزّوج بالرّجعة متصرفاً في خالص حقه] وتصرف الإنسان في خالص حقّه (٩) لا يتوقّف على علم الغير - كذا في «المحيط» (١٠) -.

стр. 1853

(وَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ قَدْ رَاجَعْتُك، فَقَالَتْ مُجِيبَةً) -أي: على الفور متّصلة بقول الزّوج -: (قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ)، وذكر في «شرح الطّحاوي»: ولو قال لها راجعتك فقالت المرأة -موصولاً بكلام الزّوج-: انقضت عدّتي، لا تصح الرجعة في قول أبي حنيفة ﵀، وعندهما تصح الرجعة، وأجمعوا أنّها إذا سكتت ساعة، ثم قالت: انقضت عدّتي تصحّ الرّجعة ولو بدأت المرأة بالكلام. (وَإِنْ قَالَتْ قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي، وَقَالَ الزَّوْجُ) -مجيباً لها موصولاً بكلامها-: راجعتك لا تصحّ الرجعة؛ لأنّها صادفت العدة، أي: لأنّ الرجعة صادفت العدّة؛ إذ هي باقية] أي العدّة (١) بَاقِيَةٌ ظَاهِرًا إلَى أَنْ تُخْبِرَ وَقَدْ سَبَقَتْهُ الرَّجْعَةُ، أي: وقد سبقت الرجعة إخبار المرأة بانقضاء العدّة، فصحّت الرجعة، وسقطت العدّة، وهي حين أخبرت إنّما أخبرت بالانقضاء بعد سقوط العدّة، وليس لها ولاية الإخبار بعد سقوط العدّة، كما لو سكتت ساعة ثمّ أخبرت، ولأنّها صارت متّهمة في الإخبار بالانقضاء بعد رجعة الزّوج، فلا يقبل خبرها، كما لو قال الموكّل للوكيل: عزلتك، فقال الوكيل: كنت بعت، حيث لا يصدّق الوكيل، لكونه متّهمًا، ولكونه غير قادر على الإنشاء، فهذا كذلك، وأبو حنيفة ﵀ (٢) يَقُولُ: الرَّجْعَةُ صَادَفَتْ حَالَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَلَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ لَيْسَ بِعِدَّةٍ مُطْلَقًا، وَشَرْطُ الرَّجْعَةِ أَنْ تَكُونَ فِي عِدَّةِ مُطَلَّقَةٍ، وَبَيَانُهُ أَنَّهَا أَمِينَةٌ فِي الْإِخْبَارِ، وَلَا يُمْكِنُهَا أَنْ تُخْبِرَ إلَّا بَعْدَ الِانْقِضَاءِ، فَإِذَا أَخْبَرَتْ مُجِيبَةً لِلزَّوْجِ عَرَفْنَا ضَرُورَةَ أَنَّ الِانْقِضَاءَ سَابِقٌ، وَأَقْرَبُ أَحْوَالِهِ حِلُّ قَوْلِ الزَّوْجِ رَاجَعْتُك، بِخِلَافِ مَا إذَا سَكَتَتْ سَاعَةً، فَإِنَّ أَقْرَبَ الْأَحْوَالِ لِلِانْقِضَاءِ هُنَاكَ حَالُ سُكُوتِهَا، وَلَا يُقَالُ مُصَادِفَةُ الرَّجْعَةِ حَالَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، والرّجعة لا تصحّ مع انقضاء العدّة أيضاً؛ لأنّ الرجعة شرعت بالنصّ في حال بقاء العدّة الموجودة من كلّ وجه في العدة حال الانقضاء لا تكون موجودة من كل وجه، فلا تثبت الرجعة، بدليل أنّه لو قال: لها أنت طالق مع انقضاء عدتك، لا يقع الطّلاق عند انقضاء العدّة؛ لأنّ المزيل لا يعمل إذا قارن الزّوال، فكذا لا يعمل المثبت حال الزّوال إذ هما في الاستحالة على السّواء؛ لأنّ في أحدهما إزالة الزّايل، وفي الآخر إثبات الزّائل (٣).

стр. 1854

فإن قيل: لما كان قولها انقضت عدّتي مقتضياً سبق الانقضاء، كان قول الزّوج راجعتك، مقتضياً سبق الرّجعة، فتكون الرّجعة سابقة على الانقضاء، لما ذكرت أن الرّجعة لا تصحّ حال الانقضاء ولا بعده. قلنا: لا كذلك؛ لأنّ قَوْلُهُ: رَاجَعْتُك إنْشَاءٌ، وَهُوَ إثْبَاتُ أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ، فَلَا يَسْتَدْعِي سَبْقَ الرَّجْعَةِ، وَقَوْلُهَا: انْقَضَتْعِدَّتِي إخْبَارٌ، وَهُوَ إظْهَارُ أَمْرٍ قَدْ كَانَ، فكان قولها سابقاً، أو لأنّ الشّرع جعلها أمينة في إخبارها بأمر العدّة، والزّوج في دعواه الرّجعة مدّعى، والقول قول الأمين في كل أمر اختلف المدّعي مع الأمين. وذكر في «المبسوط» بيان هذا، فقال: أَنَّهَا أَمِينَةٌ فِي الْإِخْبَارِ، وَلَا يُمْكِنُهَا أَنْ تُخْبِرَ إلَّا بَعْدَ الِانْقِضَاءِ، فَإِذَا أَخْبَرَتْ مُجِيبَةً لِلزَّوْجِ عَرَفْنَا ضَرُورَةَ أَنَّ الِانْقِضَاءَ سَابِقٌ، وَأَقْرَبُ أَحْوَالِهِ حِلُّ قَوْلِ الزَّوْجِ رَاجَعْتُك، بِخِلَافِ مَا إذَا سَكَتَتْ سَاعَةً، فَإِنَّ أَقْرَبَ الْأَحْوَالِ لِلِانْقِضَاءِ هُنَاكَ حَالُ سُكُوتِهَا، وَلَا يُقَالُ مُصَادِفَةُ الرَّجْعَةِ حَالَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ نَادِرٌ؛ لِأَنَّ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُوَافِقَ حَالَةً، فَتَارَةً يُوَافِقُ كُلَّهَا، وَتَارَةً يَوْمَهَا، وَتَارَةً قَوْلَ الزَّوْجِ رَاجَعْتُك، وَإِنْ تَمَكَّنَ مَا هُوَ نَادِرٌ، وَهُوَ رَجْعَةُ الزَّوْجِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ مُتَّهَمَةً إذَا فَرَّطَتْ فِي الْإِخْبَارِ بِالتَّأْخِيرِ، وَلَا تَفْرِيطَ مِنْهَا هُنَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى الْإِخْبَارِ إلَّا بَعْدَ الِانْقِضَاءِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ مُفَرِّطٌ فِي الْإِخْبَارِ، لِأَنَّ بَيْعَهُ كَانَ قَبْلَ الْعَزْلِ لَا مَعَ الْعَزْلِ (١). وذكر في «مبسوط فخر الإسلام» بخلاف ما إذا سكتت؛ لأنّها اتّهمت بالتّأخير؛ لأنّ الواجب عليها أن تخبر متّصلاً بكلامه، لو كان الانقضاء ثابتًا قبل ذلك، وحيث سكتت ولم تجبر، فالظّاهر أنّها كاذبة، ومسألة الطّلاق على الخلاف، ولا يقع الطّلاق عند أبي حنيفة ﵀ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ انْقِضَاءِ عِدَّتِك، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَقَعُ، لِإِقْرَارِ الزَّوْجِ بِالْوُقُوعِ، كَمَا لَوْ قَالَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ: كُنْت طَلَّقْتهَا فِي الْعِدَّةِ، كَانَ مُصَدَّقًا فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الرَّجْعَةِ (٢)

стр. 1855

-كذا في «المبسوط» (١) - وهو يقول: حكم الرّجعة يبنى على العدة، وفي قيام العدة لا قول للمولى أصلاً، فإنّ القول في العدّة قولها في البقاء والانقضاء دون المولي، فكذلك فيما يبتنى عليها وهو الرجعة، يوضحه أنّ صحّة الرّجعة حال قيام العدّة ولا ملك للمولى في بضعها عند ذلك ولا تصرف، فكان القول فيه قولها، بخلاف التزويج والإقرار به عليها؛ لأنّ بضعها في تلك الحال ملك للمولى ولو كان على القلب، بأنّ كذّبه المولي وصدّقته الأمة، لم تثبت الرجعة أمّا عندهما فظاهر، وأمّا عند أبي حنيفة ﵀ فَلِأَنَّ بُضْعَهَا فِي الْحَالِ خَالِصٌ حَقُّ المولي، فَإِنَّ عِدَّتَهَا مُنْقَضِيَةٌ؛ فَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي ذَلِكَ-كذا في «المبسوط» (٢) -إذْ هِيَ الْعَالِمَةُ بِهِ، أي بالانقضاء أو بلزوم حكم من الأحكام الظاهرات بمضي وقت الصّلاة، حيث تكون الصّلاة دينًا في ذمتها، وهو من أحكام الظّاهرات، بخلاف ما إذا كانت كتابته، فإنّ الرّجعة تنقطع في حقّها بنفس انقطاع الدّم، وتنقطع إذا تيقنت فصلّت مكتوبة أو تطوّعًا -كذا في «المبسوط» -حتى يثبت به [برفع يثبت]؛ لأنّ حتّى هنا ليست للغاية، إذ الأحكام ثابتة من حلّ الدّخول في الصّلاة والمسجد وحل قراءة القرآن ومس المصحف، فكان بمنزلته [أي فكان التيمم بمنزلة] الاغتسال والحكم بسقوط الرّجعة يؤخذ فيه بالاحتياط. ألا ترى أنّها لو اغتسلت وبقيت [وبقيت] على بدنها لمعة تنقطع الرجعة عنها احتياطاً، وإن لم يحل لها أداء الصّلاة فههنا أولى، وكذلك لو اغتسلت بسور الحمار ولم تجد غيره تنقطع الرجعة،] احتياطاً ولم يحل له اداء الصلاة في هذين الموضعين، فهاهنا أولى ان تنقطع الرجعة (٣) وقد حلّ لها أداء الصّلاة، قال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ -رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- قَالَا: التَّيَمُّمُ طَهَارَةٌ ضَعِيفَةٌ، فَلَا تَنْقَطِعُ بِهِ الرَّجْعَةُ، كَنَفْسِ الِانْقِطَاعِ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ لَا يُرْفَعُ الْحَدَثُ إلَّا بِيَقِينٍ، حَتَّى أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ كَانَ مُحْدِثًا بِالْحَدَثِ السَّابِقِ، وَلِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ تَلْوِيثٌ وَتَغْيِيرٌ وَهَذَا ضِدُّ التَّطْهِيرِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ طَهَارَةً حُكْمًا لِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ إلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ لَا يَعْدُو مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ (٤).

стр. 1856

وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا بَقِيَ عَلَى بَدَنِهَا لَمْعَةٌ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الرَّجْعَةِ هُنَاكَ لِتَوَهُّمِ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَسُرْعَةِ الْجَفَافِ، فَكَانَتْ طَهَارَةً قَوِيَّةً فِي نَفْسِهَا، وَالِاغْتِسَالُ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ كَذَلِكَ، فَإِنَّهَا طَهَارَةٌ قَوِيَّةٌ لِكَوْنِهَا اغْتِسَالًا بِالْمَاءِ، وَلَكِنَّهَا تُؤْمَرُ بِضَمِّ التَّيَمُّمِ إلَى ذَلِكَ فِي حُكْمِ حِلِّ الصَّلَاةِ احْتِيَاطًا؛ لِاشْتِبَاهِ الْأَدِلَّةِ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ، وَقَدْ كَانَ الْأَصْلُ فِيهِ الطَّهَارَةَ، وَلِهَذَا لَوْ اغْتَسَلَتْ بِهِ مَعَ وُجُودِ مَاءٍ آخَرَ تَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ -أَيْضًا-، لِكَوْنِهَا طَهَارَةً قَوِيَّةً. وأمّا الحكم بحل الصّلاة في التيمم لا يدلّ على قوة الطّهارة؛ لأنّ قولنا: حلت لها الصّلاة] بالتيمم، تفسير لقولنا: تطهّرت، وقد ثبت أن قولنا: تطهرت بالتيمم ثابت في حقّ الصّلاة لا غير، فكذلك قولنا حلّت لها الصّلاة (١). وأمّا الصّلاة الثّابتة دينًا في الذمّة، فثابتة قياساً بالتّفويت، بعد توجه الخطاب لا بالشّرع، بخلاف القياس فبذلك ظهر في حق عامّة الأحكام - إلى هذا أشار في «المبسوط» (٢)، و «الأسرار» - فتذكر ههنا الشبهة السّايرة والنكتة الدايرة فيما بين النّاس، ممّا يترآى أي مناقضة من الطّرفين وقد أسلفناه مشبعًا في باب الإمامة من كتاب الصّلاة، ثم المختصر ههنا في جواب الطّرفين، هو أن محمدًا عمل بالاحتياط في الموضعين جميعًا، وما يترآى مناقضة في حقّه إنّما كان بحسب اختلاف كلّ واحد من الموضعين في اقتضائه الاحتياط؛ ولأنه لا يلزم من كون التيمم قائمًا مقام الاغتسال صحّة الإمامة؛ لأنّ صحّة الإمامة ليست من ضرورة الاغتسال؛ لأنّه كم من مغتسل لا تجوز إمامته، كصاحب العذر لا تجوز إمامته وإن كان مغتسلاً، وما عملاً يترآاى مناقضة. ولكن لا مناقضة فيما عملا -أيضاً-؛ لأنّهما عملا في حق الصّلاة بمورد الآية، حيث لا يتقيّد هناك بالضّرورة، وفي حق غيرها عملاً بحقيقة التلويث، وهو ضدّ التطهير، فكان طهارة ضرورية، والأحكام الثّابتة أيضاً ضرورية وهي حلّ قراءة القرآن، ومسّ المصحف، ودخول المسجد اقتضائية؛ لأنّ هذه الأحكام من توابع الصّلاة؛ إذ حلّ الصّلاة يقتضي حلّ دخول المسجد، وحلّ قراءة القرآن، فكان هذا جواباً عن حرف الخصم، بقوله كما أنّ الصّلاة تحلّ بالتيمم، فكذلك تحلّ هذه الأحكام علم أنّ التيمم طهارة مطلقة، وقيل بعد الفراغ وهو الصّحيح، وذكر في «المبسوط»؛ لأنّ الحال بعد شروعها في الصّلاة كالحال قبله، ألا ترى أنّها إذا رأت الماء لا يبقى لتيممها أثر (٣)، بخلاف ما بعد الفراغ، وإن كان أقلّ من عضو انقطعت، وهو نحو الأصبع -كذا في «المحيط» (٤) -أنّ ما دون العضو يتسارع إليه الجفاف لقلّته، فلا يتيقّن بعدم وصول الماء إليه، فقلنا تنقطع الرجعة، حتّى لو تيقنت هي بعدم وصول الماء إليها، بأن منعت عنها قصدًا، لا تنقطع الرّجعة كذا في «المحيط» (٥).

стр. 1857

وعنه وهو قول محمّد ﵀ هو بمنزلة ما دون العضو، فإن كان الباقي أحد المنخرين فالرّجعة باقية بالاتفاق، -كذا في «المحيط» (١) -؛ لأنّ في فرضيته اختلافاً، فإن عند الشّافعي ﵀ المضمضة والاستنشاق في الجنابة والوضوء (٢). وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ أَوْ وَلَدَتْ مِنْهُ، أي: قبل الطّلاق على ما يجيء من تأويل المسألة في الكتاب (٣)، وبطل زعمه بتكذيب الشّرع. فإن قيل: وجب أن لا تكون كلمة حق الرجعة؛ لأنّ الرجعة حق مستحقّ له، وقد أنكر ثبوتها له أقصى ما في الباب أنّه صار مكذباً شرعًا حكمًا لثبات النّسب منه، لكن لا يلزم من كونه مكذباً شرعًا بقاء ما كان حقاً له، وصار هذا كرجل أقرّ بعين لإنسان، ثم اشتراها، ثم استحقّت من يده، ثمّ وصلت إليه يومًا من الدّهر أمر بالتّسليم إلى المقرّ له، وإن صار مكذباً شرعًا قلنا لم يتعلّق بإقراره هنا حقّ الغير، والموجب لحق الرجعة ثابت وهو الطّلاق بعد الدّخول، فوجب أن يكون له حق الرّجعة، بخلاف الإقرار فإنّه تعلّق به حق الغرماء، وإن صار المقر مكذباً شرعًا -كذا في «الفوائد الظهيرية» (٤) -. فإن قيل: قوله: (لَمْ أُجَامِعْهَا)، صريح في عدم الجماع، ودلالة ثبوت النّسب لم يكن صريحًا في وجود الجماع، والصّريح إذا اجتمع مع غير الصّريح فالصّريح أولى. قلنا: الدّلالة من الشّارع أقوى من الصّريح الصّادر من العبد، لاحتمال الكذب من العبد وعدم احتماله من الشّارع، فلأن تثبت به الرّجعة أولى؛ لأنّ الإحصان له مدخل في وجود العقوبة، ومع هذا يثبت بهذا الوطء، فلأن يثبت به الرّجعة التي ليست فيها جهة العقوبة بالطّريق الأولى. قوله ﵀: فإن خلا بها وأغلقباباً وأرخى ستراً، -إلىقوله-: لم يملك الرجعة. وإنّما أورد هذه المسألة عقيب تلك المسألة، لما أنّ هذه المسألة يترآاىمناقضاً حكمها للمسألة التي قبلها، مع اتحاد المعنى، وهو أن في هذه المسألة -أيضاً- صار في قوله: لم أجامعها، مكذباً شرعًا، فإنّه بعدما خلا بها بمثل هذه الخلوة التي ذكر تجب كمال المهر شرعًا إذا طلّقها، وكمال المهر في الطّلاق إنّما يجب إذا كان الطّلاقبعد الدخول، فكان في قوله: لم أجامعها، مكذّبًا شرعًا لا محالة، ثم مع ذلك لا تصحّ منه رجعة هذه المرأة، فلم يعتبر كونه مكذّبًا شرعًا في هذه المسألة في حق الرّجعة، واعتبر في تلك المسألة حتّى أثبت له ولاية الرجعة هناك، فأجاب عنه هذه المناقضة بقوله: ولم يصر مكذباً شرعًا؛ لأن تأكّد المهر المسمّى يبتني على تسليم المبدل، وتفسير الجواب هو أنّ تأكّد المهر مبنيّ على تسليم النّفس، وقد وجد ههنا؛ وذلك لأنّ الإبدال في العقود كلّها من البياعات والإجارات يتأكّد بالتّسليم، وتفسير التّسليم هو أن يرفع الموانع بينالْمُسْلِمِ وَالْمُسْلَمِ إلَيْهِ، وتعدّد المسلم إليه، على أن يقبضه وقد وجد ههنا.

стр. 1858

وأمّا القدرة على القبض فليست بقبض كما أنّ القدرة على الزّنا ليست بزنا، بل القبض عبارة عن زيادة تصرّف مخصوص، يظهر من القادر في المقدور بحسب ذلك الموضع، فلما لم تكن القدرة قبضاً، لم يكن وطئاً فإذا لم يوجد الوطء لم يتأكد ملك الزّوج في بضعها، وإذا لم يتأكد الملك، لم تعقب الطّلاق الرجعة؛ لأنّ الرّجعة مبنيّة على ملك متأكد بالقبض، وقد أقرّ الزّوج بعدم القبض والرّجعة حقه فتصدّق في حق نفسه، وذكر في «الفوائد الظهيرية» (١)، وذكر هنا، أي: في «الجامع الصّغير» أغلق باباً وأرخى ستراً بالواو، وفي كتاب الطّلاق قال أَوْ أَرْخَى سِتْرًا وهو الصّحيح (٢). قوله ﵀: فهي رجعة، أي: فالولادة الثّانية رجعة، أي فبالولادة الثانية يعلم أنّه كان وطئها بعد وقوع الطّلاق بالولد الأوّل؛ لأنّ المسألة مصوّرة في تعليق الطّلاق بالولادة، وهي أتت بعد ذلك بالولدين بينهما ستّة أشهر، فيقع الطّلاق بالولد الأوّل، ثم الولد الثّاني، لما جاء بعد ستة أشهر من علوق حادث لا محالة وهو بالوطء، فكان الوطء موجودًا في عدّة الطّلاق الرجعيّ، وهو موجب للرّجعة عندنا. وأمّا الولدان إذا كانا من بطن واحد لا تكون الولادة الثّانية دليل الرّجعة، فوقع الطّلاق بالولد الأوّل، وانقضت العدّة بالولد الثاني، ولم يقم دليل لنا على أنّه وطئها بعد الولد الأوّل؛ فلذلك لم تكن الولادة الثّانية دليل الرّجعة في هذه الصورة. قوله: وإن في قوله: وإن كان أكثر من سنتين للوصل، أي: لمّا كان بين الولد ستّة أشهر، لم يتفاوت بعد ذلك أن يكون الولادة الثّانية أقلّ من سنتين من وقت الطّلاق وأكثر من سنتين ثبت الرّجعة؛ لأنّ الولد الثّاني مضاف إلى علوق حادث لا محالة، وهو بالوطء بعد الطّلاق، فكان رجعة -إلى هذا أشار في «الجامع الصّغير» لقاضي خان ﵀ (٣). قوله: وبالولد الثّالث صار مراجعًا، أي: وبالولد الثّالث يُعلم أنّه وطئها بعد وقوع الطّلاق الثاني بولادة الولد الثّاني؛ لأن المسألة مصوّرة في أولاده في بطون مختلفة، ولذلك لابدّ أن يكون الولد الثّالث من علوق حادث وهو من الوطء الحادث بعد الولد الثّاني، فكان رجعة لما ذكرنا، إشارة إلى قوله: لأنّه وقع الطّلاق عليها بالولد الأوّل إلى آخره.

стр. 1859

ولا تكون الولادة الثّالثة دليل الرّجعة، بخلاف الولادة الثّانية؛ لأنّه لا سبيل للرّجعة بعد الطّلقات الثّلاث. وَالْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ تَتَشَوَّفُ وَتَتَزَيَّنُ والتَّشَوُّفُ خَاصٌّ فِي الْوَجْهِ، وَالتَّزَيُّنُ عَامٌّ تَفَعُّلٌ مِنْ شُفْت الشَّيْءَ جَلَوْته، وَدِينَارٌ مَشُوفٌ: أَيْ مَجْلُوٌّ، وَهُوَ أَنْ تَجْلُوَ الْمَرْأَةُ وَجْهَهَا وَتَصْقُلَ خَدَّيْهَا. إذ النِّكَاحُ قَائِمٌ بَيْنَهُمَا، حتى أن التّوارث قائم بينهما، وكذلك جميع أحكام النكاح قائم، ألا ترى أنّه لو قال: كلّ امرأة له طالق، تدخل هذه الطّلقة فيه فتطلق. فإن قلت: يشكل على هذا الأصل الذي ذكرت المسألة التي تليه، وهي قوله: وليس له أن يسافر بها، وكان له أن يسافر بمنكوحته، وليست له هذه الولاية في الطلقة الرّجعيّة، فانتقض ما ذكرت من قيام النكاح من كلّ وجه. قلنا: هذه معارضة [معرض] النصّ فلا يسمع فكلّ قياس بمعارضته يتهاتر وكلّ معقول بوجوده يتصاغر، فإنّ القياس يقتضي أن تحلّ المسافرة بها، كالحلّ سائر الأحكام المخصوصة بالنكاح، إلا أن النصّ ورد بقوله: ولا تخرجوهنّ من بيوتهن. وقال الإمام الصّفّار (١): من قاس هذه القياس فقد قضى على نفسه بالوسواس. ولنا قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (٢)، الآية نزلت في الطّلاق الرجعي، دل عليه سياق الآية، وهو قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٣) أَيْ: لَعَلَّهُ يَبْدُو لَهُ فَيُرَاجِعَهَا، وَالْمُسَافَرَةُ بِهَا إخْرَاجٌ مِنْ الْبَيْتِ فَيَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهَا. فإن قيل: لما لا يجعل المسافرة بها دلالة الرّجعة حملاً لامرأتهعلى الصّلاح. قلنا: كلامنا في رجل ينادي صريحًا بأني لا أراجعها، فبطلت الدّلالة عند الصّريح؛ ولأنّ قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ (٤) الآية، لما كان خطاباً بالنّهي للأزواج عن الإخراج يلزم أن لا يكون الإخراج رجعة؛ لأنّ الإخراج منهي عنه، والرّجعة مندوب إليها وهما على طرفي نقيض -كذا في «الفوائد الظهيرية» - وذكر الإمام قاضي خان ﵀ وكما لا يحلّ لها الخروج إلى السّفر، كذلك لا يباح لها الخروج إلى ما دون السّفر -أيضاً- لإطلاق النصّ (٥).

стр. 1860

وكما يكره المسافرة بها، يكره الخلوة بها؛ لأنّه لو خلا بها ربّما يقع بصره على موضع يصير به مراجعًا، وهو لا يريد الرّجعة، فيطلّقها أخرى فيؤدّي إلى تطويل العدّة، وذلك حرام، وذكر شمس الأئمة السّرخسي ﵀ في «الجامع الصّغير» إنّما يكره الخلوة بها إذا لم يأمن على نفسه أن يغشاها، أو يصير مراجعًا لها، بغير إشهاد وهو مكروه؛ لِأَنَّ تَرَاخِيَ عَمَلِ الْمُبْطِلِ لِحَاجَتِهِ إلَى الْمُرَاجَعَةِ، فالمبطل هو الطّلاق وعمله الإبطال تراخي إلى وقت انقضاء العدّة لحاجة الزّوج إلى المراجعة، فعمل المبطل عمله من وقت الإبطال، كالبيع الذي فيه الخيار تأخّر عمل البيع في اللّزوم إلى مدّة لحاجة من له الخيار إلى الاستدراك، فلمّا لم يفسخ حتّى مضت المدّة عمل البيع عمله من وقت البيع، حتّى كانت الزّوايد الحاصلة في مدّة الخيار للمشتري. وَلِهَذَا تُحْتَسَبُ الْأَقْرَاءُ مِنْ الْعِدَّةِ، أي: والدّليل على أن عمل المبطل من وقت وجود المبطل احتساب الإقراء الماضيّة قبل انقضاء العدّة من العدة، فلو كان عمل المبطل مقتصراً على انقضاء العدّة لما احتسبت الأقراء الماضية من العدّة، كما لا يحتسب في قوله: إذا حضت فأنت طالق، فإن تلك الحيضة غير محتسبة من العدّة؛ لأنّه شرط وقوع الطّلاق، وإذا ثبت ما قلنا وهو أن عمل المبطل غير مقتصر على انقضاء العدّة، بل من وقت وجود المبطل وهو الطّلاق، كانت المطلقة الرجعيّة بمنزلة المبتوتة تقديراً حين لم يرد الرّجعة، فكما أنّه لا يملك إخراج المبتوتة إلى السّفر، فكذلك لا يملك إخراج المطلقة الرّجعية، لوجود القاطع في إحديهما تحقيقاً، وفي الأخرى تقديراً [حتى ملك مراجعتها] من غير رضاها ومن غير مهر ومن غير ولي، وكذا بغير شهود في قول عنده وملك الرّجعة عليها من غير رضاها من أدلّ الدّلائل على أنّ ملك النكاح قائم؛ إذ لو زال لكانت الرّجعة إثباتًا للملك عليها ابتداء واحد لا يملك إثبات النكاح ابتداء على الأجنبية إلا برضاها -كذا في «مبسوط فخر الإسلام» -وَهَذَا الْمَعْنَى يُوجِبُ اسْتِبْدَادَهُ بِهِ، أي: معنى النّظر للزوج يوجب استبداد الزّوج بحق الرّجعة، يعني أنّ ثبوت الرّجعة للزّوج إنّما كان نظراً وشفقة له، لاحتمال أن يندم بعد الطّلاق بفراقها على وجه لو لم يقدر على تدارك الوصلة ربّما يفضي إلى هلاكه على ما ذكرنا، وكونه نظراً للزّوج يوجب استبداد الزّوج بالرّجعة؛ إذ لو لم يكن مستبدًا به لا يتحقّق النّظر.
следующие страницы →