← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا بَقِيَ عَلَى بَدَنِهَا لَمْعَةٌ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الرَّجْعَةِ هُنَاكَ لِتَوَهُّمِ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَسُرْعَةِ الْجَفَافِ، فَكَانَتْ طَهَارَةً قَوِيَّةً فِي نَفْسِهَا، وَالِاغْتِسَالُ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ كَذَلِكَ، فَإِنَّهَا طَهَارَةٌ قَوِيَّةٌ لِكَوْنِهَا اغْتِسَالًا بِالْمَاءِ، وَلَكِنَّهَا تُؤْمَرُ بِضَمِّ التَّيَمُّمِ إلَى ذَلِكَ فِي حُكْمِ حِلِّ الصَّلَاةِ احْتِيَاطًا؛ لِاشْتِبَاهِ الْأَدِلَّةِ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ، وَقَدْ كَانَ الْأَصْلُ فِيهِ الطَّهَارَةَ، وَلِهَذَا لَوْ اغْتَسَلَتْ بِهِ مَعَ وُجُودِ مَاءٍ آخَرَ تَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ -أَيْضًا-، لِكَوْنِهَا طَهَارَةً قَوِيَّةً. وأمّا الحكم بحل الصّلاة في التيمم لا يدلّ على قوة الطّهارة؛ لأنّ قولنا: حلت لها الصّلاة] بالتيمم، تفسير لقولنا: تطهّرت، وقد ثبت أن قولنا: تطهرت بالتيمم ثابت في حقّ الصّلاة لا غير، فكذلك قولنا حلّت لها الصّلاة (١). وأمّا الصّلاة الثّابتة دينًا في الذمّة، فثابتة قياساً بالتّفويت، بعد توجه الخطاب لا بالشّرع، بخلاف القياس فبذلك ظهر في حق عامّة الأحكام - إلى هذا أشار في «المبسوط» (٢)، و «الأسرار» - فتذكر ههنا الشبهة السّايرة والنكتة الدايرة فيما بين النّاس، ممّا يترآى أي مناقضة من الطّرفين وقد أسلفناه مشبعًا في باب الإمامة من كتاب الصّلاة، ثم المختصر ههنا في جواب الطّرفين، هو أن محمدًا عمل بالاحتياط في الموضعين جميعًا، وما يترآى مناقضة في حقّه إنّما كان بحسب اختلاف كلّ واحد من الموضعين في اقتضائه الاحتياط؛ ولأنه لا يلزم من كون التيمم قائمًا مقام الاغتسال صحّة الإمامة؛ لأنّ صحّة الإمامة ليست من ضرورة الاغتسال؛ لأنّه كم من مغتسل لا تجوز إمامته، كصاحب العذر لا تجوز إمامته وإن كان مغتسلاً، وما عملاً يترآاى مناقضة. ولكن لا مناقضة فيما عملا -أيضاً-؛ لأنّهما عملا في حق الصّلاة بمورد الآية، حيث لا يتقيّد هناك بالضّرورة، وفي حق غيرها عملاً بحقيقة التلويث، وهو ضدّ التطهير، فكان طهارة ضرورية، والأحكام الثّابتة أيضاً ضرورية وهي حلّ قراءة القرآن، ومسّ المصحف، ودخول المسجد اقتضائية؛ لأنّ هذه الأحكام من توابع الصّلاة؛ إذ حلّ الصّلاة يقتضي حلّ دخول المسجد، وحلّ قراءة القرآن، فكان هذا جواباً عن حرف الخصم، بقوله كما أنّ الصّلاة تحلّ بالتيمم، فكذلك تحلّ هذه الأحكام علم أنّ التيمم طهارة مطلقة، وقيل بعد الفراغ وهو الصّحيح، وذكر في «المبسوط»؛ لأنّ الحال بعد شروعها في الصّلاة كالحال قبله، ألا ترى أنّها إذا رأت الماء لا يبقى لتيممها أثر (٣)، بخلاف ما بعد الفراغ، وإن كان أقلّ من عضو انقطعت، وهو نحو الأصبع -كذا في «المحيط» (٤) -أنّ ما دون العضو يتسارع إليه الجفاف لقلّته، فلا يتيقّن بعدم وصول الماء إليه، فقلنا تنقطع الرجعة، حتّى لو تيقنت هي بعدم وصول الماء إليها، بأن منعت عنها قصدًا، لا تنقطع الرّجعة كذا في «المحيط» (٥).

стр. 1857

وعنه وهو قول محمّد ﵀ هو بمنزلة ما دون العضو، فإن كان الباقي أحد المنخرين فالرّجعة باقية بالاتفاق، -كذا في «المحيط» (١) -؛ لأنّ في فرضيته اختلافاً، فإن عند الشّافعي ﵀ المضمضة والاستنشاق في الجنابة والوضوء (٢). وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ أَوْ وَلَدَتْ مِنْهُ، أي: قبل الطّلاق على ما يجيء من تأويل المسألة في الكتاب (٣)، وبطل زعمه بتكذيب الشّرع. فإن قيل: وجب أن لا تكون كلمة حق الرجعة؛ لأنّ الرجعة حق مستحقّ له، وقد أنكر ثبوتها له أقصى ما في الباب أنّه صار مكذباً شرعًا حكمًا لثبات النّسب منه، لكن لا يلزم من كونه مكذباً شرعًا بقاء ما كان حقاً له، وصار هذا كرجل أقرّ بعين لإنسان، ثم اشتراها، ثم استحقّت من يده، ثمّ وصلت إليه يومًا من الدّهر أمر بالتّسليم إلى المقرّ له، وإن صار مكذباً شرعًا قلنا لم يتعلّق بإقراره هنا حقّ الغير، والموجب لحق الرجعة ثابت وهو الطّلاق بعد الدّخول، فوجب أن يكون له حق الرّجعة، بخلاف الإقرار فإنّه تعلّق به حق الغرماء، وإن صار المقر مكذباً شرعًا -كذا في «الفوائد الظهيرية» (٤) -. فإن قيل: قوله: (لَمْ أُجَامِعْهَا)، صريح في عدم الجماع، ودلالة ثبوت النّسب لم يكن صريحًا في وجود الجماع، والصّريح إذا اجتمع مع غير الصّريح فالصّريح أولى. قلنا: الدّلالة من الشّارع أقوى من الصّريح الصّادر من العبد، لاحتمال الكذب من العبد وعدم احتماله من الشّارع، فلأن تثبت به الرّجعة أولى؛ لأنّ الإحصان له مدخل في وجود العقوبة، ومع هذا يثبت بهذا الوطء، فلأن يثبت به الرّجعة التي ليست فيها جهة العقوبة بالطّريق الأولى. قوله ﵀: فإن خلا بها وأغلقباباً وأرخى ستراً، -إلىقوله-: لم يملك الرجعة. وإنّما أورد هذه المسألة عقيب تلك المسألة، لما أنّ هذه المسألة يترآاىمناقضاً حكمها للمسألة التي قبلها، مع اتحاد المعنى، وهو أن في هذه المسألة -أيضاً- صار في قوله: لم أجامعها، مكذباً شرعًا، فإنّه بعدما خلا بها بمثل هذه الخلوة التي ذكر تجب كمال المهر شرعًا إذا طلّقها، وكمال المهر في الطّلاق إنّما يجب إذا كان الطّلاقبعد الدخول، فكان في قوله: لم أجامعها، مكذّبًا شرعًا لا محالة، ثم مع ذلك لا تصحّ منه رجعة هذه المرأة، فلم يعتبر كونه مكذّبًا شرعًا في هذه المسألة في حق الرّجعة، واعتبر في تلك المسألة حتّى أثبت له ولاية الرجعة هناك، فأجاب عنه هذه المناقضة بقوله: ولم يصر مكذباً شرعًا؛ لأن تأكّد المهر المسمّى يبتني على تسليم المبدل، وتفسير الجواب هو أنّ تأكّد المهر مبنيّ على تسليم النّفس، وقد وجد ههنا؛ وذلك لأنّ الإبدال في العقود كلّها من البياعات والإجارات يتأكّد بالتّسليم، وتفسير التّسليم هو أن يرفع الموانع بينالْمُسْلِمِ وَالْمُسْلَمِ إلَيْهِ، وتعدّد المسلم إليه، على أن يقبضه وقد وجد ههنا.

стр. 1858

وأمّا القدرة على القبض فليست بقبض كما أنّ القدرة على الزّنا ليست بزنا، بل القبض عبارة عن زيادة تصرّف مخصوص، يظهر من القادر في المقدور بحسب ذلك الموضع، فلما لم تكن القدرة قبضاً، لم يكن وطئاً فإذا لم يوجد الوطء لم يتأكد ملك الزّوج في بضعها، وإذا لم يتأكد الملك، لم تعقب الطّلاق الرجعة؛ لأنّ الرّجعة مبنيّة على ملك متأكد بالقبض، وقد أقرّ الزّوج بعدم القبض والرّجعة حقه فتصدّق في حق نفسه، وذكر في «الفوائد الظهيرية» (١)، وذكر هنا، أي: في «الجامع الصّغير» أغلق باباً وأرخى ستراً بالواو، وفي كتاب الطّلاق قال أَوْ أَرْخَى سِتْرًا وهو الصّحيح (٢). قوله ﵀: فهي رجعة، أي: فالولادة الثّانية رجعة، أي فبالولادة الثانية يعلم أنّه كان وطئها بعد وقوع الطّلاق بالولد الأوّل؛ لأنّ المسألة مصوّرة في تعليق الطّلاق بالولادة، وهي أتت بعد ذلك بالولدين بينهما ستّة أشهر، فيقع الطّلاق بالولد الأوّل، ثم الولد الثّاني، لما جاء بعد ستة أشهر من علوق حادث لا محالة وهو بالوطء، فكان الوطء موجودًا في عدّة الطّلاق الرجعيّ، وهو موجب للرّجعة عندنا. وأمّا الولدان إذا كانا من بطن واحد لا تكون الولادة الثّانية دليل الرّجعة، فوقع الطّلاق بالولد الأوّل، وانقضت العدّة بالولد الثاني، ولم يقم دليل لنا على أنّه وطئها بعد الولد الأوّل؛ فلذلك لم تكن الولادة الثّانية دليل الرّجعة في هذه الصورة. قوله: وإن في قوله: وإن كان أكثر من سنتين للوصل، أي: لمّا كان بين الولد ستّة أشهر، لم يتفاوت بعد ذلك أن يكون الولادة الثّانية أقلّ من سنتين من وقت الطّلاق وأكثر من سنتين ثبت الرّجعة؛ لأنّ الولد الثّاني مضاف إلى علوق حادث لا محالة، وهو بالوطء بعد الطّلاق، فكان رجعة -إلى هذا أشار في «الجامع الصّغير» لقاضي خان ﵀ (٣). قوله: وبالولد الثّالث صار مراجعًا، أي: وبالولد الثّالث يُعلم أنّه وطئها بعد وقوع الطّلاق الثاني بولادة الولد الثّاني؛ لأن المسألة مصوّرة في أولاده في بطون مختلفة، ولذلك لابدّ أن يكون الولد الثّالث من علوق حادث وهو من الوطء الحادث بعد الولد الثّاني، فكان رجعة لما ذكرنا، إشارة إلى قوله: لأنّه وقع الطّلاق عليها بالولد الأوّل إلى آخره.

стр. 1859

ولا تكون الولادة الثّالثة دليل الرّجعة، بخلاف الولادة الثّانية؛ لأنّه لا سبيل للرّجعة بعد الطّلقات الثّلاث. وَالْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ تَتَشَوَّفُ وَتَتَزَيَّنُ والتَّشَوُّفُ خَاصٌّ فِي الْوَجْهِ، وَالتَّزَيُّنُ عَامٌّ تَفَعُّلٌ مِنْ شُفْت الشَّيْءَ جَلَوْته، وَدِينَارٌ مَشُوفٌ: أَيْ مَجْلُوٌّ، وَهُوَ أَنْ تَجْلُوَ الْمَرْأَةُ وَجْهَهَا وَتَصْقُلَ خَدَّيْهَا. إذ النِّكَاحُ قَائِمٌ بَيْنَهُمَا، حتى أن التّوارث قائم بينهما، وكذلك جميع أحكام النكاح قائم، ألا ترى أنّه لو قال: كلّ امرأة له طالق، تدخل هذه الطّلقة فيه فتطلق. فإن قلت: يشكل على هذا الأصل الذي ذكرت المسألة التي تليه، وهي قوله: وليس له أن يسافر بها، وكان له أن يسافر بمنكوحته، وليست له هذه الولاية في الطلقة الرّجعيّة، فانتقض ما ذكرت من قيام النكاح من كلّ وجه. قلنا: هذه معارضة [معرض] النصّ فلا يسمع فكلّ قياس بمعارضته يتهاتر وكلّ معقول بوجوده يتصاغر، فإنّ القياس يقتضي أن تحلّ المسافرة بها، كالحلّ سائر الأحكام المخصوصة بالنكاح، إلا أن النصّ ورد بقوله: ولا تخرجوهنّ من بيوتهن. وقال الإمام الصّفّار (١): من قاس هذه القياس فقد قضى على نفسه بالوسواس. ولنا قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (٢)، الآية نزلت في الطّلاق الرجعي، دل عليه سياق الآية، وهو قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٣) أَيْ: لَعَلَّهُ يَبْدُو لَهُ فَيُرَاجِعَهَا، وَالْمُسَافَرَةُ بِهَا إخْرَاجٌ مِنْ الْبَيْتِ فَيَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهَا. فإن قيل: لما لا يجعل المسافرة بها دلالة الرّجعة حملاً لامرأتهعلى الصّلاح. قلنا: كلامنا في رجل ينادي صريحًا بأني لا أراجعها، فبطلت الدّلالة عند الصّريح؛ ولأنّ قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ (٤) الآية، لما كان خطاباً بالنّهي للأزواج عن الإخراج يلزم أن لا يكون الإخراج رجعة؛ لأنّ الإخراج منهي عنه، والرّجعة مندوب إليها وهما على طرفي نقيض -كذا في «الفوائد الظهيرية» - وذكر الإمام قاضي خان ﵀ وكما لا يحلّ لها الخروج إلى السّفر، كذلك لا يباح لها الخروج إلى ما دون السّفر -أيضاً- لإطلاق النصّ (٥).

стр. 1860

وكما يكره المسافرة بها، يكره الخلوة بها؛ لأنّه لو خلا بها ربّما يقع بصره على موضع يصير به مراجعًا، وهو لا يريد الرّجعة، فيطلّقها أخرى فيؤدّي إلى تطويل العدّة، وذلك حرام، وذكر شمس الأئمة السّرخسي ﵀ في «الجامع الصّغير» إنّما يكره الخلوة بها إذا لم يأمن على نفسه أن يغشاها، أو يصير مراجعًا لها، بغير إشهاد وهو مكروه؛ لِأَنَّ تَرَاخِيَ عَمَلِ الْمُبْطِلِ لِحَاجَتِهِ إلَى الْمُرَاجَعَةِ، فالمبطل هو الطّلاق وعمله الإبطال تراخي إلى وقت انقضاء العدّة لحاجة الزّوج إلى المراجعة، فعمل المبطل عمله من وقت الإبطال، كالبيع الذي فيه الخيار تأخّر عمل البيع في اللّزوم إلى مدّة لحاجة من له الخيار إلى الاستدراك، فلمّا لم يفسخ حتّى مضت المدّة عمل البيع عمله من وقت البيع، حتّى كانت الزّوايد الحاصلة في مدّة الخيار للمشتري. وَلِهَذَا تُحْتَسَبُ الْأَقْرَاءُ مِنْ الْعِدَّةِ، أي: والدّليل على أن عمل المبطل من وقت وجود المبطل احتساب الإقراء الماضيّة قبل انقضاء العدّة من العدة، فلو كان عمل المبطل مقتصراً على انقضاء العدّة لما احتسبت الأقراء الماضية من العدّة، كما لا يحتسب في قوله: إذا حضت فأنت طالق، فإن تلك الحيضة غير محتسبة من العدّة؛ لأنّه شرط وقوع الطّلاق، وإذا ثبت ما قلنا وهو أن عمل المبطل غير مقتصر على انقضاء العدّة، بل من وقت وجود المبطل وهو الطّلاق، كانت المطلقة الرجعيّة بمنزلة المبتوتة تقديراً حين لم يرد الرّجعة، فكما أنّه لا يملك إخراج المبتوتة إلى السّفر، فكذلك لا يملك إخراج المطلقة الرّجعية، لوجود القاطع في إحديهما تحقيقاً، وفي الأخرى تقديراً [حتى ملك مراجعتها] من غير رضاها ومن غير مهر ومن غير ولي، وكذا بغير شهود في قول عنده وملك الرّجعة عليها من غير رضاها من أدلّ الدّلائل على أنّ ملك النكاح قائم؛ إذ لو زال لكانت الرّجعة إثباتًا للملك عليها ابتداء واحد لا يملك إثبات النكاح ابتداء على الأجنبية إلا برضاها -كذا في «مبسوط فخر الإسلام» -وَهَذَا الْمَعْنَى يُوجِبُ اسْتِبْدَادَهُ بِهِ، أي: معنى النّظر للزوج يوجب استبداد الزّوج بحق الرّجعة، يعني أنّ ثبوت الرّجعة للزّوج إنّما كان نظراً وشفقة له، لاحتمال أن يندم بعد الطّلاق بفراقها على وجه لو لم يقدر على تدارك الوصلة ربّما يفضي إلى هلاكه على ما ذكرنا، وكونه نظراً للزّوج يوجب استبداد الزّوج بالرّجعة؛ إذ لو لم يكن مستبدًا به لا يتحقّق النّظر.

стр. 1861

وَذَلِكَ يُؤْذِنُ، أي: معنى الاستبداد يعلم بأنّ الزّوج مستديم الملك لا منشئ؛ لأنّ إنشاء النكاح إنّما يتعلّق بالزّوج والمرأة لا بالزّوج منفردًا؛ إذْ الدَّلِيلُ يُنَافِيهِ، أي: دليل الاستبداد ينافي الإنشاء؛ لأنّه لو كان إنشاء لما استبد به الزّوج، كما لا يستبد في ابتداء النكاح أو الدّلايل التي ذكرناها في موضعها ينافي الإنشاء، وهي قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (١) فلو كان إنشاء لما كان الزّوج أحق. وكذلك اسم البعل، وكذلك ذكر الإمساك، في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٢)، وهو عبارة عن استدامة الملك لا عن إنشائه، والقاطع أخّر عمله، هذا جواب عن قول الخصم، وهو قوله: الزَّوْجِيَّةَ زَائِلَةٌ لِوُجُودِ الْقَاطِعِ وَهُوَ الطَّلَاقُ. قلنا: نعم وجد القاطع ولكن أخّر عمل القاطع إلى انقضاء العدّة إجماعاً، فإنّه عند الشّافعي تثبت الرجعة بالقول (٣)، بدون رضاء المرأة، كما هو قولنا علم أنّ عمل القاطع مؤخّر بالإجماع (٤)، أو مؤخر عمل القاطع نظرًا للزّوج -على ما تقدم- وهو قوله: لِأَنَّ حَقَّ الرَّجْعَةِ ثَبَتَ نَظَرًا لِلزَّوْجِ. فصل فيما تحلّ به المطلّقة لما ذكر تدارك الطّلاق الرجعي أنّه بالرّجعة احتاج إلى بيان تدارك غيره من المطلّقات، فبيّنه في هذا الفصل؛ لأنّ حلّ المحلية باق والمعنى من حلّ المحلية كونها أنثى من بني آدم ليست من المحرّمات وهو موجود هنا ومنع الغير جواب سؤال مقدّر بأن يقال أنّ الله تعالى لم يجوّز نكاح المعتدة مطلقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (٥)، فأجاب عنه بقوله: إنّما كان ذلك لاشتباه النسب] وذلك إنما يكون في معتدة الغير، وأما ههنا فهذا المعتدة مُعْتَدَّتِهِ، فلم يلزم فيه اشتباه النسب (٦) فيجوز. ثم اعلم أنّ التّعليل باشتباه النّسب هو بيان الحكمة فيه، لَا بَيَانُ الْعِلَّةِ لِوُجُودِ التَّخَلُّفِفيه، فإنّه لو طلّق الصّغيرة أو الآيسة تجب العدّة، ومنع الغير عن تزوجها في العدّة، وإن لم يكن فيه اشتباه النسب، وكذلك لا يجوز تزويج المعتدّة من الصبي، كما لا يجوز من البالغ، ولا يلزم اشتباه النّسب في حق الصبي؛ لأنّه لا يثبت النسب منه، لأنّ الصبي لا ماء له.

стр. 1862

قوله ﵀: ولا اشتباه في إطلاقه، أي: لا يلزم اشتباه النّسب في تجويز نكاح معتدته؛ لأن الماء الواقع في رحمها في النكاح الأوّل والثّاني ماءه، فلا يشتبه النّسب، والاشتباه إنّما يكون عند اختلاف المائين، وذلك إنّما يكون في مُعْتَدَّةُ الْغَيْرِ، والمراد من الإطلاق التجويز. والمراد الطّلقة الثّالثة، أي: عند أكثر أهل التّأويل (١)؛ لأنّ الله تعالى بيّن حكم الثالثة عقيب هذه الآية، ولم يبيّن حكمها عند قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢)، وعند بعضهم حكم الثّالثة مستفاد من تلك الآية، أعني قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣) والزّوجية المطلقة إنّما تثبت بنكاح صحيح، خصوصاً فيما إذا أضيف النكاح إلى المستقبل كان المراد منه الإعفاف والتّحصين، وذلك إنّما يحصل بالنكاح الصّحيح، لا بالفاسد ولهذا لا يحنث إذا حلف لا تنكح فالنكاح الفاسد. بخلاف الماضي فإنّ المراد منه مجرّد صحّة الأخبار، فيتناول الفاسد والجائزلذلك فيحنث في يمينه ما نكحت امرأة وقد نكحها فاسدًا، حملاً للكلام على الإفادة دون الإعادة، يعني لو حملنا النكاح المذكورة في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ (٤) على العقد، يلزم ذكر العقد مرّتين؛ لأنّه استفيد العقد مرة بقوله: زوجًا؛ لأنّ الرجل لا يسمّى زوجًا إلا بعد العقد. أمّا لو حملنا النكاح المذكور على الوطء واستفدنا العقد من ذكر الزّوج كان كلّ واحد من ذكر الزّوج والنكاح محمولاً على فائدة جديدة، فحينئذ كان شرط وطء الزّوج الثاني في التّحليل مذكوراً في كتاب الله تعالى، ولا يحتاج إلى أن يراد على كتاب الله تعالى بالحديث المشهور، وهذا قول حسن لكنّه مخالف لما ذكره شمس الأئمة وفخر الإسلام ﵀ في أصول الفقه، ويلزم -أيضاً- على هذا التّأويل ترك الأصل وهو أن يجعل المرأة واطئة، وهي ليست بواطئة، بل هي محلّ الفعل فكانت موطوءة. قوله ﵀: روى بروايات، أي: بروايات مختلفة، فإن الرواية في أصول الفقه بلفظ الخطاب، بقوله: "إلا حتى تذوقي من عسيلته ويذوق من عسيلتك" سوى سعيد بن المسيّب (٥)، فإنّ الدخول عنده ليس بشرط، وكذلك قول بشر بن غياث المريسي (٦) بمثل قول سعيد بن المسيّب، ذكره الإمام التمرتاشي، وقوله غير معتبر؛ لأنّه مخالف للحديث المشهور فلذلك لو قضى القاضي بقوله لا ينفذ.

стр. 1863

وذكر الإمام التمرتاشي في «الجامع الصّغير» وقال الصدر الشّهيد (١) ﵀: قال مشايخنا: لا ينفذ، وبهذا يعلم أن ما نقل عن الصّدر الشّهيد في بعض الحواشي أنّه لو قضى القاضي على قول سعيد بن المسيب ينفذ القضاء، فذلك افتراء على الصّدر الشّهيد، وكذا ذكر الإمام قاضي خان في «الجامع الصّغير»، وقال: لو قضى القاضي بقوله لا ينفذ قضاؤه (٢). ذكر الصّدر الشّهيد في كتاب الصّلاة (٣) وَالْكَمَالُ قَيْدٌ زَائِدٌ، الحديث المشهور شرط الدّخول، وهو عبارة عن الإيلاج، فحسب وكان اشتراط الإنزال في الإيلاجزيادة قيد على الدّخول المطلق، والمطلق ينصرف إلى الكامل في الماهية، فلا يتوقّف الحكم المرتّب على الأمر الكامل إلى زيادة وصف لا دلالة في اللّفظ إليه [عليه]؛ لأنّه يجري مجرى النسخ، فلذلك لم يشترط الإنزال في الدّخول وفي الحديث -أيضاً- إشارة إلى أنّ الكمال وجد بدون الإنزال، وهو قوله: حتّى تذوق عسيلة الآخر، وفي الكفاية (٤) طلّقها أزواج كلّ زوج ثلاثاً قبل الدّخول، فتزوّجت بآخر ودخل بها، تحلّ للأوّل؛ لأنّه لا تفصيل في النّص وقد فسّره في «الجامع الصّغير»، أي: وقد فسّر الصبي المحلّل في «الجامع الصّغير»، أي: في باب النكاح الفاسد من كتاب النكاح من رواية «الجامع الصّغير» (٥). المرتبة الأولى أن يكون المحلّل حرًّا بالغًا ذكر البلوغ تحرّز عن خلاف مالك (٦) وحماد (٧) والحسن البصري، فإنّهم يشترطون الإنزال، وذكر الحرية تحرزًا عن خلاف أبي يوسف ﵀، فإنّه روي عنه: الحرّة لو زوّجت نفسها من عبد لا يجوز (٨).

стр. 1864

وفي «فتاوى الوبري» (١): الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الجماع لوأولجها [بمساعدة] اليد لا يحلّها -كذا في «الجامع الصّغير» للإمام التمرتاشي (٢) -. وقال الإمام قاضي خان: وثبوت الحلّ لزوجها الأوّل بوطء الصّبي مذهبنا، فإنّ بوطء الزّوج الثّاني يثبت الحلّ سواء، كان صبيًّا أو مجنونًا حرًا أو مملوكًا. وقال الحسن البصري (٣) ﵀: لا يحلّها جماع الصبي؛ لأن عنده التّحليل يتم بدون الإنزال وعند مالك (٤) والشّافعي (٥) لا يتمّ التحليل إلا بجماع من كان من أهل الماء. وجه قول الحسن: قوله ﵇: «لا حتى تذوقي عسيلته وهو يذوق من عسيلتك» (٦) يعني الماء. وإنا نقول: العسيلة (٧) كناية عن لذة الجماع، واللّذة تحصل بجماع المراهق، وعن عائشة ﵂: أنها فسّرت العسيلة بالجماع؛ ولأنّ الحلّ تعلق بإصابة الزّوج الثاني ليكون زجراً له عن إرسال الثّلاث وإصابة الزّوج تغيظه، فكان زاجراً، وإن وطئها الزّوج الثّاني في حيض أو نفاس أو إحرام يحلّ للزّوج الأوّل عندنا، وقال مالك لا تحلّ له؛ لأنّه حرام، فلا يثبت له الحلّ كما لو تزوجها نكاحاً فاسدًا ودخل بها.

стр. 1865

ولنا قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١) شرط نكاح الزّوج مطلقاً، بخلاف ما لو تزوّجها نكاحاً فاسدًا؛ لأنّ الله تعالى أمر بالنكاح، وأراد به النكاح الجائز؛ لأنّ الشّرع لا يأمر بالفاسد ومطلق النكاح ينصرف إلى الجائز. ولو تزوّجها بشرط التحليل، بأن قال: تزوّجتك على أن أحللك (٢)، أو قالت المرأة ذلك، أمّا لو أضمرا ذلك في قلبهما فإنّه يصحّ العقد، ويحلّ للأوّل عند عامة العلماء، وقال مالك: لا يصح، وذكر الإمام التمرتاشي (٣) وَلَوْ خَافَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا الْمُحَلِّلُ، فتقول: زوجت نفسي منك على أنّ أمري بيدي أطلّق نفسي كلما أريد، فيقول الرّجل: قبلت، جاز النكاح وصار الأمربيدها، وفي التفاريق: لو ادّعت دخول المحلّل صدّقت، وإن أنكر هو، وكذا على العكس، وإذا طلق الحرّة تطليقة أو تطليقتين إلى آخره، وما قاله أبو حنيفة ﵀ وأبو يوسف، قول ابن عبّاس، وابن عمر، وإبراهيم النخعي، وأصحاب عبد الله بن مسعود ﵃، وما قاله محمّد وزفر والشافعي، قول عمر، وعلي، وأبي بن كعب (٤)، وعمران بن حصين (٥)، وأبو هريرة (٦) ﵃، فأخذ الشبان بقول المشايخ من الصّحابة والمشايخ من الفقهاء بقول الشبان من الصّحابة -كذا في «المبسوط» (٧) -وَيَهْدِمُ الزَّوْجُ الثَّانِي الطّلاق، أي: الطّلقة والطلقتين؛ لأنّه غاية للحرمة بالنّص يعني أنّ الزّوج الثّاني غاية للحرمة الحاصلة بالثّلاث بالنّص وهو قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٨) وحتّى للغاية حقيقة، وفي التّطليقة والتّطليقتين لم يثبت شيء من تلك الحرمة؛ لأنّها متعلّقة بوقوع الثّلاث، وببعض أركان العلّة لا يثبت شيء من الحكم، فلا يكون الزّوج الثّاني غاية؛ لأنّ غاية الحرمة قبل وجودها لا يتحقّق، كما لو قال: إذا جاء رأس الشهر فوالله لا أكلّم فلاناً حتّى أستشير فلانًا، ثم استشاره قبل مجيء رأس الشّهر، لا يعتبر هذا؛ لأنّ الاستشارة غاية للحرمة الثابتة باليمين، فلا يعتبر قبل اليمين، فإذا لم يعتبر كان وجودها كعدمها، ولو تزوّجها قبل التزوّج، أوقبل إصابة الزوج الثّاني كانت عنده بما بقي من التّطليقات.

стр. 1866

فكذلك ههنا، وأبو حنيفة وأبو يوسف -رحمهما الله- (١) قَالَا: إصَابَةُ الزَّوْجِ الثَّانِي بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ يُلْحِقَ الْمُطَلَّقَةَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ بالحكم المختصّ بالطّلاق، كما بعد التطليقات الثلاث، وبيان هذا أن بالتطليقات الثّلاث تصير محرمة ومطلقة، ثم بإصابة الزّوج الثّاني يرتفع الوصفان جميعًا، ويلحق بالأجنبيّة التي لم يتزوّجها قطّ، فبالتّطليقة الواحدة تصير موصوفة بأنّها مطلّقة، فيرتفع ذلك بإصابة الزّوج الثّاني ثمّ الدّليل على أنّ الزّوج الثّاني رافع للحرمة، لأمنه أن المنهي يكون متقرراً في نفسه ولا حرمة بعد إصابة الزّوج الثّاني، فدلّ أنّه رافع للحرمة، ولأنّه موجب للحلّ فإن صاحب الشّرع سمّاه محلّلاً، فقال: "لعن الله المحلّل والمحلّل له" (٢)، وإنّما كان محلّلاً لكونه موجباً ومن ضرورته أن يكون رافعًا للحرمة وبهذا يتبين أن جعله غاية مجاز، وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٣)، والاغتسال موجب للطّهارة رافع لحدث الجناية لا أن يكون غاية الجنابة، والدّليل عليه أن أحكام الصّلاة تثبت متأبدّة لا إلى غاية، ولكن يرتفع بوجود ما يرفعها، كحكم زوال الملك لا يثبت موقتًا ولكن يرتفع بوجودها ما يرفعه وهو النكاح، إذا ثبت أنّ الزّوج الثّاني موجب للحلّ، وإنّما يوجب حلالاً لا يرتفع إلا بثلاث تطليقات، وذلك غير موجود بعد التّطليقة والتطليقتين فيثبت به. ولمّا كان رافعًا للحرمة إذا اعترض بعد ثبوت الحرمة فلا يرفعها وهي تعرض الثبوت أولى، ولكنّ قول محمّدًا (٤) يَقُولُ: ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ بِسَبَبِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ، وذلك لا يرتفع بالزّوج الثّاني حتّى لا تعود منكوحة له، وبقاء الحكم ببقاء سببه، فعرفنا أنّه ليس برافع للحرمة، ولا هو موجب للحلّ، لأنّ تأثير نكاح الثّاني في حرمتها على غيره، فكيف يكون موجباً للحلّ لغيره وسمّها محلّلاً لأنّه شارط للحلّ، لا لأنّه موجب للحلّ. ألا ترى سمّاه ملعونًا باشتراطه ما لا يحلّ شرعًا، فعرفنا أنّه غير موجب للحلّ، ولأن الحرمة تحتمل التوقيت كحرمة المعتدة، وحرمة الاصطياد على المحرم، فجعلنا الزّوج الثّاني غاية للحرمة عملاً بحقيقه حتّى المذكور في الكتاب وفي السنة، حيث قال ﵇: «حتّى تذوقي من عسيلته» (٥) -كذا في «المبسوط» (٦) -.

стр. 1867

ثم ذكر فيه وفي «الأسرار» ومسألة فيها يختلف كبار الصّحابة ﵃ يعوز فقها ويصعب الخروج منها. سَمَّاهُ مُحَلِّلًا وَهُوَ الْمُثْبِتُ لِلْحِلِّ. فإن قيل: في الطّلقة والطّلقتين الحلّ موجود، فلا حاجة إلى إثبات الحلّ. قلنا: الحلّ وإن كان موجودًا لكن الزّوج الثّاني يثبت الحلّ الجديد، وهو أنّها لا تحرم بالطّلقة إذا كانت مسبوقة بالتّطليقتين، ولا تحرم بالطّلقتين إذا كانت مسبوقة بالطّلقة علم أنّ الزّوج الثّاني مثبت للحلّ الجديد، وإن كان الحلّ باقياً في المحلّ قبل الطلقات الثلاث. أو نقول أنّ المحلّ إن كان لا يقبل إثبات أصل الحل لكن يقبل إثبات وصف الكمال في الحل لانتقاصه بالطّلقة والطلقتين وإذا طلّقها ثلاثاً، فقالت: انْقَضَتْ عِدَّتِي وَتَزَوَّجْت وَدَخَلَ بِي الزَّوْجُ إلى آخره. وإنّما ذكر أخبارها هذا مبسوطًا مطولاً -كما ترى- فإنّها لو قالت للأوّل: حلّلت لك فتزوّجها، ثم قالت: أنّ الثّاني لم يكن دخل بي إن كانت عالمة بشرائط الحلّ للأوّلى لم تصدق، وإلا فتصدق، وفيما ذكرت مبسوطًا لا يصدّق في كلّ حال، وعن شمس الأئمة السّرخسي ﵀-حلَلْت لَك، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مَا لَمْ يَسْتَفْسِرْهَا، لِاخْتِلَافٍبين النّاس في حلّها له بمجرّد العقد، وفي التّفاريق: ولو توقعها ولم يسألها، ثم قالت: ما تزوّجت أو خلا بي ولم يدخل بي صدقت، بخلاف قولها: لم تنقض عدّتي، وإن قال الزّوج لها ذلك، وكذبته، تقع الفرقة كأنّه طلّق ويجب المهر (١). ولم يمرّ بي لو قال: المحلّل بعد الدّخول: كنت حلفت بطلاقها إن تزوّجها، هل تحل هي للأوّل؟ قلت: يبنى الأمر على غالب ظنها، إن كان صادقاً عندهما فلا يحلّ له وإن كان كاذباً تحلّ. وعن الفضلي (٢) ﵀: لو قالت: للأوّل تزوّجني فإني قد تزوّجت غيرك، وانقضت عدّتي، فتزوّجها، ثم قالت: لم أكن تزوجت صدّقت، إلا أن يكون قد أقرت بدخول الثّاني -كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀؛ لأنّها معاملة، أي: لأنّ النكاح معاملة، أنث المبتدأ لتأنيث الخبر، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ (٣)، وفي المعاملة يقبل قول الواحد، ألا ترى أنّ في الهدايا يقبل قول الإماء والعبيد، وكذلك في الأمر الديني، حتّى أنّ واحدًا من المسلمين لو أخبر بنجاسة الماء أو طهارته، وهو عند السّامع صادق، يجوز تصديقه على ما يجيء في الكراهية -إنشاء الله تعالى-، واختلفوا في أدنى هذه المدّة، ذكر في «المبسوط» قبيل كتاب المناسك في باب النّفاس المطلقة (٤) إذا كانت تعتدّ بالإقراء وأخبرت بانقضاء العدّة، قال أبو حنيفة (٥) ﵀: لَا تَصْدُقُ فِي أَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ يَوْمًا، وقال أبو يوسف ومحمّد -رحمهما الله-: تصدّق في تسعة وثلاثين يومًا، وتخريج قولهما أنه يجعل كأنّه طلّقهافي آخر جزء من أجزاء الطّهر، وحيضها أقلّ الحيض ثلاثة وطهرها أقلّ الطّهر خمسة عشر، فالثلاثة إذا كانت ثلاث مرّات يكون تسعة وطّهران إن كان كلّ واحد منهما خمسة عشر يكون ثلاثين، فلذلك صدقت في تسعة وثلاثين يومًا؛ لأنّها أمينة، فإذا أخبرت بما هو محتمل وجب قبول خبرها.

стр. 1868

وأمّا تخريج قول أبي حنيفة ﵀ فيجعل كأنّه طلّقها في أوّل الطّهر تحرّزًا عن إيقاع الطّلاق في الطّهر بعد الجماع، وطهرها خمسة عشر؛ لأنّه لا غاية لأكثر الطّهر فقدّرنا بأقلّه، وحيضها خمسة؛ لأنّ من النّادر أن يكون حيضها أقلّ الحيض أو يمتد إلى أكثر الحيض، فيعتبر الوسط من ذلك، وذلك خمسة فثلاثة أطهار كلّ طهر خمسة عشر يكون خمسة وأربعين وثلاث حيض كلّ حيض خمسة يكون خمسة عشر فذلك ستّون يومًا، هذا على ما ذكر محمّد ﵀ عن أبي حنيفة ﵀ (١). أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ (٢) عَنْهُ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي آخِرِ الطُّهْرِ؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ] وَاجِبٌ، وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ فِي آخِرِ الطُّهْرِ أَقْرَبُ إلَى التَّحَرُّزِ عَنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ (٣)، ثُمَّ حَيْضُهَا عَشَرَةٌ لأنا لمّا قدّرنا طهرها بأقلّ المدّة نظراً لها نقدّر حيضها بأكثر الحيض نظراً للزّوج، فثلاث حيض كلّ حيض عشرة يكون ثلاثين، وطهران كلّ طهر خمسة عشر، فذلك ستّون يومًا. قوله ﵀: وسنبيّنها في باب العدّة، وقعت هذه الحوالة (٤) حوالة غير رائجة؛ لأنّه لم يذكرها في باب العدّة ولا في غيره والله أعلم بالصّواب. باب الإيلاء (٥) ذكر في «الأسرار» (٦) في أوّل كتاب الطّلاق منه التحريمات التي تنفذ من الزّوج بحكم ملك النكاح أربعة أنواع: الطّلاق والإيلاء واللّعان والظّهار، ثم قال فيبدأ بالطّلاق؛ لأنّه الأصل والمباح للزّوج في وقته، ثم أدنى درجة منه في الإباحة الإيلاء؛ لأنّه من حيث أنّه يمين مشروع ولكن فيه معنى الظلم على ما يجيء، فكان أدنى منه في الإباحة.

стр. 1869

ثم يحتاج ههنا إلى معرفة الإيلاء لغة وشريعة وسببه وشرطه وركنه وحكمه، أمّا اللغة فإنّ الآلية الحلف، يقال: آلى يولي إيلاءً، مثل أعطى يعطي إعطاءً والجمع الآيا مثل عطية وعطايا ومن قول القائل (١): قَلِيلُ الْأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ … وَإِنْ بَدَرَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّةُ بَرَّتْ (٢) يمدح بهذا، ويقول فإنّه قليل الحلف، وإن حلف بطريق الندرة بأن وقعت يمينه على سرعة من غير قصد حفظ يمينه، فقوله: برّت كان أصله برّ في يمينه، أي: صدق فحذف المضاف مع حرف الجرّ، ثم انقلب الضّمير المجرور مرفوعًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا … يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ (٣) لما عرف في الكشّاف (٤). وأمّا تفسيره شرعًا فهو عبارة عن منع النّفس عن قربان المنكوحة أربعة أشهر فصاعدًا منعًا مؤكدًا باليمين، ولذلك قالوا: المولي من لا يخلو عن أحد المكروهين، إمّا وقوع الطّلاق وإمّا وجوب الكفارة (٥). وأمّا سببه فما هو السّبب في الطّلاق الرّجعي؟ لما أن الإبانة فيه مؤقتة إلى وقت وههنا أيضاً موقتة إلى وقت (٦)، وقد ذكرنا هناك أن السّبب الدّاعي إليه قيام المشاجرة، وعدم الموافقة، لكن على وجه الانتظار طلباً لما هو الموعود في كتاب الله الجبار في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٧). فمنهم من يختار الطّلاق الرجعي، لما أنّ التّدارك هناك غير مستعقب مكروهًا، بخلاف الإيلاء. ومنهم من يختار الإيلاء لما أنّ التدارك هنا غير متضمّن نقصان عدد الطّلاق، بخلاف الطّلاق الرجعي. وأمّا شرطه فكون من يمنع عنه القربان باليمين منكوحة، هذا في حقّ المحل فهو] وأما في حق المولي فهو (٨) من كان أهلاً للطّلاق عند أبي حنيفة ﵀، ومن كان أهلاً لوجوب الكفارة عندهما.

стр. 1870

وأمّا في حق اليمين فهو أن لا يكون المدّة منقوصة من أربعة أشهر. وأمّا ركنه فنوعان، كما هو ركن سائر الإيمان، فإنّه إن كان في اليمين بالله فهو قوله: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وما يماثله من ذكر اسم من أسماء الله تعالى، وإن كان في اليمين بغير الله فهو قوله إن قربتك فعبده حرًا، وامرأته طالق، وما يشابهه ممّا يحلف به من الإيمان. وأمّا حكمه فشيئان: أحدهما: يتعلّق بالحنث بالقربان، وهو لزوم الكفارة في اليمين بالله، ولزوم الجزاء في اليمين بغير الله، والثّاني يتعلّق بالبرّ، بأن لم يقربها حتّى مضت مدّة الإيلاء وهو وقوع طلقة باينة. فحاصله أن الإيلاء يوافق سائر الأيمان في حق حكم الحنث -كما ذكرنا من اليمينين-، ويخالف سائر الأيمان في حقّ حكم البرّ، فإنّ في سائر الأيمان لا يلزمه شيء بالبرّ، وهنا يلزمه تطليقة باينة، وقد تحقّق ما ذكرنا بأن المولي هو من لا يخلو عن أحد المكروهين -كذا في «الذّخيرة» وغيرها (١) -. حنث في يمينه ولزمته الكفارة، وعند الشّافعي (٢) ﵀ يحنث في يمينه، ولا يلزمه الكفارة؛ لأنّ الله تعالى وعد المغفرة وبعدما صار مغفوراً لا يجب عليه الكفارة، لما أنّ الكفارة للستر. قلنا: وعد المغفرة في الآخرة لا ينافي وجوب الكفّارة في الدنيا، كما في قتل الخطأ فإنّه وعد المغفرة في الآخرة ومع ذلك وجبت الكفارة، وحكم الكفّارة عند الحنث في اليمين بالله ثابت، لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٣) فكفارته كذا في «المبسوطين» (٤) وسقط الإيلاء، على معنى أنّه لو مضت المدّة لا يقع الطّلاق. بَانَتْ مِنْهُ بِتَطْلِيقَةٍ (٥) أي: عندنا، فكان معنى الإيلاء إن مضت أربعة أشهر ولم أجامعك فأنت طالق تطليقة باينة، وهكذا نقل عن علي وابن مسعود وابن عبّاس وابن عمر وعائشة ﵃ قالوا: عزيمة الطّلاق مضي المدة.

стр. 1871

وعند الشّافعي ﵀ لا تقع الفرقة بمضي المدّة، ولكنّه توقف بعد المدّة على أن يفي إليها أو يفارقها، فإن أبى أن يفعل فرّق القاضي بينهما، وكان تفريقه تطليقة باينة-كذا في «المبسوط» (١) -. ولنا أنّه ظلمها فجازاه الشّرع بزوال النعمة. فإن قلت: فقد ذكر الإمام قاضي خان ﵀ في باب العنّين من «الجامع الصّغير» (٢) أنّ الزّوج إذا وطئها مرّة، ثم عجز بعد ذلك لا خيار لها؛ لأنّ ما هو المقصود وهو تأكد المهر والإحصان وغير ذلك يحصل بالواحد، وما زاد على ذلك فهو مستحق ديانة لا حكمًا، فلما لم تكن للمرأة ولاية مطالبة الزّوج بالوطء حكمًا بعد وطئه إيّاها مرّة، كيف يكون الزّوج يمنع ما ليس بمستحق عليه ظالماً؟. قلت: إن لم يكن مستحقًا عليه حكمًا، فهو مستحق عليه ديانة، فلما وجب عليه قضاء حقها في الوطء مرّة بعد أخرى ديانة، جازاه الشّرع بزوال نعمة النكاح، بوقوع الطّلاق لمنعه مالها عليه واجب أداؤه ديانة، فإن كان حلف على الأبد فاليمين باقية. اعلم أن ذكر لفظ الأبد ليس بشرط في حقّ هذا الحكم الذي ذكره، بل المراد منه أنّه لم يذكر في هذا لفظًا يتقيّد اليمين بأربعة أشهر، بأن قال: والله لا أقربك أربعة أشهر، فإنّ الإمام التمرتاشي قال: رجل حلف لا يجامع امرأته أبدًا، ولم يقل أبدًا، فهو مولى إن لم يقربها أربعة أشهر بانت، ثم لو مضت أربعة أشهر أخرى وهي في العدّة، بأن كانت ممتدة الطهر لم تقع أخرى؛ لأن بالأولى بانت ولم يبق حقها في الوطء، فلا ينعقد ثانياً ولو تزوّجها، ثم مضت أربعة أشهر أخرى منذ تزوّج تقع أخرى؛ لأن اليمين باقية وعاد حقها في الوطء فينعقد، وكذا إن تزوجها ثالثاً، فإن بانت بالإيلاء ثلاثاً أو تنجيز الثّلاث بطل الإيلاء لبطلان التّعليق بالتنجيز، فإن قربها كفّر لبقاء اليمين، فإن أبانها، ثم مضت المدّة وهي في العدّة بانت؛ لأنّ الباين المعلق يلحق الباين، فإنّ تزوّجها في العدة أي قبل الثلاث احتسب بما مضى من المدّة لبقاء محلّ اليمين، وإن تزوّجها بعد العدّة فهو مولى، ويستأنف المدّة لزوال محل الطّلاق، ولو حلف على أربعة أشهر سقط اليمين بمضيه، إلا أنّه لا يتكرّر الطّلاق قبل التزوّج. وذكر في «المبسوط» ولم يذكر في الكتاب فصلاً آخر، وهو أنّه إذا آلى من امرأته، أي: إيلاء مطلقاً من غير أن يقيده بأربعة أشهر، فبانت بمضي أربعة أشهر، هل ينعقد مرّة أخرى قبل أن يتزوّجها أم لا؟ وَكَانَ أَبُو سَهْلٍ ﵀ (٣) يَقُولُ: تَنْعَقِدُ حَتَّى إذَا تَمَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَقَعَتْ تَطْلِيقَةً أُخْرَى، وَكَذَلِكَ الثَّالِثَةُ، قَالَ: لِأَنَّ مَعْنَى الْإِيلَاءِ كُلَّمَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ أَقْرَبْكِ فِيهِنَّ فَأَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً، وَلَوْ صَرَّحَ بِهَذَا كَانَ الْحُكْمُ مَا بَيَّنَّا (٤)، وَكَانَ الْكَرْخِيُّ ﵁ يَقُولُ: لَا تَنْعَقِدُ الْمُدَّةُ الثَّانِيَةُ مَا لَمْ يَتَزَوَّجْهَا وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ فِي انْعِقَادِ الْمُدَّةِ ابْتِدَاءً لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ مَعْنَى الْإِضْرَارِ، وَذَلِكَ لَا يَتَقَرَّرُ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ مَا لَمْ يَتَزَوجْهَا؛ لأنّه لا حقّ لها في الجماع، فلذلك لا ينعقد المدّة ما لم يتزوّجها، (فَإِنْ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا)، أي: تزوّجها بعد البينونة بمضيّ أربعة أشهر وبعد انقضاء التزوّج عدّتها، فإنّه لو تزوّجها قبل انقضاء عدّتها كان ابتداء الإيلاء الثّاني من وقت الطّلاق لا من وقت التزوّج (٥).

стр. 1872

وقد ذكر هنا ابتداء الإيلاء من وقت التزوج، علم أنّ التزوّج كان بعد انقضاء العدّة، وفي العيون: إذا قال لها: والله لا أقربك سنة، فمضى أربعة أشهر، ولم يقربها حتّى بانت منه، ثم تزوّجها، ثم مضت أربعة أشهر أخرى بانت -أيضاً-، فإن تزوّجها ثالثاً لا يقع شيء؛ لأنّه لم يبق من السنة بعد هذا التزوّج أربعة أشهر -كذا في «المحيط» (١) -. قوله ﵀: ويعتبر ابتداء هذا الإيلاء من وقت التزوّج، وإنما قيّد بقوله: هذا الإيلاء لما ذكرنا أن هذا الإيلاء الثّاني إنّما انعقد بعد انقضاء العدّة بالتزوّج، فكان هذا احترازاً عن انعقاد الإيلاء الثّاني قبل انقضاء العدّة، فإن اعتبار ذلك الإيلاء من وقت الطّلاق لا من وقت التزوّج، لما ذكرنا من رواية الإمام التمرتاشي، وكذا ذكر في «الفتاوى الظّهيريّة» (٢)، وقال: وَلَوْ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ تُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ مِنْ وَقْتِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ، وهي فرع مسألة التنجيزالخلافيّة، وقد مرّ من قبل، أي: في باب الأيمان في الطّلاق، وهو قوله: ولو قال لها: إن دخلت الدّار فأنت طالق ثلاثاً، ثم قال لها: أنت طالق ثلاثاً، إن قال: فدخلت الدّار لم يقع شيء، وقال زفر: يقع الثّلاث. وفي «المبسوط»: وَإِذَا آلَى الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا أَبَدًا، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بَطَلَ الْإِيلَاءُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ طَلَاقٌ مُؤَجَّلٌ، فَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ عَلَىالتَّطْلِيقَاتِ الْمَمْلُوكَةِ وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْهَا بَعْدَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ بَانَتْ بِالْإِيلَاءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ، وَإِنْ قَرُبَهَا كَفَّرَ يَمِينَهُ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ لِنَفَاذِ مِلْكِ الطَّلَاقِ، فَقَدْ بَقِيَتْ الْيَمِينُ، فَإِذَا قَرُبَهَا تَمَّ شَرْطُ الْحِنْثِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ بَقَاءِ الْيَمِينِ حُكْمُ الْإِيلَاءِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك، ثُمَّ تَزَوَّجَهَالَمْ يَكُنْ مُولِيًا، وَإِنْ قَرُبَهَا كَفَّرَ يَمِينَهُ (٣).

стр. 1873

(وَالْيَمِينُ بَاقِيَةٌ)، أي: بعد التّطليقات الثلاث، ثم علّل لبقاء اليمين بوصفين: وهما إطلاق اليمين، أي: لم يقيّد يمينه شيء من الأوقات حتّى ينقضي اليمين بانقضاء ذلك الوقت، بل قال: (وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك، أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك) أبدًا، والثاني: عدم الحنث، أي: الحنث معدوم؛ لأنّ الكلام فيما إذا لم يطأها، ولفظ الكتاب: وعدم الحنث بالجرّ بالعطف على لإطلاقها، فإن حلف على أقلّ من أربعة أشهر لم يكن مولياً. وقال ابن أبي ليلى (١): هو قول إن تركها أربعة أشهر بانت بتطليقة، هكذا كان يقول أبو حنيفة ﵀ (٢) في الابتداء، فلما بلغه فتوى ابن عبّاس ﵁: لا إيلاء فيما دون أربعة أشهر (٣) رجع عن قوله، وابن أبي ليلى استدلّ بظاهر الآية، قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٤) الآية، والإيلاء هو اليمين فتقييد اليمين عدّة أربعة أشهر تكون زيادة، ولكنّا نقول: المولي من لا يملك قربان امرأة في المدّة إلا بشيء يلزمه، وإذا عقد يمينه على شهر فهو يتمكّن من قربانها بعد مضي الشّهر من غير أن يلزمه شيء، فلم يكن مولياً، كما لو ترك مجامعتها في المدّة من غير يمين -كذا في «المبسوط» (٥) -؛ ولأنّ الامتناع عن قربانها في أكثر المدّة بلا مانع، هذا التعليل على تقدير وضع صورة المسألة في شهر واحد، كما حكينا من رواية «المبسوط» (٦)، فعلى هذا يكون الامتناع في أكثر مدّة الإيلاء، وهو ثلاثة أشهر، بلا يمين يمنعه عن القربان. فلا يكون مولياً كما أنّه لو لم يقربها أربعة أشهر أو أكثر أو أقلّ بلا يمين لا يقع الطّلاق بمضي أربعة أشهر، أو نقول المراد من أكثر المدّة هو أربعة أشهر، وأربعة أشهر أكثر من المدّة التي حلف عليها، وهي ثلاثة أشهر أو ما هو أقلّ من أربعة أشهر مطلقاً، وفي أربعة أشهر الإيلاء معدوم؛ لأن الكلام فيما إذا كان حلفه في أقلّ من أربعة أشهر، فيصحّ قوله: أنّ الامتناع في أكثر المدة بلا يمين لا يوجب وقوع الطّلاق بالإجماع، فإنّه لو لم يقربها أبدًا بدون الإيلاء لا يقع الطّلاق بمضيّ أربعة أشهر. لفظ الأكثر وقع مقحماً.

стр. 1874

وبعد ذلك التّقريب ظاهر وبمثله، أي: وبمثل الحلف الذي انعقد على ما دون أربعة أشهر لا يثبت حكم الطّلاق بمضي أربعة أشهر، ولو قال: والله لا أقربك شهرين وشهرين بعد هذين الشّهرين، فهو مول، وكذلك لو قال: والله لا أقربك شهرين وشهرين، كان مولياً، أما لو قال: والله لا أقربك شهرين ومكث يومًا أو ساعة، ثم قال: والله لا أقربك شهرين، لم يكن مولياً، وقد صرّح بذكر السّاعة الإمام قاضي خان والإمام المحبوبي (١)، والفرق بينهما راجع إلى أن في المسألتين الأوليين يصير مولياً؛ لوجود العلّتين فإحدى العلّتين هي أنّه لم يعد ذكر اسم الله تعالى في المعطوف ولا حرف النفي، فكان المعطوف داخلاً في حكم المعطوف عليه بحرف الجمع، فصار كأنّه جمع بلفظ الجمع، وقال: والله لا أقربك أربعة أشهر، والعلّة الثّانية هي أن السكوت لم يوجد بعد ذكر المعطوف عليه بيوم أو ساعة فلم يكن المجموع منقوصاً عن أربعة أشهر فيكون مولياً. وأمّا في المسألة الثالثة فلم يوجد إحدى العلّتين، بل انعدمت كلتاهما، فإنّه أعاد ذكر اسم الله تعالى في المعطوف، فكان كلّ واحد من المعطوف والمعطوف عليه يمينًا على حدة، وليس في كل واحد منهما نصاب مدّة الإيلاء. وكذلك سكت بعد ذكر المعطوف عليه، فكان المجموع أربعة أشهر إلا يومًا وإلا ساعة، والنقصان من أربعة أشهر مانع لانعقاد الإيلاء. وكذلك لو قال: (والله لا أقربك شهرين ولا شهرين)، حيث لا يصير مولياً؛ لأن عند إعادة حرف النّفي صار الثّاني إيجابًا آخر، وإذا كان كذلك صارا أجلين فتداخلا، ألا ترى أن من قال: والله لا أكلم فلانًا يومين ولا يومين أنّ اليمين ينقضي بيومين؛ لأنّه أعاد كلمة النّفي، فصار الثّاني منفردًا عن الأوّل، فتداخل وقتهما بعد الانفراد؛ لأنّ الوقت الواحد يصلح وقتًا الإيمان كثيرة. وألا ترى أنّ الرجل يقول: والله لا أكلّم فلانًا شهراً، ولا أدخل هذه الدّار شهراً، ولا آكل هذا الطّعام شهراً، فمضى شهر واحد ينتهي الإيمان كلّها، فكذلك ههنا إذا مضى شهران، فقد مضت مدّة كلّ واحدة من اليمنين، فيمكنه قربان امرأته في مدّة الإيلاء بغير شيء يلزمه، فلا يصير مولياً، بخلاف قوله: (وشهرين)، فإنّه لما لم يفرد مدة الثّانية يبقى على حدة صار الكلّ مدة واحدة. ألا ترى أن من قال: بعت منك العبد بألف درهم إلى شهر وشهر، أنّه بمنزلة قوله: (إلى شهرين)، وكذلك لو قال: لا أكلمك يومًا ويومين، أنّه بمنزلة قوله: إلى ثلاثة أيّام.

стр. 1875

بخلاف ما إذا سكت أو أعاد اسم الله تعالى أو حرف النّفي على ما ذكرنا. ثم في المسألة الثّالثة، وهي ما إذا قال -ثانياً بعد المكث-: والله لا أقربك شهرين بعد الشّهرين، لما لم يكن مولياً لو قربها قبل مضي شهرين يجب عليه كفارتان؛ لتعدّد لفظ اليمين بخلاف الأوليين -كذا في «الجامع الصّغير» لفخر الإسلام وقاضي خان والمحبوبي (١) -؛ لأن المستثنى يوم منكر، فلما كان يومًا منكراً، كان ما من يوم يمرّ عليه بعد يمينه إلا ويمكنه أن يجعله اليوم المستثنى، فيقربها فيه من غير أن يلزمه شيء، ثمّ أنّ ذلك اليوم لما كان منكراً لو صرفنا ذلك اليوم إلى آخر السّنة كان معينًا، ولم يبق منكراً فيها، أو تغير كلامه من غير حاجة لا يجوز، وفي الإجارات دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأنّا لو جعلنا اليوم منكراً] فيها لم يصح العقد للجهالة، ولا حاجة هنا؛ لأنّ الجهالة لا تمنع انعقاد اليمين، فلذلك جعلنا اليوم المستثنى منكراً (٢) كما نكره -كذا في «المبسوط» (٣) -. فإن قلت: يشكل على هذا ما إذا قال لغيره: والله لا أكلمك سنة إلا يومًا، فإنّ اليوم مستثنى وهو نكرة، ومع ذلك ينصرف إلى آخر السنة، وإن كان ذكره في اليمين وكذلك يشكل على هذا -أيضاً- ما لو قال: والله لا أقربك إلا نقصان يوم، أو قال لغيره: في التّأجيل أجلتك سنة إلا يومًا ينصرف اليوم إلى آخر السنة. قلت: أمّا الأولى فإن الحامل له على ذلك اليمين مغايظة، والمغايظة في الحال قائمة، فلذلك صرف ذلك اليوم المستثنى إلى الآخر. وأمّا المسألة الثّانية؛ لأنّ لفظ النقصان يصرف اليوم المستثنى إلى آخر يوم من السنّة؛ لأنّ النقصان لا يكون إلا من آخر المدّة، فذلك تنصيص على أنّ المستثنى آخر يوم من السنة. وأمّا المسألة الثّالثة فإنّما انصرف اليوم المستثنى إلى الآخر؛ لأنّ المقصود من التأجيل التأخير، فلو لم يحمل على آخر السنة لا يحصل المقصود، ثم ينكر اليوم في قوله (لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك سَنَةً إلَّا يَوْمًا)، على خلاف التنكير في قوله: لا يقرب واحدة منهنّ لنسوته الأربع، لما أن شيوع اليوم في ذاك لا على طريق التّعميم، بل على طريق البدليّة، وصلاحيّة كلّ يوم لما استثناه؛ لأنّه نكرة في موضع الإثبات فيخصّ، بخلاف قوله واحدة، فإنّ ذلك على طريق التّعميم والشمول، بيان ذلك أن من كان تحته أربع نسوة فحلف، وقال: لا يقرب واحدة منهن، فهو مول منهنّ، فإن مضت أربعة أشهر بنّ جميعًا -في قول أبي حنيفة وأبي يوسف-، لما أنّه ذكر الواحدة منكرة في موضع النّفي؛ لأنّ القربان منفي والنكرة نعم.

стр. 1876

بخلاف النكرة في الإثبات، لما عرف من الفرق بين قوله: رأيت اليوم رجلاً، وبين قوله: ما رأيت اليوم رجلاً، لما أنّ معنى التنكير في محلّ النّفي لا يتحقق، إلا بالتّعميم ففيما ينبني على نفي القربان، وهو نوع الطّلاق عند مضي المدّة بنّ، ولهن جميعًا كلامه، وفيما يبنى على وجود القربان، وهو الكفارة يتناول كلامه إحداهن؛ فلهذا إذا قرب واحدة منهنّ لزمته الكفارة، وسقط الإيلاء عنهن؛ لأنّ اليمين لم يبق بعد تمام شرط الحنث. وهذا بخلاف قوله: أحديكنّ، حيث يصير مولياً من واحدة منهنّ في حقّ الطلاق والكفارة جميعًا، حتّى إذا تركهن، ولم يجامعهنّ أربعة أشهر بانت منهنّ واحدة لا بعينها، فإنّ معنى التعميم هناك لا يتحقق. ألا ترى أنّه لو قَرَن بكلامه حرف كلّ بأن قال: كل أحديكن لا يتناولهنّ جميعًا، ولو قال: كل واحدة منكنّ يتناولهنّ جميعًا، فكذلك بسبب التنكير في موضع النّفي -كذا في «المبسوط» - (١)، (لم يكن مولياً) لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْقُرْبَانُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ الْكُوفَةِ. فإن قلت: يشكل على هذا الأصل ما إذا حلف على أربعة نسوة لا يقربهنّ، فهو مول منهنّ إن تركهنّ جميعًا أربعة أشهر بن بالإيلاء عندناخلافاً لزفر مع أنَّ له أنْ يطأ كلّ واحدة منهنّ إلى أن يأتي الثّلاث منهنّ من غير شيء يلزمه، لما أن الحنث لا يتعلّق بأجزاء المحلوف قبل أن يأتي بالكلّ، كما لو حلف لا يدخل هذه إلا دور الأربع، له أن يدخل كلّ واحدة منها من غير حنث، ما لم يدخل الكلّ، ثم في مسألة الحلف على أربع نسوة بنفي القربان مول في الحال في حقّ كل واحدة منهنّ، علم أنّ إمكان القربان من غير شيء يلزمه لا يمنع صحّة الإيلاء. قلت: بل يمنع، وإنّما صار مولياً في تلك المسألة، مع إمكان القربان على ما ذكرت؛ لأنّ الحالف مضار متعنت في حقّ كلّ واحدة منهنّ يمنع حقّها في الجماع، فيكون مولياً من كلّ واحدة منهنّ، كما لو عقد يمينه على كلّ واحدة منهنّ على الانفراد، إلا أنّه لا يلزمه الكفارة بقربان بعضهنّ؛ لأنّ الكفّارة موجب الحنث فلا يجب ما لم يتم شرط الحنث، ولكن عند تمام الشّرط لا يكون وجوب الكفّارة بقربان الآخرة فقط بل بقربانهنّ جميعًا. فأمّا وقوع الطّلاق في الإيلاء فباعتبار البرّ، وذلك يتحقق في كلّ واحد منهنّ، فلهذا بنّ بمضي المدّة -كذا في «المبسوط» (٢) -.

стр. 1877

(وَلَوْ حَلَفَ بِحَجٍّ) بأن قال: قربتك فعلي حجّة البيع، موهوم فَلَا يَمْنَعُ الْمَانِعِيَّةَ فِيهِ، أي: في الإيلاء؛ ولأن البيع لا يتمّ به وحده، وربما لا يجد في المدّة مشترياً يشتريه منه، ولكن إن باع العبد سقط الإيلاء عنه؛ لأنّه صار بحال يملك قربانها من غير أن يلزمه شيء، فإن اشتراه لزمه الإيلاء من وقت الشّراء؛ لأنّه صار بحال لا يملك قربانها إلا بعتق يلزمه. ولو كان جامعها بعدما باعه ثمّ اشتراه لم يكن مولياً؛ لأنّ اليمين قد سقطت بوجود شرط الحنث بعد بيع العبد، وإن مات العبد قبل أن يبيعه سقط الإيلاء؛ لأنّه يتمكّن من قربانها بعد موت العبد من غير أن يلزمه شيء -كذا في «المبسوط» (١) -، وإن آلى من المطلّقة الرجعيّة كان مولياً. فإن قلت: تحقق الإيلاء لجزاء الظّلم الذي وجد من الزّوج يمنع حقها، فلذلك لم يثبت في حقّ الأمة، وثبت في حق المنكوحة، لما أنّ للمنكوحة ولاية المطالبة ديانة دون الأمة على ما مرّ، ثم المطلّقة الرجعيّة لا حق لها أصلاً في الجماع، لا قضاء ولا ديانة، ولهذا لم يكن لها ولاية المطالبة بذلك، حتّى أنّ المستحب للزّوج أن يراجعها بدون الجماع؛ لما مرّ فلم يكن الزّوج مانعًا حقّها، فلا يكون ظالمًا فينبغي أن لا يترتب عليه جزاء الظلم الذي هو تحقّق الإيلاء. قلت: قال الإمام العلامة مولانا شمس الأئمة الكردري (٢) -في جواب هذه الشبهة-: أن الحكم في المنصوص مضاف إلى النّص لا إلى المعنى، والمطلّقة الرجعيّة من نسائنا بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٣). والبعل هو الزّوج، فكانت المرأة من نسائه، فكان الحكم المرتّب على نساء الأزواج، بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٤) مرتباً على المطلقة الرجعة. ولو قال لأجنبيّة: والله لا أقربك، ثمّ تزوّجها لم يكن مولياً، هذا إذا لم يثبت الإيلاء في ضمن التّعليق بالملك. وأمّا إذا ثبت فيصحّ بأن قال لأجنبيّة: إنّ تزوّجتك فوالله لا أقربك، فتزوّجها، كان مولياً؛ لأنّه علّق الإيلاء بالتزوّج، والمعلّق بالشّرط عند وجود الشّرط كالمتّخذ لانعدام المحليّة؛ لأنّ المحلّ كون المرأة من نسائنا، فصار كبيع الحرّ، فصار باطلاً إذْ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةٌ فِي حَقِّهِ، أي: في حق الحنث؛ لأنّ اليمين تعمد تصوّر المحلوف عليه من الفعل حسًا ولا يعتمد حلّ ذلك الفعل وحرمته، بدليل أنّه ينعقد على ما هو حرام محض، بأن قال: والله لأشربنّ في هذا اليوم خمراً فمضى اليوم ولم يشرب حنث.

стр. 1878

وفي «المبسوط» ذكر مسألة، ثم قال: ولهذا يتبيّن أن أحد الحكمين غير معتبر بالآخر أراد بالحكمين الطّلاق بمضي مدّة الإيلاء والكفّارة بوجود الحنث، ألا ترى أنّه إذا قال: إذا جاء غد فوالله لا أقربك، ثم قال: ثانياً وثالثاً فجاء الغد، ينعقد ثلاث أيمان في حكم الكفّارة ومدة واحدة في حكم الطّلاق، فإنّ عند مضي أربعة أشهر يقع تطليقة باينة لا غير، كما لو لم تكرّروعلى عكس هذا، لو قال: كلّما دخلت الدّار فوالله لا أقربك، فدخل الدّار ثلاث مرّات في ثلاث أيّام، ينعقد ثلاث إيلاءات في حكم الطّلاقولو قربها يلزمه كفارة واحدة (١). ولو قال: والله لا أقربك إذا جاء غد، والله لا أقربك إذا جاء بعد غد، يصير مولياً عند الغد وبعد الغد -أيضاً- بإيلاء آخر، وهما يمينان في حق الكفارة بتعدّد اللّفظين وإيلاآن في حقّ البر بتعدّد المدّتين ومدّة إيلاء الأمة شهران. وقال الشّافعي (٢) ﵀: مدّتها كمدة إيلاء الحرّة، وهذا يبتنى على الأصل الذي ذكرنا، أن عند الخصم (٣) المدّة ضربت لإظهار الظّلم بمنع الحق في الجماع، والحرّة والأمة في ذلك سواء، وعندما شرعت أجلاً للبينونة، فشابهت مدّة العدّة فينتصف بالرق؛ لأنّه من حقوق النكاح -كذا في «الإيضاح» (٤) - وإنكان المولي مريضاً إلى آخره. فإن قيل: ينبغي أن لا يصحّ إيلاء المريض؛ لأنّ الحكم بوقوع الطّلاق عند انقضاء أربعة أشهر للحاجة إلى دفع الظلم منها؛ لأن الوقاع حق مستحق لها، وهو بالامتناع يصير ظالمًا ولا حق لها في الوقاع في حالة المرض، فلا يكون وهو ظالمًا بالامتناع بقوله: والله لا أقربك. قلنا: النصّ يقتضي صحّة الإيلاء من النساء مطلق غير مقيّد بوصف الصحّة، وفيما ذكر من التّعليل إبطال حكم النصّ والتّعليل بوجه يبطل حكم النصّ باطل؛ لأنّ الحكم في موضع النصّ ثابت بالنصّ لا بالعلّة -كذا ذكر شمس الأئمة السّرخسي في أوّل كتاب البيوع-؛ ولأنّ المرض قد يطول وقد يقصر فكان هو ظالمًا على تقدير أن يقصر مرضه من أربعة أشهر -إلى هذا أشار في «الفوائد الظهيرية» (٥) -.

стр. 1879

وإن كان المولي مريضاً، إلى أن قال: ففيؤه أن يقول بلسانه فئت إليها هذا إذا كان المولي مريضاً حين آلى، وتمّت أربعة أشهر وهو مريض، وكذلك إن اتّصل مرضه بالإيلاء معًا. وأمّا إذا كان صحيحًا بعد إيلائه مقدار ما يستطيع فيه أن يجامعها، ثم مرض بعد ذلك لم يكن فيه إلا بالجماع. وقال زفر ﵀ (١): ففئة باللّسان لتحقّق عجزه عن الجماع، والمعتبر عندنا آخر المدّة، كما لو كان واجدًا الماء في أوّل الوقت فلم يتوضأ حتى عدم الماء، جاز له أن يصلّي بالتيمم، ولكنّا نقول لما تمكّن من جماعها فقد تحقّق منه الإضرار والتعنّت بمنع حقّها في الجماع، فلا يكون رجوعه إلا بإيقاع حقّها في الجماع، فأمّا إذا كان مريضاً حتّى آلت، ثم صحّ قبل تمام أربعة أشهر لم يكن فيؤهإلا بالجماع، ويستوي إن كان فاء إليها في مرضه أو لم يف؛ لأنّه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل، فإنّ تمام المقصود بمضي المدّة. لأنّه لو كان لو كان فاء لكان حنثاً؛ لأنّ المتعلّق بالفيء حكمان، وجوب الكفّارة وامتناع حكم الفرقة، ثمّ الفيء باللّسان لا يعتبر في أحد الحكمين هو الكفارة، فكذلك في حكم الآخر. ولكنّا نقول الكفّارة تجب بالحنث، والحنث لا يتحقّق بالفيء باللّسان، فأمّا وقوع الطّلاق عند مضي المدّة فباعتبار معنى الإضرار والتعنّت، وذلك ينعدم بالفيء باللّسان عند العجز عن الفيء بالجماع، فكان الفيء بالجماع أصلاً باللّسان بدلاً منه؛ لأنّ الفيء عبارة عن الرّجوع، وإذا كان قادراً على الجماع، فإنّما قصد الإضرار بمنع حقها في الجماع، ففيؤه بالرجوع عن ذلك بأن يجامعها. وإن كان عاجزًا عن الجماع، فلم يكن قصده الإضرار بمنع حقها في الجماع فإنّه لا حق لها في الجماع في هذه الحالة، وإنّما قصده الإضرار بإيحاشها بلسانه ففيؤه بالرّجوع عن ذلك، بأن يرضيها بلسانه؛ لأن التوبة بحسب الجناية، ومذهبنا مرويّ عن عليّ وابن مسعود ﵄ (٢) -كذا في «المبسوط» (٣) -، وإذا قال لامرأته: أنت عليّ حرام إلى آخره، والألفاظ التي يقع بها الإيلاء ضربان (٤): صريح وكناية، فالصّريح نحو قوله: لا أقربك، لا أجامعك، لا أطؤك، لا أباضعك، لا أغتسلنّ منك من جنابة.

стр. 1880

أمّا الكناية: فقوله: لا أمسّك، لا آتيك، لا أدخل بك، لا اغتسال، لا يجمع رأسي ورأسها شيء، أو لا يضاجعها، أو لا يقرب فراشها، فما لم ينو لا يكون إيلاء -كذا في «الفتاوى الظهيريّة» (١) -. وإن آلى من امرأته، ثم قال لامرأة له أخرى: قد أغشاك في إيلاء هذه كان باطلاً؛ لأنّ الإشراك يغيّر حكم يمينه، فإنّه قبل الإشراك كان يحنث بقربان الأولى، وبعد الإشراك لا يحنث بقربان الأولى ما لم يقربها، كما لو قال: والله لا أقربكما، وهو لا يملك تغيير حكم اليمين مع بقائها، وبه فارق الظّهار؛ لأنّ إشراك الثّانية لا يغير حكم الظّهار في الأولى، هذا فيما إذا لم يقل للأولى بلفظ قوله: (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ). أمّا لو قال لامرأته أنت عليّ حرام، ثم قال لامرأة أخرى له: أشركتك معها، كان مولياً؛ لأنّ الإشراك منهما لا يغير موجب اليمين، فإنّه لو قال لهما: أنتما عليّ حرام، يصير مولياً من كلّ واحدة منهما، ويلزمه الكفّارة بوطء كلّ واحدة منهما، بخلاف قوله: والله لا أقربكما. والفقه فيه أنّ قوله: والله لا أقربكما، إنّما صار يمينًا موجباً للكفّارة، باعتبار هتك حرمة اسم الله تعالى بمباشرة الشّرط، وذلك لا يتحقق إلا بقربانها. أمّا قوله: أنتما عليّ حرام، إنّما صار إيلاءً باعتبار معنى التّحريم، وذلك موجود في حقّ كلّ واحدة منهما على حدة -كذا في «المبسوط» (٢)، و «المحيط» (٣)، و «الذّخيرة» (٤) -؛ لأنه نوى حقيقة كلامه؛ لأنّ امرأته حلال له. وقوله: أنت عليّ حرام كذب، وإرادة الكذب [من الكلام الكذب] حقيقة له. وذكر في «المحيط» (٥): وإن قال: نويت به الْكَذِبَ، فَهُوَ كَذِبٌ لَا حُكْمَ لَهُ، ويصدقه القاضي؛ لأنّه فسّر لفظه بما يقتضيه ظاهره، وهو نظير ما لو قال لامرأته: أنت حرة، وقال: أردت نعتها بالحريّة لا الطلاق، يدين في القضاء -هكذا ذكر شمس الأئمة الحلواني-، وقال شمس الأئمة السّرخسي ﵀: قالوا لا يصدق في القضاء (٦)؛ لأنّه يمين ظاهرٌ؛ لأنّه تحرم الحلال، وتحريم الحلال يمين، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٧) إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٨)، سمى الله تعالى تحريم الحلال يمينًا، وَهُوَ الرُّكْنُ فِيهِ، أي: التّشبيه ركن في الطّهارة.

стр. 1881

باب الخُلع (١) كان مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُلْحَق بِأبْوابِ الطّلاق (٢)، لِمَا أنّه طلاقٌ بِعِوَض بلفظ الخُلع، لكن لمّا كَاَنتْ فيه جِهة المُعاوضة (٣) خصوصاً في جانب المرأة تباعد عن حُكم الطلاق المُطْلَق، الذي هو إسقاطٌ مَحْضٌ، فَأَوْلَى الطلاق ما هو أقرب شَبهًا به وهو الطلاق بالإيلاء (٤)، ثم أَوْلى الطّلَاق بالإيلاء الخُلْع؛ لأنّ الخُلْعَ أقربُ شَبَهًا به مِن الظِّهَار (٥) واللِعَان (٦) مِن حيث الإباحة، فلذلك قَدّم الخُلع على الظِّهَار.

стр. 1882

ثم للخُلعِ تفسيرٌ لُغَوِيٌّ، وشَرْعِيٌّ، وشَرْطٌ (١)، وحُكمٌ (٢)، وصِفة (٣). أمّا لغةً: فإنّه يُقال خَالَعَت المَرْأَة زَوْجَها، واخْتَلعت منه إذا افتدت منه بمالها (٤)، فإذا أجابها الزوج إلى ذلك فطلّقها قِيل خَلَعَها، والاسم الخُلع بالضم، وإنما قِيل ذلك؛ لأنّ كُلاًّ منهما لِبَاسٌ لصاحبه، قال الله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (٥)، فإذا فَعَلا ذلك فكأنهما نَزَعا لِبَاسَهُما. وأمّا شرعًا فهو عِبارة عن أخذ مالٍ مِن المرأةِ بِإِزَاءِ (٦) مُلْك النِكاح (٧) بلفظِ الخُلع. وأمّا شَرْطُه [فَهُوَ] (٨) شَرْط الطَّلاق (٩). وأمّا حُكْمُه فوقوع الطَّلاق [الباَئِن] (١٠) (١١) عندنا، وانْفِسَاخُ (١٢) النِّكَاح عِند الشّافعيّ (١٣) (١٤).

стр. 1883

وأمّا صِفَتُه فَيَمين مِن جانب الزّوج ومُعَاوضة مِن جَانِب المرْأة عِندَ أبي حنيفة (١) ﵀ (٢) -، وأمّا عِندهُما (٣) فَيَمِين مِن الجَانِبَيْن على ما يَأتي بيان ثمرة الخلاف. (وَإِذَا تَشَاقَّ الزَّوْجَانِ) أي اختلفا وتَخَاصَما، مُشْتَق مِن الشِق وهو الجانب (٤)، وإنما سمّي به لأنّ كل واحد من المُتَشَاقَيْن يأخُذ شِقًّا خِلَافَ شِقِّ صَاحبه، وهذا/ ٣٦٠ أ/ كالتَخاصُم والتَعَادِي، فإن كل واحد من المُتَخَاصِمَيْن والمُتَعَادِيِيْن يَأْخُذ خَصْمَاً، وهو الجانب وعَدُوّه وهي جانب الوادي خلاف جانب صاحبه. (وَخَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) أي ما يَلْزَمَهُمَا مِنْ مَوَاجِب الزَّوْجِيّة. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٥)، أي فلا جُنَاحَ على الرَّجُل فِيما أخَذَ، و] لا (٦) على المرأة فيما أَعْطَت. سمّى الله تعالى ما أعطته فِدَاءً مِنْ فَداهُ مِنْ الأَسْرِ [اسْتَنْقَذَه] (٧)، لَِما أنّ النِسَاءَ عَوَانٌ (٨) عند الأزواج بالحديث (٩)، فكانَ المال الذي يُعْطَى في تَخْلِيصِهِنَّ فِدَاءً.

стр. 1884

(فَإِذَا فَعَلَا ذَلِكَ وَقَعَ بِالْخُلْعِ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ)، وهذا عِندَنَا (١)، وفي أَحَدِ قَوْلَي الشّافعيّ ﵀: هُوَ فَسْخ (٢)، وهو مَرْوِيٌ عن ابن عباس (٣) ﵄ (٤)، وقدْ رُوِيَ رُجُوعه إلى قَولِ عَامة الصَّحَابة (٥)، واسْتَدلَّ الشَّافعيّ ﵀ بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٦)، إلى قَوْلهِ: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٧)، إلى قوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ (٨)، فلو جَعَلْنا الخُلْعَ طَلاقاً صَارت التَطْلِيقات أرْبعًا في سِيَاقِ هَذِه الآية، ولا يَكُون الطّلَاق أكثرَ مِن ثلاث، ولأن النِّكاح عَقْدٌ مُحْتَمِلٌ للفَسْخ، حَتّى يُفْسَخ بِخِيَارِ عَدَم الكَفَاءَة، وخِيَار العِتْق (٩) وخِيَار البُلُوغ عِنْدَكم، فَيَحْتَمِل الفَسْخ بِالتّراضي -أيْضَاً- وذلك بالخُلْع كالبيع (١٠).

стр. 1885

ولنا ما رُوُيَ عَنْ عُمر (١) ﵁ وعَليّ وابن مَسْعود (٢) ﵃ مَوْقُوفاً عَلَيْهم ومَرْفوعًا إلى رسول الله ﵇: «الْخُلْعُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ» (٣)، والمعنى فيه أن النِّكاح لا يَحْتَمل الفَسْخَ بعد تمامه. ألا تَرى أنّه لا يَنْفَسِخ بالهلاكِ قَبْل التَّسْلِيم، وأنّ المُلك الثَّابِت به ضَروريّ لا يَظْهَر إلاَّ في حَقِّ الاستيفاء، وقد بَيّنا أنّ الفَسْخَ بسبب عدم الكفاءة فسخ قبل التّمام، فكان في معنى الامتناع عن الإتمام، كذلك في خيار العتق والبلوغ. فأما الخُلع فيكونُ بعدَ تمَام العقد، والنّكاح لا يَحْتمل الفَسْخ بعد تمامه، ولكن يحتمل القطع في الحال، فيجعل لفظ الخلع عبارة عن رفع القيد في الحال. وأمّا الآية فقد ذكر الله تعالى التطليقة الثالثة بعوض وبغير عوض، فبهذا لا يصير الطلاق أربعًا، وفائدة الاختلاف أنّه لو خالعها بعد التطليقتين عندنا لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره، وعنده له أن يتزوجها (٤).

стр. 1886

"وَالْوَاقِعُ بِالْكِنَايَةِ (١) بَائِنٌ"، أي سوى الألفاظ الثلاثة، وهي اعتدّي (٢)، واستبري (٣)، وأنت واحدة. "إلَّا أَنْ ذِكْرَ الْمَالِ أَغْنَى عَنْ النِّيَّةِ"، هذا استثناء من قوله: "حَتَّى صَارَ مِنْ الْكِنَايَاتِ"، على تقدير جواب سؤال يرد على المستثنى منه، بأن يقال: لو كان لفظ الخلع من الكنايات لاحتيج إلى النية كما في سائر الكنايات. وأجاب عنه بهذا [أوقال] (٤): نعم كذلك، إلا أنّ جانب الطلاق يتعين عند قِرَان ما يعيّنه من ألفاظ الكنايات، كالنية، ومذاكرة الطلاق، وفي الخُلع صار قبول المال الذي أعطته بمقابلة فداء نفسها، معينًا لجانب الطلاق، فلم يُحْتَجْ لذلك إلى النية، كما في قوله أنتِ بائن، عند مذاكرة الطلاق لا يحتاج إلى النية. وذكر في «الذخيرة» (٥): فإذا خالع الرجل امرأته ثم قال لم أنو به الطلاق، فإن لم يذكر بدلاً صُدّق ديانة وقضاء، وإن ذكر بدلاً بأن قال لها مثلاً خالعتُك على ألف درهم ثم قال [لم] (٦) أعني به الطلاق لا يُصدَّق (٧).

стр. 1887

(وَإِنْ كَانَ النُّشُوزُ (١) مِنْ قِبَلِهِ)، يُقال نَشَزَت المرأة على زوجها، فهي نَاشِزَة، إذا اسْتَعْصَت عليه وأبغضته، وعن الزّجّاج (٢): النشوز يكون من الزوجين، وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه (٣). ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ (٤)، أي استبدال زوجة مكان زوجة، إلى أن قال: ﴿قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (٥). فإن قلت: النهي ورد في الأفعال الحسية، وهي الأخذ؛ وذلك لأن عرفانه غير متوقف إلى ورود الشرع، وهو الفارق بين الحسّية والشّرعية، ثم هو مؤكّد بتأكيدات وهي قوله ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (٦) الآية، ومجرّد النهي في الأفعال الحسّية من غيرِ تأكيد يقتضي عدم مشروعية المنهي عنه، فكيف بالمُؤكّدات. ثم ذكر جواز الأخذ في هذه الصورة مع الكراهة (٧)، وهذا الأصل الذي ذكرته يقتضي عدم مشروعية الأخذ من كل وجه، فما وجه التقصّي عن هذا السؤال؟.

стр. 1888

قلت: وجهه هو أن هذه الآية - وإن اقتضت عدم المشروعية على ما ذكرت، و [الآية الأخرى] (١) ناصّة بحكمها - تقتضي عدم الحرمة (٢) والكراهة/ ٣٦٠ ب/ من كلّ وجه، وهي قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٣)، وهذه الآية بإطلاقها [تقتضي] (٤) إباحةَ الأخذ من كلِ وجه، فبرزت من معارضتهما الكراهة، لأن الكراهة مع أصل الجواز موجب مثل هذه المعارضة، ولأنّ المرأة تصرفت في مالها بالدّفع إلى زوجها باختيارها من غير إكراه، فمن أين يثبت عدم مشروعية الأخذ وهذا النهي وإن ورد في الأفعال الحسيّة ولكن هو لمعنى في غيره، وهو زيادة الإيحاش (٥)، فلا يعدم المشروعية في نفسه، كما في قوله ﵇: «لا تتخذوا دوابكم كراسيَّ» (٦)، وإلى هذا أشار في الكتاب بقوله: وقد ترك في حق الإباحة لمعارض، فيبقى معمولاً في الباقي، وهو الجواز مع الكراهة، كما في سؤر الهرة. وذكر الإمام المحبوبي (٧) ﵀ وعند نفاة القياس (٨) وهم أصحاب الظواهر (٩): لا يجب المال إذا كان النشوز من قبل الزوج، قلّ ذلك أو أكثر، بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ (١٠) إلى أن قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (١١) والاعتداء ظلم، والمال لا يجب بالظلم، ولكنا نستدل بما روينا من الآثار، وتأويل الآية في الحلّ والحرمة لا في منع وجوب المال وتملّكه.

стр. 1889

قوله ﵀ لِإِطْلَاقِ مَا تَلَوْنَا بَدْءًا، أي أولاً، وهو إشارة إلى قوله ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١)، ولأن اختيار الخلع أمر مكروه، قال النبي ﵇ في المختلعات: «هن اللعينات هن المنافقات» (٢)، فأطلقنا الزيادة رجاء أن يصدها عن ذلك إذا كان النشوز منها، وكرهنا الكلّ عند نشوزه، ولعلّه يصدُّه عن ذلك؛ لأنّ النبي ﵇ قال: «لعن الله كل ذواق مطلاق» (٣). ووجه إطلاق الزيادة إذا كان النشوز من قبلها، أيضاً ما روي أن امرأة ناشزة أُتي بها إلى عمر ﵁ فحبسها في مزبلة (٤) ثلاثة أيام، ثم دعاها فقال: كيف وجدت مبيتك، فقالت: ما بت ليلة هي أقر لعيني من هذه الليالي، لأني لم أره، فقال عمر: وهل يكون النشوز إلا هكذا، اخلعها ولو بقرطها (٥). (٦) قال قتادة: يعني بجميع ما تملك هي، كذا ذكره الإمام الكشاني (٧)، والإمام المحبوبي

стр. 1890

- رحمهما الله - (١). ووجه الرواية الأخرى، قوله ﵇ في امرأة ثابت بن قيس (٢) إلى آخره، روي أن جميلة بنت سلول (٣) كانت تحت ثابت بن قيس، فجاءت إلى رسول الله ﵇ فقالت: لا أعيب على ثابت في دِين ولا خلق، ولكني أخشى الكفر في الإسلام لشدة بغضي إيّاه، فقال ﵇: «أتردين عليه حديقته»، فقالت: نعم وزيادة، فقال: «أما الزيادة فلا» (٤)، عُلم أن أخذ الزيادة لا يجوز. فإن قيل: هذا الحديث معارض بقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٥)، ومن شرط قبول خبر الواحد عدم معارضة الكتاب، قلنا: النص إذا خُصّ منه شيء أو عُورض بنص آخر مثله خرج عن كونه قطعيًّا، ثم هذا الحديث إن كان مخالفاً في حق الزيادة لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٦)، فهو موافق لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٧)، فكان هو في الحقيقة معارضة الكتاب للكتاب، لا معارضة خبر الواحد للكتاب، فجاز التمسك به، لأنّه موافق لأحد النصين؛ لأن مقتضى ما تلوناه إشارة إلى قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (٨) شيئان: أحدهما جواز أخذ الزيادة حكمًا أي شرعًا، والثاني إباحة أخذ الزيادة. فإن قلت: الجواز والإباحة عبارتان عن معبر واحد، [و] (٩) شيئان لا ينفكان، [فأينما] (١٠) أريد أحدهما أريد معه الآخر، لأنّه لا جواز لشيء بدون الإباحة، ولا إباحة لشيء بدون الجواز فكيف يصح؟.

стр. 1891

قوله: شَيْئَانِ، وكيف يصح [حينئذ] (١)؟. قوله: وَقَدْ تُرِكَ الْعَمَلُ فِي حَقِّ الْإِبَاحَةِ لِمُعَارِضٍ فَبَقِيَ مَعْمُولًا فِي الْبَاقِي، معنى الجواز. قلت: لا، بل هما شيئان مختلفان، ألا ترى أنّ ضد الإباحة الكراهة، وضدّ الجواز الحرمة، فبضدها تتبيّن الأشياء، وأمّا قولك فإنهما شيئان لا ينفكان، قلنا بل هما ينفكان. ألا ترى أن البيع وقت النداء جائز وليس بمباح (٢)؛ وذلك لأنّ الإباحة لمّا كانت عبارة عن عدم الكراهة، احتمل أن يكون الشيء جائزاً مع الكراهة، التي هي ضدّ الإباحة، وهذا كثير النظير، فإن جميع صور النهي في الأفعال الشرعية كذلك، كصوم يوم النحر، وغيره، ثم النهي ههنا وهو/ ٣٦١ أ/ نهى النبي ﵇ عن أخذ الزيادة، وَرَدَ لمعنى في غيره، وهو زيادة الإيحاش بأخذ المال، مع إيحاش الفراق، إذْ الحُكم الشّرعي يدور مع الدليل، وهو الفراق ههنا، وإن كان هو مطلوب المرأة في هذه الصورة. وإنّما قلنا إنّ النهي لم يكن لمعنى في عينه، لأنّ المرأة تصرفت في مالها بالدّفع إلى زوجها باختيارها من غير إكراه، وكان مشروعًا في نفسه، والنهي إذا كان [لمعنى] (٣) في غيره لا يعدم المشروعية، فلذلك لم يكن حديث النهي عن أخذ الزيادة متعرِّضًا للجواز، فبقي مقتضى قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (٤) معمولاً في الجواز، وهو معنى قوله، فبقي معمولاً في الباقي أي في الجواز، والمراد من قوله: لِمُعَارِضٍ هو قوله ﵇: «أما الزيادة فلا». (وَإِنْ طَلَّقَهَا عَلَى مَالٍ فَقَبِلَتْ وَقَعَ الطَّلاقُ)، صورة المسألة ما إذا قال لامرأته: أنت طالق بألف أو على ألف، وأما إذا قال لها: أنت طالق وعليك ألف درهم، فقبلت، يقع الطلاق، ولا يلزمها المال - عند أبي حنيفة - (٥) على ما يجيء إن شاء الله، وقد علّقه بقبولها. فإن قلت: لا يُسلم أنّه علّقه بقبولها، فإنّ قوله: طلقتك على ألف، يحتمل أن يكون معناه على ألف تؤدّينه، فكان معلّقًا بالأداء، ويحتمل أن يكون معناه على ألف تقبلين أداءه، فكان معلّقًا بالقبول، فمن أين ترجح جانب القبول على جانب الأداء ههنا.

стр. 1892

قلت: إنّما ترجح تعليق جانب القبول ههنا على جانب الأداء، بدلالة ذكره في مقام المعاوضة، وفي المعاوضات يتعلّق الحكم بالقبول [دون] (١) الأداء، [فلو قلنا بتعليقه بالأداء] (٢) كانت كلمة على للشرط المحض، وهي إنّما كانت لذلك في غير المعاوضات، كما في قوله: أنت طالق على أن تدخلي الدار، كان الدخول شرطًا محضاً على ما يجيء كالقصاص. فإن القصاص وإن كان هو ليس بمال، جاز أخذ العوض عنه، فكذا هنا، وكان الطلاق بائنًا لما بيّنا وهو الحديث المذكور. [وقوله:] (٣) وَلِأَنَّهَا لَا تُسْلِمُ الْمَالَ إلَّا لِتَسْلَمَ لَهَا نَفْسُهَا، وإن بطل العوض في الطّلاق كان رجعيًّا (٤)، ولهذا لا يكتفي لانتقاض هذا الأصل في غير المدخول بها، ولانتقاضه فيما إذا كان لفظ الطلاق في الثالثة، وعن هذين النقيضين احترز في «المبسوط» (٥) بقوله: وكلّ تطليقة أو تطليقتين بجُعل (٦)، أبطل الجعل وأمضى فيه الطّلاق، فالطّلاق رجعي إذا كان قد دخل بها (٧). كان العامل في الأوّل لفظ الخلع، وهو كناية (٨) وبهذا لا يكتفي، بل يجب أن يقال: وهو كناية، ولها دلالة على قطع الوصلة؛ لأنّه مشتق من خلعت الخف، إذا نزعته وأزلت عنك. وإنّما احتيج إلى هذا التأويل (٩)، لأن من الكنايات ما هو رجعي، مثل اعتدي، واستبري، وأنت واحدة، بخلاف ما إذا خالع على خلع بعينه، فظهر خمراً (١٠)، فعلى قول أبي حنيفة ﵀ عليها أن تردّ المهر (١١) المأخوذ.

стр. 1893

وعلى قول أبي يوسف (١) ومحمد (٢) -رحمهما الله- (٣)، قيل مثل ذلك من حلّ وسط، وهذا والصّداق سواء، وبخلاف ما إذا كاتب أو أعتق على خمر، حيث تقع الكتابة (٤) فاسدة، ومع ذلك لو أدّى عَتُقَ؛ لأنّ فيها معنى تعليق العتق بأداء المسمّى، وعلى العبد (٥) قيمته؛ لأنّ ملك المولى (٦) فيه متقوّم، بخلاف ملك الزّوج على المرأة، فإنّه غير متقوّم، ألا ترى أنّ العبد لو غصب (٧)، يجب القيمة على الغاصب، والمنكوحة لو غصبت، لا يجب على الغاصب شيء، كذا في «المبسوط» (٨) وجامع التمرتاشي (٩).

стр. 1894

وإنّما قيد قوله بخلاف ما إذا كاتب على خمر بالخمر، فإنّه لو كاتب عبده على ميتة (١) أو دم فإنّ الكتابة هناك باطلة، حتّى لو أدّى لا يعتق، ولا تجب القيمة، كذا ذكره الإمام الإسبيجاني (٢) ﵀ (٣). فأمّا الإسقاط فنفسه شرف، أي تتشرف المرأة، حيث تعود مالكة على نفسها من كلّ وجه كما كانت، فلذلك لم يجب على الزوج شيء. بخلاف النكاح، فإنّه يجب عليه المهر (٤)؛ لأنّ في النكاح استيلاء على محلّ محترم، فيجب المال بمقابلة الاستيلاء، ثم الدّليل أيضاً على أنّ البضع (٥) عند الدخول في مِلْك الزّوج متقوم، وعند الخروج عنه ليس بمتقوّم، تزوّج المريض وخلع المريضة، فإن المريض إذا تزوّج امرأةً بمهر مثلها، أن ذلك جائز من جميع المال، وخلع المريضة يعتبر من الثلث. (وما جاز أن يكون مهراً جاز أن يكون بدلاً في الخلع)، وإنّما لم يذكر عكسه حيث لم يقل: وكل ما لا يجوز/ ٣٦١ ب/ أن يكون مهراً لا يجوز أن يكون بدلاً في الخلع، فإن ذلك غير مستقيم؛ لأنّ من الأشياء ما هو غير صالح [للمهر، فهو صالح] (٦) لبدل الخلع، وهذا -أيضاً- ينزع إلى ما ذكرنا من أن البضع متقوم حالة الدخول دون الخروج. وقد ذكر في «المبسوط» وإن اختلعت منه بما في بطن جاريتها (٧)، أو على ما في بطون غنمها، فهو جائز، وله ما في بطونها بخلاف الصداق، فإنّه في مثله يجب مهر المثل لها؛ لأنّه ما في البطن ليس بمال متقوم في الحال، ولكن باعتبار المآل هو مال بعد الانفصال، إلا أن أحد العوضين - وهو النكاح في باب النكاح - لا يحتمل التعليق بالشرط، فكذلك العوض الآخر فلا يمكن تصحيح التسمية في الحال؛ لأنّ المسمّى ليس بمال ولا باعتبار المآل، لأنّه في معنى الإضافة (٨) أو التعليق بالانفصال، فكان لها مهر مثلها، فأمّا الخلع فأحد العوضين، وهو الطّلاق، يحتمل الإضافة والتعليق بالشرط، فكذلك العوض الآخر، فأمكن تصحيح تسمية ما في البطن باعتبار المآل، وهو ما بعد الانفصال، وإذا صحّت التسمية فله المسمّى، وإن لم يكن في بطونها شيء فلا شيء له، لأنّها ما غرته (٩)، فما في البطن قد يكون مالاً متقومًا، وقد يكون غير ذلك، من ريحٍ أو ولد ميت، والرجوع عليها بما أعطاها بحكم الغرور، وما حدث في بطونها بعد الخلع، فهو للمرأة، لأنّها سمّت الموجود في البطن عند الخلع، فلا يتناول ما يحدث بعد ذلك، بل الحادث نماء ملكها، فيكون لها (١٠).

стр. 1895

لأنّها لم تغره بتسمية المال؛ لأن كلمة ما عامة، بتناول المال وغير المال، فلم تكن غارة بتسمية المال. وذكر في «المبسوط» وإن اختلعت بما في بيتها من شيء فهو جائز، وكل ما في البيت في تلك السّاعة فهو له، لأنّ بالإشارة إلى المحل تنقطع المنازعة (١) بينهما بسبب الجهالة، وإن لم يكن فيه شيء فلا شيء له عليها، لأنّها لم تغر الزوج بتسمية الشيء، فإنه ينطبق على ما لا قيمة له، فلذلك لا يلزمها شيء (٢). بخلاف ما إذا اختلعت على ما في بيتها من متاع، فله ما فيه، وإن لم يكن فيه شيء رجع عليها بالمهر الذي أخذت منه؛ لأنّها غرته بتسمية المتاع، فإنه اسم لما يكون متقوّمًا منتفعًا به، فإذا لم يجد في البيت شيئاً كان مغروراً من جهتها، وللمغرور دفع الضرر عن نفسه بالرجوع على الغارّ، ولا يمكن إثبات الرجوع بقيمة المتاع، لكونه مجهول الجنس والقدر، ولا بقيمة البِضْع، لأنّه عند الخروج من مِلك الزّوج غير متقوّم، فإنّه لا يُمَلّكُها شيئاً، وإنما يسقط حقه عنها، فكان أولى الأشياء ما ساق إليها من الصّدَاق، فإن الضّرر يندفع عنه بالرجوع بذلك، وهذا هو المراد بقوله: فَتَعَيَّنَ إيجَابُ مَا قَامَ بِهِ عَلَى الزَّوْجِ، أي الذي قام به القائم، أي العقد به، أي بذلك المال وهو الصداق على الزوج. قوله ﵀: وَلَا وَجْهَ إلَى إيجَابِ [الْمُسَمَّى، أي] (٣) إيجاب ما سمته المرأة، وهو المال، ولو قالت: خالعني على ما في يدي من دراهم، أو من الدّراهم، فإن كانت في يدها ثلاثة دراهم أو أكثر فله ذلك، وإن لم يكن في يدها شيء، فله ثلاثة دراهم، لأنّها سمت جمع الدراهم، وأدنى الجمع المتفق عليه ثلاثة دراهم، وليس لأقصى الجمع نهاية، فأوجبنا الأدنى، وإن كان في يدها درهمان تؤمر بإتمام ثلاثة دراهم له، لأنّها فيما التزمت ذكرت لفظ الجمع، وفي المثنى معنى الجمع، وليس بجمع مطلق، فإنّ التثنية غير الجمع. بخلاف الصداق في هذه الصورة، حيث يكون لها مهر المثل، لأنّ الزوج يملك عليها ما هو متقوم، فلها أن لا ترضى بالأدنى، وهنا الزّوج لا يملكها شيئاً متقوّمًا، فيتعيّن الأدنى، وكذا لو قالت على ما في يدي من الدنانير (٤) والفلوس (٥)، وكذا جميع الأشياء، كالحيوان، والثياب، وغيرها، لأنّها تثبت دينًا (٦) في الذمة [بالخلع]. (٧)
следующие страницы →