← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وذكر في «الذخيرة» (١): فالحاصل أنّ هذه النفقة لا تجب إلا على ذي رحم محرّم، وهو أهل للإرث سواء كان وارثاً في هذه الحالة أو لم يكن، وعند الاستواء في المحرميّة وأهليّة الإرث، يترجّح من كان وارثاً حقيقة في هذه الحالة، حتّى أنّه إذا كان له عم وخال فالنّفقة على العم، لأنّهما استويا في المحرميّة، ويرجح العمّ في هذه الحالة على الخال بكونه وارثاً حقيقة، وكذلك إذا كان له عمّ [وعمة] (٢) وخالة، فالنّفقة على العم الموسر لا غير لما بيّنا، ولو كان العم معسراً فالنّفقة على العمّة والخالة أثلاثاً على قدر ميراثهما، ويجعل العمّ كالميّت. وَوَجْهُ الْفَرْقِ، أي: بين نفقة الولد الصّغير وبين نفقة الولد الكبير أكبر من حيث تجب نفقة الولد الصّغير بجملتها على الأب لا يشاركه فيها أحد. وأمّا نفقة الولد الكبير [الزَمِنْ] (٣) فثلثاها على الأب لا كلّها، والثلث على الأم كما في الإرث، وهو أن الأب لمّا [٣٩٣/ ب] كانت ولايته كاملة على الصّغير صار الصّغير بمنزلة نفسه، وغير الأب لا يشارك الأب في النّفقة على نفسه، فكذا في النّفقة على الصّغير، فأمّا البالغ فليس للأب عليه ولاية ليصير في معنى نفسه، فاعتبر بسائر المحارم، فيكون نفقته باعتبار ميراثه، وميراثه يكون بينهما أثلاثاً. فكذا النّفقة أخماساً على قدر الميراث، ثلاثة الأخماس لأخت لأب وأمّ، والخمس لأخت لأم، والخمس لأخت لأب. فكذا النّفقة على هذا التّفصيل، غير أنّ المعتبر أهليّة الإرث قيّد به؛ لأنّه لو لم يكن أهلاً للإرث بأن كان مخالفاً لدينه لا تجب النّفقة، إلا إحرازه قيّد به؛ لأنّه لا يعتبر الإحراز في هذا الباب، كما في الخال مع ابن العمّ على ما ذكرنا، فإنّ الخال لا يحرز الميراث مع وجود ابن العم، ومع ذلك كانت النّفقة على الخال. وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ، أي اعتبار الإرث. وذكر في «مبسوط شيخ الإسلام» (٤): وإنّما قلنا: أن سبب استحقاق النفقة المحرمية، وقيام سبب الإرث بينهما، لا جريان الميراث بينهما حالة النّفقة؛ لأنّه لا يتصوّر جريان الميراث حالة القضاء بالنّفقة؛ لأنّ القضاء بالنّفقة حال حياة القريب والتّوارث لا يجري حالة الحياة، وقد وجد في المحرميّة قيام سبب الإرث.

стр. 2032

ألا ترى أنّ ابن العم لو مات قبل الخال كان الميراث للخال، فسبب الإرث قائم والأهليّة باقية؛ لأنّهما مسلمان، ولكن جريان الإرث عدم، وهو ليس بشرط، والفتوى على الأوّل، وهو أن اليسار مقدّر بالنّصاب، نصاب حرمان الصّدقة، وهو أن يملك ما فضل عن حاجته ما يبلغ مائتي درهم فصاعدًا، وهو الصّحيح؛ وهذا لأنّه لم يشترط لوجوب صدقة الفطر غنى موجب للزكاة، وإنّما يشترط غنى محرّم للصدقة، فكذا في حق إيجاب النّفقة؛ لأنّ النفقة أشبه بصدقة الفطر منه بالزّكاة؛ لأن في صدقة الفطر معنى المؤنة، ومعنى الصّدقة، فإذا لم يشترط لصدقة الفطر غنى موجب للزكاة، وهي صدقة من وجه ومؤنة من وجه، فلأن لا يشترط لوجوب النفقة غنًى موجب للزكاة وأنّها مؤنة من كلّ وجه كان أولى، كذا في «الذخيرة» (١). (قُضِيَ فِيهِ بِنَفَقَةِ أَبَوَيْهِ) وَقَدْ بَيَّنَّا الْوَجْهَ فِيهِ، وهو قوله: (وَلَا يَقْضِي بِنَفَقَةٍ فِي مَالِ غَائِبٍ إلَّا لِهَؤُلَاءِ)، إلى قوله: (وَلِهَذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا فَكَانَ قَضَاءُ الْقَاضِي إعَانَةً لَهُمْ). (وَإِنْ بَاعَ الْعَقَارَ لَمْ يَجُزْ)، ولا يجوز للأب بيع عقار الولد، عند أبي حنيفة ﵀ إلا إذا كان الولد صغيراً. وَفِي قَوْلِهِمَا لَا يَجُوزُ، أي في العروض والعقار جميعًا. وَهُوَ الْقِيَاسُ، فوجه القياس في ذلك هو أن ولاية الأب تنقطع ببلوغ الصبي رشيدًا، إلا فيما يتبعه تحصينًا لولده الغائب، فإنّ الابن إذا بلغ وهو غائب فللأب ووصيّ الأب بيع عروضه تحصينًا على الغائب، [وههنا] (٢) هو لا يبيع تحصينًا على الغائب، وإنّما يبيع لنفسه وليست له هذه الولاية. ألا ترى أنّ استحقاق الأمّ النّفقة كاستحقاق الأب، ثم الأم لا تبيع عروض الولد في نفقتها، فكذلك للأب ولكن استحسن أبو حنيفة (٣) ﵀ فقال: ولاية الأب وإن زالت بالبلوغ، ولكن نفى أثرها ولهذا صحّ منه الاستيلاد في جارية الابن، فلبقاء أثر ولايته كان له أن يبيع العروض؛ لأنّ بيع العروض من الحفظ، فإنّ العين يُخشى عليها الهلاك، وحفظ الثمن أيسر، وولاية الحفظ تثبت لمن يثبت له ولاية التصرف، كالوصي في حق الوارث الكبير له ولاية الحفظ وبيع العروض. فكذلك للأب ذلك، وبعد البيع الثمن من جنس حقّه، فله أن يأخذ منه مقدار النفقة، فأمّا بيع العقار فليس من الحفظ؛ لأنّه محصن بنفسه، فلا يملك ذلك إلا بمطلق الولاية وهو عند صغر الولد أو جنونه، وإذا باع عند ذلك [أخذ] (٤) من الثمن نفقته؛ لأنّه من جنس حقّه.

стр. 2033

بخلاف الأم وسائر الأقارب، فإنّه لم يكن لهم ولاية حفظ المال فلهذا لم يجز منهم بيع العروض، كذا في «المبسوط» (١) و «الذخيرة» (٢). ثم ذكر في «الذخيرة» (٣) فقال: ثم ذكر ههنا أن الأب يملك بيع منقول ابنه الكبير الغائب والأمّ لا تملك، وذكر في الأقضية جواز بيع الأبوين، وهكذا ذكر القدوري في شرحه، فإنّه أضاف البيع إليهما. فأمّا أن يكون في المسألة روايتان، وفي رواية الأقضية والقدوري (٤) تملك الأمّ البيع كالأب؛ لأنّ معنى الولادة يجمعها، وهما في استحقاق النفقة على السّواء، وأين كانت المسألة على الاتفاق بأنّ الأمّ لا تملك، فتأويل ما ذكر في الأقضية والقدوري أنّ الأب هو الذي يبيع، لكن لمنفعتها فأضاف البيع إليهما من حيث أن منفعة البيع بعده إليهما، وهو الظّاهر بأن الأم لا تملك، ولكن بعدما باع الأب فالثمن يصرف إليهما في نفقتهما. قوله ﵀: (إلَّا أَنْ يَأْذَنَ الْقَاضِي في الِاسْتِدَانَةِ) استثناء من قوله: (فَمَضَتْ مُدَّةٌ سَقَطَتْ)، أي: في إذن القاضي بالاستدانة، أي لا يسقط نفقة من دين الاستدانة وإن كانت الاستدانة في نفقة ذوي الأرحام، قلت: كما ذكر الفرق هنا بين نفقة الزوجة وبين نفقة ذوي الأرحام، حيث لا تسقط نفقة الزوجة فيما مضى بعد قضاء القاضي بها، وتسقط نفقة ذوي الأرحام، كذلك ذكر الفرق بينهما في «الذخيرة» (٥) من وجه آخر في موضعين: أحدهما: هو أنّ القاضي إذا فرض للمرأة عشرة دراهم نفقة شهر، فمضى الشهر وقد بقي من العشرة شيء، حيث يفرض لها القاضي عشرة أخرى، ولو كان مثل هذا في الأقارب بأن بقي شيء من الدّراهم، ومضت المدة لا يقضي أخرى، والفرق أن نفقة الأقارب إنّما تستحق باعتبار الحاجة، وما بقي شيء من الدّراهم لا يحتاج إلى الأخرى، أمّا نفقة المرأة إنما تستحق عوضاً عن الاحتباس في بيت الزّوج من وجه، والقاضي إنّما جعل هذا المال عوضاً عن احتباس مقدّر، وقد انقضى ذلك فجاء احتباس آخر لم تأخذ بإزائه عوضاً فيقضي لها بأخرى. والثاني: وهو أنّ القاضي إذا فرض للمرأة الكسوة والنّفقة لوقت مقدّر، فهلكت الكسوة أو النّفقة أو سرقت أو خرقت الكسوة أو أكلت النفقة قبل الوقت، ليس عليه أن يكسوها وينفق عليها أخرى.

стр. 2034

وأمّا إذا فرض الكسوة أو النفقة للأقارب، فضاعت من أيديهم قبل مضي الوقت، فإنّ القاضي يفرض لهم مرّة أخرى. والفرق ما ذكرنا هو أن الأقارب إنّما تستحق النفقة باعتبار الحاجة، ولهذا لا تستحق مع الغنى، ومتى ضاعت الكسوة والنّفقة قبل الوقت فقد تجددت الحاجة. وأمّا المرأة فلا تستحق باعتبار الحاجة، ولهذا تستحق المرأة النّفقة والكسوة مع الغنى، وإنّما تستحق على وجه الكفاية عوضاً عن احتباسها في بيت الزّوج، وبالضياع قبل مضي المدّة لا يتبين أنّها لم تكن كافية في تلك المدّة، ولم يبين أنه لم يكن عوضاً [والله أعلم] (١). فصل ظاهر مذهب أصحابنا ﵀ أنّ الإنسان لا يجبر على الإنفاق على ملكه سوى الرقيق، الحيوانات وغير الحيوانات في ذلك على السّواء، غير أن في الحيوانات فَيُفْتَى فيما بينه وبين الله تعالى بالإنفاق، وفي غير الحيوانات كالدّور والعقار لا، فَيُفْتَى به إلا أنّه إذا كان فيه تضييع المال يكون مكروهًا (٢). بخلاف نفقة الزّوجة، والفرق بين نفقة الرقيق وبين نفقة الزّوجة من وجهين: أحدهما: أنّ الرقيق وإن كان صغيراً تجب النفقة على المولى، والزّوجة إن كانت صغيرة، ولا تُشتهى لا تجب النفقة على الزّوج. والثاني: أنّ المولى إذا أبى الإنفاق على الرقيق يجبر على البيع، فالزوج إذا عجز عن الإنفاق على المرأة لا يفرق بينهما. أمّا الفرق الأوّل فقد ذكرناه. وأمّا الفرق الثاني فهو أنّ المولى إذا أجبر على البيع دفعًا للظلم عن المملوك يزول ملكه إلى خلف، وهو الثمن ولو لم يجبر بفوت حق المملوك في النّفقة لا إلى خلف؛ لأنّ نفقة المملوك لا تصير دينًا على المولى بحال من الأحوال، فكان الجبر على البيع أقلّ ضررًا، أمّا في باب النكاح لو أُمر الزّوج بالتفريق دفعًا للظلم عن المرأة بفوت ملك الزّوج بغير خلف، ولو لم يجبر بفوت حق المرأة في الحال إلى خلف؛ [لأنّ] (٣) نفقة الزّوجة تصير دينًا بقضاء القاضي، وكان ما يلحق الزّوج من الضرر أكثر، فكان أولى بالدّفع، وعن أبي يوسف ﵀ أنه يجبر، وهو قول الشافعي ﵀، وقاساه على الرقيق، وإنّا نفرّق بينهما وهو أنّ إجبار القاضي المولى على الإنفاق على مملوكه نوع قضاء، والقضاء لابدّ له [من مقضي له] (٤)، وهو من أهل الاستحقاق وهذا يوجد في الرقيق؛ لأنّ [٣٩٤/ ب] الرقيق من أهل أن يستحقّ حقوقاً على المولى وعلى غيره في الجملة.

стр. 2035

ألا ترى أن بالكتابة يستحق حقوقاً على المولى، وإن كان مملوكًا، فأمّا غير الرقيق فلا يستحق حقوقاً على المولى، فلا يصحّ أن يكون مقضيًّا له، فانعدم شرط القضاء فينعدم القضاء، هذا كلّه من «الذخيرة» (١). وذكر في التجنيس: رجل له عبد لا ينفق عليه، هل للعبد أن يأكل من مال مولاه؟ فهو على وجهين: أمّا إن كان قادراً على الكسب أم لا، ففي الوجه الأوّل ليس له ذلك. وفي الوجه الثاني: له ذلك إذا أعتق عبدًا صغيراً أو أمة لا تجب النفقة على المعتق؛ لأنّه ليس بذي رحم محرّم منه، وإن كان عصبة، فصار كابن العمّ. وأمّا في الدّابة فذكر الخصاف ﵀ (٢): الفرق بين ما إذا كانت الدّابة كلّها مملوكة لرجل فإنّه لا يجبره القاضي على الإنفاق، ولو كانت مشتركة يقول القاضي للآبي إما أن تبيع نصيبك أو تنفق عليه، رعاية لجانب الشريك؛ وهذا لأنّ الشريك من أهل الاستحقاق وإن لم تكن الدّابة من أهل ذلك، والله أعلم. كتاب العتاق ذكر العتاق بعد الطّلاق؛ لأنهما مبنيان على الإسقاط والسّراية واللزوم، حتّى صحّ التعليق وصار إعتاق البعض كإعتاق الكلّ، إمّا إفساداً في الملك أو تحقيقاً للعتق، ولم يقبل الفسخ بعد الثبوت، كالطّلاق إلا أنّه قدم الطّلاق على العتاق، مع أنّه غير مندوب إليه، والعتاق مندوب إليه بمقابلة ذكر النكاح على ما ذكرنا. ثم له محاسن كثيرة أو هو عبارة عن إثبات القوة الشرعية بإزالة الضعف الشرعي في بني آدم، وحسن هذا لا يشكل على عاقل، ومن أراد أن يعلم حسنه فليعتبر بإزالة الضعف الحقيقي وإثبات القوة الحقيقية؛ ولأنّه بالإعتاق صار كأنّه أحياه لما أنّ الرق من آثار الكفر، والكفر موت حكميّ، فكان إزالته إحياء حكميًا، والإحياء محمود، ولأنّ العبد بسبب الرق كان ملحقاً بالجمادات حتّى عرض في المعرض، وبالإعتاق أخذ صفة الآدمية حتّى صار أهلاً للشهادة والولاية والتصرف في الأموال، ولأنّ الإعتاق يصير وسيلة إلى قضاء حق الوالدين، فإنّ الولد لا يقدر على قضاء حق الوالدين إلا أن يصنع بهما مثل صنيعهما به من التربية والإنفاق، ولا يقدر على ذلك إلا بحصول العتق له. ثم يحتاج بعد ذلك إلى معرفة خمسة أشياء؛ معرفة تفسير العتق لغة وشرعًا وسببه وشرطه وركنه وحكمه وصفته. أمّا تفسيره لغة: فعبارة عن القوة، يقال: عتق الفرخ إذا قوي وطار عن وكره، وسمّى القديم عتيقاً لقوة سبقه، والكعبة البيت العتيق لقدمها؛ لأنّه أوّل بيت وضع للنّاس، أو لقوتها؛ لأنّها لم يستولي عليها جبار.

стр. 2036

وأمّا تفسيره شرعًا: فهو عبارة عن قوّة حكمية يصير بها أهلاً للقضاء والشهادة والولايات. وأمّا سببه فنوعان في الواجبات ما شغل ذمّته بوجوب الإعتاق من النذور والكفارات، وفي غير الواجبات هو ملك القريب وغيره، والنشاط الدّاعي إليه في نفسه من طلب الثّواب أو طلب رضاء غيره. وأمّا شرطه: فأن يكون المُعتق حرًّا بالغًا عاقلاً مالكًا ملك اليمين. وأمّا ركنه: فهو ما يثبت به العتق وهو نوعان صريح وكناية. وأمّا حكمه: الخاص فهو زوال الرق والملك عن المحلّ. وأمّا صفته: فإنّه مندوب إليه لكنّه ليس بعبادة حتى صحّ من الكافر. وذكر في «فتاوى قاضي خان» ﵀ أسباب العتق كثيرة منها الإعتاق. ومنها دعوى النسب (١). ومنها الاستيلاد، ومنها ملك القريب، ومنها العبد المسلم إذا زالت يد الكافر عنه، بأن اشترى الحربي في دارنا عبدًا مسلمًا، فدخل به في دار الحرب يعتق، في قول أبي حنيفة ﵀ (٢). ومنها إذا أقرّ بحرية عبد إنسان ثم ملكه، والإعتاق على وجوه: مرسل، ومعلّق، ومضاف إلى ما بعد الموت، وكل ذلك يتنوّع إلى نوعين ببدل وبغير بدل. وألفاظ العتق ضربان صريح وكناية. [قوله] (٣): الْإِعْتَاقُ تَصَرُّفٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، ثم الدليل على أنّه مندوب إليه الكتاب والسنة والإجماع والمعقول، أمّا الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ (٤) إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ … (١٨)﴾ (٥) جعل فك الرقبة من خصال أصحاب اليمين، ومن نظر في نظم هذا الكلام حق النّظر علم علوّ مرتبة الإعتاق، حيث ذكر مجملاً أولاً على وجه لا يعرف أحد كنهه، بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ (٦)، ثم ذكر مفصلاً ثانياً بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ (٧) على وجه البيان لذلك المجمل. وأمّا السنة فهي ما ذكر في الكتاب، حيث جعله سبب النجاة من النّار التي هي معدّة للكافرين، بقوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ … (١٣١)﴾ (٨) والمناسبة فيه هي أن المعتق لما رفع بالإعتاق عنه أثر الكفر في الدنيا، رفع الله عنه عقوبة أهل الكفر في الآخرة، وهي النّار، ولمّا ذكر في الحديث مقابلة العضو بالعضو في حق النجاة عن النّار استحسنوا للرجل أن يعتق العبد، وللمرأة أن تعتق الأمة؛ ليتحقق مقابلة الأعضاء بالأعضاء وفي حديث براء ابن عازب (٩) ﵁ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ فقال: دلني على عمل يدخلني الجنة، فقال ﷺ «لئن أوجزت الخطبة، لقد أعرضت المسألة، فك الرقبة وأعتق النسمة» فقال: أليسا واحدًا يا رسول الله، فقال: «لا عتق النسمة أن يعتقها، وفكّ الرقبة أن تعين في ثمنها» (١٠).

стр. 2037

وأمّا الإجماع فظاهر. وأمّا المعقول فإنّه تمكين المكلّف من العبادة أجمع، والتأمل في آيات الآفاق والأنفس، فكان مندوباً إليه إلى هذا أشار في «المبسوط» (١) و «المنشور» (٢) وغيرهما. وَلِهَذَا لَوْ قَالَ الْبَالِغُ: أَعْتَقْت وَأَنَا صَبِيٌّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، يستدل بهذه المسألة على أن الصبا منافية للإعتاق، فإنّه لما اشتد الإعتاق إلى تلك الحالة صحّ لإسناده إلى حالة منافية للإعتاق، فكان القول قوله؛ لأنّه منكر للإعتاق والقول قول المنكر. قوله (وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَنْتَ حُرٌّ أَوْ مُعْتَقٌ أَوْ عَتِيقٌ) إلى آخره، ذكر في «المبسوط»: ثم الألفاظ التي يحصل بها العتق نوعان: صريح وكناية، فالصّريح لفظ العتق، والحرية والولاء ويستوي إن ذكرَ هذه الألفاظ بصيغة الخبر أو الوصف أو النداء (٣). أمّا صيغة الخبر فأن يقول: قد أعتقتك أو حررتك، وأما صيغة الوصف فأن يقول: أنت حر أو أنت عتيق، والمنادي قوله: يا حرّ يا عتيق. وكذلك لو قال لعبده: هذا مولاي إلى آخره. وممّا يلحق بالصريح ههنا قوله لمملوكه وهبت نفسك منك، أو بعت نفسك [منك] (٤)، فإنّه يعتق به، وإن لم ينو؛ لأن موجب هذا اللفظ إزالة ملك، إلا أنّه أوجبه لإنسان آخر يكون مزيلاً لملكه إليه، فيتوقف على قبوله، وإذا أوجبه للعبد يكون مزيلاً بطريق الإسقاط لا إليه، فلا يحتاج إلى قبوله ولا يرتد برده. وذكر في «الإيضاح» و «الذخيرة» (٥) وغيرهما: فالصّريح ما وضع له، والوضع يغني عن النيّة وذلك لفظان، الحرية والعتق، وهما لفظان موضوعان لا يشترط فيهما النية؛ لأن النية إنما تعتبر فيما إذا كان مراد المتكلّم مشتبهًا. قوله: وَسَنُقَرِّرُهُ مِنْ بَعْدُ، أراد به قوله في مسألة يا ابني إلا أنّه إذا كان يوصف إلى آخره، ثم أحال هناك -أيضاً- إلى هنا، بقوله: عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وكذلك عكسه، بأن ناداه بقوله: يا حرّ وقد لقبه آزاد. بِخِلَافِ قَوْلِهِ: طَلَّقْتُك، أي: في قوله أطلقتك، يثبت العتق ولا يثبت في طلقتك، وإن كانا سواء في اللغة؛ لأنّ قوله طلقتك صار صريحًا في الطّلاق عن النكاح، فلا يثبت به العتق على ما يأتي بيانه، وأمّا أطلقتك فلم يستعمل فيه، ثم بينه وبين قوله: خليت سبيلك مناسبته، فجرى مجراه؛ لأن للمولى على المكاتب سبيلاً، من حيث المطالبة ببدل الكتابة، حتّى إذا انتفى ذلك بالبراءة عنه عتق، كذا في «المبسوط» (٦).

стр. 2038

(هَذَا ابْنِي وَثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ عَتَقَ) قبل قوله: وثبت على ذلك، خرج اتفاقاً، ولهذا لم يذكر هذا اللفظ في «المبسوط». وقيل: ذكر في شرح بندار الرازي في شرح القدوري (١) أنّه شرط حتى لا يعتق بدونه. ورأيت بخطّ شيخي ﵀: وفي شرح القدوري لأبي الفضل ﵀ (٢) أراد بقوله: (وَثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ) أنّه لم يدّع به الكرامة والشفقة، حتّى لو ادّعى ذلك تصدّق، وبخطّه -أيضاً- شرط الثبات لثبوت النّسب، لا لثبوت العتق؛ إذ الرجوع عن العتق لا يصحّ، وعن النّسب يصحّ، نصّ عليه في أصول الفقه لفخر الإسلام، في آخر باب الحقيقة والمجاز، وإن كان له نسب معروف لا يثبت نسبه منه ويعتق. وهذا بخلاف قوله: لامرأته هذه بنتي، وهي [٣٩٥/ ب] معروفة النّسب من الغير، فإنّه لا تقع الفرقة بينهما؛ لأنّ هناك صار مكذّبًا في حقّ النّسب شرعًا. ولو أكذب نفسه بأن قال: غلطت لا تقع الفرقة، وإن لم يكن لها نسب معروف، فكذلك إذا صار مكذّبًا شرعًا، وههنا لو أكذب المولى نفسه في حق من لا نسب له، كان العتق ثابتًا، فكذلك إذا صار مكذّبًا في النّسب شرعًا، كذا في «المبسوط» (٣). (وَلَوْ قَالَ يَا مَوْلَايَ عَتَقَ) أي: بدون النيّة، وقال زفر ﵀ (٤) لا يعتق إلا بالنيّة، وإنّا نقول: الكلام محمول على حقيقته ما أمكن، وحقيقة قوله يا مولاي لا يكون إلا بولاء له عليه، والمعتّق متعيّن لذلك، فهذا وقوله: يا حرّ يا عتيق سواء. بخلاف قوله: يا سيّدي ويا مالكي؛ لأنّه ليس فيه ذكر ما يختصّ بإعتاقه إيّاه. قوله: (بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ)، وهو قوله: يا مالكي ويا سيّدي، أي لا يثبت العتق بهما، ويثبت بقوله: يا مولاي؛ لأنّ في قوله: يا مولاي، يثبت صفة في العبد من جانب المنادي، وهو إثبات ولاء له عليه. وذلك لا يكون إلا بسابقة العتق، وهو ولاء العتاقة فيثبت العتق؛ لأنّه ممّا يمكن إثباته في الحال من جانب المنادي. أمّا قوله يا مالكي يا سيّدي لا يثبت بهذين اللفظين صفة في العبد من جهة المنادي؛ لأنّه لو ثبت بهما الحرية لا يكون العبد سيَّدًا أو مالكاً لمولاه، فلما لم يثبت صفة السيادة والمالكية في العبد من جانب المنادي بهذين اللّفظين، لم يثبت العتق بهما، فحينئذ يحمل على الإكرام واللّطف، ولا يقال: لِمَ لَمْ يحمل قوله: يا مولاي على مولى الموالاة، حتّى لا يعتق، واللّفظ يحتمله، [كما يحتمل] (٥) ولاء العتاقة؛ لأنّا نقول: لم يجر عقد ولاء الموالاة بينهما، وهو عقد لا يقوم بأحد الطّرفين، بل يقوم بهما فلم يمكن حمله عليه.

стр. 2039

وأمّا ولاء العتاقة فالمولى يتفرّد بإثباته؛ لأنّه يثبت بالإعتاق، والإعتاق ممّا يتفرّد به المولى، ولو قال: يا ابني أو يا أخي لم يعتق؛ لأن النداء لإعلام المنادي بالاستحضار. فإن قيل: لِمَ لَمْ يحمل على المجاز، وهو الحرية كما في قوله هذا ابني، قلنا: لو لم يُحمل هناك قوله هذا ابني يلغو كلامه أصلاً، وأمّا قوله: يا ابني، لو لم يحمل على الحرية لا يلغو كلامه، بل يحمل على معنى مقصود في النداء، وهو استحضار المنادى، مع أنّ في النداء لا يراعى المعنى، ولا يلتفت إليه، ولكن إنّما يثبت الحرية بقوله: يا حرّ، مع وجود هذا الأصل، وهو أنّ في النداء لا يعتبر المعنى، بل المراد منه استحضار المنادي لا غير؛ لما أنّ لفظ الحريّة لما كان من صريح ألفاظ العتق قام اللفظ الصّريح مقام معناه، وصار كأنّه أثبت ذلك المعنى فيه أولاً، ثم استحضره [بالبدء] (١) بالنداء. بخلاف لفظ الابن، فإنّه ليس بصريح فيه، وحاصل الفرق بين قوله: يا حرّ، وبين قوله: يا ابني، أن النداء إذا كان يوصف إن أمكن إثبات ذلك الوصف في المنادي من جانب المنادى في الحال، كما في قوله: يا حرّ، يثبت الاستحضار بلفظ النداء والحرية بذكره بالوصف. وإن لم يمكن إثبات ذلك الوصف في المنادى من جانب المنادى في الحال، كما في يا ابني، حمل على الاستحضار لا غير، ويلغي إرادة حقيقة ذلك الوصف، بل يحمل ذلك على معنى الإكرام، إلى هذا أشار في «المبسوط» (٢). وقال: بخلاف قوله: يا ابني، فإنّه نداء بوصف لا يملك إيجابه، فينظر إلى مقصوده فيه، وهو الإكرام دون التحقيق. وقالا: لا يعتق، وهو قول أبي حنيفة الأوّل ﵀ (٣)، أصل هذه المسألة: هو أنّ المجاز خلف عن التكلّم سواء كان معناه الحقيقي متصورًّا فيه أو لم يكن، وعندهما المجاز خلف عن حكم ذلك، يعني ينبغي أن يكون اللفظ موجباً حقيقته، ثم تعذّر العمل تحقيقه لمعنى حينئذ يصار إلى المجاز. فإن قيل: على هذا ينبغي أن لا يصحّ قولهم: هذا أشد للإنسان الشجاع؛ لما أنّ تحقق الهيكل المخصوص في حق الإنسان محال، ومع ذلك أطبقوا على جوازه. قلنا: ليس ذلك من نظير مسألتنا؛ وذلك لأنّ قوله: هذا أشد ليس بمستعار بجملته، بل قوله: أشد مستعار، [وقوله] (٤) هذا مستعار له. وأمّا ههنا هذا ابني بجملته مستعار في حق إثبات الحرية، فلم يكن ذلك نظيراً لقولنا: هذا ابني لهم أنّه كلام محال، وبيان الاستحالة ظاهر، فإنّ قوله: هذا ابني أي مخلوق من مائي، وابن خمسين سنة يستحيل [٣٩٦/ أ] أن يكون محذوفاً من ماء ابن عشرين سنة، وفيه فارق معروف النّسب، فإن كلامه مُحتملا هناك لجواز أن يكون مخلوقاً من مائه بالزنا، أو يكون مخلوقاً من مائه بالشبهة وقد اشتهر نسبه من الغير.

стр. 2040

ألا ترى أنّ أم الغلام لو كانت في ملكه هناك تصير أم ولد له وههنا لا تصير أمّ ولد له إلا أنّ أبا حنيفة (١) ﵀ يقول: أن صريحه محال، كما قالا، فلا يثبت، ومجازه مستقيم فيثبت؛ لأنّ الكلام متى لم يثبت حقيقته وله مجاز يمكن إثباته يثبت مجازه؛ لأنّ الكلام ضربان حقيقة ومجاز، فلا يلغى ما أمكن، وإنّما قلنا أن مجازه مستقيم ههنا؛ لأنّ مجازه في أن يجعل كناية عن قوله: عتق علي من [حين] (٢) ملكته، وهذا مستقيم، وإنّما قلنا: أنّه يحتمل هذه الكناية؛ لأنّ الولاد مع الملك سبب العتق على المالك لا محالة، فإذا لم يحتمل المحلّ المضاف هذا السّبب، وهو العبد، صار السّبب كناية عن حكمه إذا احتمل المحل حكمه، لأن لا يلغو، فإن العرب تكني عن الشيء بسببه، فيجعل الولاد كناية عن حكمه، وهو العتق في الملك، فيصير قوله هذا ابني، [وقوله:] (٣) أنّه عتق علي من حين ملكته سواء، ويلغوا صريح البنوّة والولاد وحقيقته؛ لأن الكلام متى صار مجازاً عن غيره بطلت حقيقته. ألا ترى أن من مات وترك مكاتباً فأعتقه الوارث كان إبراء للكناية، لا إعتاقاً من قبله، حتّى الولاء يكون للميّت، وإنّما قلنا: أنّه لا يكون إعتاقاً؛ لأنّه لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم، والمكاتب غير قابل للنقل من ملكه إلى ملك، فكان مبقي على ملك المورث، وإذا كان كذلك فالإعتاق متّى صحّ أوجب الإبراء، فإذا لم يصحّ لأنّ المحلّ لا يحتمله من قبله، لما ذكرنا صار الإعتاق مجازاً عن الإبراء الذي هو حكمه. وألا ترى أنّه إذا اشترى حرة بألف درهم كان نكاحاً، وكذلك الهبة؛ لأن المحلّ لا يحتمل الشراء حقيقة، ومن حكم الشراء ملك المتعة في المحلات للمشتري، فيصير كناية عن حكمه وهو تمليك المتعة، فيصير قوله: اشتريت، وقوله: تزوّجت بمنزلة، وههنا -أيضاً- لما كانت البنوة سبباً للعتق من حين ملكه، كان قوله: هذا ابني، مجازاً عن حكمه ومعناه، وهو قوله: عتق عليّ من حين ملكته؛ لأنّ البنوّة سبب لهذا، وكون السّبب مجازاً عن حكمه صحيح، كما في إعتاق الوارث المكاتب على ما ذكرنا، إلا أنّهما يقولان: المجاز خلف عن الحقيقة [في الحكم] (٤) ففي كل موضع يكون الأصل متصوراً يمكن جعل المجاز خلفاً عنه، كما في مسألة المكاتب، وفي كل موضع لا يكون الأصل متصوّرًا لا يمكن جعل المجاز خلفاً عنه، وههنا لا يصوّر للأصل بخلاف معروف النّسب، فإن هناك الأصل متصوّر، فيجوز إثبات المجاز خلفاً عنه، ولكن أبو حنيفة

стр. 2041

-﵀ (١) يقول: المجاز خلف عن الحقيقة في التكلّم لا في الحكم؛ لأنّه تصرّف من المتكلّم في إقامة كلام مقام كلام، والمقصود تصحيح الكلام، فلا يعتبر في تصحيح المجاز تصوّر الحكم لإثبات الخلافة. ألا ترى أنّه لو قال لحرة: اشتريتك بكذا، كان نكاحاً صحيحًا، على ما ذكرنا، والحرة ليست بمحلّ لأصل حكم البيع، وهو ملك الرقبة، ولهذا المعنى قلنا: أن أمّ الغلام لو كانت في ملكه لا يعتق؛ لأنّ اللفظ لو صار مجازًا لغيره سقط اعتبار حقيقته، وهذا مجاز عن الإقرار بحريّته، فكأنّه قال: عتق علي من حين ملكته، وليس بهذا اللفظ موجب في الأمّ، فلذلك لا يصير أم ولد له، كذا في «المبسوط» (٢)، و «الأسرار». بخلاف ما استشهد به على بناء المفعول؛ لأنّه لم يذكر الفاعل، ولم يقل ما استشهدوا وهو قوله: أعتقتك قبل أن أخلق؛ لأنّه لا وجه له في المجاز فتعيّن الإلغاء، وذكر في «الأسرار»: بيان هذا بقوله: ولا يلزم قولهم إذا قال: أعتقتك قبل أن أخلق، فإن صريحه مستحيل، وماله حكم في ملكه لو ثبت، فإن الإعتاق قبل الخلق إعتاق قبل الملك، ولو أعتقه قبل أن يملكه، ثم ملكه لم يلزمه عتق، فإذا لم يكن من حكمه عتق لو تحقق في ملكه لم يمكن أن يجعل كناية عن عتق في ملكه، فيلزمه حكم الكلام بقدر ما يمكن تصحيحه، حَتَّى وَجَبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي سَنَتَيْنِ بلفظ التثنية لا بلفظ الجمع، هكذا كان مقيدًا بقيد شيخي ﵀ وهذا الذي ذكره في الكتاب صحيح (٣). ولكن ذكر في «المبسوط» (٤) و «الأسرار» جواب هذه المسألة، وهو أوجه، حيث ألحق هذه المسألة فيهما بقوله: أعتقتك قبل أن أخلق، فإن قوله: قطعت يديك لا موجب له في هذه الصورة؛ لأن الجرح لا موجب له بعد البر، وإذا لم يبق له أثر [٣٩٦/ ب] فلا يمكن تصحيح كلامه بأن يجعل كناية عن موجبه، فلهذا كان لغوًا، وحاصله أنّ السّبب إنّما يكون مجازًا عن حكمه إذا كان له حكم، فأمّا إذا لم يكن له حكم فيلغوا، كما في قوله: أعتقتك قبل أن أخلق، على ما ذكرنا، وههنا -أيضاً- لما أخرجهما صحيحتين كان بمنزلة جرح لحقه برء على وجه لم يبق له أثر، فلا يتعلّق به حكم من الأحكام، فلا يكون كناية عن الإقرار بالأرش؛ إذ لو ثبت حقيقته لم يكن فيه أرش، فكيف يكون في مجازه أرش؟! أمّا الحرية فلا يختلف ذاتًا وحكمًا فأمكن جعله مجازاً عنه.

стр. 2042

فإن قيل الحرية الثابتة في قوله: هَذَا ابْنِي، وهو أكبر سناً منه غير الحرية الثّابتة بحقيقة البنوّة -أيضاً-، كما في أرش اليد على ما ذكر؛ وذلك لأنّ الحريّة الثّابتة بحقيقة البنوّة موجبة للإرث وحرمة المصاهرة وغيرهما من الأحكام، والحريّة الثّابتة بقوله: هذا ابني وهو أكبر سنًّا، لا يثبت شيئاً من ذلك، فلما كانتا غيرهن كانت مسألتنا هذه عين مسألة الأرش. قلنا: الحرية لا تتفاوت ذاتًا وهو زوال الرّق، ولا تتفاوت حكمًا أصليًّا وهو صلاحيته للقضاء والشهادة والولايات كلّها، فكانت الحريتان سواء وما ذكرته من الثمرات فلا يبالى [به] (١)، ولو قال هذا أخي لا يعتق في ظاهر الرواية، وفي مجموع النوازل لو قال لغلامه: هذا عمّي، أو قال: هذا خالي، أو قال لأمته: هذه عمتي أو هذه خالتي، يعتق، ولو قال: هذا أخي أو هذه أختي لا يعتق؛ لأنّ الأخ اسم مشترك على ما يأتي بيانه. بخلاف اسم العم والخال، كذا في الذّخيرة (٢). قوله: وَوَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ مَا بَيَّنَّاهُ، أمّا وجه رواية أنّه يعتق، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة -رحمهما الله- فما ذكر بقوله؛ وهذا لأنّ البنوّة في المملوك سبب الحرية إلى آخره. وكذلك ههنا الأخوّة في الملك موجب للعتق، فيجعل هذا اللفظ كناية عن موجبه، وأمّا وجه رواية أنّه لا يعتق، فهو قوله في مسألة الحدّ؛ لأنّ هذا الكلام لا موجب له في الملك إلا بواسطة، وهو الأب وكذلك ههنا الأخوة لا تكون إلا بواسطة الأب أو الأم؛ لأنّها عبارة عن مجاورة في صلب أو رحم، وهذه الواسطة غير مذكورة، ولا موجب لهذه الكلمة بدون هذه الواسطة، كذا في «المبسوط» (٣). وذكر فيه أيضاً أن اختلاف الروايتين (٤) في الأخ إنّما كان إذا ذكره مطلقاً، بأن قال: هذا أخي، فأمّا إذا ذكره مقيّدًا، فقال: هذا أخي لأبي أو لأمّي يعتق من غير تردّد، لما أن مطلق الأخوة مشترك، قد يراد بها الأخوة في الدّين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٥). وقد يراد بها الاتحاد في القبيلة قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ (٦)، وقد يراد بها الأخوة في النّسب، والمشترك لا يكون حجّة بدون البيان.

стр. 2043

فإن قيل: البنوّة -أيضاً- تختلف بين رضاعه ونسب فكيف يثبت العتق بإطلاق قوله: هذا ابني؟. قلنا: لأنّ البنوّة من الرضاع مجاز، والمجاز لا يعارض الحقيقة. وَقِيلَ هُوَ بِالْإِجْمَاعِ، أي لا يعتق؛ لأن المشار إليه إذا لم يكن من جنس المسمّى، فالعبرة للمسمّى كما لو باع فصًّا على أنّه ياقوت، فإذا هو زجاج فالبيع باطل، والذكور والإناث من بني آدم جنسان مختلفان، فإذا لم يكن المشار إليه من جنس المسمّى تعلّق الحكم بالمسمّى، وهو معدوم ولا يمكن تصحيح الكلام إيجاباً ولا إقراراً في المعدوم، فلا يمكن أن تجعل البنت مجازاً عن الابن بوجه. ألا ترى أنّه لا يعتق وإن احتمل أن يكون ولده بأن كان يولد مثله لمثله، كذا في «المبسوط» (١) و «الأسرار». وكذا ملك النكاح في حكم ملك العين حتى كان التأبيد من شرطه، ولو كان النكاح في حكم ملك المتعة لكان التأقيت من شرطه، كما في الإجارة، أمّا الأحكام يثبت بسبب سابق إلى آخره أخرج هذا جواباً عمّا يقول له: أن الإعتاق إثبات القوّة، ولهذا يثبت به الأحكام مثل الأهليّة والولاية والشّهادة، فأنى يشبه الطّلاق الذي هو إسقاط محض، وقال: بأنّ الإعتاق إسقاط -أيضاً- بدليل صحّة التعليق فيهما، ولا يرد على ثبوت تلك الأحكام؛ لأنّها ثابتة بالآدمية غير أن الإعتاق أزال المانع فاستوى الإعتاق والطّلاق، وأنا نقول عن جوابه هذا: فقولك الأحكام تثبت [٣٩٧/ أ] لكونه آدميًّا فليس كذلك، فإنّ العبد آدمي ولا مالكية فيه، بل علّة ثبوت هذه الأحكام كونه حرًّا. وأمّا صحة التعليق؛ فلأنّ الإعتاق إثبات القوة في العبد بواسطة إبطال ملكه، ومن حيث الإبطال يتعلّق بالشرط، إلى هذا أشار في تعليقات الإمام البرغري (٢). إلَّا أَنَّ قَيْدَ النِّكَاحِ مَانِعٌ وَبِالطَّلَاقِ يَرْتَفِعُ الْمَانِعُ فَتَظْهَرُ الْقُوَّةُ، أي: تظهر القوة الكامنة فيها لا أن تثبت فيها القوة بالطّلاق ابتداء؛ لأن الطّلاق من أطلقت البعير عن القيد إذا حللته، وهو عبارة عن رفع المانع عن الانطلاق، لا إثبات قوة الانطلاق، وكذلك المعنى في النكاح؛ لأنّ عين المرأة بالنكاح لا تملك، بل هي حرّة مالكة أمر نفسها، ولكن احتبست على الزوج عن حكم المالكية شرعًا؛ فكان الزّوج مانعًا والطّلاق شرع لرفع هذا المانع وأمّا العتاق. فمعناه لغة إثبات قوة يقدر بها على الانطلاق من عتق الطير إذا قوي وطار عن الوكر، والعبد مملوك نفسه لغيره، فلا قدرة له حكمًا على الانطلاق، وبالعتق يثبت له القدرة الحكمية، واعتبر هذا في الحسيات فإن رفع القيد يخالف معناه معنى قوّة الفرح أو الطفل حتّى يقدر على الذّهاب، ولا مشابهة بين إثبات القوة، وبين إزالة المانع، ونحن نسلّم أن المشابهة في المعنى طريق الاستعارة، ولكن لا في كل وصف، بل في الوصف الخاص لكلّ واحد منهما، والوصف الخاصّ لكلّ واحد منهما ما بيّنا.

стр. 2044

ألا ترى أنّه لا يستعار الأسد للجبان، والحمار للزكي، وبينهما مشابهة في أوصاف؛ لأنّ كل واحد منهما حيوان موجود، ولكن لما انعدمت المشابهة في الوصف الخاص لم يجز الاستعادة، فهذا مثله لا لما ذكره الخصم فأمّا إذا استعمل لفظ التحرير في الطّلاق فليس ذلك عندنا للمشابهة معنى، [بل] (١) لسلوك طريق السببيّة فيهما، فإن ملك الرقبة يكون سبباً لملك المتعة، وملك المتعة لا يكون سبباً لملك الرقبة، وما يزيل ملك الرقبة يكون سبباً لزوال ملك المتعة، فيصلح أنه يجعل كناية عنه، فأمّا ما يزيل ملك المتعة فلا يكون سبباً لإزالة ملك الرقبة، فلا يصلح كناية عنه، ولهذا قلنا في [طرف] (٢) الاستجلاب: [أن ما] (٣) وضع لاستجلاب ملك المتعة، وهو لفظ النكاح والتزويج لا يثبت [به] (٤) ملك الرقبة، وما وضع لاستجلاب ملك الرقبة وهو لفظ الهبة والبيع، يصلح لإيجاب ملك المتعة وهو النكاح. فإن قيل: ليس ملك النكاح في حكم ملك العين فيكون رفعه في حكم رفع ملك اليمين أيضاً. قلنا: نعم، ولكنّه في الحقيقة ليس بملك يمين، فإنّها حرّة مالكة نفسها، فلم يكن ما يرفع ذلك الملك في معنى ما يرفع ملك الرقبة من كلّ وجه. فإن قيل: الآدمي خلق مالكًا لنفسه بحيث ينطلق حيث شاء، وملك اليمين يمتنع ذلك كما في النكاح. قلنا: لا كذلك، بل الآدمي حيوان كالبهيمة، وبكونه حيواناً لا يملك نفسه ولا غيره، بل بصفة الحرية يملك، وهذه الصفة تزول بالرّق فتزول المالكية، وهي علّة ملك الانطلاق شرعًا، وبالتحرير [تثبت] (٥) المالكية وصفة المالكيّة لا تزول بالنكاح، بل النكاح يمنع استعمال العلّة مع وجودها، وهذا كما سقط القوة بالمرضى فيداوى، فيقوى على المشي، والموثق يرفع وثاقه فيقدر على المشي، فلا يكون بين رفع الوثاق وبين المداواة تشاكل، إلى هذا أشار في «المبسوط» (٦) و «الأسرار». وإذا قال لعبده: أنت مثل الحر لم يعتق. ولو قال: لامرأة حرة أنت حرّة مثل هذه، أراد بقوله: هذه أمته، فإنّ أمته تعتق، ولو قال: لم أرد العتاق لم يصدق في القضاء؛ لأنّه وصفها بالحريّة حيث شبه الحرة بها. ولو قال لامرأة حرة: أنت مثل هذه الأمة، أراد بهذه الأمة أمته لا تعتق؛ لأنّه قد بيّن أن هذه أمته، كذا ذكر المصنف ﵀ في التجنيس (٧).

стр. 2045

(وَلَوْ قَالَ رَأْسُك رَأْسُ حُرٍّ لَا يُعْتَقُ) لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ بِحَذْفِ حَرْفِهِ، أي كرأس حرّ فصار كقوله: مثل الحر، أي: لا يعتق بدون النيّة؛ لأنّه إثبات الحريّة فيه أي في الرأس، فصار كقوله: رأسك حرّ، والرأس يعبّر به عن جميع البدن فيعتق، فالحاصل أنّ الكنايات على ثلاثة أوجه. منها: ما يقع به العتق نوى أو لم ينوِ، كقول المولى لعبده: تصدّقت نفسك عليك [أو ملكتك نفسك عليك] (١)، أو وهبت نفسك منك، أو أوصيت نفسك لك، أو بعت منك نفسك، فهذه الألفاظ كناية؛ لأنّ الملك لو تصوّر للعبد ثبوته على الحقيقة يعتق، فإذا [٣٩٧/ ب] تعذّر إثبات الملك بسبب التضادّ جعل كناية عن العتق، إلا أنّه يعتق من غير النيّة؛ لأنّ النيّة إنما يحتاج إليها بالكنايات إذا كان اللفظ يحتمل معناً في مختلفة احتمالاً على السّواء، ولا يمكن الجمع بين الكلّ فيحتاج إلى النيّة لتعيين واحد من الجملة، وهنا هذه الكنايات لا تحتمل معاني مختلفة، وإنّما تحتمل الكناية عن العتق لا غير، فاستغنت عن النيّة [للتعيين] (٢)، ومنها: يقع إذا نوى ولا يقع إذا لم ينوِ، كقوله: لا ملك لي عليك، ولا رق لي عليك، وخرجت عن ملكي، ولا سبيل لي عليك؛ لأنّه يجوز أنّه باعه فصار ملك الغير، فلا يكون له عليه ملك ولا سبيل، ومنها: ما لا يقع نوى أو لم ينوِ، كالطّلاق وكنايات الطّلاق، نحو قوله: قد بنت مني، أو لأمته [قد] (٣) بنت مني، أو حرمت عليّ، أو أنت خلية، وما يجري مجراها، كذا ذكره الإمام الولوالجي (٤) ﵀ (٥). وذكر هو -أيضاً- عبد في يدي رجل قيل: له أعتقت هذا العبد، فأومئ برأسه أي نعم، لا يعتق، فرق بين العتق والنّسب، فإنّ الصبي إذا كان في يدي رجل قيل له: هذا ابنك فأومئ برأسه، أي نعم، يثبت نسبه، والفرق أنّ العتق تعلّق ثبوته بالعبارة، والإشارة لا تقوم مقام العبارة عند القدرة على العبارة، وأمّا النّسب فلا يتعلّق ثبوته بالعبارة، فإنّ مجرّد الفراش الصّحيح كاف لثبوته، فجاز أن يثبت بالإيماء والله أعلم.

стр. 2046

فصل لما ذكر العتق الحاصل من الإعتاق الاختياري الذي هو الأصل. ذكر في هذا الفصل عامة مسائل العتق الذي يحصل من غير اختيار المالك كإرث قريبه وخروج عبد الحربي إلينا مسلمًا وولد الأمة من مولاها. قوله: (وَهَذَا اللَّفْظُ مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ( ﷺ (١)، رواه عمر وعبد الله بن مسعود وعائشة ﵃. وَاللَّفْظُ بِعُمُومِهِ يَنْتَظِمُ كُلَّ قَرَابَةٍ، أي: لفظ ذا رحم محرم عام فهو بعمومه يتناول كلّ قريب. وقال: فهو حرّ راجع إليه فكان كل قريب وهو ذو رحم محرم من المالك كان حرًا عملاً بعمومه. فإن قيل: الضّمير في مثل هذا راجع إلى كلمة (من) كما في قوله ﷺ : «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» (٢)، وقول الإمام: من دخل هذا الحصن أوله فله كذا من النفل فلم لا يرجع إلى من ههنا أيضاً كما هناك. قلنا: يأتي ذلك وقوعه جزاء، وحريّة المالك لا تصلح جزاء؛ لأنّ حريته ثابتة قبل هذا حتّى صار أهلاً للملك، وحريّة المالك تستفاد من قوله ملك فكان لفظ هو راجعًا إلى المملوك لترتّب عليه جزاء الحرية، ثم عند أصحاب فمنهم داود الأصفهاني (٣): إذا ملك قريبه لا يعتق بدون الإعتاق، لقوله ﷺ : «لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه» (٤)، ففيه تنصيص على أنّه يستحق عليها إعتاقه ولو عتق بنفس الشراء لم يكن لقوله ﷺ : «فيعتقه» معنى؛ ولأنّ القرابة لو أوجبت رفع الملك لمنعت وقوعه، كما في ملك النكاح، فلما لم يمنع ثبوت الملك لم يمنع البقاء بالطّريق الأولى، وحجّتنا فيه قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ (٥) فقد نفى البنّوة بينه وبين أحد من الخلق بإثبات العبودية، فذلك تنصيص على المنافات بينهما، والمتنافيان لا يجتمعان، فإذا كانت البنوّة متقرّرة انتفت العبودية، ومراده ﷺ من قوله: «فيعتقه» بذلك الشراء، لا بسبب آخر كما يقال: أطعمه فأشبعه، وسقاه فأرواه، وضربه فأوجعه، وَكَتَبَهُ فَقَرْمَطَ، وَإِنَّمَا أَثْبَتِنَا لَهُ الْمِلْكَ ابْتِدَاءً؛ لأن انتفاء العبودية لا يتحقّق إلا به فإذا لم يملكه لا يعتق.

стр. 2047

بخلاف ملك النكاح؛ لأنّه لا فائدة في إثبات ملك النكاح له على ابنته، ثم إزالته؛ لأنّها تعود إلى ما كانت عليه ولأنّ هذا العتق صلة ومجازاة، فلا يتحقّق إلا بعد الملك (١). وأمّا انتفاء ملك النكاح فلحرمة المحل وهي موجودة قبل العقد، كذا في «المبسوط» (٢). كل قرابة مؤيدة بالياء المنقوطة من تحتها باثنتين. وَالشَّافِعِيُّ ﵀ يُخَالِفُنَا فِي غَيْرِهِ، أي: في غير الولاد. فَامْتَنَعَ الْإِلْحَاقُ، أي بالقياس؛ لأن الحكم في الأصل ثابت مع منافاة القياس، فلا يجري في مثله [٣٩٨/ أ] القياس أو الاستدلال، أي: امتنع دلالة النصّ -أيضاً-؛ لأنّ قرابة الأخوة أدنى مرتبة من قرابة الولاد، ويشترط في الدلالة مساواة الفرع الأصل من كل وجه. وَلَمْ يَمْتَنِعُ فِيهِ، أي في الولاد يعني أنّ المكاتب إذا اشترى أباه يكون مكاتباً مثله. وأمّا إذا اشترى أخاه فهو لا يتكاتب عليه علم أنّ قرابة غير الولاد أدنى من الولاد، فلذلك لا يلحق غير الولاد بالولاد. ولنا ما روينا وهو قوله ﷺ : «من ملك ذا رحم محرم» (٣)، وما روي عن ابن عبّاس ﵄ أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ وقال: إني وجدت أخي يباع في السوق فاشتريته وأنا أريد أن أعتقه فقال ﷺ : «قد أعتقه الله تعالى» (٤) كذا في «المبسوط» (٥). وَهَذَا هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْأَصْلِ، أي في الذي أجمعنا بأنّه يعتق قرابة عند الملك وهو قرابة الولاد. قوله: وَيَحْرُمُ قَطْعُهَا حَتَّى وَجَبَتْ النَّفَقَةُ، فإن قلت: لو قال قائل من جانب الشافعي ﵀ بارك الله فيما عنده، فإنّ وجوب نفقة غير الولاد مذهبكم، لا مذهبي فلم يلزمني ما ألزمتموني به؟.

стр. 2048

قلت: بل يلزمك؛ لأنّه لما ثبت وجوب نفقة ذي الرحم المحرم بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (١) لم يعتبر إنكار منكر بعد ذلك، لما أنّ الثّابت بالدّليل يجعل كأنّه ثابت إجماعاً. فإن قلت: لاشكّ أن عتق القريب عند الملك للصّلة له، وصلة جميع القرابات غير لازم بالإجماع، حتّى لو ملك ابن عمّه لا يعتق، فوجب علينا تفصيل القرابات، وهي ثلاثة: قرابة قريبة، وهي قرابة الولاد، وقرابة معتدة، وهي قرابة بني الأعمام، وقرابة متوسطة، وهي قرابة الأخوة والعمومة، فلابدّ أن يرد المتوسطة إلى أشبههما منه وهي تشبه قرابة بني الأعمام؛ لأنّ قرابتهم قرابة جواز في الرحم، وقرابة الولاد بالبعض، والأحكام تدلّ عليه فإنّ القصاص يجري بينهم في الطّرفين، وتحجب عن الإرث بالأولى، ويقبل شهادة كلّ واحد منهما لصاحبه، ويحل وضع الزكاة فيه، ولا يتكاتب على المكاتب إذا ملك محارمه غير الولاد، ولا يعتق عليه إذا قال: أنّه أخي، كما لا يعتق إذا قال: أنّه ابن عمي، ويحلّ لكلّ واحد منهما حليله صاحبه، ولا يستوجب كلّ واحد النّفقة على صاحبه عند اختلاف الدّينين، وهذه أحكام ثمانية، مع المعنى الذي هو تاسعها يدل على أنّ المتوسّطة بالبعيدة أشبه، فمع وجود المعنى الجامع بينهما من هذه الوجوه كيف ينفكّان فيما تنازعا فيه؟. قلت: هذا في الحقيقة ترجيح بكثرة الأشياء والتّرجيح بها فاسد؛ لأن الأصول شواهد، وقد عرف أنّ الترجيح بزيادة عدد الشّهود في الخصومات فاسد، وفي الأحكام التّرجيح بكثرة العلل فاسد، فكذلك الترجيح بكثرة الأشياء فاسد، كذا ذكره شمس الأئمة ﵀ في فصل الفاسد من الترجيح من أصول الفقه. وذكر في «الأسرار» فساد كلّ واحد منها في الترجيح بطريق التفصيل والتعيين، ومن أراد معرفة ذلك فعليه بمطالعة «الأسرار»؛ ولأنّ قوله ﷺ في هذا الباب: «ومن ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه» أجرى الحكم عاماً في كلّ ذي رحم محرم منه، فكان التّعليل بالولاد ردًّا للمنصوص، فكان تعليله مردودًا؛ لما أنّ التعليل يجب أن يكون موافقًا للنصوص لا مخالفًا لها، والتّعليل -وإن كثر شواهده- فهو غير مقبول في معرض النصّ، ولأنّ حرمة المناكحة لما ثبت بهذه القرابة لمعنى الصيانة عن ذل الاستفراش والاستخدام قهراً، وكذلك يثبت حرمة الجمع بين الأختين نكاحاً صيانة للقرابة عن القطيعة بسبب المنافرة التي يكون بين الضراير علمنا أن هذه القرابة واجب وصلها، كقرابة الولاد ومعنى قطيعة الرحم في استدامة ملك اليمين أكثر، ولا شك أنّ للملك تأثيراً في استحقاق الصلّة، فثبت بهذا التّقرير أن علة العتق هذان الوصفان، وبعد هذا لا يضرّنا انتفاء الجزئية، كذا في «المبسوط» (٢).

стр. 2049

فإن قلت: أن حرمة النكاح أسرع ثبوتًا من العتق ألا ترى أن حرمة النكاح تثبت بالرضاع، ولا يثبت به العتق، فلم يلزم لذلك من ثبوت حرمة النكاح ثبوت العتق؟. قلت: كلامنا في حرمة النكاح [٣٩٨/ ب] الموجبة للصّلة، ولم ينشأ ذلك إلا من القرابة، وليس للرضاع أثر في وجوب الصّلة، إلا أنّه لا يجري التّوارث ولا وجوب النّفقة في الرضاع، فعلمنا أنّ حرمة النكاح لم يثبت في الرضاع صلة، بل النّص أثبت حرمته فيه. كما أثبت حرمة نكاح المشركة، فإنّ حرمة النكّاح قد تثبت بأشياء غريبة غير القرابة، وليس كلامنا فيه، ولا فرق بين ما إذا كان المالك مسلمًا أو كافراً، فكذا لا فرق في عكسه -أيضاً- بأن يكون المملوك مسلمًا أو كافراً يعتق عليه لعموم العلّة. فإن قلت: العلّة هي وجوب الصّلة على ما ذكر في الكتاب بقوله: لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي يُفْتَرَضُ وَصْلُهَا وَيَحْرُمُ قَطْعُهَا حَتَّى وَجَبَتْ النَّفَقَةُ، وفي القرابة التي تنازعنا فيها مع الخصوم وهي قرابة الأخوة والعمومة غير واجب الوصل عند اختلاف الدّين بالنّفقة على ما مرّ في النّفقات، فوجوب الوصل بالإعتاق يجري مجرى وجوب الوصل بالنفقة، وهي لا تجب عند اختلاف الدّين في القرابة المتوسطّة، فينبغي على هذا أن لا يجب وصلها بالإعتاق عند اختلاف الدّين كالنّفقة. قلت: نعم كذلك، إلا أنّ تمام العلّة هنا الملك مع القرابة، وذلك يتحقّق مع اختلاف الدّين، بخلاف استحقاق النفقة، فإن الشرع أوجب ذلك بصفة الوراثة، بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (١) معناه وعلى الوارث ذي الرحم المحرّم وبسبب اختلاف الدّين تنعدم صفة الوراثة فلهذا لا تستحق النّفقة. بخلاف الآباء والأولاد فالاستحقاق هناك بالولاد، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ (٢) وبسبب اختلاف الدّين لا ينعدم الولاد، كذا في «المبسوط» (٣). قوله: أَوْ كَافِرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وإنّما قيّد به؛ لأنّ الحربي لو ملك في دار الحرب ذا رحم محرّم منه لم يعتق؛ لأنّه لو أعتقه لم ينفذ عتقه، فكذا لا يعتق عليه بالملك ولو أعتق الحربي عبدًا حربيًّا في دار الحرب لم يعتق عند أبي حنيفة ومحمّد -رحمهما الله-، خلافاً لأبي يوسف ﵀، وكذا إذا أعتق المسلم عبدًا حربيًّا في دار الحرب لا يعتق -أيضاً-، كذا في «الإيضاح» (٤).

стр. 2050

قلت: وبهذا يعلم أن قوله: فِي دَارِ الْإِسْلَامِ في الكتاب متعلّق بمجموع ما ذكر قبله من قوله: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْمَالِكُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، لا أن ينحصر تعلّقه بقوله: أَوْ كَافِرًا؛ لأنّ المحرميّة ما تثبت بالقرابة، والأمة أجمعت على أنّ المراد بالمحرم المحرم بسبب القرابة، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» ﵀ (١)، والصبي جعل أهلاً لهذا العتق؛ لأنّ العلة قد تمّت في حقّه -أيضاً- وهي الملك مع القرابة فإنّ الصّغير يملك حقيقة. ألا ترى أنّه يثبت له صفة الغنى بملكه حتّى يحرم عليه أخذ الصّدقة، كذا في «المبسوط» (٢). وصف القربة في اللّفظ الأول زيادة وهو قوله: لِوَجْهِ اللَّهِ. وأمّا التّعليق بالشّرط فإنّه صحيح في الملك بيننا وبين الشافعي بلا خلاف، إلا أن الخلاف فيه -أيضاً- بيننا وبينه بوجه آخر، وهو أنّ زوال الملك عنده يبطل التّعليق، وعندنا لا يبطل، حتّى إذا قال لعبده: أنت حرّ إن دخلت الدّار، فباعه، ثم اشتراه، فدخل الدّار يعتق عندنا. وعند الشّافعي ﵀ لا يعتق؛ لأنّ الملك عنده كما يشترط لانعقاد اليمين يشترط لبقائها وبالبيع زال ملكه. ولكنا نقول الملك لم يشترط لانعقاد اليمين، إنّما الشّرط وجود المحلوف به، فلهذا صحّحنا إضافة العتق إلى الملك، والمحلوف به هو العتق، ومحلية العبد للعتق بصفة الرّق، وذلك لا ينعدم بالبيع، إلا أنّه يشترط الملك عند وجود الشّرط ليزول العتق؛ لأنّ تصرّفه يتصل بالمحلّ عند وجود الشّرط. وأمّا قبل ذلك فبقاء اليمين ببقاء ذمّته وبقاء المحلوف به؛ لكونه محلاً للعتق، فلا معنى لاشتراط الملك فيه، ذكره في باب جامع لوجوه العتاق من «المبسوط» (٣)، وفي «فتاوى قاضي خان» (٤) ﵀ قال: لعبده أن بعتك فأنت حرّ، فباعه بيعًا صحيحًا لا يعتق؛ لأنّه كما حنث زال العبد عن ملكه، فلا يعتق فإن باعه بيعًا فاسدًا، إن سلّمه إلى المشتري أولاً، ثمّ باعه لا يعتق -أيضاً-؛ لأنّه كما تمّ البيع بينهما ملكه المشتري وإن باعه [٣٩٩/ أ] بيعًا فاسدًا، ثمّ سلّمه إلى المشتري عتق؛ لأنّ شرط الحنث قد وجد والعبد باق على ملكه فيعتق. قلت: وبهذا يعلم أن وجود المعلول عند وجود العلّة أسرع ثبوتًا من وجود المشروط عند وجود الشرط، وهو معنى قولهم العلّة مع المعلول يقترنان وجودًا من غير تراخ.

стр. 2051

وأمّا المشروط جامع الشّرط فإنّهما يتعاقبان وجودًا، أي: يوجد الشّرط أولاً ثمّ يوجد المشروط. وَلَا اسْتِرْقَاقَ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً، قيّد بقوله: ابتداء احترازاً عن الاسترقاق بقاء؛ لأن ذلك بين الأمور الحكمية لا الجزائيّة، فيصحّ بقاء كما يصح بقاء الأملاك بعد وجود أسبابها. (وَلَوْ أَعْتَقَ الْحَمْلَ خَاصَّةً عَتَقَ دُونَهَا)، أي: يعتق الحمل [خاصة] لا الأمة التي هي أمّه، لأنّا لو قلنا بهذا اللفظ عتق الأمة، لا يخلو إمّا أن يقول: أنّها تعتق مقصودًا، فلا وجه له؛ لأنّه لم يعتقها مقصودًا؛ لأنّه أعتق الحمل لا غير، وأمّا أن يقول تعتق الأم باعتبار تبعية عتق الحمل، ولا وجه له -أيضاً-؛ لأنّه يلزم قلب الموضوع، وهو أن يكون المتبوع تبعًا والتبع متبوعًا، وفي أمّ الولد إنما يثبت استحقاق عتق الأمّ شرعًا لا قياساً. فإن قلت: لو لم يعتق أمة لجاز بيعها، وقد ذكر في كتاب الهبة من «المبسوط» إذا أعتق ما في بطن أمته ثم وهبها جازت، بخلاف ما لو باعها فإنّه لا يجوز (١). قلت: الفرق بينهما يجيء في هبة هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وحاصل ذلك هو أنّه لما أعتق ما في بطنها لم يبق الجنين على ملكه، فهبة الأمة بعد ذلك صارت بمنزلة هبة الأمة مع استثناء الحمل، واستثناء الحمل في الهبة شرط فاسد، والهبة لا تبطل بالشّروط الفاسدة، روي عن النبي ﷺ : «أنه أجاز العمرى وأبطل شرط المعمر» (٢). بخلاف البيع فإنّه يفسد بالشرط الفاسد روي عن النبي ﷺ : «أنه نهى عن بيع وشرط» (٣)، وذكر في «المبسوط» وفي البيع لو استثنى ما في البطن قصدًا لم يجز البيع (٤). وكذلك إذا صار مستثنى حكمًا لتعود العتق فيه وفي الهبة لو استثنى ما في البطن قصدًا لم تبطل الهبة، فكذلك إذا صار مستثنى حكمًا والمعنى ما بيّنا. وَإِنَّمَا يُعْرَفُ قِيَامُ الْحَبَلِ وَقْتَ الْعِتْقِ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْهُ، أي: من وقت العتق حتّى لو ولدت بعد ذلك لستّة أشهر لا يعتق، وإن ولدت لأقلّ من ستّة أشهر عتق؛ لأنّه أوجب العتق لما هو موجود في بطنها، فإذا ولدت لأقلّ من ستّة أشهر فقد تيقنا بوجود الولد في بطنها وقت اليمين، وإن ولدت واحدًا لأقل منها بيوم وآخر لأكثر منها بيوم عتقا؛ لأنّا تيقنا بوجود الأول في بطنها وقت اليمين حين ولدته لأقلّ من ستة أشهر، وهما توأمان خلقا من ماء واحد، فالحكم بوجود أحدها في البطن في وقت حكم بوجودها، كذا في «المبسوط» (٥).

стр. 2052

واشتراط بدل العتق على غير المعتق لا يجوز. فإن قلت: سلّمنا أنّ اشتراطه على غير المعتق لا يجوز، لكن ينبغي أن يتوقّف العتق إلى أن يبلغ الحمل إلى حد يكون من أهل القبول، وهو أن يكون عاقلاً يعقل العقد، كما مرّ في خلع الضفرة، فقال فيه: وإن شرط الألف عليها توقّف على قبولها إن كانت من أهل القبول بأن كانت عاقلة تعقل العقد. قلت: ذلك في صريح الشّرط. وأمّا ههنا فالمسألة مذكورة تكملة على فكان ذكر المال ههنا وصفاً للإعتاق، فلا يلزم من بطلان الوصف بطلان الأصل، فيثبت العتق ولا يجب المال، كما في طلاق الصّغيرة على مال. قوله: عَلَى مَا مَرَّ فِي الْخُلْعِ، هذه حوالة غير رابحة، ثم يحتمل أن يكون مراده أي مرّ في مسألة خلع «الجامع الصّغير» فإن في شروح «الجامع الصّغير» (١) في الخلع فرق بين وجوب المال على الأجنبي في الخلع، وبين وجوب المال على الأجنبي في الإعتاق، حيث يصحّ في الخلع ولا يصحّ في الإعتاق. وذلك لمعنى؛ وهو أنّ الأجنبي في الخلع في معنى المرأة من حيث أنه لا يحصل لكلّ واحد منهما شيء بمقابلة المال، فلمّا جاز التزام المال في حق المرأة برضاها مع أنّه لا يحصل لها شيء، كذلك يجوز في حق الأجنبي لما أنّ البضع ليس بمتقوّم حال الخروج. بخلاف الإعتاق فإن رقبة العبد متقوّمة في الدّخول والخروج، [٣٩٩/ ب] وفي الإعتاق يثبت له القوة الحكميّة التي لم يكن قبل الإعتاق، فلما حصل للعبد بمقابلة المال شيء لم يجز وجوب المال على الأجنبي بمقابلة ما يحصل للعبد من القوّة الحكميّة بالإعتاق؛ لأنّه حينئذ يكون في معنى مشتر يشتري بشرط أن يكون الثمن على الأجنبي، وذلك لا يصحّ هكذا هذا، وولدها من زوجها مملوك لسيّدها، لما أنّ الأوصاف القادة الشرعية في الأمّهات تسري إلى الأولاد وذلك لمعان: أحدها: أنا نتيقّن بأنّه مخلوقين مائها ولم يتيقن كونه مخلوقاً من ماء زوجها الحر، ويحتمل أنّه من ماء عبد وما قلناه الولد للفراش فهو حكميّ لا حقيقي، وفي الأمّ حقيقي وحكمي فكان ماء الأم أولى بالاختيار. والثّاني: أن ماءه يستهلك بمائها؛ لأنّ مائها في موضعه ويزداد قوّة منها لأمنه. والثالث: أن جانبها ترجح بواسطة الحصانة والتّربية على ما ذكر في الكتاب. والرّابع: أنّ الولد مادام مجتنى في رحم المرأة فهو بمنزلة عضو من أعضائها كيدها ورجلها إلى أن ينفصل حسًا وشرعًا، أما حسًّا فإنّه يتنفس بنفسها ويتنقل بانتقالها حتّى تقرض بالمقراض عند انفصاله منها.

стр. 2053

وأمّا شرعًا: فإنّه يعتق بعتقها. بخلاف الأب، فلما كان كذلك أخذ الجنين وصف أمه كجزء أمّه، فالحاصل أنّه يتبع الأم في الحريّة والرقية، والأب في النّسب، وخير الأبوين في الدّين. وَالزَّوْجُ قَدْ رَضِيَ بِهِ، أي رضي برق الولد، حيث أقدم على تزوّج الأمة مع كونه عالماً أنّ الولد يكون رقيقاً، كما يتبعها في المملوكية والمرقوقية، إنّما أورد هذين اللفظين لتغايرهما من حيث الكمال والنّقصان؛ لأن في المدبّر وأم الولد الملك كامل والرق ناقص، وفي المكاتب على عكسه، أو لأن المملوكية عام فيكون في بني آدم وغيرهم، والمرقوقية خاص فيهم، فتبيّن به أنّ الولد يتبع الأم في العام والخاصّ. وإنّما قلنا: أن في المملوكية العامة -أيضاً- يتبع الولد الأم بدليل أنّ البقر الوحشي والحمر الوحشية والظباء لا يجوز في الأضحيّة، وإذا كان الولدين الوحشي والأهلي، ينظر إن كانت الأمّ وحشيّة لا يجوز، وإن كانت أهليّة يجوز؛ لما أنّ الولد تابع للأمّ فيها -أيضاً-، كذا في «فتاوى الإمام الولوالجي» ﵀ (١). انتهى بحمد الله تعالى

стр. 2054

بَابُ الْعَبْدِ يَعْتِقُ بَعْضُهُ (١) لما ذَكَر (٢) إعتاق الكُل، ذكر في هذا الباب إعتاق البَعض؛ إما لأنَّ الجُزء يَتْبَع الكُل، فَيتبعه في الذِكرِ أيضاً، أو لأن إِعتَاق البعض بمنزلةِ العَوَارِضِ (٣)، لِقِلَّةِ وقُوعِهِ، فَأَخَّرَ ذكرَهُ عن ذكرِ الإعتاقِ الذي يَقعُ كثيرًا، أو لأن هذه المسألةَ مخُتَلَفٌ فيها، فَقَدَّم المُتَّفَق على المُخُّتلِفِ؛ لأن الأصلَ (٤) هو الاتفاقُ؛ لأنه مبنيٌ على اتحادِ القضايا العقليةِ والشرعية، والأصل هو الاتحاد في القضايا العَقلية والشرعِيَّة.

стр. 2055

قولَهُ ﵀ (١) (وإِذَا أَعتقَ المولى بعضَ عبدِهِ) عتق ذلك القَدْرُ إلى آخِرِه. قال صاحبُ الميزانِ ﵀ (٢) في طريقته: المعنى من قولنا الإعتَاقُ يتجَزَّى (٣) ليس هو أنّ ذاتَ القولِ يَتَجَزَّى، أو حُكمَهُ يَتَجَزَّى؛ لأنّه مُحَالٌ، بل معنى ذلك أنَّ المحلّ في قبول حكم الإعتاق يَتَجَزَّى، فيتصوّر ثبوته في النِّصف دون النِّصف، وحاصلُ الخِلافِ رَاجِعٌ إلى أن إعتاق النِّصفِ، هل يُوجِبُ زَوَالَ الرِّقِّ (٤) عن المحلّ (٥) كلّه أم لا؟ عنده (٦) لا يُوجِبُ، بل يبقى كلّ المحلِّ رقيقًا، ولكن زال الملكُ بقدرهِ، (٧) وعندهما (٨) يُوجِب زوال الرِّقِّ عن الكلِّ.

стр. 2056

وذكر في المبسوط (١) والأسرار (٢) (أن من أعتق نصف عبده فهو بالخيار (٣) في النِّصف الباقي، إن شاء أعتقه، وإن شاء استسعاه (٤) في النّصف الباقي في نصف قيمته، وما لم يؤدّ السّعاية فهو كالمكاتب (٥) وعند أبي يوسف (٦) ومحمد (٧) والشّافعي (٨) ﵏ (يَعتُقُ كُلّه) ولا سعايةَ عليه. لقوله ﵇: «مَن أعتق شِقصًا من عَبَدٍ فَهُوَ حُرٌ كُلُّهُ ليس لله تعالى فيه شَرِيكٌ» (٩).

стр. 2057

والمعنى فيه أنّ العتق أي الإعتاق إسقاط الرّقِ، والرّق لا يتجزّى ابتداءً، وبقاءً فإسقاطه بالعتق لا يتجزى كما أن الحِلّ (١) لما كان لا يتجزى ابتداء وبقاءً. فإبطالهُ بالطّلاقِ لا يتجزى وبَيَانُهُ أن قوله إعتاقٌ، فلا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِانْفِعَالِ العِتْقِ فِي المَحَلِّ، وبعد انفِعَالِ العِتقِ في بعضِ الشَّخصِ لو بقي الرّقُ في شيءٍ منه كان في ذلك تجزى الرّق في محلّ واحد، وذلك لا يجوز. [٤٠٠/ أ] فإنّ الرّق عقوبةٌ وجبت على الآدمي/ بسبب الكفر في الأصل، والعقوبة لا يتصوّر وجوبها على النّصف شايعًا (٢)؛ لأنّ الذنب لا يتصوّر من النّصف دون النّصف؛ ولأن الذي يَنْبَنِي على العتق من الأحكام يُضَادُّ أحكام الرِّقِّ من الأهلية (٣)، للشّهاداتِ (٤)، والإرثِ (٥)، والولاياتِ (٦)، ولا يتصوّر اجتماع الضِّدَّيْنِ في محلّ واحد؛ ولأن اتّصال أحد النّصفين بالآخر أقوى من اتصال الجنين (٧) بالأم؛ لأنّ ذلك بِغَرض الفصل، ثم إعتاق الأم يوجب عِتق الجنين لا محالة، فإعتاق أحد النّصفين أن يوجب عتق النّصف الآخر أولى).

стр. 2058

قوله ﵀: (وهو قول الشّافعي) (١) ﵀: أي فيما إذا كان المولى واحدًا، وكان المعتق موسرًا (٢) فعند ذلك قولهُ (٣) كقولهما (٤)، وأمّا إذا كان معسراً (٥) يبقى ملك السّاكت كما كان، حتّى يجوز له أن يبيع ويهب عنده (٦)، على ما يجيءُ في الكتاب (٧) وهما لا يتجزيان أي العتق والرّق أي لَّما لم يُتَجَزّ العتق والرّق، "ولا" (٨) يتجزى الإعتاق ضرورة (ولأبي حنيفة ﵀ حديث سالم (٩) عن ابن عمر ﵃ أنّ النّبي ﵇ قال: «مَن أَعْتَقَ شِقْصًا له في عَبدٍ فإن كان مُوسِرًا فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ وإلَّا فقد عَتَقَ مَا عَتَقَ، ورَقَّ ما رَقَّ» (١٠) وتأويل قوله ﵇: «فهو حُرٌ كُلُهُ» سَيَصِيرُ حُرًا كله بإخراج الباقي إلى الحُريّة بالسّعاية فيكون فيه بيان أنّه لا يُستدام الرّقُ فيما بقى منه، وهو مذهبنا (١١).

стр. 2059

والمعنى فيه، أن هذا إزالةَ ملك اليمين بالقول، فيتجزى في المَحَلِّ كالبيع، وتأثيره أنَّ تَصَرُّف المَالِكِ باعتِبار مِلكِهِ، وهو مالك للماليَّةِ دون الرِّقِّ، و الرِّقُّ: اسم لِضعفٍ ثابت في أهل الحرب مُجازاةً وعُقُوبةً على كفرهم، وهو لا يَحتمل التَّمَلُّكَ (١) كالحياةِ إلا أنّ بقاء مِلِكه لا يكونُ إلا ببقاء صفة الرّق في المحلّ، كما لا يكون إلا باعتبار صفة الحياة في المحلّ، وذلك لا يدلُّ على أنّ الحياة "مملوك" (٢) له، وإذا ثبت أنّه يملك الماليّة، ومِلكُ المالية محتمل للتجزي؛ فإنّما يَزولُ بقدر "مُزِيلُهُ" (٣)، ولهذا لا يُعتَقُ شيءٌ منه بإعتاق البعض عند أبي حنيفة ﵀ بل هو كالمكاتب عنده). (٤) وأمّا قولهم فالعتق غير متجز فلا يتجزّى الإعتاق "في نفسه" (٥) فغير صحيح (لما أنّ العتق الذي ينبني على الإعتاق غير متجزٍّ والإعتاق في نفسه متجزٍّ حتّى يتصوّر من جماعة. فالمعتق للبعض إنّما يُثبتُ شَطر العِلَّةِ (٦)، فَيَتَوَقَّفُ عِتقُ المَحَلِّ على تكميلها، وهو نظير إباحة أداء الصّلاة تَنبني على غَسلِ أعضاءٍ هي متجزّيةٌ في نفسها، حتى يكونَ غاسلاً بعض الأعضاء متطهرًا بقدره، ثم يتوقف إباحة أداء الصّلاة على إكمال العلّة. وحرمة المحلّ لا يتجزى، وإن كانت تنبني على طلقات هي متجزيّة، حتّى كان الموقع للتّطليقتين مطلقًا، ويتوقّف ثبوت الحرمة على كمال العلّة، وههنا أيضًا نزول العتق في المحلِّ يتوقف على تمام العلّة في المحلِّ بإعتاق ما بقي، وإن كان معتق البعض معتقًا؛ لأنّ الإعتاق يقتضي انفعال العتق كما قالوا (٧) ولكن لا يقتضي الاتصال بالإعتاق بل يثبت الاستحقاق (٨) بالإعتاق، ويتأخر ثبوته في المحلّ إلى إكمال العلّة) (٩) وفي هذه الحالة له حكم المكاتب الذي هو بين الحرّ والعبد؛ لأنّه صار بينهما.

стр. 2060

واستدلَّ أبو حنيفة ﵀ بدلالة الإجماع أيضًا، على أن إعتاق البعض ليس بإعتاق للكلّ، فإن المعتق إذا كان معسرًا لا يضمن، ولو كان إعتاقًا للكلّ وإتلافًا حكمًا يضمن موسرًا كان أو معسرًا، كما لو تلف بالسّيف أو بالشّهادة لإنسان، ثم رجع بعد القضاء؛ فإنّه يضمن موسراً كان أو معسرًا فالسّقوط بالعسر دليلٌ على أن للضّمان (١) حكم الصّلات (٢) بوجه ولم يتمحض (٣) ضمان إتلاف. وإنّما يثبت حكم الصّلة من وجه إذا ثبت أنّه متجز؛ ليأخذ الضمان حكم العقوبة للعبد لما عرف في مسألة سقوط ضمان العتق بالموت. (أمّا عتق الجنين عند إعتاق الأمّ، فليس لأجل الاتصال؛ ألا ترى أن إعتاق الجنين لم يوجب إعتاق الأم، والاتصال موجود ولكن الجنين في حكم جزء من أجزائها كيدها ورجلها، وثبوت الحكم في التبع بثبوته في المتبوع واحد النّصفين ليس ببيع للنّصف الباقي فلذلك لم يكن إعتاق أحد النّصفين موجباً العتق في النّصف الباقي) كذا في المبسوط (٤) والأسرار (٥). قوله: والرّق حقّ الشّرع لأنّه (٦) استنكف أن يكون عبد الله فجازاه الله تعالى بأن صيّره عبد عبده، وهذا آية حق الشّرع أو حق العامة.

стр. 2061

فإنّ الغانمين (١) يستغنمونه كما يستغنمون سائر الجمادات، من الأموال فصار في حقّهم بمنزلة الجماد/ ليصلوا إلى الانتفاع به فيبقى على الأصل، وهو أنّ الأصل أن يقتصر التصرّف بموضع إضافة التّصرف إليه فعملنا بالدّليلين. [٤٠٠/ ب] لمِا أنَّ زوال الملك عن النّصف يوجب ثبوت المالكية في الكل باعتبار العتق؛ لأنّه لا يتجزى، وبقاء الملك في النّصف يوجب ثبوت المالكيّة في الكلّ باعتبار الرّق، لأنّه لا يتجزى، فقد اجتمع في العبد ما يوجب ثبوت المالكية في الكلّ. وما يوجب بقاء الملك في الكلّ، والعمل بالدليلين ممكن بأن يجعل مكاتبًا؛ لأنّ المكاتب بين المالكيّة والمملوكية، إلى هذا أشار في مبسوط شيخ الإسلام (٢) ﵀. أو (أنّ إضافة العتق إلى البعض) يوجب ثبوت المالكيّة في كلّه كما هو قولهما. وبقاء الملك في البعض يمنع ثبوت المالكيّة في الكلّ كما هو قول أبي حنيفة ﵀ فقلنا إنَّه حرٌ يدًا مملوكٌ رقبةً، كالمكاتب عملاً بالدّليلين (٣).

стр. 2062

يقال ويفسخ (١) أي يصحّ الإقالة (٢) والفسخ (٣) ملكه بالضمان، فكمل الاستيلاد (٤) لا باعتبار أن الاستيلاد غير متجزي عنده. (فأعتق أحدهما نصيبه عتق) (٥) فإن قيل كيف يصحّ قوله عتق وعند أبي حنيفة ﵀ لا يثبت شيء من العتق كما لا يثبت شيء من إباحة أداء الصّلاة عند غسل بعض أعضاء الوضوء. قلنا المراد منه ثبت استحقاق العتق، أو زال ملك الشّريك (٦) مع بقاء الرّق في كلّ العبد، وإنّما قيّد بقوله فأعتق أحدهما نصيبه، لأنّه لو أعتق أحدهما نصيب شريكه منه لم يعتق بالاتفاق؛ لأنّ ملك الغير ليس بمحلّ للعتق في حقّه، والسّراية (٧) عندهما إنّما تكون بعد مصادفة العتق محله، وهو تصرف المتصرّف في ملكه، فإذا لم يصادف محلّه كان لغوًا.

стр. 2063

(وإن أعتق أو استسعى، فالولاء (١) بينهما) غاية ما في الباب أن السّاكت (٢) أعتقه بالبدل، والإعتاق على المال لا ينافي ثبوت الولاء. (فالشّريك بالخيار) (٣) (إن شاء أعتق وإن شاء استسعى العبد، وليس له حق تضمين الشّريك (٤). إلا على قول بشر المريسي (٥).

стр. 2064

والقياس (١) فيه إمَّا وجوب الضّمان على المعتق، موسرًا كان، أو معسرًا؛ لأنّه بإعتاق نصيبه مُفسد على الشّريك نصيبه، فإنّه يتعذّر عليه استدامة ملكه، والتّصرف في نصيبه، وضمان الإفساد لا يختلف باليسار والإعسار. والقياس الثّاني: أن لا يجب ضمان على المعتق بحال؛ لأنّه متصرّف في نصيب نفسه، والمتصرّف في ملكه لا يكون متعدّيًا، ولا يلزمه الضّمان، وإن تعدّى ضرر تصرّفه إلى ملك الغير، كمن سقى أرضه فَنَزَّت (٢) أرض جاره، أو أحرق الحصايد (٣) في أرضه فاحترق شيء من ملك جاره. ولكنّا تركنا القياس للآثار فمنها ما روى نافع عن ابن عمر ﵃ أنّ رسول الله ﷺ قال: «فِي الرَّجُلِ يُعْتِقُ نَصِيبَهُ فِي الْمَمْلُوكِ: إنْ كَانَ غَنِيًّا ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا يَسْعَى فِي حِصَّةِ الْآخَرِ» (٤) وهكذا روى عروة عن عائشة ﵂ كذا في المبسوط (٥).

стр. 2065

ثم اعلم أنّ السّاكت لما تخيّر بين الإعتاق والاستسعاء واختيار السّاكت أحدهما إبراء الآخر وكان هو نظير اختيار المالك تضمين أحد الغاصبين واختياره (١) أن يقول اخترت أن أضمنك أو يقول أعطني حقي، وأمّا إذا اختاره بالقلب فذاك ليس بشيء. وإن كان السّاكت صغيرًا والمعتق موسرًا، فولي الصّغير، يخير بين التّضمين، والاستسعاء، عند أبي حنيفة ﵀ والتّضمين أولى، وإن لم يكن له وليٌّ يُنتظر بلوغه كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٢) ﵀. قوله: (ولا يرجع المعتق على العبد) على قولهما وعند أبي حنيفة ﵀ يرجع المعتق على العبد إذا ضمن المعتق لما ذكروا من الدّليل من الطّرفين. فإن قلتَ: كان القياسُ أن يرجع العبد بما سعى على المعتق، إذا أيسر على القولين كما في العبد المرهون، ولما أن المعتق هو الذي ورطه في هذه الورطة (٣)؛ فإنه لولا إعتاقهُ لما وجب عليه الاستسعاء فيجب عليه أداءَ ضمانهِ، وهو قول ابن أبي ليلى (٤) ﵀ كالعبد المرهون، فإنّه يرجع على الراهن بما سعى. [٤٠١/ أ] قلتُ: (إذا كانت عسرة المعتق تمنع وجوب الضمان عليه للسّاكت، فكذلك يمنع وجوب الضّمان عليه للعبد؛ وإنّما سعى العبد في بدل رقبته "ومالكيته" (٥) وقد سلم له ذلك، فلا يرجع به على أحد بخلاف المرهون، فإنّ سعايته ليست في بدل رقبته بل في الدّين الذي هو ثابت في ذمّة الراهن، من كان مجبرًا على قضاء دين في ذمة/ الغير من غير "إلزامُ" (٦) جهته يثبت له حقُّ الرجُوع به عليه كما في معير الرّهن) (٧). كذا في المبسوط (٨).

стр. 2066

قوله: كما إذا هبّت (١) الرِّيحُ بثوب إنسان إلى أن قال قيمة صبغ الآخر موسرًا كان أو معسرًا (٢). فإن قيل: هذا القياس وقع معارضًا لحديث القسمة (٣) وهو قوله ﵇: «إن كان غَنيًّا ضَمِنَ وإن كان فقيرًا سَعى العَبدُ» (٤) وكل قياسٍ هو مخالف للنّص فهو مردود. قلنا ذكر القسمة في الحديث بلفظ الشّرط، والشّرط يقتضي الوجود عند الوجود، ولا يقتضي العدم عند العدم، فإنّ النّبي ﵇ علّق الاستسعاء بفقر المعتق، وهو لا ينافي في الاستسعاء عند عدم الفقر على ما هو أصلنا فجاز له أن يستسعى عند وجود الدّليل وإن كان موسرًا لما قلناه وهو قوله: وله (٥) انَّه احتَبَسَت (٦) مالِيَّةُ نَصِيبِهِ عند العَبدِ، ثم المُعتَبَرُ (٧) يَسَارُ التَّيسِيرِ، وهو أن يَملِكَ من المال قَدرَ قِيمَةِ نَصِيبِ الآخَر لا يَسَارُ الْغِنَى. ولم يستثن الكفاف في ظاهر الرّواية (٨) وفي رواية الحسن استثنى، ويُعتَبَرُ قِيمَةُ العَبدِ في الضَّمان والسِّعَايةِ يوم الإِعتاق (٩)، وكذا حال المعتق في يساره وإعساره (١٠)، وإن قال أعتقتُ وأنا مُعسر، وقال السّاكت بخلافه، نُظِر إليه (١١) يوم ظهر العتق، كما في الإجارة (١٢) إذا اختلفا في انقطاع الماء وجريانه (١٣)، وإن مات العبد قبل أن يختار السّاكت شيئًا، لم يكن له تضمين المعتق إن كان موسرًا في رواية عن أبي حنيفة ﵀؛ لأنّ التّضمين بشرط نقل الملك إلى المعتق، وقد فات النّقل بالموت، وفي ظاهر الرواية عنه له ذلك، لأنّ الضّمان يستند إلى حالة الإعتاق كما في تضمين المتلفات (١٤)، وعندهما الضّمان واجب، ولو باع السّاكت نصيبه من المعتق، أو وهب على عوض فالقياس أن يجوز كالتّضمين، وفي الاستحسان (١٥) لا؛ لأنّ هذا تمليك للحال وهو غير محلّ له، بخلاف التّضمين، فإنّه تمليك من وقت الإفساد وهو محلّ له، كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ وفي الجامع الصّغير (١٦) لقاضي خان (١٧) ﵀.

стр. 2067

وإن كان أعتقه أحد الشّريكين في مرض موته وهو موسر ثم مات لا يؤخذ ضمان العتق من تركته في قول أبي حنيفة ﵀ بل يسقط؛ لأنّ الضّمان إنّما يجب عليه بطريق التّحمل والصّلة والصّلات تسقط بالموت قبل الأداء وعندهما يؤخذ الضّمان من تركته؛ لأنّ الضّمان واجب عليه بجهة الأصالة؛ لأنّه أتلف نصيب السّاكت وضمان الإتلاف يكون على المتلف ولا يسقط بموته وإنما عرف استسعاء العبد عند عسرته نصًا بخلاف القياس؛ لأنّ به أي بيسار التّيسير (١). قوله: والاستسعاء معطوف على "والتّضمين" (٢). قوله: لما بيّنا (٣) إشارة إلى قوله وله أنّه احتبست مالية نصيبه ولفظ احتَبَست بفتح التّاء والباء على بناء الفاعل هكذا كان مقيّدًا بقيد شيخي ﵀ (٤). وقد كان له ذلك بالاستسعاء، أي وقد كان للسّاكت الرجوع على العبد بالاستسعاء فكذلك للمعتق (٥)؛ لأنّه قام مقام السّاكت كالمدبّر (٦) إذا قتل في يد الغاصب (٧) وضمن الغاصب كان له أن يرجع بما ضمن على القاتل، كذا في مبسوط شيخ الإسلام ﵀ (٨).

стр. 2068

قوله: ضِمنًا في قوله: ولأنّه يَملكه بِأَدَاءِ الضَّمَانِ ضِمنًا لجواب سؤال يرد على قوله: والمستسعى بِمنزلةِ المكاتب عنده. فإنّه لما كان بمنزلة المكاتب كان ينبغي (١) أن لا يتملك بالضّمان؛ لأنّ المكاتب لا يقبل النّقل من ملك إلى ملك فأجاب عنه، وقال إنّما يملكه ضمنًا لأداء الضّمان لا قصدًا، والضمنيات لا تعتبر وإن شاء استسعى (٢) لما بينا وهو قوله: أنه احتبست مالية نصيبه والولاء له أي للساكت وللمعتق أيضًا، فكان الولاء بينهما؛ لأنّ العتق حصل منهما، كما إذا كان المعتق موسراً فاختار السّاكت الإعتاق أو الاستسعاء فذكر هناك أن الولاء بينهما لوجود الإعتاق منهما. فكذلك ههنا في الوجهين أي في الإعتاق والاستسعاء، ولا يرجع المستسعَى بفتح العين على صيغة اسم المفعول وهو العبد على المعتق. بخلاف العبد المرهون، فإنّه إذا سعى يرجع على الرّاهن، وقد بيناه (٣) بإجماع بيننا، وإنّما قيد به احترازًا عن قول ابن أبي ليلى، فإنّ عنده يرجع العبد بما سعى على المعتق، وقد ذكرناه وجوابه (٤). وقال (٥) في المُعسِرِ: يَبقى نصيبُ السَّاكِتِ على مِلكِهِ ويَتصرفُ فيه بما شاء. [٤٠١/ ب] (فوجه قوله أن عسرة العبد أظهر من عسرة المعتق، لأنّه ليس من أهل ملك المال، فإذا لم يجب الضّمان على المعتق/ لعسرته.

стр. 2069

فكذلك لا يجب على العبد بل أولى؛ لأنَّ المُعتِق مُعسرٌ جَانٍ (١) والعَبد مُعسرٌ غير جَانٍ، وهذا لأنّه لو لزمته السّعاية إنّما تلزمه في بدل رقبته، وليس للمولى ولايَةُ إلزامِهِ المال بدلًا عن رقبتِهِ في ذِمَّتِهِ كما لو كاتبَهُ بغير رضَاهُ فَلَأَنْ لا يكون ذلك لغير المالكِ أولَى. وحُجَّتُنَا (٢) في ذلك حديث بِشيرِ بن نَهِيكٍ (٣) عن أبي هُريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من أعتَق شِقصًا من عبدٍ بينهُ وبين غيرهِ، قُوِّمَ عليهِ نَصِيبُ شرِيكِهِ إن كان موسِرًا قِيمَةَ عَدلٍ، وإلا يُستَسعَى العبد في نَصِيبِه غير مشقوقٍ عليه». (٤) أي غير مشتدّ عليه الأمر، والمعنى فيه أنَّ نصِيبَ الشَّريكِ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ، وقد احتُبِس عِند العبد لما قلنا أَنَّ بعد إعتَاق البَعض يَمتنِعُ استِدَامَةُ المِلكِ فيما بقي لِوُجُوب تكمِيلِ العتق، والدَّليل عليه حالةُ اليسار فإنَّ حكم المحلِّ لا يختَلفُ بيسار المُعتِق، وعُسرته، ومن احتبس مِلك الغير عنده يكون ضامِنًا له مُوسِرًا كان أو مُعسرًا، وُجد منه أو لم يوجد، كما لو هبَّت الرِّيحُ بثوبِ إنسانٍ، وألقتهُ في صَبغِ إنسانٍ، فانصبغ (٥) كان لصاحِبِ الصَّبغِ أن يرجع عليه بقيمة صَبغِه إذا اختار صاحبُ الثَّوب إمساك الثّوب، وكذلك إذا استولَدَ أحدُ الشَّريكينِ الجاريةَ (٦) المشتركة، يضمنُ نصيبَ شريكِهِ مُوسِرًا كان أو مُعسرًا، لاحتِباس نصيبِ الشَّريكِ عنده، فكذلك هنا يجب على العبدِ السِّعايةُ في نصيبِ الشَّريكِ، وإن كان معسرًا لاحتباس نصيب الشّريك عنده، وهذا بخلاف بدلِ الكِتابةِ؛ لأن وجوبه بعقد يعتمد التَّراضي، ووجوب السِّعَايَةِ من طريق الحُكمِ للاحتِبَاسِ، وذلك متقدّر وإن لم يرض به العبد) كذا في المبسوط (٧).

стр. 2070

ولا راضٍ به (١) أي العبد غير راضٍ بفعل الإعتاق؛ لأنّ الرضاء (٢) لا يتحقق إلا بعد العلم والمولى منفرد بالإعتاق فلا يكون العبد عالمًا بالإعتاق فلا يكون راضيًا فلا يجب السّعاية، فتعيّن ما عيناه وهو عتق ما عتق ورق ما رق؛ لأنّه لا يفتقر إلى الجناية (٣) أي لأنّ الاستسعاء لا يحتاج في وجوده إلى الجناية لا محالة، كما في إعتاق العبد المرهون والرّاهن معسر، فلا يصار إلى الجمع وهو جمع الضعف مع القوّة (٤) هذا جواب (٥) عن قوله (٦) لأنّ على تقدير قوله وهو صحّة البيع والهبة (٧) في نصيب السّاكت مع إعتاق المعتق نصيب يلزم الجمع بين العتق والملك في شخص واحد وهو لا يجوز، لما أنّ الاستسعاء ممكن باعتبار احتباس الماليّة فيه.
следующие страницы →