← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

هُوَ الصَّحِيحُ، بِخِلافِ اللِّحْيَةِ لأنَّهُ لا حَرَجَ فِي إيصَالِ الْمَاءِ إلَى أَثْنَائِهَا «المبسوط» (١). - قوله: (هو الصحيح) احتراز عن قول بعضهم، فإنهم قالوا: إنها تبل ذوائبها ثلاثًا مع كل بلة عصرة، والأصح أن ذلك ليس بواجب لما فيه من الحرج. قَالَ (وَالْمَعَانِي الْمُوجِبَةُ لِلْغُسْلِ إنْزَالُ الْمَنِيِّ عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ حَالَةَ النَّوْمِ وَالْيَقِظَةِ) - قوله: (والمعاني الموجبة للغسل إنزال المني) إلى آخره. قلت: هذه المعاني/ ٨/ أ/ موجبة للجنابة لا للغسل على المذهب الصحيح من علمائنا ﵏ فإنها تنقضه، فكيف توجبه؟! وذكر في «مبسوط شيخ الإسلام» (٢): سبب وجوب الاغتسال إرادة ما لا يحل فعله بسبب الجنابة عند عامة المشايخ، وعند بعضهم السبب الجنابة، وهذا الخلاف مثل الخلاف الذي بينا في الوضوء. إنزال المني على وجه الدفق والشهوة، هذا اللفظ بإطلاقه مستقيم على قول أبي يوسف (٣): حيث شرط لوجوب الغسل خروج المني على وجه الدفق والشهوة. وأما عندهما فلا يستقيم؛ لأنهما جعلا سبب الاغتسال خروج المني عن شهوة، ولم يجعلا الدفق شرطًا حتى قالا بوجوب الغسل، فيما إذا [زال] (٤) المني عن مكانه عن شهوة، وإن خرج من غير دفق. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٥) و «المختلفات» (٦).

стр. 212

وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ خُرُوجُ الْمَنِيِّ كَيْفَمَا كَانَ يُوجِبُ الْغُسْلَ لِقَوْلِهِ ﵊: «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» " أَيْ الْغُسْلُ مِنْ الْمَنِيِّ، وَلَنَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّطْهِيرِ يَتَنَاوَلُ الْجُنُبَ، وَالْجَنَابَةُ فِي اللُّغَةِ خُرُوجُ الْمَنِيِّ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ، يُقَالُ أَجْنَبَ الرَّجُلُ إذَا قَضَى شَهْوَتَهُ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى خُرُوجِ الْمَنِيِّ عَنْ شَهْوَةٍ، ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ انْفِصَالُهُ عَنْ مَكَانِهِ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ ظُهُورُهُ أَيْضًا اعْتِبَارًا لِلْخُرُوجِ بِالْمُزَايَلَةِ إذْ الْغُسْلُ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا - قوله: (وعند الشافعي: خروج المني كيف ما كان) (١) حتى أن المني إذا خرج منه لا بسبب الشهوة لكن بعارض آخر بأن حمل حملاً ثقيلاً أو سقط من السطح فخرج منه المني يصير جنبًا، واحُتج في ذلك بما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» (٢). فحجتنا في ذلك أن الله تعالى علق وجوب الاغتسال بالجناية لا بخروج المني بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. وإنما يقال: أجنب الرجل في اللغة (٣) إذا قضى [الرجل] (٤) شهوته من امرأته إلا أن النبي ﵇ لما أوجب عن الاحتلام سقط اعتبار [المرأة] (٥) وبقي قدر ما يكون في الاحتلام من قضاء الشهوة، ويدل عليه ما رُوي في بعض ألفاظ أم سليم ﵂: أنها لما سألت النبي ﵇ عن المرأة ترى في منامها مثل ما يرى الرجل؟ فقال: «أتَجِدُ لذَلِكَ لذَّة؟». فقالت: نعم. قال: «فَلْتَغْتَسِل» (٦). وإنما يكون من الرجل خروج المني إذا كان عن شهوة. ولأنه إذا خرج عن غير شهوة لا يعلم أنه مني أو رطوبة.

стр. 213

وقد قيل (١): إن المني دمٌ في الأصل لكنه يبيض بتصعيد الشهوة حتى اذا كبر وفترت الشهوة خرج أحمر، فعلى هذا لا يتصور خروجه أبيض بغير شهوة فيدل على أنه ليس بمني. وأما قوله ﵇: «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» (٢). فمحمول على ما إذا كان على سبيل الدفق والشهوة بدليل ما بينا، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٣). وَلَهُمَا أَنَّهُ مَتَى وَجَبَ مِنْ وَجْهٍ فَالاحْتِيَاطُ فِي الإيجَابِ. - قوله: (ولهما أنه متى وجب من وجه فالاحتياط في الإيجاب) يعني أن الخروج على وجه الشهوة قد وجد، وإنما عدم الدفق لا غير فباعتبار ما وجد يجب الاغتسال، وباعتبار ما عدم لا يجب فيرجح جانب الوجوب احتياطًا لأمر العبادة، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٤). فإن قلت: يشكل على هذا حكم الريح الجارية من المفضاة (٥)؛ لأنه على هذا التعليل [ينتفي] (٦) أن يجب عليها الوضوء بأن يقال: إنها لو خرجت من القبل لا يجب، ولو خرجت من الدبر يجب فترجح جانب الوجوب احتياطًا لأمر العبادة، ولم يقل هناك كذلك، بل قيل بالاستحباب.

стр. 214

قلت: جاء الشك هناك من الأصل [بتعارض] (١) الدليل الذي هو موجب مع الدليل الذي هو غير موجب لتساويهما في القوة، فتساقطا فعملنا بالأصل الذي كان ثابتًا لنا (٢) بيقين وهو الطهارة كما قلنا في خبري نجاسة الماء وطهارته، وأما هنا جاء دليل عدم الوجوب من الوصف وهو الدفق، ودليل الوجوب من الأصل، وهو نفس وجود الماء مع الشهوة فكان في إيجاب الاغتسال ترجيح لجانب الأصل على جانب الوصف وهو صحيح، ولأن دليل الوجوب قد سبق هناك (٣) وهو مزايلة المني عن مكانه على سبيل الشهوة وخروجه من العضو لا على سبيل الدفق بقاء ذلك والسبق من أسباب الترجيح فيرجح جانب الوجوب لذلك، وأما هناك فاقترن الدليلان على سبيل المدافعة فلا يثبت الحكم الحادث لتدافعها بل يبقى ما كان على ما كان. (وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَتَوَارَتْ الْحَشَفَةُ وَجَبَ الْغُسْلُ، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ» وَلأنَّهُ سَبَبُ الإنْزَالِ وَنَفْسُهُ يَتَغَيَّبُ عَنْ بَصَرِهِ وَقَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ لِقِلَّتِهِ فَيُقَامُ مَقَامَهُ -قوله: (والتقاء الختانين) أي مع تواري الحشفة، فإن نفس ملاقاة الفرج الفرج من غير التواري لا يوجب الغسل، لكن يوجب الوضوء عندهما خلافًا لمحمد (٤): فكان ذكر غيبوبة الحشفة في الحديث (٥) / ٨/ ب/ بقوله: إذا التقى الختانان وغابت الحشفة لإزالة ذلك الوهم، وهو وهم نفس ملاقاة الختانين من غير توارٍ بطريق إطلاق اسم الشيء على ما يقرب من ذلك الشيء. والختان (٦) موضع القطع من الذكر والأنثى، وذكر الختانين بناءً على عادتهم أنهم يختنون النساء.

стр. 215

والحشفة: ما فوق الختان من الذكر. فالحاصل أن الجنابة إنما تثبت بشيئين لا غير: «أحدهما: انفصال المني عن شهوة. والثاني: الإيلاج في الآدمي». نص على هذا في «المحيط» (١). وفيه أيضًا: ولو أتى امرأته وهي بكر فلا غسل ما لم ينزل؛ لأن ببقاء البكارة يعلم أنه لم يوجد الإيلاج، ولكن إذا جومعت البكر فيما دون الفرج فحبلت فعليها الغسل لوجود الإنزال؛ لأنه لا حبل بدونه، وإنزالها يوجب الغسل لما روينا في حديث اللذة (٢). ثم قوله: (من غير إنزال). لرد قول من يشترط الإنزال مع التقاء الختانين لا للشرط؛ لأن أحدهما إذا كان كافيًا لإيجاب الغسل كان عند انضمامهما أولى، وذكر في «المبسوط» (٣): «وإذا التقى الختانان وغابت الحشفة وجب الغسل أنزل أو لم ينزل. وهو قول المهاجرين عمر وعلي وابن مسعود ﵃، فأما الأنصار كأبي بن كعب وحذيفة وزيد بن ثابت ﵃ قالوا: لا يجب الاغتسال بالإكسال ما لم ينزل. وبه أخذ سليمان الأعمش (٤) (٥) لظاهر قوله ﵇: «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» (٦). ولنا: أن النبي ﵇ قال: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ» (٧).

стр. 216

والأصح أن يقول: إن عمر ﵁ لم يسوغ للأنصار هذا الاجتهاد حتى قال لزيد: أي عدو نفسه ما هذه الفتوى التي تقشعت عنك؟! فقال: سمعت عمومتي من الأنصار يقولون ذلك. فجمعهم عمر وسألهم وقالوا: كنا نفعل هذا على عهد رسول الله ﵇ ولا نغتسل. فقال: أو كان يعلم به رسول الله؟ فقالوا: لا. فقال: ليس بشيء. وبعث إلى عائشة ﵂ فسألها فقالت: فعلت ذلك مع رسول الله فاغتسلنا. فقال عمر لزيد: لئن عدت إلى هذا لأدبتك (١). (وَكَذَا الإيلاجُ فِي الدُّبُرِ لِكَمَالِ السَّبَبِيَّةِ) -قوله: (لكمال السببية) حتى إن الفسقة رجحوا قضاء الشهوة من الدبر على قضاء الشهوة من القبل، ومنه قوله تعالى خبرًا عن قوم لوط ﵇: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩]. وقد ذكر الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن يوسف المرغاسوني (٢) في «نوادر الصلاة» عن محمد: إذا حاذى الأمرد رجلاً تفسد صلاة غير الأمرد؛ لأنه يخطر بباله الشهوة بهذه المحاذاة فكان الصبي فيه كالمرأة، وإليه أشار رسول الله ﵇ في قوله: «لا تَجَالِسُوا أبْنَاءَ الأغْنِيَاءَ فِإنَّ لهم شَهْوةٌ كَشَهْوَةِ النِّسَاءِ» (٣). وفي ظاهر الرواية لا تفسد لا لاعتبار عدم الشهوة بل باعتبار أن الفساد بمحاذاة المرأة الرجل حكم ثبت بالسنة بخلاف القياس فلا يتعدى إلى محاذاة غير المرأة حتى أن كانت (٤) عجوزًا بحيث يتنفر عنها الرجال لو حاذت رجلاً فسدت صلاته مع عدم الشهوة، وكذلك لو حاذت امرأة ابنها أو أباها فسدت صلاة الرجل، ومعلوم أن المسلم لا يشتهي أمه، كذا ذكره الإمام المحبوبي في مسائل متفرقة من صلاة «الجامع الصغير».

стр. 217

وَيَجِبُ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ احْتِيَاطًا، بِخِلافِ الْبَهِيمَةِ وَمَا دُونَ الْفَرْجِ لأنَّ السَّبَبِيَّةَ نَاقِصَةٌ. -قوله: (احتياطًا) هو علة وجوب الغسل؛ لأن (١) الغسل مستحب؛ لأن وجوب الغسل بدون الإنزال فيه على قولهما ظاهر؛ لأنهما سويا السبيلين في الحد وفي هذا أولى، وكذلك على أصل أبي حنيفة؛ لأنه إنما لم يوجب الحد فيه للاحتياط في درء الحد [وفي هذا أولى وكذلك] (٢) [ها هنا] (٣) الاحتياط في الإيجاب فيجب الغسل بالإجماع. -قوله: (وما دون الفرج) أراد بالفرج القبل والدبر فكان ما دونه غيرهما من بدن المرأة كالتفخيذ. قَالَ (وَالْحَيْضُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ (وَ) كَذَا (النِّفَاسُ) لِلإجْمَاعِ. -قوله: (والحيض) أي الخروج من الحيض؛ لأن الحيض ما دام باقيًا لا يجب الغسل لعدم الفائدة فوجه التمسك بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] في حق وجوب الاغتسال في حق الصلاة هو أن الشارع غيَّر (٤) حرمة القربان [إلى غاية الاغتسال فينبغي أن يجب عليها الاغتسال بعد الخروج عن الحيض ليحل القربان] (٥) لئلا تكون الحرمة مؤثرة؛ إذ فيه نقض ما شرعه بقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وبقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢] ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ثم لما صار الاغتسال شرطًا لحل القربان بهذه الآية مع أن وجود طهارة المرأة ليس بشرط لحل القربان سوى الحيض والنفاس في صورة من الصور فلأن يشترط الاغتسال لحل قربان الصلاة والحال أن الطهارة غير جميع النجاسات الحقيقية والحكمية شرط دائم للصلاة بالطريق الأولى، ومما يوضح أن هذا الحكم أعني وجوب الاغتسال للصلاة بعد الخروج عن الحيض ثابت بطريق الدلالة على وجه الأولوية وجوبه عليها للصلاة بالخروج عن الحيض بتمام العشرة وما دونها بخلاف حرمة القربان؛ فإن امتداد الحرمة هناك إلى الاغتسال إذا انقطع الدم لأقل من عشرة أيام. وأما إذا انقطع دمها (لتمام العشرة) (٦) أو مضى عليها وقت صلاة بعد الانقطاع لأقل من عشرة أيام يحل القربان لاختصاص الصلاة بالطهارة وعدم اختصاص القربان بها حتى جاز وطء منكوحته وهي جنب أو محدث، أو بأعضائها نجاسة فكان هذا نظير اشتراط الطهارة عن الحيض والنفاس في حق الصوم والصلاة فإنه لما كان اشتراط الطهارة عنها في حق الصلاة على وفق القياس لما ذكرنا أثر ذلك في حق الأداء والقضاء حتى سقطت الصلاة أصلاً، ولما كان اشتراطها عنهما في حق الصوم على خلاف القياس أثر ذلك في حق الأداء دون القضاء ليثبت المدلول بقدر دليله. وذكر بعض أهل النظر في التمسك بالآية فقال: النص ينفي القربان قبل الاغتسال، ويلزم من هذا وجوب الاغتسال؛ لأنه لولا وجوب الاغتسال لما انتفى القربان قبل الاغتسال؛ لأن حل القربان ثابت في جملة صور عدم وجوب الاغتسال وحل الصلاة بدون الاغتسال.

стр. 218

قَالَ «وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَعَرَفَةَ وَالإحْرَامِ» نَصَّ عَلَى السُّنِّيَّةِ، وَقِيلَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ، وَسَمَّى مُحَمَّدٌ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَسَنًا فِي الْأَصْلِ. وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: هُوَ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ» وَبِهَذَا يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ عَلَى الاسْتِحْبَابِ أَوْ عَلَى النَّسْخِ، ثُمَّ هَذَا الْغُسْلُ لِلصَّلاةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ هُوَ الصَّحِيحُ لِزِيَادَةِ فَضِيلَتِهَا عَلَى الْوَقْتِ وَاخْتِصَاصِ الطَّهَارَةِ بِهَا، وَفِيهِ خِلافُ الْحَسَنِ، وَالْعِيدَانِ بِمَنْزِلَةِ الْجُمُعَةِ؛ لأنَّ فِيهِمَا الاجْتِمَاعُ؛ فَيُسْتَحَبُّ الاغْتِسَالُ؛ دَفْعًا لِلتَّأَذِّي بِالرَّائِحَةِ، وَأَمَّا فِي عَرَفَةَ وَالإحْرَامِ فَسَنُبَيِّنُهُ فِي الْمَنَاسِكِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قوله ﵇: («فبها ونعمت») (١) الباء متعلقة بفعل مضمر أي: فبهذه الخصلة أو الفعل يعني الوضوء ينال الفضل. ونعمت أي: نعمت الخصلة هي فحذف المخصوص بالمدح، وسئل عنه الأصمعي (٢): فقال: أظنه يريد فبالسنة أخذ. كذا في «الفائق» (٣).

стр. 219

-قوله: (أو على النسخ) فدليل النسخ ما ذكر في «المبسوط» «هو ما روي عن عائشة ﵂ وابن عباس (١) ﵄ قالا: «كان الناس عمال أنفسهم، وكانوا يلبسون الصوف ويعرقون فيه، والمسجد قريب السمك (٢) فكان يتأذى بعضهم برائحة البعض فأمروا بالاغتسال لهذا» (٣) ثم انتسخ هذا حين لبسوا غير الصوف وتركوا العمل بأيديهم. ثم اختلف أبو يوسف والحسن بن زياد: أن الاغتسال يوم الجمعة للصلاة أم لليوم؟ فقال الحسن: لليوم إظهارًا لفضيلته كما قال النبي ﵇: «سَيّدُ الأيَّامِ يَوْمُ الجُمُعَةِ» (٤). وقال أبو يوسف: للصلاة؛ لأنها مؤداة بجمع عظيم فلها من الفضيلة [ما] (٥) ليس لغيرها. وفائدة الاختلاف فيما إذا اغتسل يوم الجمعة ثم أحدث فتوضأ وصلى الجمعة عند أبي يوسف لا يكون مقيمًا للسنة. وعند الحسن يكون مقيمًا» (٦). وفي «مبسوط شيخ الإسلام» (٧): إذا اغتسل من الجنابة قبل طلوع الفجر ثم لم يحدث حتى صلى الجمعة بذلك الاغتسال فإن على قول محمد ينال فضل الاغتسال. وعلى قول أبي يوسف: لا ينال -ذكر فيه محمدًا مكان الحسن بن زياد-. «والاغتسال في الحاصل أحد عشر نوعًا: خمسة منها فريضة: الاغتسال من التقاء الختانين، ومن إنزال الماء، ومن الاحتلام، ومن الحيض، والنفاس. وأربعة منها سنة: الاغتسال يوم الجمعة، ويوم عرفة، وعند الإحرام، والعيدين. وواحدٌ واجب: وهو غسل الميت. وواحد (٨) مستحب: وهو الكافر إذا أسلم يستحب له أن يغتسل، به أمر رسول الله ﵇ من جاءه يريد الإسلام (٩)، وهذا إذا لم يكن جنبًا، فإن كان أجنب [و] (١٠) لم يغتسل حتى أسلم فقد قال بعض مشايخنا: لا يلزمه الاغتسال؛ لأن الكفار لا يخاطبون بالشرائع.

стр. 220

والأصح أنه يلزمه؛ لأن بقاء صفة الجنابة بعد إسلامه كبقاء صفة الحدث في وجوب الوضوء»، وكذا في «المبسوط» (١). وذكر في «مبسوط شيخ الإسلام»: «أن اغتسال يوم الجمعة [والعيدين] (٢) مستحب» (٣). قَالَ (وَلَيْسَ فِي الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ غُسْلٌ وَفِيهِمَا الْوُضُوءُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «كُلُّ فَحْلٍ يُمْذِي وَفِيهِ الْوُضُوءُ» وَالْوَدْيُ: الْغَلِيظُ مِنْ الْبَوْلِ يَتَعَقَّبُ الرَّقِيقَ مِنْهُ خُرُوجًا فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا بِهِ، وَالْمَنِيُّ: خَاثِرٌ أَبْيَضُ يَنْكَسِرُ مِنْهُ الذَّكَرُ، وَالْمَذْيُ: رَقِيقٌ يَضْرِبُ إلَى الْبَيَاضِ يَخْرُجُ عِنْدَ مُلاعَبَةِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ. وَالتَّفْسِيرُ مَأْثُورٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا. - قوله: (وليس في المذي والودي غسل وفيهما الوضوء) فإن قيل: ما معنى قول محمد في الكتاب: في الودي الوضوء. ولا يتصور انتقاض الطهارة بالودي؛ لأنه/ ٩/ أ/ إنما يخرج على إثر البول، وبالبول قد وجب الوضوء؟ (٤) قلنا: إنما ذكره ليبين أن الواجب به انتقاض الطهارة لا الاغتسال لو تصور انتقاض الطهارة، هكذا ذكر السؤال والجواب في «مبسوط شيخ الإسلام» (٥). أو نقول: إن وجوب الوضوء بالبول لا ينافي وجوبه بالودي/ ٩/ ب/ بل يجب به أيضًا حتى إذا حلف لا يتوضأ من الرعاف فبال ثم رعف ثم توضأ فإنه يحنث في يمينه فعلم أن كل واحد موجب للوضوء إلا أنه يكتفى بالوضوء مرةً عن الكل، وله نظائر في الشرع. أو نقول: بأن فائدته تظهر في حق سلس البول؛ فإنه إذا توضأ للبول ثم أودى حال بقاء الوقت تنتقض طهارته، والله أعلم.

стр. 221

باب الماء الذي يجوز به الوضوء (١) (الطَّهَارَةُ مِنْ الْأَحْدَاثِ جَائِزَةٌ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالْأَوْدِيَةِ وَالْعُيُونِ وَالْآبَارِ وَالْبِحَارِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ وَقَوْلُهُ ﵊: «وَالْمَاءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ» وَقَوْلُهُ ﵊ فِي الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَمُطْلَقُ الاسْمِ يَنْطَلِقُ عَلَى هَذِهِ الْمِيَاهِ. لما ذكر الوضوء والغسل وتقسيمها من الفرض والسنة والاستحباب وموجبهما وما ينقضهما احتاج إلى ذكر الآلة التي هما يحصلان بها بطريق الأصالة وهي الماء المطلق. قال الشيخ: لم يذكر الماء في آية الوضوء في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، فكيف لقب هذا الباب بالماء الذي يجوز به الوضوء؟ ثم قال: إن لم يذكر في آية الوضوء ذكره في آية التيمم وهو خلفه فكان ذكره فيها ذكرًا في الأصل فصار كأنه قال: فاغسلوا بالماء وجوهكم، أو هو مذكور في الأصل يقتضي الغسل؛ إذ الغسل المطلق ينصرف إلى الماء. - قوله: (الطهارة من الأحداث) ذكر الأحداث لا للتخصيص لأنه لما كان الماء مزيلاً للحدث كان مزيلاً للنجس الحقيقي بالطريق الأولى لما يذكر لكن لما سبق ذكر الوضوء والغسل ذكر الآلة التي هما تحصلان به، وليس ذلك إلا بإزالة الأحداث. ثم وجه التمسك بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] في حق ماء السماء والأودية ظاهر، وأما في حق ماء العيون والآبار فإما أن أصل المياه كلها من السماء لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] أو يصرف وجه تمسك الآية إلى ماء السماء ويصرف وجه تمسك قوله ﵇: «الْمَاءُ طَهُورٌ» (٢). إلى غيره. وقال الشيخ: كون الماء مطهرًا لغيره لا لأن الطهور بمعنى المطهر بل عُلم ذلك بسبب العدول عن صيغة الطاهر إلى صيغة الطهور التي هي للمبالغة في ذلك الفعل كالغفور والشكور فيهما مبالغة ما ليس في الغافر والشاكر، ولن تكون تلك المبالغة في طهارة الماء إلا باعتبار أنه يطهر غيره؛ لأن في نفس الطهارة [كلتا] (٣) الصيغتين سيان فلا بد من معنى زائد في الطهور ليس هو في الطاهر ولا ذلك إلا بالتطهير لا أن الطهور جاء بمعنى المطهر؛ لأنه من طَهرُ الشيءُ وهو لازم فلا يستفاد منه التعدي.

стр. 222

لا ينجسه شيء: أي شيء نجس. قَالَ: (وَلا يَجُوزُ بِمَا اُعْتُصِرَ مِنْ الشَّجَرِ وَالثَّمَرِ) لأنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ وَالْحُكْمُ عِنْدَ فَقْدِهِ مَنْقُولٌ إلَى التَّيَمُّمِ - قوله: (بما اعتصر) بالقصر على أنها موصولة وإن كان تصح بمعنى الممدود؛ لأن المنقول هو الموصولة، ولأن في الممدود وهم جواز التوضي بماء انعصر هو بنفسه وليس الأمر كذلك. (وَالْوَظِيفَةُ فِي هَذِهِ الْأَعْضَاءِ تَعَبُّدِيَّةٌ فَلا تَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَاءُ الَّذِي يَقْطُرُ مِنْ الْكَرْمِ فَيَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ لأنَّهُ مَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ عِلاجٍ، ذَكَرَهُ فِي جَوَامِعِ أَبِي يُوسُفَ ﵀. وَفِي الْكِتَابِ إشَارَةٌ إلَيْهِ حَيْثُ شَرَطَ الاعْتِصَارَ.) - قوله: (والوظيفة في هذه الأعضاء تعبدية) هذا جواب إشكال يرد على قوله: والحكم عند فقد الماء المطلق منقول إلى التيمم بأن يقال: سلمنا بأن الماء الذي اعتصر من الشجر والثمر ليس بماء مطلق، ولكن هو في معنى الماء المطلق من حيث إزالة النجاسة الحكمية فيلحق هو به كما ألحقه أبو حنيفة وأبو يوسف بالماء المطلق في إزالة النجاسة الحقيقية فيجب أن يكون في الحكمية كذلك. فأجاب عنه وقال: إن شرط صحة القياس أن لا يكون حكم الأصل معدولاً به عن القياس، وأنه معدول عنه، وذلك لأن النص جعل الماء مطهرًا للحدث غير معقول المعنى؛ لأنه لا عين للنجاسة في الأعضاء ليزال، فإذا لم يكن الإزالة ها هنا معقولة لم يتعدَّ إلى سائر المزيلات؛ لأنه لا إزالة حقيقة فيقتصر على مورد الشرع بخلاف النجاسة الحقيقية، فإن جواز استعمال الماء المطلق فيها بسبب الإزالة لا غير، ويوجد الإزالة بسائر المائعات الطاهرة فيجوز بها كما يجوز بالماء المطلق؛ لأن إزالة النجاسة الحقيقية بالماء المطلق معقول المعنى فتعدى إلى غيره من المائعات بجامع الإزالة [الحسية] (١). - قوله: (وفي الكتاب) أي في «مختصر القدوري» (٢)، والفاء في فأخرجه لتفسير قوله: غلب. قَالَ (وَلا) يَجُوزُ (بِمَاءٍ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَأَخْرَجَهُ عَنْ طَبْعِ الْمَاءِ كَالْأَشْرِبَةِ وَالْخَلِّ وَمَاءِ الْبَاقِلا وَالْمَرَقِ وَمَاءِ الْوَرْدِ وَمَاءِ الزَّرْدَجِ) لأنَّهُ لا يُسَمَّى مَاءً مُطْلَقًا، وَالْمُرَادُ بِمَاءِ الْبَاقِلا وَغَيْرِهِ مَا تَغَيَّرَ بِالطَّبْخِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ بِدُونِ الطَّبْخِ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ. الباقلي: إذا شددت اللام قصرت، وإن خففت مُددت الواحدة باقِلّاة وباقلاءة، كذا في «الصحاح» (٣).

стр. 223

ما تغير بالطبغ: عنى بالتغير الثخونة حتى إذا طبخ ولم يثخن بعد بل رقة الماء باقية فيه جاز الوضوء به ذكره الناطفي (١)، كذا في «فتاوى قاضي خان» (٢). -قوله: (كالأشربة والخل) (٣) إن كان المراد من الأشربة الأشربة المتخذة من الشجر كشراب الريباس والحماض (٤)، ومن الخْل الخلِّ الخالص كانا من نظير المُعتصِر من الشجر والثمر، وكان ماء الباقلا والمرق نظير الماء الذي غلب عليه غيره فكان من [صنعة] (٥) اللف والنشر. وإن كان المراد من الأشربة [الحلواء] (٦) المخلوط بالماء كالدبس والشهد المخلوط به، ومن الخل الخل المخلوط بالماء كانت الأربعة كلها نظير الماء الذي غلب عليه غيره. وقيل: القسم الأول: من المياه مقابل بالرقيق؛ لأنه لا قيد فيهما. والقسم الثاني: مقابل بالمكاتب باعتبار نقصان ما هو الأصل فيهما من الملك وماهية الماء. والقسم الثالث: مقابل بالمدبر؛ إذ الملك فيه كامل والرق ناقص بدليل حل الوطء والاستخدام فكذلك في الماء الذي خالطه شيء طاهر مغلوب يتناوله مطلق الماء باعتبار غلبة الماء فيه فجاز التوضي به أيضًا، ثم في قوله: فغير أحد أوصافه إشارةً إلى أنه إذا غير الاثنين أو الثلاثة من الأوصاف لا يجوز التوضي به، وإن كان المغير شيئًا طاهرًا لكن المنقول من الأساتذة أنه يجوز حتى أن أوراق الشجر وقت الخريف يقع في الحياض فيتغير ماؤها من حيث اللون والطعم والرائحة، ثم إنهم يتوضئون منها من غير نكير، ولكن [ذكر] (٧) في أول «تتمة الفتاوى» (٨) ما يوافق إشارة المذكور في «الكتاب» (٩) فقيل: وسئل الفقيه أحمد بن إبراهيم الميداني (١٠): عن الماء الذي يتغير لونه لكثرة الأوراق الواقعة فيه حتى يظهر لون الأوراق في الكف إذا رفع الماء منه هل يجوز التوضي منه. قال: لا، ولكن يجوز شربه وغسل الأشياء به، وأما جواز شربه وغسل الأشياء به فلأنه طاهر.

стр. 224

وأما عدم جواز التوضي به لأنه لما غلب عليه لون الأوراق صار ماء مقيدًا كماء الباقلا [وغيره] (١). قلت: لما تغير لون الماء ها هنا بوقوع الأوراق الكثيرة لا بد أن يتغير طعمه أيضًا فحينئذٍ كان الوصفان من الماء زائلين فصار موافقًا لما أشار إليه «الكتاب» [وإلا] (٢) يلزم المخالفة بينهما وبين رواية الكتاب ورواية «فتاوى قاضي خان» [التي تجيء بُعيد هذا] (٣). -قوله: (كماء المد) «هو واحد المدود وهو السيل، وإنما خص بالذكر لأنه يجيء بغثاء ونحوه»، كذا في «المغرب» (٤)، وذكر في «فتاوى قاضي خان»: «إذا طبخ بالماء ما يقصد به المبالغة في التنظيف كالسدر والحرض فإن تغير لونه ولكن لم تذهب رقته يجوز به التوضي، وإن صار ثخينًا مثل السويق لا يجوز به التوضي» (٥). ولو توضأ بماء السيل يجوز وإن خالطه التراب إذا كان الماء غالبًا رقيقًا فراتًا كان أو أجاجًا، وإذا كان ثخينًا كالطين لا يجوز به التوضي. -قوله: (وهو الصحيح) احتراز عن «قول محمد فإنه يعتبر الغلبة بتغير اللون والطعم والريح»، كذا في «فتاوى قاضي خان» (٦). (وَكُلُّ مَاءٍ وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ قَلِيلاً كَانَتْ النَّجَاسَةُ أَوْ كَثِيرًا) -قوله: (وكل ماء) المراد منه غير الماء الجاري وغير ما هو في معنى الماء الجاري كالحوض الكبير الذي هو عشر في عشر. -قوله: (قليلاً كانت النجاسة أو كثيرًا) ترك علامة التأنيث بعد ما جعل القليل والكثير صفة [بالنجاسة] (٧) مع أن كل واحد منهما فعيل بمعنى فاعل، وفي مثله يفرق بين المذكر والمؤنث بالتاء كسميع وسميعة وعليم وعليمة؛ لأن فعيلاً بمعنى فاعل قد يشبه بفعيل بمعنى مفعول كقولهم: مِلحف (٨) جديد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الأعراف: ٥٦] في أحد الوجوه. ثم وجه التمسك بقوله ﵇: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِى الْمَاءِ الدَّائِمِ» (٩). أن مطلق النهي يوجب التحريم وفساد الفعل من غير فصل بين دائم ودائم، وبين ما يتغير لونه و [بين] (١٠) ما لا يتغير إلا أن يكون في حكم الماء الجاري بأن لا يخلص بعضه إلى بعض بدلالة تقييد الدائم.

стр. 225

فإن قيل: جاز أن يكون النهي للأدب أو للتنزيه. قلنا: مطلق النهي يقتضي الحرمة مع عرائه عن التأكيد فكيف إذا كان مؤكدًا بالنون الثقيلة، ولأنه لو كان كذلك لما قيده بالدائم، فإن الجاري يشاركه في ذلك المعنى؛ لأن البول في الدائم كما هو ليس بأدب كذلك البول في الماء الجاري ليس بأدب أيضًا فلا يبقى حينئذٍ لتقييد الدائم فائدة. وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: يَجُوزُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ لِمَا رَوَيْنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجُوزُ إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لِقَوْلِهِ ﵊: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» وَلَنَا حَدِيثُ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ مَنَامِهِ، وَقَوْلُهُ ﵊: «لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَاَلَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ ﵀ وَرَدَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ وَمَاؤُهَا كَانَ جَارِيًا فِي الْبَسَاتِينِ، وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ يَضْعُفُ عَنْ احْتِمَالِ النَّجَاسَةِ. (وَالْمَاءُ الْجَارِي إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ جَازَ الْوُضُوءُ مِنْهُ إذَا لَمْ يُرَ لَهَا أَثَرٌ لأنَّهَا لا تَسْتَقِرُّ مَعَ جَرَيَانِ الْمَاءِ) وَالْأَثَرُ هُوَ الرَّائِحَةُ أَوْ الطَّعْمُ أَوْ اللَّوْنُ، وَالْجَارِي مَا لا يَتَكَرَّرُ اسْتِعْمَالُهُ، وَقِيلَ مَا يَذْهَبُ بِتِبْنَةٍ. -قوله: (ورد في بئر بضاعة) الباء في بضاعة تكسر وتضم، كذا في «الصحاح» (١)، وفي «المغرب» (٢): بالكسر لا غير عن العوري، وهي بئر قديمة بالمدينة. وفي «المبسوط»: «إن بئر بضاعة [كان] (٣) ماءه جاريًا يسقى منه خمسة بساتين» (٤). فإن قلت: العبرة عندنا لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فكيف اختص عموم قوله ﵇: «الْمَاءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» (٥). بسببه الذي كان ورد الحديث في حقه وهو بئر بضاعة.

стр. 226

قلت: إنما لا يخص عموم اللفظ بسببه إذا لم يرد ما يخصصه مثله في القوة وقد ورد هنا ما يخصصه وهو يساويه/ ١٠/ أ/ في القوة وهو حديث المستيقظ. وقوله ﵇: «لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ» (١). وإنما خصصناه بهذين الحديثين دفعًا للتناقض، وذلك لأن الحديثين إذا وردا متعارضين وجهل تاريخهما يجعل كأنهما وردا معًا بعد ذلك إن أمكن العمل بهما بحمل كل واحد منهما على موضع يحمل وإن لم يمكن الحمل يطلب الترجيح، وإن لم يمكن الترجيح يتهاتران وها هنا أمكن العمل بهما بشهادة نقلة الأحاديث على ما قلنا، فعملنا كذلك لهذا [فكان هذا من باب الحمل لدفع التناقض لا من باب التخصيص بالسبب] (٢). ولأنا ما خصصناه ببئر بضاعة أيضًا بل عدينا حكمه من بئر بضاعة أيضًا بل عدينا حكمه من بئر بضاعة إلى ما هو في معناها من الماء الجاري وترك عموم ظاهر الحديث لدفع التناقض والتعارض. وقال الشافعي: يجوز إن كان الماء قلتين (٣). وقال الشافعي: إذا كان الماء بقدر القلتين لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه حتى يتغير أحد أوصافه. والقلة اسم لجرة تحمل من اليمن تسع فيها قربتان وشيء، فالقلتان خمس قرب كل قربة خمسون منًّا فيكون جملته مائتين وخمسين منًّا، واستدل بهذا الحديث. قلنا: هذا ضعيف فقد قال الشافعي في كتابه (٤): بلغني بإسنادٍ لا يحضرني من ذكره ومثل هذا دون المرسل (٥). «وقد تكلم الناس في القلة فقيل: إنها القامة، وقيل: إنها رأس الجبل. فيكون معناه: إذا بلغ ماء الوادي قامتين أو رأس الجبلين، ومثل هذا يكون بحرًا، وبه نقول»، كذا في «المبسوط» (٦).

стр. 227

وقد ذكر شيخ الإسلام: في «المبسوط» فقال: قلنا: «لا يصح التعلق بهذا [الحديث] (١) (٢)؛ لأن في سنده ضعفًا وفي متنه اضطرابًا والقلة في نفسها مجهولة» (٣). -وقوله: (لا يحتمل خبثًا) (٤) يحتمل معنيين مختلفين لا يدرى أيهما هو المراد، والاعتماد على مثل هذا الخبر لا يصح، كيف وقد ظهر العمل من الصحابة بخلافه في ماء البئر. أما في سنده ضعف فإنه قال ابن المديني (٥): إستاذ محمد بن إسماعيل البخاري -رحمهما الله- حديث القلتين مما لا يثبت، وهكذا ذكر أبو داود فقال: لا يصح لواحدٍ من الفريقين خبر صحيح في تقدير الماء. وفي متنه اضطراب فإنه قال في بعضها: إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثًا. وفي بعضها قال: إذا بلغ أربعين قلة. هكذا رواه جابر ﵁ وأخذ به إبراهيم النخعي (٦) ﵀.

стр. 228

والقلة في نفسها مجهولة لأنها تذكر ويراد بها قامة الرجل، وتذكر ويراد بها رأس الجبل، وتذكر ويراد بها الجرة (١). والتعيين بقلال هجر لا يثبت بقول [ابن] (٢) جريج؛ لأن [ابن] (٣) جريجًا ممن لا يقلد فبقي محتملاً، وكذلك قوله: لا يحتمل خبثًا [يحتمل] (٤) ما قاله الشافعي: أي: لا يقبل النجاسة ويدفعها ومحتمل أي: إذا قل الماء حتى انتهى إلى القلتين فإنه لا يحتمل خبثًا أي: يضع عن احتمال الخبث [فيتنجس] (٥) كما يقال: فلان لا يحتمل الضرب أي: يضعف لا يحتمله فيتوجع، وإذا كان كذلك لم يصح التعلق بهذا الحديث فكان الاعتماد على ما روينا من الأحاديث المشهورة.

стр. 229

ثم نقول: أراد بالقلة قامة الرجل لا الجرة؛ لأنه ذكر القلة لتقدير الماء في الحياض [والماء في الحياض] (١) إنما يقدر بالقامة لا بالجرار. قَالَ (وَالْغَدِيرُ الْعَظِيمُ الَّذِي لا يَتَحَرَّكُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِتَحْرِيكِ الطَّرَفِ الْآخَرِ إذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي أَحَدِ جَانِبَيْهِ جَازَ الْوُضُوءُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ لأنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّجَاسَةَ لا تَصِلُ إلَيْهِ) إذْ أَثَرُ التَّحْرِيكِ فِي السِّرَايَةِ فَوْقَ أَثَرِ النَّجَاسَةِ. ثُمَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ التَّحْرِيكَ بِالاغْتِسَالِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَعَنْهُ التَّحْرِيكُ بِالْيَدِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ بِالتَّوَضُّؤِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الاغْتِسَالِ فِي الْحِيَاضِ أَشَدُّ مِنْهَا إلَى التَّوَضُّؤِ، وَبَعْضُهُمْ قَدَّرُوا بِالْمِسَاحَةِ عَشْرًا فِي عَشْرٍ بِذِرَاعِ الْكِرْبَاسِ تَوْسِعَةً لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْعُمْقِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لا يَنْحَسِرُ بِالاغْتِرَافِ هُوَ الصَّحِيحُ. وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَجَازَ الْوُضُوءُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ، إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَنْجُسُ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ لا يَنْجُسُ إلا بِظُهُورِ أَثَرِ النَّجَاسَةِ فِيهِ كَالْمَاءِ الْجَارِي. قوله: (والغدير العظيم الذي لا يتحرك) المراد من تحرك أحد طرفيه هو أن يتحرك بالارتفاع والانخفاض ساعة تحريكه. وقال في «فتاوى قاضي خان»: «واختلفوا في حد الحوض الكبير. قال بعضهم: إن كان الحوض بحال لو اغتسل إنسان في جانب لا يضطرب الطرف الذي يقابله أي: لا يرتفع ولا ينخفض فهو كبير» (٢). قال مشايخنا: وإنما يعتبر تحرك الجانب [من الجانب] (٣) الآخر من ساعته لا بعد المكث لا يعتبر حباب الماء فإن الماء وإن كثر يعلق ويتحرك. وحاصل هذا ما ذكره شيخ الإسلام فقال: يجب أن يعلم أن العلماء اتفقوا على أن النجاسة متى وقعت في ماء راكد قليل فإنه ينجس وفي كثير لا ينجس] (٤) ولكن اختلفوا بعد هذا في حد الكثرة والقلة (٥). قال مالك: إذا كان الماء بحال لو وقع فيه النجاسة تغير لونه أو طعمه أو ريحه كان قليلاً وإن لم يتغير شيء منه كان كثيرًا (٦).

стр. 230

وقال الشافعي: إن كان دون القلتين كان قليلاً يتنجس بوقوع النجاسة تغير أو لم يتغير وإن كان قلتين فصاعدًا كان كثيرًا (١). وقال علماؤنا ﵏ (٢) -: الماء إذا كان بحيث يخلص بعضه إلى بعض أي يصل كان قليلاً، وإن كان لا يخلص، كان كثيرًا، لا ينجس وقوع النجاسة فيه إلا أن يتغير لونه أو طعمه أو ريحه كالماء الجاري لكن اختلفوا بعد هذا أنه بأي سبب يعرف خلوص النجاسة إلى الجانب الآخر فقد اتفقت الروايات عن علمائنا الثلاثة أن الخلوص يعتبر بالتحريك فإنه إذا حرك طرفًا منه إن لم يتحرك الجانب الآخر فهو مما لا يخلص بعضه إلى بعض، [وإن تحرك فهو مما يخلص بعضه إلى بعض] (٣) إلا أنهم اختلفوا في سبب التحريك، فقد روى أبويوسف عن أبي حنيفة أنه يعتبر التحريك بالاغتسال إن اغتسل إنسان في جانب منه اغتسالاً وسطًا إن لم يتحرك الجانب الآخر فهو مما لا يخلص بعضه إلى بعض وإن تحرك فهو مما يخلص، وبه أخذ أبو يوسف (٤)، وهذا لأن التحريك بالاغتسال يكون أحوط من التحريك بالوضوء؛ لأن التحريك بالاغتسال أشد من التحريك بالتوضي فيه، ولأن حاجة الإنسان إلى الغسل في المياه الجارية والحياض أكثر من حاجته إلى الوضوء فإن الوضوء يكون في البيوت عادةً، وقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة في رواية [أخرى] (٥) أنه يعتبر التحريك باليد لا غير؛ لأن التحريك يكون بالاغتسال وبالتوضي وبغسل اليد إلا أن التحريك بغسل اليد أخف فكان الاعتبار به أولى توسعةً على الناس (٦). وروي عن محمد نفسه أنه قال: يعتبر التحريك بالوضوء دون الاغتسال؛ لأن مبنى الماء في حكم النجاسة على الخفة فإن القياس أن يتنجس وإن كثر الماء إلا أنه أُسقط حكم النجاسة عن بعض المياه تخفيفًا فاعتبر التحريك الوسط وهو التحريك بالوضوء؛ لأنه بين الاغتسال وغسل اليد [وهو الأصح] (٧) فعلم بهذا أن الروايات اتفقت عن أصحابنا المتقدمين ﵏ يعتبر الخلوص بالتحريك (٨) لكن اختلفوا في السبب الذي يقع به التحريك. والمتأخرون من أصحابنا اعتبروا الخلوص بشيء آخر؛ فقد روي عن محمد بن سلام أنه اعتبر الخلوص بالكدرة فقال: إن كان الماء بحال لو اغتسل فيه وتكدر الجانب الذي اغتسل فيه بسبب الاغتسال إن وصلت الكدرة إلى الجانب الآخر فهو مما يخلص بعضه إلى بعض، وإن لم يصل فهو مما لا يخلص.

стр. 231

وحكي عن الشيخ الإمام إسماعيل الزاهد (١)، عن عيسى بن السمرقندي، عن أبي حفص الكبير صاحب محمد بن الحسن ﵏ أنه اعتبر الخلوص بالصبغ فقال: يلقى زعفران في جانب منه فإن أثر الزعفران في الجانب الآخر كان مما يخلص بعضه إلى بعض، وإن لم يؤثر فهو مما لا يخلص. ومنهم من اعتبر الخلوص بالمساحة. روى نصير بن يحيى (٢)، عن أبي سليمان الجوزجاني (٣) ﵏: أنه اعتبر الخلوص بالمساحة إن كان عشرًا في عشر فهو مما لا يخلص، وإن كان أقل فهو مما يخلص. هذا حاصل ما ذكره شيخ الإسلام: في «مبسوطه» (٤). وعن محمد (٥): في «النوادر» أنه سئل عن هذه المسألة فقال: إن كان مثل مسجدي هذا فهو مما لا يخلص [بعضه إلى بعض] (٦). فلما قام مسح مسجده فكان ثمانيًا في ثمان في رواية، وعشرًا في عشر في رواية (٧). وعامة المشايخ أخذوا بقول [أبي] (٨) سليمان الجوزجاني. ثم الحوض الكبير الذي لا يخلص بعضه إلى بعضه متى وقعت فيه نجاسة حتى لم يتنجس جميعه هل [يتنجس] (٩) شيء منه؟ فهذا على وجهين:

стр. 232

إن كانت النجاسة مرئية لا يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه النجاسة. وقال بعضهم: يتنجس مما حول النجاسة بمقدار حوض صغير، وما رواه ظاهر. وإن كانت غير مرئية بأن بال فيه إنسان أو اغتسل فيه جنب حكي عن مشايخ العراق: لا فرق بين النجاسة المرئية وغيرها، ومشايخ بخارى [وبلخ] (١) فرقوا بين المرئية وغيرها فقالوا في غير المرئية: يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه النجاسة بخلاف المرئية [وهو الأصح محيط] (٢)، وينبني على هذا ما إذا غسل وجهه في حوض كبير فسقط غسالة وجهه في الماء فرفع الماء من موضع الوقوع قبل التحريك. «قالوا: على قول أبي يوسف لا يجوز ما لم [يحرك] (٣) الماء. وبه قال أبو جعفر الأسْرُوْشَني (٤):، وغيره من مشايخ بخارى جوزوا ذلك وتوسعوا فيه بعموم البلوى»، كذا في «المحيط» (٥). ثم اختلفت ألفاظ الكتب في تعيين الذراع، فجعل الصحيح هنا ذراع الكرباس (٦) وجعل [الصحيح] (٧) في «فتاوى قاضي خان:» [ذراع] (٨) المساحة وقال: لأن ذراع المساحة أليق بالممسوحات» (٩).

стр. 233

وفي «المحيط»: «والأصح أن يعتبر في كل زمان ومكان ذراعهم» (١)، ولم يتعرض للكرباس والمساحة. ثم ذراع الكرباس أقصر من ذراع المساحة وقد ذكر الشيخ الإمام ظهير الدين إسحاق بن أبي بكر الواوالجي: في الفصل الأول من كتاب الصلاة من «فتاواه» فقال: فالمعتبر فيه ذراع الكرباس دون المساحة وهي سبع مشتات ليس فوق كل مشت إصبع قائمة، وذراع المساحة سبع مشتات فوق كل مشت إصبع قائمة، فالأول أليق بالتوسعة، وذكر/ ١٠/ ب/ هو: قبل هذا: إنما اعتبر عدد العشر دون غيره من الأعداد؛ لأن العشرة أدنى ما ينتهي إليه نوع عدد. قَالَ: (وَمَوْتُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ فِي الْمَاءِ لا يُنَجِّسُهُ كَالْبَقِّ وَالذُّبَابِ وَالزَّنَابِيرِ وَالْعَقْرَبِ وَنَحْوِهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُفْسِدُهُ لأنَّ التَّحْرِيمَ لا بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ آيَةُ النَّجَاسَةِ، بِخِلافِ دُودِ الْخَلِّ وَسُوسِ الثِّمَارِ لأنَّ فِيهِ ضَرُورَةً، وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ فِيهِ: «هَذَا هُوَ الْحَلالُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَالْوُضُوءُ مِنْهُ» وَلأنَّ الْمُنَجَّسَ هُوَ اخْتِلاطُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ بِأَجْزَائِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، حَتَّى حَلَّ الْمُذَكَّى لِانْعِدَامِ الدَّمِ فِيهِ وَلا دَمَ فِيهَا، وَالْحُرْمَةُ لَيْسَتْ مِنْ ضَرُورَتِهَا النَّجَاسَةُ كَالطِّينِ.) -قوله: (نفس سائلة) أي: دم سائل، ذكر [الزنابير] (٢) بلفظ الجمع دون غيره لأن فيه أنواعًا شتى، كذا قاله الشيخ ﵀ (٣) (٤). ولنا: قوله ﵇: وهو فيما رواه سلمان الفارسي ﵁: أن النبي ﵇ سئل عن إناء فيه طعام أو شراب يموت فيه ما ليس له دمٌ سائل قال ﵇: «هُوَ الحَلالُ أكْلُهُ وَشُرْبُه والوَضُوء بِه» (٥). كذا في «المبسوطين» (٦).

стр. 234

-قوله: (حتى حل المذكى) لانعدام الدم فيه. فإن قلت: إثبات الحل بزوال الدم منقوص طردًا وعكسًا: أما الطرد: ففي صورة ذبح المجوسي فإنه زال الدم ولم يحل المذكى. وأما العكس: ففي صورة ذبح المسلم الشاة بالتسمية التي هي معلوم حياتها يقينًا ولم يسل الدم بعارض بأن أكلت ورق العناب فإنها تحل مع أن الدم لم يزل. قلت: أما ذبيحة المجوسي فإنها ملحقة بالمنخنقة لعدم أهلية الذابح؛ لأن صاحب الشرع أخرجه عن كونه أهلاً للذبح بقوله ﵇: «سنُّوا بهم سنَّة أهْلَ الكتَابِ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ، وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ» (١). والحكم تعلق بالسبب المريق وهو الزكاة الشرعية لما بنفس الإراقة فسقطت الإراقة فيه، ودار الحكم مع سببها تيسيرًا علينا كما في السفر مع المشقة والنوم مع الحدث. وأما ذبيحة المسلم فلأهلية الذابح واستعمال آلة الذبح جعل الدم كأنه سال شرعًا لإتيانه بما هو المأمور به شرعًا، وربما لا يريق بعارض كما ذكرت فلا تعتبر العوارض؛ إذ هي لا تدخل تحت القواعد فكان الاعتبار للأصل وهو الإراقة من [الأصل] (٢) كما أن الأصل في السفر هو المشقة عادةً، وربما لا توجد المشقة لعارض فلا يعتبر العارض فيجعل كأن المشقة قد وجدت حتى عمل عمل السفر [الذي] (٣) وجدت فيه المشقة في إثبات الرخصة كذلك ها هنا. -قوله: (ولأن المنجس اختلاط الدم المسفوح بأجزائه عند الموت) ولهذا قلنا: إن المصلي إذا [استصحب] (٤) فأرةً أو عصفورةً [حية] (٥) لم تفسد صلاته ولو كانت نجسة لفسدت، ولو ماتت حتف أنفها فاستصحبها [فسدت] (٦)، والسمكة لو استصحبها في

стр. 235

صلاته لا تفسد [صلاته] (١) ميتةً كانت أو حيةً؛ لأنه لا دم [لها] (٢). ولا يقال: إن الدموي من الحيوانات كما يشتمل على الدم بعد الموت فكذلك يشتمل على الدم قبل الموت، فلو كان المنجس هو الدم لكان الدموي من الحيوانات نجسًا على تقديري الموت والحياة؛ لأنا نقول: الدموي من الحيوانات قبل الموت وإن كان يشتمل على الدم ولكن الدم الذي يشتمل عليه قبل الموت في معدنه [ومظانه] (٣)، والدماء بعد الموت تنصب عن مجاريها فلا يبقى في معادنها فيتنجس [اللحم] (٤) بتشربه إياها، ولهذا لو قطعت العروق بعد الموت لا يسيل منها الدم، كذا في «الفوائد الظهيرية». قَالَ (وَمَوْتُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ فِيهِ لا يُفْسِدُهُ كَالسَّمَكِ وَالضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُفْسِدُهُ إلا السَّمَكُ لِمَا مَرَّ. وَلَنَا أَنَّهُ مَاتَ فِي مَعْدِنِهِ فَلا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ كَبَيْضَةٍ حَالَ مُحُّهَا دَمًا، وَلأنَّهُ لا دَمَ فِيهَا، إذْ الدَّمَوِيُّ لا يَسْكُنُ الْمَاءَ وَالدَّمُ هُوَ الْمُنَجِّسُ، وَفِي غَيْرِ الْمَاءِ قِيلَ غَيْرُ السَّمَكِ يُفْسِدُهُ لِانْعِدَامِ الْمَعْدِنِ. وَقِيلَ لا يُفْسِدُهُ لِعَدَمِ الدَّمِ وَهُوَ الْأَصَحُّ.) -قوله: (وموت ما يعيش في الماء فيه) قوله: «في الماء» ظرف ليعيش، وقوله: «فيه» طرف الموت. -قوله: (لما مر) إشارة إلى قوله: لأن التحريم لا بطريق الكرامة. يعني أن الضفدع والسرطان لما حرم أكلهما مع صلاحيتهما دل على نجاستهما (٥). -قوله: (كبيضة حَالَ مُحّها دمًا) أي: تغير صفرتها دمًا، يعني لو صلى وفي كمه تلك البيضة يجوز الصلاة معها؛ لأن النجاسة في [محلها] (٦) بخلاف ما إذا صلى وفي كمه قارورة وفيها دمٌ لا تجوز صلاته؛ لأن النجاسة ليست في معدنها.

стр. 236

-قوله: (ولأنه لا دم فيها) وجعل شمس الأئمة السرخسي: هذا التعليل أصح فقال: والثاني أنه ليس لهذه الحيوانات دمٌ سائل؛ فإن ما يسيل منها إذا شمس [يبيض] (١)، والدم إذا شمس [يسود] (٢)، وهذا الحرف أصح؛ لأنه كما لا يفسد الماء بموت هذه الحيوانات فيه لا يفسد غير الماء كالخل والعصير، ويستوي إن تقطع أو لم يتقطع إلا على قول أبي يوسف: فإنه يقول: إذا قطع في الماء أفسده بناءً على قوله: إن دمه نجس. وهو ضعيف؛ فإنه لا دم في السمك إنما هو ماء آجن. ولو كان فيه دم فهو مأكول فلا يكون نجسًا كالكبد والطحال. وأشار الطحاوي: إلى أن الطافي من السمك في الماء يفسده وهو غلط منه، فليس في الطافي أكثر فسادًا من أنه غير مأكول فهو كالضفدع والسرطان. وعن محمد: أن الضفدع إذا تفتت في الماء كرهت شربه لا لنجاسته لكن لأن أجزاء الضفدع فيه والضفدع غير مأكول، كذا في «المبسوط». وَالضُّفْدَعُ الْبَحْرِيُّ وَالْبَرِّيُّ فِيهِ سَوَاءٌ. وَقِيلَ: الْبَرِّيُّ مُفْسِدٌ لِوُجُودِ الدَّمِ وَعَدَمِ الْمَعْدِنِ، وَمَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ مَا يَكُونُ تَوَلُّدُهُ وَمَثْوَاهُ فِي الْمَاءِ، وَمَائِيُّ الْمَعَاشِ دُونَ مَائِيِّ الْمَوْلِدِ مُفْسِدٌ -قوله: (والضفدع [البحري والبري] (٣) سواء) وإنما يعرف الضفدع المائي من البري بما يكون بين أصابعه سترة دون البري، كذا في «الفتاوى الظهيرية». -قوله: (قيل غير السمك يفسده) (٤) وهو قول [نصير] (٥) بن يحيى ومحمد بن سلمة وأبي معاذ البلخي وأبي مطيع ﵏ (٦). وقيل: لا يفسده. «وهو قول أبي عبد الله البلخي ومحمد بن مقاتل»، كذا في «المحيط (٧) ولكن هذا القول وهو قول أبي عبد الله البلخي أصح لما ذكرنا من اختيار شمس الأئمة (٨): وهو اختيار صاحب «الهداية» أيضًا حيث قال: هو الأصح (٩).

стр. 237

قَالَ (وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ لا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ) خِلافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. هُمَا يَقُولانِ: إنَّ الطَّهُورَ مَا يُطَهِّرُ غَيْرَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَالْقَطُوعِ. وَقَالَ زُفَرُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ﵀: إنْ كَانَ الْمُسْتَعْمِلُ مُتَوَضِّئًا فَهُوَ طَهُورٌ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ لأنَّ الْعُضْوَ طَاهِرٌ حَقِيقَةً، وَبِاعْتِبَارِهِ يَكُونُ الْمَاءُ طَاهِرًا لَكِنَّهُ نَجِسٌ حُكْمًا، وَبِاعْتِبَارِهِ يَكُونُ الْمَاءُ نَجِسًا فَقُلْنَا بِانْتِفَاءِ الطَّهُورِيَّةِ وَبَقَاءِ الطَّهَارَةِ عَمَلاً بِالشَّبَهَيْنِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ هُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ، لأنَّ مُلاقَاةَ الطَّاهِرِ لِلطَّاهِرِ لا تُوجِبُ التَّنَجُّسَ، إلا أَنَّهُ أُقِيمَتْ بِهِ قُرْبَةٌ فَتَغَيَّرَتْ بِهِ صِفَتُهُ كَمَالِ الصَّدَقَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: هُوَ نَجِسٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» الْحَدِيثَ، وَلأنَّهُ مَاءٌ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ الْحُكْمِيَّةُ فَيُعْتَبَرُ بِمَاءٍ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، ثُمَّ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً اعْتِبَارًا بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي النَّجَاسَةِ الْحَقِيقَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ ﵀ وَهُوَ قَوْلُهُ إنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً خَفِيفَةً لِمَكَانِ الاخْتِلافِ). -قوله: (والماء المستعمل لا يطهر الأحداث) (١) (٢) والكلام ها هنا في مواضع: أحدها: في حكم الماء المستعمل. والثاني: في سببه. والثالث: في وقت أخذه حكم الاستعمال. فبدأ ببيان حكمه فقال: والماء المستعمل لا يطهر الأحداث، وإنما قيد بالأحداث لما أنه يطهر الأنجاس فيما روى محمد عن أبي حنيفة رحمهما الله: الطهور ما يطهر غيره مرةً بعد أخرى. وقد ذكرنا في أول هذا الباب أن إفادة تطهير الغير إنما يعلم بالعدول عن صيغة الطاهر إلى صيغة الطهور لا باعتبار الوضع. وللشافعي (٣) في الماء المستعمل أقوال ثلاثة: وأظهر أقاويله كما قاله محمد: أنه طاهر غير طهور. وقال في قول: طاهر ومطهر. وقال في قول: إن كان المستعمل محدثًا فهو طاهر غير طهور، وإن كان متوضئًا فهو طاهر وطهور. وهو قول زفر. وقال مالك (٤): طاهر وطهور إلا أنه أحب إلي أن يتوضأ بغيره لما أن عنده إذا

стр. 238

وقعت في الماء نجاسة حقيقية ولم يتغير طعمه ولا لونه ولا ريحه لم ينجس. -قوله: (عملاً بالشبهين) وكان هذا كسؤر الحمار لما تعارضت الأدلة بعضها يوجب الطهارة وبعضها يوجب النجاسة خرج من أن يكون طهورًا ويبقى طاهرًا بخلاف ما إذا لم يكن محدثًا لأنه لم يتحول إلى الماء شيء؛ لا من حيث الحقيقة ولا من حيث الحكم فكان هذا وغسل ثوب طاهرٍ سواء. [فوجه] (١) قول محمد ما روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أنه مرض فتوضأ رسول الله ﵇ وصب الغسالة عليه فأفاق. وكذا في حق جابر ﵁، ولو/ ١١/ أ/ كان نجسًا لما استشفى [له] (٢) رسول الله ﵇: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» (٣). ولأنه طاهر لاقى [طاهرًا] (٤) فلا ينجس قياسًا على ما [لو] (٥) غسل به ثوبًا طاهرًا؛ لأنه لم يتحول إلى الماء نجاسة؛ لأنه لا نجاسة على أعضائه إلا أنه أقيم به قربة فزال عنه صفة الطهورية، ألا ترى أن مال الصدقة لما أقيم به القربة تغير صفته فزال عنه الطيبة حتى لم يحل لرسول الله ﵇، ولكن بقي [طاهرا] (٦) حلالاً في نفسه حتى حل لغير رسول الله ﵇، فكذا تغير صفة الماء عندي بإقامة القربة حتى لو غسل أعضاء الوضوء متبردًا لا بنية القربة فإن الماء يبقى طهورًا عندي (٧).

стр. 239

وأما وجه ما روى أبو يوسف: عن أبي حنيفة: فيما روى أبو هريرة عن رسول الله ﵇ أنه قال: «لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ» (١). فالنبي ﵇ سوى بين النجاسة الحكمية والحقيقية؛ فإنه كما نهى عن البول كذلك نهى عن الاغتسال دل أن الاغتسال فيه يوجب النجاسة كالبول والدليل عليه أن الجنب إذا اغتسل يؤخر غسل رجليه كيلا تتنجس رجله ثانيًا بالماء المستعمل، فلو كان الماء المستعمل طاهرًا لما أخر. ولأنهم أجمعوا أن المسافر إذا خاف العطش حل له التيمم ولا يؤمر بالتوضي، وجمع الغسالة للشرب ولو كان لا يتنجس لأمر بالتوضي به، ثم يجمع الغسالة للشرب مع عزته في ذلك الموضع، والمعنى أن الحدث في منع الصلاة فوق النجاسة الحقيقية فإن اليسير من الحدث مانع عن الصلاة، ومن الحقيقة لا هذا كله في «مبسوط شيخ الإسلام» (٢). «وذكر الطحاوي أنه إذا تبرد بالماء صار الماء مستعملاً وهذا غلط منه إلا أن يكون تأويله أنه إن كان محدثًا فيزول الحدث باستعمال الماء، وإن كان قصده التقرب فحينئذٍ يصير مستعملاً»، كذا في «المبسوط» (٣). ولأنه ما أزيلت به بالنجاسة الحكمية؛ لأن عضو الجنب والمحدث له حكم النجاسة في الشرع حتى منع من جواز الصلاة فلذلك أطلق اسم التطهير بقوله: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، فالتطهير عبارة/ ١١/ ب/ عن إزالة النجاسة وقد أزيلت تلك النجاسة بالماء فانتقل حكم النجاسة إليه كما في الحقيقة. فإن قيل: بالأعضاء حكم نجاسة والحكم لا يقبل التحول إلى الماء. قلنا: لو لم يلحق [بالغير] (٤) في حق الإزالة لما ثبت حكم الإزالة ولما تغير صفة الماء كما في الثوب الطاهر وقد تغير بالإجماع أو بالدلائل التي قلنا فثبت أنه تحول إليه ما كان بالعضو حكمًا [ولا يثبت ذلك] (٥) إلا أن يعتبر ذلك الحكم تعين حله. فإن قيل: هذا إنما يتحقق في [المحدث] (٦) والجنب، فأما المتوضئ إذا توضأ ثانيًا بنية القربة فلا؛ لأنه لم يكن بأعضائه من النجاسة الحكمية حتى يزول من أعضائه وينتقل إلى الماء.

стр. 240

«قلنا: لما نوى القربة فقد ازداد به طهارةً على [طهارة] (١) ونورًا على نور على ما جاءت به الأخبار، [ولكن لا] (٢) تكون طهارة جديدة حكمًا» إلا بإزالة النجاسة حكمًا فصارت الطهارة على الطهارة وعلى الحدث سواء حكمًا كذا في «الأسرار» (٣). «وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة: (٤): التقدير فيه بالدرهم كما في النجاسة العينية، ولكنه بعيد فإن في البلوى تأثيرًا في تخفيف النجاسة، ومعنى البلوى في الماء المستعمل ظاهر، فإن صون الثياب عنه غير ممكن وهو مختلف في نجاسته فلذلك خف حكمه»، كذا في «المبسوط» (٥). وقال في «المحيط»: «واختلفوا في طهارة الماء المستعمل. قال محمد: هو طاهر وهو رواية عن أبي حنيفة: وعليه الفتوى» (٦). قَالَ (وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ هُوَ مَا أُزِيلَ بِهِ حَدَثٌ أَوْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْبَدَنِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ) قَالَ ﵁: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلاً إلا بِإِقَامَةِ الْقُرْبَةِ لأنَّ الاسْتِعْمَالَ بِانْتِقَالِ نَجَاسَةِ الْآثَامِ إلَيْهِ وَإِنَّهَا تُزَالُ بِالْقُرَبِ، وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ: إسْقَاطُ الْفَرْضِ مُؤَثِّرٌ أَيْضًا فَيَثْبُتُ الْفَسَادُ بِالْأَمْرَيْنِ -قوله: (والماء المستعمل هو ما أزيل به حدث) بأن يتوضأ متبررًا وهو محدث، وهذا هو بيان السبب. أو استعمل في البدن على وجه القربة بأن يتوضأ وهو طاهر بنية الطهارة. -قوله: (وقيل هو قول أبي حنيفة: أيضًا) (٧)، وذكر في «مبسوط شيخ الإسلام» (٨) قالوا: يجب أن يكون قول أبي حنيفة كقول أبي يوسف، وقد دل [مسائل] (٩) على ما ذكرنا نقلت عنهم.

стр. 241

قال في كتاب الحسن: قال أبو حنيفة: إن غمس رَجُلٌ جنب أو غير متوضئ [يديه] (١) إلى المرفقين أو إحدى رجليه في ماءٍ في إجانة لم يجز أن يتوضأ منه؛ لأنه سقط فرضه عنه. وذكر أبو يوسف في «نوادر المعلى»: رجل في يده قذر فأخذ الماء بفمه [فصبه على يده فغسلها لم يطهرها لأنه قد صار الماء مستعملاً حين أخذ الماء بفمه] (٢) وهو جنب وعنده الماء المستعمل نجس. وقال: في [صلاة الأثر] (٣) [يطهر] (٤) اليد إذا لم يرد به المضمضة وجاز به عن الوضوء. -قوله: (لأن الاستعمال بانتقال نجاسة الآثام) والإثم قذر لقوله ﵇: «مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ من أصاب» (٥). لأنه شعبة من الكفر وهو أقوى النجاسات. -قوله: (وأبو يوسف يقول: إسقاط الفرض مؤثر أيضًا) وذلك لأن تغير الماء عندهما لزوال [نجاسته] (٦) حكمية إلى الماء وقد زالت في الحالين إلى الماء نجاسة حكمية من الوجه الذي بينا فأوجب ذلك فساد الماء كما لو تحول إلى الماء نجاسة حقيقية. وعند محمد تغير الماء ليس من حيث أنه زال إلى الماء شيء لكن من حيث أنه أقام به القربة، فمتى صار مقيمًا للقربة تغير صفة الماء وإلا بقي طهورًا كما كان. (وَمَتَى يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلاً. الصَّحِيحُ أَنَّهُ كَمَا زَايَلَ الْعُضْوَ صَارَ مُسْتَعْمَلاً، لأنَّ سُقُوطَ حُكْمِ الاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الانْفِصَالِ لِلضَّرُورَةِ وَلا ضَرُورَةَ بَعْدَهُ) -قوله: (ومتى يصير مستعملاً) هذا هو بيان وقت أخذه حكم الاستعمال. -قوله: (كما زايل العضو) الكاف ها هنا للمفاجأة لا للتشبيه كما تقول: كما خرجت من البيت رأيت زيدًا. أي: فاجأت ساعة خروجي ساعة رؤية زيد، أي يصير الماء مستعملاً مفاجئًا وقت زواله عن العضو وقت الاستعمال من غير توقف إلى وقت الاستقرار في موضع كما هو زعم بعضهم، وذكر في «المحيط» أن الماء إنما يأخذ حكم الاستعمال إذا زايل البدن، [وفي الاجتماع في مكان] (٧) ليس بشرط هذا هو مذهب أصحابنا ﵏. [وقال: ما ذكر] (٨) في «شرح الطحاوي»: أن الماء إنما يأخذ حكم الاستعمال إذا زايل البدن واستقر في مكان فذاك قول سفيان الثوري (٩) وإبراهيم النخعي ﵀ وبعض مشايخ بلخ، وهو اختيار الطحاوي ﵀ وبه كان يفتي ظهير الدين المرغيناني ﵀ (١٠).

стр. 242

أما مذهب أصحابنا ما ذكرنا. وعن هذا قلنا: من نسي مسح رأسه فأخذ ماءً من لحيته ومسح رأسه لا يجوز [لأنه كما أخذه من لحيته فقد أخذ حكم الاستعمال، لأنه زايل العضو فحصل المسح بماء مستعمل] (١). وفي «نظم الزندوبستي» (٢): أن عند مشايخ بخارى يصير الماء مستعملاً وإن كان في الهواء، حتى قالوا: لو أصاب ثوبه يتنجس (٣). وفي «الفتاوى الظهيرية»: اتفق علماؤنا في أن الماء الذي نادت به القربة ما دام مترددًا في العضو لا يعطى له حكم الاستعمال، فإذا زايل العضو ولم يصل إلى الأرض ولا إلى موضع يستقر فيه بل هو في الهواء إذا نزل على عضو إنسان وجرى فيه لم يصر متوضيًا. وقال أبو سهل الكبير وبه يقول أصحاب [العشرة] (٤) ببخارى: أن الماء لا يصير مستعملا ما لم يستقر في مكان من الأرض أو إناء. (وَالْجُنُبُ إذَا انْغَمَسَ فِي الْبِئْرِ لِطَلَبِ الدَّلْوِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ الرَّجُلُ بِحَالِهِ لِعَدَمِ الصَّبِّ) -قوله: (والجنب إذا انغمس لطلب الدلو) أي: الجنب الذي ليس في بدنه نجاسة من المني وغيره فيه إشارة إلى أنه لو انغمس للاغتسال للصلاة يفسد الماء عند الكل، وهو شرط عنده أي في الماء الذي هو ليس بجارٍ ولا هو في حكم الجاري حتى أنه لا يشترطه في الماء الجاري والحياض الكبيرة، وقال أبو يوسف: العضو لا يطهر إلا بصب الماء عليه. وروي عنه أن الثوب لا يطهر إلا بالصب أيضًا وهو قول الشافعي. فوجهه أن القياس يأبى التطهير بالغسل فإن الماء يتنجس بأول الملاقاة فلا يحصل به التطهير، وإنما حكمنا بالطهارة ضرورة أن الشرع كلفنا بالتطهير والتكليف يعتمد القدرة، وسمي الماء طهورًا وذلك يقتضي حصول الطهارة به والضرورة تندفع بطريق الصب فلا ضرورة إلى طريق آخر [فإن] (٥) الماء حالة الصب [الماء] (٦) بمنزلة ماءٍ جارٍ، وفي غير حالة الصب آكد، والماء الراكد أضعف من الماء الجاري. ووجه الرواية التي فرق أبو يوسف: بين الثوب في البدن أن غسل الثياب بطريق الصب لا يتحقق إلا بكلفة ومشقة لأنها تغسلها النساء عادةً، وكل امرأة لا تجد خادمًا يصب الماء عليها ولا ماءً جاريًا، أما غسل البدن يتحقق بطريق الصب من غير كلفة.

стр. 243

ولأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وهو الاستحسان: أن الثوب يخرج من الماء الثالث طاهرًا لأجل البلوى والضرورة فإن الماء الجاري لا يوجد في كل مكان، والثوب قد يكون ثقيلاً لا تقدر المرأة على حمله لتصب عليه الماء فتعصره فتبتلى بالغسل في الإجانات ثم الماء للطافتة يتداخل في أجزاء الثوب فيخرج النجاسة أولاً ثم يخرج الماء على أثره بالعصر فلهذا حكم بطهارته والمياه كلها نجسة لتحول النجاسة من الثوب إلى الماء. فإن قيل: البلة الباقية في الثوب بعد العصر جز من الماء الثالث والماء الثالث نجس فكيف كانت هذه البلة طاهرة؟ قلنا: المعنى البلوى فإنه لا يمكن عصر الثوب على وجه لا يبقى فيه بلة، وما لا يستطاع التحرز عنه فهو عفو، ثم هذه [البلة] (١) لا تماس النجاسة؛ فإن النجاسة خرجت من الثوب ثم الماء خرج بالعصر فما بقي من البلة لم تماس النجاسة، ألا ترى أنه لو كان مكان النجاسة لون في الثوب يتحول ذلك اللون إلى الماء ولا يبقى شيء منه في الثوب لبقاء البلة، فهذا كذلك. كذا في «جامعي شمس الأئمة وقاضي خان -رحمهما الله-». وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَهُ لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ وَالْمَاءُ بِحَالِهِ لِعَدَمِ الْأَمْرَيْنِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ كِلاهُمَا طَاهِرَانِ: الرَّجُلُ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الصَّبِّ، وَالْمَاءُ لِعَدَمِ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: كِلاهُمَا نَجِسَانِ: الْمَاءُ لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ عَنْ الْبَعْضِ بِأَوَّلِ الْمُلاقَاةِ وَالرَّجُلُ لِبَقَاءِ الْحَدَثِ فِي بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ. وَقِيلَ عِنْدَهُ نَجَاسَةُ الرَّجُلِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ. وَعَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ طَاهِرٌ لأنَّ الْمَاءَ لا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الانْفِصَالِ، وَهُوَ أَوْفَقُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ. -قوله: (لعدم الأمرين) وهما إسقاط الفرض ونية القربة، ثم إنما قدم قول أبي يوسف ولم يوسطه كما هو حقه لزيادة احتياجه إلى البيان بسبب ترك أصله. وذكر شيخ الإسلام في «مبسوطه» (٢): أن أبا يوسف ترك أصله في هذه المسألة فإنه كان يجب أن ينجس الماء على مذهبه كما قاله أبو حنيفة:؛ لأن الماء يصير مستعملاً عنده بسقوط الفرض وقد سقط الفرض وإن لم ينو فكأنه إنما ترك أصله في هذه المسألة لضرورة الحاجة إلى طلب الدلو فلم يسقط الفرض كي لا يصير الماء نجسًا فيفسد البئر، ويوجد لهذا نظير وهو ما روي عن أبي يوسف أنه قال: إن أدخل الجنب أو المحدث يده في إناء ليغترف [الماء] (٣) لا يزول الحدث عن يده كي لا يفسد الماء للحاجة إلى الاغتراف فكذا هذا.

стр. 244

وأما محمد مر على أصله؛ لأن الماء إنما يصير مستعملاً عنده بإقامة القربة ولم يوجد، ولكن طهر الرجل لأن نية القربة ليست بشرط لثبوت الطهارة؛ لأن الماء بطبعه طهور من غير نية. وكذلك أبو حنيفة مرَّ على أصله وقال: صار الماء مستعملاً بإسقاط الفرض وإن لم توجد نية القربة لما ذكرنا أن النية ليست بشرط لسقوط الفرض، وإذا سقط الفرض صار الماء مستعملاً عنده فيتنجس الرجل. وذكر الإمام المحبوبي: لما [لم] (١) يشترط النية لسقوط الفرض عند أبي حنيفة: صار الماء مستعملاً فيتنجس الرجل لكن نجاسة الماء النجس لا نجاسة الجنابة عند بعض أصحابنا حتى يجوز له قراءة القرآن ودخول المسجد. قال الصّدْر الشهيد: (٢): والصحيح أنه ينجس نجاسة الجنابة؛ لأنه بأول الملاقاة صار الماء مستعملاً، فعند أبي يوسف: الرجل بحاله جنب والماء بحاله طاهر؛ لأنه لو حكم بطهارة الرجل صار الماء مستعملاً بأول الملاقاة، والمستعمل عنده نجس فلا يطهر به الرجل، وإذا لم يطهر ينتقض الحكم بالاستعمال فيؤدي إلى الدور فيقال من الابتداء: الماء طاهر بحاله، والرجل جنب بحاله، احترازًا عن الدور. / ١٢/ أ/ وقال القدوري: كان شيخنا أبو عبد الله الجرجاني رحمهما الله يقول: الصحيح عندي من مذهب أصحابنا إزالة الحدث يوجب استعمال الماء ولا معنى لهذا الخلاف؛ إذ لا نص عنهم على هذا الوجه يعني أن الماء إنما يكون مستعملاً عند أبي يوسف بأحد أمرين: إسقاط الفرض، ونية القربة. وعند محمد بنية القربة، ولا يجوز أن [يؤخذ] (٣) هذا الاختلاف من مسألة البئر ويمكن تخريجها على القولين من غير إثبات الخلاف. قال الكرخي: (٤): ويمكن تخريجها بأن يقال: إن محمدًا إنما لم يحكم بنجاسة [الماء] (٥) البئر لمكان الضرورة كما قلنا في الجنب أو المحدث إذا أدخل يده في الإناء للاغتراف لا يصير الماء مستعملاً بلا خلاف لمكان الضرورة؛ لأن الإنسان عسى لا يجد إناءً صغيرًا أو لا يمكنه صب الماء على يده من الإناء الكبير فيضطر إلى الإدخال وقامت اليد مقام الإناء الصغير، ولم يعتبر أبو يوسف تلك الضرورة في البئر فوقع الاختلاف، وها هنا لا ضرورة، وثبت حكم الاستعمال عند إسقاط الفرض بلا خلاف، ولا يصح الاستدلال بمسألة البئر على إثبات الخلاف ها هنا لوجود الفارق على ما ذكرنا، كذا/ ١٢/ ب/ في «المحيط» (٦) و «[الفوائد] (٧) الظهيرية».

стр. 245

قلت: فحصل من الأقوال الثلاثة المنقولة عن أبي حنيفة: أنه على القول الأول لا يجوز الصلاة ولا قراءة القرآن، وعلى القول الثاني يجوز قراءة القرآن ولا يجوز الصلاة، وعلى القول الثالث: يجوز كلاهما. وتسمى هذه المسألة مسألة «جحط» عبارة عن نجاسة كل واحد من الرجل والماء أنهما نجسان، «والحاء» [عبارة] (١) عن إبقاء حال كل واحد منهما على ما كان، والطاء عن طهارة كل واحد منهما، وترتيب الأحكام على ترتيب العلماء الثلاثة. قَالَ: (وَكُلُّ إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وَجَازَتْ الصَّلاةُ فِيهِ وَالْوُضُوءُ مِنْهُ إلا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ) لِقَوْلِهِ ﵊: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» وَهُوَ بِعُمُومِهِ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ ﵀ فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ، وَلا يُعَارَضُ بِالنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْ الانْتِفَاعِ مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ لأنَّهُ اسْمٌ لِغَيْرِ الْمَدْبُوغِ قوله: ([و] (٢) كل إهاب دبغ فقد طهر جازت الصلاة فيه والوضوء منه) تتعلق هذه المسألة بمواضع ثلاثة: بمسألة الصيد لمناسبة طهارة جلد الصيد بالدباغ، وبمسألة الصلاة لمناسبة جواز الصلاة فيه، وبمسألة الطهارة لمناسبته جواز الوضوء منه فلذلك ذكرها في هذه المواضع في «المبسوط» (٣) وأشبع بيانها في باب الحدث منه. -وقوله: (إلا جلد الخنزير والآدمي): التقديم دليل التعظيم في موضع التعظيم كقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]. وأما في موضع الإهانة فالتعظيم في تأخيره كقوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠]، وهو بعمومه حجة على مالك؛ لأن النكرة إذا اتصفت بصفة عامة تتعمم كقولهم: أي عبيدي ضربك فهو حر. يعتق كلهم إذا ضربوه، تقديره: أي إهاب مدبوغ فهو طاهر، ثم عند مالك (٤) لا تجوز الصلاة على جلد الميتة ولا الانتفاع به وإن كان مدبوغًا إلا في الجامد من الأشياء (٥).

стр. 246

وقال بعض الناس (١): إن كان جلد ما يؤكل لحمه يطهر بالدباغ لحديث ميمونة ﵂ وهو ما روي عن رسول الله ﵇: أنه مر بشاة لميمونة فقال: «هَلاَّ انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا». فقيل: إنها ميتة. فقال: «إِنَّمَا حَرُمَ من الميتة أَكْلُهَا» (٢). وإن كان جلد ما لا يؤكل لحمه لا يطهر بالدباغ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وجعل هذا القول قول الشافعي (٣) في «مبسوط شمس الأئمة السرخسي» (٤). واستدل مالك بحديث عبد الله بن عكيم الليثي قال: أتانا كتاب رسول الله ﵇ قبل موته بسبعة أيام. وفي رواية: بشهر أو شهرين. وكان فيه: «لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ» (٥).

стр. 247

وقلنا: الإهاب (١) اسم للجلد الذي لم يدبغ كذا قاله الأصمعي. والدليل عليه أيضًا ما روي عن عائشة ﵂ أنها كانت تخطب وتمدح أباها فقالت: -رحم الله- أبا بكر قرر الرءوس على كواهلها، والدماء في أهبها. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٢). وذكر في «الفائق»: إنما سمي إهابًا لأنه «أهب للحي وبناء للحماية له على جسده كما يقال له المسك لإمساكه ما وراءه» (٣)، فإذا دبغ يسمى أديمًا (٤) أو صرمًا أوجرابًا فحينئذٍ لا معارضة بين الحديثين؛ إذ التعارض يقتضي اتحاد المحل مع اتحاد حالته واختلاف الحالة فبقي التعارض، وإن كان أصلها واحدًا كحرمة الخمر وحل الخل (٥). وَحُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي جِلْدِ الْكَلْبِ وَلَيْسَ الْكَلْبُ بِنَجِسِ الْعَيْنِ -قوله ﵀: (وحجة على الشافعي في جلد الكلب) وليس في تخصيص الكلب زيادة فائدة لما أن عنده كل «ما لا يؤكل لحمه لا يطهر جلده بالدباغة، وقاس بجلد الخنزير والآدمي. ولنا: عموم الحديث المذكور في الكتاب. وما ظهر من لباس الناس كجلد الثعلب والفنك والسمور (٦) ونحوها في الصلاة وغيرها من غير نكير ينكر يدل على طهارته بالدباغ، كذا ذكر في باب الحدث من «المبسوط» (٧)، ولكن ذكر في «الأسرار» (٨) ما يوافق لتخصيص «الهداية» حيث قال بطهارة جلود السباع بالدباغة سوى الكلب والخنزير عند الشافعي على ما يجيء في بيان الآسار (٩).

стр. 248

قوله ﵀: (وليس الكلب بنجس العين) هذه مسألة [الدبغ] (١) اختلفت فيها روايات «المبسوط» ذكر في باب الحدث منه «وجلد الكلب يظهر عندنا بالدباغ. وقال الحسن بن زياد: لا يطهر. وهو قول الشافعي؛ لأن عين الكلب نجس عندهما. ولكنا نقول: الانتفاع به مباح في حالة الاختيار، فلو كان عينه نجسًا لما أبيح الانتفاع به (٢). قلت: في هذا اللفظ تنصيص على أن الكلب ليس بنجس العين عندنا. ثم ذكر في أوائل باب الوضوء والغسل منه في بيان مسألة سؤر الكلب. فقال: «والصحيح من المذهب عندنا أن عين الكلب نجس. إليه يشير محمد في الكتاب في قوله: وليس الميت بأنجس من الكلب والخنزير. ثم قال: وبعض مشايخنا يقولون [عينه] (٣): ليس بنجس. ويستدلون عليه بطهارة جلده بالدباغة» (٤). وذكر أيضًا في كتاب الصيد منه في مسألة بيع الكلب في التعليل فقال: «وبهذا يتبين أنه ليس بنجس العين» (٥). وذكر في «الإيضاح» (٦) اختلاف الرواية فيه. وفي «مبسوط شيخ الإسلام» (٧): وأما جلد الكلب فعن أصحابنا فيه روايتان في رواية تطهر بالدباغ. وفي رواية: لا يطهر. وهو الظاهر من المذهب. وفي «فتاوى قاضي خان»: «إذا وقع في البئر كلب أو خنزير ومات أو لم يمت أصاب الماء فم الواقع أو لم يصب ينزح ماء البئر كله؛ أما الخنزير فلأن عينه نجس، والكلب كذلك، ولهذا لو ابتل الكلب وانتفض وأصاب ثوبًا أكثر من قدر الدرهم أفسده» (٨). وفي «المحيط»: الكلب إذا وقع في الماء فأخرج حيًّا إن أصاب فمه الماء يجب نزح جميع الماء وإن لم يصب فمه الماء فعلى قولهما يجب نزح جميع الماء، وعن أبي حنيفة (٩) ﵁: "لا بأس به. وقال: وهذا إشارة إلى أن عين الكلب ليس بنجس" (١٠).

стр. 249

أَلا يَرَى أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ حِرَاسَةً وَاصْطِيَادًا، بِخِلافِ الْخِنْزِيرِ لأنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ، إذْ الْهَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ مُنْصَرِفٌ إلَيْهِ لِقُرْبِهِ وَحُرْمَةُ الانْتِفَاعِ بِأَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ فَخَرَجَا عَمَّا رَوَيْنَا ثُمَّ مَا يَمْنَعُ النَّتْنَ وَالْفَسَادَ فَهُوَ دِبَاغٌ وَإِنْ كَانَ تَشْمِيسًا أَوْ تَتْرِيبًا لأنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ فَلا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ غَيْرِهِ -قوله: (ألا يُرى أنه ينتفع به حراسةً واصطيادًا) فإن قلت: يشكل هذا بالسِّرقين (١) فإنه نجس العين ثم إنه ينتفع به إيقادًا وتقويةً للزراعة. قلت: قال شيخي ﵀: هذا انتفاع بالاستهلاك فهو جائز في نجس العين كالاقتراب من الخمر للإراقة. قوله: (بخلاف الخنزير) وفي «مبسوط شيخ الإسلام» (٢): من مشايخنا من قال: إنما لا يطهر جلد الخنزير بالدبغ لأنه لا [يدبغ] (٣)؛ لأن شعره ينبت من لحمه، ولو تصور دبغه لطهر. وقال بعضهم (٤): لا يطهر وإن اندبغ؛ لأنه محرم العين شرعًا. وفي «المبسوط»: «وأما جلد الخنزير فقد روي عن أبي يوسف أنه يطهر بالدباغ أيضًا. وفي ظاهر الرواية أنه لا يحتمل الدباغة، فإن له جلودًا مترادفة بعضها فوق بعض كما للآدمي، وإنما لا يطهر لعدم احتمال [للطهر] (٥) وهو الدباغ، أو لأن عينه نجس وجلده من عينه» (٦) منصرف إليه لقربه. فإن قلت (٧): المضاف والمضاف إليه إذا كان كل واحد منهما صالحًا لرجوع الضمير إليه يرجع إلى المضاف لا إلى المضاف إليه كما تقول: رأيت ابن زيد فكلمته بخلاف قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾ [النحل: ١١٤]؛ إذ العبادة لا تتصور للنعمة وما نحن بصدده من قبيل ابن زيد لوجود صلاحية رجوع الضمير إلى كل واحد من اللحم والخنزير. قلت: يجوز رجوع الضمير إلى المضاف إليه مع وجود الصلاحية إلى المضاف كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]. قال في «الكشاف» (٨): يجوز أن يرجع الضمير في ميثاقه إلى العهد أو إلى الله، وهذا نص منه على ما ادعيت، وكذلك قال في قوله تعالى: ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] قرئ بياء المذكر وتاء المؤنث رجعًا إلى اللبوس والصنعة، فلما جاز كلاهما جوازًا شائعًا رجع إلى الخنزير هنا لكونه أشمل للأجزاء وأحوط في العمل، «ثم ما يمنع النتن والفساد فهو دباغ وإن كان تشميسًا وهذا عندنا. وعند الشافعي: لا يكون دباغًا إلا بما يزيل الدسومات النجسة عنه، وذلك باستعمال الشَّثُّ (٩) والقرظ والعفص (١٠).

стр. 250

ودليلنا فيه: أن المقصود إخراجه من أن يكون صالحًا لمنفعة الأكل، وقد حصل ذلك» (١)، كذا في «المبسوط». وذكر في «الخلاصة» (٢): حتى أن جلد الميتة إذا يبس ثم وقع في الماء القليل لا يفسده. (ثُمَّ مَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدَّبَّاغِ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ لأنَّهَا تَعْمَلُ عَمَلَ الدَّبَّاغِ فِي إزَالَةِ الرُّطُوبَةِ النَّجِسَةِ) -وقوله: (وما يطهر جلده بالدباغ يطهر بالذكاة) هذا اختيار بعض المشايخ. وعند بعضهم: إنما يطهر جلد الحيوانات بالذكاة إذا لم يكن سؤره نجسًا. وذكر في «فتاوى قاضي خان ﵀» في «فصل النجاسة التي تصيب الثوب، [وما يطهر جلده بالدباغ يطهر/ ١٣/ أ/ لحمه بالذكاة ذكره شمس الأئمة الحلواني ﵀. قيل: يشترط أن تكون الذكاة من أهلها في محلها وهو ما بين اللبة واللحيين، وقد سمي بحيث لو كان مأكولاً يحل أكله بتلك الذكاة] (٣)» (٤). -قوله: (لأنها تعمل عمل الدباغ في إزالة الرطوبات) [أي] (٥): فيما إذا وجدت إزالة الرطوبات بالذكاة الشرعية بأن كانت من الأهل بالتسمية حينئذٍ يجعل الذكاة إزالة للرطوبات النجسة. وأما إذا كان الذابح مجوسيًّا لا يجعل الإزالة الحاصلة من ذبحه إزالةً؛ لأن فعله [أمانة] (٦) في الشرع لا ذبح، وحكم الموت إذا ثبت له لا [بد] (٧) من الدباغ كذا في «الإيضاح» (٨). (وَكَذَلِكَ يَطْهُرُ لَحْمُهُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْكُولاً) -قوله: (وكذلك يطهر لحمها) في هذه الرواية نوع ضعفٍ لما أن حرمة أكلها اللحم فيما سوى الآدمي ولم يتعلق به حق العباد دليل النجاسة وأيد هذا المعنى ما ذكر في «الأسرار» (٩) في مسألة أن جلود السباع يطهر بالذكاة عندنا خلافًا للشافعي ﵀.
следующие страницы →