← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

وَالْمُسْتَحَقُّ التَّمَكُّنُ وَهُوَ حَاصِلٌ، أي التمكن بالوطء حاصل. أمّا في المجذومة والمجنونة والبرصاء (١) فظاهر. وأمّا في الرتقاء والقرناء فممكن بالشق والفتق. وقال محمّد ﵀: لها الخيار إذا كان على حال لا يطيق المقام معه؛ لأنّه تعذّر عليها الوصول إلى حقها لمعنى فيه فكان بمنزلة ما لو وجدته مجبوباً أو عنّيناً (٢). ولكنا نقول بهذه العيوب لا يفسد عليها باب استيفاء المقصود، إنّما تقلّ رغبتها فيه وتتأذّى بالصحبة والعشرة معه، وذلك غير مثبت لها الخيار كما لو وجدته سيء الخلق، أو مقطوع اليدين والرجلين، بخلاف الجُب والعِنّة، وكذلك أنه اشترط أحدهما على صاحبة السّلامة من العمى والشلل والزمانة فوجده بخلاف ذلك لا يثبت له الخيار. وكذلك لو شرط أحدهما على صاحبه صفة الجمال أو البكارة فوجدها بخلاف ذلك لا يثبت له الخيار؛ لأنّ فوت زيادة مشروطة بمنزلة العيب في إثبات الخيار، كما في البيع ولهذا يتبيّن أنّه لا معتبر بتمام الرضاء في باب النكاح، فإنّه لو تزوّجها بشرط أنها بكر شابّة جميلة، فوجدها ثيباً عجوزًا شوهاء لها شق مائل وعقل زائل ولعاب سائل، فإنّه لا يثبت له الخيار فقد انعدم الرضاء منه بهذه الصفة، كذا في «المبسوط» (٣). المشروع له النكاح وهو الوطء؛ لأن شرعية النكاح لأجل الوطء، فلذلك ثبت له الخيار في الجُبّ والعُنّة. فإن قلت: جعل قبل هذا في المسألة التي بيننا وبين الشّافعي استيفاء الوطء من الثمرات على وجه عند فواته لم يوجب الخيار للزّوج في الرتق والقرن وغيرهما (٤) باعتبار أن استيفاء الوطء من الثمرات، فقال: لأن الاستيفاء من الثمرات، وقال: المقصود منه الحلّ على ما ذكر من «المبسوط» (٥)، فلم ينال هناك بفوت الثمرة ولم يثبت الخيار للزّوج، وههنا عكس ذلك التعليل وحكمه؛ حيث أثبت الخيار للمرأة في صورة الجُبِّ والعنّة، وجعل استيفاء الوطء من المقصود، فيلزم من هذا أن يكون استيفاء الوطء مقصودًا في النكاح وغير مقصود، ويكون هو مثبتًا الخيار وغير مثبت، فكيف يكون للشيء الواحد وصفان متضادان وحكمان متضادان وهو هو أي من غير تفنين؟.

стр. 1962

قلت: لا شك أن للتمكّن من الوطء جهة كونه مقصودًا وجهة كونه ثمرة. أمّا جهة كونه مقصودًا فباعتبار أن بناء شرعية النكاح لأجله، أمّا المقصود من شرعية النكاح هو التوالد والتناسل لحكمة بقاء العالم بما قدر الله تعالى بقاءه، وذلك لا يحصل إلا بالوطء. وأمّا جهة كونه ثمرة فبالاستدلال بالحكم حيث يصح نكاح الرضيعة والرتقاء والقرناء والعجوز والعقيم (١)، فلو كان هذا مقصودًا لما جاز نكاح هؤلاء، كما يجوز استئجار الجحش للحمل والركوب؛ لما أنّ المقصود من الاستئجار الانتفاع، وهو لا يحصل به في الحال، ولما كان كذلك اعتبرنا جانب الثمرة فيما إذا كانت هذه العيوب بالمرأة فلم يثبت الخيار للزّوج بالردّ والفسخ جريًا على الأصل، وهو أنّ النكاح لا يقبل الفسخ، واعتبرنا جانب كونه مقصودًا فيما إذا كان عيب الجبّ والعنّة بالرّجل. ثم إنّما عيّنا جانب الثمرة فيما إذا كانت العيوب بالمرأة؛ لأنّ الزوج متمكّن من الاستمتاع بغيرها بأن يتزوّج غيرها مع وجودها ومتمكّن من طلاقها، فقلنا: لا يثبت له الخيار؛ لأنّ استيفاء الوطء ثمرة من الثمرات وعيّنا جانب الأصالة، وكون [استيفاء] (٢) [الوطء] (٣) مقصودًا فيما إذا كان العيب بالزّوج من الجُبِّ والعُنّة؛ لأن المرأة لا تتمكّن من الاستمتاع بغيره مع كونها في نكاحه، ولا تتمكّن من تطليق نفسها، فقلنا: كان له الخيار فيما إذا وجدت زوجها مجبوباً أو عنّينًا؛ لأنّ الجُبّ والعُنّة يخلان بالمقصود المشروع له النكاح وهو الوطء، والله تعالى أعلم بالصّواب. باب العدّة اعلم أنّ الأثر يتبع المؤثر أينما كان، والعدّة متعقبةٌ للطلاق وما يماثله من الفراق، خصوصاً ما إذا كان الطّلاق بعد الدخول، فلذلك أورد باب العدّة بعد ذكر وجوه الفراق من الطّلاق والإيلاء والخلع واللّعان وأحكام العنّين. ذكر في «الصحاح» (٤) عدّة المرأة أيام أقرائها (٥). وقيل: العدّة عبارة عن التربص (٦) الذي يلزم المرأة عند زوال النكاح أو شبهته (٧).

стр. 1963

فبعد هذا يحتاج إلى معرفة ستة أشياء، وهي: سبب وجوب العدّة وشرطها وركنها ومحظوراتها وحكمها وما تقدّر به مدتها. أمّا سببها فهو عندنا [نكاح] (١) متأكد بالتّسليم أو ما يجري مجراه. وعند الشّافعي السّبب هو الماء في فرق الحياة (٢). ويبتني على هذا مسألة الخلوة الصحيحة هل هي موجبة للعدّة أم لا؟. وأمّا شرطها فالفرقة سواء كانت بطلاق أو غيره؛ إذ لو كانت سبباً لما اختلف وجوب العدّة بين الدخول وعدمه، فكان قولنا: عدّة الطلاق إضافة الحكم إلى شرطه، كما في صدقة الفطر. وأمّا ركنها فحرمات ثابتة إلى أجل ينقضي والكف عن هتكها يجب احترازاً عن الوقوع في الحرمة لا أنّه ركن العدّة. وقال الشّافعي ﵀: الركن هو كفّ المرأة نفسها عن أفعال محظورة عليها (٣). ويبنى على هذا مسألة: أن العدّتين إذا وجبتا من رجلين هل يتداخلان وينقضيان بمضيّ مدّة واحدة أم لا؟ وأمّا محظوراتها في المبانة والمتوفى عنها زوجها فالزينة والتطيّب خصوصاً والخروج عن البيت عمومًا. وأمّا حكمها فعدم جواز نكاح الغير ونكاح أختها وأربع سواها وما يجري مجراه. وأمّا ما تقدّر به مدتها أجمعوا على أن التربص مأمور به في العدّة. ثم اختلفوا فيما ينقضي به التربص، فعندنا التربص ينقضي بثلاث حيض، وعند الشّافعي بثلاثة أطهار (٤). هذه فوائد مجموعة من أسرار القاضي الإمام المدقق أبي زيد الدبوسي ﵀ (٥). وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا، ولم يذكر قوله: أو رجعيًّا في بعض النسخ، فلابدّ من ذكره، ثم لم يذكر الدخول في الطلاق، ولم يقل: إذا طلق الرجل امرأته بعد الدخول، مع أن عدّة الطلاق لا يجب إلا بعد الدخول بناء على ما هو الأصل في النكاح، وهو الدخول؛ ولأن وجوب العدة من الفرقة في حالة الحياة، وإنّما كان بعد الدخول لا قبله وهو ظاهر فاستغنى بظهوره عن ذكره.

стр. 1964

وذكر في «الإيضاح» والعدة بالحيض أو بما أقيم مقامه من الأشهر لا تجب إلا بالدخول، أو ما يقوم مقامه من الخلوة؛ لقوله تعالى - في غير المدخول بها -: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (١)، ثم قال: وضرب آخر من الشهور يجب على المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ (٢) الآية، ويستوي في ذلك الدخول وعدم الدخول؛ لأنّ الله تعالى أوجب بالوفاء مطلقاً، ووقعت الفرقة بينهما بغير طلاق، مثل الفرقة بخيار العتاقة وعدم الكفاءة وخيار البلوغ وملك أحد الزوجين صاحبه، والفرقة في النكاح الفاسد (٣). وَهَذَا يَتَحَقَّقُ فِيهَا، أي التفرق عن براءة الرحم يتحقّق في الفرقة بغير طلاق. قوله ﵀: هُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ، دليل على أنّه حقيقة فيها، فكان فيه قطع [توهم] (٤) أنّه مجاز في واحد منهما؛ لما أنّ الطّريق في المجاز هو أن يكون في المجاز معنى تناسب معنى الحقيقة، وبين الطهر والحيض مضادة لا مناسبة بينهما، فكيف يتحقق المجاز بين الضدين؟! فصار كالصريم يُطلق على الليل والنهار (٥). إمَّا عَمَلًا بِلَفْظِ الْجَمْعِ، أراد به لفظ الإقراء وهو جمع قُرْءٍ بالفتح والضم، كذا في «المغرب» (٦)، والجمع الصحيح هو الثلاثة. وذلك إنّما يتحقّق عند الحمل على الحيض لا على الطُهر؛ لما أنّ الطّلاق يوقع في طهر وهو السنة، ثم هو محسوب عن الإقراء عند من يقول بالإطهار، فيكون حينئذٍ مدّة عدّتها قرئين وبعض الثالث فلم يكن ثلاثاً كوامل، وهذا يستقيم في جمع غير مقرون بالعدد، كقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٧). فأمّا في جمع مقرون بالعدد فلابدّ من الكوامل، بخلاف ما لو أريد بالإقراء الحيض، فإنّه يكمل ثلاثاً أو لأنّه؛ أي: لأنّ الحيض معرّف لبراءة الرحم، والتعريف لبراءتها إنّما يحصل بالحيض لا بالطهر؛ لما أنّ الحمل طهر ممتد فيجتمعان، فلا يحصل التعريف بأنّها حامل أو حائل فيلتحق بياناته أي يلتحق خبر الواحد بمجمل الكتاب للبيان بذلك الخبر الواحد، لما هو المراد من الكتاب، كما ألحق ما روي عن النبي ﵇ «مسح على ناصيته» (٨) بياناً لمجمل قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٩) في حق المقدار.

стр. 1965

فحينئذ كان الحديث مبينًا لحكم الكتاب لا مغيّراً له، وأولى الاحتجاج هو ما احتج به في «الأسرار»، فقال: فاحتج علماؤنا بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (١) فجعل الله العدّة شهوراً بشرط عدم الحيض، فدلّ أن المحيض أصل في العدّة، والشهور يدل عنها، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢) فدلّ النقل إلى الصعيد بشرط عدم الماء أن الماء هو الأصل، فعلم به ما طوي بيانه عند ذكر الأصل بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٣) أي: بالماء بهذه الدلالة؛ وذلك لأن حد البدل ما يقوم مقام غيره عند عدمه، فالذي شرط عدمه لإقامته مقامه لابدّ أن يكون أصلاً. فإن قيل: الأصل إطهار هي قروء ولا وجود لها إلا بالمحيض، فإن الطهر قبل الحيض لا يسمّى قرء، ولا انعدام لهذه القروء إلا بانعدام الحيض، فصار قوله: يئس من المحيض مجازاً عن قوله: يئس من الإطهار، هي قروء فلذلك استقام الإبدال. قلنا: أنّ الكلام لحقيقته حتّى يقوم الدّليل على مجازه، ودلّ عليه أنّ الله تعالى بدأ، فقال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٤) وثم نقل إلى البدل فيمن عدمت القروء، ولو كان المراد ما ذكره كان من حق الكلام أن يقال: واللاتي عدمن القروء، وليكون النقل بعدم عين ما شرع أصلاً، فلما جالبته بعبارة أخرى علم أنّها لم يكن إلا لفائدة زائدة بعدم هي بالعبارة الأولى، وليس ذلك إلا ما قلنا، والله أعلم. وَكَذَا الَّتِي بَلَغَتْ بِالسِّنِّ، أي إذا بلغت خمسة عشر سنة ولم تحض بعد، فعدّتها تنقضي بالأشهر أيضاً بآخر الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٥) أي: والصّغائر اللائي لم يبلغن، واللائي بلغن بغير الحيض كذلك يعتددن ثلاثة أشهر، كذا في «التيسير» (٦). (وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ فِي الْوَفَاةِ) إلى آخره وبين السلف فيها اختلاف في أربعة فصول:

стр. 1966

أحدها: أن من السّلف من يقول: لها عدّتان، الطولى وهي الحول، والقصرى وهي أربعة أشهر وعشر، كما قال الله تعالى: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ (١)، [أي أربعة بعد] (٢) أشهر وعشر فلا جناح عليكم، ففي هذا بيان أنّ العدة الكاملة هي الحول، وأن الاكتفاء بأربعة أشهر وعشر رخصة لها والحول عزيمة لها، ولكنا نقول هذه الآية منسوخة، وهذا حكم كان في الابتداء أن على الزّوج أن يوصي لها بالنفقة والسكنى إلى الحول، وقد انتسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٣) والدّليل عليه ما روي أن المتوفى عنها زوجها جاءت إلى رسول الله ﵇ تستأذنه في الاكتحال (٤) فقال ﵇: «كان إحداكن في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها قعدت في شرّ أحلاسها (٥) في بيتها حولاً، ثم خرجت فرمت كلبة ببعرة أفلا أربعة أشهر وعشراً» (٦) [قال رمت كلبة ببعرة يريد أن خلوتها/ ٣٧٧ ب/ في البيت وحبسها نفسها هيّن عليها كالرمية بالبعرة في حسب ما كان من حق الزوج، فكيف لا تصبر هذه المدّة اليسيرة، وهي أربعة أشهر وعشر؟!. وقال: أفلا أي أفلا أصبر أربعة أشهر وعشر] (٧). والثاني: أن المعتبر عشرة أيّام وعشر ليال من الشهر الخامس عندنا، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص (٨) ﵄ يقول: عشر ليال وتسعة أيام حتّى يجوز لها أن تتزوّج في اليوم العاشر؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَعَشْرًا﴾ (٩) فإن جمع المؤنث يذكّر وجمع المذكّر يؤنّث فيقال عشرة أيام وعشر ليال، فلمّا قال ههنا: وعشراً؛ عرفنا أنّ المراد الليالي (١٠).

стр. 1967

ولكنّا نقول: هو كذلك إلا أن ذكر أحد العددين من الأيّام والليالي بعبارة الجمع يقتضي دخول ما بإزائه من العدد الآخر، وقد بيّنا هذا في باب الاعتكاف (١). والثالث: أنّ المتوفّى عنها زوجها إذا كانت حاملاً فعدّتها أن تضع حملها، وهو قول عمر وابن مسعود ﵁ وكان علي ﵁ يقول تعتدّ بأبعد الأجلين (٢). [إما] (٣) بوضع الحمل أو بأربعة أشهر وعشر؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ (٤) يوجب عليها العدّة بوضع الحمل. وقال: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ (٥) يوجب عليها أربعة أشهر وعشراً، فيجمع بينهما احتياطاً وجوابه ما ذكر في الكتاب. والدّليل المؤيد ما ذكر في الكتاب -أيضاً- حديث سبيعة بنت الحارث الأسلمية (٦)، فإنها وضعت ما في بطنها بعد موت الزوج بسبعة أيام فسألت أبا السنابل بن بعكك (٧) هل لها أن تتزوج؟ فقال: لا حتّى يبلغ الكتاب أجله، فجاءت إلى رسول الله ﵇ فأخبرته بذلك أي بما قال أبو السنابل، فقال ﵇: «كذب أبو السنابل قد بلغ [الكتاب] (٨) أجله» (٩). والرابع أنّ عدّة الوفاة معتبرة من وقت موت الزوج عندنا، وهو قول ابن مسعود وابن عباس (١٠). وكان علي ﵁[يقول] (١١): من حين تعلم حتّى إذا مات الزوج في السفر فأتاها الخبر بعد مضي مدّة العدة فعند علي يلزمها عدة مستأنفة (١٢)؛ لأنّ عليها الحد أدنى عدة الوفاة ولا يمكنها إقامة سنة الحداد (١٣) إلا بعد العلم بموته، ولأنّ هذه العدّة تجب بطريق العبادة فلابدّ من علمها، ولكنّا نقول: العدّة مجرّد مضي المدة، وذلك يتحقّق بدون علمها فهي وعدّة الطلاق سواء، وأكثر ما في الباب أنّها لم تقم سنة الحداد، وذلك لا يمنع انقضاء العدّة كما لو كانت عالمة بموت الزّوج، ولم يقم سنة الحداد ومعنى العبادة في العدّة تبع لا مقصود.

стр. 1968

ألا ترى أنّها تجب على الكتابية (١) تحت المسلم، وهي لا تخاطب بالعبادات، كذا في «المبسوط» (٢). قوله ﵀: مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ (٣)، أي لاعنته هكذا روى في رواية أخرى، وذلك أنّهم كانوا إذا اختلفوا في شيء اجتمعوا وقالوا: بهلة الله على الظّالم منّا، وإذا ورثت المطلقة لجانب الإرث ليكون هو بهذا اللفظ متناولاً للتباين الذي فيه الإرث سواء كان ثلاثاً أو دونها، وهو ما إذا طلّق المريض امرأته أي طلاق كان، ثم مات وهي في العدّة فإنّها ترث وهو طلاق الفارّ، وقد مرّ، ومخرجًا لما هو غير داخل فيه وهو ما إذا طلق الصّحيح امرأته طلاقاً بائنًا، ثم مات هو وهي في العدّة لا تنتقل عدّتها إلى أبعد الأجلين لأنّها لا ترث. وذكر في «المحيط» (٤) وأمّا إذا كانت مطلقة فمات عنها زوجها، فإن كان الطلاق رجعيًّا انتقلت إلى عدّة الوفاة، وإن كانت مبتوتة (٥) فإن كانت لا ترث لا ينتقل إلى عدّة الوفاة، وإن كانت ترث فعلى هذا الاختلاف فعدّتها أبعد الأجلين، وتفسير ذلك أنّها تعتدّ أربعة أشهر وعشراً فيها ثلاث حيض، حتّى لو اعتدت أربعة أشهر وعشراً ولم تحض كانت في العدّة ما لم تحض ثلاث حيض، ولو حاضت ثلاث حيض قبل تمام أربعة أشهر وعشر لا تنقضي عدّتها حتى يتم المدة، كذا في «فتاوى قاضي خان» (٦) (٧). لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ النِّكَاحَ قَدْ انْقَطَعَ قَبْلَ الْمَوْتِ بِالطَّلَاقِ (٨)، فليس عليها عدّة الوفاة، لما أن سبب وجوب عدّة الوفاة انتهاء النكاح بالموت فإذا لم يوجد لا يلزمها عدّة الوفاة، وهما يقولان: أخذت ميراث الزوجات بالوفاة، فيلزمها عدّة الوفاة كما لو كان طلّقها تطليقة رجعية؛ وهذا لأنّا إنّما أعطيناها الميراث باعتبار أنّ النكاح بمنزلة القائم بينهما حكمًا إلى وقت الموت، أو باعتبار إقامة العدّة مقام أصل النكاح حكمًا؛ إذ لابدّ من قيام السّبب عند الموت لاستحقاق الميراث، والميراث لا يثبت بالشّك، والعدّة تجب بالشك فإذا جعل في حكم الميراث النكاح كالمنتهي بالموت حكمًا ففي حكم العدّة أولى.

стр. 1969

وسبب وجوب العدة بالحيض عليها متقرّر حقيقة، فألزمناها الجمع بينهما. ولو قُتل على ردته جعل هذا في «المبسوط» من تتمة دليل أبي يوسف، فقال: ألا ترى أنّ المرتد إذا مات أو قتل على ردّته ترثه زوجته المسلمة، وليس عليها عدّة الوفاة؛ لأنّ زوال النكاح كان بردّته لا بموته (١). فكذلك زوال النكاح هنا كان بالطّلاق البائن لا بالموت وقالا عن مسألة المرتد فقد أشار الكرخي (٢) في كتابه إلى أنّه يلزمها عدّة الوفاة (٣)، ولئن سلّمنا فنقول: هناك ما استحقّت الميراث بالوفاة؛ لأنّ عند الموت هي مسلمة، والمسلمة لا ترث الكافر، وذلك يستند استحقاق الميراث إلى وقت الردة، وبذلك السّبب لزمها العدّة بالحيض، فلا يلزمها عدّة الوفاة، وههنا استحقاق الميراث عند الموت لا عند الطّلاق، فعرفنا أنّ النكاح كالقائم بينهما إلى وقت الموت حكمًا. لِأَنَّ عَوْدَهَا يُبْطِلُ الْإِيَاسَ (٤) هُوَ الصَّحِيحُ، هذا احتراز عن قول محمّد بن مقاتل الرازي (٥)، فإنّه كان يقول: هذا إذا لم يحكم بإياسها (٦)، فأمّا إذا انقطع عنها الدّم زماناً حتّى حكم بإياسها، وكانت ابنة تسعين سنة أو نحو ذلك فرأت الدّم بعد ذلك لم يكن حيضاً. وكان محمّد بن إبراهيم الميداني (٧) ﵀ يقول: إن رأت دمًا سائلاً كما تراه في زمان حيضها فهو حيض، وإن رأت بلة يسيرة لم يكن حيضًا، بل ذلك من نتن الرحم فكان فاسدًا لا يتعلّق به حكم الحيض، كذا في حيض «المبسوط» (٨).

стр. 1970

تَحَرُّزًا عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ، فإن قلت: يشكل هذا ببناء البدل على المبدل فيمن صلّى بوضوء ثم سبقهُ الحدث فلم يجد الماء، فإنّه ينتحم ويبني، وكذا إذا عجز عن الركوع والسّجود فإنّه يُومي ويبني. قلت: أمّا الأول فلا يرد علينا؛ لأنّ الصّلاة بالتيمم ليست ببدل عن الصّلاة بالوضوء، إنّما البدلية في الطّهارة، والأمر هناك كذلك، فإنّه لا يكمل إحدى الطهارتين بالأخرى، وكذلك الصّلاة بالإيماء ليست ببدل عن الصّلاة بالركوع والسجود؛ لأنّ بعض الشيء لا يكون بدلاً عن كلّه، وأمّا العدّة بالشهور فبدل عن العدة بالحيض، وإكمال البدل بالأصل غير ممكن؛ لأنّها للتعرف عن براءة الرحم لا لقضاء حق النكاح. فإن قلت: على هذا ينبغي أن يكتفى بالحيضة الواحدة كما في استبراء الجارية لما أنّ براءة الرحم يتعرف بالحيضة الواحدة. وقد ذكر في «الإيضاح» و «التحفة» وغيرهما أنّ عدّة الموطوءة وهي التي وطئت بالنكاح الفاسد أو شبهة الملك أو كانت أمّ ولد فأعتقها مولاها أو مات عنها، فثلاث حيض أو ثلاثة أشهر أو وضع الحمل (١). قلت: إلحاقاً للشبهة بالحقيقة فإن أحكام العقد الفاسد أبدًا تُؤخذ من حكم الصحيح كما في البيع الفاسد والإجارة الفاسدة، فإنّ البيع الصحيح كما يثبت الملك فكذلك البيع الفاسد يثبت الملك، غير أن ثبوت الملك يتوقف إلى وجود القبض لوهاء في العقد باعتبار فساده، وكذلك يثبت الأجر وهو أجر المثل في الإجارة الفاسدة ولم يثبت المسمّى لوهاء فيه بسبب الفساد، فكذلك ههنا لم يثبت عدّة الوفاة في النكاح الفاسد لوهاء فيه؛ لأنّ عدة الوفاة لزيادة إظهار التأسّف لفوت نعمة النكاح، والنعمة في الصّحيح لا في الفاسد. فكذلك اختصت بالصّحيح ولكن فيه جهة النكاح، فلذلك ألحق النكاح الفاسد بالأنكحة الصّحيحة في اعتبار مدّة العدّة، إلحاقاً للصّحيح بالفاسد فيما يختصّ به. وذكر في «الذخيرة» (٢) عدّة الوفاة لا تجب إلا في النكاح الصّحيح، حتّى أنّ المنكوحة نكاحاً فاسدًا إذا مات عنها زوجها تعتدّ بثلاث حيض. ثم المنكوحة نكاحاً فاسدًا كالمنكوحة بغير شهود، فإنّه فاسد باتفاق بين علمائنا. وأمّا نكاح المحارم مع العلم بأنّها حرام فنكاح فاسد عند أبي حنيفة ﵀ خلافاً لهما.

стр. 1971

وفي «الذخيرة» (١) رجل تزوّج منكوحة الغير ولا يعلم أنّها منكوحة الغير ودخل بها تجب العدّة، وإن كان يعلم أنّها منكوحة الغير لا تجب العدّة بالدخول [حتى] (٢) لا يحرم على الزوج وطئها وبه يفتي. وأمّا الموطوءة بشبهة فهي التي زفّت إلى غير زوجها فوطئها، تجب عليها العدّة وعلى الواطئ المهر على ما يجيء في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى. وقال الشّافعي ﵀: حيضة واحدة (٣)، فمذهبه مرويّ عن ابن عمر ﵁ (٤)، ومذهبنا مرويّ عن عمر وعليّ وابن مسعود ﵃ (٥). ويستوي إن أعتقها أو مات عنها إلا على قول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، فإنّه كان يقول: "لا تلبسوا علينا سنة نبينا عدّة أمّ الولد إذا مات عنها سيدها أربعة أشهر وعشر" (٦)، وهذا دليلنا فإنه ألزمها عدّة الحرائر، إلا أنا نوجب الحيض؛ لأنّ هذه العدّة لا تجب إلا باعتبار الدخول وتوهّم اشتغال الرحم، فيتقدّر بالحيض في الحياة والوفاة كالعدّة من نكاح فاسد أو وطءٍ بشبهة. احتج الشافعي ﵀ فقال: عدّتها أثر ملك اليمين فيتقدر بحيضة واحدة كالاستبراء، ودليل صحّة اعتباره بالاستبراء أنّها لا تختلف بالحياة والوفاة، وتأثيره أنّ المقصود تبين فراغ الرحم لا غير وذلك يحصل بالقرء الواحد (٧). ولكنّا نقول: هذه عدّة وجبت على حرّة، فلا يكتفى فيها بحيضة كعدة النكاح بلا ولي، فإنّ عدّة النكاح قد تجب على الأمة، وهذه العدّة لا تجب إلا على الحرة، وتأثيره أنّ الحرة كاملة الحال فالوظيفة التي لا تجب إلا على الحرة تجب بصفة الكمال؛ لأنّ المعتبر حال وجوب العدّة لا ما كان قبله وبه يتبين الفرق بينه وبين الاستبراء، فالاستبراء لا يجب عليها.

стр. 1972

ولكن على المولى أن يستبرئها، قال ﵇: «ولا الحُبالى حتّى يستبرئن بحيضة» (١)، وهذا خطاب للمولى دون الأمة، فإن قول القائل لا يُضرب فلأن خطاب للضارب دون المضروب. يوضحه أنّ سبب وجوب الاستبراء حدوث ملك الحلّ بسبب ملك اليمين. ألا ترى أنّه لو اشتراها من صبي أو امرأة يجب الاستبراء ههنا، سبب وجوب العدّة زوال الفراش، والعدّة التي تجب لزوال الفراش لا يكتفى فيها بحيضة واحدة كذا في «المبسوط» (٢)، وفيه حكاية، وهي أن شمس الأئمة السرخسي ﵀ حين أخرج من الحبس كان أمير البلد زوّج أمّهات أولاده من خدّامه الأحرار، فسأل العلماء الحاضرين عن ذلك، فقالوا جميعًا نعم ما فعلت، فقال شمس الأئمة ﵀: أخطأت؛ لأن تحت كلّ خادم امرأة حرّة، وكان هذا تزويج الأمة على الحرّة، فقال الأمير: أعتقت هؤلاء، فجدّد العقد، فسأل العلماء من ذلك فقالوا: نعم ما فعلت، فقال: شمس الأئمة أخطأت؛ لأنّ العدة تجب على أمّهات الأولاد بعد الإعتاق، فكان هذا تزويج المعتدة من الغير فلا يجوز، فالله تعالى أنسى جواب مسألة واحدة في موضعين على العلماء ليظهر فقه شمس الأئمة ﵁ على غيره. فَصَارَ كَالْحَادِثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وتفسير الحدوث بعد الموت بأن نصفه لستة أشهر فصاعدًا من يوم الموت عند عامّة المشائخ (٣). وقال بعضهم بأن يأتي لأكثر من سنتين والأوّل أصحّ. وتفسير قيام الحُبل عند الموت هو أن تلد لأقلّ من ستة أشهر من وقت الموت، كذا في الفوائد الظهيرية. ولهما إطلاق قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٤) وهو مطلق، حيث لم يتعرّض أن يكون الحمل من الزّوج أو من غيره، أو يكون الحمل في عدّة الطلاق أو في عدّة الوفاة. وذكر الإمام التمرتاشي بعد التمسك بقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ وكذا في سائر وجوه الفرق والحرّة والمملوك فيه سواء (٥). وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ، أي فيما إذا مات الصغير عن امرأته وبها حُبل.

стр. 1973

وَلَا يَلْزَمُ امْرَأَةُ الْكَبِيرِ إلى آخره، فوجه ورود الشبهة هو أنّه فرق في امرأة الصغير بين الحمل القائم وقت موت الصغير وبين الحمل الحادث بعد موته، حيث جعل انقضاء العدّة في القائم بوضع الحمل وفي الحادث بالأشهر، وجعل في امرأة الكبير في القائم والحادث انقضاء العدّة بوضع الحمل فألحق الحادث بالقائم. فأجاب عنه، وقال: لما ثبت النسب في امرأة الكبير من الميّت وإن كان الحمل حادثاً بعد الموت جعل كأنّه كالقائم وقت موت الكبير، ولو كان قائمًا وقت الموت في الصغير والكبير كان انقضاء العدّة بوضع الحمل، فكذلك فيما إذا كان قائمًا تقديراً في امرأة الكبير. وفي «المبسوط» وزعم بعض أصحابنا أن في امرأة الكبير إذا أحدث الحُبل بعد الموت يكون انقضاء العدّة بالوضع، وليس كذلك، بل الجواب في الفصلين واحد، أي في القائم كان انقضاء العدّة بوضع الحمل في الحادث بالأشهر، ومتى كان الحبل حادثاً بعد الموت كان من زنا فلا يتغير به حكم العدّة، وإنّما الفرق في أنّ امرأة الكبير إذا جاءت بالولد لأقلّ من سنتين تنقضي عدتها به؛ لأنّه يستند العلوق إلى ما قبل الموت حتّى يحكم بثبوت النسب من الزوج، فتبين به أنّ الحبل ليس بحادث بعد الموت. وفي امرأة الصغير لا يستند العُلوق إلى ما قبل الموت، وإنما أسند إلى أقرب الأوقات؛ لأنّ النسب لا يثبت منه، فإذا لم يكن الحبل ظاهراً، وإنّما ظهر بعد موته يجعل هذا أصلاً حادثاً (١). (وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ فِي الْوَجْهَيْنِ)، أي: في وجهي مسألة الصغير، وهما وجه القائم وقت الموت ووجه الحادث بعد الموت. وحاصله أنّه إن لم يثبت النّسب من الصبي الميّت في الوجهين لكن إذا كان الحُبل قائمًا وقت الموت كان انقضاء العدّة بوضع الحمل عند أبي حنيفة ومحمّد ﵀، فإنّهما لا يشترطان لانقضاء العدة بوضع الحمل ثبوت النسب. وذكر الإمام قاضي خان ﵀ وكذلك الحامل من الزنا إذا تزوّجت بزوج آخر جاز النكاح في قول أبي حنيفة ومحمّد رحمهما الله (٢). فإن مات عنها زوجها كان عدّتها بوضع الحمل لما قلنا. وإذا وطئت المعتدة بشبهة فعليها عدّة أخرى وتداخلت العدّتان، وصورة التداخل هي أن العدّتين إذا وجبتا من رجلين فلا يخلو من أنّ الوطء الثاني بعدما رأت المرأة شيئاً من الحيض، أو لم تر أصلاً، فإن كانت لم تر أصلاً، فالحيض الثلاث بعد الوطء الثاني تنوب عن ست حيض فإن كانت ذات حيضة يجب عليها بعد الوطء الثاني ثلاث حيض -أيضاً- والحيضتان تنوبان عن أربع حيض.

стр. 1974

والثالثة عن الوطء الثاني خاصة. وذكر في «الذخيرة» (١) وإذا وجبت العدتان من جنس واحد كالمطلقة إذا تزوّجت في عدّتها، فوطئها الثاني وفرق بينهما، [أو] (٢) من جنسين كالمتوفى عنها زوجها إذا وطئت بشبهة تداخلت، واعتدّت بما رأته من الحيض والأشهر، هذا إذا وطئها أجنبي (٣) بشبهة أمّا إذا وطئها الزّوج المطلق بشبهة تداخلت العدّتان بالإجماع. وذكر في «المبسوط»: وإن كانت العدّتان من واحد بأن وطء معتدته بعد البينونة بالشبهة فلا شك عندنا أنّهما ينقضيان بمدة واحدة، وهو أحد قولي الشافعي، وفي القول الآخر يقول: لا تجب العدة بالسّبب الثاني أصلاً. وحجته في ذلك أنهما حقان وجبا لمستحقين، فلا يتداخلان كالمهرين؛ ولأنّ العدّة فرض كفّ لزمها في المدّة، فلا يجتمع الكفان في مدّة واحدة، كصومين في يوم واحد وهذا هو الحرف الذي يدور عليه الكلام، فإنّ المعتبر عنده معنى العبادة في العدّة؛ لأنّه كف عن الأزواج والخروج فيكون عبادة كالكفّ عن اقتضاء الشهوات بالصّوم (٤). وحجّتنا في ذلك أنّ العدّة مجرّد أجل، والآجال تنقضي بمدة واحدة في حق الواحد والجماعة كآجال الدّيون. وبيانه أنّ الله تعالى سمّى العدّة أجلاً، وقال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٥) وسمّاه تربصاً والتربص هو الانتظار، والانتظار يكون بسبب الأجل، كالانتظار في المطالبة بالدّين إلى انقضاء الأجل، من حيث المقصود في الأجل، فإنّ مقصود كلّ واحد من صاحبي العدّة يتم بثلاث حيض، وهو العلم بفراغ رحمها من مائه. معنى العبادة في العدّة تبع لا مقصود وإنّما ركن العبادة حرمة الخروج والتزوّج. ألا ترى أنّ الله تعالى ذكر ركن العدّة بعبارة النهي فقال: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (٦) وقال: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ (٧)، وموجب النهي التحريم، والحرمات تجتمع، فإنّ الصيد حرام على المحرم في الحرم لحرمة الحرم وحرمة الإحرام.

стр. 1975

والخمر حرام على الصائم لصومه، ولكونها خمراً، أو ليمينه إذا حلف لا يشربها. بخلاف ركن الصّوم فإنّه مذكور بعبارة الأمر قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١) فعرفنا أنّ الركن فيه الفعل، ثم عدّتها تنقضي وإن لم تعلم، وتنقضي وإن لم تكف نفسها عن الخروج، ولا يتحقّق أداء العبادة بدون ركنها؛ ولأن بوطء الثاني قد لزمتها العدّة، والشروع في العدّة لا يتأخّر بعد الوجوب، وهذا لأنّه لو امتنع شروعها فيه إنّما يمتنع للعدّة الأولى، والعدّة الأولى أثر النكاح، وأصل النكاح لا يمنع شروعها في العدّة إذا تقرّر بسببها، كالمنكوحة إذا وطئت بشبهة فأثرها أولى أن لا يمنع. وذكر في «الإيضاح» والكلام بيننا وبين الشافعي راجع إلى معرفة ركن العدّة، فإنّ الركن عنده فعل التربص، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ (٢) معناه تربصن أنفسهنّ وتكففن (٣). وإنّما سمّاه أجلاً لأنّ الفعل الواجب به يصير معلومًا. وإذا ثبت أن الفعل هو الواجب فالفعلان لا يتأدّيان معًا. ونحن نقول: الركن هو حرمة الفعل؛ لأنّ الله تعالى سمّاه أجلاً، والأجل حقيقة مدّة مضروبة لانقضاء شيء كالآجال في باب الديون. ولنا أنّ المقصود هو التعرّف عن فراغ الرحم وقد حصل بالواحدة (٤). فإن قلت: لو كان المقصود هو تعرف فراغ الرحم لما وجبت ثلاثة أقراء؛ ولأنّ التداخل في العدّتين لو كان جائزًا لكان الأولى أن يتداخل الأقراء في أنفسها، فحينئذ ينبغي أن يكتفي بقروء واحد لما أنّ المقصود وهو علم فراغ الرحم يحصل به. قلت: لا يلزم من التداخل في العدّتين تداخل أجزاء عدّة واحدة بعضها في بعض. ألا ترى أنّ الشهور في أجلٍ واحد لا يتداخل والشهور في آجال المختلفة يتداخل، حتّى أنّ رب الدّين لو أجّل ديونه على المديونين بثلاثة أشهر مثلاً من وقت واحد بمضي ثلاثة أشهر كلّ الآجال مرة واحدة. وكذلك الجلدات في الحدّ الواحد لا يتداخل ويتداخل الحدّان. وأمّا قوله: لو كان المقصود تعرف براءة الرحم لاكتفى بالواحد. قلنا: إن الحيضة الواحدة لتعرف فراغ الرحم والثانية لحرمة النكاح فرقاً بينه وبين الاستبراء والثالثة لفضيلة الحرية، فإذا قلنا بالتداخل في إقراء عدّة واحدة يفوت هذا المقصود، إلى هذا أشار في «المبسوط» (٥).

стр. 1976

ألا ترى ينقضي بدون علمها ومع تركها الكفّ علم أنّ فعل الكف والتربص ليسا بمقصودين. ألا ترى أنها تجب على من ليس بأهل لوجوب الفعل وهي الصبية والمجنونة، بل المقصود منها ترك الفعل إلى أجل وانعدام الفعل إلى أجل وهذا ممّا يتحقّق بدون العلم. ألا ترى أنّ الله تعالى سمّاها أجلاً، وسائر الآجال التي ضربت للمنع عن الفعل ينقضي بدون العلم، كذا في «مبسوط فخر الإسلام» (١)، نفياً لتهمة المواضعة (٢)، فهما إن يتواضعا على الطلاق وانقضاء العدّة ليصحّ إقرار المريض لها بالدّين ووصيته لها بشيء أو يتواضعا على انقضاء العدّة بأن يتزوّج أختها أو أربع سواها. وذكر في «الذخيرة» (٣) قال محمّد ﵀: في الأصل تجب العدّة من وقت الطّلاق واختيار مشايخ بلخ (٤) على أنّه تجب العدّة من وقت الإقرار عقوبة عليه جزاءً على كتمانه الطّلاق، ولكن لا تجب لها نفقة العدّة، ولا مؤنة السكنى؛ لأنّ ذلك حقّها وقد أقرّت هي بسكوتها. وينبغي على قول هؤلاء أن لا يحلّ له التزوّج بالأخت وأربع سواها ما لم ينقض العدّة من وقت الإقرار. وحُكى عن الشيخ الإمام أبي الحسن السغدي ﵀ أنّه كان يقول: ما ذكر محمّد في الأصل أنّ العدّة تعتبر من وقت الطّلاق محمول على ما إذا كانا متفرقين من الوقت الذي أسند الطّلاق إليه، أمّا إذا كانا مجتمعين فالكذب في كلامهما ظاهر فلا يصدّقان في الإسناد. قال محمّد ﵀: وعلى هذا إذا فارق الرجل امرأته زماناً، ثم قال لها: كنت طلقتك منذ كذا، والمرأة لا تعلم بذلك بصدق وتعتبر عدّتها من ذلك الوقت (٥).

стр. 1977

أو عزم الواطئ على ترك وطئها بأن أخبر أني تركت وطئها، والإخبار أمر ظاهر فيدار الحكم عليه، أمّا آخر الوطئات فلا يعلم لاحتمال وجود غيره أي غير الوطء الذي وجد. وذكر في «الخلاصة» (١)، والنصاب المتاركة في النكاح الفاسد بعد الدّخول لا يكون إلا بالقول، بقوله: تركتك وما يقوم مقام هذا القول بأن يقول: تركتها وخليت سبيلها، أمّا عدم المجيء فلا؛ لأن استدامة الصحبة معها لا يكون والغيبة ليست لمتاركة؛ لأنّه لو عاد إليها يعود، وأمّا لو أنكر نكاحها فهو ليس بمتاركة. والنكاح الفاسد لا حكم له قبل الدخول، حتّى لو تزوّج امرأة نكاحاً فاسدًا بأن مسّ أمّها بشهوة ثم تركها له أن يتزوّج الأم. وقال زفر ﵀: من آخر الوطئات، وبه أخذ أبو القاسم الصّفار ﵀ ذكره في الذخيرة (٢). وَمِسَاسِ الْحَاجَةِ إلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، أي غير الوطء وهو الزّوج الثاني، فيحلف كالمُودِع بأن قال المُودِع: هلكت الوديعة (٣)، أو قال: رددت وأنكر المودع ما قاله، كان القول قول المودع مع اليمين؛ لأنّه أمين والقول قول الأمين مع اليمين فكذلك ههنا. (وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا) إلى آخره، هذه من المسائل المعروفة التي ذكرها في «التتمة» (٤) و «الذخيرة» (٥) وغيرهما، وهي كلّها مبنية على أصل واحد؛ وهو أنّ الدخول في النكاح الأوّل هل يكون دخولاً في النكاح الثاني أم لا، فعند محمّد ﵀ لا يكون، وعندهما يكون.

стр. 1978

وصورة المسألة الأولى: إذا تزوّجت المرأة غير كفؤ ودخل بها فرفع الولي إلى القاضي حتّى فرّق بينهما، فألزمه المهر، وألزمها العدّة، ثم تزوّجها هذا الرجل في العدّة بغير الولي، وفرّق القاضي بينهما قبل أن يدخل بها كان لها عليه المهر الثاني كاملاً، وعليها عدّة مستقبلة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله استحساناً (١). وقال محمّد ﵀: لها في العقد الثاني نصف المهر، وعليها بقيّة العدّة وقال زفر ﵀: لها نصف المهر في العقد الثاني ولا شيء من العدّة (٢). والثابت هذه المسألة المذكورة في الكتاب. واحتج محمّد ﵀ بظاهر قوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٣) وفي النكاح الثاني الطّلاق حصل قبل المساس؛ لأنّ العقد الثاني غير مبني على الأوّل والدخول في النكاح الأوّل يجعل كالدخول في النكاح الثاني، إلا أنّه يوجب بقيّة العدّة الأولى احتياطاً؛ لأنّ تلك العدّة كانت واجبة بالطلاق قبل الدخول صار النكاح الثاني كالمعدوم. قوله ﵀: وَإِكْمَالُ الْعِدَّةِ الْأُولَى، جواب سؤال يرد على قوله: لِأَنَّ هَذَا طَلَاقٌ قَبْلَ الْمَسِيسِ، بأن يقال: لما كان هذا طلاقاً قبل المسيس لزم أن لا تجب العدّة في النكاح الثاني أصلاً لا الإكمال ولا الاستئناف، كما قول زفر (٤). فأجاب عنه نعم كذلك، إلا أنّه لما طلّقها ثانياً صار كأن النكاح الثاني لم يوجد، فيجب عليها إكمال العدّة الأولى كما لو لم يتزوّجها ثانياً أصلاً، فظهر حكم الطلاق الأوّل وكان هو بعد الدّخول فتجب عدّته. كَمَا لَوْ اشْتَرَى أُمَّ وَلَدِهِ، أي منكوحته التي ولدت، منه ثُمَّ أَعْتَقَهَا، فيجب عليها ثلاث حيض، حيضتان من النكاح يجتنب فيهما ما يجتنب المنكوحة من الخروج والبروز والتزين، وحيضة من العتق لا يجتنب فيها؛ لأنّه لما اشتراها فسد النكاح ووجبت العدّة. ألا ترى أنّه لا يجوز أن يتزوّجها، وإنّما لم يظهر حكم العدة في حقه لمانع وهو ملك اليمين، فإذا زال المانع ظهر حكم العدّة في حقه -أيضاً-، فوجبت حيضتان لفساد النكاح وهما معتبران من الإعتاق -أيضاً- ويلزمها الإحداد.

стр. 1979

وأمّا الثالثة فإنّها تجب من العتق خاصّة فلا يلزمها الإحداد كذا في «الإيضاح» (١). وَبَقِيَ أَثَرُهُ، وقد بقي أثره، والواو للحال، أي والحال أن أثر الوطء الأوّل باقٍ، وهو العدّة فإذا جدّد النكاح والحال أنّها مقبوضة بالدّخول في النكاح الأوّل فناب ذلك القبض الذي كان قبضها بالدخول مناب القبض المستحق في النكاح الثاني، أي مناب الدخول المستحق في النكاح الثاني، فإذا طلّقها صار كأنه طلّقها بعد الدخول في النكاح الثاني، فيجب عليه مهر كامل، وعليها عدّة مستقبلة بمجرّد النكاح والطّلاق الثاني. فإن قلت: لو كان مجرّد النكاح الثاني بمنزلة النكاح والدخول لما وقعت البينونة بصريح الطلاق بعد النكاح الثاني، كما لا تقع البينونة فيما إذا وجد الوطء حقيقة بعد النكاح. قلت: هذا اعتبار فاسد، فإنا ما جعلنا النكاح الثاني مقام النكاح والدّخول من كلّ وجه، بل أقمناه مقام الدخول في حق تكميل المهر، ووجوب استئناف العدّة لا غير، فلم يلزم من إقامة النكاح الثاني مقام الدّخول في هذين الحكمين إقامته مقامه في جميع الأحكام. ألا ترى أنّ الخلوة قائمة مقام الدّخول في حق تكميل المهر ووجوب العدّة الكاملة، وغير قائمة مقام الدّخول في حق غيرهما، حتّى أن صريح الطّلاق بعد الخلوة يبينها مع أنّ الخلوة قائمة مقام الدخول في حق ذينك الحكمين، فعلم بهذا أنّه لم يلزم من إقامة النكاح الثاني مقام الدّخول في ذينك الحكمين إقامته مقامه في حق صريح الطّلاق يعقب الرجعة (٢)، وكذلك إن كان النكاح الأول فاسدًا أو كان دخل بها بشبهة، ثم تزوّجها نكاحًا صحيحًا في العدّة، وإن كان النكاح الأوّل صحيحًا والثاني فاسدًا ففرّق بينهما قبل الدخول لا يجب المهر بالاتفاق؛ لأنّ صيرورته قابضاً باعتبار تمكنه من القبض شرعًا، وذلك بالعقد الفاسد لا يكون، ألا ترى أن الخلوة في النكاح الفاسد لا يوجب المهر والعدة فهنا كذلك، العدة الأولى لم تسقط بمجرّد العقد الفاسد، فبقيت معتدة كما كانت ولا مهر لها عليه إذا فرق بينهما قبل الدخول كذا في «المبسوط» (٣) في باب الأكفاء من النكاح؛ لأن الأولى قد سقطت بالتزوّج فلا يعود لأن السّاقط لا يعود.

стр. 1980

وجوابه ما قلنا، إشارة إلى قوله: وَإِكْمَالُ الْعِدَّةِ الْأُولَى، وإلى قوله: وَلَهُمَا أَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ فِي يَدِهِ، إلى آخره. وكذا إذا خرجت الحربية (١) إلينا مسلمة، والإسلام ليس بشرط في عدم وجوب العدّة عليها، بل الشّرط هو الخروج على سبيل المزاعمة، أي المغاضبة وعلى نيةِ أن لا تعودَ إلى دار الحرب أبدًا، يقال: راغم فلان قومه إذا نابذهم وخرج عنهم، والدّليل على ما قلنا ما ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ فقال: خرج أحد الزوجين إلينا مسلمًا أو ذميًّا (٢) أو مستأمنًا (٣)، ثم أسلم أو صار ذميًا والآخر على حربه، فقد زالت الزوجية، ثم إن كانت المرأة هي الخارجة، فلا عدّة عليها، وقال أبو يوسف ومحمّد -رحمهما الله-: عليها العدّة ولا نفقة لها وإن كان الخارج هو الرجل، فله أن يتزوّج أربعًا سواها وفيهن أختها. لو وقعت الفرقة بسبب آخر وهو الطّلاق. بِخِلَافِ مَا إذَا هَاجَرَ وَتَرَكَهَا، أي: جاء الزوج إلى دار الإسلام، وترك امرأته في دار الحرب لا تجب العدّة عليها بالاتفاق؛ لعدم تبليغ خطاب العدّة إليها؛ لأنّها في دار الحرب ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (٤) الآية، فالله تعالى أباح نكاح المهاجرة (٥) مطلقاً، فتقييد ذلك بما بعد انقضاء العدّة يكون زيادة على النص. إلا أن تكون حاملاً والفرق بين الحامل والحائل (٦) ظاهر؛ لأنّ الحمل أمنع للنكاح من احتمال الحمل.

стр. 1981

ألا ترى أنّ أم الولد يزوّجها مولاها إذا كانت حائلاً، ولا يزوّجها إذا كانت حاملاً، كذا في الفوائد الظهيرية. والأول أصحّ وهو أن لا يجوز نكاح المهاجرة إذا كانت حاملاً من أهل الحرب، بخلاف الحُبلى من الزنا؛ لأنّ الحُبلى من الزنا لا نسب له وهنا النّسب ثابت من الحربي، وباعتبار ثبوت النّسب المحل مشغول؛ فلهذا لا يصحّ النكاح ما لم يفرغ المحل عن حق الغير، كذا في «المبسوط» (١). ثم لم يذكر في هذا الباب وجوب العدّة على الصغيرة والكتابية. وذكر في «الذخيرة» (٢) إذا طلق الرجل امرأته وهي صغيرة لم تحض وقد دخل بها فعليها أن تعتدّ بثلاثة أشهر، وحكى عن الشيخ أبي بكر محمّد بن الفضل ﵀ إذا كانت الصغيرة مراهقة وقد دخل بها الزّوج فعدّتها لا تنقضي بالأشهر، بل توقف حالها إلى أن يظهر أنّها قد حَبلت بذلك الوطء أم لا، فإن ظهر كان عدتها بوضع الحمل، وإن لم يظهر فبثلاثة أشهر، ولو حاضت في الأشهر الثلاثة تستأنف العدّة بالحيض. ثم اختلف مشايخنا في إطلاق إيجاب العدّة على الصغيرة، أكثر مشايخنا لا يطلقون لفظ الوجوب؛ لأنّها غير مخاطبة لكن ينبغي أن يقال: «عرت باندراتسيت». وكذلك تجب العدّة على الكتابية إذا كانت تحت مسلم، فيجب عليها ما يجب على المسلمة الحرّة كالحرّة والأمة كالأمة، وإن كانت تحت ذمي فلا عدّة عليها في موت ولا فراق، في قول أبي حنيفة ﵀ (٣). وقال أبو يوسف ومحمّد ﵀: عليها العدّة؛ لأنّ في العدّة حق الزّوج وإن كان فيها حق الشرع والكتابية مخاطبة العباد (٤). ولأبي حنيفة ﵀ أنّ العدّة لو وجبت على الكتابية إمّا أن تجب لحق الشرع ولا وجه إليه لأنّهم لا يخاطبون بحقوق الشرع، وإمّا أن تجب لحق الزوج ولا وجه إليه -أيضاً- لأنّه لا ينعقد ذلك (٥). بخلاف ما إذا كان الزوج مسلمًا؛ لأنّ هناك العدّة يجب حقاً للشرع، لأنه يعتقد -والله أعلم- لما ذكر نفس وجوب العدّة وكيفية الوجوب وعلى من تجب ذكر في هذا الفصل ما يجب على المعتدات أن بفعلته وما لا يجب. يقال: بت طلاق المرأة وابته والمبتوتة المرأة وأصلها المبتوت طلاقها، كذا في المغرب (٦).

стр. 1982

ثم لفظ المبتوتة يقع على ثلاث، وهي المختلعة والمطلقة ثلاثاً والمطلقة بتطليقة بائنة، وذكر في «المغرب» (١) حداد المرأة ترك زينتها وخضابها (٢) بعد وفات زوجها؛ لأنّها منعت عن ذلك أو منعت نفسها عنه، وأصل الحدّ المنع وقد أحدّت إحداداً فهي محدّة حدّت تحدّ حداداً من حدّ نصر وضرب والحِداد -أيضاً- ثياب المأتم السود. قال ﵇: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاثة أيام، إلا على زوجها فإنها تحدّ أربعة أشهر وعشراً» (٣) كذا ذكر الحديث في «شرح الآثار» (٤) و «مبسوط فخر الإسلام». فعلى هذا التمسك به ظاهر؛ لأنّه أخبر عن إحدادها والخبر آكد من الأمر في اقتضاء الوجوب، لما عرف، وكان الإحداد عليها واجباً وأمّا وجه التمسّك بما ذكر في الكتاب حيث لم يقل: فإنّها تحدّ، فمحتاج إلى التأويل فقد ذكر السؤال والجواب في «الفوائد الظهيرية» فقال: فإن قيل: ما وجه التمسّك بهذه النص في إيجاب الحداد ومقتضى هذا النصّ إحلال الإحداد للمتوفى عنها زوجها؛ لأنّ هذا استثناء من التحريم والاستثناء من التحريم إحلال ولا كلام في الإحلال وإنّما الكلام في الإيجاب؟ (٥). قلنا: قوله ﵇: «لا يحل» تحريم ترك التزين والتحسّن، وتحريم الترك إيجابه فيكون هذا استثناءًا من الإيجاب، فيكون إيجاباً؛ لأنّ الأصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه. ثم قال: وما هو بما فيه ثلج والفؤاد سوى أني سمعت هذا من الشيخ الإمام بدر الدين الورسكي (٦) ﵀، وعلى هذا يمكن أن يقال قوله ﵇: «لا يحل» نفي لإحلال الإحداد ونفي إحلال الإحداد نفي الإحداد نفسه، فحينئذ يكون في المستثنى إثبات الإحداد لا محالة فكان تقدير الحديث: لا تحدّ المرأة على ميّت فوق ثلاثة أيام إلا المتوفّى عنها زوجها فإنها تحدّ أربعة أشهر وعشراً، فكان هذا حينئذٍ إخباراً بإحِداد المتوفى عنها زوجها فكان واجباً لما ذكرنا.

стр. 1983

فإن قيل: كيف يجب الإحداد والإحداد هو التأسف والتلهّف على فوت النعم، وقد قال الله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (١) فكان الحديث حينئذٍ معارضاً للكتاب فلا يقبل؟. قلنا: المراد بما في الآية فرح خاص وأسى خاص، وهو الفرح مع الصباح والأسى مع الصباح هكذا روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ (٢). ولنا ما روي أن النبي ﵇ «نهى المعتدة أن تخضب بالحناء» (٣) روته أم سلمة ﵂، وهذا عام في كلّ عدّة، ولأنّها معتدة من نكاح صحيح، فكانت كالمتوفّى عنها زوجها وتأثيره أن الحداد إظهار التأسّف على فوت نعمة النكاح، وذلك موجود في المبتوتة كوجوده في المتوفّى عنها زوجها، كذا في «المبسوط» (٤). فإن قلت: اسم المبتوتة يتناول المختلعة وغيرها، فكيف تتأسّف المختلعة وقد افتدت نفسها بالمال برضاها لطلب الخلاص منه؟ وكذلك المبانة، كيف يتأسّف فراقه وقد خفاها زوجها بالإبانة وآثر غيرها عليها وهي تظهر السرور بالتخلّص من مثل هذا الزوج دون التأسّف؟. قلت: شرعية الحداد أثره لفوت النكاح الصحيح بالسنة لا لاعتبار وفاء الزوج وجفائه. ألا ترى أنّ الزّوج وإن وفى بها إلى أن فارقها بالممات لا يربوا درجة على الوالدين الذين هما سببا وجودها، وحياتها بعد الوجود، فلم يشرع الحداد عليها بفراقهما بالاتفاق، علم بهذا أنّ الحداد غير دائر بمجرّد فوت من له وفاء، بل هو دائر بفوت نعمة النكاح الذي كان سبباً لصيانتها، فعلم بهذا أن الحداد إنّما وجب تعظيمًا لحظر النكاح لا غير وفي هذا لا يتفاوت المختلعة والمبانة. فإن قيل: لو كان كذلك لوجب الحداد على الأزواج كما وجب على الزّوجات لما أنّ نعمة النكاح مشتركة بينهما. قلنا: النكاح أصلح في حق الزوجات لما فيه من صيانتهن؛ لأنّهن لحم على وضم ودرور النفقة عليهنّ لأنّهن ضعائف عن التكسب وعوافر عن التقلب، قال شيخ الإسلام المعروف بجواهر زاده ﵀ الحداد ما وجب إلا تبعًا للعدّة، والعدّة تجب على الزّوجات، فكذلك الحداد.

стр. 1984

وقال الإمام الزرنكري ﵀: الحداد لا يجب على خمس نسوة، المطلقة طلاقاً رجعيًّا؛ لأنّ النكاح لم ينقطع به والمعتدة من نكاح فاسد، لأنّ النكاح الفاسد ليس بنعمة والكتابية والصبية؛ لأنهما لا يخاطبان بحقوق الشرع. بخلاف العدّة فإنّها عبارة عن مجرد مضي المدة فينويها في حقهما لا يؤدي إلى توجه خطاب الشرع بخلاف الحداد، وأم الولد إذا أعتقت؛ لأنّ زوال الرق نعمة فلا يليق فيه إيجاب التأسف، كذا في «الفوائد الظهيرية» (١). (وَالْمَعْنَى فِيهِ) أي: إيجاب في ترك الطيب والزينة؛ لأنّها غير مخاطبة بحقوق الشرع، والحداد من حقوق الشرع، ولهذا لو أمر الزوج بترك الحداد لا يحلّ لها ترك الحداد، فلو كان حق العبد لكان هذه الولاية، ولأنّ في قوله ﵇: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر» (٢) إلى آخره إشارة فيه إلى أنّه حق الله. لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّهِ، أي: حق المولى، وحق المولى مقدّم على حق الله لحاجته، ولهذا كان للمولى أن يمنع أمته عن أداء النوافل ويمنع عبده عن الجمع لأنها فاتتها نعمة النكاح. فإن قلت: وجوب الحداد معلول بعلّتين مستقلّتين على ما ذكر في الكتاب، أحديهما إظهار التأسّف لفوت نعمة النكاح، والثانية أن هذه الأشياء دواع إلى الرغبة فيها وهي ممنوعة عن ذلك في العدّة، ثم في حق أم الولد والمعتدة عن نكاح فاسد إن لم يوجد العلة الأولى فقد وجدت العلّة الثانية، وهي تامة بنفسها فإنّهما ممنوعتان عن النكاح حال قيام عدتهما، فكان ينبغي أن يجب الحداد عليهما لوجود العلة الأخيرة فيهما. قلت: تلك حكمة وليست بعلة لما ذكرنا من دوران وجوب الحداد بفوت نعمة النكاح، والحكم يدور مع العلة لا مع الحكمة لما عرف في مسألة الاستبراء. وَالْإِبَاحَةُ أَصْلٌ، أي: إباحة الزينة أصل خصوصاً في حق النساء، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ (٣). ولا بأس بالتعريض في الخطبة، أراد بها المتوفّى عنها زوجها لأنّ التعريض لا يجوز للمطلقة؛ لأنّه لا يجوز لها الخروج من منزلها أصلاً، فلا يتمكّن من التعريض لها على وجه لا يخفى على النّاس، فأمّا المتوفّى عنها زوجها يباح لها الخروج نهاراً، فتمكنه التعريض على وجه لا يقف عليه سواها كذا في شرح التأويلات.

стр. 1985

قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (١). التعريض أن يذكر شيئاً يدل به على شيء لم يذكره، كما يقول المحتاج إلى المحتاج إليه: جئتك لأسلّم عليك، ولأنظر إلى وجهك الكريم، ولذلك قالوا: وجئتك بالتسليم تقاضياً والكتابة ذكر الرديف فإرادة المردوف، كقولك فلان: طويل النجاد وكثير الرماد، يعني أنه طويل القامة ومضياف، والتعريض في الخطبة أن يقول: إنك لجميلة ومن غرضي أن أتزوّج، أو اكتفيتم في أنفسكم، أي سترتم في قلوبكم، فلم تذكروه بألسنتكم، لا معرّضين ولا مصرّحين. والمستدرك بقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ﴾ (٢) محذوف تقديره علم الله أنكم ستذكرونهن، فاذكرونهن ولكن آية ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي: وطئاً؛ لأنّه مما يسرّ إلا أن يقولوا قولاً معروفاً، وهو أن تعرّضوا ولا تصرّحوا والاستثناء يتعلّق بلا تواعدوهن، أي لا تواعدوهن مواعدة قط إلا معروفة كذا في «الكشاف» (٣). (وَلَا يَجُوزُ لِلْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَالْمَبْتُوتَةِ) إلى آخره ولا ينبغي للمطلّقة أن تخرج من المسكن الذي كانت فيه وقت المفارقة أيّ مطلقة كانت. إلا إذا اضطرّت نحو أن خافت سقوطه أو تقاد على نفسها أو مالها أو أخرجها أهل المنزل، بأن كانت تسكن بكراء (٤)، وكان زوجها غائباً وأخذها أهل المنزل بالأجرة، فينبغي أن تُعطي الأجر وتسكن، إلا أن لا تقدر على الأجرة، وإن كانت في غير ذلك المنزل زائدة كان عليها أن تعود إليه من غير تأخير. وكذا لو كان الزّوج معها، كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀. قِيلَ الْفَاحِشَةُ نَفْسُ الْخُرُوجِ، قاله إبراهيم النخعي (٥) ﵀، وبه أخذ أبو حنيفة ﵀، فكان معناه إلا أن يكون خروجها فاحشة، كما يقال: لا يسب النبي إلا أن يكون كافراً، ولا يزني إلا أن يكون فاسقاً (٦).

стр. 1986

وقيل: الزنا يعني أن تزني فتخرج لإقامة الحدّ عليها قاله ابن مسعود ﵁، وبه أخذ أبو يوسف (١). وقال ابن عباس ﵁ الفاحشة: نشوزها وأن تكون بذيّة اللسان تَبْذُو عَلَى أَحْمَاءِ (٢) زَوْجِهَا. وما قاله ابن مسعود أصحّ؛ لأنّ إلا أن غاية والشيء لا يجعل غاية لنفسه وما ذكره إبراهيم محتمل -أيضاً-. وأمّا المتوفى عنها زوجها فلها أن تخرج بالنهار لحوائجها، ولكنّها لا تثبت في غير منزلها لما روي أن فريعة بنت مالك بن أبي سنان (٣) أخت أبي سعيد الخدري (٤) ﵁ جاءت إلى رسول الله ﵇ بعد وفاة زوجها تستأذنه أن تعتدّ في بني خُدْرَةَ فقال: «امكثي في بيتك حتى تنقضي عدتك» (٥)، ولم ينكر عليها خروجها للاستفتاء كذا في «المبسوط» (٦). وقال ﵇ للتي قُتل زوجها -وهي فريعة أخت أبي سعيد الخدري ﵄ في رواية «مبسوط فخر الإسلام» ﵀: لما قُتل زوجها جاءت إلى رسول الله ﵇ استأذنت أن تعتد في بني خُدْرَةَ لا في بيت زوجها، فأذن لها رسول الله ﵇ فلما خرجت من عند رسول الله ﵇ دعاها فقال لها: «أعيدي المسألة» فأعادت فقال لها: «لا حتى يبلغ الكتاب أجله» (٧)، أي الذي كُتب عليها وهو العدة، يعني لا تخرجي حتّى تنقضي عدتك ولا تجد ما تؤديه، أي فحينئذٍ كان لها أن تخرج كالمسافر إذا وجد الماء بثمن مثله، فإن كان عنده الثمن فليس له أن يتيمم، وإن لم يكن عنده الثمن فله أن يتيمم.

стр. 1987

(ثُمَّ إنْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بِطَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ ثَلَاثٍ لَا بُدَّ مِنْ سُتْرَةٍ بَيْنَهُمَا)، يعني إذا لم يكن للزّوج إلا بيت واحد وكذا هذا في الوفاة إذا كان من ورثته من ليس بمحرم لها، كذا في «المبسوط» (١). (ثُمَّ لَا بَأْسَ) أي بالمساكنة بعد اتحاد السترة والأولى أن يخرج هو ويتركها لأنّ مكثها في منزل الزّوج واجب ومكثه فيه ليس بواجب فيكون انتقال أولى وإذا انتقلت المرأة كان تعيين المواضع ينتقل إليه إلى الزوج. وفي الوفاة تعيينه إليها لأنّها مستبدة في أمر السكنى فيكون التعيين إليها. (وإِنْ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مِصْرِهَا أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ رَجَعَتْ إلَى مِصْرِهَا) أي سواءً كان مقصدها مدّة سفر أو دونها. أمّا إذا كان إلى مقصدها مدة سفر فظاهر؛ لأن المضي إلى مقصدها يكون سفراً والرجوع لا وأمّا إذا كان دونها فترجع -أيضاً-؛ لأنّها كما رجعت تصير مقيمة وإذا مضت تكون مسافرة ما لم تصل إلى المقصد، فإذا قدرت على الِامْتِنَاعِ من استدامة السفر في العدّة تعيّن عليها ذلك. وإن كان بينها وبين مقصدها دون مسيرة سفر، وبينها وبين منزلها مسيرة سفر مضت إلى مقصدها ولم ترجع؛ لأنّها إن مضت لا تكون منشئة سفراً ولا سائرة في العدّة مدّة سفر، وإن رجعت كانت منشئة سفراً، فلهذا مضت إلى مقصدها، وإن كان من كل واحدة من الجانبين مسيرة سفر فإن كان في الطلاق أو موت الزوج في موضع لا يقدر على المقام فيه كالمفازة (٢) توجّهت إلى أي الجانبين جهة شاءت سواء كانت معها محرم أو غير محرم، وينبغي لها أن تختار أقرب الجانبين وهي في هذه المسألة كالتي أسلمت في دار الحرب لها أن تهاجر بغير محرم؛ لأنّها خائفة على نفسها ودينها فهذه في المفازة كذلك. وله أنّ العدّة أمنع من الخروج من عدم المحرم بالدّليل الذي ذكرتم وفقد المحرم ههنا يمنعها من الخروج بالاتفاق، فلأن يمنعها العدّة من الخروج فإنها ليست في موضع مخوف أولى. بخلاف ما إذا كانت في المفازة وإن فقد المحرم هناك لا يمنعها من الخروج لأنها ليست في موضع القرار هذا كلّه من «المبسوط» (٣) والله أعلم. باب ثبوت النسب لما ذكر أنواع من المعتدات من ذوات الحيض والأشهر والأحمال، ذكر في هذا الباب ما يلزم من اعتداد ذوات الأحمال، وهو ثبوت النّسب فولدت ولد لستة أشهر أي من غير زيادة ولا نقصان؛ لأنّه إذا زاد منها أو نقص لا يثبت النّسب من يوم تزوّجها، والمراد من اليوم الحين والوقت، أي: من حين تزوّجها فقد جاءت به لأقلّ منها، أي من ستّة أشهر من وقت الطّلاق؛ لأنّ الطلاق مشروط والمشروط يتعقب الشّرط، وإن لطف فيكون العلوق (٤) ثابتًا قبل الطلاق وستة أشهر من وقت التزوج.

стр. 1988

وفي «الجامع الصّغير» لقاضي خان ﵀: فإن قيل: إذا جاءت بالولد لستة أشهر من وقت التزوّج ينبغي أن لا يثبت النّسب؛ لأنّه كما تزوّج يقع الطّلاق، فهذا نكاح لا يتصوّر فيه الوطء والإعلاق وبدون ذلك لا يثبت النّسب (١). ألا ترى أن امرأة الصبي لو جاءت بولد لا يثبت النّسب. قلنا: القياس كذلك وهو قول زفر وقول محمّد الأول (٢). وفي الاستحسان -وهو قول محمد الآخر- يثبت النّسب؛ لأن النسب يحتاط فيه ويمكن إثباته من هذا الزّوج، بأن يجعل كأنّه تزوّجها وهو على بطنها يخالطها، والنّاس يسمعون كلامهما فيكون العلوق حاصلاً بعد تمام النكاح مقارنًا للطّلاق؛ لأنّ الطّلاق لا يقع إلا بعد تمام الشّرط وزوال الفراش حكم الطّلاق فيكون العلوق حاصلاً قبل زوال الفراش ضرورة، فثبت النّسب، وهذا وإن كان نادراً إلا أن النّسب يحتاط فيه فيجب بناؤه على هذا القادر (٣). وحاصله أنّها إذا جاءت به لأقلّ من ستةّ أشهر من حين تزوّجها لا يثبت النّسب؛ لأنّ علوق هذا الولد كان سابقاً على النكاح قبل ثبوت الفراش، فلا يكون فيه وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر لا يثبت النّسب -أيضاً-؛ لأنّه حين طلقها حكمنا أنّه لا عدة عليها، لأنّها مطلّقة قبل الدخول والخلوة، ولم ينتقض ببطلان هذا الحكم لاحتمال أنّها علقت من زوج آخر بعد الطّلاق، بخلاف ما إذا جاءت به لستة أشهر من وقت التزوّج فقد جاءت بالولد لأقلّ من ستة أشهر من وقت الطّلاق فيتقيا بقيام الولد في البطن وقت الطّلاق، فبعد ذلك أمّا أن يكون منه أو من غيره، فجعلنا العلوق منه احتياطاً لأمر النّسب؛ إذ لو جعلنا هذا من علوق قبل النكاح من زوج آخر وذلك الزّوج ليس بمعلوم، كان فيه إضاعة الولد، وإبطال النكاح الجائز، والطّلاق الواقع من حيث الظّاهر، وإحالة الولد إلى أبعد الأوقات، وذلك لا يجوز فجعلناه منه. وذكر فخر الإسلام ﵀ أنّ هذه المسألة من الخواص، أي من خواص مسائل الجامع [الصغير] (٤). ثم قال المراد من قوله: يَوْمِ تَزَوَّجَهَا، حين تزوّجها وعليه المهر. وفي القياس وهو رواية عن أبي يوسف ﵀ ونصف مهر. أمّا النصف للطلاق قبل الدّخول، وأمّا المهر فبالدخول، وذكره الإمام التمرتاشي ﵀، وعن نصير ﵀ تزوج امرأة وفي حال وطأها فعليه مهران، مهر بالزنى؛ لأنّه يسقط الحلّ حين تزوجها قبل تمامه، ومهر بالنكاح؛ لأن هذا أكثر من الخلوة (٥).

стр. 1989

وفي «المنتقى» لا يكون به محصنًا، وفي شرح أبي اليسر ﵀-إن تزوّجت فلانة فهي طالق ثلاثاً، فتزوّجها ودخل بها، ينبغي أن لا يجب عليها الحدّ، ويجب المهر، وقالوا: يجب عليهما، قال: قد كنت أفتيت بالوجوب على الحالف، وهو الظّاهر من مذهب أصحابنا من مال إليه لم يكن مخطأً (١). وفي جمع النسفي: ولو جاءت بولد فإنّه يرثه، وهو منصوص عن أصحابنا، وإن حرمت عليه بالثلاث فلم يبق نكاح ولا عدّة، ولكن لما كان فصلاً مجتهدًا فيه لم ينقطع النّسب. ويحتمل بعده فلا يصير مراجعًا بالشك. فإن قيل: ينبغي أن يصير مراجعًا؛ لأنّ الوطء ههنا حلال فأحيل العلوق إلى أقرب الأوقات وهي حالة العدّة، فيثبت به المراجعة. قلنا: في ذلك يحل أمره على خلاف السنة؛ لأنّه يصير مراجعًا لها بدون الإشهاد بالفعل، فأحيل العلوق إلى ما قبل الطلاق صيانة لحاله، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٢) (٣). فإن قيل: أين ذهب قولكم أن العلوق حادث والأصل في الحوادث أن يحال بحدوثها على أقرب الأوقات فقد وقعتم ههنا في الذي أبيتم؟ قلنا: الجواب ما أسلفناه أنّ الحوادث إنّما تحال على أقرب الأوقات إذا لم يتضمن إبطال حكم ثابت أو ترك العمل بالمقتضي، وهنا يتضمن ترك العمل بالمقتضي؛ لأنّ الطّلاق الرجعي يقتضي البينونة عند انقضاء العدة، وهذا المقتضي يترك على تقدير الرجعة، وهذا كلّه إذا لم يقر بانقضاء العدّة. أمّا إذا أقرّت بانقضاء العدّة بعد الطّلاق البائن أو الرجعي في هذه يصلح لثلاثة أقراء، والمدّة التي تصلح لذلك عند أبي حنيفة ﵀ ستون يومًا (٤) وعندهما تسعة وثلاثون يومًا (٥). فإن ولدت لأقلّ من ستة أشهر من وقت الإقرار يثبت النّسب، لتيقننا ببطلان الإقرار، وكذلك المتوفّى عنها زوجها إذا أقرّت بانقضاء العدّة بعد انقضاء أربعة أشهر وعشر فهو على هذا التّفصيل، وإن لم تُقِرّ يثبت نسبها إلى سنتين؛ لأنّ عدّة الوفاة محتملة بانقضاء أربعة أشهر وبوضع الحمل، وقد ذكرنا أنّ آية الحمل قاضية على آية الأشهر، كذا في «الفوائد الظهيرية» (٦).

стр. 1990

والظّاهر أنّه منه لانتفاء الزنا منها، فيصير بالوطء مراجعاً. فإن قلت: ههنا وجه آخر من غير أن يلزم الزنا منها، وهو أن يحمل أمرها على أنّها تزوّجت بعد انقضاء عدّتها زوجًا آخر. فلو قلت: إن الكلام فيما إذا لم يتزوّج المرأة. قلت: كما أن الكلام هناك كذلك الكلام في أنّه لم يطأها في العدّة، إذ لو وطئها تثبت الرجعة من غير تقدير هذا التكلّف، فلما كان كذلك كان حمل أمرها على التزوّج بزوج آخر أولى؛ لما فيه من رعاية الأصل الذي قد مرّ آنفاً وهو أن لا تثبت الرجعة بالشّك. قلت: نعم كذلك إلا أنّ الحكم بإبقاء النكاح الأوّل عند الاحتمال أسهل من الحكم بإنشاء نكاح آخر فيجب القول به إلى هذا أشار فخر الإسلام في مبسوطه. وإن جاءت به لتمام سنتين من وقت الفرقة لم يثبت، فبهذا يعلم أنّ تمام السنتين ملحق بأكثر السنتين في حق عدم ثبوت النّسب. ولكن هذه الرواية على هذا التقدير كانت مخالفة لرواية «الإيضاح» و «شرح الطّحاوي» و «شرح الأقطع»، وللرواية التي تجيء بعد هذا في الكتاب -أيضاً- وهي قوله: (وَأَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَمْلِ سَنَتَانِ)، فإن فيها ألحقت السنتان بأقلّ السنتين حتّى أثبتوا النّسب إذا جاءت به لتمام السنتين، ولفظ الحديث يؤيد صحّة جواب تلك الروايات على ما يجيء بعد هذا، حيث اشترط فيه لعدم ثبوت النّسب أكثر السنتين. قوله ﵀: (إلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ)، أي: عند دعواه يثبت النسب منه وإن كانت جاءت به لأكثر من سنتين ثم هل يحتاج فيه إلى تصديق المرأة أم لا ففيه روايتان. في رواية لا يحتاج إلى تصديقها، وفي رواية تحتاج كذا في «شرح الطّحاوي» (١). وإن كانت المبتوتة صغيرة يجامع مثلها، فجاءت بولد لتسعة أشهر، أي: من وقت الطّلاق وهي لم تقر بانقضاء العدّة حتّى ولدت لتسعة أشهر لا يثبت نسبه من الزوج، عند أبي حنيفة ومحمّد -رحمهما الله- وقال أبو يوسف ﵀ يثبت النّسب إلى سنتين (٢). وأما إذا أقرت بانقضاء العدّة بثلاثة أشهر ثم جاءت بالولد لأقلّ من ستة أشهر من وقت الإقرار يثبت النسب؛ لأنّها أقرت بانقضاء العدة وفي بطنها ولد ثابت النسب، فبطل إقرارها فصار كأنها لم تقر بانقضاء العدّة فيثبت النّسب. ولهما أن لانقضاء عدّتها جهة متعيّنة وهي الأشهر فبمضيها يحكم الشّرع بالانقضاء.

стр. 1991

فإن قلت: يشكل على هذا الكبيرة المتوفى عنها زوجها، فإن لانقضاء عدّتها جهة متعينة وهي مضي أربعة أشهر وعشر، ما لم يكن الحُبل فيها ظاهراً، ثم هناك يثبت النّسب إلى سنتين عند علمائنا الثلاثة اتفاقاً، ولا يحكم بالانقضاء بالأشهر هناك لاحتمال الانقضاء بالوضع. فكذلك ههنا يجب أن يثبت النسب إلى سنتين ولا يعتبر تعيّن الجهة بالأشهر؛ لأنّها إذا كانت مراهقة (١) قبله والكلام فيها يحتمل الإعلاق والإحبال كل ساعة أو لا يعتبر تعيّن الجهة بالأشهر في المتوفّى عنها زوجها، كما في الصغيرة وهو قول زفر فما الفرق بينهما؟. قلت: لا يشكل، بل الفرق بينهما ثابت وهو ما ذكره في الكتاب بعيد هذا، وهو قوله: إلَّا أَنَّا نَقُولُ لِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا جِهَةٌ أُخْرَى وَهُوَ وَضْعُ الْحَمْلِ، إلى آخره. فالحاصل أنّ في كل منهما أمضينا الحكم على الأصل ولكن الأصل في الموضعين قد اختلف، فلذلك اختلف الحكم الذي بنى عليه -أيضاً-، وذلك أن الأصل في الكثيرة الأصل، فلذلك لم يعتبر في حقهما تعيّن جهة العدة بالأشهر، والأصل في الصغيرة عدم الإحبال، فلذلك اعتبرنا في حقّهما تعيّن جهة العدّة بالأشهر وذكر في «المبسوط» (٢) في حق الكبيرة. ولا يقال: الأصل عدم الحُبل. لأنّا نقول ذلك في حقّ غير المنكوحة، فأمّا النكاح فلا يُعقد إلا للإحبال، وإن جاءت به لستة أشهر أي من وقت الإقرار. (وَإِذَا وَلَدَتْ الْمُعْتَدَّةُ وَلَدًا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) ذكر هذه المسألة في «المبسوط» (٣) بقيدين، وهما أن يكون الطّلاق بائنًا، وأن ينكر الزّوج، فقال: ولو أن رجلاً طلّق امرأته ثلاثاً وتطليقة بائنة، ثم جاءت بولد بعد الطّلاق لسنتين أو أقلّ، وشهدت امرأة على الولادة والزّوج ينكر الولادة والحبل، لم يلزمه النّسب في قول أبي حنيفة ﵀ ما لم يشهد به رجلان أو رجل وامرأتان. ولكن جعل الإمام قاضي خان ﵀ في «الجامع الصّغير» حكم الطّلاق الرجعي كحكم البائن في هذه المسألة (٤)، فقال: هذه ثلاث مسائل: أحدها: أن امرأة أتت بولد بعد وفاة الزّوج ما بينها وبين سنتين فجحدت الورثة الولادة، لا يثبت النّسب والولادة إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، في قول أبي حنيفة ﵀ وعندهما يثبت بشهادة القابلة (٥).

стр. 1992

والثانية: المطلّقة طلاقاً رجعيًّا إذا لم تقرّ بانقضاء العدّة حتّى جاءت بولد لأقلّ من سنتين أو لأكثر وأنكر الزّوج الولادة. والثالثة: المبتوتة إذا جاءت بالولد لأقلّ من سنتين وأنكر الزّوج الولادة، لا يُقضى بشهادة القابلة عند أبي حنيفة ﵀ في هذه المسائل إلا إذا كان الزّوج أقرّ بالحبل أو كان الحبل ظاهراً، وعندهما يقضي بشهادة القابلة إذا كانت حرّةً عدلة (١). وأمّا المنكوحة إذا جاءت بولد لستة أشهر من وقت النكاح أو لأكثر، فقال الزّوج: لم تلد به لا يلزمه حدّ ولا لعان؛ لأنّه أنكر الولادة وإنكار الولادة لا يكون قذفاً، فإن شهدت القابلة على الولادة يثبت النّسب من الزّوج عندنا. وقال الشّافعي ﵀: لا تثبت الولادة إلا بشهادة أربع نسوة عدول (٢). وقال مالك وابن أبي ليلى يقبل بشهادة امرأتين (٣)، وقال زفر لا يثبت بشهادة النساء أصلاً (٤). وكذلك كلّ ما لا يطّلع عليه الرجال فهو على هذا الخلاف، ثم إذا قُبلت بشهادة القابلة عندنا على ولادة المنكوحة، فإن نفاه الزّوج لاعن القاضي بينهما؛ لأنّه نفى ولد المنكوحة. أجمع أصحابنا على أنّه يُقضى بالنّسب بشهادة القابلة حال قيام النكاح (٥)، واختلفوا بعد الموت والطّلاق، قال أبو حنيفة ﵀: لا يثبت، وقال أبو يوسف ومحمّد -رحمهما الله- يثبت (٦)؛ لأنّ الفراش قائم بقيام العدّة وتفسير الفراش صيرورتها متعيّنة لماء الزّوج، حتّى أنّ كل ولد يحدث منها يثبت النّسب، وإنّما لا يثبت نسب ولد المعتدة إذا جاءت به لأكثر من سنتين؛ لأنّ الفراش وإن كان قائمًا في العدّة فإن الماء انعدم حكماً لأنّه لا يمكن تقدير الوطء لما فيه من النسبة إلى ارتكاب الحرام، ومع عدم الماء لا يثبت النّسب، ألا ترى أن امرأة الصبي إذا جاءت بولد لا يثبت النّسب منه؛ لعدم الماء وذكر في كتاب الدّعوى: أنّه إذا جاءت به لأكثر من سنتين فادّعاه يثبت النّسب؛ لأنا إنما لا نجعله واطئاً صيانة له عن الحرام، فإذا أقرّ على نفسه بالحرام والفراش المنبت للنّسب قائم فيثبت، كذا وجدت بخط الشيخ ﵀ محالاً إلى القاضي الغني ﵀.

стр. 1993

فَيَتَعَيَّنُ بِشَهَادَتِهَا، أي فيثبت بشهادة القابلة تعيّن الولد، فإن قول القابلة كاف في تعيين الولد حال قيام الفراش عندنا، وإن لم يكن كافياً في إلزام النّسب، والنّسب ثابت للفراش كما في حال قيام النكاح، أو إقرار الزّوج بالحبل أو الحبل ظاهر. ولأبي حنيفة ﵀ أنّها لما أقرت بالولادة، فقد أقرّت بزوال سبب النّسب، وهو الفراش ثم لو ثبت النّسب بعد ذلك إنّما يثبت بالقضاء، والقضاء لا يكون إلا بحجة كاملة (١). ولا يلزم على ما قلنا حال قيام النكاح وأمثاله؛ لأنّ هناك يثبت النّسب قبل الولادة بسبب قائم وهو الفراش، إنّما الحاجة إلى تعيين الولد؛ لأنّ الزّوج ينكر ولادة هذا الولد وشهادة القابلة حجة في تعيين الولد، بخلاف ما نحن فيه فإنّ الحاجة فيه إلى إثبات نسب ولد الأجنبية من أجنبي وشهادة المرأة الواحدة لا يكون حجة في ذلك، وهذه الشهادة في المعنى شهادة على النّسب؛ لأنّها تشهد ببقاء الفراش إلى ولادتها بهذا الولد، وشهادة المرأة الواحدة لا تكون حجة في السّبب المثبت للنّسب وهو الفراش. فالحاصل أنّ شهادة القابلة على الولادة حجّة تامة إذا كان هناك حبل ظاهر، أو فراش قائم، أو إقرار من الزّوج بالحبل؛ لما رُوي أنّ النبي ﷺ أجاز شهادة القابلة على الولادة (٢)؛ ولأنّ النظر إلى العورة (٣) لا يحلّ ولكن نظر المرأة إلى المرأة أخفّ من نظر الرجل إليها، ولهذا سقط اعتبار الذكورة في هذه الشّهادة، فكذلك نظر الواحد أخفّ من نظر المثنّى فسقط لهذا اعتبار العدد، ثم الأصل أنّ شهادة النساء إنما تكون حجة إذا تأيّدت بمؤيّد، كما في المعاملات إذا تأيّدت شهادتهنّ بشهادة رجل يكون حجّة، والمؤيّد فيما لا يطّلع عليه الرجال الفراش والقائم، أو الحبل الظاهر، أو إقرار الزّوج بالحبل، فإذا تجرّدت شهادتها عن ذلك لم يكن حجة.

стр. 1994

ولا يقال: كيف يقبل شهادة الرجال ههنا ولا يحلّ لهم النظر إلى العورة؟. لأنّا نقول: إنهم لا يقولون تعمّدنا النظر فإنما وقع ذلك اتفاقاً. أو دخلت المرأة بين يدي الشهود بيتًا بعدما علموا أنّه ليس فيه غيرها، ثم خرجت مع الولد فيعلمون أنها ولدته، ثم عند الحاجة إلى تحمّل الشهادة يباح النظر للرجال كما في الشهادة على الزنا، والحاجة تتحقّق إذا لم يكن هناك مؤيّد، كذا في «الجامع الصّغير» لشمس الأئمة وقاضي خان (١). (فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً عَنْ وَفَاةٍ فَصَدَّقَهَا الْوَرَثَةُ فِي الْوِلَادَةِ)، إلى آخره، أي أتت بولد قبل تمام سنتين، ومعنى التصديق هو أن يقرّ جميع الورثة فشاركهم بإقرارهم أو أقرّ به جماعة تقطع الحكم بشهادتهم، بأن صدّقها رجلان منهم أو رجل وامرأتان منهم، فوجب الحكم بإثبات نسبه حتّى يشارك المصدّقين والمنكرين، كذا ذكره فخر الإسلام والتمرتاشي -رحمهما الله- (٢). وقال الإمام الإسبيجاني: هذا جواب الاستحسان والقياس أن لا يثبت النّسب؛ لأنّهم أقروا على الميّت، وذكر شمس الأئمة في تعليل المسألة أنّ الورثة قائمون مقام الزّوج، ولو قال الزّوج: أنّها ولدته كان يثبت النّسب منه (٣). وكذلك إذا صدّقها الورثة بعد موته؛ وهذا لأنّ ثبوت النّسب منه باعتبار الفراش، وذلك باق ببقاء العدّة بعد موته والحاجة إلى الشهادة ليظهر له ولادتها، ويتعيّن الولد الذي جاءت به وبتصديق الورثة حصل هذا المقصود فيثبت النّسب منه. وهذا هو الجواب عن الإشكال الذي يقال فيه أنّه في التصديق يقرّ على نفسه والورثة يقرّون على الميّت بالنّسب، فلا يقبل؛ لأنّا نقول: أن ثبوت النّسب ليس باعتبار تصديقه ولا تصديق الورثة، بل باعتبار الفراش إذا كانوا من أهل الشّهادة بأن كانوا ذكوراً أو ذكوراً وإناثاً وهم عدول، وما ثبت بناء لا يراعى فيه الشّرائط، كالعبد مع المولى والجندي مع السّلطان في حق الإقامة، ووقف المنقول بناءً على وقف العقار، واللعان إنما يجب بالقذف، لا بناء على شهادة القابلة، وهذا جواب إشكال، وهو أن يقال: أن ثبوت اللعان بناءً على شهادة القابلة واللّعان قائم مقام الحدّ، فينبغي أن لا يجب بشهادة امرأة واحدة، فأجاب عنه بقوله: وليس من ضرورة اللّعان نفي الولد، فإنّ اللعان يثبت بدون نفي الولد، بأن يقذفها بالزنا لكن وجب اللّعان ههنا ضمنًا، لنفي الولد الذي ثبت نسبه بقيام الفراش، وشهادة المرأة إنّما كانت لتعيين الولد، لا أن يكون اللّعان مضافاً إلى شهادة امرأة واحدة، ونظير هذا ما إذا ثبت الرمضانية بشهادة الفرد، ثم أفطر إنسان بعد ذلك متعمدًا وجبت الكفارة عليه، والكفارة في الإفطار تجري مجرى الحدّ حيث تندرئ بالشبهات، فلا يجوز إيجابها بشهادة الفرد، لكن وجوب الكفّارة باعتبار ثبوت الرّمضانية، والرّمضانية ممّا تثبت بشهادة الفرد، لا باعتبار شهادة الفرد قصدًا، فكذلك ههنا وجوب اللّعان واستحقاق الميراث باعتبار ثبوت النّسب، لا باعتبار شهادة القابلة قصدًا؛ لأنّ الظاهر شاهد لها وهو عدم الزنا.

стр. 1995

فإن قيل: كما أنّ الظاهر شاهد لها، فكذلك الظّاهر شاهد له -أيضاً-؛ لأنّ النكاح حادث والأصل في الحوادث أن يحال إلى أقرب الأوقات، أو لأنّ الأصل هو العدم فينبغي أن يكون الزائد على أربعة أشهر معدومًا جريًا على الأصل. قلنا: النّسب ممّا يحتاط في إثباته، فمتى تعارض الظّاهر أن فيه وجب إثباته. ألا ترى أنّ النّسب يثبت بالإيماء مع قدرته على النطق، وسائر التصرفات لا يثبت به عند ذلك، وظاهر حالها -أيضاً- يتأيّد بظاهر حاله، من حيث أنّه لا يباشر النكاح بصفة الفساد، فإنّ نكاح الحبلى فاسد وهل تحرم على الزّوج بهذا الكلام، ينبغي أن لا تحرم. فإن قيل: وجب أن تحرّم؛ لأنّ هذا إقرار منه بتزوّجه إياها وهي حُبلى، وصار هذا كما ادّعى أنّه تزوّجها بغير شهود. وقلنا الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أنّ النكاح بغير شهود فاسد لا محالة، ونكاح الحبلى ليس بفاسد لا محالة، لجواز أنّها حبلى من الزنا. والثاني: أنّه وإن أقرّ بالحرمة إلا أن الشّرع كذبه في ذلك، حيث أثبت النّسب منه والإقرار إذا قابله تكذيب من جهة القاضي يبطل، كذا في «الفوائد الظهيرية» (١). وَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ، أي: على الاختلاف المذكور في الأشياء الستّة فيما يُبتنى عليها وهو الطّلاق؛ لأنّ الطّلاق حكم متعلّق بالولادة، وشهادة القابلة حجة في إثبات الولادة، فكذلك فيما يتعلّق بها ضمنًا لها؛ لأنّ شهادتين ضرورته في الولادة لعدم حضور الرجال فلا يظهر في حق الطّلاق؛ لأنّه ينفكّ عنها لما أن الطلاق يوجد بدون الولادة، وكذلك الولادة بدون الطّلاق. فإن قلت: يشكل على هذا جريان اللّعان بنفي الزّوج نسب ولدها منه عند ثبوت الولادة بشهادة القابلة، ولا يتخلّص عنه بأنّ اللّعان هناك بالقذف بالنفي لا بشهادة القابلة، وإني أقول -أيضاً-: الطّلاق ههنا بالولادة لا بشهادة القابلة. قلت: الفرق بينهما ثابت، وهو أنّ اللعان هناك إنّما يثبت بقذفه بالنفي قصدًا بعد ثبوت النّسب بالفراش القائم عند شهادة القابلة. وأمّا ههنا لو قلنا بالطّلاق عند شهادة القابلة كانت شهادة القابلة مثبتة لحكمين معًا من غير تراخ لأحدهما عن الآخر، وهما: الولادة ووقع الطّلاق، فإنّه علّق طلاقها بالولادة وشهادة القابلة، وإن كانت مقبولة في أحدهما -لما ذكرنا- لا يلزم أن تكون مقبولة في الآخر لانعدام ما يوجب القبول فيه، فصارت شهادة القابلة ههنا نظيره قول المرأة: حضت فيما إذا علّق الزّوج طلاقها وطلاق ضرّتها (٢) بحيضها، وهما حكمان مقترنان فقُبل قولها في أحدهما وهو طلاق نفسها، دون الآخر وهو طلاق ضرّتها، فكذلك ههنا، ويكون -أيضاً- نظيره ما ذكره الإمام قاضي خان ﵁ فقال: وإن جعلت شهادتها حجة في الولادة وضرورة أنّه لا يطّلع عليها الرجال لم تقبل حجة فيما تقبل الفصل في الجملة عن الولادة وإن صار من لوازمها (٣).

стр. 1996

كمن اشترى لحمًا فجاءه مسلم عدلً وشهد أنّه ذبيحة المجوسي (١) قبلت شهادته في حق حرمة الأكل، ولا يثبت تمجس الذّابح في حق الرجوع على البائع بشهادة الواحد. وإن كان الزّوج قد أقرّ بالحُبل طلقت، يعني إذا أقرّ الزوج بالحبل ثم علّق طلاقها بالولادة، فقالت المرأة: ولدت، وكذّبها الزّوج فإنّ الطّلاق يقع عند أبي حنيفة ﵀ من غير شهادة القابلة، وعندهما يشترط شهادة القابلة (٢). وكذلك على هذا الخلاف لو كان الحبل ظاهراً ثم علّق الطّلاق. وقالا: إنّه متعلّق بالولادة فلا يثبت عند المنازعة بغير حجة كما في المسألة الأولى. ولأبي حنيفة ﵀ أن هذا طلاق متعلّق بأمر كائن، فيثبت بخبر المرأة من غير حجة، كالحيض بل أولى؛ لأنّ الولد الكائن في الرّحم لا يخلو عن الخروج لا محالة حيًّا أو ميّتًا (٣). وأمّا الحيض فبناء على العادة، أو لأنّه لما أقرّ بالحبل فقد أقر بالولادة؛ لأن الولد لا يبقى في البطن أبدًا، كذا ذكره الإمام الكشاني ﵀ وغيره (٤). لَا يَبْقَى فِي الْبَطْنِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَلَوْ بِظِلِّ مِغْزَلٍ، أي بقدر ظلّ مغزل حالة الدّوران؛ لأنّ ظلّ المغزل حالة الدّوران أسرع زوالاً من سائر الظّلال، والغرض تقليل المدّة، كذا وجدت بخط شيخي ﵀. ورواية «المبسوط» (٥) و «الإيضاح» وبعض [نسخ] (٦) الكتاب ولو بفلكة مغزل، وذكر في «المغرب» (٧) هذا على حذف المضاف، وقد جاء صريحًا في شرح الإرشاد ولو بدور فلكة مغزل، وهو مثل في الدّوران والغرض تقليل المدة؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٨) ثم قال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (٩)، وهذا التقرير الذي ذكر ههنا في تأويل الآية مخالف لما ذكره في الرضاع من هذا الكتاب؛ لأنّه جعل هناك ثلاثون شهراً مدّة لكل واحد من الحمل والفصال، ثم أظهر المنقص في حق الحمل وههنا جعلها مدّتهما جميعًا، ثم أصاب منها للفصال عامان بقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (١٠)، ومن ضرورته يبقى للحمل ستة أشهر وهذا هو التأويل الذي خرّجه ابن عبّاس ﵄ ذكره في «المبسوط» (١١) فقال: "رُوي أن رجلاً تزوّج امرأة فولدت ولدًا لستّة أشهر فهمّ عثمان (١٢) ﵁ برجمها، فقال ابن عباس ﵁ أما أنّها لو خاصمتكم بكتاب الله تعالى لخصمتكم قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (١٣) وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (١٤) فإذا ذهب للفصال عامان لم يبق للحمل إلا ستة أشهر فدرأ عثمان ﵁ عنها الحدّ وأثبت النّسب من الزّوج" (١٥).

стр. 1997

وهكذا روي عن علي ﵁ (١)؛ ولأنّه ثبت بالنص أنّ الولد ينفخ فيه الرّوح بعد انقضاء أربعة أشهر، كما ذكره في حديث ابن مسعود، وبعدما ينفخ فيه الرّوح يتم خلقته بشهرين، فيتحقّق انفصاله بستّة أشهر مستوي الخلق. والشافعيّ ﵀ يقدّر الأكثر بأربع سنين؛ لما روي أنّ رجلاً غاب عن امرأته سنتين ثم قدّم وهي حامل، فهمّ عمر ﵁ برجمها، فقال معاذ (٢) ﵁: إن يكن لك عليها سبيل فلا سبيل لك على ما في بطنها، فتركها حتّى ولدت ولدًا قد نبتت ثنيتاه يشبه أباه، فلمّا رآه الرجل قال: ابني ورب الكعبة، فقال عمر: أتعجز النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر، فقد وضعت هذا الولد لأكثر من سنتين، ثم أثبت نسبه من الزّوج (٣). وقيل: أنّ الضحّاك ولدته أمه لأربع سنين وولدته بعدما نبتت ثنيتاه وهو يضحك فسمّي ضحّاكًا (٤)، وعبد العزيز الماجشوني (٥) ولدته أمه لأربع سنين، وحجّتنا في ذلك حديث عائشة ﵂ (٦) المذكور في الكتاب، ومثل هذا لا يُعرف بالرأي، وإنّما قالته سماعًا من رسول الله ﷺ ؛ ولأنّ الأحكام شيء على العادة الظّاهرة وبقاء الولد في بطن أمّه أكثر من السنتين في غاية الندرة، فلا يجوز بناء الحكم عليه، مع أنّه لا أصل لما يُحكى في هذا الباب، فإنّ الضحّاك وعبد العزيز ما كانا يعرفان ذلك من أنفسهما، وكذلك غيرهما كان لا يعرف ذلك؛ لأن ما في الرحم لا يعلمه إلا الله، ولا حجّة في حديث عمر؛ لأنّه إنما أثبت النّسب بالفراش القائم بينهما في الحال أو بإقرار الزّوج وبه نقول.

стр. 1998

(وَمَنْ تَزَوَّجَ أَمَةً فَطَلَّقَهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا) إلى آخره، يريد به إذا طلّقها بعد الدخول بها، فإنّه لو كان الطّلاق قبل الدخول بها لا يلزمه الولد، إلا أن يجيء به لأقلّ من ستة أشهر منذ فارقها؛ لأنّه في الوجه الأوّل وهو ما إذا جاءت به لأقلّ من ستة أشهر منذ يوم اشتراها فيكون ولد المعتدة فيثبت نسبه من غير دعوة، وفي الوجه الثّاني وهو ما إذا جاءت به لستة أشهر أو أكثر من وقت الشراء لا يلزمه الولد إلا بالدّعوة، لما قلنا أن العلوق حادث والأصل في الحوادث أن تضاف بحدوثها إلى أقرب الأوقات، وفي أقرب أوقاته كانت مملوكته فلا يلزمه بدون الدّعوة، وصار هذا كمسلم تحته كتابية فأسلمت، ثم جاءت بولد لأكثر من ستة أشهر ولأقلّ من سنتين من وقت الإسلام فنفاه، لاعن القاضي بينهما، ويقطع نسب الولد منه، وإن احتمل علوقه قبل الإسلام، ولكن قبل العلوق حادث والأصل في الحوادث ما قلنا، وكذلك حرّ تحته أمة أعتقها مولاها فجاءت بولدٍ لأكثر من ستّة أشهر ولأقلّ من سنتين من وقت الإعتاق، فنفاه الزّوج لاعن القاضي بينهما، وإن احتمل العلوق قبل الإعتاق. فإن قيل ما ذكرتم ينتقض بمسائل: أحدها: ما ذكر في الزيادات رجل قال لامرأتيه -وقد دخل بهما-: أحديكما طالق ثلاثًا، ولم يبيّن حتّى ولدت أحديهما لأكثر من ستّة أشهر من وقت الإيجاب ولأقلّ من سنتين منه، فالإيجاب على إبهامه ولا يتعيّن ضربها للطّلاق. ومنها: إذا قال لامرأته: إذا حبلت فأنت طالق، فولدت لأقلّ من سنتين من وقت التعليق لا يقع الطّلاق، فكذلك لو كان هذا في تعليق العتاق بالحبل. ومنها: المطلّقة طلاقاً رجعياً إذا جاءت بالولد لأقلّ من سنتين من وقت الطّلاق لا يصير مراجعاً، ولو كان الحوادث بحال بحدوثها على أقرب الأوقات ليثبت هذه الأحكام، أعني بهذا البيان والطّلاق والعتاق والرجعة. قلنا: الحوادث بحال حدوثها على أقرب الأوقات، إذا لم يتضمّن إبطال ما كان ثابتًا بالدّليل، أو ترك العمل بالمقتضي، أمّا إذا تضمّن فلا، ومتى عوّلت على ما قلنا، ثم استقرأت ما ذكرنا من المسائل وجدت الأمر على ما عليه عوّلنا، كذا في «الفوائد الظهيرية» (١). لأنّها لا تحلّ بالشراء؛ لأنّ الأمة تحرم حرمة غليظة بتطليقتين، فلا تحلّ [له] (٢) بملك اليمين، وإذا لم تحلّ لا تُقضي بالعلوق من أقرب الأوقات، بل من أبعدها حملاً لأمور المسلمين على الصّلاح، وأبعد الأزمان هو ما قبل الطّلاق، فيلزمه الولد إذا جاءت به لأقلّ من سنتين منذ الطّلاق.

стр. 1999

وأمّا إذا كان الطلاق واحداً يحلّ به وطؤها بملك اليمين، فيضاف الولد إلى أقرب الأوقات، فحينئذ كان ولد الأمة فلا يثبت نسبه من غير دعوة. فإن قيل: وجب أن ينكشف الحرمة بملك اليمين، وإن كانت الحرمة بملك اليمين وإن كانت الحرمة غليظة بالتطليقتين، تمسُّكًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (١) الآية. قلنا: وجب أن لا ينكشف تمسكًا بقوله، فإن طلّقها فلا تحلّ له من بعد، والطلقة الثانية في الإماء بمنزلة الثالثة في الحرائر، والمحرّم أولى بالاعتبار بيانه فيما روي عن عثمان ﵁ أنّه سئل عمّن اشترى أختين فقال: أحلتهما آية وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٢) الآية، وحرمتهما آية، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٣) إلا أنّ المحرّم أولى (٤). وروي عن ابن عمر ﵁ أنّه كان يقول: "ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام" (٥)، كذا ذكره الإمام قاضي خان والإمام الكشاني والإمام ظهير الدين ﵏ (٦). فشهدت على الولادة فهي أمّ ولده بالإجماع؛ لأن سبب ثبوت النّسب وقد وجد، وهو الدّعوة وإنّما الحاجة إلى إثبات الولادة وتعيين الولد وشهادة القابلة حجّة في ذلك، هذا إذا ولدت لأقلّ من ستة أشهر من وقت الإقرار. فإن ولدت لستة أشهر فصاعدًا لا يلزمه، لاحتمال أنّها حبلت بعد مقالة المولى فلم يكن المولى مدّعياً هذا الولد. بخلاف الأوّل؛ لأنّ ثمة تيقنًا بقيام الولد في البطن وقت القول متيقنًا بالدّعوى، كذا في «الجامع الصّغير» لقاضي خان ﵀ (٧). (فَهِيَ امْرَأَتُهُ وَهُوَ ابْنُهُ يَرِثَانِهِ)، فإن قيل: ينبغي أن لا ترث المرأة، لما أنّ هذا النكاح ثابت بطريق الاقتضاء، فيثبت بقدر الضرورة وهي تصحيح النّسب دون استحقاق الإرث.

стр. 2000

قلنا: النكاح على ما هو الأصل ليس بمتنوّع من نكاح هو سبب لاستحقاق الإرث، ونكاح هو ليس بسبب له، فلمّا ثبت النكاح بطريق الاقتضاء، ثبت ما هو من لوازمه التي لا تنفك عنه شرعًا بطريق الأصالة، بخلاف نكاح الكتابية والأمة؛ لأنّه من العوارض لا من الأصول، فلا يرد نقضاً ولو لم يُعلم أنّها حرّة، فقالت الورثة: أنت أمّ ولد له فلا ميراث لها، ولكن لها مهر مثلها؛ لأنهم أقروا بالدّخول بها ولم يثبت كونها أمّ ولد بقولهم، كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (١).
следующие страницы →