← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

(وَاَلَّذِي يُجَنُّ (١) وَيُفِيقُ يَجْزِيه)، يريد به إذا أعتقه في حال إفاقته. وروى إبراهيم عن محمد (٢): إذا أعتق عبدًا حلال الدّم قد قضى بدمه عن طهارة، ثم عفى عنه لم يجز، كذا في «المحيط» (٣). ولا يجزئ عتق المدبّر (٤) وأم الولد؛ لأنّ المنصوص عليه الرقبة، وذلك اسم للذّات حقيقة وللذّات المرقوقة عرفاً، وقد دلّ على الرق قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٥) فيقتضي قيام الرق مطلقاً وبالاستيلاد (٦) يتمكن النقصان في الرق حتّى لا يعود إلى [الحال] (٧) الأولى بحالٍ، ولأنّ قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٨) يقتضي إنشاء العتق من كل وجه، وإعتاق أمّ الولد تعجيل لما صار مستحقًّا لها مؤجلاً، فلا يكون إنشاء من كلّ وجه كذا في «المبسوط» (٩). وبهذا يعلم أن الرق ناقص فيهما دون الملك؛ لأن العتق ضد الرق، لا ضد الملك؛ لأن الملك ثابت في الثياب ولا يثبت العتق واتحاد المحل شرط التضاد، فبهذا يعلم أن ثبوت الملك في موضع لا يلزم الرق وإذا كان الرق ناقصاً لا يجوز عن الكفّارة لعدم الإعتاق من كلّ وجه والملك فيها كامل؛ لأنّ المالك ما أزال الرق قصدًا عن أمّ الولد، بل أزال الشرع بسبب الولد فيظهر في حق الرق لأنّ الرق حق الشرع.

стр. 1927

بخلاف الملك فإنّه حق العبد. وكذلك في التدبير موجب العتق بعد الموت، أمّا في المكاتب الرق كامل ولهذا يرد عند العجز إلى الرق، فلو كان الرق ناقصاً لما صحّ الردّ إلى الرق عند العجز. فَأَشْبَهَ الْمُدَبَّرَ، أي على مذهبكم، فإنّ عند الشافعي بيع المدبّر وإعتاقه جائز (١)، فكان هذا منه استدلالاً بمذهبنا احتجاجاً علينا لا أن يكون هذا مذهبه كذا نقل عن مولانا حميد الدين ﵀. وَلَنَا أَنَّ الرِّقَّ قَائِمٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وهو قوله، وَلِهَذَا تَقْبَلُ الْكِتَابَةُ الِانْفِسَاخَ وَلِقَوْلِهِ ﵇ «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» (٢) ولا يتمكن النقصان في رقّه ولا يصير العتق مستحقاً له بسبب الكتابة؛ [لأنّ حكم العتق في الكتابة] (٣) متعلّق بشرط الأداء، ولو علّق عتقه بشرط آخر لم يثبت به الاستحقاق، فكذلك بهذا الشرط بل أولى؛ لأنّ التعليق بسائر الشروط يمنع الفسخ وبهذا الشرط لا يمنع. ولو تمكّن نقصان في رقّه لما تصوّر فسخه وإعادته إلى الحالة الأولى؛ لأنّ نقصان الرق ثبوت الحرية من وجه، وكما أنّ ثبوت الحرية من كلّ وجه لا يحتمل الفسخ، فكذلك ثبوتها من وجه، ولأنّ الثابت بالكتابة انفكاك الحجر (٤) عنه في حق المكاتب، وذلك لا يمكّن نقصاناً في رقّه كالإذن في التجارة إلا أنّ ذاك فكّ الحجر بغير عوض، فلا يكون لازمًا في حق المولى، وهذا فك بعوض فيكون لازمًا، ولكن مع هذا المنافع والمكاسب غير الرقية والتصرّف فيها لازمًا كان أو غير لازم لا يتمكن النقصان في الرق والملك كالإعارة (٥) مع الإجارة وبسبب اللزوم يمتنع على المولى التصرف فيه، ويلزمه ضمان العُقر (٦) والأرش (٧)؛ لأنّ ذلك في حكم المكاسب والمنافع والمكاسب صارت مستحقة له، ولكن بهذا الاستحقاق لا يصير الرقية في حكم المستهلكة وإذا ثبت أنّ العتق لم يصير مستحقاً بهذا السّبب ظهر أنّ إعتاق المولى إيّاه يكون تحريراً مبتدأ من كلّ وجه.

стр. 1928

قوله ﵀: لَا تُنَافِيه، أي الرق، فَيَلْزَمُ مِنْ جَانِبِهِ، أي جانب المولى. وقوله: إلَّا أَنَّهُ بِعِوَضٍ فَيَلْزَمُ مِنْ جَانِبِهِ، جواب إشكال، وهو أن يقال: لو كانت الكتابة لفكّ الحجر بمنزلة الإذن في التجارة ينبغي أن يستبد المولى بالفسخ كما في عزل المأذون، فأجاب عنه، وقال: عقد الكتابة تعريض العبد للإعتاق بعوض، فكان لازمًا كالبيع. وَلَوْ كَانَ مَانِعًا، أي: لو كان عقد الكتابة مانعًا عن الإعتاق للكفارة وهذا على وجه التّسليم، يعني لو كان مانعًا ينفسخ هو في ضمن الإعتاق، فحينئذ يكون الإعتاق إعتاق قنّ خالٍ عن عقد الكتابة. إذْ هُوَ يَحْتَمِلُهُ، أي عقد الكتابة يحتمل الفسخ. إلَّا أَنَّهُ تَسْلَمُ لَهُ، هذا جواب إشكال، بأن يقال: لو كان إعتاقه بجهة التكفير، وانفسخ عقد الكتابة في ضمن الإعتاق بجهة التكفير، كان يجب أن يكون الأولاد والإكساب للمولى كما إذا أعتق عبده المأذون وله إكساب بجهة التكفير. قلنا: إنّما سلم له الإكساب والأولاد؛ لأنّه عتق وهو مكاتب، لا لأنّه عتق بجهة الكتابة كما لو كاتب أمّ ولده. ثم مات المولى عتقت بجهة الاستيلاد، وسلّم لها الإكساب والأولاد؛ وهذا لأنّ العتق في المكاتب واحد، والإعتاق من المولى يختلف جهاته ففيما يرجع إلى حق المكاتب جعل هذا ذلك العتق لكونه متحدًا، وفي حقّ المولى يجعل إعتاقاً بجهة الكفارة؛ لأنّه قصد ذلك وهو كالمرأة إذا وهبت الصّداق للزّوج قبل القبض، ثم طلّقها قبل الدخول لا يرجع عليها بشيء، وجعل هبتها في حق الزوج تحصيلاً لمقصود الزّوج عند الطلاق، وفي حقها يجعل تمليكًا بهبة مبتدأة كذا في «المبسوط» (١). (وَإِنْ اشْتَرَى أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ)، إلى قوله: (جَازَ عَنْهَا)، هذا في حق الشراء أمّا لو دخل ذو رحم محرم (٢) منه في ملكه بلا صنعة، كما إذا دخل بالميراث، فإنّه لا يجوز بالإجماع، ولو قال: إن دخلت الدّار فأنت حرّ، ونوى العتق وقت دخوله الدّار عن كفارته لا يجوز، إلا إذا نوى عن كفّارته وقت اليمين، كذا في «شرح الطّحاوي» (٣). بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا، أي لا يجوز عن الكفّارة بالاتفاق.

стр. 1929

فإن قيل يجب أن يقع عن الكفارة عندهما وإن كان المعتق معسراً؛ لأنّه يكون حرًا مديونًا عندهما بناء على أنّ الإعتاق لا يتجزأ عندهما (١). قلنا: إنّما لم يجز لأنّ وجوب هذا الدين بسبب الإعتاق، فلا يكون العتق مجاناً فلا يقع عن الكفّارة. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ نَصِيبَ صَاحِبِهِ يَنْتَقِصُ عَلَى مِلْكِهِ (٢)، أي على ملك صاحبه؛ لأنّه لما أعتق النصف يكون نصيب شريكه ناقصاً؛ وذلك لأنّ العتق عنده يتجزى، وإنّما عتق نصيبه في الابتداء ونصف الرقبة ليس برقبة ثم يتمكّن نقصان في الآخر؛ لأنّه يتعذّر استدامة الرق فيه وهذا النقصان في ملك الشريك عين فجزى عن كفارته، فبالضّمان إنّما يملك ما بقي منه، فإذا أعتقه كان هذا في المعنى إعتاق عبيداً لا شيئاً كذا في «المبسوط» (٣). فإن قيل: لم قلتم أنّ ذلك النقصان تمكّن في نصيب شريكه -أعني به السّاكت- بل في نصيبه تمكّن، وهذا لأنّ نصيب السّاكت صار ملكًا للمعتق من وقت الإعتاق؛ لأنّ المضمونات تملك بأداء الضمان بصفة الاستناد إلى زمان وجود سبب الضمان عندنا على ما عرف. قلنا: الملك في المضمونات يثبت بصفة الاستناد في حقّ الضامن والمضمون له، لا في حق من عداهما على ما عُرف في كتاب الغصب من الزيادات (٤) (٥). وإذا كان كذلك كان النقصان متمكنًا في نصيب السّاكت في حق من عداهما، فلم يجز كذا في الفوائد الظهيرية (٦). والنقصان يتمكّن [على ملكه] (٧) بسبب الإعتاق بجهة الكفارة، فيجعل كأنّه أعتق أولاً النصف وبعض النصف الآخر، ثم في المرة الثانية أعتق ما بقي [فيجزيه] (٨). وأمّا إذا كان العبد مشتركًا لا يمكن أن يجعل النقصان الحاصل في النصف الباقي مصروفاً إلى الكفّارة؛ لانعدام الملك له في ذلك النصف، فبطل قدر النقصان ولم يقع عن الكفارة، فإذا ضمن قيمة النصف الباقي وأعتقه فقد صرفه إلى الكفارة وهو ناقص، فصار في الحاصل كأنّه أعتق عبدًا إلا قدر النقصان.

стр. 1930

وشرط الإعتاق أن يكون قبل المسيس، وإعتاق النصف حصل بعده. فإنّ قيل: أي إعتاق وجد بعد هذا وإن كان إعتاق رقبة كاملة فهو إعتاق بعد المسيس، فعلى هذا أنّه إذا أعتق رقبة كاملة ينبغي أن لا يجوز عن الكفارة -أيضاً-؛ لأنّه إعتاق بعد المسيس. قلنا: إنّما يجوز؛ لأنّه إعتاق رقبة كاملة قبل المسيس الثاني، فصار إعتاق نصف العبد كأن لم يكن؛ لأنّ الشرط أن يكون إعتاق كلّ الرقبة موجودًا قبل المسيس، فصار كأنّه صام شهراً، ثم مسّها، ثم صام شهراً لا يجوز الصّوم عن الكفارة بل يجب الاستئناف (١). فكذلك ههنا وإذا لم يجد المظاهر ما يعتق فكفّارته صوم شهرين. وفي «المحيط» وإذا لم يملك رقبة ولا ثمن رقبة يصوم شهرين متتابعين، فإن صام شهرين بالأهلة (٢) جاز، وإن كان كلّ شهر تسعة وعشرين يومًا، وإن صام بغير الأهلة ثم أفطر لتمام تسعة وخمسين يومًا فعليه الاستقبال (٣). ولا يوم الفطر ولا يوم النحر حتّى لو دخل في صومه يوم النّحر وأيّام التشريق (٤) فعليه استقبال الصّوم؛ لأنّ الصّوم في هذه الأيّام منهيّ فلا يتأدّى [به] (٥) الواجب في ذمته، وينقطع التتابع بتحلل هذه الأيام. (فَإِنْ جَامَعَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا فِي خِلَالِ الشَّهْرَيْنِ) إلى آخره، اعلم أنّه إن أكل في صوم الظّهار ناسياً لصومه [لم] (٦) يضره، وكذلك إن جامع ناسياً غير التي ظاهر منها؛ لأنّ حرمة هذا الفعل عليه لأجل الصّوم، فيختلف بالنسيان والعمد بخلاف ما لو جامع التي ظاهر منها، عند أبي حنيفة ومحمّد -رحمهما الله-، فإنّ حرمة ذلك الفعل ليست لأجل الصّوم (٧). ألا ترى أنّه كان محرمًا قبل الشروع في الصّوم فيستوي النسيان والعمد، كذا في «المبسوط» (٨).

стр. 1931

وإن يكن خالياً عنه ضرورة بالنصّ وإن عجز عن أحدهما وهو القبلة، لم يعجز عن الآخر وهو الإخلاء فيجب عليه تحقيقه لا مكانه. (وَإِنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْهَا بِعُذْرٍ) أي بمرض أو سفر. بخلاف ما إذا أفطرت المرأة بعذر الحيض في كفارة القتل أو كفّارة الفطر؛ حيث لا يستأنف، وعن هذا احترز بقوله: "وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ عَادَةً". وذكر في «شرح الطّحاوي» أنّ المرأة إذا صامت عن كفارة الإفطار وكفارة القتل فحاضت في خلال ذلك فإنّها لا تستقبل الصيام، ولكنها تصل أيام القضاء بعد الحيض؛ لأنّها معذورة لا تجد صوم شهرين متتابعين لا حيض فيهما (١). ولو نفست (٢)، استقبلت ولو أفطرت يومًا بعد الحيض يستقبل الصيام ولو كانت تصوم عن كفارة اليمين فحاضت في خلال ذلك، فإنّها تستقبل الصيام؛ لأنّها تحل صوم ثلاثة أيام لا حيض فيها، ولو صام شهرين متتابعين ثم قدر على الإعتاق قبل غروب الشمس في آخر ذلك اليوم يجب عليه العتق، ويكون صومه تطوعًا؛ لأنّه قدر على المبدل قبل الفراغ من المقصود بالبدل، فانتقض حكم البدل، كالمتيمم إذا وجد الماء قبل الفراغ من الصّلاة. والأفضل أن يتم له صوم هذا اليوم ولو لم يتمه وأفطر فلا يجب عليه القضاء عندنا، وقال زفر ﵀: يجب عليه القضاء ولو قدر على الإعتاق قبل غروب الشّمس في آخر اليوم جاز صومه عن كفارته. قوله ﵀: (أَوْ قِيمَةَ ذَلِكَ) أي من غير الأعداد المنصوصة مطلقًا. وأمّا في الأعداد المنصوصة فلا يجوز أداءها قيمة إذا كانت أقلّ قدراً ممّا قدّره الشرع، وإن كانت أكثر من الآخر أو مثله قيمة حتّى لو أدّى نصف صاع (٣) من تمر جيد يبلغ نصف صاع من حنطة (٤) لا يجوز، وكذا لو أدّى أقل من نصف [صاع] (٥) حنطة يبلغ صاعًا من تمر أو شعير لا يجوز. والأصل أن كل جنس هو منصوص عليه من الطّعام لا يكون بدلاً عن جنس آخر هو منصوص عليه، وإن كان في القيمة أكثر، كذا في «المحيط» (٦).

стр. 1932

وهذا لأنّه لا اعتبار لمعنى النص في المنصوص عليه، وإنما الاعتبار له في غير المنصوص عليه. فإن قلت: يشكل على هذا ما لو كسا عشرة مساكين ثوباً واحدًا في كفارة اليمين جاز عن الطّعام إذا كان قيمة نصيب كل واحد منهم مثل قيمة الطّعام. قلت: لا يرد علينا ذلك؛ لأنّ المنصوص عليه هنالك في الكسوة ما يحصل به الاكتساء وبعشر الثوب لا يحصل ذلك لكلّ مسكين، فلم يكن المؤدى منصوصاً عليه فيعتبر المعنى فيه، فكان هذا طردًا لا نقضاً. لأنّا قلنا: إن اعتبار معنى النص في غير موضع النص وهذا في غير موضعه لما قلنا: توضحه أن في إقامة صنف مقام صنف إبطال التقدير المنصوص عليه في كلّ صنف، وكلّ تعليل يتضمن إبطال النصّ فهو باطل، وليس في الكسوة تقدير منصوص عليه، فإقامته مقام الطعام لا يؤدّي إلى إبطال التقدير المنصوص، ولأنّ المقصود بالكسوة غير المقصود بالطّعام فللمغايرة (١) يجوز إقامة أحدهما مقام الآخر، والمقصود بأصناف الطّعام واحد فاعتبار عين المؤدّى فيه أولى، كذا في «المبسوط» (٢). قوله ﵀: "وَسَهْلِ بْنِ صَخْرٍ"، وهو سهيل بن صخر الليثي (٣)، كذا أورده الإمام المستغفري (٤) ﵀ في معرفة الصّحابة. وأمّا في «المبسوط» فسلمة بن صخر (٥)، وذكر في «المغرب» سلمة بن صخر البياضي (٦).

стр. 1933

"فَيُعْتَبَرُ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ" ولكن بينهما فرق من حيث التفريق، وهو أنّه لا يجوز التفريق [ههنا] (١) بأن أدّى مَنًّا (٢) من حنطة إلى مسكين، ومَنًّا آخر إلى آخر فإنّه لا يجوز، وعليه أن يتم على ذلك المسكين، فإن لم يجد استأنف على غيره؛ لأنّ الواجب إطعام ستين مسكينًا فكان العدد معتبراً كالمقدار ومتى فرق لم يوجد الإطعام المعتاد للمساكين. وأمّا في صدقة الفطر فإنّه إذا فرق أجزأه؛ لأنّ المعتبر ثمة المقدار دون العدد، لأن العدد مسكوت عنه فيجوز، كذا في مبسوط فخر الإسلام وشرح الطّحاوي (٣). لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ إذْ الْجِنْسُ مُتَّحِدٌ، [أي] (٤) من حيث الإطعام وردّ الجوعة؛ لأنّ المقصود من البرّ والتمر والشعير الإطعام، فيجوز تكميل أحدهما بالآخر، وإنّما علّل هنا باتحاد الجنس؛ لأنّه إذا اختلف الجنس لا يجوز تكميل أحدهما بالآخر، حتّى أنّه إذا أطعم خمسة مساكين في كفارة اليمين بطريق الإباحة وكسا خمسة مساكين والكسوة أرخص من الطّعام لم يجزه؛ لما أنّ المقصود بالكسوة غير المقصود بالطّعام. ألا ترى أنّ الإباحة تجوز في أحدهما دون الآخر ولو جوّزنا النصف من كلّ واحد منهما كان نوعًا رابعًا والمنصوص عليه ثلاثة أنواع لا غير ذكره في أيمان «المبسوط» (٥). وأمّا إذا أعتق نصف رقبة وصام شهراً وأطعم ثلاثين مسكينًا إنّما لا يجوز؛ لأنّ نصف الرقبة ليس برقبة وإكمال الأصل بالبدل غير ممكن، فإنّهما لا يجتمعان فكيف يتحقّق إكمال أحدهما بالآخر. فإن قيل: يشكل على قوله: "إذْ الْجِنْسُ مُتَّحِدٌ" ما إذا أعتق نصف رقبتين بأن كان بينه وبين شريكه عبدان فأعتق نصيبه منهما لا يجوز عن الكفّارة مع أنّ الجنس متّحد من حيث الإعتاق. قلنا: إنّما لا يجوز؛ لأن نصف الرقبتين ليس برقبة والشركة في كلّ رقبة تمنع التكفير بها. بخلاف الأضحيّة (٦)، فإنّ الرجلين لو ذبحا شاتين بينهما عن أضحيتهما جاز؛ لأنّ الشركة لا تمنع الأضحية كما في البدنة (٧)، كذا في «المبسوط» (٨).

стр. 1934

فإن غدّاهم وعشّاهم جاز، والرواية وعشّاهم بالواو ولا بأو، فإنّ التغدية الواحدة من غير التعشية أو التعشية من غير التغدية لا يجوز. وذكر في «المبسوط» المعتبر في التمكين أكلتان مشبعتان إمّا الغداء والعشاء، وإمّا غداءان أو عشاءان لكل مسكين، فإنّ المعتبر حاجة اليوم وذلك بالغداء والعشاء (١). وفي المجرّد عن أبي حنيفة ﵀ إذا غدا ستين وعشا آخرين لا يجوز، ذكره في «المحيط» (٢). (قَلِيلًا كَانَ مَا أَكَلُوا أَوْ كَثِيرًا)، أي: بعدما شبعوا فالمعتبر فيه الشبع لا المقدار، وذكر في «المحيط»، وإذا غدّاهم وعشّاهم فالمعتبر فيه أكلتان مشبعتان، ولا معتبر فيه لمقدار الطّعام (٣). وروي عن أبي حنيفة ﵀ في كفارة اليمين لو قدّم أربعة أرغفة (٤) أو ثلاثة بين يدي عشرة، وشبعوا أجزاه وإن لم يبلغ ذلك إلا صاعاً أو نصف صاع، وإن كان أحدهم شبعان هل يجوز؟. اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: يجوز؛ لأنّه وجد إطعام العشرة وقد شبعوا، وقال بعضهم: لا يجوز؛ لأنّ المأخوذ عليه إشباع العشرة، وهو ما أشبع العشرة إنّما أشبع التسعة (٥). وقال الشافعي: لا يجوز إلا التمليك (٦)، وعندنا الإطعام بالكفّارات يتأدّى بالتمكين من الطّعام. وقال الشافعي ﵀: لا يتأدّى إلا بالتمليك من الفقير، وكان حمدان بن سهل (٧) يقول: لا يتأدّى بالتمليك، وإنّما يتأدّى بالتمكين فقط؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (٨) والإطعام فعل متعد ولازمه طعم يطعم في ذلك الأكل دون الملك، ففي التمليك لا يوجد حقيقة الإطعام.

стр. 1935

وإنّما يوجد ذلك في التمكين؛ لأنّه لا يتمّ ذلك إلا بأنّ يطعم المسكين والكلام محمول على حقيقته. والشافعي ﵀ يقول: الإطعام يذكر للتمليك عرفاً، بقول الرجل لغيره: أطعمتك هذا الطّعام، أي ملكتكه، والمقصود سد خلة المسكين واغناؤه، وذلك يحصل بالتّمليك دون التمكين. وَفِي الْإِبَاحَةِ ذَلِكَ، أي الإطعام، كَمَا فِي التَّمْلِيكِ، فيتأدّى الواجب بكلّ واحد منهما، أمّا بالتمليك فإن الأكل الذي هو المنصوص عليه جزء ممّا هو المقصود بالتمليك؛ لأنّه إذا ملك منه فإمّا أن يأكل أو يصرف إلى حاجة أخرى، فيقام هذا التّمليك مقام ما هو المنصوص عليه لهذا المعنى، ويتأدّى بالتمكين لمراعاة عين النصّ، والدّليل عليه أنْ شبّهه بطعام الأهل، فقال تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (١) وذلك يتأدّى بالتّمليك تارة وبالتمكين أخرى، فكذا هذا؛ لأن حكم المشبّه حكم المشبّه به، وهذا في الإباحة من غير خلاف. قوله ﵀: "وَهَذَا"، إشارة إلى قوله: لم يجزه إلا عن يومه، يعني [أنه] (٢) إذا دفع ستين مرًّة لمسكين واحد في يوم واحد بطريق الإباحة لا يجوز من غير خلاف، فقد قيل: لا يجزيه. وذكر في «المحيط» (٣) وهو الصّحيح فوجه ذلك هو أنّ المعتبر يسد الخُلة (٤)، ولهذا لا يجوز صرفه إلى الغني؛ لأنّه طاعم يملكه وإطعام الطّاعم لا يتحقّق، كما أنّ التمليك من المالك لا يتحقّق، وبعدما استوفى وظيفته في هذا اليوم لا يحصل سدّ خلته بصرف وظيفة أخرى في هذا اليوم إليه، بخلاف كفارة أخرى؛ لأنّ المستوفى في حكم تلك الكفّارة كالمعدوم ولا يمكن أن يجعل مثله في هذه الكفّارة. وبخلاف الثّوب؛ لأنّ تجدّد الحاجة إليه يختلف أحوال الناس فيه، فلا يمكن تعليق الحكم بعينه لتعذّر الوقوف عليه، فيقام تجدّد الأيام فيه مقام تجدّد الحاجة تيسيراً. وقد قيل: يجزيه؛ لأنّ التمليك أقيم مقام حقيقة الإطعام والحاجة بطريق التّمليك ليس لها نهاية، فإذا فرّق الدّفعات جاز ذلك في يوم واحد كما يجوز في الأيّام، واستدلّوا على هذا بما ذكر في كتاب الأيمان أنّه لو كسا مسكينًا واحدًا في عشرة أيّام كسوة عشرة مساكين أجزاه؛ لتفرق الفعل وإن انعدم تجدّد الحاجة في كلّ يوم، والدّليل عليه أنّه بعدما أخذ وظيفته في هذا اليوم لو صرف إليه رجل آخر طعام مسكين عن كفارته يجوز، وكذلك إذا صرف إليه ذلك الرّجل طعام مسكين آخر، بخلاف ما إذا دفع بدفعة واحدة؛ لأنّ الواجب عليه تفريق الفعل بالنصّ، فإذا جمع لا يجزيه إلا عن واحد كالحاج إذا رمى الحصيات السّبع دفعة واحدة، كذا في «المبسوط» (٥)، إلا أنّه يمنع من المسيس قبل.

стр. 1936

وقال مالك (١) ﵀: لا يمنع، بل له أن يجامعها قبل التكفير؛ لأنّه ليس في التكفير بالإطعام شرط التقديم على المسيس في النصّ، ولا مدخل للقياس في هذا الباب، ولكنّا نستدلّ بقوله ﵇: «استغفر الله ولا تعد حتى تكفر» (٢) من غير تفصيل، ولأن من الجائز أن يقدر على الإعتاق والصيام فيصير كفارته بذلك. فحينئذ يكون مسّه قبل التكفير وهو حرام. وَالْمَنْعُ، أي المنع من المسيس قبل الإطعام. لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ، أي في غير المسيس، وهو توهم القدرة على الإعتاق أو الصيام. ومثل هذا المنع في المشروع لا يمنع مشروعية ذلك المشروع، كالنهي عن صوم [يوم الفطر أو] (٣) يوم النحر والصلاة في الأوقات المكروهة؛ لما كان لمعنى الإعراض عن ضيافة الله، ومعنى وقوع الصّلاة في أوقات نسبت إلى الشيطان لم ينف مشروعية الصّوم والصّلاة في أنفسهما، فكذلك ههنا لما كان النهي لمعنى في غير المسيس كان المسيس مشروعًا في نفسه في فصل الإطعام سواء كان قبل الإطعام أو بعده نظراً إلى الإطلاق في النصّ. (وَإِذَا أَطْعَمَ عَنْ ظِهَارَيْنِ)، أي في امرأة واحدة أو امرأتين ولهما أنّ النية في الجنس الواحد لغو (٤) وفي الجنس معتبرة إلى آخره. وطرديتهما (٥) هي أنّه زاد في الوظيفة ونقص عن المحل، فلا يجزيه إلا بقدر المحل، كما لو أعطى ثلاثين مسكينًا في كفارة واحدة كلّ مسكين صاعًا، وبيان ذلك الواجب عليه في كلّ كفارة إطعام ستين مسكينًا، فمحلّ إطعام الظهارين مائة وعشرون مسكينًا، وقد نقص عن المحلّ وزاد في الواجب؛ لأنّ الواجب لكلّ مسكين نصف صاع، وقد أدّى صاعًا، وحقيقة المعنى فيه أنّ في الجنس الواحد كما لا يعتبر نيته في العدد ونيته عن ظهارين وعن ظهار واحد سواء.

стр. 1937

بخلاف ما إذا كانتا من جنسين؛ لأنّ نية التعيين معتبرة عند اختلاف الجنس. فكذلك يعتبر نيته عن الكفارتين ليكون عن كلّ واحد منهما نصف المؤدّى، كذا في «المبسوط» (١). ولهما أن النية في الجنس الواحد لغو وفي الجنسين معتبرة. ألا ترى أن قضاء أيّام من رمضان لا تجب فيه نية التعيين، وقضاء رمضان وصوم النذر يفتقر إلى تعيين النية، لاختلاف جنسهما، وإن أعتق عن ظهار وقتل لم يجز عن واحد منهما، ما لو أعتق رقبة كافرة عنهما يقع عن الظهار -كذا ذكره الإمام التمرتاشي- (٢). كان له أن يجعل ذلك عن أيّهما شاء، هذا جواب الاستحسان والقياس أن لا يجوز، وهو قول زفر (٣)؛ لأنّه خرج الأمر من يده على ما يجيء. وَلَنَا أَنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ فِي الْجِنْسِ الْمُتَّحِدِ غَيْرُ مُفِيدٍ فَتَلْغُو، أراد به تعميم الجنس بالنيّة. ألا ترى أنّه إذا عيّن ظهار أحديهما للتكفير صح، ويبطل ظهارها حتّى حلّ له قربانها، كذا في «الفوائد الظهيرية» (٤). لَا يَجْزِيه عَنْ أَحَدِهِمَا فِي الْفَصْلَيْنِ، أي في الجنس المتحد كما في الظهارين، وفي الجنس المختلف كما في قتل وظهار، وحاصله أنّ عند زفر شمول العدم (٥). وعند الشافعي شمول الجواز، وعندنا بالفصل، ففي الجنس الواحد كما إذا أعتق رقبة واحدة عن كفارتي ظهارين يجوز عن أحديهما (٦)، وكان له أن يصرف إلى أيهما شاء [ولما ذكرنا أنّ نية التعيين في الجنس المتحد لغو، وإذا لغا بقي الإعتاق عن الظهار مطلقاً لا غير، ولو أعتق جاز عن أحدهما ثم له التعيين فكذلك عند النية] (٧). وأمّا إذا أعتق رقبة واحدة عن كفارتي ظهار وقتل لا يجوز عن واحد منهما. ولنا أنّ نيّة التعيين في الجنس المتحد كما في الظهارين غير معتد، فيلغو، فبقي الإعتاق عن الظهار مطلقاً لا غير. ولو أطلق جاز عن أحدهما، ثم له التعيين، فكذلك عند لغو النية عنهما جميعًا، وباعتبار اتحاد الجنس يجوز له التعيين عن أحدهما، فيملك التعيين كمدة قضاء أيام من رمضان عليه نية القضاء لا تعيين اليوم بأنّه صوم يوم السّبت أو يوم الأحد.

стр. 1938

وفي الجنس المختلف كما في الظهار والقتل مفيد لاختلاف جنسهما، فلما صحّت النية عند اختلاف الجنس لم يعتق الكلّ عن القتل ولا عن الظهار، فلذلك لم يجز. وحاصله أن عدم الجواز إنما نشأ من صحة تعيين النية، وذلك عند اختلاف الجنس، والجواز إنما نشأ من عدم صحة تعيين النية وذلك عند اتحاد الجنس. وذكر في «الفوائد الظهيرية» أنّه نوى التوزيع في الجنس الواحد، فيلغو نيّة التوزيع، قياساً على ما قالوا فيمن كان عليه قضاء يومين من رمضان، فنوى من الليل أن يصوم غدًا قضاء عن اليومين، كانت نية التوزيع لغوًا منه، وإذا لغت نية التوزيع صار كأنّه أعتق رقبة عن الظهارين ولم ينو عنهما (١). ولو كان كذلك جاز، وكان له أن يصرف إلى أيهما شاء هكذا هنا. بخلاف ما لو كانت الكفارتان من جنسين مختلفين؛ لأنّه نوى التوزيع في الجنس المختلف ونية التوزيع في الجنس المختلف معتبرة. ألا ترى أن من كان عليه قضاء يوم رمضان وصوم يوم من كفارة اليمين نوى من الليل أن يصوم غدًا عنهما كانت النية معتبرة حتّى لا يصير صائمًا، كذلك ههنا، ثم قال: قال ﵀: في هذا الوجه نوع نظر، فإنّه إذا نوى ظهرين من يومين لا يجوز، وإن كان الجنس واحدًا وما الفرق بين هذا وبين ما إذا نوى صومين من يومين؟ يجوز عن أحدهما لاتحاد الجنس. قال الإمام الزّاهد الصفّار (٢): وليس هذا كصلوات الظهر متى كانت عليه، فإنّ نيّة التعيين فيه لازمة لكلّ يوم؛ لأنّ وقت الظهر من اليوم الثاني غير وقت الظهر من اليوم حقيقة وحكمًا أمّا حقيقة فلا ريب (٣). وأمّا حكمًا فلأن الخطاب ما تعلق لوقت يجمعها بل بدلوك (٤) الشمس والدلوك في اليوم الأول غير الدلوك في اليوم الثاني. بخلاف قضاء الأوّل الصيام من رمضان، حيث يكفيه أن ينوي قضاء رمضان، ولا يحتاج إلى التعيين أنّه من يوم السبت أو من يوم الأحد؛ لأنّ الخطاب تعلّق بزمان يجمعها فإنّه واحد، وحرمة الشهر ثابتة بصفة الامتداد من أوّله إلى آخره، فلمّا كانت الحرمة واحدة لا يشترط التعيين، حتّى قالوا في قضاء يومين من رمضانين يشترط التعيين، كذا ذكره القاضي الإمام فخر الدين ﵀ في فتاواه (٥).

стр. 1939

قوله ﵀: "وَاخْتِلَافُ الْجِنْسِ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ"، أي [كفارة] (١) الظهار مع [كفارة] (٢) القتل يختلفان باختلاف السّبب، وهو القتل والظّهار وأمّا بالنظر إلى إعتاق الرقبة فكلاهما جنس واحد، فلمّا اختلف الجنس نظراً إلى السّبب صحّت النية، فكان إعتاق رقبة واحدة للكفارتين، فلكلّ واحدة منهما نصف رقبة فلا يجوز إلى آخر ما ذكرناه. قوله ﵀: "نَظِيرُ الْأَوَّلِ" إشارة إلى الجنس المتّحد. "وَنَظِيرُ الثَّانِي" إشارة إلى الجنس المختلف والله تعالى أعلم [بالصّواب] (٣). باب اللعان وقد ذكرنا وجه مناسبة الباب فيما تقدّم، فيحتاج ههنا إلى معرفة اللعان لغة وشرعًا ومعرفة وسببه وشرطه وركنه وحكمه وأهلية من يقوم به وصورته. أما اللغة فإن معناه الطرد، يقال: لعنه لعنًا ولاعنه ملاعنة ولعاناً. ثم لقب الباب باللعان دون الْغَضَبِ وإن كان فيه الْغَضَبِ -أيضاً-؛ لأن اللعن من جانب الرجل وهو مقدّم وسابق والسبق من أسباب الترجيح. وأمّا في الشرع فعبارة عمّا يجري بين الزوجين من الشّهادات الأربع واللعن والْغَضَبِ. وسببه قذف الرجل امرأته قذفاً يوجب الحد في الأجانب، فيجب به اللعان بين الزوجين وشرطه النكاح حتّى لو طلّقها بعد القذف لا يجري اللعان بينهما. وركنه الشهادات المخصوصة التي تجري بكلمات معروفة بين الزوجين. وحكمه حرمة الوطء والاستمتاع كما فرغا من اللعان، ولكن لا تقع الفرقة بنفس اللعان حتّى لو طلّقها في هذه الحالة طلاقاً بائنًا يقع، وكذا لو أكذب الرجل نفسه حل الوطء من غير تجديد النكاح، بمنزلة ما لو أسلم أحد الزوجين يجز لم يوطأ ولا يقع الفرقة قبل التفريق. وأهله هو من كان أهلاً للشهادة عندنا، فلذلك لم يجز اللعان بين زوجين مملوكين أو أحدهما مملوك أو صبي أو مجنون أو محدود في قذف أو كافر. وصورته هي أنّ المرأة إذا خاصمته إلى القاضي بعد القذف يأمره القاضي باللّعان يقوم الرجل فيشهد أربع شهادات بالله أنّه لمن الصادقين إلى آخره ما ذكره في الكتاب (٤) كذا في «الجامع الصّغير» لقاضي خان وغيره (٥). اعلم أن موجب قذف الرجل زوجته كان هو الحدّ في الابتداء، كما في الأجنبية ثبت لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٦) الآية.

стр. 1940

والدّليل عليه ما روي عن ابن مسعود ﵁ قال: كنّا جلوساً في المسجد ليلة الجمعة، إذ دخل أنصاري فقال: يا رسول الله أرأيتم الرجل يجد مع امرأته رجلاً، فإن قتل قتلتموه، وإن تكلّم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ، ثم قال: اللهم افتح، فنزلت آية اللعان (١). وقال ﵇ لهلال بن أمية (٢) حين قذف امرأته بشريك بن سحماء (٣): «آتِ بأربعة يشهدون على صدق مقالتك وإلا فحد في ظهرك»، فقالت الصّحابة: الآن يجلد هلال بن أمية فيبطل شهادته في المسلمين (٤). فيثبت أن موجب القذف كان الحدّ، ثم انتسخ (٥) ذلك اللعان في حق الزوجات واستقر الأمر على أن موجب قذف الزوج اللعان بشرائط، وعلى قول الشافعي ﵀: موجبه الحدّ، ولكنّه يتمكن من إسقاط ذلك الحدّ عن نفسه باللعان (٦)، حتّى قال: لو امتنع الزّوج من اللعان يقام عليه حدّ القذف، وعندنا يحبس حتّى يلتعن، كذا في «المبسوط» (٧).

стр. 1941

روي أن عاصم بن عدي (١) الأنصاري خرج يومًا إلى رسول الله ﵇ فاستقبله هلال ابن أميّة وعويمر، فقال: ما وراءك، قال: شر، وجدت على بطن امرأتي خولة بنت عاصم (٢) شريك ابن سحماء، فأخبر عاصم رسول الله ﵇ فكلّم خولة فقالت: لا أدري الغيرة أدركته أم بخلاً على الطعام! وكان شريك نزيلهم، وقال هلال: لقد رأيته على بطنها، فنزلت آية اللعان (٣) كذا في «الكشاف» (٤). وهما من أهل الشهادة، ذكر في الأسرار: والأهل من هو أهل لأداء سائر الشهادات (٥)، فعلم بهذا أنّ المراد من أهلية الشّهادة كونه أهلاً لأداء الشهادة، وكذلك قلنا: لا يجري اللعان بين الزّوجين إذا كانا مملوكين أو أحدهما مملوك على ما يأتي. فإن قلت: يشكل على هذا جريان اللعان بين الزوجين الأعميين أو الفاسقين، ذكره الإمام قاضي خان (٦)، مع أنّهما لا أداء لهما للشّهادة، قلت: أنّهما من أهل الشهادة. ألا ترى أنّ القاضي لو قضى بشهادة هؤلاء جاز، ولأن الأعمى من أهل الشهادة، إلا أنّه إنّما لا يقبل شهادته؛ لأنّه لا يميّز المشهود له من المشهود عليه، ولهذا ينعقد النكاح بحضرتهما، كذا في «شرح الطّحاوي» و «جامع الصغير» لقاضي خان (٧). "وَالْمَرْأَةُ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا" حتّى أن المرأة إذا كانت ممّن لا يحدّ قاذفها، بأن تزوّجت بنكاح فاسد ودخل بها، أو كان لها ولد وليس له أب معروف لا يجري اللعان، وإن كانا من أهل الشهادة.

стр. 1942

فإن قلت: ما فائدة تخصيص المرأة بكونها ممن يحد قاذفها، وهو الشرط كما هو شرط في جانب المرأة، فكذلك هو شرط -أيضاً- في جانب الرجل، حتّى أن الرجل إذا كان ممّن لا يحدّ قاذفه لا يجري اللعان -أيضاً- وإن كانت هي ممّن يحدّ قاذفها؟. قلت: إنّما اشترط كونها ممّن يحدّ قاذفها؛ لأنّ اللعان قائم في حقّه مقام حدّ القذف، فلابدّ من إحصانها حتّى يقع موجباً ما هو قائم مقام حدّ القذف، وعند عدم إحصانها لا يقع قذفه إيّاها موجباً شيئاً لا حدّ القذف ولا اللعان، وأمّا قذف الرجل عند عدم إحصان (١) الرجل فوجب ما هو الأصل فيه، وهو حدّ القذف، فلم يحل قذفه عند عدم إحصانه عن موجبه، فلذلك لم يشترط كون الرجل ممّن يحدّ قاذفه؛ لأنّ قذفه حينئذٍ لا يخلو عن موجب مّا، لأنّه إن لم يكن موجباً للعان، لكن هو موجب لما هو الأصل للعان وهو حدّ القذف، واللعان خلف عنه بطريق الانتقال في حقّ الزوجين فكان هو في معنى اللعان. بخلاف جانب المرأة فإنّه حينئذ يمتنع القذف عن إيجاب شيء أصلاً. "وَالْأَصْلُ أَنَّ اللِّعَانَ عِنْدَنَا شَهَادَاتٌ مُؤَكَّدَاتٌ بِالْأَيْمَانِ" إلى آخره، وإنّما قيد بقوله "عِنْدَنَا"؛ لأنّ عند الشافعي تفسير اللعان على عكس ما قلنا، فإنّ عنده اللعان أيمان مؤكدات بالشهادات (٢)، فمن كان أهلاً لليمين يكون أهلاً للعان عنده، وعندنا من كان أهلاً للشهادة كان أهلاً للعان، كذا ذكره الإمام قاضي خان ﵀ (٣). وفي «الإيضاح»: والركن في باب اللعان عندنا شهادات مؤكدات [بالأيمان] (٤)، مقرونة باللعن، قائمة مقام حدّ القذف في حق الرجل، وفي حقها قائمة مقام حدّ الزنا (٥). وقال الشافعي ﵀: الركن أيمان مؤكدات [بالشهادات] (٦) مقرونة باللعن، شرعت حجة في جانب الزوج، لإثبات الزنا عليها، وفي جانب المرأة حجة دافعة لما أثبته الزوج بأيمانه، قائمة مقام حدّ القذف في حقّه ومقام حدّ الزنا في حقها (٧).

стр. 1943

فإن قلت: ما معنى إقامة الشهادة مقام المحدود في الطرفين، وما المناسبة بين الحدّ والشهادة؟. قلت: لأنّ الحدّ سبب الهلاك والاستشهاد بالله كاذباً مع اللعن على نفسه سبب الهلاك -أيضاً-، وكذلك في حق المرأة بمنزلة حدّ الزنا في زعم الرجل؛ لأنّه مهلك في حقها، لأنها كاذبة في زعم الرجل في شهادتها، إلى هذا أشار فخر الإسلام في مبسوطه. وقوله: ومقام حدّ الزنا في حقها حتّى لو قذف امرأته مراراً فعليه لعان واحد كالحدّ في حق الأجنبيات. فإن قلت: يشكل على هذا ما لو قذف أربع نسوة له في كلمة واحدة، أو [في] (١) كلام متفرق فعليه أن يلاعن كلّ واحدة منهنّ على حدة، وأمّا لو قذف أجنبيات فإنّه يقام عليه حدّ القذف لهنّ مرة واحدة، فلو كان اللعان قائمًا مقام حدّ القذف في حقه لجرى ذلك مثل جريانه من الاتحاد والتعدد. قلت: إنّما كان هكذا؛ لأنّ المقصود هناك يحصل بإقامة حدّ واحد، وهو دفع عار الزنا عنهنّ، وههنا لا يحصل المقصود بلعان واحد؛ لأنّه يتعذر الجمع بينهنّ في كلمات اللعان، فقد يكون صادقاً في حق بعضهن دون البعض، والمقصود التفريق بينه وبينهن ولا يحصل ذلك بلعان بعضهنّ، فلهذا يلاعن كلّ واحدة منهنّ على حدة حتّى لو كان محدودًا في قذف كان عليه حدّ واحد لهن؛ لأنّ موجب قذفه لهن الحدّ ههنا، والمقصود يحصل بحد واحد كما في الأجنبيات كذا في «المبسوط» (٢). ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ (٣) وجه التمسّك به أنّ الله تعالى استثنى الأزواج من الشهداء، وهو دليل كونه شهادة توضحه أنّ اللعان يختص بلفظ الشهادة، ولو كان عينًا لكان لا يختصّ بها اعتباراً بعامة الأيمان، ولأنّ الزوج هو البادي باللعان والزّوج مُدّع، وإنّما يبدأ المدّعي بالشّهادة لا باليمين. فإن قلت: فيه دلائل تدلّ على أنّها يمين. أحدها: أن الشّهادة لم تشرع حجّة للشّاهد، وكل واحد منهما يشهد لنفسه، واليمين شرعت حجّة للحالف، ولأنّ الشّهادة وضعت للإثبات، واليمين وضعت للنفي، والجمع بين النّفي والإثبات متعذّر، فلابدّ من العمل بأحدهما حقيقة وبالآخر مجازاً، والعمل بحقيقة اليمين أولى؛ لأن لفظ الشّهادة يحتمل معنى اليمين. بخلاف العكس، ولأنّ هذه الكلمات شرعت مكرّرة، والتكرار مشروع في الأيمان كما في القسامة دون الشّهادة. قلت: أمّا الأول: فإن شهادة الإنسان لنفسه إنّما لم تشرع حجة بمكان التهمة، لا لأنّه لا يصلح شهادة، ألا ترى أنّ الله تعالى شهد لذاته بالوحدانية، وكان من أصدق الشهادات لانتفاء التهمة والتهمة فيما نحن فيه منفية باليمين.

стр. 1944

وأمّا الثّاني: فإنّ الجمع بين النفي والإثبات إنّما يمتنع إذا كان بنسبته شيء واحد، فأمّا بالنسبة إلى شيئين فلا. وههنا الشهادة قامت لإثبات الزنا واليمين لنفي التهمة فلا امتناع. وأمّا الثالث: فإن تكرر الشهادة [هنا] (١) لقيام الشهادات مقام أربعة شهود، فإن الواجب عليه إقامة أربع شهادات من شهود أربعة، وقد عجز عن إقامة شهود أربعة، ولم يعجز عن إقامة شهود أربعة ولم يعجز عن إقامة أربع شهادات، فما عجز عنه سقط وما قدر عليه لزمه كذا في «الفوائد الظهيرية» (٢). ثم قرن الركن في جانبه باللعن، إلى أن قال: وفي جانبها بالغضب، إنّما خصّ الغضب في جانبها في المرة الخامسة؛ لأنهنّ يستعملن اللعن كثيراً على ما ورد به الحديث: «إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير» (٣)، فسقطت حرمة اللعن عن أعينهنّ، فعساهنّ يجبرن على الأقدام لكثرة جرى اللعن على ألسنتهن وسقوط وقعه عن قلوبهنّ، وأقام الغضب مقام اللعن في حقّهن ليكون رادعًا لهنّ عن الإقدام. قوله ﵀: "كَمَا إذَا نَفَى" يتصل بقوله: "صَارَ قَاذِفًا لَهَا"، أي: كما يجعل نفي النّسب عن أبيه المعروف قذفاً من الأجنبي، فكذلك يجعل نفي الزوج النّسب عن نفسه هما ولدته امرأته قذفاً مرأة من الزّوج. "وَلَا يُعْتَبَرُ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مِنْ غَيْرِهِ بِالْوَطْءِ مِنْ شُبْهَةٍ"، أي: لا يعتبر تأويل قوله ذلك على أنّه إنما نفى نسب ذلك المولود عن نفسه باعتبار أنّه موجود عن الوطء بشبهة حتّى لا يكون قذفاً، أي لا يعتبر هذا التأويل في أن لا يكون هذا النفي قذفاً بل نفيه هذا قذف ولا يعتبر هذا التأويل. ثم ابتدأ ببيان دليل أن لا يعتبر ذلك التأويل بل هو قذف بقوله: "وَهَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّسَبِ الْفِرَاشُ الصَّحِيحُ" إلى آخره، وذكر هذا التعليل في «المبسوط» على وجه السؤال والجواب، فقال: إذا نفاه قبل الإقرار لاعنها؛ لأنّه بعدما تثبت ولادتها يكون هو بنفي الولد قاذفاً لها بالزنا. فإن قيل، لا كذلك، فقد يكون ولدها من وَطْءٍ بشبهة، [قلنا: الولد من الوطء بشبهة] (٤) يكون ثابت النسب من إنسان، والذي لا يكون ثابت النسب من أحد يكون من زنا، ولا نسب لهذا الولد إلا منه، فإذا نفاه فقد زعم أنّه لا نسب لولدها هذا، فيكون قاذفاً لها بالزنا (٥).

стр. 1945

قوله ﵀: "وَالْفَاسِدُ مُلْحَقٌ بِهِ" فلما ألحق الفاسد بالصّحيح، كان من نفي الفراش الصحيح نفي الفراش الفاسد، فيجب الحدّ. "فَنَفْيُهُ عَنْ الْفِرَاشِ الصَّحِيحِ قَذْفٌ حَتَّى يَظْهَرَ الْمُلْحَقُ بِهِ"، أي: قبل ظهور الملحق به بحدّ القاذف إلحاقاً للصّحيح، وأمّا إذا أظهر الملحق به حينئذ لا يحدّ. وذكر في «المبسوط» لشيخ الإسلام ﵀ وقال الشافعي: لا يصير قاذفاً لها بنفي الولد ما لم يقل وأنّه ومن الزنا، لجواز أن يكون من الوطء بشبهة (١)، وأجمعوا أنّه لو قال لأجنبيّة: ليس هذا الذي ولدته من زوجك، لا يصير قاذفاً، ما لم يقل وأنّه من الزنا، والقياس ما قاله إلا أنا تركناه لضرورة في اللعان؛ لأنّ الزّوج قد يعلم أنّ الولد ليس منه بأن لم يطأها أو عزلها عزلاً بيّنا، ولكن لا يعلم أنّه بزنا أو بوطء عن شبهة فاكتفى بنفي الولد، حتّى ينفي عنه نسب الولد، وهذه الضرورة معدومة في حق الأجنبي. "وَيُشْتَرَطُ طَلَبُهَا لِأَنَّهُ حَقُّهَا"؛ لأن باللعان يدفع عار الزنا عن نفسها. (فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْهُ)، أي: امتنع الزّوج من اللّعان، (حَبَسَهُ الْحَاكِمُ حَتَّى يُلَاعِنَ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ)، وهذا عندنا، [وعند] (٢) الشافعي يقام عليه حدّ القذف بناء على أن موجب القذف الحدّ (٣)، وإن كان بين الزّوجين، ولكن الزّوج يتمكّن من إسقاط ذلك الحدّ عن نفسه باللّعان، وعندنا يحبس حتّى يلتعن. "لِأَنَّهُ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ"؛ أي: لأنّ اللعان حق واجب على الزّوج. "وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إيفَائِهِ"، هذا احتراز عن المديون المفلّس (٤) فإنّ الدّين عليه حق مستحق عليه، ولكنّه غير قادر على إيفائه فلذلك لا يحبس. "فَيُحْبَسُ بِهِ"، أي: بسببه حتّى يأتي بما هو عليه، فإذا كذب نفسه فحينئذ يجب عليه حد القذف. "لِيَرْتَفِعَ السَّبَبُ"، أي: سبب اللعان وهو التكاذب؛ لأن اللعان إنّما يجب إذا كذّب كلّ واحد منهما فيما يدّعيه الآخر بعد قذف الزّوج امرأته بالزنا. وأما إذا أكذب نفسه لم يبق التكاذب بل وافق المرأة في أنّها لم تزن، ولا يجري اللعان بعد ذلك.

стр. 1946

وفي نسخة ليرتفع الشين، وفي نسخة ليرتفع السّبب، وإنّما احتاجوا إلى هذا التغيير على زعم أنّ سبب اللعان لا يرتفع بالإكذاب بل يتقرّر. ألا ترى أنّه يجب عليه الحدّ بالإكذاب، وهو الأصل في القذف، فقالوا كأنّه أراد بالسّبب الشرط؛ لأنّ التكاذب شرط اللّعان، ولكنّ الوجه ما قلنا لما أنّ اللعان ظاهراً [لذا انضاف] (١) إلى قذف الزّوج امرأته بالزنا، فكان سبب اللّعان هو القذف، فإذا أكذب نفسه لم يبق ما قذفه موجباً للعان، فيصحّ أن يقال ليرتفع السّبب. "لِمَا تَلَوْنَا مِنْ النَّصِّ"، وهو قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ (٢). (وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا) فصورة ما إذا كان الزّوج كافراً وامرأته [مسلمة] (٣) مع أن بينهما على هذا الوجه لا يصحّ النكاح، ففي ما إذا كان الزّوجان كافرين، فأسلمت امرأته فقذفها زوجها قبل أن يُعرض عليه الإسلام، فهو ليس من أهل الشهادة عليها، وكذلك العبد إذا كانت تحته حرّة فلا يكون قذفه إياها موجباً للعان، ولكن يكون موجباً حدّ القذف؛ لأن القذف بالزنا لا ينفكّ عن موجب، فإذا خرج من أن يكون موجباً للعان لمعنى في القاذف كان موجباً للحدّ، كذا في «المبسوط» (٤). ولو كانا محدودين في قذف فعليه الحدّ؛ لأنّ امتناع اللعان لمعنى من جهته. فإن قلت: كما أن امتناع اللعان لمعنى من جهته، وكذلك لمعنى من جهتها -أيضاً-؛ لأنّ المانع من اللعان هو كونه محدودًا في القذف، وهو وصف مشترك بينهما فلم يعرَّض في هذا الوصف جانب الرجل دون المرأة؟. قلت: إنّما لم يقل بأن امتناع جريان اللعان ههنا لكونها محدودة؛ لأنّ أصل القذف يكون من الرجل، وإنّما يظهر حكم المانع في جانبها بعد قيام الأهليّة في جانب الرجل، فأمّا بدون الأهلية في جانبه فلا معتبر بحالها، كذا في «المبسوط» (٥). وحاصله أنّ المانع من جانبها إنما يكون مانعًا أن لو كان الزّوج أهلاً لموجب القذف، وهو الحدّ واللعان؛ لأنّ عند وجود المانع من جانبها لم تكن هي محصنة، فلا يكون قذفها موجباً للحدّ واللعان، وأمّا إذا كان امتناع اللعان من جانبه -أيضاً- لم يظهر مانعته ما كان مانعًا من جانب المرأة، والقذف في أصله موجب للحدّ فيجب الحدّ.

стр. 1947

فإن قلت: يشكل على هذا ما لو قذف العبد امرأته وهي مملوكة أو مكاتبة، فلا حدّ عليه ولا لعان، وهذه المسألة غير نظير ما إذا كان الزّوجان محدودين في قذف؛ لأنّ المانع للعان كما هو من جانبه، فكذلك من جانبها ثم وجب حدّ القذف في المحدودين، ولم يجب على العبد إذا قذف امرأته وهي أمة. قلت: فإذا كان كذلك يعتبر الزوجان بالأجنبيين فأينما كان في الأجنبي حدّ القذف هنا -أيضاً- حدّ القذف؛ لامتناع اللعان لعدم أهلية الشّهادة، وأينما كان في الأجنبي لا يجب الحدّ هنا أيضاً لا يجب. ثم أنّ الأجنبي لو قذف أمة غيره لم يجب حدّ القذف. فكذلك ههنا لا يجب الحدّ على الزّوج ولكن يعزّر أسواطاً (١)، كما في الأجنبي والمحدود في القذف إذا قذف محدودًا في القذف ولكن هو محصن إحصان القذف يجب حدّ القذف فكذلك ههنا. وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أنّه يأتي بلفظ المواجهة، فلابدّ من أن يقول: إني لمن الصادقين فيما رميتك به من الزنا، وهي تقول: أنت من الكاذبين فيما رميتني به من الزنا (٢). (وَإِذَا الْتَعَنَا لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ) بينهما، حتّى لو مات أحدهما بعد الفراغ من اللعان وقبل التفريق توارثا (٣)؛ لأنّ الفرقة عندنا لا تقع إلا بقضاء القاضي. "وَقَالَ زُفَرُ-﵀: تَقَعُ بِتَلَاعُنِهِمَا"، وقال الشافعي ﵀: تقع الفرقة بنفس لعان الزوج (٤)، فالشافعي ﵀ يقول: سبب هذه الفرقة قول من الزوج مختصّ بالنكاح الصّحيح فيتم به، كالطّلاق. وزفر يستدل بقوله ﵇: «المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا» (٥) فنفي الاجتماع بعد التلاعن تنصيص على وقوع الفرقة بينهما، ولكنّا نستدلّ بحديث العجلاني (٦) فإنّه أوقع الثلاث عليها بعد التلاعن، ولم ينكر عليه رسول الله ﵇ ولو وقعت الفرقة بينهما لأنكر رسول الله ﵇[عليه] (٧)، فإن قيل: قد أنكر عليه بقوله: اذهب فلا سبيل لك عليها.

стр. 1948

قلنا: ذلك منصرف إلى طلبه ردّ المهر، فإنّه روى أنّه قال: إن كنت صادقًا فهو [لها] (١) بما استحللت من فرجها، وإن كنت كاذباً فابعد اذهب فلا سبيل لك عليها؛ وهذا لأنّ مجرّد اللعان غير موضوع للفرقة، ولا هو منافٍ للنكاح إلا أنّ الفرقة بينهما لقطع المنازعة، بخلاف الطّلاق. وأمّا قوله ﵇: «المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا»، فحقيقة هذا اللفظ حال تشاغلهما باللعان كالمتقاتلين والمتضاربين، وزفر ﵀ يوافقنا أنّ في حال تشاغلهما باللعان لا تقع الفرقة بينهما، كذا في «المبسوط» (٢). (وَهُوَ خَاطِبٌ (٣) هذه مسألة مبتدأة، أي: هذا الرجل بعد إكذاب نفسه في القذف صار خاطباً من الخطاب، أي يجوز له أن يتزوّجها، كما لغيره يجوز أن يتزوّجها، فعليه الحدّ بإكذابه نفسه على ما يجيء، ولم يبق التلاعن ولا حكمه بعد الإكذاب، فيجتمعان؛ لأنّه إذا أكذب نفسه يقام عليه الحدّ لإقراره على نفسه بالتزام الحدّ، ومن ضرورة إقامة الحدّ عليه بطلان الحدّ عليه، ولا ينفي أصلاً للعان بعد إقامة الحدّ. وذكر في الإيضاح وقوله: "المتلاعنان لا يجتمعان"، فمعناه ما داما متلاعنين، كقوله لا نكلّم هذا الكافر أبدًا، أي: ما دام كافراً، وإنّما يكونان متلاعنين حقيقة بإقدامهما على اللعان، أو مجازاً باعتبار بقاء حكم اللعان، فإذا ارتفع حكم اللعان لم يتناوله الخبر، وكذلك إذا أكذبت المرأة نفسها بأن أقرّت بالزنا، فقد خرجت من أن تكون أهلاً للعان (٤). وكذلك لو قذفت رجلاً فأقيم عليها الحدّ فعرفنا أن حلّ المناكحة بينهما بعدما بطل حكم اللعان فلا يكون في هذا إثبات الاجتماع بين المتلاعنين. وإذا أنكر الزّوج القذف، فأقامت المرأة البينة عليه وجب اللعان بينهما؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم، ثم قال ابن أبي ليلى (٥): إنكاره بمنزلة إكذاب نفسه فيحدّ

стр. 1949

-أيضاً-، ولكنا نقول إنكاره بقي للقذف، وإكذابه نفسه تقدير للقذف، فكيف يستقيم إقامة إنكاره مقام إكذابه نفسه فلهذا لا يحدّ. (وَلَوْ كَانَ الْقَذْفُ بنفي بِوَلَدٍ) إلى آخره. ولو نفى ولد زوجة محدودة أو كتابية أو مملوكة والزوج حر أو عبد كان نفيه باطلاً، فيلزم الولد إياه؛ لأنّ النّسب قد ثبت بالفراش، فلا ينقطع إلا باللعان، وقد تعذّر إثبات اللعان بينهما بانعدام أهلية الشهادة فيهما أو في أحدهما فيبقى النّسب ثابتًا منه، ولا حدّ على الزوج ولا لعان، هذا الجواب بإطلاقه محمول على ما إذا كان الزّوج حراً مسلمًا حتى يمتنع جريان اللعان بينهما من قبلها، وأمّا إذا كان الزّوج عبدًا والمرأة محدودة فعلى العبد إذا قذف حدّ القذف، كذا في «المبسوط» (١). قوله ﵀: (وَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ) هذا زيادة تأكيد لقوله تعالى نفى القاضي نسبه. "وَصُورَةُ اللِّعَانِ"، أي: صورة اللعان في نفي الولد. "فَيُوَفِّرُ عَلَيْهِ"، أي: على الزّوج. "فَيَتَضَمَّنُهُ الْقَضَاءُ بِالتَّفْرِيقِ"، أي: القضاء بالتّفريق يتضمّن نفي الولد. "وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ الْقَاضِي يُفَرِّقُ وَيَقُولُ"، أي: القاضي يقول: قد فرقت بينكما أو قطعت نسب هذا الولد عنه، حتّى لو لم يقل ذلك لا ينتفي النّسب عنه، وهذا صحيح؛ لأنّه ليس من ضرورة التفريق باللعان نفي النسب، كما بعد [موت] (٢) الولد يفرق بينهما باللّعان ولا ينتفي نسبه عنه فلابدّ أن يصرّح القاضي بنفي النّسب رواه بشر (٣) عن أبي يوسف كذا في «المبسوط» (٤). "لِأَنَّهُ"، أي: لأن نفي الولد، "يَنْفَكُّ عَنْهُ"، أي: عن القضاء بالتفريق؛ لأنّ كلّ واحد منهما ينفكّ عن الآخر وجودًا وعدماً. ألا ترى أنّه إذا نفى ولد أم الولد يثبت النفي ولا يثبت اللّعان ولا التّفريق، ولو قال لامرأته: يا زانية ولها منه ولد يثبت اللعان، ولا يلزم نفي الولد، وإذا عاد الزّوج وأكذب نفسه، حدّه القاضي هذا إذا لم يطلّقها تطليقة بائنة بعد القذف، فإنّه إذا أكذب نفسه بعد القذف والبينونة لا يجب عليه الحدّ واللّعان.

стр. 1950

أمّا اللعان فإنّ المقصود باللعان التفريق بينهما، ولا يتأتى ذلك بعد البينونة، فلا معنى للعان بعد فوات المقصود، ولا حدّ عليه؛ لأنّ قذفه كان موجباً للعان والقذف الواحد لا يوجب الحدّين. بخلاف ما لو أكذب نفسه بعدما لاعنها؛ لأنّ وجوب اللّعان هناك بأصل القذف، والحدّ بكلمات اللعان فقد نسبها فيها إلى الزنا وانتزع معنى الشهادة منها بإكذابه نفسه، فيكون هذا نظير شهود الزنى إذا رجعوا، وأمّا فيما قلنا فلم توجد كلمات اللّعان فلهذا لا يحدّ وإن أكذب نفسه. ولو قال: أنت طالق ثلاثاً يا زانية، كان عليه الحدّ؛ لأنّها بانت بالتطليقات الثلاث، وإنّما قذفها بالزنى بعد البينونة، فعليه الحدّ، ولو قال: يا زانية أنت طالق ثلاثاً لم يلزمه حدّ ولا لعان؛ لأنّه قذفها وهي منكوحته، ثم أبانها بالتطليقات، وقد بيّنا أنّه بعدما قذفها إذا أبانها لم يلزمه حدّ ولا لعان، كذا في «المبسوط» (١). (وَكَذَلِكَ إنْ قَذَفَ غَيْرَهَا فَحُدَّ بِهِ)، أي: له أن يتزوّجها. "لِمَا بَيَّنَّا"، وهو قوله: "لِأَنَّهُ لَمَّا حُدَّ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلِّعَانِ". (وَكَذَا إذَا زَنَتْ فَحُدَّتْ)، أي: كان له أن يتزوّجها. فإن قلت: لما جرى اللعان بينهما عُلم أنهما زوجان على صفة الإحصان، والمرأة أو الرجل إذا زنيا بعد إحصانهما يرجمان، فحينئذٍ كان قوله: فحدّت، معناه رجمت فبعد ذلك كيف يبقى محلاً للتزوج؟ قلت: لا بل معنى قوله: حدّت، أي: جُلدت بدليل تصوير التزوّج عليها. وأمّا صورته فبأن تلاعنا بعد التزوّج قبل الدخول، ثم زنت بعد اللّعان، فكان حدّها الجلد دون الرجم؛ لأنّها ليست بمحصنة؛ لأنّ من شرائط إحصان الرجم هو الدّخول بعد النكاح الصّحيح، ولم يوجد، وفيه خلاف الشافعي ﵀، فعند الشّافعي يجب الحدّ واللّعان؛ لأنّ إشارة الأخرس (٢) كعبارة النّاطق (٣). ولكنا نقول: لابدّ من التصريح بلفظ الزنا، ليكون قذفاً موجباً للحد أو اللّعان، ولا يتأتى هذا التصريح بإشارة الأخرس، فإن إشارته دون عبارة النّاطق بالكتابة؛ ولأنّه لابدّ من لفظ الشّهادة في اللّعان حتّى أنّ النّاطق لو قال: أحلف، مكان قوله: أشهد، لا يكون صحيحًا، وبعض أصحاب الشافعي يرتكبون هذا.

стр. 1951

ولكنّه مخالف للنصّ، فإذاً ثبت أنّه لابدّ من لفظ الشّهادة، وذلك لا يتحقّق بإشارة الأخرس. وكذلك إن كانت هي خرساء، ولأن قذف الخرساء لا يوجب الحدّ على الأجنبي، لجواز أنّ تصدّقه لو كانت تنطق، ولا تقدر على إظهار هذا التصديق بإشارتها، وإقامة الحدّ مع الشبهة لا يجوز، كذا في «المبسوط» (١). "لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِقِيَامِ الْحَمْلِ عِنْدَهُ"، أي: عند القذف فكان هذا ونفيه بعد الولادة سواء، فيتحقّق بالقذف في الصورتين، والقذف لا يصحّ تعليقه بالشرط وبه فارق الوصية (٢) والميراث حيث يقيسان عليهما. فإنا نقول: إنّما يصح فيهما الإضافة، فإنّ الوصية والميراث يمكن إثباتهما على سبيل التوقف أو الإضافة إلى ما بعد الانفصال. بخلاف تعليق القذف؛ لأن القذف ممّا لا يختلف به، فلمّا يتعلّق بالشّرط والتّعليق بالشرط يمنع تحقّق نسبتها إلى الزنا في الحال، ومثله لا يصحّ في القذف؛ لأنّ من لا تكون زانية قبل دخول الدّار لا تصير زانية بدخول الدّار، ولأنّ القذف إخبار عمّا كان قبله، والإخبار لا يصح، أمّا إن كان عن أمر موجود أو معدوم، والزنا لو كان موجودًا منها لا يصحّ تعليقه بالشّرط؛ لأنّ التّعليق إنما يكون في المعدوم. ولا يقال: أنّ التعليق بأمر كائن يتخير فيكون قاذفاً في الحال، فلم لا يكون ههنا قاذفاً في الحال بهذا الطّريق؟. قلت: لا يمكن ذلك؛ لأنّ في ذلك سعياً في إيجاب الحدّ مع إلغاء حقيقة الشّرط، والسّعي في الحدود في درئها لا في إيجابها، ولو كان معدومًا لا يصير قذفاً باعتبار وجود الشّرط. قوله ﵀: "وَلَنَا أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ"، هذا جواب عن حرف الشافعي، وذكر في «المبسوط» تنوع مخالفة لهذه الرواية، وقال: وإذا نفى الرجل حبل امرأته، فقال: هو من زنا، فلا لعان بينهما، ولا حدّ قبل الوضع في قول علمائنا (٣). وقال الشّافعي ﵀ (٤): يلاعنها لحديث هلال بن أمية، فإنّه قذف امرأته بنفي الحمل، وقد لاعن رسول الله ﷺ

стр. 1952

ولأنّ الحُبْلَ (١) يُعرف وجوده بالظّاهر، ويتعلّق به أحكام شرعًا، نحو الردّ بالعيب والميراث والوصيّة به وله، فكذلك يثبت حكم اللعان بنفيه، وحجّتنا ما قال في الكتاب: أنّ نفي الحبل ليس بشيء؛ لأنّه لا يدري لعلّة ريح، واللّعان في قذف الزّوج زوجته بمنزلة الحدّ في قذف الأجنبية، فلا يجوز إقامته مقام الشبهة، بخلاف حكم الردّ بالعيب فإنّه يثبت مع الشبهات والإرث والوصية يتوقف على انفصال الولد ولا يتقرّر في الحال. فأمّا الحديث فمن أصحابنا من يقول: أنّه قذفها بالزنا نصًّا، فإنّه قال: وجدت شريك ابن سحماء على بطنها يزني بها، ثم نفى الحبل بعد ذلك، وعندنا إذا قذفها بالزّنا نصًّا، يلاعنها على أنّ النبي ﵇ عرف من طريق الوحي أنها حبلى حين قال: إن جاءت به أحيمر على نعت كذا، فهو لهلال وإن جاءت به أسود جعدًا جُماليًّا (٢) فهو لشريك فجاءت به على النعت المكروه، فقال ﵇: «لولا الأيمان التي سبقت لكان لي ولها شأن» (٣)، ومثل هذا لا يُعرف إلا بطريق الوحي، ولا يتحقّق مثله في زماننا، أو في الحال التي تقبل التهنية يقبل على البناء للمفعول لا الفاعل؛ لأنّه لو قبل الأب التهنئة ثم نفى لا يصحّ نفيه في مدّة النفاس، أي: إذا كان حاضراً أوله أنّه لا معنى للتقدير، فإنّه يقول: إذا لم يكن الولد منه لا يحلّ له أن يسكت عن نفيه بعد الولادة، فيكون سكوته عن النّفي دليل القبول، وكذلك تهنّا بالولد عند الولادة فقبوله التهنئة إقرار منه أنّ الولد منه. وكذلك شرى ما يحتاج إليه لإصلاح الولد عادة وبعد وجود دليل القبول ليس له أن ينفيه، فكان القياس أن لا يصحّ نعته إلا على فور الولادة، وبه أخذ الشّافعي -رحمه الله- (٤)، ولكن استحسن أبو حنيفة ﵀ فقال: له أن ينفيه بعد [ذلك] (٥) يوم أو يومين (٦).

стр. 1953

وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀ سبعة أيام (١)؛ لأنّ في هذا المدّة يستعدّ للعقيقة (٢). وإنّما يكون للعقيقة بعد سبعة أيام. ولكن هذا ضعيف فإنّ نصيب المقدار بالرأي لا يكون، ولو كان الزّوج غائباً حين ولدت فحضر بعد مدّة يجعل في حقّه في حكم النفي، كأنها ولدته الآن إلا أنّه روي عن أبي يوسف، قال: إن حضر قبل الفصال (٣) فله أن ينفيه إلى أربعين ليلة، ولو حضر بعد الفصال، فليس له أن ينفيه؛ لأنه يقضي بنفقته عليه في ماله الذي خلّفه، ولو كان له أن ينفيه بعد الفصال لكان له أن ينفيه بعدما صار شيخًا، وهذا قبيح وهذا كلّه إذا لم يقبل التهنئة، فأمّا إذا هُنئ فسكت، [فليس له أن ينفيه بعد ذلك، إلا أنه روي عن محمد أنه إذا هنئ بولد الأمة فسكت] (٤) لم يكن قبولاً. بخلاف ولد المنكوحة؛ لأنّ ولد الأمة غير ثابت النّسب منه، فالحاجة إلى الدّعوة والسّكوت ليس بدعوة وأمّا نسب ولد المنكوحة ثابت منه، فسكوته يكون مسقطًا حقّه في النّفي، كذا في «المبسوط» (٥). وأمّا الذي ذكره في الكتاب في صورة الغائب بقوله: ثم قدم يعتبر المدة التي ذكرناها على الأصلين هو رواية الإيضاح فقال: وعلى هذا الأصل قالوا في الغائب عن امرأته: إذا ولدت ولم يعلم بالولادة حتّى قدم أنّ له النفي عند أبي حنيفة ﵀ في مقدار ما يقبل فيه التهنئة، وقالا في مقدار مدّة النفاس بعد القدوم؛ لأنّ النّسب لا يلزم إلا بعد العلم به، فصارت حالة القدوم كحالة الولادة والإقرار بالعفة سابق على القذف. هذا جواب سؤال مقدّر، وهو أن يقال: ينبغي أن يجب عليه الحدّ؛ لأنّه أكذب نفسه بعد القذف؛ لأنّ الإقرار الأوّل بثبوت النسب باق بعد نفي الثاني، فيعتبر قيام الإقرار بعد القذف بابتداء الإقرار، ولو وجد الإقرار بعد النفي يثبت الإكذاب ويجب الحدّ فكذا هنا.

стр. 1954

فأجاب عنه وقال: أنّ الإقرار سابق على القذف حقيقة. وأمّا من حيث الحكم فلا حق، ثم إن كان يجب الحدّ باعتبار الحكم فلا يجب باعتبار الحقيقة، فلا يجب الحدّ إما للشّك في الوجوب الحدّ، وأمّا للسّعي في درء الحدّ عند الشبهة، وإمّا لترجيح جانب الحقيقة على الحكم؛ لأنّ الحقيقة بالعمل بها والله أعلم.

стр. 1955

باب العنّين لما ذكر وجوه أحكام الأصحّاء المتعلّقة بالنكاح والطلاق، ذكر في هذا الباب أحكام من به نوع مرض لها تعلّق بالنكاح والطّلاق؛ لأنّ حكم من به العوارض أبدًا يعقب حكم الأصحّاء. العنّين هو الذي لا يقدر على إتيان النساء؛ من عُنّ إذا حبس في العنة، وهي حضيرة الإبل أو [من] (١) عَنّ إذا عرض؛ لأنّه يَعِنّ يمينًا وشمالاً ولا يقصده، وقيل: سُمي العنّين عنّينًا لأنّ ذكره يسترخي فيعنَّ يمينًا وشمالاً ولا يقصد المأتي من المرأة (٢). وجمع العنّين: عنن وفي البصائر (٣) قل فلان عنين من التعنين ولا تقل بين العُنة كذا في المغرب (٤) [وغيره] (٥). وذكر الإمام قاضي خان وظهير الدين ﵏ العنّين هو الذي لا يصل إلى النساء مع قيام الآلة (٦) فإن كان يصل إلى الثيب (٧) دون البكر (٨) وإلى بعض النساء دون البعض وذلك لمرض به أو لضعف في خلقه أو لكبر سنّه أو سِحر (٩) فهو عنّين في حق من لا يصل إليها لفوات المقصود في حق من لا يصل إليها (١٠). وَقَدَّرْنَاهَا بِالسَّنَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ، وذلك لأنّ التأجيل لإبلاء العذر والحول حسن في ذلك، قال لبيد (١١) لابنيه عند وفاته: فقوما وقولا بالذي قد علمتما ثم اسم السّلام عليكما ومن … ولا تخمشا وجها ولا تحلقا الشعر إلى الحول يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر (١٢) ولأن العجز عن الوصول قد يكون لغلبة الرطوبة، فإنّه يعالج ذلك في فصل الحر واليبوسة من السنة، وقد يكون لغلبة الحرارة فإنما يعالج له في فصل البرد، وقد يكون لغلبة اليبوسة، وإنّما يعالج له في فصل الرطوبة، فقدرنا الأجل بحول حتّى يعالج نفسه، فيوافقه العلاج في فصل من فصول السنة فيبرأ فإذا مضت السنة ولم يصل إليها علم أن الآفة في أصل الخلقة، ولهذا قالوا يقدّر بسنة شمسية أخذاً بالاحتياط؛ لأنّه ربّما يكون بموافقة العلاج في الأيّام التي يقع التفاوت فيها بين السنة القمرية والشمسية، كذا في «المبسوط» (١٣).

стр. 1956

وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهَا، وذكر الإمام قاضي خان ﵀ فإذا وجدت زوجها عنّينًا ولم يخاصم زماناً لم يبطل حقها، وكذا لو رفعت الأمر إلى القاضي وأجّله القاضي سنة فلم يخاصم زماناً بعد مضي الأجل؛ لأنّها لا تقدر على الخصومة في كل وقت، ولأنّ ذلك قد يكون للتجربة والامتحان لا للرضاء (١). وإن وطئها مرة ثم عجز بعد ذلك لا خيار لها؛ لأنّ ما هو المقصود وهو تأكد المهر والإحصان وغير ذلك بالواحد، وما زاد على ذلك فهو مستحق ديانة لا حكمًا، فإن قلن: هي ثيب، يحلّف الزوج بالله لقد أصبتها، لعلّ بكارتها زالت بوجه آخر فيشترط اليمين مع شهادتهن، ليكون حجة، ثم كيف يعرف أنّها بكر أم ثيب؟ قالوا: يدفع في فرجها أصغر بيضة من بيض الدجاج فإن دخل بلا عنف فثيب وإلا فبكر، وقيل: إن أمكنها أن تبول على الجدار فبكر وإلا فثيب. وقيل: تُكسر البيضة فتُصب في فرجها فإن دخلت فثيب وإلا فبكر (٢). ولو وطئها مرة ثم عجز فلا خيار لها، وقد ذكرناه، وكذلك لو لم يكن له ماء ويجامع ولا ينزل لا يكون لها حق الخصومة، وهل يأثم بترك الوطء مرة، ففي شرح بكر ﵀ يأثم إذا تركها متعنتًا (٣) مع القدرة، فأمّا المولى هل يأثم بترك وطء الأمة مع القدرة وحاجتها إلى ذلك؟ قال: ينبغي أن لا يأثم. ولو وصل العنّين امرأته ثم فارقها، ثم تزوّجها فلم يصل إليها فلها الخصومة، لأنّ هذا النكاح غير الأوّل، ولو فرق بينهما بعدم الوصول، ثم وعدها الوصول، فتزوّجها فعجز، فلا خيار لها؛ لأنّها رضيت. بخلاف ما لو تزوّجت به أخرى وهي عالمة بحاله لا يكون رضاء منها. وفي الأصل يكون رضا؛ لأنها رضيت بالمقام معه، وإن علمت بعد النكاح بحاله لا يبطل خيارها بطول مقامها معه؛ لأنّ الحق لا يبطل بالتأخير ما لم يقل: رضيت بالمقام معه. وفي أدب القاضي سأل الزّوج القاضي أن يؤجله سنة أخرى أو شهراً أو أكثر فإنّه لا ينبغي له أن يفعل ذلك إلا برضاء المرأة، فإن رضيت ثم رجعت فلها ذلك، ويبطل الأجل ويخيّر، كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (٤).

стр. 1957

وذكر الإمام قاضي خان وإن كان الزوج عنّينًا، والمرأة رتقاء، لم يكن لها حق الفرقة؛ لوجود المانع من قبلها (١). (فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ثُمَّ يَمِينُهُ)، فالقاضي لا يريها النساء؛ لأنّه لا فائدة فيها ولكن يحلف الزّوج على ما ادّعى من الوصول إليها. وإن كانت بكراً وقت النكاح أراءها النساء، فإن قلن: هي بكر، أجّله القاضي سنة، ثم [بعد] (٢) انقضاء الأجل لو ادّعى جماعها وأنكرت نظر إليها النساء، فالحاصل أن الإراءة للنساء مرّتين مرّة قبل الأجل للتأجيل ومرة بعد الأجل للتنجيز، فإن نَكِلَ (٣) خيّرت، لِتَأَيُّدِهَا بِالنُّكُولِ، أيّ لتأيّد دعوى المرأة بأنّه لم يجامعها بِنُكُولِ الزّوج عن اليمين. وذكر في «المبسوط» فإذا خيّرها القاضي فاختارت الزّوج، أو قامت من مجلسها، أو أقامها أعوان القاضي، أو قام القاضي قبل أن يختار شيئاً بطل خيارها؛ لأنّ هذا بمنزلة تخيير الزوج امرأته، وذلك يتوقف بالمجلس فهذا مثله، والتفريق كان لحقها فإذا رضيت بالإسقاط صريحًا أو دلالة بتأخير الاختيار إلى أن قامت أو أقيمت تسقط حقّها، فلا تطالب بعد ذلك بشيء فإن اختارت الفرقة، أمر القاضي الزوج بأن يطلّقها وإن أبى فرّق القاضي بينهما (٤). وفي التأجيل يعتبر السنة القمرية هو الصّحيح، هذا احتراز عمّا اختاره شمس الأئمة السرخسي في «المبسوط» (٥)، والإمام قاضي خان، والإمام ظهير الدين (٦) ﵏، فإنّهم اختاروا السنة الشمسية، وجعل في «شرح الطّحاوي» التأجيل بالسنّة القمرية ظاهر الرواية، والتأجيل بالشمسية رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀، وذكر عن شمس الأئمة الحلواني (٧) ﵀ الشّمسية ثلاثمائة وخمسة وستون يومًا وجزء من مائة وعشرين جزءًا من اليوم.

стр. 1958

والقمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يومًا، كذا وجدت بخطه ثقة، وهكذا ذكر - أيضاً - في إيجاز البيان (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (٢) (٣). وذكر في «الذخيرة» (٤) يؤجّل العنين سنة شمسية لا قمرية، فالسنة الشمسية السنة بالأيّام والسنة القمرية السنة بالأهلّة. والشمسية تزيد على القمرية بأحد عشر يومًا وشيء، فيجوز أن يوافق طبعه هذه الزيادة فلابدّ من اعتبارها. وَلَا يُحْتَسَبُ بِمَرَضِهِ وَمَرَضِهَا، وروي عن أبي يوسف أنّه إذا مرض أحدهما مرضاً لا يستطيع الجماع معه، فإن كان أقلّ من نصف الشهر احتسب عليه، وإن كان أكثر لم يحتسب عليه وجعل له بدل مكانها (٥). وكذلك الغيبة؛ لأنّ شهر رمضان محسوب عليه وهو قادر عليه في الليل ممنوع في النهار والنهار بدون اللّيل يكون نصف الشّهر، فثبت أن نصف الشّهر محسوب عليه، وهذا أصح الروايات عن أبي يوسف. وإن أحرمت (٦) بحجة الإسلام لم يحتسب على الزوج بتلك المدة؛ لأنّه لا يقدر على أن يحللها. ألا ترى أنّها لو كانت محرمة حين خاصمت لم يؤجّله القاضي حين يفرغ من الحج، ولو خاصمت والزّوج مظاهر منها فإن كان يقدر على العتق أجله، وإن كان عاجزًا عن ذلك أمهله شهرين؛ لأنّه ممنوع عن غشيانها (٧) ما لم يكفّر، فإن ظاهر منها بعد التأجيل لم يلتفت القاضي إلى ذلك، واحتسب عليه بتلك المدّة؛ لأنّه كان متمكّنًا من أن لا يظاهر فيها، كذا في «المبسوط» (٨) و «الإيضاح» (٩). وإذا كان بالزّوجة عيب فلا خيار للزّوج، فإن الرجل لا يرد امرأته عن عيب، وإن فحش عندنا، ولكنّه بالخيار إن شاء أمسكها وإن شاء طلّقها.

стр. 1959

وعند الشافعي ﵀ (١) يثبت له حق الردّ بعيوب خمسة، كذا في «المبسوط» (٢). فإن قلت: فعند الشافعي له خيار الرد، وعندنا له خيار الطّلاق، فما التّفاوت بينهما؟. قلت: الفرق بينهما ظاهر، فعندنا بالطّلاق قبل الدخول يجب نصف المسمّى، وعنده بالردّ قبل الدخول لم يجب شيء من المهر، وكذلك يظهر - أيضاً - في حقّ نقصان عدد الطّلاق وعدم نقصانه، وقد ذكرناه في خيارات النكاح. الجذام: هو تشقق الجلد وتقطّع اللحم وتساقطه والفعل منه جذم كذا في المغرب (٣). والرتق: -بالتحريك- مصدر قولك: امرأة رتقاء لا يستطاع جماعها، لارتتاق ذلك الموضع منها، كذا في «الصحاح» (٤)، وذكر في التيسير (٥) في قوله تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (٦) الرتق السدّ، ومنه الرتقاء وهي المرأة التي فرجها ملتحم، والفتق الشق وصرفها من باب دخل (٧). وفي «المغرب» (٨) امرأة رتقاء بيّنة الرتق، إذا لم يكن لها خرق إلا المبال والقرن - بسكون الراء - العقلة عن الأصمعي (٩) واختصم إلى شريح (١٠) في جارية بها قرن، فقال: أقعدوها، فإن أصاب الأرض فهو عيب، وإن لم يصب الأرض فليس بعيب.

стр. 1960

والعفلة بالتحريك شيء يخرج من قُبل النساء (١)، وحيا الناقة شبيه بالأدرة (٢) التي للرجل، كذا في «الديوان» و «الصحاح» (٣). وذكر في «المغرب» (٤) القرن مانع يمنع من سلوك الذكر فيه، إما غدّة غليظة أو لحمة مرتتقة أو عظم، وامرأة قرناء بها ذلك (٥). قلنا: أن فوت الاستيفاء أصلاً بالموت لا يوجب الفسخ حتّى لا يسقط شيء من المهر، وعيب الجنون والجذام فيما هو المقصود دون الموت؛ لأن الاستيفاء ههنا يتأتى ومقصود النسل يحصل به، وهذا بخلاف ما إذا وجدت المرأة زوجها مجبوباً أو عنّنياً؛ لأن هناك لا يثبت لها خيار الفسخ عندنا، وإنّما يثبت لها حق المطالبة بالإمساك بالمعروف، وذلك في أن يوفيها حقّها في الجماع فإذا عجز عن ذلك (٦) تعيّن التسريح [بالإحسان والتسريح] (٧) طلاق. وحاصل ذلك أنّ النكاح ممّا لا يحتمل الفسخ عندنا؛ لأنّ الفسخ هو رفع العقد بعد تمامه بلا خلل في ولاية المحلّ، والنكاح لا يحتمل هذا النّوع من الفسخ. ألا ترى أنّه لا يحتمل الفسخ بالإقالة (٨)؛ وذلك لأن ملك النكاح ملك ضروري لا يظهر في حق النقل إلى الغير، ولا في حق الانتقال إلى الْوَرَثَةِ، وإنّما أظهر الشرع في حق الطّلاق للتخليص عن عهدة النكاح عند عدم موافقة الأخلاق، وهذا لا يقتضي ظهوره في حق الفسخ بعد تمامه؛ لأنّه لا ضرورة [فيه] (٩) بخلاف الفسخ لعدم الكفاءة، أو بخيار البلوغ، فإنّه فسخ قبل تمامه لخلل في ولاية المحلّ، فيكون في معنى الامتناع من إتمامه، وكذلك الفسخ بخيار العتق فإنّه امتناع من التزام زيادة الملك، ولأنّ هذه العيوب لا تُخلّ بموجود العقد، وهو الحلّ فلا يثبت خيار الفسخ كالعمى والشلل والزمانة (١٠)، فأمّا الِاسْتِيفَاءَ فثمرة وفوات الثمرة لا يؤثر في عقد النكاح، ومذهبنا مروي عن علي وابن مسعود ﵄ (١١).

стр. 1961

وَالْمُسْتَحَقُّ التَّمَكُّنُ وَهُوَ حَاصِلٌ، أي التمكن بالوطء حاصل. أمّا في المجذومة والمجنونة والبرصاء (١) فظاهر. وأمّا في الرتقاء والقرناء فممكن بالشق والفتق. وقال محمّد ﵀: لها الخيار إذا كان على حال لا يطيق المقام معه؛ لأنّه تعذّر عليها الوصول إلى حقها لمعنى فيه فكان بمنزلة ما لو وجدته مجبوباً أو عنّيناً (٢). ولكنا نقول بهذه العيوب لا يفسد عليها باب استيفاء المقصود، إنّما تقلّ رغبتها فيه وتتأذّى بالصحبة والعشرة معه، وذلك غير مثبت لها الخيار كما لو وجدته سيء الخلق، أو مقطوع اليدين والرجلين، بخلاف الجُب والعِنّة، وكذلك أنه اشترط أحدهما على صاحبة السّلامة من العمى والشلل والزمانة فوجده بخلاف ذلك لا يثبت له الخيار. وكذلك لو شرط أحدهما على صاحبه صفة الجمال أو البكارة فوجدها بخلاف ذلك لا يثبت له الخيار؛ لأنّ فوت زيادة مشروطة بمنزلة العيب في إثبات الخيار، كما في البيع ولهذا يتبيّن أنّه لا معتبر بتمام الرضاء في باب النكاح، فإنّه لو تزوّجها بشرط أنها بكر شابّة جميلة، فوجدها ثيباً عجوزًا شوهاء لها شق مائل وعقل زائل ولعاب سائل، فإنّه لا يثبت له الخيار فقد انعدم الرضاء منه بهذه الصفة، كذا في «المبسوط» (٣). المشروع له النكاح وهو الوطء؛ لأن شرعية النكاح لأجل الوطء، فلذلك ثبت له الخيار في الجُبّ والعُنّة. فإن قلت: جعل قبل هذا في المسألة التي بيننا وبين الشّافعي استيفاء الوطء من الثمرات على وجه عند فواته لم يوجب الخيار للزّوج في الرتق والقرن وغيرهما (٤) باعتبار أن استيفاء الوطء من الثمرات، فقال: لأن الاستيفاء من الثمرات، وقال: المقصود منه الحلّ على ما ذكر من «المبسوط» (٥)، فلم ينال هناك بفوت الثمرة ولم يثبت الخيار للزّوج، وههنا عكس ذلك التعليل وحكمه؛ حيث أثبت الخيار للمرأة في صورة الجُبِّ والعنّة، وجعل استيفاء الوطء من المقصود، فيلزم من هذا أن يكون استيفاء الوطء مقصودًا في النكاح وغير مقصود، ويكون هو مثبتًا الخيار وغير مثبت، فكيف يكون للشيء الواحد وصفان متضادان وحكمان متضادان وهو هو أي من غير تفنين؟.

стр. 1962

قلت: لا شك أن للتمكّن من الوطء جهة كونه مقصودًا وجهة كونه ثمرة. أمّا جهة كونه مقصودًا فباعتبار أن بناء شرعية النكاح لأجله، أمّا المقصود من شرعية النكاح هو التوالد والتناسل لحكمة بقاء العالم بما قدر الله تعالى بقاءه، وذلك لا يحصل إلا بالوطء. وأمّا جهة كونه ثمرة فبالاستدلال بالحكم حيث يصح نكاح الرضيعة والرتقاء والقرناء والعجوز والعقيم (١)، فلو كان هذا مقصودًا لما جاز نكاح هؤلاء، كما يجوز استئجار الجحش للحمل والركوب؛ لما أنّ المقصود من الاستئجار الانتفاع، وهو لا يحصل به في الحال، ولما كان كذلك اعتبرنا جانب الثمرة فيما إذا كانت هذه العيوب بالمرأة فلم يثبت الخيار للزّوج بالردّ والفسخ جريًا على الأصل، وهو أنّ النكاح لا يقبل الفسخ، واعتبرنا جانب كونه مقصودًا فيما إذا كان عيب الجبّ والعنّة بالرّجل. ثم إنّما عيّنا جانب الثمرة فيما إذا كانت العيوب بالمرأة؛ لأنّ الزوج متمكّن من الاستمتاع بغيرها بأن يتزوّج غيرها مع وجودها ومتمكّن من طلاقها، فقلنا: لا يثبت له الخيار؛ لأنّ استيفاء الوطء ثمرة من الثمرات وعيّنا جانب الأصالة، وكون [استيفاء] (٢) [الوطء] (٣) مقصودًا فيما إذا كان العيب بالزّوج من الجُبِّ والعُنّة؛ لأن المرأة لا تتمكّن من الاستمتاع بغيره مع كونها في نكاحه، ولا تتمكّن من تطليق نفسها، فقلنا: كان له الخيار فيما إذا وجدت زوجها مجبوباً أو عنّينًا؛ لأنّ الجُبّ والعُنّة يخلان بالمقصود المشروع له النكاح وهو الوطء، والله تعالى أعلم بالصّواب. باب العدّة اعلم أنّ الأثر يتبع المؤثر أينما كان، والعدّة متعقبةٌ للطلاق وما يماثله من الفراق، خصوصاً ما إذا كان الطّلاق بعد الدخول، فلذلك أورد باب العدّة بعد ذكر وجوه الفراق من الطّلاق والإيلاء والخلع واللّعان وأحكام العنّين. ذكر في «الصحاح» (٤) عدّة المرأة أيام أقرائها (٥). وقيل: العدّة عبارة عن التربص (٦) الذي يلزم المرأة عند زوال النكاح أو شبهته (٧).

стр. 1963

فبعد هذا يحتاج إلى معرفة ستة أشياء، وهي: سبب وجوب العدّة وشرطها وركنها ومحظوراتها وحكمها وما تقدّر به مدتها. أمّا سببها فهو عندنا [نكاح] (١) متأكد بالتّسليم أو ما يجري مجراه. وعند الشّافعي السّبب هو الماء في فرق الحياة (٢). ويبتني على هذا مسألة الخلوة الصحيحة هل هي موجبة للعدّة أم لا؟. وأمّا شرطها فالفرقة سواء كانت بطلاق أو غيره؛ إذ لو كانت سبباً لما اختلف وجوب العدّة بين الدخول وعدمه، فكان قولنا: عدّة الطلاق إضافة الحكم إلى شرطه، كما في صدقة الفطر. وأمّا ركنها فحرمات ثابتة إلى أجل ينقضي والكف عن هتكها يجب احترازاً عن الوقوع في الحرمة لا أنّه ركن العدّة. وقال الشّافعي ﵀: الركن هو كفّ المرأة نفسها عن أفعال محظورة عليها (٣). ويبنى على هذا مسألة: أن العدّتين إذا وجبتا من رجلين هل يتداخلان وينقضيان بمضيّ مدّة واحدة أم لا؟ وأمّا محظوراتها في المبانة والمتوفى عنها زوجها فالزينة والتطيّب خصوصاً والخروج عن البيت عمومًا. وأمّا حكمها فعدم جواز نكاح الغير ونكاح أختها وأربع سواها وما يجري مجراه. وأمّا ما تقدّر به مدتها أجمعوا على أن التربص مأمور به في العدّة. ثم اختلفوا فيما ينقضي به التربص، فعندنا التربص ينقضي بثلاث حيض، وعند الشّافعي بثلاثة أطهار (٤). هذه فوائد مجموعة من أسرار القاضي الإمام المدقق أبي زيد الدبوسي ﵀ (٥). وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا، ولم يذكر قوله: أو رجعيًّا في بعض النسخ، فلابدّ من ذكره، ثم لم يذكر الدخول في الطلاق، ولم يقل: إذا طلق الرجل امرأته بعد الدخول، مع أن عدّة الطلاق لا يجب إلا بعد الدخول بناء على ما هو الأصل في النكاح، وهو الدخول؛ ولأن وجوب العدة من الفرقة في حالة الحياة، وإنّما كان بعد الدخول لا قبله وهو ظاهر فاستغنى بظهوره عن ذكره.

стр. 1964

وذكر في «الإيضاح» والعدة بالحيض أو بما أقيم مقامه من الأشهر لا تجب إلا بالدخول، أو ما يقوم مقامه من الخلوة؛ لقوله تعالى - في غير المدخول بها -: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (١)، ثم قال: وضرب آخر من الشهور يجب على المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ (٢) الآية، ويستوي في ذلك الدخول وعدم الدخول؛ لأنّ الله تعالى أوجب بالوفاء مطلقاً، ووقعت الفرقة بينهما بغير طلاق، مثل الفرقة بخيار العتاقة وعدم الكفاءة وخيار البلوغ وملك أحد الزوجين صاحبه، والفرقة في النكاح الفاسد (٣). وَهَذَا يَتَحَقَّقُ فِيهَا، أي التفرق عن براءة الرحم يتحقّق في الفرقة بغير طلاق. قوله ﵀: هُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ، دليل على أنّه حقيقة فيها، فكان فيه قطع [توهم] (٤) أنّه مجاز في واحد منهما؛ لما أنّ الطّريق في المجاز هو أن يكون في المجاز معنى تناسب معنى الحقيقة، وبين الطهر والحيض مضادة لا مناسبة بينهما، فكيف يتحقق المجاز بين الضدين؟! فصار كالصريم يُطلق على الليل والنهار (٥). إمَّا عَمَلًا بِلَفْظِ الْجَمْعِ، أراد به لفظ الإقراء وهو جمع قُرْءٍ بالفتح والضم، كذا في «المغرب» (٦)، والجمع الصحيح هو الثلاثة. وذلك إنّما يتحقّق عند الحمل على الحيض لا على الطُهر؛ لما أنّ الطّلاق يوقع في طهر وهو السنة، ثم هو محسوب عن الإقراء عند من يقول بالإطهار، فيكون حينئذٍ مدّة عدّتها قرئين وبعض الثالث فلم يكن ثلاثاً كوامل، وهذا يستقيم في جمع غير مقرون بالعدد، كقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٧). فأمّا في جمع مقرون بالعدد فلابدّ من الكوامل، بخلاف ما لو أريد بالإقراء الحيض، فإنّه يكمل ثلاثاً أو لأنّه؛ أي: لأنّ الحيض معرّف لبراءة الرحم، والتعريف لبراءتها إنّما يحصل بالحيض لا بالطهر؛ لما أنّ الحمل طهر ممتد فيجتمعان، فلا يحصل التعريف بأنّها حامل أو حائل فيلتحق بياناته أي يلتحق خبر الواحد بمجمل الكتاب للبيان بذلك الخبر الواحد، لما هو المراد من الكتاب، كما ألحق ما روي عن النبي ﵇ «مسح على ناصيته» (٨) بياناً لمجمل قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٩) في حق المقدار.

стр. 1965

فحينئذ كان الحديث مبينًا لحكم الكتاب لا مغيّراً له، وأولى الاحتجاج هو ما احتج به في «الأسرار»، فقال: فاحتج علماؤنا بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (١) فجعل الله العدّة شهوراً بشرط عدم الحيض، فدلّ أن المحيض أصل في العدّة، والشهور يدل عنها، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢) فدلّ النقل إلى الصعيد بشرط عدم الماء أن الماء هو الأصل، فعلم به ما طوي بيانه عند ذكر الأصل بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٣) أي: بالماء بهذه الدلالة؛ وذلك لأن حد البدل ما يقوم مقام غيره عند عدمه، فالذي شرط عدمه لإقامته مقامه لابدّ أن يكون أصلاً. فإن قيل: الأصل إطهار هي قروء ولا وجود لها إلا بالمحيض، فإن الطهر قبل الحيض لا يسمّى قرء، ولا انعدام لهذه القروء إلا بانعدام الحيض، فصار قوله: يئس من المحيض مجازاً عن قوله: يئس من الإطهار، هي قروء فلذلك استقام الإبدال. قلنا: أنّ الكلام لحقيقته حتّى يقوم الدّليل على مجازه، ودلّ عليه أنّ الله تعالى بدأ، فقال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٤) وثم نقل إلى البدل فيمن عدمت القروء، ولو كان المراد ما ذكره كان من حق الكلام أن يقال: واللاتي عدمن القروء، وليكون النقل بعدم عين ما شرع أصلاً، فلما جالبته بعبارة أخرى علم أنّها لم يكن إلا لفائدة زائدة بعدم هي بالعبارة الأولى، وليس ذلك إلا ما قلنا، والله أعلم. وَكَذَا الَّتِي بَلَغَتْ بِالسِّنِّ، أي إذا بلغت خمسة عشر سنة ولم تحض بعد، فعدّتها تنقضي بالأشهر أيضاً بآخر الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٥) أي: والصّغائر اللائي لم يبلغن، واللائي بلغن بغير الحيض كذلك يعتددن ثلاثة أشهر، كذا في «التيسير» (٦). (وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ فِي الْوَفَاةِ) إلى آخره وبين السلف فيها اختلاف في أربعة فصول:
следующие страницы →