← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

قوله: شَيْئَانِ، وكيف يصح [حينئذ] (١)؟. قوله: وَقَدْ تُرِكَ الْعَمَلُ فِي حَقِّ الْإِبَاحَةِ لِمُعَارِضٍ فَبَقِيَ مَعْمُولًا فِي الْبَاقِي، معنى الجواز. قلت: لا، بل هما شيئان مختلفان، ألا ترى أنّ ضد الإباحة الكراهة، وضدّ الجواز الحرمة، فبضدها تتبيّن الأشياء، وأمّا قولك فإنهما شيئان لا ينفكان، قلنا بل هما ينفكان. ألا ترى أن البيع وقت النداء جائز وليس بمباح (٢)؛ وذلك لأنّ الإباحة لمّا كانت عبارة عن عدم الكراهة، احتمل أن يكون الشيء جائزاً مع الكراهة، التي هي ضدّ الإباحة، وهذا كثير النظير، فإن جميع صور النهي في الأفعال الشرعية كذلك، كصوم يوم النحر، وغيره، ثم النهي ههنا وهو/ ٣٦١ أ/ نهى النبي ﵇ عن أخذ الزيادة، وَرَدَ لمعنى في غيره، وهو زيادة الإيحاش بأخذ المال، مع إيحاش الفراق، إذْ الحُكم الشّرعي يدور مع الدليل، وهو الفراق ههنا، وإن كان هو مطلوب المرأة في هذه الصورة. وإنّما قلنا إنّ النهي لم يكن لمعنى في عينه، لأنّ المرأة تصرفت في مالها بالدّفع إلى زوجها باختيارها من غير إكراه، وكان مشروعًا في نفسه، والنهي إذا كان [لمعنى] (٣) في غيره لا يعدم المشروعية، فلذلك لم يكن حديث النهي عن أخذ الزيادة متعرِّضًا للجواز، فبقي مقتضى قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (٤) معمولاً في الجواز، وهو معنى قوله، فبقي معمولاً في الباقي أي في الجواز، والمراد من قوله: لِمُعَارِضٍ هو قوله ﵇: «أما الزيادة فلا». (وَإِنْ طَلَّقَهَا عَلَى مَالٍ فَقَبِلَتْ وَقَعَ الطَّلاقُ)، صورة المسألة ما إذا قال لامرأته: أنت طالق بألف أو على ألف، وأما إذا قال لها: أنت طالق وعليك ألف درهم، فقبلت، يقع الطلاق، ولا يلزمها المال - عند أبي حنيفة - (٥) على ما يجيء إن شاء الله، وقد علّقه بقبولها. فإن قلت: لا يُسلم أنّه علّقه بقبولها، فإنّ قوله: طلقتك على ألف، يحتمل أن يكون معناه على ألف تؤدّينه، فكان معلّقًا بالأداء، ويحتمل أن يكون معناه على ألف تقبلين أداءه، فكان معلّقًا بالقبول، فمن أين ترجح جانب القبول على جانب الأداء ههنا.

стр. 1892

قلت: إنّما ترجح تعليق جانب القبول ههنا على جانب الأداء، بدلالة ذكره في مقام المعاوضة، وفي المعاوضات يتعلّق الحكم بالقبول [دون] (١) الأداء، [فلو قلنا بتعليقه بالأداء] (٢) كانت كلمة على للشرط المحض، وهي إنّما كانت لذلك في غير المعاوضات، كما في قوله: أنت طالق على أن تدخلي الدار، كان الدخول شرطًا محضاً على ما يجيء كالقصاص. فإن القصاص وإن كان هو ليس بمال، جاز أخذ العوض عنه، فكذا هنا، وكان الطلاق بائنًا لما بيّنا وهو الحديث المذكور. [وقوله:] (٣) وَلِأَنَّهَا لَا تُسْلِمُ الْمَالَ إلَّا لِتَسْلَمَ لَهَا نَفْسُهَا، وإن بطل العوض في الطّلاق كان رجعيًّا (٤)، ولهذا لا يكتفي لانتقاض هذا الأصل في غير المدخول بها، ولانتقاضه فيما إذا كان لفظ الطلاق في الثالثة، وعن هذين النقيضين احترز في «المبسوط» (٥) بقوله: وكلّ تطليقة أو تطليقتين بجُعل (٦)، أبطل الجعل وأمضى فيه الطّلاق، فالطّلاق رجعي إذا كان قد دخل بها (٧). كان العامل في الأوّل لفظ الخلع، وهو كناية (٨) وبهذا لا يكتفي، بل يجب أن يقال: وهو كناية، ولها دلالة على قطع الوصلة؛ لأنّه مشتق من خلعت الخف، إذا نزعته وأزلت عنك. وإنّما احتيج إلى هذا التأويل (٩)، لأن من الكنايات ما هو رجعي، مثل اعتدي، واستبري، وأنت واحدة، بخلاف ما إذا خالع على خلع بعينه، فظهر خمراً (١٠)، فعلى قول أبي حنيفة ﵀ عليها أن تردّ المهر (١١) المأخوذ.

стр. 1893

وعلى قول أبي يوسف (١) ومحمد (٢) -رحمهما الله- (٣)، قيل مثل ذلك من حلّ وسط، وهذا والصّداق سواء، وبخلاف ما إذا كاتب أو أعتق على خمر، حيث تقع الكتابة (٤) فاسدة، ومع ذلك لو أدّى عَتُقَ؛ لأنّ فيها معنى تعليق العتق بأداء المسمّى، وعلى العبد (٥) قيمته؛ لأنّ ملك المولى (٦) فيه متقوّم، بخلاف ملك الزّوج على المرأة، فإنّه غير متقوّم، ألا ترى أنّ العبد لو غصب (٧)، يجب القيمة على الغاصب، والمنكوحة لو غصبت، لا يجب على الغاصب شيء، كذا في «المبسوط» (٨) وجامع التمرتاشي (٩).

стр. 1894

وإنّما قيد قوله بخلاف ما إذا كاتب على خمر بالخمر، فإنّه لو كاتب عبده على ميتة (١) أو دم فإنّ الكتابة هناك باطلة، حتّى لو أدّى لا يعتق، ولا تجب القيمة، كذا ذكره الإمام الإسبيجاني (٢) ﵀ (٣). فأمّا الإسقاط فنفسه شرف، أي تتشرف المرأة، حيث تعود مالكة على نفسها من كلّ وجه كما كانت، فلذلك لم يجب على الزوج شيء. بخلاف النكاح، فإنّه يجب عليه المهر (٤)؛ لأنّ في النكاح استيلاء على محلّ محترم، فيجب المال بمقابلة الاستيلاء، ثم الدّليل أيضاً على أنّ البضع (٥) عند الدخول في مِلْك الزّوج متقوم، وعند الخروج عنه ليس بمتقوّم، تزوّج المريض وخلع المريضة، فإن المريض إذا تزوّج امرأةً بمهر مثلها، أن ذلك جائز من جميع المال، وخلع المريضة يعتبر من الثلث. (وما جاز أن يكون مهراً جاز أن يكون بدلاً في الخلع)، وإنّما لم يذكر عكسه حيث لم يقل: وكل ما لا يجوز/ ٣٦١ ب/ أن يكون مهراً لا يجوز أن يكون بدلاً في الخلع، فإن ذلك غير مستقيم؛ لأنّ من الأشياء ما هو غير صالح [للمهر، فهو صالح] (٦) لبدل الخلع، وهذا -أيضاً- ينزع إلى ما ذكرنا من أن البضع متقوم حالة الدخول دون الخروج. وقد ذكر في «المبسوط» وإن اختلعت منه بما في بطن جاريتها (٧)، أو على ما في بطون غنمها، فهو جائز، وله ما في بطونها بخلاف الصداق، فإنّه في مثله يجب مهر المثل لها؛ لأنّه ما في البطن ليس بمال متقوم في الحال، ولكن باعتبار المآل هو مال بعد الانفصال، إلا أن أحد العوضين - وهو النكاح في باب النكاح - لا يحتمل التعليق بالشرط، فكذلك العوض الآخر فلا يمكن تصحيح التسمية في الحال؛ لأنّ المسمّى ليس بمال ولا باعتبار المآل، لأنّه في معنى الإضافة (٨) أو التعليق بالانفصال، فكان لها مهر مثلها، فأمّا الخلع فأحد العوضين، وهو الطّلاق، يحتمل الإضافة والتعليق بالشرط، فكذلك العوض الآخر، فأمكن تصحيح تسمية ما في البطن باعتبار المآل، وهو ما بعد الانفصال، وإذا صحّت التسمية فله المسمّى، وإن لم يكن في بطونها شيء فلا شيء له، لأنّها ما غرته (٩)، فما في البطن قد يكون مالاً متقومًا، وقد يكون غير ذلك، من ريحٍ أو ولد ميت، والرجوع عليها بما أعطاها بحكم الغرور، وما حدث في بطونها بعد الخلع، فهو للمرأة، لأنّها سمّت الموجود في البطن عند الخلع، فلا يتناول ما يحدث بعد ذلك، بل الحادث نماء ملكها، فيكون لها (١٠).

стр. 1895

لأنّها لم تغره بتسمية المال؛ لأن كلمة ما عامة، بتناول المال وغير المال، فلم تكن غارة بتسمية المال. وذكر في «المبسوط» وإن اختلعت بما في بيتها من شيء فهو جائز، وكل ما في البيت في تلك السّاعة فهو له، لأنّ بالإشارة إلى المحل تنقطع المنازعة (١) بينهما بسبب الجهالة، وإن لم يكن فيه شيء فلا شيء له عليها، لأنّها لم تغر الزوج بتسمية الشيء، فإنه ينطبق على ما لا قيمة له، فلذلك لا يلزمها شيء (٢). بخلاف ما إذا اختلعت على ما في بيتها من متاع، فله ما فيه، وإن لم يكن فيه شيء رجع عليها بالمهر الذي أخذت منه؛ لأنّها غرته بتسمية المتاع، فإنه اسم لما يكون متقوّمًا منتفعًا به، فإذا لم يجد في البيت شيئاً كان مغروراً من جهتها، وللمغرور دفع الضرر عن نفسه بالرجوع على الغارّ، ولا يمكن إثبات الرجوع بقيمة المتاع، لكونه مجهول الجنس والقدر، ولا بقيمة البِضْع، لأنّه عند الخروج من مِلك الزّوج غير متقوّم، فإنّه لا يُمَلّكُها شيئاً، وإنما يسقط حقه عنها، فكان أولى الأشياء ما ساق إليها من الصّدَاق، فإن الضّرر يندفع عنه بالرجوع بذلك، وهذا هو المراد بقوله: فَتَعَيَّنَ إيجَابُ مَا قَامَ بِهِ عَلَى الزَّوْجِ، أي الذي قام به القائم، أي العقد به، أي بذلك المال وهو الصداق على الزوج. قوله ﵀: وَلَا وَجْهَ إلَى إيجَابِ [الْمُسَمَّى، أي] (٣) إيجاب ما سمته المرأة، وهو المال، ولو قالت: خالعني على ما في يدي من دراهم، أو من الدّراهم، فإن كانت في يدها ثلاثة دراهم أو أكثر فله ذلك، وإن لم يكن في يدها شيء، فله ثلاثة دراهم، لأنّها سمت جمع الدراهم، وأدنى الجمع المتفق عليه ثلاثة دراهم، وليس لأقصى الجمع نهاية، فأوجبنا الأدنى، وإن كان في يدها درهمان تؤمر بإتمام ثلاثة دراهم له، لأنّها فيما التزمت ذكرت لفظ الجمع، وفي المثنى معنى الجمع، وليس بجمع مطلق، فإنّ التثنية غير الجمع. بخلاف الصداق في هذه الصورة، حيث يكون لها مهر المثل، لأنّ الزوج يملك عليها ما هو متقوم، فلها أن لا ترضى بالأدنى، وهنا الزّوج لا يملكها شيئاً متقوّمًا، فيتعيّن الأدنى، وكذا لو قالت على ما في يدي من الدنانير (٤) والفلوس (٥)، وكذا جميع الأشياء، كالحيوان، والثياب، وغيرها، لأنّها تثبت دينًا (٦) في الذمة [بالخلع]. (٧)

стр. 1896

فإن قيل: ففيما إذا كان في يدها درهمان، وذكرت في كلامها حرف من، وهو للتبعيض، والدرهمان بعض الجمع، فينبغي أن لا يلزمها إلا [ما] (١) في يدها، - كما قال في «الجامع الصّغير» (٢) (٣) - إذا قال: إن كان في يدي من الدّراهم إلا ثلاثة، فعبده حرّ، وفي يده أربعة كان حانثاً (٤)؛ لأنّ ما وراء الثلاثة من الدراهم، فكذلك ههنا الدرهم الواحد من الدّراهم، فينبغي أن يلزمها درهم واحد فيما إذا لم يكن في يدها شيء عند ذكر الدراهم بكلمة من. قلنا نعم، حرف من قد يكون للتبعيض، وقد يكون صلة، كما في قوله تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٥)، وقال:// ٣٦٢ أ// ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ (٦) ففي كلّ موضع يصحّ الكلام بدون [حرف] (٧) من كان حرف من فيه للتبعيض، كما في مسألة الجامع. وفي كل موضع لا يصحّ الكلام بدون حرف من كان حرف من فيه صلة زيدت لتصحيح الكلام، كما في مسألة الخلع، فإنّها لو قالت: اخلعني على ما في يدي دراهم، كان الكلام مختلاً، فحرف من صلة لتصحيح الكلام، ويبقى منها لفظ الجمع، فلهذا يلزمها ثلاثة دراهم. فإن قيل: هب أن تقدير كلامها كأنها قالت: اخلعني على الدّراهم، [و] (٨) لو قالت اخلعني على الدّراهم ينبغي أن يلزمها درهم واحد لا ثلاثة دراهم، لأنّ الجمع المعرّف باللام بمنزلة الفرد المعرّف باللام، حتى ينصرف إلى الجنس [فإن تعذّر صرفه إلى الجنس] (٩) ينصرف إلى الأدنى، وهو الواحد على ما عرف في الجامع (١٠)، قلنا نعم لكن إذا كان جمعًا مجرّدًا عن الإضافة والإشارة كما إذا حلف لا يتزوّج النساء ولا يشتري العبيد.

стр. 1897

وأما هنا فالجمع غير مجرّد عن الإضافة والإشارة، لاختصاصه بما تحويه يدها؛ وهذا لأنّ الدراهم جمع على الحقيقة فيجب اعتبار معنى الجمعية، إلا أنّه بطل اعتبار معنى الجمعية لإمكان إرادة الجنس متى كان مجردًا عن الإضافة والإشارة، فإذا كان مقيَّدًا بالإضافة وجب أن لا يتعطّل معنى الجمعية كذا في «المبسوط» (١)، و «الفوائد الظهيرية» (٢)، و «جامع الإمام التمرتاشي» (٣). قال الإمام مولانا حميد الدين (٤): إذا دخل الألف واللام على الجمع يراد الواحد، مع احتمال كل الجنس إذا كانت إرادة الكلّ ممكنة، كما في قوله: لا أتزوّج النساء، حتّى أنّه لو نوى جميع نساء العالم لا يحنث أبدًا، فأمّا ههنا فلا يحتمل أن يكون كلّ دراهم العالم في يده في هذه الحالة، فلمّا بطل إرادة الجنسيّة بهذا الطّريق لم يصرف إلى الواحد، أمّا لأن إرادة الواحد من صيغة الجمع التي دخل فيها الألف واللام إنّما كان في ضمن إرادة معنى الجنسيّة وقد بطل ذلك لعدم الإمكان فبقيت صيغة الجمع خالية عن حرف الجنس، فصرف إلى الثلاثة لأنّها أقل الجمع الصحيح، وأمّا [لأن] (٥) كل جنس الدراهم لما لم يكن مراداً، وأمكن الحمل هنا على المعهود، وبدلالة قولها على ما في يدي صرف إلى المعهود وبرعاية صيغة الجمع، فكان المراد هنا الجمع بدلالة ذكره في هذا الموضع في «المبسوط» (٦) بدون الألف واللام أو يكون الألف واللام لتحسين النظم، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (٧) (٨)، وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ (٩).

стр. 1898

(فإن اختلعت على عبد لها آبق (١) على أنّها بريّئةٌ من ضمانه (٢) لم تبرأ)، فمعنى قوله: على أنّها بريئة من ضمانه، أي: لا تطالب هي بأن تحصّل العبد وتسلّمه إلى زوجها، أي: إن وجد العبد وحصل تسلّم العبد إليه، وإن لم يحصل فليس عليها شيء وهذا الشرط فاسد، بل يجب عليها تسليم العبد على تقدير الحصول وتسليم قيمته على تقدير عدم الحصول، واشتراط البراءة عنه، أي: عن العوض وهو العبد شرطًا فاسد؛ لأن المرأة إنّما ترفع العوض ليسلم بضعها لها، والزوج إنما يخلعها لسلامة العوض له، فكان شرط البراءة عن العوض شرطًا فاسدًا، ولكن الخلع لا يبطل بالشروط الفاسدة. فإن قلت: سلّمنا أنّ الخلع لا يبطل بالشّرط الفاسد ولكن ينبغي أن يفسد التسمية هنا، ويرجع الزوج عليها بالمهر الذي أعطاها، لاشتراطها عدم وجوب تسليم العبد، كما يرجع عليها بالمهر في سائر المواضع التي فسدت التسمية، كما إذا اختلعت المرأة منه بدابة واختلعت على أن تُزوّجه امرأةً وتمهرها عنه، فالخلع جائز فعليها ردّ المقبوض. قلت: الخلع عقد مبناه على التوسع، فلا يمتنع صحته باعتبار الإباق لأنّه لو امتنع [إنما] (٣) [امتنع] (٤) باعتبار العجز عن التسليم، والعجز ههنا لا يربو درجة على العجز عن التسليم فيما إذا اختلعت منه على عبد مملوك للغير فهناك جائز وههنا أولى. وأمّا فيما أوردت من المسألتين إنّما فسدت التسمية ورجع إلى المهر للجهالة المستتمة، فإن اسم الدّابة يتناول الأجناس المختلفة من الحيوان وكذلك الأمهار لأنّه مجهول قدراً ووضعًا، بخلاف ما نحن بصدده. وإنما لم يصح اشتراط البراءة عن التسليم؛ لأنّ التسمية إذا صحت أوجبت تسليم المسمّى، فاشتراط البراءة عن [الضمان] (٥) المسمى الواجب تسليمه كان باطلاً ومناقضة. فإن قيل الخلع كما يوجب تسليم المسمّى فكذلك أوجب تسليم المسمّى بوصف كونه سليمًا، واشتراط البراءة عن/ ٣٦٢ ب/ وصف السّلامة صحيح، فكذا اشتراط البراءة عن تسليم المسمّى. قلنا الفرق بينهما ظاهر لأنّ وجوب استحقاق التَّسْلِيمِ [فوق وجوب استحقاق السَّلِيمِ] (٦)، ألا ترى أنا أجمعنا على أنّه إذا باع ما لا يقدر على تسليمه لا يجوز، ولو باعه بشرط البراءة عن العيب جاز، وذلك لأنّ الإنسان إنما يرغب في تملك الشيء بوجه من الانتفاع به، وذلك لا يكون إلا بالتّسليم وباشتراط البراءة عن التَّسْلِيمِ يفوت هذا المقصود، ولا كذلك اشتراط البراءة عن العيب، فإنّ الأصل هناك باق فيجوز العقد، [هكذا] (٧) أشار في «الفوائد الظهيرية» (٨).

стр. 1899

وذكر صدر الإسلام أبو اليسر (١) أمّا الخلع على عبد آبق جائز، بخلاف بيع الآبق فإنّه فاسد؛ لأنّ النبي ﵇ نهى عن بيع العبد الآبق (٢)، والبيع المنهيّ عنه فاسد، وما نَهَى عن الخُلْع على عبد آبق فلا يكون فاسدًا، وإذا صحّ الخُلْع يجب عليها تسليم العبد (٣). وَعَلَى هَذَا النِّكَاحِ، يعني إذا تزوّجها على عبد آبق لم يبرأ الزوج عن ضمانه، فإن قدر عليه يجب على الزّوج تسليم عينه، وإن لم يقدر يجب تسليم قيمته كما هو الحكم كذلك ههنا، لأنّها لمّا طلبت الثلاث بألف فقد طلبت كلّ واحدة بثلث الألف وهذا لأنّ حرف الباء تصحب الأعواض إلى آخره. فإن قيل: يشكل هذا بالبيع، فإنّ كل ما ذكره ههنا موجود في البيع ومع ذلك لا يجب ثلث الألف بحسب ما يقابله من المبيع، فإن الرجل إذا قال بعت منك هؤلاء العبيد الثلاثة بألف درهم كلّ واحد بثلث الألف، وقيل البيع في واحد بعينه لم يجز ولم يجب ثلث الألف بحياله، وأقرب من هذا ما إذا قال لها أنت طالق ثلاثاً بألف فقبلت الواحدة لم يقع ولم يجب شيء. قلنا: الطّلاق لا يبطل بالشّرط الفاسد لقبوله التعليق بالشروط والإخطار، ولا كذلك البيع، وبعد ذلك التقريب ظاهر، وأمّا مسألة الطّلاق فإن الزّوج هنا راض بالبينونة (٤) مقابلاً بثلث الألف لمكان الإيقاع منه، وهناك لم يرض بالبينونة إلا وأن يكون بإزائها ألف ولم يوجد منه بعد الإيجاب ما يدل على الرضاء كذا في «الفوائد الظهيرية» (٥). (وَإِنْ قَالَتْ طَلَّقَنِي ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) ولو قالت طلّقني واحدة بألف أو على ألف فقال أنت طالق ثلاثاً طلقت بغير شيء، وعندهما طلقت مقابلاً بالطّلاق الأوّل بناء على أنّ المأمور بالواحدة إذا أتى بالنكث (٦) هل يكون إيتاء بالمأمور به، كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀.

стр. 1900

وَلَهُ أَنَّ كَلِمَةَ [عَلَى] (١) لِلشَّرْطِ، ولا يتضح تعليل أبي حنيفة ﵀ أن على طريق التعليل الذي علّل به في «المبسوط» (٢)، حيث ادّعى أن كلمة على للشّرط حقيقة، وإنّما قلنا أنه لا يتم تعليله بدون دعوى الحقيقة؛ لأنّ لهما أن يقولا: لما كانت على مستعارًا (٣) للشرط فلم صارت تلك الاستعارة أولى من استعارتها بمعنى الباء، بل استعارتها بمعنى الباء أولى؛ لأن حقيقتهما للإلزام بالاتفاق والمناسبة بين الإلصاق (٤) واللزوم (٥) أكثر من المناسبة بين الإلزام والشرط. وقال في «المبسوط»: قال أبو حنيفة ﵀: حرف على للشرط حقيقة؛ لأنّه حرف الالتزام ولا مقابلة بين الواقع وبين ما التزم، بل بينهما معاقبة، كما يكون بين الشرط والجزاء، فكان معنى الشرط حقيقة والتمسك بالحقيقة واجب حتى يقوم دليل المجاز، والطلاق مما يحتمل التعليق بالشرط، فلا حاجة إلى العدول عن الحقيقة إلى المجاز، وإذا كان محمولاً على الحقيقة والشرط يقابل المشروط جملة ولا يقابله جزءًا فجزأ فإنّما شرطت لوجوب المال عليها إيقاع الثلاث، فإذا لم يوقع لا يجب شيء من المال وبه فارق البيع والإجارة (٦)؛ لأنّ معنى الشرط هناك تعذّر اعتباره، فإنه لا يحتمل التعليق بالشرط؛ فلذلك جعلنا حرف على فيهما بمعنى حرف الباء (٧). فإن قلت: يشكل هذا بالذي استعمل (على) في الطّلاق وأريد به معنى الباء فلو كانت كلمة (على) للشرط حقيقة لكانت هي على تلك الحقيقة في جميع المواضع التي يحتمل تلك الحقيقة، وجميع مواضع الطلاق يحتمل الشرط، ومع ذلك استعملت هي فيه بمعنى الباء، وهو فيما إذا قالت لزوجها: طلقني وفلانة على ألف درهم، فطلّقها وحدها كان عليها حصّتها من المال، بمنزلة ما لو التمست بحرف الباء.

стр. 1901

قلت: إنما حملت هناك على معنى الباء؛ لأنّه لا غرض لها في طلاق فلانة، ليجعل ذلك كالشرط منها، ولها في اشتراط إيقاع الثلاث غرض صحيح كما قلنا، كذا في «المبسوط» (١)، فالمشروط لا يتوزّع على أجزاء الشرط حتّى إذا قال: أنت طالق ثنتين إذا دخلت هذه الدار وهذه الدّار، فدخلت أحديهما، لا تطلق ولو كان متوزّعًا على أجزاء الشرط لوقعت تطليقة واحدة بمقابلة دخول دار واحدة منهما. بخلاف قوله طلقني ثلاثاً بألف وهي المسألة التي ذكرها في الكتاب قبيل هذه المسألة. (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَتْ طَلُقَتْ)، فقوله: لها أنت طالق بألف أو على ألف أو على أن تعطيني ألفاً أو خلعتك على ألف أو بارئتك (٢) أو طلقتك بألف، يقع على القبول في المجلس، وهذا يمين من جهته، فيصحّ تعليقه وإضافته ولا يصحّ رجوعه ولا يبطل بقيامه عن المجلس، ويتوقّف على البلوغ إليها إذا كانت غائبة لأنّه تعليق الطّلاق بقبولها المال وهو من جهتها مناطة فلا يصحّ تعليقها وإضافتها ويصحّ رجوعها قبل قبول الزّوج ويبطل بقيامها عن المجلس كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀. وقال في «المبسوط» إن قبلت في ذلك المجلس وقع الطّلاق عليها والمال دين عليها تؤخذ به (٣)؛ لأن كلام الزوج إيجاب للطلاق بِجُعل، وليس بتعليق بشرط الإعطاء، بمنزلة من يقول لغيره وبعت منك هذا العبد على ألف درهم، أو على أن تعطيني ألف درهم يكون إيجاباً لا تعليقاً، فإذا وجد القبول في المجلس وقع الطّلاق ووجب المال عليها، بخلاف قوله: إن جيتني أو إذا أعطيتني. فإنه هناك قد صرّح بالتعليق بالشّرط فما لم يوجد الشرط لا يقع الطّلاق والدّليل على الفرق أنه هناك لو كان لها على الزّوج ألف فاتفقا على جعل الألف قصاصاً بما عليه لا يقع الطّلاق، وههنا يصير قصاصاً بالدّين الذي لها عليه، وقد يجوز أن يثبت الحكم بالقبول مع التصريح بالإعطاء قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (٤) الآية، وبالقبول يثبت حكم الذمة، فإذا ثبت أن الحكم هنا يتعلّق بقبول المال بشرط القبول منها في المجلس فإن لم يقبل حتى قامت فهو باطل، والطّلاق باين؛ لما قلنا وهو ما ذكر من الحديث والمعنى بقوله، ولأنّها لا تسلم المال إلا لتسلم لها نفسها.

стр. 1902

(وَقَالَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْأَلْفُ إذَا قَبِلَ) فإِذَا لَمْ يَقْبَلْ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ، فعُلم بهذا أنّ الخلاف في موضعين: أحدهما: أن عند قبول المرأة أو العبد المال يقع الطلاق والعتاق مجاناً عند أبي حنيفة ﵀ ولا يعتبر بقبولهما، وعندهما يجب على المرأة والعبد المال عند القبول (١). والثاني: أنهما إذا لم يقبلا المال يقع الطلاق والعتاق أيضاً عند أبي حنيفة ﵀، كما عند القبول، وعندهما عند عدم قبول المال لا يقعان، وعلى هذا الخلاف إذا قالت المرأة لزوجها: طلّقني ولك ألف درهم، وكذلك العبد إذا قال لمولاه: أعتقني ولك ألف درهم، هما يقولان: الطّلاق بالمال والعتاق بالمال عقد معاوضة، فالبدل المقرون بهذا اللفظ يكون عوضاً كما في البيع والإجارة (٢). يوضحه أن الواو قد يكون بمعنى الحال، ولا وجه لتصحيح كلامه إلا أن يُحمل على ذلك، فيصير كأنّه قال: أنت طالق في حال ما يجب لي عليك ألف درهم، ولا يكون ذلك إلا بعد قبولها، وأبو حنيفة ﵀ يقول: قوله أنت طالق إيقاع (٣). وقال: (وَعَلَيْك أَلْفٌ) درهم، عطف فإن الواو للعطف حقيقة والكلام محمول على حقيقته حتّى يقوم الدّليل على المجاز، وأحد العوضين لا يعطف على الآخر، وكذلك الشرط لا يُعطف على الجزاء، فعرفنا أنّه ابتداء كلام غير متعلّق بما سبق فيبقى إيقاع الطّلاق والعتاق متعرياً عن البدل والشرط. وقال (وَعَلَيْك أَلْفٌ) دعوى مال عليها ابتداء، وقولها ولك ألف درهم إيجاب صلة مبتدأة له فكان وعدًا منها إيّاه المال، والمواعيد لا يتعلّق بها اللزوم، ولأنّ أكثر ما في الباب أن يكون حرف الواو محتملاً لجميع ما ذكرنا والمال بالشّك لا يجب (٤). بخلاف قوله: أدّ إلي ألفاً وأنت حرّ، لأنّ أوّل كلامه غير مفيد شيئاً إلا بأخذه،/ ٣٦٣ ب/ فإنّه يصير به تعليقاً للعتق بأداء المال، وههنا أوّل الكلام إن صدر من الزوج بأن قال: أنت طالق وعليك ألف درهم، كان إيقاعاً مقيدًا منه بدون آخره، فلا حاجة إلى أن يحمله على الحال وإن صدر منها فهو التماس صحيح منها على ما ذكرنا فلهذا لا يحمل على واو الحال، كذا ذكره الإمام السرخسي (٥) (٦) ﵀.

стр. 1903

لِأَنَّهُمَا لَا يُوجَدَانِ دُونَهُ، أي: لأنّ البيع والإجارة لا يوجدان بدون المال، فكان دليل المجاز هناك قائمًا من حيث أنّهما يستدعيان العِوض لا محالة بخلاف ما نحن فيه. ألا ترى أن في الإجارة لو قال للخيّاط خُط هذا الثوب ولم يذكر العوض يكون استئجار بأجر المثل، وهنا إذا لم يذكر العوض لا يجب، كذا ذكره شمس الأئمة، وقاضي خان (١) (٢). (وإِنْ رَدَّتْ الْخِيَارَ فِي الثَّلَاثِ بَطَلَ)، أي ردّت خيار الطّلاق بطل الطلاق ولا يقع. وذكر في «الجامع الصّغير» لقاضي خان ﵀ فإن ردّت الطلاق في الأيّام الثلاثة بطل الطّلاق (٣)، وإذا جازت الطّلاق أو لم ترد حتى مضت مدة الخيار فالطّلاق واقع ويلزمها الألف، والتصرفان وهما إيجاب الزّوج وقبول المرأة، أمّا إيجاب الزوج فإنّه يمين؛ لأنّه ذكر شرط وجزاء معنى، واليمين لا يقبل الفسخ، وأمّا قبول المرأة فإنّه شرط تمام اليمين، وإن يمين الزّوج يتم بقبول المرأة، فأخذ قبولها حكم اليمين في عدم احتمال الانفساخ، والخيار للفسخ بعد الانعقاد، وهذا أن التصرفان لا يحتملان الانفساخ فلذلك لغا ذكر شرط الخيار (٤) من الجانبين، ولأبي حنيفة ﵀ أنّ الخلع في جانبها بمنزلة البيع حتّى يصح رجوعها ولا يتوقّف على ما وراء المجلس، وهذان الحكمان بالاتفاق؛ لأنّه ذكر في سائر المواضع من شرح فخر الإسلام (٥) وشمس الإسلام (٦) وغيرهما بلفظ: "ألا ترى أنّها لو رجعت صحّ ولو قامت بطل كما في البيع" (٧).

стр. 1904

فأمّا قولهما: فمن جانبها شرط اليمين، قلنا: نعم قبول المرأة شرط في حق الزوج، فأمّا في نفسه فتمليك مال جعل شرطًا بهذا الوصف، كرجل قال لآخر: إن بعتك هذا العبد بكذا فعبدي هذا الآخر حرّ، أنّه معلّق بالمعاوضة فلم يمنع كونه معاوضة عن أن يكون شرطًا لليمين فكذا هذا. وإذا كان كذلك ثبت فيه الخيار، ثم لما بطل القبول بالردّ بحكم الخيار، بطل كونه شرطًا؛ لأنّ كونه شرطًا قائم بهذا الوصف وهو أنّه تمليك مال، والعقود ثلاثة أقسام: لازم لا يحتمل الفسخ وهو النكاح، وغير لازم فلا يليق به الخيار كالوكالة، ولازم يحتمل الفسخ وهو البيع والكتابة ونحوهما، والخيار ما شرع إلا في هذا القسم، إلى هذا أشار فخر الإسلام ﵀ (١). فإن اختارت في ذلك المجلس فلها ما اختارت وإن لم تقل شيئاً حتى قامت فالطّلاق واقع والخلع ثابت. قال الفقيه أبو الليث (٢) ﵀: وبه نأخذ، كذا في الفصول للإمام الاستروشني (٣) (٤). وجانب العبد في العتاق مثل جانبها في الطّلاق، يعني يصحّ الخيار من العبد إذا خيّره المولى في الإعتاق على مال، كما يصحّ الخيار في الخلع من جانب المرأة، والجامع بينهما هو أن للمرأة لا يحصل شيء؛ لأنّ البضع ليس له حكم مال عند الخروج، وكذلك مالية العبد يتلف على ملك المولى للإعتاق، وقبول المال جائز في العتاق والطلاق. وَوَجْهُ الْفَرْقِ، إلى آخره وهو أنّ إيجاب الطلاق بالمال تعليق الطّلاق بالقبول، ولهذا لا يصحّ الرجوع منه فكان القبول شرطًا، والزوجان إذا اختلفا في وجود الشرط فالقول قول الزوج؛ لأنّ الإقرار (٥) بالتعليق لا يكون إقراراً بوجود الشرط لأنّ التعليق يمين، فعند وجود الشرط لم يبق يمينًا، فكان وجود الشرط ضدّ اليمين، فكيف يكون الإقرار بالشيء إقراراً بضدّه.

стр. 1905

فلما لم يتناول الإقرار باليمين الإقرار بوجود الشرط كان الإنكار بوجود الشرط بمنزلة الإنكار ابتداء، فكان القول قول المنكر كما في سائر الدّعاوى، وأمّا البيع فمعاوضة فلا يتمّ إلا بالإيجاب والقبول جميعًا، ولهذا يملك الرجوع قبل قبول المشتري، فكان الإقرار بالبيع إقراراً بالإيجاب والقبول جميعًا، فإذا أنكر القبول بعد ذلك كان رجوعًا عما أقرّ به فلا يصحّ حتّى لو قال لها: بعتك طلاقك أمس، فلم تقبلي، فقالت: قبلت، كان القول قولها، كما في بيع العروض، وكذا لو قال: لعبده بعتك نفسك أمس بألف فلم يقبل، وقال: العبد قبلت، كان القول قول العبد، ولو قال: أعتقتك أمس على ألف فلم يقبل، وقال العبد: قبلت، كان القول قول المولى وهذا والطلاق سواء. قوله ﵀: لِصِحَّتِهِ بِدُونِهِ، أي لصحّة اليمين بدون الشرط على ما ذكرنا. (وَالْمُبَارَأَةُ كَالْخُلْعِ) إلى آخره. يقال: بارأ شريكه أي أبرأ كل منهما صاحبه. ومنه قولهم المبارأة كالخلع، وترك الهمزة خطأ كذا في المغرب (١) (٢). اعلم أن الرجل إذا قال لامرأته: خالعتك، ولم يذكر المال أصلاً، فقالت المرأة: قبلت لا يسقط شيء من المهر، هذا جواب ظاهر الرواية، وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده (٣) ﵀ في أوّل إقرار «الكافي» (٤). إذا قال: لها خالعتك، فقالت: قبلت، يقع الطّلاق وتقع البراءة للزوج عن المهر، إن كان عليه مهر، وإن لم يكن عليه مهر يجب عليها ردّ ما ساق إليها من المهر؛ لأنّ المال مذكور عرفاً بذكر الخلع، وهكذا ذكر القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي (٥) ﵀ (٦).

стр. 1906

وإذا قال - بالفارسية -: خويشين جريدم أرنو، وقال الزوج: وختم، يقع تطليقة بائنة ولا تردّ ما قبضت من المهر، وإن لم يقبض الزّوج من المهر؛ لأنّ الخلع يوجب البراءة، وإذا خالعها على مهرها فهذا على وجهين، أمّا إن خالعها والمهر مقبوض وذلك ألف درهم مثلاً، والمرأة مدخول بها كان عليها ردّ ما قبضت من المهر أو ردّ مثله، وإن كان غير مقبوض سقط عن الزّوج جميع المهر؛ لأنّه وجب للزوج عليها ألف درهم لأنّه خالعها على مهرها ومهرها ألف، فكان للمرأة على الزّوج مثل ذلك فيلتقيان قصاصاً، ولا يبيع صاحب بشيء من المهر لسبب الطّلاق في الفصلين جميعًا، وإن لم يكن الزوج دخل بها فخالعها والمهر مقبوض. فالقياس أن يرجع الزوج عليها بألف وخمسمائة ألف بدل الخلع وخمسمائة نصف المهر بالطلاق قبل الدخول. وفي الاستحسان (١) يرجع عليها بألف درهم لا غير خمسمائة بدل الخلع وخمسمائة بالطّلاق قبل الدخول. وإن كان المهر غير مقبوض فالقياس أن يرجع الزوج عليها بخمسمائة. وفي الاستحسان لا يرجع عليها بشيء ويبرأ عن جميع المهر. وبيان وجه الاستحسان أنّه أضاف الخلع إلى مهرها ما يجب لها بالنكاح، والواجب لها بالنكاح متى ورد الطّلاق قبل الدخول نصف المهر وذلك خمسمائة، فكأنه خالعها على خمسمائة. هذا إذا خالعها على جميع مهرها، وإن خالعها على قبض مهرها، فإن خالعها على عشر مهر مثلاً والمهر مقبوض وذلك ألف والمرأة مدخول بها فللزّوج عليها من المهر بأنه بدل الخلع، والباقي سالم لها، وإن كان غير مقبوض سقط عن الزوج عشر المهر بدل الخلع بلا خلاف، ويسقط التسع مائة الباقية بسبب الخلع عند أبي حنيفة ﵀ (٢)؛ لأن الخلع عنده يوجب براءة كل واحد منهما صاحبه عن حقوق النكاح، وسمّى ذلك في الخلع أو لم يسمّ. وعندهما لا يسقط التسع مائة الباقية؛ لأن عندهما لا يسقط بالخلع إلا ما سميا فيه هذا إذا خالعها على جميع مهرها أو على بعض مهرها، وإن بارأها على جميع مهرها أو على بعض مهرها فعند محمد ﵀ الجواب فيه كالجواب في الخلع لا يسقط إلا ما سميّا فيه، وعندهما الجواب فيه كالجواب في الخلع على قول أبي حنيفة ﵀ حتّى يرى كلّ واحد منهما عن صاحبه عن جميع حقوق النكاح.

стр. 1907

وأمّا إذا خالعها على مال مسمّى معروف سوى الصداق، فإن كان المرأة مدخولاً بها والمهر مقبوض فإنّها تسلم إلى الزوج بدل الخلع ولا ترجع على الزوج شيء من المهر عند أبي حنيفة ﵀ خلافاً لهما، بناء على الأصل الذي قلنا (١). وأما إذا كانت المرأة غير مدخول بها والمهر مقبوض، فإنّ الزوج يأخذ منها بدل الخلع، ولا يرجع عليها بنصف المهر بسبب الطلاق قبل الدخول عند أبي حنيفة (٢). وإن لم يكن المهر مقبوضاً، يأخذ الزّوج منها بدل الخلع وهي لا ترجع على زوجها بنصف المهر عند أبي حنيفة ﵀ خلافاً لهما (٣). وأما إذا بارأها بمال معلوم سوى المهر، فالجواب فيه عند محمد كالجواب في الخلع عنده، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف الجواب فيه كالجواب في الخلع عند أبي حنيفة ﵀. وأما نفقة العدّة ومؤنة السكنى، إن شرط ذلك في الخلع والمبارأة يقع البراءة عنهما للزوج بلا خلاف، وإن لم يشترط ذلك في الخلع والمبارأة لا تقع البراءة بالإجماع أمّا على قولهما فلا يشكل، وأمّا على قول أبي حنيفة ﵀ فلأنّ عنده الخلع إنما يوجب البراءة عن حقوق قائمة وقت الخلع، ونفقة العدّة تجب شيئاً فشيئاً، والخلع لا يمنع ثبوت حق بعده بسبب يوجد بعده كذا في الذخيرة (٤). وذكر في «المبسوط» وإن اختلعت منه بشيء يسمّى معروف، ولها عليه مهر وقد دخل بها أو لم يدخل بها لزمها، فأسميت له ولا شيء لها ممّا سمّي على الزوج من المهر، في قول أبي يوسف ومحمّد -رحمهما الله- لها أن يرجع عليها بالمهر، إن كان قد دخل بها، وبنصف المهر إن كان لم يدخل بها. وكذلك لو كانت أخذت المهر ثم خلعها قبل الدخول على شيء مسمّى، فليس للزوج أن يرجع عليها شيء من المهر في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمّد يرجع عليها بنصف المهر، وإن كان العقد بينهما بلفظ المبارأة، فكذلك الجواب في قول أبي حنيفة ومحمّد ﵀ (٥). يعني عند أبي حنيفة ﵀ تسقط الحقوق الواجبة بالنكاح، كما هو مذهبه في الخلع، وعند محمد لا يسقط كما هو مذهبه في لفظ الخلع. وقال أبو يوسف ﵀ في المبارأة الجواب كما قاله أبو حنيفة ﵀ (٦)، والحاصل أن الخلع والمبارأة عند أبي حنيفة ﵀ يوجبان براءة كل واحد منهما على صاحبه من الحقوق الواجبة بالنكاح إلى آخره كما هو المذكور في الكتاب (٧).

стр. 1908

وجه قول محمد ﵀ أن هذا إطلاق بعوض، فيجب به العوض المسمّى ولا يسقط شيء من الحقوق الواجبة، كما لو كان بلفظ الطّلاق. والدليل عليه أنّه لو كان لأحدهما على الآخر دين واجب بسبب أو عين في يده لا يسقط شيء من ذلك بالخلع والمبارأة. فكذلك الحقوق الواجبة بالنكاح، والدّليل عليه أن نفقة عدتها لا تسقط وهي من الحقوق الواجبة بالنكاح فكذلك المهر، وأبو حنيفة ﵀ يقول المقصود بهذا العقد لا يتم إلا بإسقاط الحقوق الواجبة بالنكاح، فلإتمام المقصود يتعدّى حكم هذا العقد إلى الحقوق الواجبة بالنكاح لكلّ واحد منهما وهذا لأنّ الخلع إنّما يكون عند النشوز، وسبب النشوز الوصلة التي بينهما بسبب قيام انقطاع المنازعة، والنشوز إنما يكون بإسقاط ما وجب باعتبار تلك الوصلة، وفي لفظها ما يدل عليه، فإن المبارأة مشتقّة من البراءة، والخلع من الخلع وهو الانتزاع. وأمّا سائر الديون فوجوبها ما كان بسبب وصلة النكاح والنشوز والمنازعة لم يتحقق فيه؛ فلذلك لا يسقط، وأمّا نفقة العدّة فهي غير واجبة عند الخلع، وإنما تجب شيئاً فشيئاً والخلع والمبارأة إسقاط لما هو واجب بحكم النكاح في الحال. وذكر قبيل هذا في «المبسوط» فإن كان الزوج اشترط عليها البراءة من النفقة والسكنى فهو بريء من النفقة؛ لأنّها أسقطت حقّها، ووجوب النفقة لها في العدّة باعتبار حالة الفرقة، حتّى إذا كانت ممّن لا يستحق النفقة عند ذلك لا يستحقّها من بعد فيصح إسقاطها، ولكن في ضمن الخلع تبعًا له، حتى لو أسقطت نفقتها بعد الخلع بإبراء الزوج عنها لا يصح ذلك؛ لأنها مقصودة بالإسقاط، فلا يكون إلا بعد وجوبها، وهي تجب شيئاً فشيئاً بحسب المدة، ولا يصح إبراؤها عن السكنى في الخلع؛ لأن خروجها من بيت الزوج معصية، قالوا: ولو أبرأته عن مؤنة السكنى بأن سكنت بيت نفسها، أو التزمت مؤنة السكنى من مالها، صحّ ذلك مشروطًا في الخلع؛ لأنّه خالص حقها (١). (وَمَنْ خَلَعَ ابْنَتَهُ وَهِيَ صَغِيرَةً بِمَالِهَا لَمْ يَجُزْ) ذكره الإمام قاضي خان -رحمه الله- (٢) (٣).

стр. 1909

وقول محمّد -في الكتاب-: لم يجز، محتمل أن لا يقع الطلاق، والصحيح أنّ الطلاق واقع وعدم الجواز منصرف إلى المال، نصّ عليه في «المنتقى» (١)، فقال: لأنّ لسان الأب كلسانها (٢). ولو خلع امرأته الصغيرة على مهرها فقبلت، أو قالت الصغيرة لزوجها: اخلعني على مهري، ففعل، وقع الطلاق بغير بدل. وكذا الأمة إذا اختلعت من زوجها بغير إذن المولى، إلا أنّ الأمة تؤاخذ بالبدل بعد العتق؛ لأنّها من أهل الالتزام، والمانع حق المولى وقد زال، والصغيرة لا تؤاخذ به أصلاً؛ لأنّها ليست من أهل الالتزام. بِخِلَافِ النِّكَاحِ، أي أن البضع متقوّم عند الدخول، حتّى أنّ الرجل إذا زوّج ابنه الصغير امرأة بمهر المثل يصحّ؛ لأنّ قابل المتقوّم بالمتقوم لأنّ البضع متقوّم والصداق متقوّم. قوله ﵀: "وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ" متصل بقوله "غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ". وقوله: "وَنِكَاحُ الْمَرِيضِ"، يتصل، بقوله: "مُتَقَوِّمٌ عِنْدَ الدُّخُولِ"، وإذا لم يجز الخُلع لما أنّ ولاية الآباء مقيدة بشرط النظر، ولا نظر في هذا العقد؛ لأنّه قابل متقومٌ وهو مال الصغير، بغير المتقوّم وهو البضع، لما ذكرنا أنّ البضع حالة الخروج غير متقوم هل يقع الطّلاق عن الصغيرة؟ فيه روايتان إذا قبل الأب. (فَإِنْ قَبِلَتْ) هي إن كانت من أهل القبول بأن كانت تفقه أنّ الخلع شرع سالباً والنكاح شرع جالباً، (وَقَعَ الطَّلَاقُ) بالاتفاق، ولا يلزمها المال وإن لم تقبل هل يقع؟ ذكر شيخ الإسلام جواهر زاده ﵀ اختلفوا فيه، وذكر أبو اليُسر ﵀ والصّحيح أنّه يقع (٣). وفي شرح الشهيد ﵀ فيه روايتان والأصحّ أنّه يقع؛ لأنّ العاقد هو الأب فيعتبر بقوله، فالزّوج علق وقوع الطّلاق بقوله، ولو علّق بشرط آخر، كما إذا علق بدخوله الدار وغيره، فكذا إذا علّق بقبوله، ولهذا المعنى قلنا: أنّه إذا خالع امرأته وهي صغيرة عاقلة وقبلت، يقع الطلاق وإن كان لا يسقط المهر كذلك ههنا (٤). وجه الرواية التي قال لا يقع، هو أنّ الخلع في معنى اليمين، والأيمان لا تجري فيها النيابة (٥)، ولو انعقد من الأب انعقد بطريق النيابة، إلا أن هذا لا يقوى فإن الأب يوجد منه شرط اليمين لا نفس اليمين، وشرط اليمين يصحّ من كلّ أحد، كذا في شرح صدر الإسلام وقاضي خان والتمرتاشي (٦).

стр. 1910

فإن خلعها على ألف على أنّه ضامن فالخلع واقع، أي جائز. فإن قيل: الضمان عبارة عن تحمل ما على الأصيل وبدل الخلع هنا غير واجب على غيره بالإجماع، فكيف يصح الضمان منه؟ قلنا المراد من الضّمان هنا التزام المال لا التحمل بطريق التجوّز، كذا في فوائد الظهيرية (١). وذكر الإمام قاضي خان ولم يرد بهذا الضّمان الكفالة (٢) عن الصغيرة؛ لأنّ الزّوج لا يستحق مالاً على الصغيرة، فلا يكون كفالة، لكن تفسير الضمان التزام الألف ابتداء لا بجهة الكفالة (٣). لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْخُلْعِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ صَحِيحٌ فَعَلَى الْأَبِ أَوْلَى، فوجه الأولوية ظاهر وهو أن للأب ولاية التصرف في مال ولده الصغير بيعًا وشرى وإجارة وإبضاعاً (٤) وإيداعاً (٥)، ولا تجوز هذه التصرفات من الأجنبي، ثم اشتراط بدل الخلع على نفسه تصرّف من التصرفات، فلما جاز ذلك من الأجنبي مع أنّه ليس ولاية عامة التصرفات في مال الصغير فلأن يجوز من الأب وله ذلك أولى. فإن قلت: ما الفرق بين هذا ما إذا أعتق عبده على مال على الأجنبي حيث لا يصحّ، ويعتق العبد مجانًا، وكذا لو تزوّج وشرط المهر على غيره لا يصحّ، وكذا إذا باع شيئاً وشرط الثمن على غير المشتري لا يصحّ، وهنا اشتراط بدل الخلع على الأجنبي أو على الأب جائز؟. قلت: إنّما جاز ضمان الأجنبي أو الأب ههنا؛ لأن الأجنبي أو الأب في معنى المرأة في باب الخلع، لما أنّ المرأة لا تملك بالخلع شيئاً، بل يسقط ملك الزوج، وجاز أخذ المال منها إذا رضيت بوجوب المال، فكذلك يجوز أخذ المال من الأجنبي إذا رضي بوجوب المال. بخلاف العتق فإنّ الأجنبي هناك ليس في معنى العبد في حق التزام المال، فإنّ العبد يحصل له الحرية (٦) والعتق، الذي هو عبارة عن القوة، يقال: عتق الفرخ إذا قوي وطار عن وكره (٧)، والقوة معنى يثبت فيه بالعتق ولا يحصل للأجنبي شيء، فلم يكن الأجنبي في معنى العبد؛ فلذلك لم يجز أن تثبت القوة في العبد وعوضه مستحق على غيره، وكذلك في البيع والنكاح.

стр. 1911

وحاصله أنّه يجوز اشتراط البدل على الأجنبي في الإسقاطات (١) دون الإثباتات (٢)، غير أن في اشتراط المهر على الغير يبقى النكاح بلا مهر، والنكاح بلا مهر جائز لمهر المثل، وفي اشتراط الثمن على غير المشتري يبقى البيع بلا ثمن، والبيع بلا ثمن فاسد، فلما كان الخلع من باب الإسقاطات كان وجوب المال على الأجنبي بمقابلة الإسقاط، وهو جائز، ألا ترى أنّ رسول الله ﵇ جوّز قضاء الدّين، وأنّه إسقاط وليس بتمليك؛ لأنّ تمليك من غير مَن عليه الدّين باطل، فلما جاز في قضاء الدّين، جاز في الخلع إلى هذا أشار صدر الإسلام وصاحب «الفوائد» وقاضي خان (٣). اعلم أنّ ههنا مسألة ذكرها صاحب «الذخيرة» (٤)، وهي أنّ بدل الخلع إذا كان مضافاً إلى الأجنبي إضافة ملك، الإضافة ضمان لا يشترط قبول المرأة، ولا تجعل المرأة عاقدة، صورته: أن يقول أجنبي للزّوج: خالع امرأتك على ألف عليّ أو علي ألف على أني ضامن، أو يقول: خالع امرأتك على عبدي هذا، أو على داري هذه، ففعل فالخلع واقع ولا يحتاج إلى قبول المرأة؛ لأنّ العاقد في هذه الصورة الأجنبي؛ لأن خطاب الخلع جرى منه فلا يشترط قبول المرأة، وذلك لأنّ القبول إنّما يشترط ممّن عليه البدل لا ممّن يقع عليه الطّلاق؛ لأنّ القبول إنما يشترط لوجوب البدل لا لوقوع الطّلاق. وأمّا إذا قال الأجنبي: اخلع امرأتك على هذا العبد أو على هذه الدّار أو على هذا الألف، فالقبول إلى المرأة؛ لأن خطاب الخلع وإن جرى بين الأجنبي وبين الزّوج. ولكنّ البدل مرسل. وفي مثل هذه الصورة يجعل العاقد المرأة؛ لأنّه لم يدخل تحت ولاية الاب، لأنّه ليس من النظر، وإنما يدخل في ولاية الأب ما هو نظر للصغير فيه. (وَإِنْ شَرَطَ الْأَلْفَ عَلَيْهَا)، أي: شرط الزوج الألف على الصغيرة، وإن كانت من أهل القبول بأن كانت تعقل العقد وتعبّر عن نفسها، كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (٥).

стр. 1912

وإن قبله الأب عنها ففيه روايتان: هذا القبول هو في معنى الشرط في رواية يصحّ؛ لأنّ هذا نفع محض، لأنّ الصغيرة تتخلّص عن عهدته بغير مال فصحّ من الأب كقبول الهبة (١). وفي رواية لا يصح؛ لأنّ هذا القبول بمعنى شرط اليمين، وذلك ممّا لا يحتمل النيابة كذا في «المبسوط» (٢) لفخر الإسلام (٣). (وَإِنْ ضَمِنَ الْأَبُ الْمَهْرَ) أي في صورة خلع الأب مع الزّوج. وَيَلْزَمُهُ خَمْسُمِائَةٍ، أي يلزم الأب خمسمائة. اسْتِحْسَانًا؛ لأنّ المسألة مصوّرة فيما إذا لم يدخل الزّوج بها، بدليل إيراد أصل هذه المسألة في الكبيرة التي لم يدخل بها، ثم لما كانت الصغيرة غير مدخول بها، وكان المهر ألفاً فأضافت الخلع إلى مهرها، ومهرها ما يجب لها بالنكاح، والواجب لها بالنكاح في الطّلاق قبل الدخول نصف المهر، وذلك خمسمائة، فكأنّه خالعها على خمسمائة صريحًا، وذكرنا قبيل هذا وجه الاستحسان والقياس عن الذخيرة (٤). ففي القياس عليها خمسمائة زائدة تجر زايدة؛ لأن الصفة تتبع المضاف إليه في الإعراب كما في قوله تعالى: ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ (٥)، هكذا قال شيخي (٦) ﵀ مراراً والله أعلم (٧). باب الظهار لمّا شَرَعَ في بيان التحريمات الأربع التي ذكرناها في أوّل الإيلاء وذكر منها الطّلاق والإيلاء فبقي الظهار واللعان، بدأ بذكر بيان الظهار، وقدّمه على اللعان؛ لما أنّه أقرب إلى الإباحة من سبب اللعان، فإن سبب اللعان عند إضافته إلى غير منكوحته موجب لحدّ القذف (٨) فموجب الحدّ معصية محضة بغير شائبة الإباحة.

стр. 1913

اعلم أنّ الظهار لغة: قول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، وشرعًا هو عبارة عن تشبيه المنكوحة بالمحرمة على سبيل التأبيد اتفاقاً بنسب أو رضاع أو صهرية (١). وإنّما قيّدنا بقولنا اتفاقاً احترازاً عن قول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر فلانة، وهي أم المزني (٢) بها أو ابنة المزني بها، فإنّه لا يكون مظاهراً؛ لأن من الفقهاء من يقول: أنّ الحرام لا يحرّم [الحلال] (٣)، كذا في «شرح الطّحاوي» (٤) (٥) (٦). وركن الظهار [هو] (٧) قوله لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، أو ما يقوم مقامه في إفادة معناه. وشرطه من جانب المشبه أن يكون عاقلاً بالغًا مسلمًا، ومن جانب المشبّه بها أن تكون منكوحة، وحكمه حرمة الوطء والدّواعي (٨)، مع بقاء أصل الملك إلى غاية الكفارة والظهار، كان طلاقاً في الجاهلية، وكان أحدهم إذا أراد أن يطلق امرأته جعلها في التحريم على نفسه كالمواضع التي لا يطّلع عليها من أمه كالظهر والفخذ والبطن والفرج، ثم نظروا فلم يجدوا موضعًا أحسن في الذكر ولا أستر من الظهر مع إصابة المعنى الذي أرادوه، فاستعملوه دون غيره، ثم نزل القرآن بما كانوا يعرفونه.

стр. 1914

وذكر في «المبسوط»: اعلم أنّ الظهار كان طلاقاً في الجاهلية فقرّر الشرع أصله ونقل [حكمه] (١) إلى تحريم مؤقت بالكفارة من غير أن يكون مزيلاً للملك بيانه في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٢) الآية، وسبب نزول الآية قصّة خولة بنت ثعلبة (٣)، فإنّها قالت: كنت تحت أوس بن الصامت (٤)، وقد ساء خلقه لكبر سنّه فراجعته في بعض ما أمرني به، فقال: أنت عليّ كظهر أمي، ثم خرج فجلس في نادي قومه، ثم رجع إليّ فراودني عن نفسي، فقلت: والذي نفس خولة بيده لا تصل إليّ وقد قلت ما قلت حتى يقضي الله ورسوله في ذلك، فوقع عليّ فدفعته بما تدفع به المرأة الشيخ الكبير، وخرجت إلى بعض جيرتي فأخذت ثياباً ولبستها، وأتيت رسول الله ﵇، فأخبرته بذلك، فجعل يقول لي: زوجك وابن عمك وقد كبر فأحسني إليه، فجعلت أشكو إلى الله ما أرى من سوء خلقه، فتغشّى رسول الله ما كان يتغشاه عند نزول الوحي، فلما سُرّى عنه قال: أنزل الله فيك وفي زوجك بياناً، وتلا قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٥) إلى آخر آيات الظهار، ثم قال لها: «مريه فليعتق رقبة»، فقلت: لا يجد ذلك يا رسول الله، فقال: «مريه أن يصوم شهرين متتابعين»، فقلت: هو شيخ كبير لا يطيق الصّوم، فقال: «مريه فليطعم ستين مسكينًا»، فقلت: ما عنده شيء يا رسول الله فقال: «إنا سنعينه بعرق (٦) فقلت: وأنا أعينه بعرق أيضاً فقال: «افعلي واستوصي به خيراً» (٧) (٨).

стр. 1915

[قوله] (١) تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ (٢) يحتمل أن يراد يعودون لنقضه [أو] (٣) لتداركه على حذف المضاف. وعن ثعلب يعودون لتحليل ما حرموا على حذف المضاف -أيضاً- إلا أنّه نزل القول منزلة المقول فيه، وهو المظاهر منها، كما في قوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ (٤) كذا في «المغرب» (٥) المهملة العين. وقال علمائنا ﵏: المراد من العود هو العزم على الجماع (٦)، الذي هو إمساك بالمعروف (٧). وقال الشافعي ﵀: المراد هو السكوت عن طلاقها عقيب الظهار (٨). وقال داود (٩): المراد تكرار الظهار حتّى أن على مذهبه لا يلزمه الكفارة بالظهار مرة حتى يعيده مرة أخرى، وهذا ضعيف؛ لأنّه لو كان المراد هذا لكان يقول: ثم يعيدون ما قالوا، ولكن معنى قوله: يعودون له؛ أي ينقضون ما قالوا، كقول عاد لما صنع أي نقضه، ويقال: عاد في هبته إذا رجع وحروف [الصلات] (١٠) يُقام بعضها مقام بعض. والشافعي يقول: كما سكت عن طلاقها عقيب الظهار، فقد صار ممسكًا لها فيتقرّر عليه الكفارة (١١). ولكنّا نقول: المراد بقوله: ثم يعودون لما قالوا، أن يأتي بضدّ موجب كلامه وموجب كلامه التحريم لا إزالة الملك، فاستدامة الملك لا يكون ضدّه، بل ضدّه العزم على الجماع الذي هو استحلال، وبمجرّد العزم عندنا لا يتقرّر عليه الكفارة -أيضاً- حتى لو أبانها بعد هذا أو ماتت لا يلزمه الكفارة، ولو عاد ثم بدا له أن لا يطأها سقطت الكفارة، فكأنها تجب عندنا بالعود غير مستقرة ولهذا يسقط بموته [وموتها] (١٢)؛ لأنّ الكفارة تجب بالعزم، والعزم يرد عليه النقض والفسخ ثم الكفّارة تجب بالظهار والعود فإنّ الله تعالى عطف العود على الظهار في بيان سبب الكفّارة، والمعطوف يأخذ حكم المعطوف عليه.

стр. 1916

وإنّما اعتبر العود مع الظهار -والله أعلم-؛ لأنّ الظهار منكر من القول وزور وهو كبيرة محضة، والكبيرة المحضة لا تصلح سبباً لإيجاب الكفارة، فلما أعاد الظهار في حال بيان السببية، وعلق الكفارة به قرن العود بالظهار ليُخْفِ معنى الحرمة؛ [إذ العود] (١) باعتبار العود هو [بعض] (٢) ما قال، فكان الظهار مع العود سبباً للكفارة، وإنّما جاز أداء الكفارة بعد الظهار قبل العود حقيقة، ولا يجوز تعجيل الحكم قبل تمام السّبب؛ لأنّ الكفارة إنما شرعت إنهاءً للحرمة الثابتة بالظهار، فلا يمكنه أن يوقع الفعل حلالاً إلا بعد إنهاء الحرمة بالكفارة، فجوّز التعجيل [على الفعل ليكون] (٣) الفعل واقعًا بصفة الحلّ بعد انتهاء الحرمة، ونظير هذا الوضوء فإن سبب وجوبه القيام إلى الصّلاة (٤)، قال الله تعالى: ﴿[إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ] (٥) فَاغْسِلُوا﴾ (٦) معناه إذا قمتم وأنتم محدثون. لكن القيام إلى الصّلاة لما لم يصح مع الحدث (٧) جوّز التقديم عليه ليكون القيام إلى الصّلاة في [حال] (٨) الطّهارة، ويجب على المرأة أن تمنع الزّوج عن الاستمتاع بها حتّى يكفر وللمرأة أن تطالب الزوج بالوطء عند الحاكم وعلى الحاكم أن يجبره حتّى يكفر ويطأ؛ لأنّه أضرّ بها بالامتناع عن الوطء مع قيام الملك وفي وسعه إزالته بالتكفير، ثم هذه الحرمة لا تزول بسبب من أسباب الإباحة ما لم توجد الكفارة، لا بالنكاح ولا بملك اليمين (٩)، ولا بإصابة الزوج الثاني، حتّى أن المظاهر إذا طلقها طلاقاً باينًا وانقضت عدتها، ثم تزوّجها لا يحلّ له وطؤها حتى يكفّر. وكذلك لو كانت الزّوجة أمة الغير فظاهر منها ثم اشتراها حتّى بطل النكاح لم يحل له أن يطأها بملك اليمين حتّى يكفّر.

стр. 1917

وكذلك لو كانت حرّة فارتدّت عن الإسلام، ولحقت بدار الحرب (١) فسبيت واشتراها. وكذلك لو طلّقها ثلاثاً فتزوّجت بزوج آخر ثم عادت إليه بالنكاح لا يحلّ له وطؤها حتى يكفر، وإن صحّ النكاح، ولو كفر بعدما أبانها أو طلقها ثلاثاً صحّ التكفير، حتّى لو تزوّجها حلّ له وطؤها؛ لأن صحّة التكفير لا يعتمد قيام الملك، ولو كان الظهار موقتًا إلى وقت، بأن قال: أنت عليّ كظهر أمي يومًا أو شهراً أو سنة، ثم مضى الوقت، يسقط الظهار عندنا خلافاً للشافعي ﵀ (٢)؛ لأنّ الشرع جعل التكفير مزيلاً للظهار المؤبد أو المطلق حتّى تنتهي الحرمة والموقت ينتهي بمضي الوقت. ويصح تعليق الظهار بالشرط؛ لأنّ الظهار سبب الحرمة فكان نظير الطّلاق، فيصحّ تعليقه بالشّرط كما يصح تعليق الطّلاق بالشّرط. ولو علّق الظهار بشرط، ثم أبانها، ثم وجد الشرط لم يثبت الظهار؛ لأنّ المعلّق بالشرط عند وجود الشرط كالمرسل، ولو أرسل الظهار بعد البينونة لا يصحّ؛ لأنّ حكم الظهار حرمة موقتة وسببه تشبيه المحللّة بالمحرمة، وكلّ ذلك لا يتصوّر بعد ثبوت البينونة. وهذا بخلاف ما لو علّق البينونة بالشرط، ثم أبانها، ثم وجد الشرط حيث يقع الطلاق؛ لأن البينونة إذا صحّ تعليقها بالشرط صار تقديره كأنّه علّق الطلاق البائن بالشرط فينزل عند الشرط طلاق بائن، وإيقاع الطلاق على المبانة صحيح. وإذا ظاهر من امرأته مراراً في مجالس مختلفة أو مجلس واحد فعليه لكلّ ظهار كفارة، هكذا روي عن علي ﵁ (٣) ولأن الظهار سبب الحرمة، واجتماع أسباب الحرمة في محلّ واحد جائز. ألا ترى أن صيد الحرم [حرام] (٤) على المحرم لإحرامه ولكون الصيد في الحرم. وألا ترى أن الخمر على الصّائم حرام لعينه ولصومه وليمينه إن حلف أن لا يشربها، فلهذا وجب لكلّ ظهار كفارة، إلا أن يكون عنى بالثانية والثالثة الأولى فحينئذٍ لا يلزمه أكثر من كفارة واحدة؛ لأنّ صيغة الإخبار والإنشاء فيه واحد، وهذه الأحكام والعلل كلها منقولة من «المبسوط» و «الإيضاح» (٥) و «التحفة» (٦) و «المحيط (٧) (٨).

стр. 1918

ثُمَّ الْوَطْءُ إذَا حَرُمَ حَرُمَ بِدَوَاعِيهِ، إلى آخره، وقال الشافعي ﵀: لا تحرم الدّواعي (١)؛ لأنّ التحريم عرف بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٢) والتماس في القرآن كناية عن الجماع، إلا أنّا نقول والتماس حقيقة للمسّ باليد فهو على الحقيقة حتّى يقوم الدّليل على المجاز، كذا في «الأسرار» (٣)، فتذكّر ههنا في حق حرمة الدّواعي ما ذكرناه في باب الاعتكاف (٤) فإنّه أوفق دليلاً وأدوم تمشية لأنّه يكثر وجودهما. فإن قيل: لما كثر وجودهما كانا هما أدعى إلى شرع الزاجر من الظهار فلم نعكس الأمر؟. قلنا: كما أن أوقات الحيض (٥) والصّوم أكثر دوراً كذلك أوقات الطهر والإفطار أكثر دوراً فلما كثر أوقات الطهر كان الجماع موجودًا فيها ظاهراً، فيوجب ذلك فتور رغبته في الجماع، فلا يليق فيه إيجاب الزاجر؛ لأنّ إيجاب الزّاجر يمنع وجود الجماع وبفتور الرغبة كان ممتنعًا عنه فلا يحتاج إلى إيجاب الزّاجر. وهذا اللفظ إشارة إلى قوله: أنت عليّ كظهر أمي، لا يكون إلا ظهاراً؛ لأنّه صريح فيه يعني لو نوى الطّلاق أو الإيلاء أو قال: لم أنو شيئاً، يكون ظهاراً فلا يتمكّن من الإتيان به؛ لأنّ في ذلك يغير موضوع الشّرع وليس إلى العبد ذلك، بل له الامتثال بالمشروع ليس إلا تشبيه المحلّلة بالمحرّمة وحرف التعريف فيهما للعهد أي المحلّلة نكاحاً دون ملك اليمين، والمحرمة تأبيدًا لا توقيتًا، وهذا المعنى في عضو لا يجوز النظر إليه هذا احتراز عن التشبه باليد والرجل والشعر والظفر؛ لأنّه يحلّ النظر والمسّ فلا يكون مظاهراً بالتشبيه بهذا كذا في «المبسوط» (٦). وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ رَأْسُك عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أي: يكون مظاهراً.

стр. 1919

يعني كما أنّ في المشبّه بها يشترط أن يكون في لفظه كلّ بدن المشبّه أو ما يعتبر به كلّ بدن [المشبه بها فكذلك يشترط أن يكون في لفظه كل بدن المشبه أو ما يعبر به كل بدن] (١) المشبه، لتحقيق الظهار؛ فلذلك صار مظاهراً في قوله: رأسك عليّ كظهر أمي، كما لو قال: أنت عليّ كظهر أمي، ولم يصر مظاهراً في قوله: يدك عليّ أو رجلك عليّ كظهر أمي، كما لم يكن مظاهراً في قوله: أنت عليّ كيد أمي أو كرجل أمي؛ لأنّ التشبيه بالكل أو بما يعتريه عن الكل مشروط في الطرفين في كونه مظاهراً. وذكر في «المبسوط» ولو قال جنبك أو ظهرك عليّ كظهر أمي لم يكن مظاهراً بمنزلة قوله: يدك أو رجلك؛ لأنّ هذا العضو لا يعبر به عن جميع البدن عادة (٢). وإن لم يكن له نية فليس بشيء عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وذكر في «المبسوط» (٣) وإن لم يكن له فيه فليس ذلك بشيء عند أبي حنيفة ﵀، وفي قول محمّد ﵀ هو ظهار، ولم يذكر قول أبي يوسف وعنه روايتان: أحديهما كقول محمد؛ لأنّه قال في الأمالي (٤): إذا كان هذا في حالة الغضب، وقال نويت به البر لم يصدق في القضاء وهو ظهار (٥). وعنه أنّه قال: إيلاء؛ لما أنّ الأم محرمة عليه بالنصّ قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٦) فكان قوله: أنت عليّ كظهر أمي، بمنزلة قوله: أنت عليّ حرام، وقد بينا في هذا اللفظ إذا لم ينو شيئاً يثبت أقلّ الوجوه وهو الإيلاء، وبنحو هذا يحتج محمّد ﵀ (٧). ولكنه يقول: هو ظهار لوجود كاف الخطاب في كلامه، فإنّ الظهار يختصّ بهذا الحرف، ومتى كان مراده أكبر بقوله: أنت عندي كأمي، ولا يقول: عليّ، إلا أنّه إذا نوى البر أقمنا حرف على مقام عند لتصحيح نيته، فإذا لم ينو بقي محمولاً على حقيقته فكان ظهاراً. وأبو حنيفة ﵀ يقول: كلام العاقل مهما أمكن حمله على وجه يحلّ شرعًا، لا يحمل على ما يحرم شرعًا (٨)، والظهار منكر من القول وزور، فلا يحمل كلامه عليه إذا أمكن حمله على معنى البر والكرامة، يوضحه أنّها كانت محلّلة له، وهذا الكلام يحتمل معنى البر ويحتمل معنى الظهار، ولكن الحرمة لا تثبت بالشك، كما لا يثبت الطّلاق بالشك، وألحق في رواية «الجامع الصّغير» قوله: مثل أمي، بقوله: كأمي، فعند أبي يوسف ﵀ هو إيلاء، ليكون الثابت أدنى الحرمتين؛ لأنّ حرمة الإيلاء أدنى من حرمة الظهار لستة أوجه من حيث السّبب ومن حيث الحكم ومن حيث معان أُخَر (٩).

стр. 1920

أمّا السّبب فإنّ الظهار منكر من القول وزور، وسبب حرمة الإيلاء اليمين واليمين مباح، وأمّا الحكم فهو الوجه الثاني، فإن كفارة الظهار أغلظ وهو إطعام ستين مسكينًا، وكفارة الإيلاء إطعام عشرة مساكين، والثالث وهو أن الحرمة بالإيلاء تثبت في الحال، وأمّا حرمة الظهار فيثبت في الحال، والرابع هو أن دفع الحرمة الثابتة بالإيلاء ممكن بالوطء، [والوطء] (١) هو المقصود وفي الظهار لا يحلّ وطؤها ما لم يكفّر، والخامس هو أنّه إذا ظاهر امرأته ثم طلّقها ثلاثاً ثم تزوّجها بزوج آخر ثم عادت إلى الأوّل تعود بالظهار حتى لا يحلّ وطؤها ما لم يكفر، أما في الإيلاء إذا طلّقها ثلاثاً والمسألة بحالها لا يعود الإيلاء في حق الطلاق، والسّادس [وهو] (٢) أنّ المظاهر إذا امتنع عن التكفير يجبره القاضي على التكفير بالحبس والضرب، ولا كذلك الإيلاء وعلى ما ذكرنا، فعلم بهذه الوجوه أنّ الإيلاء أخف، فثبت هو في حقه عند انعدام تعيين إحدى الحرمتين، ولكن ذكر الإمام قاضي خان في «الجامع الصّغير» وقال: وإن نوى به التحريم ذكر في بعض النسخ أنّه إيلاء عند أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف، والأصحّ أنّه ظهار عند الكلّ؛ لأن التحريم المؤكد بالتشبه ظهار، وكذلك ذكر الإمام التمرتاشي أنّه ظهار من غير ذكر خلاف أحدٍ (٣). لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ، أي لا غير وهي الطلاق والظهار لتصريحه بالحرمة بخلاف المسألة الأولى فإنّها كانت تحتمل البر والكرامة والوجهان بيناهما وهو قوله لِيَكُونَ الثَّابِتُ أَدْنَى الْحُرْمَتَيْنِ. وقوله: لِأَنَّ كَافَ التَّشْبِيهِ تَخْتَصُّ بِهِ، ونوى طلاقاً أو إيلاءً أو لم يكن له نية كان ظهاراً، كذا في «المبسوط» (٤) غير أن عند محمد إذا نوى الطّلاق لا يكون ظهاراً بل يكون طلاقاً. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَكُونَانِ جَمِيعًا (٥)، أي يقع الطلاق بنيته ويكون مظاهراً بالتصريح بالظهار، ولا يصدّق في القضاء في صرف الكلام عن ظهاره؛ بمنزلة قوله: زينب طالق وله امرأة معروفة بهذا الاسم، فقال: لي امرأة أخرى وإياها عنيت يقع الطلاق على تلك بنيته، وعلى هذا المعروفة بالظاهر، ولكن هذا ضعيف، فإنّ الطلاق إن وقع بقوله: أنت عليّ حرام، كان متكلمًا بلفظ الظهار، بعدما بانت والظهار بعد البينونة لا يصحّ.

стр. 1921

وإن قال: الظهار مع الطّلاق يثبت بقوله: أنت عليّ حرام، قلنا: اللفظ الواحد لا يحتمل معنيين مختلفين كذا في «المبسوط» (١). وذكر في «الفوائد الظهيرية» جواب أبي يوسف عن هذا فقال جاز أن يصح ظهارًا المبانة على قوله، وكان هذا رواية منه على صحة ظهار المبانة، ولأن هذا الكلام صريح في الظهار، ولهذا لو لم يكن له نية يكون ظهاراً، فلا يصدق في إبطال حكم الظهار، ويصدق في إرادة الطّلاق لاعترافه به أنّه صريح في الظهار، فلا يحتمل غيره؛ لأنّ معنى قوله: أنت عليّ كظهر أميّ، فيكون الحرام تفسيراً للظهار، والشيء لا يتغيّر تفسيره كذا في «مبسوط فخر الإسلام» ولا يكون الظهار إلا من الزوجة حتى لو ظاهر من أمته لم يكن مظاهراً (٢). فإن قلت: الأمة محل للظهار بقاء فيجب أن يكون ابتداء كما لو ظاهر من امرأته وهي أمة. ثم اشتراها يبقى حكم الظهار وهي أمة. قلت: كم من شيء ثبت بقاء ولا يثبت ابتداء، كبقاء النكاح في المعتدّة وإن لم يثبت ابتداء. ثم إنما تثبت حرمة الظهار في الأمة بقاء؛ لأن حرمة الظهار تثبت حين كانت محلاً لها، فيبقى إلى أن يوجد الكفارة فهي بمنزلة الحرمة الثانية بالطّلاق. ولو طلّقها ثنتين لم تحل به بسبب بعد ذلك ما لم يتزوّج بزوج آخر، فكذلك إذا ثبتت الحرمة بالظهار؛ إذ هذه حرمة مع بقاء الملك، فكانت كالحرمة بسبب الحيض والحائض لا تحلّ له بملك اليمين كما لا تحلّ له بملك النكاح، وكذا إذا أعتقها ثم تزوّجها، ولأن الحلّ في الأمة تابع، والتابع في حكم العدم فلم، يكن هو في التشبيه كاذباً، فلم يوجد ركن الظهار، فلا يكون مظاهراً لعدم ركنه، وإنّما قلنا: أنّ الحلّ فيها تابع بدليل أنّه لو اشترى أمّة فوجدها محرمة عليه برضاع أو صهرية لا يثبت للمشتري ولاية الرد بسبب الحرمة، كذا في «الفوائد الظهيرية» (٣)؛ لأنّه صادق في التشبيه وقت التصرف؛ لأنّها محرمة قبل إجازتها فلم يوجد ركن الظهار، وهو تشبيه المحلّلة بالمحرمة والظهار ليس بحق هذا جواب سؤال مقدر بأن يقال: أنّ الظهار مبني على الملك، والملك موقوف فينبغي أن يكون الظهار موقوفاً. قلنا: أن الظهار ليس من حقوق النكاح؛ لأنّ النكاح أمر مشروع، والظهار منكر من القول وزور والمحظور لا يتوقف بتوقف المشروع. وأمّا إعتاق المشتري من الغاصب فإنّه يتوقف إلى إجازة المالك فإن إجازته بعد.

стр. 1922

لِأَنَّهُ، أي الإعتاق، مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ؛ لأن الإعتاق منه للملك، فجاز أن يكون الإعتاق حكم للملك؛ لأن الملك والإعتاق كليهما مشروعًا به بخلاف الإيلاء منهن بأن قال: والله لا أقربكن، فإنّه إذا لم يقربهن حتى مضت أربعة أشهر طلقن جميعًا، وأمّا إذا قرب الكل قبل مضي المدّة يجب عليه كفارة واحدة؛ لأن ذِكْرُ الِاسْمِ أي اسم الله لم يتعدد لأنّه قال والله لا أقربكن مرَّةً واحدة والله أعلم. فصل في الكفارة لما ذكر حكم الظهار، وهو حرمة الوطء ودواعيه إلى نهايته ذكر في هذا الفصل ما ينهي تلك الحرمة وهو الكفارة. قوله ﵀: (وَكَفَّارَةُ الظِّهَارِ عِتْقُ رَقَبَةٍ)، أي إعتاق رقبة فإن العتق لا ينوب عن الكفارة. ألا ترى أنّه لو ورث إياه ونوى الكفارة لا يخرج عن عهدتها. قوله ﵀: كَذَا فِي الْإِطْعَامِ، اعلم أن عطف الإطعام على الإعتاق والصيام إنّما يصح في حق لزوم التقديم على المسيس (١)، لا في الاستيناف فإن الإطعام في لزوم التقديم على المسيس نظير الإعتاق والصوم لا في حق الاستيناف على ما يجيء، ويجزي في العتق الرقبة الكافرة، وعند بعض المشايخ لا يجوز إعتاق المرتد (٢) عن الكفّارة؛ لأنّه بالردّة صار حربيًّا، ولهذا حلّ قتله فصرف الكفّارة إلى الحربي لا تجوز، وأمّا المرتدة فيجوز بلا خلاف. ويجزي الرضيع ولا يجزي الجنين والمريض الذي في حدّ مرض الموت لا يجوز، وإذا كان يرجى ويخاف عليه يجوز كذا في «المحيط» (٣). قوله ﵀: إذْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الذَّاتِ الْمَرْقُوقِة الْمَمْلُوكِة مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فقوله: من كلّ وجه، متعلّق بالمرقوقة دون المملوكة؛ لأنّ الرق الكامل شرط ولهذا لو أعتق المدبّر عن الكفّارة لا تصح. ولو أعتق المكاتب الذي لم يردّ شيئاً يصح، ويقع عن الكفارة ونحن نقول: المنصوص عليه إعتاق الرقبة، وقد تحقّق ذلك بإعتاق الكافرة، ولا يقال: بين صفة الكفر والإيمان تضاد، فإذا جوّزنا المؤمنة انتفت الكافرة.

стр. 1923

لأنّا نقول [أن] (١) جواز المؤمنة عندنا لأنّها رقبة لا لأنّها مؤمنة. ألا ترى أنا نجوز الكبيرة والصغيرة وبين الصفتين تضاد، وكذا يجوز الذكر والأنثى وبين الصفتين تضاد، ولكن الجواز باسم الرقبة فكان الوصف فيه غير معتبر. فأمّا حمل المطلق على المقيّد فالعراقيون من مشايخنا يجوّزون ذلك في حادثة واحدة، كما في قوله ﵇ «في خمس من الإبل السّايمة شاة» (٢)، مع قوله ﵇: «في خمس من الإبل شاة» (٣). ولكن الأصح أنّه لا يجوز حمل المطلق على المقيّد عندنا لا في حادثة ولا في حادثتين، حتّى جوّز أبو حنيفة ﵀ التيمم (٤) بجميع أجزاء الأرض عملاً بقوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهوراً» (٥)، ولم يحمل هذا المطلق على المقيّد وهو قوله ﵇: «التراب طهور المسلم» (٦). وهذا لأنّ للمطلق حكمًا وهو الإطلاق في حمله على المقيّد إبطال حكمه، وإليه أشار ابن عباس ﵄ في قوله: «أبهموا ما أبهم الله» (٧) وامتناع وجوب الزكاة في غير السّائمة ليس لحمل المطلق على المقيّد، بل للنصّ الوارد بأن لا زكاة في العوامل (٨) (٩) واشتراط صفة التتابع عندنا في الصّوم في كفارة اليمين ليس بطريق حمل المطلق على المقيّد، بل بقراءة ابن مسعود (١٠) ﵁ وهي مشهورة، وهو لازم عليهم، فإنّهم لا يشترطون صفة التتابع فيها لحمل المطلق على المقيّد كذا في «المبسوط» (١١).

стр. 1924

وَقَصْدُهُ في الْإِعْتَاقِ، هذا جواب عن قوله: الْكَفَّارَةُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى عَدُوِّ اللَّهِ تعالى، قلنا: قصد الكفر أن يكون العبد خالصاً للطّاعات نحو الزكاة والحج والجهاد والقضاء والشهادة، ومتمكنًا منها، فالظاهر أن العبد يسلم باعتبار أن مولاه أحسن إليه طلباً [لمرضاة] (١) الله تعالى فأعتقه، وهو أيضاً يرعى حق الله تعالى فيطيعه. ولو أصرّ على المعصية فالمعصية إنّما تحقّقت بسوء اختياره، أي اختيار العبد. ثمّ مُقارفته المعصية، يقال: قارف فلان الخطيئة (٢) أي خالطها واكتسبها. ومنه ما ورد في الحديث: «من قارف ذنباً فارقه عقل لم يعد إليه أبدًا» (٣)، وإنّما لا يجوز أداء الزكاة إلى الكافر بالحديث، وهو قوله ﵇: «خذها من أغنيائهم وردّها في فقرائهم» (٤) وقد ذكرناه في الزكاة. فإن قلت: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٥) نهى أن يطلب التقرب بالخبيث، ولا خبث أشدّ من الكفر. قلت: لا حجة لك فيه؛ لأنّ الكفر خبث من حيث الاعتقاد، والمصروف إلى الكفارة ليس هو الاعتقاد، إنّما المصروف إلى الكفّارة المالية ومن حيث المالية هو عيب يسير على شرف الزوال كذا في «المبسوط» (٦). (وَلَا تُجْزِئُ الْعَمْيَاءُ) فموصوفها الرقبة لا الأنثى أو الأمة، حتّى لا يجوز العبد الأعمى أيضاً. والأصل الجامع في تخريج ما يجوز به الإعتاق عن الكفّارة وما لا يجوز هو أنّه متى أعتق رقبة كاملة الرق في ملكه، مقرونًا بنية الكفارة وجنس ما ينبغي من المنافع فيها، قائم بلا بدل، يجوز عن الكفّارة، وإلا فلا يجوز.

стр. 1925

وعن هذا قلنا: أنّه إذا أعتق نصف الرقبة، ثم أعتق النصف الآخر قبل أن يجامعها يجوز عن كفارته، وبعدما جامعها لا يجوز عند أبي حنيفة ﵀ خلافاً لهما (١). وقولنا مقرونًا بنية الكفارة، فإنّه إذا أعتق عبده ولم ينو عن كفّارته، لا يجوز عن كفارته، وإن نوى عن كفارته بعد الإعتاق لا يجوز أيضاً. وقولنا: وجنس ما ينبغي من المنافع فيه قائم أنّه إذا أعتق مقطوع اليدين أو ما يماثله لا يجوز، ولو كان مقطوع يد واحدة أو ما يماثله أو مقطوع الأنف أو عنّينًا (٢) أو خنثى (٣) أو مجبوباً (٤) أو كانت أمة رتقاء (٥) أو لها قرن (٦) يمنع الجماع يجوز عن كفارته. وقولنا [بلا بدل] (٧)، فإنّه إذا أعتق عبده على البدل لا يجوز، كذا في «شرح الطّحاوي» (٨). حتّى يجوز العوراء، وقال الشّافعي ﵀: لا يجوز؛ لأنّها ناقصة نقصانًا لا يُرجى زواله فكانت كالعميا (٩). والأصل عنده أنّ كل عيب لا يرجى زواله يكون فاحشًا يمنع جواز التكفير به، وكلّ عيب يُرجى زواله يكون يسيراً لا يمنع جواز التكفير به، كالحمى (١٠) والشجة (١١) فإنّه إذا صيح عليه يسمع، وقيل -في الرواية التي قال: لا يجوز -: قوله محموله على صمم (١٢) أصلي ولابدّ أن يكون معه الخرس (١٣) فإنّه لم يسمع الكلام ليتكلّم، وهذا لا يجوز، ومراده من الرواية قال يجوز إذا كان الصمّ عارضاً، فلا يكون معه الخرس فيسمع عند المبالغة في رفع الصوت، ويجزئ الخصي ومقطوع الأذنين ومقطوع المذاكير عندنا خلافاً لزفر (١٤) (١٥)؛ لأنّ بعد قطع الأذنين الشّاخصتين السّمع باق وإنّما يفوت ما هو زينة وجمال فلا تصير الرقبة مستهلكة كفوت شعر الحاجبين واللحية وفي الخصي ومقطوع المذاكير إنّما يفوت منفعة النسل، وهي زائدة على ما يُطلب من المماليك، ولا يجوز مقطوع إبهام اليدين (١٦)، وكذلك إذا كان من كل يد ثلاث أصابع مقطوعة لم يجز لفوات منفعة البطش (١٧)، وقطع أكثر الاصابع في هذا كجميعها، وإن كان المقطوع من كلّ يد أصبعًا أو أصبعين سوى الإبهام يجزي؛ لأنّ منفعة البطش باقية، كذا في «المبسوط» (١٨).

стр. 1926

(وَاَلَّذِي يُجَنُّ (١) وَيُفِيقُ يَجْزِيه)، يريد به إذا أعتقه في حال إفاقته. وروى إبراهيم عن محمد (٢): إذا أعتق عبدًا حلال الدّم قد قضى بدمه عن طهارة، ثم عفى عنه لم يجز، كذا في «المحيط» (٣). ولا يجزئ عتق المدبّر (٤) وأم الولد؛ لأنّ المنصوص عليه الرقبة، وذلك اسم للذّات حقيقة وللذّات المرقوقة عرفاً، وقد دلّ على الرق قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٥) فيقتضي قيام الرق مطلقاً وبالاستيلاد (٦) يتمكن النقصان في الرق حتّى لا يعود إلى [الحال] (٧) الأولى بحالٍ، ولأنّ قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٨) يقتضي إنشاء العتق من كل وجه، وإعتاق أمّ الولد تعجيل لما صار مستحقًّا لها مؤجلاً، فلا يكون إنشاء من كلّ وجه كذا في «المبسوط» (٩). وبهذا يعلم أن الرق ناقص فيهما دون الملك؛ لأن العتق ضد الرق، لا ضد الملك؛ لأن الملك ثابت في الثياب ولا يثبت العتق واتحاد المحل شرط التضاد، فبهذا يعلم أن ثبوت الملك في موضع لا يلزم الرق وإذا كان الرق ناقصاً لا يجوز عن الكفّارة لعدم الإعتاق من كلّ وجه والملك فيها كامل؛ لأنّ المالك ما أزال الرق قصدًا عن أمّ الولد، بل أزال الشرع بسبب الولد فيظهر في حق الرق لأنّ الرق حق الشرع.

стр. 1927

بخلاف الملك فإنّه حق العبد. وكذلك في التدبير موجب العتق بعد الموت، أمّا في المكاتب الرق كامل ولهذا يرد عند العجز إلى الرق، فلو كان الرق ناقصاً لما صحّ الردّ إلى الرق عند العجز. فَأَشْبَهَ الْمُدَبَّرَ، أي على مذهبكم، فإنّ عند الشافعي بيع المدبّر وإعتاقه جائز (١)، فكان هذا منه استدلالاً بمذهبنا احتجاجاً علينا لا أن يكون هذا مذهبه كذا نقل عن مولانا حميد الدين ﵀. وَلَنَا أَنَّ الرِّقَّ قَائِمٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وهو قوله، وَلِهَذَا تَقْبَلُ الْكِتَابَةُ الِانْفِسَاخَ وَلِقَوْلِهِ ﵇ «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» (٢) ولا يتمكن النقصان في رقّه ولا يصير العتق مستحقاً له بسبب الكتابة؛ [لأنّ حكم العتق في الكتابة] (٣) متعلّق بشرط الأداء، ولو علّق عتقه بشرط آخر لم يثبت به الاستحقاق، فكذلك بهذا الشرط بل أولى؛ لأنّ التعليق بسائر الشروط يمنع الفسخ وبهذا الشرط لا يمنع. ولو تمكّن نقصان في رقّه لما تصوّر فسخه وإعادته إلى الحالة الأولى؛ لأنّ نقصان الرق ثبوت الحرية من وجه، وكما أنّ ثبوت الحرية من كلّ وجه لا يحتمل الفسخ، فكذلك ثبوتها من وجه، ولأنّ الثابت بالكتابة انفكاك الحجر (٤) عنه في حق المكاتب، وذلك لا يمكّن نقصاناً في رقّه كالإذن في التجارة إلا أنّ ذاك فكّ الحجر بغير عوض، فلا يكون لازمًا في حق المولى، وهذا فك بعوض فيكون لازمًا، ولكن مع هذا المنافع والمكاسب غير الرقية والتصرّف فيها لازمًا كان أو غير لازم لا يتمكن النقصان في الرق والملك كالإعارة (٥) مع الإجارة وبسبب اللزوم يمتنع على المولى التصرف فيه، ويلزمه ضمان العُقر (٦) والأرش (٧)؛ لأنّ ذلك في حكم المكاسب والمنافع والمكاسب صارت مستحقة له، ولكن بهذا الاستحقاق لا يصير الرقية في حكم المستهلكة وإذا ثبت أنّ العتق لم يصير مستحقاً بهذا السّبب ظهر أنّ إعتاق المولى إيّاه يكون تحريراً مبتدأ من كلّ وجه.

стр. 1928

قوله ﵀: لَا تُنَافِيه، أي الرق، فَيَلْزَمُ مِنْ جَانِبِهِ، أي جانب المولى. وقوله: إلَّا أَنَّهُ بِعِوَضٍ فَيَلْزَمُ مِنْ جَانِبِهِ، جواب إشكال، وهو أن يقال: لو كانت الكتابة لفكّ الحجر بمنزلة الإذن في التجارة ينبغي أن يستبد المولى بالفسخ كما في عزل المأذون، فأجاب عنه، وقال: عقد الكتابة تعريض العبد للإعتاق بعوض، فكان لازمًا كالبيع. وَلَوْ كَانَ مَانِعًا، أي: لو كان عقد الكتابة مانعًا عن الإعتاق للكفارة وهذا على وجه التّسليم، يعني لو كان مانعًا ينفسخ هو في ضمن الإعتاق، فحينئذ يكون الإعتاق إعتاق قنّ خالٍ عن عقد الكتابة. إذْ هُوَ يَحْتَمِلُهُ، أي عقد الكتابة يحتمل الفسخ. إلَّا أَنَّهُ تَسْلَمُ لَهُ، هذا جواب إشكال، بأن يقال: لو كان إعتاقه بجهة التكفير، وانفسخ عقد الكتابة في ضمن الإعتاق بجهة التكفير، كان يجب أن يكون الأولاد والإكساب للمولى كما إذا أعتق عبده المأذون وله إكساب بجهة التكفير. قلنا: إنّما سلم له الإكساب والأولاد؛ لأنّه عتق وهو مكاتب، لا لأنّه عتق بجهة الكتابة كما لو كاتب أمّ ولده. ثم مات المولى عتقت بجهة الاستيلاد، وسلّم لها الإكساب والأولاد؛ وهذا لأنّ العتق في المكاتب واحد، والإعتاق من المولى يختلف جهاته ففيما يرجع إلى حق المكاتب جعل هذا ذلك العتق لكونه متحدًا، وفي حقّ المولى يجعل إعتاقاً بجهة الكفارة؛ لأنّه قصد ذلك وهو كالمرأة إذا وهبت الصّداق للزّوج قبل القبض، ثم طلّقها قبل الدخول لا يرجع عليها بشيء، وجعل هبتها في حق الزوج تحصيلاً لمقصود الزّوج عند الطلاق، وفي حقها يجعل تمليكًا بهبة مبتدأة كذا في «المبسوط» (١). (وَإِنْ اشْتَرَى أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ)، إلى قوله: (جَازَ عَنْهَا)، هذا في حق الشراء أمّا لو دخل ذو رحم محرم (٢) منه في ملكه بلا صنعة، كما إذا دخل بالميراث، فإنّه لا يجوز بالإجماع، ولو قال: إن دخلت الدّار فأنت حرّ، ونوى العتق وقت دخوله الدّار عن كفارته لا يجوز، إلا إذا نوى عن كفّارته وقت اليمين، كذا في «شرح الطّحاوي» (٣). بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا، أي لا يجوز عن الكفّارة بالاتفاق.

стр. 1929

فإن قيل يجب أن يقع عن الكفارة عندهما وإن كان المعتق معسراً؛ لأنّه يكون حرًا مديونًا عندهما بناء على أنّ الإعتاق لا يتجزأ عندهما (١). قلنا: إنّما لم يجز لأنّ وجوب هذا الدين بسبب الإعتاق، فلا يكون العتق مجاناً فلا يقع عن الكفّارة. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ نَصِيبَ صَاحِبِهِ يَنْتَقِصُ عَلَى مِلْكِهِ (٢)، أي على ملك صاحبه؛ لأنّه لما أعتق النصف يكون نصيب شريكه ناقصاً؛ وذلك لأنّ العتق عنده يتجزى، وإنّما عتق نصيبه في الابتداء ونصف الرقبة ليس برقبة ثم يتمكّن نقصان في الآخر؛ لأنّه يتعذّر استدامة الرق فيه وهذا النقصان في ملك الشريك عين فجزى عن كفارته، فبالضّمان إنّما يملك ما بقي منه، فإذا أعتقه كان هذا في المعنى إعتاق عبيداً لا شيئاً كذا في «المبسوط» (٣). فإن قيل: لم قلتم أنّ ذلك النقصان تمكّن في نصيب شريكه -أعني به السّاكت- بل في نصيبه تمكّن، وهذا لأنّ نصيب السّاكت صار ملكًا للمعتق من وقت الإعتاق؛ لأنّ المضمونات تملك بأداء الضمان بصفة الاستناد إلى زمان وجود سبب الضمان عندنا على ما عرف. قلنا: الملك في المضمونات يثبت بصفة الاستناد في حقّ الضامن والمضمون له، لا في حق من عداهما على ما عُرف في كتاب الغصب من الزيادات (٤) (٥). وإذا كان كذلك كان النقصان متمكنًا في نصيب السّاكت في حق من عداهما، فلم يجز كذا في الفوائد الظهيرية (٦). والنقصان يتمكّن [على ملكه] (٧) بسبب الإعتاق بجهة الكفارة، فيجعل كأنّه أعتق أولاً النصف وبعض النصف الآخر، ثم في المرة الثانية أعتق ما بقي [فيجزيه] (٨). وأمّا إذا كان العبد مشتركًا لا يمكن أن يجعل النقصان الحاصل في النصف الباقي مصروفاً إلى الكفّارة؛ لانعدام الملك له في ذلك النصف، فبطل قدر النقصان ولم يقع عن الكفارة، فإذا ضمن قيمة النصف الباقي وأعتقه فقد صرفه إلى الكفارة وهو ناقص، فصار في الحاصل كأنّه أعتق عبدًا إلا قدر النقصان.

стр. 1930

وشرط الإعتاق أن يكون قبل المسيس، وإعتاق النصف حصل بعده. فإنّ قيل: أي إعتاق وجد بعد هذا وإن كان إعتاق رقبة كاملة فهو إعتاق بعد المسيس، فعلى هذا أنّه إذا أعتق رقبة كاملة ينبغي أن لا يجوز عن الكفارة -أيضاً-؛ لأنّه إعتاق بعد المسيس. قلنا: إنّما يجوز؛ لأنّه إعتاق رقبة كاملة قبل المسيس الثاني، فصار إعتاق نصف العبد كأن لم يكن؛ لأنّ الشرط أن يكون إعتاق كلّ الرقبة موجودًا قبل المسيس، فصار كأنّه صام شهراً، ثم مسّها، ثم صام شهراً لا يجوز الصّوم عن الكفارة بل يجب الاستئناف (١). فكذلك ههنا وإذا لم يجد المظاهر ما يعتق فكفّارته صوم شهرين. وفي «المحيط» وإذا لم يملك رقبة ولا ثمن رقبة يصوم شهرين متتابعين، فإن صام شهرين بالأهلة (٢) جاز، وإن كان كلّ شهر تسعة وعشرين يومًا، وإن صام بغير الأهلة ثم أفطر لتمام تسعة وخمسين يومًا فعليه الاستقبال (٣). ولا يوم الفطر ولا يوم النحر حتّى لو دخل في صومه يوم النّحر وأيّام التشريق (٤) فعليه استقبال الصّوم؛ لأنّ الصّوم في هذه الأيّام منهيّ فلا يتأدّى [به] (٥) الواجب في ذمته، وينقطع التتابع بتحلل هذه الأيام. (فَإِنْ جَامَعَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا فِي خِلَالِ الشَّهْرَيْنِ) إلى آخره، اعلم أنّه إن أكل في صوم الظّهار ناسياً لصومه [لم] (٦) يضره، وكذلك إن جامع ناسياً غير التي ظاهر منها؛ لأنّ حرمة هذا الفعل عليه لأجل الصّوم، فيختلف بالنسيان والعمد بخلاف ما لو جامع التي ظاهر منها، عند أبي حنيفة ومحمّد -رحمهما الله-، فإنّ حرمة ذلك الفعل ليست لأجل الصّوم (٧). ألا ترى أنّه كان محرمًا قبل الشروع في الصّوم فيستوي النسيان والعمد، كذا في «المبسوط» (٨).
следующие страницы →