← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

كمن اشترى لحمًا فجاءه مسلم عدلً وشهد أنّه ذبيحة المجوسي (١) قبلت شهادته في حق حرمة الأكل، ولا يثبت تمجس الذّابح في حق الرجوع على البائع بشهادة الواحد. وإن كان الزّوج قد أقرّ بالحُبل طلقت، يعني إذا أقرّ الزوج بالحبل ثم علّق طلاقها بالولادة، فقالت المرأة: ولدت، وكذّبها الزّوج فإنّ الطّلاق يقع عند أبي حنيفة ﵀ من غير شهادة القابلة، وعندهما يشترط شهادة القابلة (٢). وكذلك على هذا الخلاف لو كان الحبل ظاهراً ثم علّق الطّلاق. وقالا: إنّه متعلّق بالولادة فلا يثبت عند المنازعة بغير حجة كما في المسألة الأولى. ولأبي حنيفة ﵀ أن هذا طلاق متعلّق بأمر كائن، فيثبت بخبر المرأة من غير حجة، كالحيض بل أولى؛ لأنّ الولد الكائن في الرّحم لا يخلو عن الخروج لا محالة حيًّا أو ميّتًا (٣). وأمّا الحيض فبناء على العادة، أو لأنّه لما أقرّ بالحبل فقد أقر بالولادة؛ لأن الولد لا يبقى في البطن أبدًا، كذا ذكره الإمام الكشاني ﵀ وغيره (٤). لَا يَبْقَى فِي الْبَطْنِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَلَوْ بِظِلِّ مِغْزَلٍ، أي بقدر ظلّ مغزل حالة الدّوران؛ لأنّ ظلّ المغزل حالة الدّوران أسرع زوالاً من سائر الظّلال، والغرض تقليل المدّة، كذا وجدت بخط شيخي ﵀. ورواية «المبسوط» (٥) و «الإيضاح» وبعض [نسخ] (٦) الكتاب ولو بفلكة مغزل، وذكر في «المغرب» (٧) هذا على حذف المضاف، وقد جاء صريحًا في شرح الإرشاد ولو بدور فلكة مغزل، وهو مثل في الدّوران والغرض تقليل المدة؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٨) ثم قال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (٩)، وهذا التقرير الذي ذكر ههنا في تأويل الآية مخالف لما ذكره في الرضاع من هذا الكتاب؛ لأنّه جعل هناك ثلاثون شهراً مدّة لكل واحد من الحمل والفصال، ثم أظهر المنقص في حق الحمل وههنا جعلها مدّتهما جميعًا، ثم أصاب منها للفصال عامان بقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (١٠)، ومن ضرورته يبقى للحمل ستة أشهر وهذا هو التأويل الذي خرّجه ابن عبّاس ﵄ ذكره في «المبسوط» (١١) فقال: "رُوي أن رجلاً تزوّج امرأة فولدت ولدًا لستّة أشهر فهمّ عثمان (١٢) ﵁ برجمها، فقال ابن عباس ﵁ أما أنّها لو خاصمتكم بكتاب الله تعالى لخصمتكم قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (١٣) وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (١٤) فإذا ذهب للفصال عامان لم يبق للحمل إلا ستة أشهر فدرأ عثمان ﵁ عنها الحدّ وأثبت النّسب من الزّوج" (١٥).

стр. 1997

وهكذا روي عن علي ﵁ (١)؛ ولأنّه ثبت بالنص أنّ الولد ينفخ فيه الرّوح بعد انقضاء أربعة أشهر، كما ذكره في حديث ابن مسعود، وبعدما ينفخ فيه الرّوح يتم خلقته بشهرين، فيتحقّق انفصاله بستّة أشهر مستوي الخلق. والشافعيّ ﵀ يقدّر الأكثر بأربع سنين؛ لما روي أنّ رجلاً غاب عن امرأته سنتين ثم قدّم وهي حامل، فهمّ عمر ﵁ برجمها، فقال معاذ (٢) ﵁: إن يكن لك عليها سبيل فلا سبيل لك على ما في بطنها، فتركها حتّى ولدت ولدًا قد نبتت ثنيتاه يشبه أباه، فلمّا رآه الرجل قال: ابني ورب الكعبة، فقال عمر: أتعجز النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر، فقد وضعت هذا الولد لأكثر من سنتين، ثم أثبت نسبه من الزّوج (٣). وقيل: أنّ الضحّاك ولدته أمه لأربع سنين وولدته بعدما نبتت ثنيتاه وهو يضحك فسمّي ضحّاكًا (٤)، وعبد العزيز الماجشوني (٥) ولدته أمه لأربع سنين، وحجّتنا في ذلك حديث عائشة ﵂ (٦) المذكور في الكتاب، ومثل هذا لا يُعرف بالرأي، وإنّما قالته سماعًا من رسول الله ﷺ ؛ ولأنّ الأحكام شيء على العادة الظّاهرة وبقاء الولد في بطن أمّه أكثر من السنتين في غاية الندرة، فلا يجوز بناء الحكم عليه، مع أنّه لا أصل لما يُحكى في هذا الباب، فإنّ الضحّاك وعبد العزيز ما كانا يعرفان ذلك من أنفسهما، وكذلك غيرهما كان لا يعرف ذلك؛ لأن ما في الرحم لا يعلمه إلا الله، ولا حجّة في حديث عمر؛ لأنّه إنما أثبت النّسب بالفراش القائم بينهما في الحال أو بإقرار الزّوج وبه نقول.

стр. 1998

(وَمَنْ تَزَوَّجَ أَمَةً فَطَلَّقَهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا) إلى آخره، يريد به إذا طلّقها بعد الدخول بها، فإنّه لو كان الطّلاق قبل الدخول بها لا يلزمه الولد، إلا أن يجيء به لأقلّ من ستة أشهر منذ فارقها؛ لأنّه في الوجه الأوّل وهو ما إذا جاءت به لأقلّ من ستة أشهر منذ يوم اشتراها فيكون ولد المعتدة فيثبت نسبه من غير دعوة، وفي الوجه الثّاني وهو ما إذا جاءت به لستة أشهر أو أكثر من وقت الشراء لا يلزمه الولد إلا بالدّعوة، لما قلنا أن العلوق حادث والأصل في الحوادث أن تضاف بحدوثها إلى أقرب الأوقات، وفي أقرب أوقاته كانت مملوكته فلا يلزمه بدون الدّعوة، وصار هذا كمسلم تحته كتابية فأسلمت، ثم جاءت بولد لأكثر من ستة أشهر ولأقلّ من سنتين من وقت الإسلام فنفاه، لاعن القاضي بينهما، ويقطع نسب الولد منه، وإن احتمل علوقه قبل الإسلام، ولكن قبل العلوق حادث والأصل في الحوادث ما قلنا، وكذلك حرّ تحته أمة أعتقها مولاها فجاءت بولدٍ لأكثر من ستّة أشهر ولأقلّ من سنتين من وقت الإعتاق، فنفاه الزّوج لاعن القاضي بينهما، وإن احتمل العلوق قبل الإعتاق. فإن قيل ما ذكرتم ينتقض بمسائل: أحدها: ما ذكر في الزيادات رجل قال لامرأتيه -وقد دخل بهما-: أحديكما طالق ثلاثًا، ولم يبيّن حتّى ولدت أحديهما لأكثر من ستّة أشهر من وقت الإيجاب ولأقلّ من سنتين منه، فالإيجاب على إبهامه ولا يتعيّن ضربها للطّلاق. ومنها: إذا قال لامرأته: إذا حبلت فأنت طالق، فولدت لأقلّ من سنتين من وقت التعليق لا يقع الطّلاق، فكذلك لو كان هذا في تعليق العتاق بالحبل. ومنها: المطلّقة طلاقاً رجعياً إذا جاءت بالولد لأقلّ من سنتين من وقت الطّلاق لا يصير مراجعاً، ولو كان الحوادث بحال بحدوثها على أقرب الأوقات ليثبت هذه الأحكام، أعني بهذا البيان والطّلاق والعتاق والرجعة. قلنا: الحوادث بحال حدوثها على أقرب الأوقات، إذا لم يتضمّن إبطال ما كان ثابتًا بالدّليل، أو ترك العمل بالمقتضي، أمّا إذا تضمّن فلا، ومتى عوّلت على ما قلنا، ثم استقرأت ما ذكرنا من المسائل وجدت الأمر على ما عليه عوّلنا، كذا في «الفوائد الظهيرية» (١). لأنّها لا تحلّ بالشراء؛ لأنّ الأمة تحرم حرمة غليظة بتطليقتين، فلا تحلّ [له] (٢) بملك اليمين، وإذا لم تحلّ لا تُقضي بالعلوق من أقرب الأوقات، بل من أبعدها حملاً لأمور المسلمين على الصّلاح، وأبعد الأزمان هو ما قبل الطّلاق، فيلزمه الولد إذا جاءت به لأقلّ من سنتين منذ الطّلاق.

стр. 1999

وأمّا إذا كان الطلاق واحداً يحلّ به وطؤها بملك اليمين، فيضاف الولد إلى أقرب الأوقات، فحينئذ كان ولد الأمة فلا يثبت نسبه من غير دعوة. فإن قيل: وجب أن ينكشف الحرمة بملك اليمين، وإن كانت الحرمة بملك اليمين وإن كانت الحرمة غليظة بالتطليقتين، تمسُّكًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (١) الآية. قلنا: وجب أن لا ينكشف تمسكًا بقوله، فإن طلّقها فلا تحلّ له من بعد، والطلقة الثانية في الإماء بمنزلة الثالثة في الحرائر، والمحرّم أولى بالاعتبار بيانه فيما روي عن عثمان ﵁ أنّه سئل عمّن اشترى أختين فقال: أحلتهما آية وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٢) الآية، وحرمتهما آية، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٣) إلا أنّ المحرّم أولى (٤). وروي عن ابن عمر ﵁ أنّه كان يقول: "ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام" (٥)، كذا ذكره الإمام قاضي خان والإمام الكشاني والإمام ظهير الدين ﵏ (٦). فشهدت على الولادة فهي أمّ ولده بالإجماع؛ لأن سبب ثبوت النّسب وقد وجد، وهو الدّعوة وإنّما الحاجة إلى إثبات الولادة وتعيين الولد وشهادة القابلة حجّة في ذلك، هذا إذا ولدت لأقلّ من ستة أشهر من وقت الإقرار. فإن ولدت لستة أشهر فصاعدًا لا يلزمه، لاحتمال أنّها حبلت بعد مقالة المولى فلم يكن المولى مدّعياً هذا الولد. بخلاف الأوّل؛ لأنّ ثمة تيقنًا بقيام الولد في البطن وقت القول متيقنًا بالدّعوى، كذا في «الجامع الصّغير» لقاضي خان ﵀ (٧). (فَهِيَ امْرَأَتُهُ وَهُوَ ابْنُهُ يَرِثَانِهِ)، فإن قيل: ينبغي أن لا ترث المرأة، لما أنّ هذا النكاح ثابت بطريق الاقتضاء، فيثبت بقدر الضرورة وهي تصحيح النّسب دون استحقاق الإرث.

стр. 2000

قلنا: النكاح على ما هو الأصل ليس بمتنوّع من نكاح هو سبب لاستحقاق الإرث، ونكاح هو ليس بسبب له، فلمّا ثبت النكاح بطريق الاقتضاء، ثبت ما هو من لوازمه التي لا تنفك عنه شرعًا بطريق الأصالة، بخلاف نكاح الكتابية والأمة؛ لأنّه من العوارض لا من الأصول، فلا يرد نقضاً ولو لم يُعلم أنّها حرّة، فقالت الورثة: أنت أمّ ولد له فلا ميراث لها، ولكن لها مهر مثلها؛ لأنهم أقروا بالدّخول بها ولم يثبت كونها أمّ ولد بقولهم، كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (١).

стр. 2001

باب الولد من أحق به هذه فصول وأبواب متلاصقة بعضها ببعض، نسبة فإنّه لما ذكر ثبوت النّسب من المنكوحات والمعتدّات، احتاج إلى ذكر ثبوت من يكون عنده ذلك الولد الذي ثبت نسبه من الزّوج، ثم ذكر فصل من لو غاب بالولد من عنده، ثم ذكر نفقة والدة ذلك الولد؛ لأنّها أصله، ثم ذكر ما تحتاج هي إليه من السكنى، وغيرها ثم ذكر أنواع من يجب عليه النّفقة والسكنى من الزّوجات، ثم ذكر نفقة ذلك الولد؛ لأنّها فرعها فذكر الفرع مؤخّر عن ذكر الأصل، ثم لما وقع في ذكر النفقات ذكر من يجب عليه نفقته من ذوي الارحام والمماليك. اعلم بأنّ الصغار لما بهم من العجز عن النظر لأنفسهم، والقيام بحوائجهم، جعل الشّرع الولاية إلى من هو مشفق عليهم، فجعل حقّ التصرف إلى الإباء لقوة رأيهم مع الشفقة، والتصرّف يستدعي قوة الرأي، وجعل حقّ الحضانة إلى الأمهات لرفقهن في ذلك مع الشفقة وقدرتهنّ على ذلك بلزوم البيوت، والظّاهر أنّ الأم أحيى وأشفق على الولد من الأب فتتحمل من المشقة في ذلك ما لا يتحمله الأب. وفي تفويض ذلك إليها زيادة منفعة للولد. والأصل فيه حديث عمرو بن شعيب (١) عن أبيه عن جدّه، أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: «أنّ ولدي هذا قد كان له بطني وعاءً … » الحديث (٢). ولما خاصم عمر ﵁ أمّ عاصم (٣) بين يدي أبي بكر ﵁ لينتزع العاصم [٣٨٦/ أ] منها قال له أبو بكر: ريحها خير له من سمن وعسل عندك يا عمر، فدّعه عندها حتّى يشبّ، وفي رواية فَرِيحُ لفاعها خير له من سمن وعسل عندك (٤)، كذا في «المبسوط» (٥).

стр. 2002

الحواء جماعة بيوت من الناس مجتمعة، والجمع الأحوية وهي من الوبر، كذا في «الصحاح» (١). (وَلَا تُجْبَرُ الْأُمُّ عَلَيْهِ)، أي: على أخذ الولد يعني إذا أبت، أو لم تطلب إلا أن لا يكون للولد ذو رحم محرم سوى الأم، فحينئذ تجبر الأم على حضانته كيلا يفوت حقّ الولد أصلاً؛ لأنّه [لا] (٢) شفقة للأجنبية أصلاً، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٣). وذكر الإمام التمرتاشي ﵀ ولا تجبر الأم على الحضانة؛ لأنّها عسى لا تقدر واختيار أبي الليث والهندواني (٤) تجبر، لأنّ ذلك حق الولد (٥). وإن امتنع الأب عن أخذ الولد بعد استغنائه من الأم تجبر؛ لأنّ نفقته وصيانته عليه فإن لم تكن أمّ، وعدم كونها على وجهين، أمّا أن تكون ميتة أو تزوّجت أجنبيًّا؛ لأنّ هذه الولاية تستفاد من قبل الأمّهات؛ لأنّ حق الحضانة بسبب الأمومة، وهي أم تدلي بأمّ، فهي أولى من أمّ الأب؛ لأنّها تدلي بقرابة الأب وقرابة الأم في الحضانة مقدمة على قرابة الأب، ويستوي إن كانت مسلمة أو كتابية أو مجوسية؛ لأنّ حق الحضانة لها للشّفقة على الولد، ولا يختلف ذلك باختلاف الدّين على ما قيل كل شيء يحبّ ولده حتّى الحُبارى (٦). فإن لم تكن فأم الأب أولى، وإن علت، وعلى قول زفر الأخت من الأب والأم أو من الأم أو الخالة أحقّ من الجدّة أمّ الأب؛ لأنّها تدلي بقرابة الأب ومن سميناه بقرابة الأم واستحقاق الحضانة باعتبار قرابة الأم، ولكنّا نقول هذه أم في نفسها كأم الأم، والأم مقدّمة على غيرها في الحضانة، ثم أصل الشفقة باعتبار الولاد وذلك للجدّات، دون الأخوات والخالات، فلهذا كانت أمّ الأب أحق وفي رواية الخالة أولى من الأخت لأب.

стр. 2003

وقد ذكر في كتاب النكاح ثم بعد الأخت لأمّ الأخت لأب أوفى من الخالة، اعتباراً بقرب القرابة والأخت لأب أقرب؛ لأنّها ولد الأب والخالة ولد الجدّ. وفي كتاب الطّلاق قال: الخالة أولى من الأخت لأب، اعتباراً بالمدلي به فإن الخالة تدلي بالأمّ، والأخت لأب تدلي بالأب، والأمّ في حق الحضانة مقدّمة على الأب. فكذلك من يدلي بقرابة الأم، يكون مقدمًا على من يدلي بقرابة الأب. (وَتُقَدَّمُ الْأُخْتُ لِأَبٍ وَأُمٍّ)، أي: على الأخت لأمّ، وعلى قول زفر ﵀ هما مستويتان؛ لأنّ ثبوت هذا الحق بقرابة الأم وهما سواء في ذلك، ولكنّا نقول: قرابة الأخت لأب وأمّ من وجهين، والشفقة بالقرابة فذو القرابتين يكون أشفق، فكان بالحضانة أحقّ، ويجوز أن يقع الترجيح بما لا يكون علّة للاستحقاق. ألا ترى أنّ الأخ لأب وأمّ مقدّم في العصوبة على الأخ لأب؛ بسبب قرابة الأم وقرابة الأم ليست لاستحقاق العصوبة [بها] (١)، كذا في «المبسوط» (٢) و «الجامع الصّغير» لقاضي خان ﵀ (٣). سقط حقّها لما روينا وهو ما ذكر من قوله ﵇: «أنت أحقّ به ما لم تتزوّجي» (٤). يقال: شيء نَزْرٌ، أي: قليل، ويقال: نظر إليه شزراً، وهو نظر المبغض، كذا في «الديوان»، وكذا كلّ زوج هو ذو رحم محرّم منه، كعمّ الولد إذا تزوّج أمّ الولد فأولاهم تعصيباً، وإذا اجتمع اخوة لأب وأمّ فأفضلهم صلاحاً وورعًا أحق به؛ لأنّ ضمه إلى أقرب العصبات (٥) لمنفعة الولد، ولهذا قدّم الأقرب وضمه إلى ابنهم صلاحاً أنفع للولد؛ لأنّه يتخلّق بأخلاقه فإن كانوا في ذلك سواء فأكبرهم أحق؛ لقوله ﵇: «الكبر الكبر» (٦)، ولأنّ حق أكبرهم أسبق ثبوتًا، فعند التعارض يترجّح بذلك، كذا في «المبسوط» (٧). غَيْرَ أَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا تُدْفَعُ إلَى عَصَبَةٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ، أي: مع وجود محرم غير العصبة، كالخال [مع ابن العمّ فإنه تدفع إلى الخال] (٨)، وهذا في رواية [عن محمد] (٩) (١٠).

стр. 2004

وذكر الإمام التمرتاشي، فإن لم يكن واحد من العصبة يدفع إلى الأخ لأمّ، عند أبي حنيفة ﵀، ثم إلى ذوي الأرحام الأقرب فالأقرب. وقال محمّد ﵀: لا حق لذكر من قبل النّساء، والتدبير للقاضي يدفع إلى ثقة تحضنه حتّى يستغني (١). وعنه أنّه ثبت لهم الحق ولا حقّ لغير المحرم في حضانة الجارية، ولا للأم التي ليست بمأمونة ولا للعصبة الفاسق على الصّغير. ووجهه أنّه إذا استغنى يحتاج إلى التأدّب وتعلّم أعمال الرجال، والأب على ذلك أقدر ويحتاج إلى من يتفقه [٣٨٦/ ب] ويؤدّبه والأب هو الذي يقوى على ذلك، [ولأن] (٢) صحبة النساء مفسدة للرجال، فإذا ترك عندها ينكسر لسانه، ويميل طبعه إلى طبع النّساء ربما يجيء مخنثاً (٣)، فلذلك يدفع إلى الأب بعد ذلك، كذا في «المبسوط» (٤)، اعتباراً للغالب؛ لأنّ الغالب أنّ الصبي إذا بلغ سبع سنين يستغني عن الحضانة والتربية فحينئذ يستنجي (٥) وحده، قال ﵇: «مروا صبيانكم بالصّلاة إذا بلغوا سبعًا» (٦)، والأمر بالصّلاة لا يكون إلا بعد القدرة على الطّهارة. (تَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ آدَابِ النِّسَاءِ) من الغزل والطّبخ وغسل الثياب، والأم أقدر على ذلك. وإذا دفعت إلى الأب اختلطت بالرجال، فيقل حياءها والحياء في النساء زينة، فإنّما يبقى ذلك إذا كانت تحت ذيل أمّها، فكانت هي أحق بها حتّى تحيض، فإذا بلغت احتاجت إلى التزويج وولاية التزويج إلى الأب، وصارت عرضةً للفتنة ومطمعًا للرجال وبالرجال من الغيرة ما ليس بالنساء، فيتمكّن الأب من حفظها على وجه لا تتمكّن الأم من ذلك.

стр. 2005

وفي نوادر (١) هشام عن محمّد ﵀ إذا بلغت حدّ الشهوة، فالأب أحق بها للمعنى الذي أشرنا إليه، وهو قوة غيرة الرجل، فإنّ الأم ربّما تخدع فتقع في الفتنة ولا تشعر الأمّ بذلك، ويؤمن ذلك على الأب كذا في «المبسوط» (٢). وذكر في غياث المفتي أنّ للأب ولاية أخذ الجارية إذا بلغت حدّ الشهوة (٣)، قال: والاعتماد على هذه الرواية لفساد الزمان، وإذا بلغت إحدى عشرة سنة فقد بلغت حدّ الشهوة في قولهم، ومن سوى الأم والجدّة أحق بالجارية حتّى تبلغ حدًا تشتهي. وفي الصغير حتّى يستغني، يعني إذا كانت الجارية عند غير الأم والجدّتين نحو الأخوات والخالات والعمّات، فإنّها تترك عندهنّ - على رواية «الجامع الصّغير» (٤) - إلى أن تأكل وحدها وتلبس وحدها، ثم تدفع إلى الأب. وهي والصغير سواء؛ لأنّها وإن كانت تحتاج إلى العلم وآداب النساء، إلا أنّ فيه نوع استخدام للصغيرة، وليس لغير الأمّ والجدّتين ولاية الاستخدام، فتدفع إلى الأب احترازاً عن المعصية، كذا في «الجامع الصّغير» لقاضي خان ﵀ (٥). وليس لهما قبل العتق حق في الولد والأمة إذا فارقها زوجها، فإنّ الولد لمولى الأمة رقيق، يأخذه المولى وهو [أحقّ] (٦) به من الأب؛ لأنّ الولد يتبع الأمّ في الملك، والمملوك مالكه أحق به من غيره. وكذلك إن كان الزوج حرًّا لم يفارق أمّه، فالمولى أولى بالولد لكونه مملوكًا له. ولكن لا ينبغي أن يفرّق بين الولد الصّغير وبين أمّه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ (٧)، ولقوله ﵇: «من فرّق بين والدة وولدها فرّق الله بينه وبين أحبّته يوم القيامة» (٨)، كذا في «المبسوط» (٩) و «الجامع الصّغير» لقاضي خان.

стр. 2006

والذمية أحقّ بولدها المسلم، بأن كان زوجها مسلمًا، ما لم يعقل الأديان أو يخفّ هذا ظاهر. وقال يخف انجزم بالعطف على لم يعقل، ولكن كان بخط شيخي ﵀ أو يخاف معرباً بالرّفع فكان استئنافاً. وقال الشافعي ﵀: لهما الخيار (١). وذكر في الهادي لقطب الدين النيسابوري (٢) من أصحاب الشافعي ﵀: وإذا بلغ الصبي سن التمييز يخيّر بين الأبوين، ويسلّم إلى من اختاره، فإن رجع استردّ واستوى فيه الذكر والأنثى ولا يخيّر بين غير الوالدين بوجه، وإذا اختار الأب، فلا يمنع من الزّيادة وإذا اختار الأم، فعلى الأب مراعاته وتسليمه إلى المكتب والحرفة (٣). وَلَنَا أَنَّهُ لِقُصُورِ عَقْلِهِ يَخْتَارُ مَنْ عِنْدَهُ الدَّعَةُ، أي الخفض [من] (٤) الراحة والهاء عوض من الواو، يقول: منه ودع الرجل بالضمّ، كذا في «الصحاح» (٥). وذكر في «المبسوط» يكون في القول بالتخيير بناء الإلزام والحكم على قول الصبي وذلك لا يجوز (٦). فوفق لاختيار الأنظر بدعائه، وذكر صدر الإسلام ﵀ في الجامع الصغير وقال: خيّره ﵇، فقال: «اللهم اهده، فاختار الأم» (٧)، وكانت دعوته مستجابة، ومثل هذا لا يوجد في غيره، ويحتمل إن كان في الصبي العاقل. أَوْ يُحْمَلُ [عَلَى] (٨) مَا إذَا كَانَ بَالِغًا، أي: عاقلاً، على ما ذكر صدر الإسلام أو أراد به حقيقة البلوغ، فإنّه إذا بلغ رشيدًا له أن يتفرّد بالسُّكنى، وله أن يكون بأيهما أراد.

стр. 2007

وذكر في «المبسوط» مسائل واقعة بعد هذا فقال: ثم الغلام إذا بلغ رشيدًا فله أن يتفرّد بالسكنى، وليس للأب أن يضمّه إلى نفسه إلا أنّ يكون مفسدًا مخوفاً عليه، فحينئذ له أن يضمّه إلى نفسه اعتباراً لنفسه بما له فإنه [٣٨٧/ أ] بعدما بلغ رشيدًا لا يبقى للأب يد في ماله، فكذلك في نفسه وإذا بلغ مبذّراً كان للأب ولاية حفظ ماله، فكذلك له أن يضمّه إلى نفسه إمّا لدفع الفتنة أو لدفع العار عن نفسه فإنّه يعيّر بفساد ولده. فأمّا الجارية إذا كانت بكراً فللأب أن يضمّها إلى نفسه بعد البلوغ؛ لأنّها لم تخبر الرجال فتكون سريعة الانخداع. وأمّا إذا كانت ثيباً فلها أن تنفرد بالسكنى؛ لأنّها [قد] (١) اختبرت الرجال وعرفت كيدهم ومكرهم، فليس للأب أن يضمّها إلى نفسه؛ لأن ولايته قد زالت بالبلوغ وإنّما بقي حق الضم في البكر؛ لأنّها عرضة للفتنة والانخداع وذلك غير موجود في الثيب، والأصل فيه قوله ﵇: «الثيب أحق بنفسها من وليها» (٢) يعني في التفرّد بالسُّكنى. ولكن هذا إذا كانت مأمونًا عليها، وقد ذكر في كتاب الطّلاق أنّ الثيب إذا كانت مخوفاً على نفسها لا يوثق بها فللأب أن يضمّها إليه لبقاء الخوف (٣). وأمّا البكر فإن لم يكن لها أب ولا جدّ وكان لها أخ أو عمّ فله أن يضمّها إليه -أيضاً-؛ لأنّه مشفق عليها، بمنزلة ولاية التزويج يثبت للأخ والعمّ بعد الأب والجدّ، فإن كان أخوها أو عمّها مفسدًا له يخل بينه وبينها؛ لأن ضمها إليه لدفع الفتنة. فإذا كان سبباً للفتنة لم يكن له حق ضمها إليه، بل يجعل هو كالمعدوم، فتكون ولاية النظر بعد ذلك للقاضي، ينظر امرأة من المسلمين ثقة [له] (٤) فيضعها عندها، فإن كانت البكر قد دخلت في السن واجتمع لها رأيها وعقلها، وأخوها وعمّها مَخُوفٌ عليها، فلها أن تنزل حيث شاءت في مكان لا يتخوف عليها؛ لأنّ الضم كان لخوف الفتنة بسبب الانخداع وفرط الشبق (٥)، وقد زال حين دخلت في السنّ، واجتمع لها عقلها ورأيها (٦)، والله أعلم.

стр. 2008

فصل (وَإِذَا أَرَادَتْ الْمُطَلَّقَةُ)، أي: بعد انقضاء العدّة إلا أن تخرج به إلى وطنها، وقد كان الزّوج تزوّجها فيه، وأصل هذا ما ذكر في «الجامع الصّغير» لقاضي خان وغيره. رجل تزوّج امرأة من أهل الشّام بالشّام، فقدم بها إلى الكوفة، فولدت منه أولادًا، ثم طلّقها ثلاثاً وانقضت عدّتها، فلها أن تخرج بأولادها إلى الشّام من غير رضى الأب، وإن كان تزوّجها بالكوفة وهي من أهل الشّام لم يكن لها أن تخرج بأولادها من الكوفة، وهذه المسألة بناء على ما تقدّم أنّ الأم أحق بالولد الصغير. قوله: وَلِهَذَا يَصِيرُ الْحَرْبِيُّ بِهِ ذِمِّيًّا، هذا اللفظ بجملته وقع غلطًا، فإنّه ذكر في سير هذا الكتاب، وسير سائر الكتب من السير الكبير، وغيره إذا تزوّج المستأمن ذميّة لا يصير ذمياً لأنّه يمكنه أن يطلّقها فيرجع. وقد وجدت بخط شيخي ﵀ ليس في النسخة التي قوبلت مع نسخة المصنف هذه الجملة، بل اتّصل قوله: وَإِنْ أَرَادَتْ الْخُرُوجَ بقوله: فهو منهم، وما ذكر ههنا في بعض النسخ وقع سهوًا وعبّر بعضهم لفظ الحربي بلفظ الحربيّة. وقال بعضهم الضّمير [في] (١) به راجع إلى التزام المقام، لا إلى التزوج ولكن الصحيح ما ألقيتهُ عليك أولاً. أَشَارَ فِي الْكِتَابِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ، أراد بالكتاب كتاب القدوري (٢). فإنّ قوله: (إلَّا أَنْ تَخْرُجَ بِهِ إلَى وَطَنِهَا)، تخصيص لوطنها بالاستثناء، فكان غيره داخلاً في الخطر، ومن ذلك الغير غير وطنها الذي وجد التزوّج فيه فكان الانتقال إليه محظوراً. وأمّا إذا كان في عكسه بأن أرادت الانتقال إلى مصر هو مصرها، لكن لم يكن أصل العقد بها لم يكن لها أن تنتقل بأولادها إليها باتفاق الروايات، كذا ذكره الإمام الكشاني ﵀ ومن جملة ذلك حقّ إمساك الأولاد؛ لأنّ الأولاد من ثمرات النكاح، فيجب مراعاة الثمرات في مكان العقد اعتباراً للثمرات بالأحكام من وجوب التّسليم والتسلّم. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا: الْوَطَنُ وَوُجُودُ النِّكَاحِ، ولكن بعد وجود هذين الوصفين وصف آخر شرط فيه -أيضاً-، وهو أن لا تريد الانتقال إلى دار الحرب، فإنّه ليس لها أن ينتقل إلى دار الحرب، وإن كان دار الحرب وطنها وقد وقع التزوّج فيها فإنّه ذكر في «شرح الطّحاوي» (٣) ﵀ ولو أرادت أن تنتقل من دار الإسلام إلى دار الحرب فليس لها ذلك، وإن كان أصل النكاح وقع هناك وهي حربية بعد أن يكون زوجها مسلمًا أو ذمياً، وإن كان كلاهما حربيين فلها ذلك.

стр. 2009

بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ تَفَاوُتٌ، أي بعد. وَفِي عَكْسِهِ، وهو أن تنتقل بالولد من المصر إلى القرية، فليس لها ذلك، وإن كانت قريبة إلا إذا وقع أصل النكاح هناك فحينئذ لها ذلك، كذا في «شرح الطّحاوي». ضَرَرٌ بِالصَّغِيرِ، أي: وإن لم يكن فيه ضرر بالأب؛ لإمكان مطالعته إيّاه بسبب قربه، والله أعلم. [٣٨٧/ ب] باب النفقة النفقة اسم بمعنى الإنفاق، وهو عبارة عن الإدرار على الشيء بما هو بقاء ذلك الشيء به، وحقيقته جعله نافعًا في حقّه، أي: هالكاً من نفقت الدابة أي هلكت. وذكر الزمخشري (١) وتركيب الكلمة على الهلاك والذهاب، فإن ما كان فاءه نونًا وعنه فاءً دال على ذلك، كنفذ ونفر، ثم اعلم بأن بقية الغير تجب على الغير بأسباب منها الزوجية، ومنها النّسب، ومنها الملك، فبدأ الباب ببيان نفقة الزوجات، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٤) معناه: أسكنوهن من حيث سكنتم، وأنفقوا عليهن من وجدكم، وبه قرأ عبد الله بن مسعود ﵁ وقال ﵇: «أوصيكم بالنساء خيراً، فإنّهن عندكم عوان، اتخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدًا، وأن لا يؤذنّ في بيوتكم لأحدٍ تكرهونه، فإذا فعلن ذلك فاضربوهنّ ضرباً غير مبرّح، وإن لهن عليكم نفقتهن وكسوتهن بالمعروف» (٥)، كذا في المبسوط (٦) والذخيرة (٧).

стр. 2010

قوله ﵀: (إذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا إلَى مَنْزِلِهِ)، قلت: هذا الشّرط ليس بلازم في ظاهر الرواية، فإنّه [ذكر] (١) في «المبسوط» -في ظاهر الرواية- بعد صحة العقد، النفقة واجبة لها، وإن لم تنتقل إلى بيت الزوج (٢). ألا ترى أنّ الزّوج لو لم يطلب انتقالها إلى بيته كان لها أن تطالبه بالنفقة. وذكر في «الذخيرة» و «الإيضاح» (٣) إذا تزوّج امرأة كبيرة، فطلبت النفقة وهي في بيت الأب بعد فلها ذلك، إذا لم يطالبها الزّوج بالنقلة؛ لأن النفقة مستحقة لها على الزّوج لما ذكرنا من الدلائل، وكلّ أحد يتمكن من المطالبة بحقه، وهذا لأن النفقة حقّ المرأة، والانتقال حق الزوج، فإذا لم يطالبها بالنقلة فقد ترك حقه، وهذا لا يوجب بطلان حقها، وقال بعض المتأخرين من أئمة بلخ: لا تستحق النفقة إذا لم تزف إلى بيت زوجها، والفتوى على جواب الكتاب، وهو وجوب النفقة وإن لم تزف، فإن كان الزّوج قد طالبها بالنقلة فإن لم تمتنع عن الانتقال إلى بيت زوجها فلها النفقة -أيضاً-. وأما إذا امتنعت عن الانتقال، إن كان الامتناع بحق، بأن امتنعت لتستوفي مهرها، فلها النفقة. وأمّا إذا كان الامتناع بغير حق، بأن كان أوفاها المهر، أو كان المهر مؤجلاً، أو وهبته منه، فلا نفقة لها وكلّ من كان محبوساً بحق مقصود لغيره كانت نفقته عليه. فإن قلت: يشكل على هذا الكلي الرهن (٤) فإنّه محبوس لحق مقصود للمرتهن، وهو الاستيثاق وأن يكون أحقّ بها من سائر الغرماء ومع هذا كانت نفقته على الراهن. قلت: في الرهن كما يحصل مقصود المرتهن يحصل مقصود الراهن -أيضاً-، وهو أن يكون موفياً دينه عند الهلاك، ويعتبر في ذلك حالهما، إلى أن قال: وعليه الفتوى هذا الذي ذكره على خلاف ظاهر الرواية، لأنّه ذكر في «المبسوط» (٥) و «الذخيرة» (٦) أنّ في ظاهر الرواية المعتبر حال الزّوج في اليسار والعُسرة، قال الله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ … قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (٨) الآية، بيّن أن التكليف بحسب الوسع وأنّ النفقة على الرجل بحسب حاله.

стр. 2011

وذكر الخصّاف (١) ﵀ أنّ المعتبر حالهما جميعًا، إلى أن قال: وإذا كانت موسرة والزوج معسراً [يستوجب] (٢) عليه فوق ما يستوجب إذا كانت معسرة، ليحصل كفايتها بذلك، وفي ظاهر الرواية تقول: لما زوّجت نفسها من معسر فقد رضيت بنفقة المعسرين، فلا تستوجب على الزّوج إلا بحسب حاله، وإن كانت معسرة والزوج موسر فنفقتها دون نفقة الموسرات، وفوق نفقة المعسرات، ذكر بيان هذا في «الذخيرة» (٣) فقال: وإذا كان الزوج موسراً مفرط اليسار، نحو أن يأكل الحلواء والحمل المشوي والباجات (٤)، والمرأة فقيرة كانت تأكل في بيتها خبز الشعير لا يؤخذ الزوج أن يطعمها ما يأكل بنفسه، ولا ما كانت تأكل المرأة في بيت أهلها. ولكن يطعمها فيما بين ذلك، ويطعمها جيّد البر وباجة أو باجتين، [٣٨٨/ أ] فهذا هو معنى اعتبار حالهما. قال مشايخنا: والمستحبّ للزوج إذا كان موسراً والمرأة فقيرة أن يأكل معها ما يأكل بنفسه؛ لأنه مأمور بحسن العشرة معها، وذلك في أن يؤاكلها لتكون نفقته ونفقتها سواء. قال في الكتاب: وكلّ جواب عرفته في فرض النفقة من اعتبار حال الزوج أو اعتبار حالهما فهو الجواب في الكسوة، إذ المعنى لا يختلف. وَمَعْنَى قَوْلِهِ بِالْمَعْرُوفِ الْوَسَطُ وَهُوَ الْوَاجِبُ، يحق على القاضي اعتبار الكفالة بالمعروف فيما فرض في كلّ وقت وأوانٍ، وكما يفرض لها قدر الكفاية من الطّعام، فكذلك من الإدام؛ لأن الخبز لا يتناول إلا مأذونًا عادة. وجاء في تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٥) أنّ أعلى ما يطعم الرجل أهله الخبز واللحم، وأوسط ما يطعم الرجل أهله الخبز والزيت. وأدنى ما يطعم الرجل أهله الخبز واللّبن، وأمّا الدهن فلأنّه لا يستغني عنه خصوصاً في ديار الحر، فهو من أصول الحوائج كالخبز، كذا في «المبسوط» (٦).

стр. 2012

وإن نشزت فلا نفقة لها، وفسّر الخصّاف الناشزة، فقال: الناشزة هي الخارجة من منزل زوجها المانعة نفسها منه (١)؛ لأنّها إذا كانت مقيمة مع الزوج في منزلها فالظّاهر أنّ الزوج يقدر على تحصيل المقصود منها، فلا يوجب ذلك بطلان نفقتها. وكذلك لو كان المنزل ملكًا للمرأة، والزّوج يسكن معها فيه، فمنعته من الدّخول عليها، لم يكن لها نفقة ما دامت على تلك الحالة؛ لأنّها لمّا منعته عن الدّخول عليها فقد حبست نفسها منه، فصارت كأنّها نشزت إلى موضع آخر، إلا أن يكون سألته أن يحوّلها إلى منزله أو يكترئ لها منزلاً آخر يصيّرها فيه، ويقول: إني أحتاج إلى منزلي ومنعته من الدّخول عليها فلها ذلك، وعليه النفقة، لأنّ منفعة الاحتباس ههنا إنّما فاتت لمعنى من جهة الزّوج، فلا يوجب بطلان النفقة، كذا في الذّخيرة (٢). وقيل لشريح ﵀: هل للناشزة نفقة؟ قال: نعم، فقيل: كم؟ فقال: جراب من تراب، معناه لا نفقة، لها كذا في «المبسوط» (٣). (وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا يَسْتَمْتِعُ بِهَا)، أي: لا تُوطأ، وقد صرّح في «الذخيرة» (٤) بأنّ المراد من الاستمتاع الوطء، وكذلك في الكتاب حتّى فرّق بين استمتاع الصّغيرة، وبين استمتاع المريضة الكبيرة على ما يجيء. وفي «الذخيرة» (٥) وإن كانت المرأة صغيرة فإن كانت مثلها توطأ وتصلح للجماع فلها النفقة، وإن كانت مثلها لا توطأ ولا تصلح للجماع فلا نفقة لها عندنا، حتّى تصير إلى الحالة التي تطيق الجماع، سواء كانت في بيت الزّوج أو في بيت الأب. فرق بين نفقة الزوج وبين نفقة المملوك، فإن نفقة المملوكة تجب على المالك، وإن كانت صغيرة لا تصلح للجماع، والفرق هو أنّ نفقة النكاح إنّما تجب بسبب الاحتباس المستحق بعقد النكاح، فإنّما تجب إذا حصل للزّوج منفعة من منافع النكاح على سبيل الخصوص، ومنافع النكاح على الخصوص هي الجماع، والدّواعي إلى الجماع، والصّغيرة التي لا تصلح للجماع ولدواعي الجماع -أيضاً- فكان فوت منفعة الاحتباس لمعنى جاء من [قِبلها] (٦). وأمّا نفقة المملوك تجب لأجل الملك فقط، وذلك لا يختلف بالصّغر والكبر.

стр. 2013

فإن قيل: يشكل على تعليل الصّغيرة مسألة الرتقاء والقرناء والمرأة التي أصابها بلاء يمنعه من الجماع، أو المرأة كبيرة على وجه لا يمكن وطؤها، فإن لهنّ النفقة مع أن امتناع الوطء جاء من قبلهنّ. قلت: أنّ المعتبر في إيجاب النفقة احتباس ينتفع الزّوج انتفاعاً مقصودًا بالنكاح، وهو الجماع أو الدّواعي إلى الجماع، والانتفاع من حيث الدّواعي في هذه المسائل حاصل بأن يجامعهنّ فيما دون الفرج. وأمّا الصغيرة التي لا تجامع، لا يجامع فيما دون الفرج أيضاً لأنّها لا تكون مشتهاة. وعلّل في الأقضية في الرتقاء، فقال: لأنّ الرتقاء قد يقدر على جماعها فيما دون الفرج. وكذلك المريضة، فكان الاحتباس لمنفعة مطلوبة من النكاح فتجب النفقة. قالوا فعلى قود هذا التعليل إذا كانت الصغيرة مشتهاة ويمكن جماعها فيما دون الفرج تجب النفقة كذا في الذّخيرة (١). وإن كان الزّوج صغيراً وهي كبيرة فلها النفقة، فذكر حكم العجز عن الطرفين منفردًا، ولم يذكر حكم العجز عن الطّرفين مجتمعًا، بأن كانا صغيرين لا يطيقان الجماع، فلو اعتبر جانب الصغير تجب، كما في الكبيرة ولو اعتبر جانب الصغيرة لا تجب كما لو كانت [٣٨٨/ ب] صغيرة والزّوج كبير. فقال في «الذخيرة» (٢): ولو كانا صغيرين لا يطيقان الجماع لا نفقة لها؛ لأنّ المنع لمعنى جاء من جهتها، فأكثر ما في الباب أن يجعل المنع من قبله كالمعدوم، فالمنع من قبلها قائم ومع قيام المنع من قبلها لا تستحق النفقة. وعن هذا قلنا: أن المجبوب إذا تزوّج امرأة صغيرة لا تصلح للجماع لا يفرض لها النفقة، والفتوى على الأوّل، وهو أنّه لا نفقة لها، والمعنى في ذلك أنّ النفقة إنما تجب عوضاً عن الاحتباس في بيت الزّوج، فإذا كان الفوات لمعنى من جهة الزّوج أمكن أن يجعل ذلك الاحتباس باقياً تقديراً، أمّا إذا كان الفوات لا لمعنًى من جهة الزّوج لا يمكن أن يجعل الاحتباس باقياً تقديراً، وبدونه لا يمكن إيجاب النفقة، وهو نظير ما قلنا في الغاصب إذا غصب المُسْتَأجَر من يد المُسْتَأْجِرْ لا يجب الأجر على المُسْتَأجِر، لهذا أنّه فات التمكّن من الانتفاع لا من جهة المستأجر كذا ههنا، وإن حُبس الزّوج وهو يقدر على الأداء أو لا يقدر أو حبس ظلمًا أو هرب كانت لها النّفقة، وكذا إذا حجّت مع محرم أي لا نفقة لها. وفي «الذخيرة» ولو حجّت المرأة حجة الإسلام، فإن كان قبل أن تسلّم نفسها فلا نفقة لها، ولو كان الزّوج بنى بها، ثم حجّت مع محرم فلها النفقة، في قول أبي يوسف ﵀.

стр. 2014

وقال محمّد ﵀ لا نفقة لها (١). ثم على قول أبي يوسف ﵀ (٢) عند فرض النفقة يفرض لها نفقة الإقامة دون السّفر، يعني يعتبر ما كانت قيمة للطّعام في الحضر، لا ما كانت قيمة له في السّفر؛ لأنّ هذه الزيادة لحقتها بإزاء منفعة تحصل لها، فلا يكون ذلك على الزّوج، كالمريضة لا تستحق المداواة على الزّوج، وإن مرضت في منزل الزّوج فلها النفقة. وكذلك لو مرضت في منزلها، إلا أنّها غير مانعة نفسها من الزّوج بغير حق تستحق النفقة، وكذلك الرتقاء والقرناء على ما ذكرنا، كذا في الذخيرة (٣). وَفِي لَفْظِ الْكِتَابِ مَا يُشِيرُ إلَيْهِ، وهو قوله: وإن مرضت في منزل الزّوج وهو عبارة عن تسليم نفسها صحيحة ثم مرضت في منزله. والمراد بهذا بيان نفقة الخادم، هذا عذره دفع التكرار، يعني لمّا ذكر وجوب نفقة المرأة على الزّوج لماذا أعاد ههنا ثانياً بقوله: وَيُفْرَضُ عَلَى الزَّوْجِ النَّفَقَةُ، أي: نفقة المرأة؟ فأجاب عنه بهذا. قوله: نَفَقَةُ خَادِمِهَا، ذكر في الذخيرة (٤): هذا إذا كان للمرأة خادم، أمّا إذا لم يكن [للمرأة] (٥) خادمًا لا تفرض نفقة الخادم على الزّوج -في ظاهر الرواية عن أصحابنا الثلاثة-؛ لأنّ استحقاقها نفقة الخادم باعتبار ملك الخادم، فإذا لم يكن لها خادم كيف تستوجب نفقة الخادم، وهو نظير القاضي إذا لم يكن له خادم لا يستحق كفاية الخادم في بيت المال كذا هذا. وفي «المبسوط» وعن زفر ﵀: أنّه يفرض لخادم واحد؛ لأن على الزّوج أن يقوم بمصالح طعامها وحوائجها، فإذا لم يفعل ذلك أعطاها نفقة خادم، ثم هي تقوم بذلك بنفسها أو تتخذ خادمًا، فأمّا في ظاهر الرواية فاستحقاقها نفقة الخادم باعتبار ملك الخادم، وإذا لم يكن لها خادم لا تستوجب نفقة الخادم، كالغازي إذا كان راجلاً لا يستحق سهم الفارس وإن أظهر غناء الفارس في القتال (٦). وذكر في «الذخيرة» (٧): ثمّ اختلف مشايخنا في الخادم، أنّ أي خادم المرأة تستحق النفقة على الزّوج منهم، من قال المملوك لها حتّى لو كانت حرّة أو لم يكن مملوكًا لها لا يستحق.

стр. 2015

ومنهم من قال كلّ من يخدمها حرّة كانت أو مملوكة لها أو لغيرها يستحق. ثم يفرض لها ما يكفيها بالمعروف، ولكن لا تبلغ نفقة خادمها نفقتها؛ لأنّ الخادم تبع للمرأة فينقص نفقة الخادم عن نفقتها، أي: في حق الإدام لا في حق الخبز، ويقال [لها] (١) استديني عليه، أي: اشترى الطّعام على أن يؤدّي الزوج ثمنه. وفي «الذخيرة»: وذكر الخصّاف ﵀ أن تفسير الاستدانة على الزّوج هو الشراء بالنسيئة، لتقضي الثمن من مال الزوج (٢). وقال الشافعي ﵀: يفرق بينه وبينها إذا طلبت المرأة ذلك (٣)، كذا في المبسوط (٤). ثمّ التفريق بعجز النفقة عند الشّافعي ﵀ إنّما هو فسخ لا طلاق، وبه صرّح في المبسوط والهادي (٥). ثم اعلم أنّ ظهور العجز عن النفقة إنّما يكون إذا كان الزّوج حاضراً. وأمّا إذا غاب الرجل عن امرأته غيبة منقطعة، ولم يخلف نفقة لهذه المرأة، فرفعت المرأة الأمر إلى [٣٨٩/ أ] القاضي، فكتب القاضي إلى عالم يرى التفريق بالعجز عن النفقة، ففرّق بينهما هل تقع الفرقة؟. قال شيخ الإسلام أبو الحسن السغدي ﵀: نعم [إن] (٦) تحقّق العجز عن النفقة (٧). قال صاحب الذخيرة (٨): ففي هذا الجواب نظر، والصّحيح أنّه لا يصحّ قضاؤه؛ لأنّ العجز [عن الإنفاق] (٩) لا يعرف حالة الغيبة، لجواز أن يكون قادراً، فيكون [ترك] (١٠) هذا الإنفاق لا العجز عن الإنفاق، فإن رفع هذا القضاء إلى قاض آخر، فأجاز قضاءه فالصّحيح أنّه لا ينفذ؛ لأنّ هذا القضاء ليس في مجتهد فيه، لما ذكرنا أن العجز لم يثبت ذكره في الفصل الثاني من فصول الإمام الاستروشني (١١) ﵀ وقاس هو بنفقة العبد والأمة، فإنّها مستحقة عليه بسبب الملك، فإذا تعذّرت عليه أجبره القاضي على إزالة الملك بالبيع فههنا كذلك. وحجتنا في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١٢)، فهذا تنصيص على أن المعسر منظر، ولو أجّلته في ذلك لم يكن لها أن تطالب بالفرقة.

стр. 2016

فكذلك إذا استحق النظرة شرعًا، إلا أنّ المستحق بالنّص التأخير، فلا يلحق به ما يكون إبطالاً؛ لأنّ ذلك فوق المنصوص. وفي حق المملوك يكون إبطالاً؛ لأنّه لا يثبت للمملوك على مولاه دين، فأمّا في حق الزّوجة فيكون تأخيراً، وبهذا يتبيّن أنّه غير عاجز عن معروف يليق بحاله، وهو الالتزام في الذمة مع أنّ التسريح (١) طلاق. وعند الشافعي ﵀ المستحق ههنا الفسخ بسبب العيب (٢)، حتى إذا فرّق بينهما لم يكن طلاقاً كذا في «المبسوط» (٣). وقوله الْمَالِ وَهُوَ تَابِعٌ فِي النِّكَاحِ لَا يَلْحَقُ بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ، للفرق بين هذا وبين ما ذكره من الجُبّ والعُنّة، أي العجز عن النفقة إنّما يكون فيما هو تابع، وهو المال، والعجز عن الوصول إلى المرأة بسبب الجُبّ والعُنّة إنّما يكون فيما هو المقصود وهو التوالد والتناسل، لما أنّ بناء النكاح لأجل هذا المقصود، فلم يلزم من استحقاق الفرقة بالعجز عن اتّصال سبب المقصود لزوم استحقاق الفرقة بالعجز عن اتصال التابع في باب النكاح، بل يثبت لفوت المقصود، ولا يثبت لفوت التّابع لظهور الفرق بينهما. أَنْ يُمَكِّنَهَا إحَالَةَ الْغَرِيمِ عَلَى الزَّوْجِ، أي وإن لم يرض الزوج. وفي «التحفة» وفائدة الأمر بالاستدانة أن لصاحب الدّين أن يأخذ دينه من الزّوج، كما له أن يأخذ من المستدينة، وما قضى به تقدير لنفقة لم يجب، لما أنّ النفقة تجب شيئاً فشيئاً فيعتبر حالة في كلّ وقت، وكما لا يستأنف القضاء بنفقة المعسر بعد اليسار، فكذلك لا يستديم ذلك القضاء، وقد كان القضاء عليه بنفقة المعسر بعذر العسرة، فإذا زال العُسر بطل ذلك، كمن شرع في صوم الكفّارة للعسرة، ثم أيسر كان عليه التكفير بالمال، كذا في «المبسوط» (٤). وطالبته بذلك فلا شيء لها، وعلى قول الشافعي ﵀ يقضي لها بما لم تستوف من النفقات الماضية (٥)، وأصل المسألة أن النفقة لا تصير دينًا إلا بقضاء القاضي، أو التراض عندنا، وعند الشافعي ﵀ يصير دينًا؛ لأنّ وجوبها بالعقد فلا يحتاج إلى القضاء أو الرضاء في صيرورتها دينًا بعد العقد كالمهر؛ لأنّ النفقة صلة.

стр. 2017

ولا يقال: لو كانت النفقة صلةً لما وجبت على المكاتب؛ لأنّا نقول: صلة من وجه، وما هذا سبيله يجب على المكاتب كالخراج (١)، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٢). ثم إنّما قلنا: أنّه صلة لأنّه لو كان عوضاً لا يصح، أمّا إن كان عوضاً عن البضع أو عن الاستمتاع والقيام عليها لجاز أن يكون عوضاً عن البضع؛ لأنّ المهر عوضه بالاتفاق فلو قلنا: بأنّ النفقة عوض عنه -أيضاً- يلزم العوضان بمقابلة معوّض واحد، ولا نظير له في الشّرع، ولجاز أن يكون عن الاستمتاع والقيام عليها؛ لأنّ ذلك تصرّف منه في ملكه. فلا يوجب عليه -أيضاً-، فلما انتفى كونه عوضاً ثبت أنّه صلة، إلى هذا أشار في «المبسوط» (٣). وذكر في «الذخيرة» (٤) أن النفقة عوض من وجه، صلة من وجه؛ لأنّ النفقة بإزاء الاحتباس. وفي الاحتباس إن كان الزوج من حيث الاستمتاع وقضاء الشّهوة منها وإصلاح أمر المعيشة، ففيه حقّ الشّرع من حيث تحصيل الولد وصيانة كلّ واحد منهما عن الزّنا فمن حيث أن الاحتباس حقّ الزّوج إن أمكن جعل النفقة عوضاً عنه فمن حيث أنّه حق الشّرع وإقامة الشرع مستحق على كلّ إنسان لا يصلح [٣٨٩/ ب] أن يكون عوضاً عنه، فكانت عوضاً من وجه صلة من وجه، فمن حيث أنّها صلة لا تصير دينًا من غير قضاء ولا رضاء، كنفقة الأقارب، ومن حيث أنّها عوض تصير دينًا إذا وجد القضاء أو التراضي، عملاً بالدّليلين بقدر الإمكان، وإن مات الزّوج بعدما قضى عليه بالنّفقة ومضى شهور سقطت النّفقة، هذا إذا فرض لها القاضي النّفقة، ولم يأمرها بالاستدانة. فأمّا إذا أمرها بالاستدانة على الزّوج فاستدانت، ثم مات أحدهما لا يبطل ذلك هكذا ذكر الحاكم الشهيد (٥) ﵀ في المختصر (٦).

стр. 2018

وذكر الخصّاف ﵀ أنّه يبطل أيضاً (١)، والصحيح ما ذكر في المختصر؛ لأن استدانتها بأمر القاضي، وللقاضي ولاية عليهما بمنزلة استدانة الزّوج بنفسه، ولو أنّ الزوج استدان بنفسه لا يسقط ذلك الدّين بموت أحدهما، كذا ههنا، وكذلك في الطّلاق يعني أنّ الدّيون المستدانة هل تسقط بالطّلاق؟ فهو على الروايتين، في رواية لا تسقط وهو الصّحيح، كذا في «الذخيرة» (٢). وَالصِّلَاتُ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ كَالْهِبَةِ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الْقَبْضِ. فإن قيل: الهبة قبل القبض غير متأكدة، والنّفقة مؤكّدة بعد القضاء، فينبغي أن لا تسقط هنا وإن سقط هناك!. قلنا: ما يكون منافياً كان منافياً للتأكّد، كالمحرمية تنافي النكاح الصّادر من الأب، والنكاح الصّادر من غير الأب مع أنّ النكاح الصّادر من الأب أقوى. أو نقول: فبعد القضاء الصّلة باق فيها غير زائل؛ لأنّ المعنى من الصلة هو أن يجب المال على رجل بمقابلة ما ليس بمال، فقلنا بالسقوط لبقاء معنى الصّلة. والدّليل على هذا ما ذكره في «الإيضاح» (٣) بقوله: لأنّها وإن صارت دينًا عليه ولكن معنى الصلة لم تبطل عنه، والصّلات تبطل بالموت قبل القبض؛ لأنّه عوض عنده، فصار كسائر الديون. وجوابه قد بيّناه وهو قوله: وَلَنَا أَنَّ الْمَهْرَ عِوَضٌ عَنْ الْمِلْكِ وَلَا يَجْتَمِعُ الْعِوَضَانِ عَنْ مُعَوَّضٍ وَاحِدٍ، فلا تكون النفقة عوضاً عن البضع. (وَإِنْ أَسْلَفَهَا) أي عجّل لها نفقة السنة، (ثُمَّ مَاتَ) أو ماتت المرأة قبل مضيّ المدة لم يرجع عليها ولا في تركتها في قولهما (٤). وقال محمّد ﵀: يرفع عنها بحصة ما مضى ويجب ردّ الباقي إن كان قائمًا، وقيمة الباقي إن كان مستهلكًا، وجه قوله: أنّها أخذت ذلك من مال الزّوج لمقصود، ولم يحصل ذلك المقصود له، فكان له أن يستردّها منها، كما لو عجّل لها نفقة ليتزوّجها، فماتت قبل أن يتزوّجها، كذا في «الذخيرة» (٥). فَصَارَ فِي حُكْمِ الْحَالِ، يعني إذا أخذت النفقة الواجبة في الحال لا يستردّ بالموت، فكذا لا يستردّ ما إذا عجّل لها نفقة الشهر دين عليه يباع فيها، إلا أن يفديه المولى فلمّا بيع ثم اجتمع عليه النفقة مرة أخرى يباع العبد ثانياً، قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: وليس في شيء من ديون العبد ما يباع فيه مرّة بعد أخرى إلا النّفقة؛ وهذا لأنّ النفقة يتجدّد وجوبها بمضيّ الزمان فذاك في حكم دين حادث (٦).

стр. 2019

ولا كذلك سائر الديون كذا في «الذخيرة» (١). فلو مات العبد سقطت، لا يؤاخذ المولى بشيء؛ لأنّ المحل الاستيفاء قد فات. وإن قتل العبد كانت النفقة في قيمته. قال الشيخ أبو الحسن القدوري ﵀ (٢): هذا ليس بصحيح، وإنّما الصحيح أن يسقط؛ لأنّ النفقة تسقط بالموت، لأنّها في معنى الصّلة، والصّلات تبطل بالموت قبل القبض، والقيمة إنما تقام مقام الرقية في رقيق لم يسقط بالموت، لا في دين يسقط بالموت. وأمّا المدبّر إذا تزوّج بإذن المولى والنفقة تتعلّق بكسبه وكذا نفقة امرأة المكاتب، وهذا الذي ذكرنا إذا تزوّج العبد أو المدبّر أو المكاتب بإذن المولى، فأمّا إذا تزوّجوا بغير إذن المولى فلا نفقة عليهم ولا مهر؛ لأنّ وجوب المهر والنفقة يعتمد صحّة العقد، ونكاح هؤلاء بغير إذن المولى لا يصحّ، كذا في «الذخيرة» (٣). (فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِعَدَمِ الِاحْتِبَاسِ، فإن قيل: المولى إنّما أزال ذلك لحق له شرعًا، فلماذا لا يجعل هذا كالحرّة إذا حبست نفسها لصداقها؟. قلنا: أنّ الحرة إذا حبست نفسها لصداقها فالتّفويت إنّما جاء من الزّوج حين امتنع من إيفاء ما لزمه. فأمّا ههنا فالتّفويت ليس من قبل الزوج. والتبوئة غير لازمة، جواب سؤال بأن يقال: لما بوّءها مرة يجب [٣٩٠/ أ] عليه أن يمضي على ذلك، وكان ينبغي أن لا يكون له نقضها بالاستخدام بعد ذلك. فأجاب عنه بهذا، والمدبّرة وأمّ الولد في هذا كالأمة، ولم يذكر المكاتبة لما أنّ المكاتبة إذا تزوّجت بإذن المولى فهي كالحرّة، فلا يحتاج إلى التبوئة لاستحقاق النفقة؛ لأن منافعها على حكم ملكها لصيرورتها أخصّ بنفسها ومنافعها بعقد الكتابة ولهذا لم يبق للمولى ولاية الاستخدام فكانت كالحرة كذا في «الذخيرة» (٤) والله أعلم. فصل وقد أوجبها الله تعالى مقرونة بالنّفقة قال الله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٥) وفي قراءة ابن مسعود ﵁: "أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وُجدكم"؛ ولأنّها محتاجة إلى السكنى لحاجتها إلى النفقة، فإن أسكنها في منزل ليس معها أحد، فشكت إلى القاضي أنّ الزّوج يضربها ويؤذيها، وسألت من القاضي أن يأمره بأن يسكنها بين قوم صالحين، فإن علم القاضي أن الأمر كما قالت المرأة زجره عن ذلك، ومنعه من التعدّي عليها، وإن ذكروا أنّه لا يؤدبها تركها في جوار من يوثق به أو كانوا يميلون إليه، أمره أن يسكنها بين قوم صالحين، ويسأل عنهم وبنى الأمر على خبرهم، كذا في نكاح «الذخيرة» (٦).

стр. 2020

(وَهُوَ الصَّحِيحُ) احتراز عن قول محمّد بن مقاتل الرازي (١)؛ فإنّه يقول: لا يمنع المحرم من الزّيارة في كلّ شهر، كذا في النفقات البرهانية؛ لأنّ لها أن تأخذ من مال الزّوج حقّها من غير رضاه. فإن قيل: يشكل على هذا ما لو أحضر صاحب الدّين غريمًا أو مودعًا للغائب، وهما معترفان بأن هذا المدّعى له على الغائب لا يأمر القاضي بقضاء دينه من الوديعة من الدّين، وإن كانا معترفين بالدّين وبمال الغائب، قلنا: لأنّ القاضي إنّما يأمر في حقّ الغائب [بما] (٢) هو نظر له وفي الأمر باتفاق المرأة نظر له بإبقاء ملكه وليس في قضاء الدّين إبقاء ملكه بل فيه قضاء عليه بقول الغير إلى هذا أشار في «المبسوط» (٣). [قوله] (٤): لاسيّما وهو مركّب من "لا" و"سيّ"، والسيّ الميل، أصله سوي قلبت واوه ياء وأدغمت، و"ما" يحتمل أن تكون زائدة، كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٥)، فعلى هذا يكون الاسم الذي يجيء بعده مجروراً، ويجوز أن تكون موصولة، فكان ما بعده مرفوعًا، على أنّ المرفوع خبر مبتدأ محذوف، وهو هو فعلى هذا رُوي قول امروء القيس: (ولاسيّما يومًا بداره جلجل)، بالجرّ والرفع ويروى بالنّصب على وجه الاستثناء، وهو حرف استثناء بمعنى ألا مع زيادة معنى، فإنّ إلا لإخراج المستثنى عن حكم ثبت لغيره، كالمجيء الثابت لغير زيد في جاءني القوم إلا زيدًا، ولاسيّما لإخراج المستثنى عن حكم ثابت لغيره، ولكن بإثبات ما هو الأفضل له، يقول: أكرمني القوم لاسيّما زيدًا، والمعنى أكرمني زيد كإكرامهم بل إكرامه أبلغ من إكرامهم، كذا في الإقليد، وههنا -أيضاً- معناه على وجه الاستثناء، أي: إقرار صاحب اليد مقبول في حق نفسه، لاسيّما إقرار صاحب اليد ههنا، فإن قبول إقراره لأجل الغائب كقبول إقرار صاحب اليد في سائر المواضع، بل ههنا أبلغ فإن الحق كما يثبت بالإقرار في سائر المواضع كذلك يثبت بالبيّنة -أيضاً-، وههنا لا يثبت بالبينة، وأحرى أن يثبت هذا الحق بالإقرار ولا يلزم إهدار إثبات الحق أصلاً. لَوْ أَنْكَرَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ، أي الزوجية والوديعة، لا يقبل بينة المرأة فيه، فإنّه ذكر في «المبسوط»: وإن أحضرت المرأة غريمًا للزّوج أو مودعًا وجحد المديون أو المودع الزّوجية بينهما، أو المال في يده، لم يقبل القاضي بينتها على شيء من ذلك (٦).

стр. 2021

أمّا على الدّين والوديعة؛ فلأنّها تثبت الملك للغائب حتّى إذا ثبت ملكه يترتّب عليه حقها فيه، وهي ليست بخصم في إثبات الملك للزّوج في أمواله، وأمّا إذا جحد الزوجية فقد كان أبو حنيفة ﵀ يقول: أولاً يقبل بينتها على ذلك؛ لأنّها تدعي حقها فيما في يده من المال بسبب، فكان خصمًا في إثبات ذلك السّبب، كمن ادّعى عينًا في يد إنسان أنه له اشتراه من فلان الغائب، ثم رجع فقال: لا يقبل بينتها على ذلك، وهو قول أبي يوسف ومحمّد -رحمهما الله-؛ لأنّها تثبت النكاح على الغائب والمودع والمديون ليس بخصم [٣٩٠/ ب] عن الغائب في إثبات النكاح عليه بالبيّنة، والاشتغال من القاضي بالنظر يكون بعد العلم بالزّوجية، فإذا لم يكن ذلك معلومًا له لا يشتغل بسماع البيّنة من غير خصم. وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمَالُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهَا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ طَعَامًا أَوْ كِسْوَةً مِنْ جِنْسِ حَقِّهَا، أي: أو كانت ثياباً من جنس كسوتها. ثم في كلّ موضع كان للقاضي أن يقضي لها بالنفقة في مال الزّوج فلها أن تأخذ من مال الزّوج ما يكفيها بالمعروف بغير قضاء لحديث هند امرأة أبي سفيان (١) (٢). أما عند أبي حنيفة ﵀ فإنه لا يباع على الحاضر (٣)، لما أن البيع عليه إنّما يكون على طريق الحجر، والحجر عند أبي حنيفة ﵀ على الحرّ العاقل البالغ لا يصحّ. ويأخذ منها كفيلاً، فقال في «الذخيرة» (٤): وإذا كان الزّوج غائباً وله مال حاضر في بيته، وطلبت من القاضي أن يفرض لها النفقة، فإن كانّ القاضي يعلم بالنكاح بينهما فرض لها النفقة في ذلك المال؛ لأنّ هذا إيفاء لحق المرأة وليس بقضاء على الزوج بالنّفقة؛ لأنّ النفقة واجبة على الزّوج بحكم الزوجيّة قبل قضاء القاضي، والقاضي عرف قيام الزوجية ههنا إنّما الحاجة إلى الإيفاء، والإيفاء لا يمتنع بسبب الغيبة، ألا ترى أن من أقرّ بدين ثم غاب وله مال حاضر من جنس الدّين فطلب صاحب الدّين من القاضي الإيفاء أجابه القاضي إلى ذلك، فهنا كذلك، ولكن ينبغي للقاضي أن ينظر للغائب وذلك في أن يحلفها أنّه لم يعطها النفقة، لجواز أن يكون أعطاها النّفقة قبل أن تغيب وهي تلبّس على القاضي لتأخذ ثانياً فإذا حلفت أعطاها النفقة وأخذ منها كفيلاً هكذا ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀ في شرحه وكذا في أدب القاضي للخصّاف أنّ القاضي إذا استوثق منها بكفيل فحسن وإن لم يأخذ كان جائزًا (٥).

стр. 2022

قال الصدر الشهيد (١) ﵀: والصّحيح ما ذكره شمس الأئمة ﵀، ولا يقضي بنفقة في مال غائب إلا لهؤلاء، وهم زوجة الغائب وولده الصغار ووالده، أمّا غيرهم من المحارم كالأخوة والأخوات والأعمام فنفقتهم إنما تجب بالقضاء؛ لأنّه مجتهد، فيه فإن عند الشافعي ﵀ لا تجب النفقة على غير الوالدين والمولودين (٢)، ذكره في «المبسوط» (٣). وفي هذه المسألة أقاويل مرجوع عنها، ولم يذكرها ومن تلك الأقاويل ما ذكرنا من قوله: إذا جحد المديون أو المودع الزّوجية بينهما أو المال في يده، فقد كان أبو حنيفة ﵀ يقول: أولاً يقبل بينتها على الزوجية، ثم رجع فقال: لا يقبل بينتها، ومنها ما إذا لم يكن للزّوج الغائب مال حاضر، فطلبت المرأة من القاضي أن يسمع بينتها على النكاح ليفرض النفقة على الغائب، ويأمرها بالاستدانة لم يجبها إلى شيء من ذلك؛ لأنّ هذا قضاء على الغائب، وهذا قول أبي حنيفة ﵀ الآخر وهو قولهما ﵀ وأمّا قول أبي حنيفة ﵀ الأوّل، وهو قول زفر ﵀ يجيبها إلى ذلك، وإن كان للغائب دين ووديعة والمُودع والمديون كل واحد منهما مقر بالوديعة والدّين والنكاح، فللقاضي أن يأمر بالإنفاق، أولاً من الوديعة؛ لأنّ القاضي نصب ناظراً، ونظر الغائب في البداية من الوديعة؛ لأنّ الوديعة تحتمل الهلاك بخلاف الدّين، هذا كلّه من «الذخيرة» (٤) والله أعلم (٥). فصل قال الشافعي ﵀: لا نفقة للمبتوتة (٦)، وهي التي طلّقها الزّوج ثلاثاً أو طلّقها بعوض حتّى وقع الطّلاق بائنًا عندهم، إلا إذا كانت حاملاً، وعلى قول ابن أبي ليلى لا نفقة للمبتوتة في العدّة أي على أي وصف كانت. قوله: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (٧)، فإن قيل: فمن أين يُعلم أن هذه الآية في حق المطلقات، قلنا عُلم ذلك بآخر الآية وهو قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٨) والنفقة في غير المطلّقات غَيْرُ مُغَيَّاةٍ (٩) بوضع الحمل.

стр. 2023

وَصَارَ كَمَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا، فإن قيل لو وجبت النفقة في الحامل لم يبق لتخصيص الحامل في النصّ فائدة، حيث قال: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. قلنا: لذكر الشرط والتخصيص فائدة سوى النفي، وهي أنّه إنّما خصّ الحامل بالذكر؛ لأنّ الحامل إنّما تستحقّ النّفقة بقدر ثلاثة أقراء، فيقع [٣٩١/ أ] الإشكال أن الحامل تستحق بذلك القدر أو الزيادة إلى تمام مدّة الحمل وإن طالت، فأزال الأشكال وقال: لها النفقة في جميع مدّة الحمل ﴿حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» ﵀. فإنّه قال: لا ندع كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا بقول امرأة، وفي التأويلات المراد بقوله: كتاب ربّنا قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (١) إلى قوله: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (٢) ولو لم يكن في التلاوة ذكر الإنفاق لكنّا نفهم أنّه هكذا؛ لأنّه ذكر من وجدكم، والوجد هو السعة والغنى. وذلك يرجع إلى ما يملك به أمّا الإسكان فإنّه قد يملك إسكانها في غير ملكه، حيث يسكن هو، ولا يملك الإنفاق عليها من غير ملك، وهذا كما في قراءة عبد الله بن مسعود ﵁ في كفّارة اليمين: ﴿ثلاثة أيّام متتابعات﴾ لو لم تكن التّلاوة لفهم التّتابع؛ لأنّ الصّيام هنا يدل عن العتاق وكلّ صوم هذا شأنه فهو متابع كما في كفّارة القتل والظهار. وذكر في «الإيضاح» قال عمر ﵁: لا ندع كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لها النفقة والسكنى» (٣)، وذكر فخر الإسلام في أصول الفقه، وقال عيسى بن أبان (٤): أراد بالكتاب والسنّة القياس وردّها -أيضاً- أسامة ابن زيد (٥)، وهو زوج فاطمة التي روت بأنّه لا نفقة ولا سكنى، فإن أسامة ﵁ كان إذا سمع هذا الحديث رماها بكلّ شيء في يده (٦)، وعن عائشة ﵂ قالت: «تلك امرأة فتنت العالم» أي: بروايتها هذا الحديث ذكره في «المبسوط» (٧).

стр. 2024

قوله: (وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ بِمَعْصِيَةٍ مِثْلَ الرِّدَّةِ وَتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا)، قيد بقوله من قبل المرأة احترازاً عن فرقة صادرة من قبل الرجل، فإن تلك الفرقة توجب النفقة، إذا كانت بعد الدّخول، سواء كانت بمباح كالطّلاق أو بمعصية كتقبيله ابنتها بشهوة، وقيّد بقوله: بمعصية، احترازاً عمّا إذا صدرت من قبل المرأة، وهي ليست بمعصية نحو ما إذا اختارت نفسها بالعتاق أو بعدم الكفاءة، وهي مدخول بها، فلها النفقة، وقيّد بقوله: فلا نفقة لها، من غير تعرّض للسّكنى، فإنّ السكنى واجبة لها بأيّ فرقة كانت؛ لأنّ القرار في البيت مستحقّ عليها فلا يسقط ذلك بمعصيتها، فأمّا النّفقة فواجبة لها، فسقط ذلك بمجيء الفرقة من قبلها بمعصية، إلى هذا أشار في «المبسوط» (١). وذكر في النفقات البرهانية وإن جامعها ابن الزوج مكرهة تقع الفرقة ولا تسقط النفقة (٢). وذكر في «مبسوط شيخ الإسلام» ﵀: وإنّما تسقط نفقة المرتدة إذا أخرجت للحبس من بيت العدّة وأمّا إذا اعتدت ولم تخرج من بيت الزّوج للحبس تحت النّفقة وكذا ذكر في «المبسوط»، وقال: أمّا إذا ارتدت في العدّة سقطت نفقتها لا لعين الردّة ولكن لأنّها تحبس فلا يكون في بيت زوجها والمحبوسة بحق عليها لا يستوجب النّفقة في حال قيام النكاح فكذلك لا تستوجب النفقة في العدّة (٣). وإن طلّقها ثلاثاً ثم ارتدت [والعياذ بالله] (٤) سقطت نفقتها وإذا تابت عن ردتها وأسلمت تعود النّفقة. فإن قلت: يشكل على هذا مسألتان أحديهما أن المنكوحة إذا ارتدّت -[والعياذ بالله] (٥) - حتّى وقعت الفرقة وسقطت النّفقة، ثم أسلمت لا تعود النّفقة، والثانية أن المعتدة إذا ارتدّت -[والعياذ بالله] (٦) - ولحقت بدار الحرب، ثم رجعت وأسلمت بعد ذلك، أو سبيت فأعتقت فلا نفقة لها. قلت: أمّا المنكوحة لما ارتدّت وقعت الفرقة لمعنى مضاف إليها، وهو معصية فسقطت النّفقة أصلاً؛ لما ذكر في أصل المسألة فلا يعود بعد ذلك. وأمّا المعتدّة لما ارتدّت فلم تسقط النّفقة بمجرّد الارتداد على ما ذكرت من [رواية] (٧) المبسوطين (٨)، أن نفقة المرتدة إنّما تسقط للحبس لا لنفس الارتداد، وإذا طلّقها وهي غير مرتدّة فسبب وجوب العدّة قد تقرّر لكن [يمتنع] (٩) الوجوب في بعض المدة بعارض، وقد زال ذلك، فيزول المنع كما في النشوز، التي ارتدت ولحقت بدار الحرب فإنّما لا تعود النّفقة؛ لأنّها لما ارتدّت، ولحقت بدار الحرب مرتدة فقد سقطت العدّة حكمًا؛ لانقطاع [٣٩١/ ب] العصمة [بيننا] (١٠) بتباين الدارين، فكان بمنزلة ما لو سقطت العدّة بمضي العدّة، فلا تعود بعد السقوط، وإن جاءت مسلمة لتأكد السقوط، وهذا الذي ذكرنا كلّه في الطّلاق البائن والطلقات الثلاثة، وأمّا المعتدة بالطّلاق الرجعي إذا وطئها ابن الزّوج أو قبّلها بشهوة وهي مطاوعة، أو ارتدت فحبست أو لم تحبس فلا نفقة لها؛ لأنّ في الطلاق الرجعي ما وقعت الفرقة بالطّلاق، فكان وقوع الفرقة بسبب وُجد منها، وهو معصية فيوجب ذلك سقوط النفقة.

стр. 2025

بخلاف الطّلاق البائن، والمعتدة إذا خرجت من بيت العدّة تسقط نفقتها، وهذا عندنا ما دامت على النشوز، فإذا عادت إلى بيت الزّوج كانت لها النفقة والسكنى، كما في حال قيام النكاح، كذا في الذّخيرة (١). وذكر في «شرح الطّحاوي» (٢)، ثم الأصل بعد هذا أن كلّ امرأة كانت لها النفقة يوم طلقت، ثم صارت إلى حال لا نفقة لها، فلها أن تعود بأخذ النفقة، وكلّ امرأة لا نفقة لها يوم طلقت فليس لها نفقة أبدًا. بيانه أن الرجل إذا طلّق امرأته وهي أمة طلاق بائنًا وقد كان المولى بوّءها بيتًا مع الزّوج، ثم أخرجها المولى لخدمته سقطت النفقة، ولو أراد المولى أن يعيدها إلى الزّوج، ويأخذ منه النفقة كان له ذلك، ولو لم يكن في تبوئة الزوج يوم طلّق الزوجة، فأراد المولى أن يبوّءها مع الزّوج في العدّة لتجب النفقة، فإنّ النفقة لا تجب. وكذلك إذا ارتدت المرأة ووقعت الفرقة بالردّة فلا نفقة لها. ثم إذا أسلمت فلا تعود النّفقة، وبمثله لو طلّقها وهي مسلمة فارتدّت في العدّة، ثم أسلمت فإنّ النفقة تعود إلا إذا لحقت بدار الحرب -على ما ذكرنا-، ولو قبّلت ابن زوجها في العدّة فإنّ النفقة لا تسقط وكذلك السُّكنى. بخلاف ما لو ارتدت في العدّة. ولو أن المرأة إذا كانت ناشزة وقت الطّلاق فإن لها أن تعود إلى دار الزوج، وتأخذ النفقة، وهذا يشكل على هذا الأصل الذي ذكرنا؛ لأنّ هذه المرأة لم يكن لها يوم طلقت، ثم تعود النفقة إلا أنّ العذر فيه أن يقال: أنّ النفقة كانت واجبة لها إلا أنّها منعت نفسها عن حق واجب، فلها أن تعود وتأخذ النفقة، ولو أنّ المرأة تطاولت بها العدّة فلها النفقة والسكنى إلى أن يدخل حدّ الإياس (٣) والله أعلم بالصّواب. فصل (وَنَفَقَةُ الْأَوْلَادِ الصِّغَارِ عَلَى الْأَبِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ)، أي: لا يشارك الأب أحد في حق وجوب النفقة للأولاد الصغار، أي: لا تجب نفقة الأولاد الصغار على الأب وعلى الآخر معه، بل على الأب خاصة، وهذا بخلاف نفقة سائر ذوي الأرحام، فإن نفقتهم على ورّاثهم مشتركين بحسب ميراثهم -على ما يجيء-، وهذا الذي ذكره وهو عدم مشاركة أحد للأب في حق نفقة الأولاد الصغار وجواب ظاهر الرواية.

стр. 2026

وقد روي عن أبي حنيفة أنّ النفقة على الأب والأم أثلاثاً بحسب ميراثهما من الولد، فأمّا ظاهر الرواية فكما لا يشارك الأب في مؤنة الرضاع أحد، فكذلك في النّفقة، وأمّا إذا مات الأب والولد الصغير أم وجد أب الأب فنفقته عليهما، على قدر ميراثهما أثلاثاً، بخلاف الأب في ظاهر الرواية كذا في «المبسوط» (١). ولأنّ اللام في قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ (٢) للاختصاص، فصار الولد كالعبد ونفقة العبد تجب على المولى، لا يشاركه غير المولى فكذا هنا. وذكر في النفقات البرهانية: إنّما تستحق النّفقة على الوالد لا غير لكون الولد منه، وغيره لا يشاركه في هذا المعنى، فلا يشاركه في النفقة عليه غيره: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ (٣)، فوجه التمسّك بهذه الآية في وجوب نفقة الأولاد على الأب، هو أنّ الله تعالى أوجب نفقة المرضعات على المولود له، وهو الأب في هذه الآية، فوجوب نفقتهن عليه بسبب إرضاع الولد، لما أنّ الحكم المرتّب على اللفظ المشتق دليل على أن مأخذ الاشتقاق علة لذلك الحكم، كما في الزّاني والسّارق، فلمّا وجبت نفقتهن عليه بسبب إرضاع الولد، كان إيجاب نفقة الولد عليه أولى، ولكن الوجه الأظهر في وجوب نفقة الولد على الوالد ما تمسّك به في «المبسوط»، فقال: ويجبر الرجل على نفقة أولاده الصّغار، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٤) والنفقة بعد الفطام بمنزلة [مؤنة] (٥) الرضاع قبل ذلك؛ إذ هما لا يتفاوتان من حيث النفقة، فقد أوجب الله تعالى مؤنة الرضاع في هذه الآية على الأب، فمؤنة الرضاع قبل الفطام مثل مؤنة النّفقة بعد الفطام، ولأنّ الولد جزء من الأب فيكون نفقته عليه كنفقته على نفسه (٦). ونفقة الصغير واجبة على أبيه، وإن كان خالفه في دينه بأن أسلم الابن بنفسه والأب كافراً، وعلى العكس لما أنّ إسلام الصبي العاقل وارتداده صحيح فلإطلاق ما تلونا، وهو قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ (٧). أَمَّا إذَا كَانَ فَالْأَصْلُ أَنَّ نَفَقَةَ الْإِنْسَانِ فِي مَالِ نَفْسِهِ، فرق بين هذا وبين نفقة الزّوجات، فإن المرأة وإن كانت موسرة فنفقتها على الزّوج، بخلاف الصبي إذا كان له مال فنفقته في ماله لا على الأب.

стр. 2027

والفرق هو أنّ نفقة الزوجات إنما تجب بإزاء التمكن من الاستمتاع، فكان على طريق المعادلة، والبدل يجب وإن كان من يستحقه غنيًّا، فأمّا نفقة الولد فلا تجب بإزاء التمكّن من الاستمتاع، وإنّما تجب لأجل الحاجة، فلا تجب بدون الحاجة كنفقة المحارم. ثم قوله في الكتاب: إذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ مَالٌ، عام لأنّه نكرة في موضع النفي فيتناول جميع الأموال من جنس النفقة أو من غير جنسها أو دوراً وعقاراً أو غير ذلك. بخلاف ما ذكرنا في نفقة الزّوجة في مال الغائب، فلذلك قال في «الذخيرة» (١): فإن كان للصّغير عقار أو ثياب واحتيج إلى ذلك للنّفقة كان للأب أن يبيع ذلك كلّه، وينفق عليه؛ لأنه غني بهذه الأشياء، ونفقة الصبي تكون في ماله إذا كان غنيًّا، ثم الوالد إذا لم يكن له مال فأبى أن يكتسب وينفق على أولاده، يجبر على ذلك، ويحبس بخلاف سائر الدّيون، فإن الوالد وإن علا لا يحبس بديون الأولاد، وفي هذا الدّين يحبس. والفرق وهو أن الامتناع عن الإنفاق ههنا إتلاف النفس، والأب يستوجب العقوبة عند قصده إتلاف الولد، كما لو عدا على ابنه بالسّيف كان للابن أن يقتله. بخلاف سائر الديون فإن كان الأب عاجزًا عن الكسب لما به من الزّمانة، أو كان مقعدًا يتكفف النّاس وينفق عليهم، هكذا ذكر في نفقات الخصّاف ﵀، ومن المتأخرين (٢) من قال: تكون نفقة الأولاد في هذه الصّورة في بيت المال؛ لأنّه إذا كان بهذه الصفة تكون نفقته في بيت المال، فكذا نفقة أولاده، وقال: الصّحيح الذي به قوة العمل إلا أنّه لا يحسن العمل، فنفقته على الاب؛ لأنّه إذا كان لا يحسن العمل فالنّاس لا يأمرونه العمل، فصار هو كالعاجز عن الكسب. قال شمس الأئمة الحلواني ﵀ (٣): الرجل الصحيح قد لا يقدر على الكسب لحرفة، أو لكونه من أهل البيوتات فيكون عاجزاً عن الكسب. فإذا كان هكذا كانت نفقته على الأب، وهكذا قالوا في طالب العلم إذا كان لا يهتدي إلى الكسب، لا تسقط نفقته عن الأب بمنزلة الزمن والأنثى، هذا كلّه من «الذّخيرة» (٤). فصل وعلى الرجل أن ينفق على أبويه وأجداده وفي «المبسوط»: ويجبر الرجل الموسر على نفقة أبيه وأمّه، إذا كانا محتاجين؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٥) نهى عن التأفيف لمعنى الأذى، ومعنى الأذى في منع النّفقة عند حاجتهما أكثر، ولهذا يلزمه نفقتهما وإن كانا قادرين على الكسب؛ لأن معنى الأذى في الكدّ والتّعب أكثر منه في التأفيف قال ﵇: «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده لمن كسبه فكلوا من كسب أولادكم» (٦) (٧).

стр. 2028

وَشُرِطَ الْفَقْرُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَا مَالٍ، فَإِيجَابُ نَفَقَتِهِ فِي مَالِهِ، وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في شرح أدب القاضي للخصاف أن الأب إذا كان كسوباً [والابن أيضاً كسوباً] (١) يجبر الابن على الكسب والنّفقة على الأب. وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ (٢) في شرح أدب القاضي للخصّاف: أنّه لا يجبر الابن على نفقة الأب إذا كان الأب قادرًا على الكسب، واعتبره بذي الرحم المحرم، فإنّه لا يستحق النفقة في كسب قريبه ولا على قريبه الموسر إذا كان هو كسوباً؛ وهذا لأنّ استحقاق النفقة على الأقارب عند الفقر والحاجة، فإذا كان قادراً على الكسب [كان غنياً باعتبار الكسب] (٣)، فلا ضرورة إلى إيجاب النفقة على الغير، ثم على ما ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀ يحتاج إلى الفرق بين [٣٩٢/ ب] نفقة الولد وبين نفقة الوالد، فإنّ الولد إذا كان بالغًا وهو قادر على الكسب لا يجب على الأب نفقته، والفرق [هو] (٤) أن استحقاق نفقة الأقارب باعتبار الحاجة، وللأب زيادة فضيلة على الولد في الاستحقاق باعتبار الحاجة، أيّ حاجة كانت ضروريّة أو غير ضروريّة، ألا ترى أنّ الاب يستحق استيلاد جارية الولد، والولد لا يستحق استيلاد جارية الأب، ثم لو شرط ههنا عجز الأب عن الكسب لاستحقاق النّفقة على الابن، كما شرط في حق الأب لوقعت المساواة بينهما في الاستحقاق بسبب الحاجة، وهذا ممّا لا سبيل إليه. فالحاصل أن في نفقة الوالدين يعتبر الفقر لا غير، على ما هو ظاهر الرواية إلا على قول شمس الأئمة الحلواني ﵀ كذا في «الذخيرة» (٥). لِأَنَّ النَّفَقَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْإِرْثِ بِالنَّصِّ، وهو قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (٦) والإرث لا يجري بين المسلم والكافر، فلا تجب نفقة الكافر؛ لأنّ النفقة بناء على الإرث. وأمّا العتق فمبني على القرابة المحرّمة للقطع، وهي ذو الرحم المحرّم بالحديث، وهو قوله: «من ملك ذا رحم محرم يعتق عليه» (٧). والمعنى هو أنّ القطيعة في ملك اليمين أعلى، أي: أقطع للرحم فكان لإزالته طريقان عند الملك اتحاد الملة، وعدم اتحاد الملّة لإزالة قطع الرحم الأدنى طريق واحد وهو القرابة مع اتحاد الملة، إظهاراً لانحطاط رتبته عن الأعلى.

стр. 2029

(وَلَا يُشَارِكُ الْوَلَدَ فِي نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ أَحَدٌ)، أي: أحد من الأخوة والأخوات والأعمام وغيرهم. وأمّا الأولاد فإنّهم يشتركون في إنفاق والديهم. وَهِيَ، أي النفقة. عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِالسَّوِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، احتراز عن رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀ (١)، أنّ النفقة بين الذكور والإناث أثلاثاً للذكر مثل حظ الأنثيين، على قياس الميراث وعلى قياس نفقة ذوي الأرحام، وجه الرواية الأخرى أن استحقاق الأبوين باعتبار التأويل وحق الملك لهما في مال الولد، كما قال ﵇: «أنت ومالك لأبيك» (٢)، وفي هذا الذكور والإناث سواء، ولهذا يثبت لهما هذا الاستحقاق مع اختلاف الملة، وإن انعدم التوارث بسبب اختلاف الملة. فإن كان الولد معسراً وهما معسران -أيضاً- فليس عليه نفقتهما؛ لأنهما لما استويا في الحال لم يكن أحدهما بإيجاب نفقته على صاحبه بأولى من الآخر، إلا أنّه روي عن أبي يوسف ﵀ قال: إذا كان الأب زمِنًا وكسب الابن لا يفضل عن نفقته، فعليه أن يضم الأب إلى نفسه؛ لأنّه لو لم يفعل ضاع الأب، ولو فعل لا يخشى الهلاك على الولد، فالإنسان لا يهلك على نصف بطنه، كذا في «المبسوط» (٣). (وَالنَّفَقَةُ لِكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ) أي واجبة، وفي «المبسوط» ويجبر على نفقة كل ذي رحم محرّم منه الصغار والنساء وأهل الزمانة من الرجال إذا كانوا ذوي حاجة عندنا. وقال الشافعي ﵀: لا تجب النفقة على غير الوالدين والمولودين، وقال ابن أبي ليلى: تجب النفقة على كل وارث محرمًا كان أو غير محرم، واستدلّ بظاهر قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (٤). ولكنّ بيّنا أن في قراءة ابن مسعود ﵁: ﴿وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك﴾ والشّافعي يبني على أصله، فإن عنده استحقاق الصّلة باعتبار الولادة، دون القرابة حتّى لا يعتق أحد على أحد أنّ الوالدان والمولودين عنده، وجعل قرابة الأخوة في ذلك كقرابة بني الأعمام، فكذلك في حق استحقاق النفقة، وفيما بين الآباء والأولاد الاستحقاق بعلّة الحرية، دون القرابة وحمل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (٥) على نفي المضارّة دون النّفقة وكذلك مرويّ عن ابن عباس ﵄، ولكنّا نستدل بقول عمر وزيد (٦) ﵄، فإنّهما قالا: وعلى الوارث مثل ذلك من النفقة، ثم نفي المضارّة لا يختص به الوارث، بل يجب ذلك على غير الوارث، كما يجب على الوارث على أنّ الكناية في قوله تعالى: ذلك يكون عن الأبعد، وإذا أريد به الأقرب يقال: هذا فلمّا قال ذلك عرفنا أنّه ينصرف إلى قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٧)، والمعنى فيه أن القرابة القريبة يُفترض وصلها ويحرم قطعها، قال ﵇: «ثلاث معلّقات بالعرش النعمة والأمانة والرحم، تقول النعمة: كفرت ولم أشكر، وتقول الأمانة: خونت ولم أود، وتقول الرحم: قطعت ولم أوصل» (٨)، وقد جعل الله قطيعة الرحم من الملاعن بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ (٩) ومنع النفقة مع يسار المنفق، وصدق حاجة المنفق عليه يؤدي إلى قطيعة الرحم، ولهذا اختصّ به ذو الرّحم المحرم؛ لأنّ القرابة إذا بعدت لا يفرض وصلها ولهذا لا تثبت المحرمية بها (١٠).

стр. 2030

ويجب ذلك على قدر الميراث؛ لأنّ الله تعالى أوجب النفقة باسم الوارث، فيجب التقدير به. ولهذا قلنا: أنّ الرجل إذا أوصى لورثة بني فلان وله بنون وبنات كانت الوصية لهم على قدر الميراث. ولو أوصى لولد فلان كان الذكر والأنثى فيه على السّواء، فعلى هذا تخرّج جنس هذه المسائل كذا في «الذخيرة» (١). ثم معنى قوله: (َيَجِبُ ذَلِكَ عَلَى قدر الْمِيرَاثِ) هو أنّه إذا ثبت الميراث فيما بين ذوي الرحم المحرّم ولم يتجاوز الميراث منهم إلى غير ذي الرحم المحرم، كانت النفقة على قدر الميراث كما ذكر. وأمّا إذا تجاوز الميراث عنهم إلى غيرهم، كان وجوب النفقة على ذي الرّحم المحرّم، الذي لم يرث على غير ذي الرحم المحرم الذي هو وارث. بيان ذلك فيما ذكره من «المبسوط»، فقال: وإن كان للولد خال موسر وابن عمّ [موسر] (٢) فالنّفقة على الخال دون ابن العم، [وإن كان الميراث لابن العمّ] (٣)؛ لأنّ النّفقة على ذي الرحم المحرم، وابن العم ليس بمحرم فلا نفقة عليه، والخال محرم فيكون النّفقة عليه إذا كان موسراً (٤). قلت: ومن هذا يُعلم أنّ صفة ذي الرّحم المحرّم أعرق وأرسخ في وجوب النفقة من صفة الوراثة الثابتتين في قوله: (وعلى الوارث ذي الرّحم المحرم) في قراءة ابن مسعود ﵁. فإن قيل: هذه النفقة مبنيّة على الميراث بالنصّ، فعلى هذا كان ينبغي أن يجب النفقة على ابن العم لوجود الإرث، ولا يجب على الخال لعدم الإرث. قلنا: نفقة ذوي الأرحام واجبة لتحقيق الصّلة، وتحقيق صلة قرابة ابن العم ليس بواجب بدليل جواز المناكحة في حقّه، بخلاف الخال فإنّ صلته واجبة والنّفقة منها، فيجب عليه. وأمّا بيان ترتيب وجوب قدر النّفقة على قدر الميراث في ذوي الرّحم المحرّم في جميع الروايات ما ذكره في «المبسوط»، فقال: وإذا كان الرجل زمنًا معسراً، وله ابن معسر صغير، أو كبير زمن، وللرجل ثلاثة أخوة متفرّقون أهل يسار، فنفقة الرجل تكون على أخيه لأب وأمّ، وعلى أخيه لأمّ أسداساً -بحسب ميراثهما-، فأمّا نفقة الأولاد فعلى الأخ من الأب والأمّ خاصّة؛ لأنّ ميراث الولد عند عدم الأب له خاصة، فإنّه عمّ لأب وأمّ، فلا يرث معه العمّ لأب ولا العمّ لأمّ. والحاصل أن من يكون محتاجاً يجعل في حكم المعدوم، فتكون النّفقة بعده على من يكون وارثاً بحسب الميراث، فإذا كان الولد ابنةً كانت نفقة الأب والابنة على الأخ من الأب والأم خاصة، أمّا نفقة الابنة فلمّا بينا، وأمّا نفقة الأب؛ فلأنّ الوارث ههنا الأخ لأب وأم خاصة؛ لأن الأخ لأب وأم يرث مع الابنة، والأخ لأمّ لا يرث مع البنت، فلا حاجة إلى أن تجعل البنت كالمعدومة، ولكن يعتبر صفة الوراثة مع بقائها، بخلاف الابن فإنّه لا يرث معه أحد من الأخوة، فلابدّ من أن تجعل كالمعدوم، وإذا جعل كذلك فميراث الابن يكون بين الأخ لأب وأمّ والأخ لأمّ أسداساً فالنّفقة عليهما بحسب ذلك (٥).

стр. 2031

وذكر في «الذخيرة» (١): فالحاصل أنّ هذه النفقة لا تجب إلا على ذي رحم محرّم، وهو أهل للإرث سواء كان وارثاً في هذه الحالة أو لم يكن، وعند الاستواء في المحرميّة وأهليّة الإرث، يترجّح من كان وارثاً حقيقة في هذه الحالة، حتّى أنّه إذا كان له عم وخال فالنّفقة على العم، لأنّهما استويا في المحرميّة، ويرجح العمّ في هذه الحالة على الخال بكونه وارثاً حقيقة، وكذلك إذا كان له عمّ [وعمة] (٢) وخالة، فالنّفقة على العم الموسر لا غير لما بيّنا، ولو كان العم معسراً فالنّفقة على العمّة والخالة أثلاثاً على قدر ميراثهما، ويجعل العمّ كالميّت. وَوَجْهُ الْفَرْقِ، أي: بين نفقة الولد الصّغير وبين نفقة الولد الكبير أكبر من حيث تجب نفقة الولد الصّغير بجملتها على الأب لا يشاركه فيها أحد. وأمّا نفقة الولد الكبير [الزَمِنْ] (٣) فثلثاها على الأب لا كلّها، والثلث على الأم كما في الإرث، وهو أن الأب لمّا [٣٩٣/ ب] كانت ولايته كاملة على الصّغير صار الصّغير بمنزلة نفسه، وغير الأب لا يشارك الأب في النّفقة على نفسه، فكذا في النّفقة على الصّغير، فأمّا البالغ فليس للأب عليه ولاية ليصير في معنى نفسه، فاعتبر بسائر المحارم، فيكون نفقته باعتبار ميراثه، وميراثه يكون بينهما أثلاثاً. فكذا النّفقة أخماساً على قدر الميراث، ثلاثة الأخماس لأخت لأب وأمّ، والخمس لأخت لأم، والخمس لأخت لأب. فكذا النّفقة على هذا التّفصيل، غير أنّ المعتبر أهليّة الإرث قيّد به؛ لأنّه لو لم يكن أهلاً للإرث بأن كان مخالفاً لدينه لا تجب النّفقة، إلا إحرازه قيّد به؛ لأنّه لا يعتبر الإحراز في هذا الباب، كما في الخال مع ابن العمّ على ما ذكرنا، فإنّ الخال لا يحرز الميراث مع وجود ابن العم، ومع ذلك كانت النّفقة على الخال. وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ، أي اعتبار الإرث. وذكر في «مبسوط شيخ الإسلام» (٤): وإنّما قلنا: أن سبب استحقاق النفقة المحرمية، وقيام سبب الإرث بينهما، لا جريان الميراث بينهما حالة النّفقة؛ لأنّه لا يتصوّر جريان الميراث حالة القضاء بالنّفقة؛ لأنّ القضاء بالنّفقة حال حياة القريب والتّوارث لا يجري حالة الحياة، وقد وجد في المحرميّة قيام سبب الإرث.

стр. 2032

ألا ترى أنّ ابن العم لو مات قبل الخال كان الميراث للخال، فسبب الإرث قائم والأهليّة باقية؛ لأنّهما مسلمان، ولكن جريان الإرث عدم، وهو ليس بشرط، والفتوى على الأوّل، وهو أن اليسار مقدّر بالنّصاب، نصاب حرمان الصّدقة، وهو أن يملك ما فضل عن حاجته ما يبلغ مائتي درهم فصاعدًا، وهو الصّحيح؛ وهذا لأنّه لم يشترط لوجوب صدقة الفطر غنى موجب للزكاة، وإنّما يشترط غنى محرّم للصدقة، فكذا في حق إيجاب النّفقة؛ لأنّ النفقة أشبه بصدقة الفطر منه بالزّكاة؛ لأن في صدقة الفطر معنى المؤنة، ومعنى الصّدقة، فإذا لم يشترط لصدقة الفطر غنى موجب للزكاة، وهي صدقة من وجه ومؤنة من وجه، فلأن لا يشترط لوجوب النفقة غنًى موجب للزكاة وأنّها مؤنة من كلّ وجه كان أولى، كذا في «الذخيرة» (١). (قُضِيَ فِيهِ بِنَفَقَةِ أَبَوَيْهِ) وَقَدْ بَيَّنَّا الْوَجْهَ فِيهِ، وهو قوله: (وَلَا يَقْضِي بِنَفَقَةٍ فِي مَالِ غَائِبٍ إلَّا لِهَؤُلَاءِ)، إلى قوله: (وَلِهَذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا فَكَانَ قَضَاءُ الْقَاضِي إعَانَةً لَهُمْ). (وَإِنْ بَاعَ الْعَقَارَ لَمْ يَجُزْ)، ولا يجوز للأب بيع عقار الولد، عند أبي حنيفة ﵀ إلا إذا كان الولد صغيراً. وَفِي قَوْلِهِمَا لَا يَجُوزُ، أي في العروض والعقار جميعًا. وَهُوَ الْقِيَاسُ، فوجه القياس في ذلك هو أن ولاية الأب تنقطع ببلوغ الصبي رشيدًا، إلا فيما يتبعه تحصينًا لولده الغائب، فإنّ الابن إذا بلغ وهو غائب فللأب ووصيّ الأب بيع عروضه تحصينًا على الغائب، [وههنا] (٢) هو لا يبيع تحصينًا على الغائب، وإنّما يبيع لنفسه وليست له هذه الولاية. ألا ترى أنّ استحقاق الأمّ النّفقة كاستحقاق الأب، ثم الأم لا تبيع عروض الولد في نفقتها، فكذلك للأب ولكن استحسن أبو حنيفة (٣) ﵀ فقال: ولاية الأب وإن زالت بالبلوغ، ولكن نفى أثرها ولهذا صحّ منه الاستيلاد في جارية الابن، فلبقاء أثر ولايته كان له أن يبيع العروض؛ لأنّ بيع العروض من الحفظ، فإنّ العين يُخشى عليها الهلاك، وحفظ الثمن أيسر، وولاية الحفظ تثبت لمن يثبت له ولاية التصرف، كالوصي في حق الوارث الكبير له ولاية الحفظ وبيع العروض. فكذلك للأب ذلك، وبعد البيع الثمن من جنس حقّه، فله أن يأخذ منه مقدار النفقة، فأمّا بيع العقار فليس من الحفظ؛ لأنّه محصن بنفسه، فلا يملك ذلك إلا بمطلق الولاية وهو عند صغر الولد أو جنونه، وإذا باع عند ذلك [أخذ] (٤) من الثمن نفقته؛ لأنّه من جنس حقّه.

стр. 2033

بخلاف الأم وسائر الأقارب، فإنّه لم يكن لهم ولاية حفظ المال فلهذا لم يجز منهم بيع العروض، كذا في «المبسوط» (١) و «الذخيرة» (٢). ثم ذكر في «الذخيرة» (٣) فقال: ثم ذكر ههنا أن الأب يملك بيع منقول ابنه الكبير الغائب والأمّ لا تملك، وذكر في الأقضية جواز بيع الأبوين، وهكذا ذكر القدوري في شرحه، فإنّه أضاف البيع إليهما. فأمّا أن يكون في المسألة روايتان، وفي رواية الأقضية والقدوري (٤) تملك الأمّ البيع كالأب؛ لأنّ معنى الولادة يجمعها، وهما في استحقاق النفقة على السّواء، وأين كانت المسألة على الاتفاق بأنّ الأمّ لا تملك، فتأويل ما ذكر في الأقضية والقدوري أنّ الأب هو الذي يبيع، لكن لمنفعتها فأضاف البيع إليهما من حيث أن منفعة البيع بعده إليهما، وهو الظّاهر بأن الأم لا تملك، ولكن بعدما باع الأب فالثمن يصرف إليهما في نفقتهما. قوله ﵀: (إلَّا أَنْ يَأْذَنَ الْقَاضِي في الِاسْتِدَانَةِ) استثناء من قوله: (فَمَضَتْ مُدَّةٌ سَقَطَتْ)، أي: في إذن القاضي بالاستدانة، أي لا يسقط نفقة من دين الاستدانة وإن كانت الاستدانة في نفقة ذوي الأرحام، قلت: كما ذكر الفرق هنا بين نفقة الزوجة وبين نفقة ذوي الأرحام، حيث لا تسقط نفقة الزوجة فيما مضى بعد قضاء القاضي بها، وتسقط نفقة ذوي الأرحام، كذلك ذكر الفرق بينهما في «الذخيرة» (٥) من وجه آخر في موضعين: أحدهما: هو أنّ القاضي إذا فرض للمرأة عشرة دراهم نفقة شهر، فمضى الشهر وقد بقي من العشرة شيء، حيث يفرض لها القاضي عشرة أخرى، ولو كان مثل هذا في الأقارب بأن بقي شيء من الدّراهم، ومضت المدة لا يقضي أخرى، والفرق أن نفقة الأقارب إنّما تستحق باعتبار الحاجة، وما بقي شيء من الدّراهم لا يحتاج إلى الأخرى، أمّا نفقة المرأة إنما تستحق عوضاً عن الاحتباس في بيت الزّوج من وجه، والقاضي إنّما جعل هذا المال عوضاً عن احتباس مقدّر، وقد انقضى ذلك فجاء احتباس آخر لم تأخذ بإزائه عوضاً فيقضي لها بأخرى. والثاني: وهو أنّ القاضي إذا فرض للمرأة الكسوة والنّفقة لوقت مقدّر، فهلكت الكسوة أو النّفقة أو سرقت أو خرقت الكسوة أو أكلت النفقة قبل الوقت، ليس عليه أن يكسوها وينفق عليها أخرى.

стр. 2034

وأمّا إذا فرض الكسوة أو النفقة للأقارب، فضاعت من أيديهم قبل مضي الوقت، فإنّ القاضي يفرض لهم مرّة أخرى. والفرق ما ذكرنا هو أن الأقارب إنّما تستحق النفقة باعتبار الحاجة، ولهذا لا تستحق مع الغنى، ومتى ضاعت الكسوة والنّفقة قبل الوقت فقد تجددت الحاجة. وأمّا المرأة فلا تستحق باعتبار الحاجة، ولهذا تستحق المرأة النّفقة والكسوة مع الغنى، وإنّما تستحق على وجه الكفاية عوضاً عن احتباسها في بيت الزّوج، وبالضياع قبل مضي المدّة لا يتبين أنّها لم تكن كافية في تلك المدّة، ولم يبين أنه لم يكن عوضاً [والله أعلم] (١). فصل ظاهر مذهب أصحابنا ﵀ أنّ الإنسان لا يجبر على الإنفاق على ملكه سوى الرقيق، الحيوانات وغير الحيوانات في ذلك على السّواء، غير أن في الحيوانات فَيُفْتَى فيما بينه وبين الله تعالى بالإنفاق، وفي غير الحيوانات كالدّور والعقار لا، فَيُفْتَى به إلا أنّه إذا كان فيه تضييع المال يكون مكروهًا (٢). بخلاف نفقة الزّوجة، والفرق بين نفقة الرقيق وبين نفقة الزّوجة من وجهين: أحدهما: أنّ الرقيق وإن كان صغيراً تجب النفقة على المولى، والزّوجة إن كانت صغيرة، ولا تُشتهى لا تجب النفقة على الزّوج. والثاني: أنّ المولى إذا أبى الإنفاق على الرقيق يجبر على البيع، فالزوج إذا عجز عن الإنفاق على المرأة لا يفرق بينهما. أمّا الفرق الأوّل فقد ذكرناه. وأمّا الفرق الثاني فهو أنّ المولى إذا أجبر على البيع دفعًا للظلم عن المملوك يزول ملكه إلى خلف، وهو الثمن ولو لم يجبر بفوت حق المملوك في النّفقة لا إلى خلف؛ لأنّ نفقة المملوك لا تصير دينًا على المولى بحال من الأحوال، فكان الجبر على البيع أقلّ ضررًا، أمّا في باب النكاح لو أُمر الزّوج بالتفريق دفعًا للظلم عن المرأة بفوت ملك الزّوج بغير خلف، ولو لم يجبر بفوت حق المرأة في الحال إلى خلف؛ [لأنّ] (٣) نفقة الزّوجة تصير دينًا بقضاء القاضي، وكان ما يلحق الزّوج من الضرر أكثر، فكان أولى بالدّفع، وعن أبي يوسف ﵀ أنه يجبر، وهو قول الشافعي ﵀، وقاساه على الرقيق، وإنّا نفرّق بينهما وهو أنّ إجبار القاضي المولى على الإنفاق على مملوكه نوع قضاء، والقضاء لابدّ له [من مقضي له] (٤)، وهو من أهل الاستحقاق وهذا يوجد في الرقيق؛ لأنّ [٣٩٤/ ب] الرقيق من أهل أن يستحقّ حقوقاً على المولى وعلى غيره في الجملة.

стр. 2035

ألا ترى أن بالكتابة يستحق حقوقاً على المولى، وإن كان مملوكًا، فأمّا غير الرقيق فلا يستحق حقوقاً على المولى، فلا يصحّ أن يكون مقضيًّا له، فانعدم شرط القضاء فينعدم القضاء، هذا كلّه من «الذخيرة» (١). وذكر في التجنيس: رجل له عبد لا ينفق عليه، هل للعبد أن يأكل من مال مولاه؟ فهو على وجهين: أمّا إن كان قادراً على الكسب أم لا، ففي الوجه الأوّل ليس له ذلك. وفي الوجه الثاني: له ذلك إذا أعتق عبدًا صغيراً أو أمة لا تجب النفقة على المعتق؛ لأنّه ليس بذي رحم محرّم منه، وإن كان عصبة، فصار كابن العمّ. وأمّا في الدّابة فذكر الخصاف ﵀ (٢): الفرق بين ما إذا كانت الدّابة كلّها مملوكة لرجل فإنّه لا يجبره القاضي على الإنفاق، ولو كانت مشتركة يقول القاضي للآبي إما أن تبيع نصيبك أو تنفق عليه، رعاية لجانب الشريك؛ وهذا لأنّ الشريك من أهل الاستحقاق وإن لم تكن الدّابة من أهل ذلك، والله أعلم. كتاب العتاق ذكر العتاق بعد الطّلاق؛ لأنهما مبنيان على الإسقاط والسّراية واللزوم، حتّى صحّ التعليق وصار إعتاق البعض كإعتاق الكلّ، إمّا إفساداً في الملك أو تحقيقاً للعتق، ولم يقبل الفسخ بعد الثبوت، كالطّلاق إلا أنّه قدم الطّلاق على العتاق، مع أنّه غير مندوب إليه، والعتاق مندوب إليه بمقابلة ذكر النكاح على ما ذكرنا. ثم له محاسن كثيرة أو هو عبارة عن إثبات القوة الشرعية بإزالة الضعف الشرعي في بني آدم، وحسن هذا لا يشكل على عاقل، ومن أراد أن يعلم حسنه فليعتبر بإزالة الضعف الحقيقي وإثبات القوة الحقيقية؛ ولأنّه بالإعتاق صار كأنّه أحياه لما أنّ الرق من آثار الكفر، والكفر موت حكميّ، فكان إزالته إحياء حكميًا، والإحياء محمود، ولأنّ العبد بسبب الرق كان ملحقاً بالجمادات حتّى عرض في المعرض، وبالإعتاق أخذ صفة الآدمية حتّى صار أهلاً للشهادة والولاية والتصرف في الأموال، ولأنّ الإعتاق يصير وسيلة إلى قضاء حق الوالدين، فإنّ الولد لا يقدر على قضاء حق الوالدين إلا أن يصنع بهما مثل صنيعهما به من التربية والإنفاق، ولا يقدر على ذلك إلا بحصول العتق له. ثم يحتاج بعد ذلك إلى معرفة خمسة أشياء؛ معرفة تفسير العتق لغة وشرعًا وسببه وشرطه وركنه وحكمه وصفته. أمّا تفسيره لغة: فعبارة عن القوة، يقال: عتق الفرخ إذا قوي وطار عن وكره، وسمّى القديم عتيقاً لقوة سبقه، والكعبة البيت العتيق لقدمها؛ لأنّه أوّل بيت وضع للنّاس، أو لقوتها؛ لأنّها لم يستولي عليها جبار.
следующие страницы →