← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

قوله: كما إذا هبّت (١) الرِّيحُ بثوب إنسان إلى أن قال قيمة صبغ الآخر موسرًا كان أو معسرًا (٢). فإن قيل: هذا القياس وقع معارضًا لحديث القسمة (٣) وهو قوله ﵇: «إن كان غَنيًّا ضَمِنَ وإن كان فقيرًا سَعى العَبدُ» (٤) وكل قياسٍ هو مخالف للنّص فهو مردود. قلنا ذكر القسمة في الحديث بلفظ الشّرط، والشّرط يقتضي الوجود عند الوجود، ولا يقتضي العدم عند العدم، فإنّ النّبي ﵇ علّق الاستسعاء بفقر المعتق، وهو لا ينافي في الاستسعاء عند عدم الفقر على ما هو أصلنا فجاز له أن يستسعى عند وجود الدّليل وإن كان موسرًا لما قلناه وهو قوله: وله (٥) انَّه احتَبَسَت (٦) مالِيَّةُ نَصِيبِهِ عند العَبدِ، ثم المُعتَبَرُ (٧) يَسَارُ التَّيسِيرِ، وهو أن يَملِكَ من المال قَدرَ قِيمَةِ نَصِيبِ الآخَر لا يَسَارُ الْغِنَى. ولم يستثن الكفاف في ظاهر الرّواية (٨) وفي رواية الحسن استثنى، ويُعتَبَرُ قِيمَةُ العَبدِ في الضَّمان والسِّعَايةِ يوم الإِعتاق (٩)، وكذا حال المعتق في يساره وإعساره (١٠)، وإن قال أعتقتُ وأنا مُعسر، وقال السّاكت بخلافه، نُظِر إليه (١١) يوم ظهر العتق، كما في الإجارة (١٢) إذا اختلفا في انقطاع الماء وجريانه (١٣)، وإن مات العبد قبل أن يختار السّاكت شيئًا، لم يكن له تضمين المعتق إن كان موسرًا في رواية عن أبي حنيفة ﵀؛ لأنّ التّضمين بشرط نقل الملك إلى المعتق، وقد فات النّقل بالموت، وفي ظاهر الرواية عنه له ذلك، لأنّ الضّمان يستند إلى حالة الإعتاق كما في تضمين المتلفات (١٤)، وعندهما الضّمان واجب، ولو باع السّاكت نصيبه من المعتق، أو وهب على عوض فالقياس أن يجوز كالتّضمين، وفي الاستحسان (١٥) لا؛ لأنّ هذا تمليك للحال وهو غير محلّ له، بخلاف التّضمين، فإنّه تمليك من وقت الإفساد وهو محلّ له، كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ وفي الجامع الصّغير (١٦) لقاضي خان (١٧) ﵀.

стр. 2067

وإن كان أعتقه أحد الشّريكين في مرض موته وهو موسر ثم مات لا يؤخذ ضمان العتق من تركته في قول أبي حنيفة ﵀ بل يسقط؛ لأنّ الضّمان إنّما يجب عليه بطريق التّحمل والصّلة والصّلات تسقط بالموت قبل الأداء وعندهما يؤخذ الضّمان من تركته؛ لأنّ الضّمان واجب عليه بجهة الأصالة؛ لأنّه أتلف نصيب السّاكت وضمان الإتلاف يكون على المتلف ولا يسقط بموته وإنما عرف استسعاء العبد عند عسرته نصًا بخلاف القياس؛ لأنّ به أي بيسار التّيسير (١). قوله: والاستسعاء معطوف على "والتّضمين" (٢). قوله: لما بيّنا (٣) إشارة إلى قوله وله أنّه احتبست مالية نصيبه ولفظ احتَبَست بفتح التّاء والباء على بناء الفاعل هكذا كان مقيّدًا بقيد شيخي ﵀ (٤). وقد كان له ذلك بالاستسعاء، أي وقد كان للسّاكت الرجوع على العبد بالاستسعاء فكذلك للمعتق (٥)؛ لأنّه قام مقام السّاكت كالمدبّر (٦) إذا قتل في يد الغاصب (٧) وضمن الغاصب كان له أن يرجع بما ضمن على القاتل، كذا في مبسوط شيخ الإسلام ﵀ (٨).

стр. 2068

قوله: ضِمنًا في قوله: ولأنّه يَملكه بِأَدَاءِ الضَّمَانِ ضِمنًا لجواب سؤال يرد على قوله: والمستسعى بِمنزلةِ المكاتب عنده. فإنّه لما كان بمنزلة المكاتب كان ينبغي (١) أن لا يتملك بالضّمان؛ لأنّ المكاتب لا يقبل النّقل من ملك إلى ملك فأجاب عنه، وقال إنّما يملكه ضمنًا لأداء الضّمان لا قصدًا، والضمنيات لا تعتبر وإن شاء استسعى (٢) لما بينا وهو قوله: أنه احتبست مالية نصيبه والولاء له أي للساكت وللمعتق أيضًا، فكان الولاء بينهما؛ لأنّ العتق حصل منهما، كما إذا كان المعتق موسراً فاختار السّاكت الإعتاق أو الاستسعاء فذكر هناك أن الولاء بينهما لوجود الإعتاق منهما. فكذلك ههنا في الوجهين أي في الإعتاق والاستسعاء، ولا يرجع المستسعَى بفتح العين على صيغة اسم المفعول وهو العبد على المعتق. بخلاف العبد المرهون، فإنّه إذا سعى يرجع على الرّاهن، وقد بيناه (٣) بإجماع بيننا، وإنّما قيد به احترازًا عن قول ابن أبي ليلى، فإنّ عنده يرجع العبد بما سعى على المعتق، وقد ذكرناه وجوابه (٤). وقال (٥) في المُعسِرِ: يَبقى نصيبُ السَّاكِتِ على مِلكِهِ ويَتصرفُ فيه بما شاء. [٤٠١/ ب] (فوجه قوله أن عسرة العبد أظهر من عسرة المعتق، لأنّه ليس من أهل ملك المال، فإذا لم يجب الضّمان على المعتق/ لعسرته.

стр. 2069

فكذلك لا يجب على العبد بل أولى؛ لأنَّ المُعتِق مُعسرٌ جَانٍ (١) والعَبد مُعسرٌ غير جَانٍ، وهذا لأنّه لو لزمته السّعاية إنّما تلزمه في بدل رقبته، وليس للمولى ولايَةُ إلزامِهِ المال بدلًا عن رقبتِهِ في ذِمَّتِهِ كما لو كاتبَهُ بغير رضَاهُ فَلَأَنْ لا يكون ذلك لغير المالكِ أولَى. وحُجَّتُنَا (٢) في ذلك حديث بِشيرِ بن نَهِيكٍ (٣) عن أبي هُريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من أعتَق شِقصًا من عبدٍ بينهُ وبين غيرهِ، قُوِّمَ عليهِ نَصِيبُ شرِيكِهِ إن كان موسِرًا قِيمَةَ عَدلٍ، وإلا يُستَسعَى العبد في نَصِيبِه غير مشقوقٍ عليه». (٤) أي غير مشتدّ عليه الأمر، والمعنى فيه أنَّ نصِيبَ الشَّريكِ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ، وقد احتُبِس عِند العبد لما قلنا أَنَّ بعد إعتَاق البَعض يَمتنِعُ استِدَامَةُ المِلكِ فيما بقي لِوُجُوب تكمِيلِ العتق، والدَّليل عليه حالةُ اليسار فإنَّ حكم المحلِّ لا يختَلفُ بيسار المُعتِق، وعُسرته، ومن احتبس مِلك الغير عنده يكون ضامِنًا له مُوسِرًا كان أو مُعسرًا، وُجد منه أو لم يوجد، كما لو هبَّت الرِّيحُ بثوبِ إنسانٍ، وألقتهُ في صَبغِ إنسانٍ، فانصبغ (٥) كان لصاحِبِ الصَّبغِ أن يرجع عليه بقيمة صَبغِه إذا اختار صاحبُ الثَّوب إمساك الثّوب، وكذلك إذا استولَدَ أحدُ الشَّريكينِ الجاريةَ (٦) المشتركة، يضمنُ نصيبَ شريكِهِ مُوسِرًا كان أو مُعسرًا، لاحتِباس نصيبِ الشَّريكِ عنده، فكذلك هنا يجب على العبدِ السِّعايةُ في نصيبِ الشَّريكِ، وإن كان معسرًا لاحتباس نصيب الشّريك عنده، وهذا بخلاف بدلِ الكِتابةِ؛ لأن وجوبه بعقد يعتمد التَّراضي، ووجوب السِّعَايَةِ من طريق الحُكمِ للاحتِبَاسِ، وذلك متقدّر وإن لم يرض به العبد) كذا في المبسوط (٧).

стр. 2070

ولا راضٍ به (١) أي العبد غير راضٍ بفعل الإعتاق؛ لأنّ الرضاء (٢) لا يتحقق إلا بعد العلم والمولى منفرد بالإعتاق فلا يكون العبد عالمًا بالإعتاق فلا يكون راضيًا فلا يجب السّعاية، فتعيّن ما عيناه وهو عتق ما عتق ورق ما رق؛ لأنّه لا يفتقر إلى الجناية (٣) أي لأنّ الاستسعاء لا يحتاج في وجوده إلى الجناية لا محالة، كما في إعتاق العبد المرهون والرّاهن معسر، فلا يصار إلى الجمع وهو جمع الضعف مع القوّة (٤) هذا جواب (٥) عن قوله (٦) لأنّ على تقدير قوله وهو صحّة البيع والهبة (٧) في نصيب السّاكت مع إعتاق المعتق نصيب يلزم الجمع بين العتق والملك في شخص واحد وهو لا يجوز، لما أنّ الاستسعاء ممكن باعتبار احتباس الماليّة فيه.

стр. 2071

ولو شهد كل واحد من الشريكين على الآخر بالعتق (١) أي بالإعتاق في زعمه، أي في زعم كلّ واحد منهما عنده أي عند أبي حنيفة ﵀ وحرم عليه الاسترقاق (٢)، أي على كلّ واحد منهما فيصدق أي كل واحد منهما في حق نفسه؛ لأنّه مكاتبة أي على تقدير الصّدق أو مملوكة أي على تقدير الكذب كان من حق اللَّفِ والنَّشرِ (٣) أن يقال صادقًا كان أو كاذبًا؛ لأنّه مكاتبه أو مملوكه.

стр. 2072

وإنما تَيَقَّنَّا بحق الاستِسعَاءِ على التَّقديرينِ فإنّ المولى إذا كان كاذباً في قوله أعتق الشّريك يكون الكسب للمولى والمراد من الاستسعاء هو أن يكون الكسبُ للمولى. وإذا كان صادقًا في قولِه: [أعتَقَ الشَّرِيكُ] يكونُ مُقِرًّا بأنَّ العبد صار مُكاتبًا باعتبارِ تَجَزِّي الإعتاق عند أبي حنيفة ﵀، فكان الاستِسعَاءُ حينئذٍ بِمنزِلَةِ أخذ بدل الكتابة وذلك أيضًا جائزٌ. قوله: لأنّ حقّه في الحالين أي لأنّ حق المولى في حال اليسار والإعسار في أحد شيئين أي التّضمين أو الاستسعاء. قوله: وقد تعذّر التّضمين لإنكار الشّريك ولا يقال لم يَتَعَذَّر التَّضمِينُ على تَقدِير التَّحلِيفِ فإِنَّه لمَّا أنكر يَحلِفُ، فإذا نَكَلَ (١) عن الحلف (٢) يجب الضمان، لأنّا نقول: لما كان من اعتقاد كلّ واحد منهما أنّه أعتقه صاحبه يحلف، فلم يجب الضّمان على تقدير الحلف فيتعيّن السّعاية فلا فائدة في التحليف بل يتعيّن السّعاية بلا تحليف؛ لأنّ ماله إليه، إلا أن الدّعوى لم يثبت لإنكار الآخر، والبراءة (٣) قد تثبت لإقراره على ما بيّناه؛ وهو قوله: لأنا تَيَقَّنَّا بحق الاستسعاء كاذبًا كان أو صادقًا. [٤٠٢/ أ] وذكر في المبسوط (٤) (وإن شهد أحد الشريكين على صاحبه بالعتق، لم يجز شهادته؛ لأنّه في الحقيقة مدّعٍ إمّا الضّمان على شريكه أو السّعاية على العبد في نصيبه ولكن الرّق يَفسدُ بإقراره، لأنّه متمكن من إفساد الرّق بإعتاقه، فإذا أقرّ بفساد الرّق بإعتاق الشّريك يعتبر إقراره في ذلك، ثم يسعى العبد في قيمته بينهما في قول أبي حنيفة ﵀/ موسرين كانا أو معسرين أو كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا؛ لأنّ يسار المعتق عنده لا يمنع وجوب السّعاية، والشّاهد منهما يقول شريكي معتق ولي استسعاء العبد مع يساره والمشهود عليه يقول الشّاهد كاذب ولا ضمان لي عليه، ولكن لي حق استسعاء العبد لاحتباس نصيبي عنده) فمضى الغد (٥) ولا يُدرى دخل أم لا وقال كلّ واحد منهما حنث صاحبي وهذا (٦) قول أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- إلا أنّ عند أبي حنيفة ﵀ يسعى لهما في نصف قيمته موسرين كانا أو معسرين أو كان أحدها موسرًا والآخر معسرًا؛ (لأنّ يسار المعتق عنده لا يمنع وجوب السّعاية على العبد) (٧)

стр. 2073

فحالهما في استحقاق النّصف الباقي على السّواء. وعند أبي يوسف ﵀ إن كانا معسرين، (فكذلك وإن كانا موسرين لم يسع لواحد منهما في شيء؛ لأنّ كلّ واحد منهما يتبرى عن السّعاية، ويدّعي الضّمان على شريكه فإن يسار المعتق عنده، يمنع وجوب السّعاية، وإن كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا سعى في ربع قيمته للموسر منهما؛ لأنّ المعسر يدّعي الضّمان على شريكه، ويتبرى من سعاية العبد فيسقط حصّته (١) عنه. والموسر يَدَّعي السِّعاية على العبد فيسعى له في حصَّته وعلى قول محمّد ﵀ إن كانا معسرين يسعى في جميع قيمته بينهما نصفين وإن كانا موسرين لم يسع لواحد منهما في شيء. وإن كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا، سعى في نصف قيمته للموسر منهما، لأنّ المعسر يتبرأ عن السّعاية، والموسر يدعيها، فإن يسار المعتق عنده يمنع وجوب السّعاية) (٢) كذا في الجامع الصّغير لشمس الأئمة السرخسي (٣) ﵀ "وبهذا (٤) يعلم أن ما ذكر في الكتاب" (٥) (وقال محمّد ﵀ يسعى في جميع قيمته) (٦) أي إذا كانا معسرين لأنَّ المَقْضِيَّ عليه بسُقُوط حقِّهِ في السِّعَايَةِ وهو الحانث منهما مَجهُولٌ والقضاء على المجهولِ لا يجوز، وهو نظير ما لو شهد كلّ واحد منهما على صاحبه بالعتق في عبد مشترك بينهما، فإنّه يسعى لهما في جميع القيمة لجهالة المقضيّ عليه بسقوط السّعاية على ما مرّ آنفًا، فكذلك ههنا.

стр. 2074

وَمَعَ (١) التَّيَقُّنِ بسُقُوطِ النِّصف كيف يُقضَى بوُجُوب الكُلِّ (٢) وبه (٣) فارق الشهادة بالعتق فهناك لم يتيقّن بسقوط شيء من السّعاية عن العبد، لجواز أن يكون كلّ واحد منهما كاذباً فيما يشهد به على صاحبه، ونظيره جارية في يدي رجل زعم أنّه نكحها بإذن مولاها، ومولاها يزعم أنّه باعها منه، لا يحلّ له وطئها وإن اتفقا على حلها نظرًا إلى ما يدعيه كل واحد منهما، لكن احتمال الكذب في دعوى كلّ واحد منهما ثابت فلا يثبت الحِلّ. وأمّا في مسألتنا تَيَقَّنَّا بسُقُوط نصفِ السِّعايةِ عن العبدِ، على ما ذكرنا فلما سقط النّصف وزع عليهما دفعا للجهالة بقدر الإمكان "وهو (٤) معنى قوله في الكتاب" والجَهالَةُ ترتفعُ بالشُّيُوع والتَّوزيعِ. (٥) فإن قيل: في التّوزيع فساد أيضًا؛ وهو إسقاط السّعاية عن حق غير المعتق وإيجابها للعتق. قلنا: نعم لكن بطريق الضّرورة فإنا لو لم نقل بالتّوزيع، وقلنا بوجوب كلّ السّعاية كما قال محمّد كان فيه إبطال حق العبد من كلّ وجه ولو قلنا بالتّوزيع كان فيه إبطال حق غير المعتق من وجه فكان التّوزيع أولى، ولو حَلَفَا على عَبدينِ كُلِّ واحدٍ من العبدين لأحدهما فقال أحدهما إن دخل فلان الدّار غدًا فعبدي هذا حر وقال الآخر إن لم يدخل فعبدي هذا حرّ فمضى الغد ولا يُدرَى دخل أم لا لم يعتق واحد منهما؛ لأنّ عتق كلّ واحد منهما مشكوك فيه غير متيقّن فتمكنت الجهالة في موضعين في المعتِق والمعتَق فيترجّح جانب الجهالة على جانب العلم فتعذّر القضاء، بخلاف ما تقدم؛ لأنّ المقضي له بسقوط نصف السّعاية معلوم وهو العبد.

стр. 2075

والمقضي به معلوم وهو نِصفُ السِّعاية، والمجهولُ واحدٌ، وهو الحانِث، فترجّح جانب العلم على جانب الجهالة، فتوزّع، ثم في مسألة العبدين إذا اشتراهما رجل جاز، وإن كان عالمًا يحنث أحد التّابعين؛ لأنّ كلّ واحد منهما يزعم أنّه يتبع العبد، وزعم المشتري قبل دخول العبد في ملكه غير معتبر، كما لو أقرّ بحريّةِ عبدٍ، ومولاه ينكر ثمّ اشتراه، صحّ وإذا صحّ الشّراء، واجتمعا في ملكه عتق عليه أحدهما؛ لأن زعمه معتبر، لأنّ لحصولهما في ملكه، ويؤمر بالبيان؛ لأنّ المقضي عليه معلوم. [٤٠٢/ ب] وكذا لو أقرّ بإعتاق البائع ثم مَلَكَهُ عَتُق عليه بإقرارهِ، ولو قال: عَبدُهُ حُرٌ إن لم يكن فلانٌ دخل هذه الدّارَ اليومَ، ثمّ قال امرأته طالق إن كان دخل اليوم عتق وطلقت؛ لأنّ اليمين (١) الأولى صار مُقرًّا بوجودِ شرطِ/ الطّلاق وباليمين الثّانية صار مقرًا بوجود شرط العتق. وقيل: (٢) لم يعتق ولم تطلق؛ لأنّ أحدهما معلّق بعدم الدّخول، والآخر بوجوده، وكلّ واحد من الشّرطين دائرٌ بين الوجودِ والعدم، فلا يَنزِلُ الجَزاءُ بالشَّكِّ. وعن أبي يوسف ﵀ يَعتِقُ ولا تطلق؛ لأنّ باليمين الثّانية صار مقرًا بنزول العتق ولم يوجد بعد الثّانية ما يُوجِبُ إقرارهُ بنزول الطّلاق كذا ذكره الإمام شمس الأئمة (٣) وقاضي خان والتمرتاشي صاحب الفوائد (٤) ﵀. قوله: عتق نصيبه (٥) أي زال ملكه عن حِصَّته، لما أنّه لا يثبت شيء من العتق، عند أبي حنيفة ﵀ بإعتاق البعض ولا ضمان عليه أي لا ضمان على الأب سواء علم الشّريك أو لم يعلم، وكذا إذا ورِثَاهُ وصُورتُهُ امرأةٌ اشتَرَتْ ابن زوجِهَا فَمَاتَت عن أخٍ وزوجٍ كان النِّصفُ لِلزَّوجِ ويَعتِقُ عليهِ، أو كان لرجلين ابن عمّ وله جارية فزوجها أحدهما فولدت ولدًا ثم مات ابن العمّ فورثاه عتق الولد على الأب، أو امرأة لها زوج وأب ولها غلام وهو ابن زوجها، فماتت هذه المرأة صار غلامها ميراثًا بين زوجها وأبيها، ثم في صورة الإرث فلا خلاف بين أصحابنا (٦) أنّه لا يلزمه الضّمان؛ لأنّه دخل في ملكه بغير فعله فلم يوجد منه إتلاف فلا يلزمه الضّمان، كذا وجدت بخط شيخي ﵀.

стр. 2076

وقالا (١) في الشّراء: يضمن الأب نصف قيمته إنّما قيّد بالشِّراء لما ذكرنا أنّه لا يلزم في الإرث بالإنفاق. قوله: وأحدهما قد حلف بعتقه إن اشترى نصفه وإنّما قيّد بالنّصف؛ لأنّه إذا حلف بعتقه ثمّ اشتراه بشركة الآخر، لا يعتق؛ لأنّ الشّرط "شِراء" (٢) كل العبد ولم يوجد، وله (٣) أنّه رضي بإفساد نصيبه، لأنّه شاركه في علّة العتق أي في علّة العتق (٤) وهي الشِّراء فإن الشّرى علّة التملك والتملك في القريب علّة العتق، فالحكم يضاف إلى علّة العلّة، كما يضاف إلى العلّة، لما عُرف في قود الدّابة وَسَوقِهَا (٥) كما إذا أذن له بإعتاق نصيبه صريحًا، بأن قال أعتق نصيبي فأعتق نصيبه، فإن قلت لا بل قبول كلّ واحد من المشتريين شرط لصحة قبول الآخر، فإن البائع إذا أوجب البيع من رجلين، فقبل أحدهما، دون الآخر، لا يصح الإيجاب في حق القَابل أيضًا؛ لأنّ قبول الآخر لم يوجد، وهو شرط صحّة قبول القابل، ثمّ مباشرة الشّريك شرط العتق لا تُسقِط حقّه في الضّمان، كما لو قال أحد الشّريكين لصاحبه إن ضربته سوطًا فهو حرّ، فضربه صاحبه، يجب الضّمان على الحالف، كما لو أعتق نصيبه ابتداء، ولم يسقط هناك مباشرة الشّريك شرط العتق الضّمان على الحالف فينبغي أن لا يسقط الضّمان عن الشّريك المشتري أيضًا. قلت: إنّ شراء القريب إعتاق بواسطة الملك والمشتريان صارا في هذا الشراء (٦) كشخص واحد لاتّحاد الإيجاب من البائع فلما كان كذلك فقد تحقَّقَت المشاركةُ في العلّة، إلا أنّ المشاركة في هذا السّبب يكون إعتاقًا في حق من يتمّ له العتق، لا في حقّ من لا يتمّ له علّة العتق، وإنّما يتمّ علّة العتق في حق القريب بهذا القبول، فكان هو المعتق دون شريكه ولكنّه لم يضمن لشريكه لوجود المشاركة معه في علّته فكان قبول كلّ واحد منهما جزءَ العلةِ لا شرطها.

стр. 2077

وإنّما قلنا ذلك؛ لأنّ الشّرع جعل البيع علّة واحدة وهو لا يتم إلا بالإيجاب والقبول، والعلّة الواحدة لا تحتمل التّقسيم ليحصل حكمها منقسمًا عليها "لو يجعل" (١) بعضها علة، وبعضها شرطًا بل إيجابهما جميعًا مع قبولهما علّة واحدة للزّوال والدّخول جميعًا ثم الحكم ينقسم عليهما بحكم المزاحمة فيصير هذا مُملِكًا وهذا مُتَملِّكًا، وإن قبل أحد المشترين (٢) وحده (٣) لم يصحّ، لأنّه إذا انفرد فهو غيره إذا انضمّ إلى قبول شريكه. كالطّلقة غير الطّلقة من الطّلقتين على قول أبي حنيفة ﵀ فيما إذا قال لها طلّقي نفسك واحدة فقالت طلقت نفسي ثلاثاً لم يقع عنده، بخلاف ما إذا قال إن ضربته سوطًا (٤) فهو حرّ؛ لأنّ سبب العتق هناك قوله أنت حرّ وقد تفرّد به الحالف، فالضّارب لا يكون مشاركًا له في سبب العتق ولا راضياً بأصل السّبب بمجرّد مباشرة الشّرط فلهذا لا يسقط حقّه في التّضمين. [٤٠٣/ أ] فإن قلت: يشكل على هذا مسألة الفرار فإن الزّوج إذا علّق الطّلاق بفعلها الذي لها منه بُدّ ففعلت/ يكون راضيًا بحكم الشّرط لرضاها بمباشرة الشّرط فلا ترث فعلم بهذا أنّ الرضاء بالشّرط رضاء بحكم المشروط. قلت حكم الفرار ثبت في أصله بشبهة العدوان (٥)؛ ألا ترى أنّ الزّوج إذا علق الثّلاث بفعله في صحّته، ثم فعلهُ وهو مريض يصير فارًّا بمباشرة الشّرط، وأنّه شبهة عدوان لا حقيقة له، فلما ثبت الفرار بشبهة العدوان بطل (٦) أيضًا بمعارضة شبهة الرضاء بفعل الشّرط، وهذا الضّمان واجب بحقيقة العدوان، وهو ضمان الإتلاف عندهما وضمان الحيلولة (٧) والغصب (٨) وقطع اليد عند أبي حنيفة ﵀ فلم يبطل إلا بحقيقة الرضاء صريحًا أو بمباشرة العلّة دون الشّرط إلى هذا أشار شمس الأئمة (٩) وفخر الإسلام (١٠) -رحمهما الله-.

стр. 2078

لأنّ شراء القريب إعتاق حتّى يخرج به عن الكفارة (١)، بخلاف الإرث فإنّه عتق لا إعتاق حتّى لا يخرج به عن الكفارة. قوله: وهذا ضمان إفساد (٢) اعلم أنّ الضمان في باب العتق ضمانات التملّك وهو ضمان الاستيلاد؛ لأنّ الاستيلاد موضوع لطلب الولد، لا للعتق حتّى تحقق من غير عتق في المنكوحة فلا يمكن أن يجعل الواجب (٣) به ضمان عتق وهو غير موضوع له، فجعلناه ضمان تملك ثم ضمان التملك لا يسقط بالرضاء إذا لم يكن الرضاء مصرحًا به، حتّى لو استولد أحد الشّريكين الجارية بإذن شريكه لا يسقط ضمانها، وأثر ضمان التملك أيضاً هو أنّه لا يختلف حكمه باليسار والإعسار. والثّاني: ضمان الإتلاف ويقال له أيضًا ضمان الجناية وهو ضمان الإعتاق فعن أبي يوسف ﵀ في رواية أنّ ضمان الإعتاق أيضًا ضمان تملّك حتّى لا يسقط حقّ الشّريك في التّضمين بالإذن. (وأمّا ظاهر الرواية من أصحابنا فإن هذا الضّمان سببه الإفساد والإتلاف فكان ضمان إتلاف فيختلف حكمه باليسار والإعسار بالنصّ، بخلاف القياس على ما ذكرنا فيسقط بالإذن كضمان الإتلاف الحقيقي بل أولى؛ لأنّ هذا الضّمان يسقط بالإعسار بخلاف ضمان الإتلاف الحقيقي) (٤). وأمّا ضمان التّدبير فهو أيضاً ضمان التملك كالاستيلاد في ظاهر الرواية؛ لأنّه تملك كسبه وخدمته فصار وجوب الضّمان بمقابلة البدن فيستوي فيه الموسر والمعسر كما في الاستيلاد هذا كلّه من المبسوطين (٥) والفوائد الظهيريّة (٦) ويظهر أثر هذه الأحكام في المسألة التي تلي هذه المسألة، وقيّد بقوله (٧) في ظاهر قولهما لأنّه روى عن أبي يوسف ﵀ أن هذا ضمان تملّك.

стр. 2079

فلا يختلف باليسار والإعسار ولا يختلف الجواب بين العلم وعدمه وهو ظاهر الرواية عنه أي عن أبي حنيفة ﵀ وإنما قيّد بظاهر الرواية عنه؛ لما أنّه روى الحسن بن زياد (١) أنّه فصل بين ما إذا كان الشّريك عالمًا بالقرابة وبين ما إذا لم يكن عالمًا بها في حكم الضّمان؛ لأنّ رضاه لا يتحقق إذا لم يكن عالمًا به، وفي ظاهر الرواية لا فرق بينهما؛ لأنّ الُمسقِط لحقه في الضّمان مشاركته في السّبب، أي العلّة وذلك لا يختلف بعلمه وجهله، ثم هو بهذه المشاركة مباشر سبب إسقاط حقّه في الضّمان فلا يختلف ذلك بعلمه وجهله بمنزلة الغاصب إذا أطعم المغصوب للمغصوب منه، فتناوله وهو لا يعلم أنّه طعامه لا يكون له أن يضمن الغاصب شيئًا كذا ذكره شمس الأئمة السّرخسي ﵀ في الجامع الصّغير (٢). وأمّا ما ذكر في الكتاب (من الأمر بأكل الطعام والطّعام طعام الآمر، والآمر لا يعلم أن هذا الطّعام طعامه فقال لغيره كل فأكله المخاطب فليس للآذن وهو الآمر المالك أن يضمن الآكل شيئًا، وإن لم يعلم أنّه له، بل إنّما أمره على ظنّ أنّه ليس له، وذكر شمس الأئمة السّرخسي ﵀ هذا النّظر في المبسوط). (٣) وما ذكرته من أنّ الطّعام طعام المأمور في الجامع الصّغير وكلاهما مستقيم في كونه نظيراً لمسألتنا في أنّ الرضاء بالسّبب رضاء بحكمه، وإن لم يعلم جِهة حكمه، ومعناه إذا اشترى نصفه ممّن يملك كلّه (٤)، وإنّما قيّد به (٥) لأنّه إذا اشترى نصيب أحد الشّريكين منه يضمن للسّاكت بالإجماع.

стр. 2080

وقد ذكره (١) وهو قوله: وإن بدأ الأجنبي (٢) فاشترى نصفه ثم اشترى الأب نصفه الآخر، وهو موسر إلى آخره (٣). والوجه قد ذكرناه (٤) إشارة إلى قوله: لهما أنّه أبطل (٥). [٤٠٣/ ب] وقال:/ وله أنه رضي (٦) فأرادوا الضّمان (٧) هذا على طريق التّغليب حيث ذكر بلفظ الجمع لما أن المعتق لا يريد الضّمان أصلاً والمريد للضمان هو السّاكت والمدبّر لا المعتق لتعذّر الجمع شرعًا بين كونه معتقًا ومضمنًا غيره، ولا يُضمنه الثُّلث الذي ضمن، أي لا يضمن المدبّر المعتق ثلث القن الذي ملكه المدبّر بإزاء الضّمان إلى السّاكت؛ لأنّه لما ضمن السّاكت المدبّر كان المدبّر مالكًا نصيب السّاكت فلا يضمن المدبّر المعتق هذا الثلث، بل يضمن المدبّر المعتق ثلث قيمة العبد مدبّرًا، للمعنى الذي يذكر بعد بيان هذا (٨) إن قيمة العبد لو كانت سبعة وعشرين دينارًا مثلاً فإن السّاكت يضمن المدبّر تسعة والمدبّر يضمّن المعتق ستة، وذلك لأنّ قيمة المدبر ثلثا قيمة القنّ، لما يذكر فبالتّدبير تلفت منه تسعة فكان الإتلاف بالإعتاق واقعًا على قيمة المدبّر وهي ثلثا قيمته القنّ وهو ثمانية عشر وثلث ثمانية عشر ستة، فيضمن المدبّر المعتق تلك الستة فقط ولا يضمنه التسعة التي هي نصيب السّاكت مع تلك الستة التي يضمنه إياها.

стр. 2081

وقد أفسد بالتّدبير نصيب الآخرين فلكلّ واحد منهما أن يدبّر نصيبه إلى آخره. فكان كلّ واحد منهما مختارًا بين ستّة أشياء على ما ذكر في الكتاب (١) وذكر الإمام قاضي خان ﵀ بأنّه ثبت لكلّ واحد منهما خمسة خيارات (٢)، ولم يذكر قوله أو يتركه على حاله، ثم قال وقولنا له خمسة خيارات أي يصحّ منه هذه التصرفات، أما لا يؤذن بالإعتاق والاستسعاء؛ لأن فيه إفسادَ نصيب المدبّر، لأنّ المدبّر كان متمكّنًا من استيفاء نصيبه على ملكه إلى وقت الموت، وبعد الإعتاق والاستسعاء لا يتمكّن (٣)، لأن نصيبه باق على ملكه أي لأن نصيب كلّ واحد منهما (٤) باق على ملك كلّ واحد منهما بإفساد شريكه، أي بإفساد شريك كلّ واحد منهما، وهو المدبّر حيث سدّ المدبّر على كلّ واحد منهما طرق الانتفاع بذلك العبد بيعًا وهبة. قوله: على ما مرّ إشارة إلى قوله لأنّ المعتق جان عليه بإفساد نصيبه حيث امتنع عليه البيع والهبة إلى آخره ذكره في المسألة الأولى من هذا الفصل. (٥) سببا ضمان تدبير المدبّر وإعتاق هذا المعتق أي تدبير المدبّر سبب الضّمان وكذلك إعتاق المعتق أيضًا سبب الضّمان وكلّ واحد منهما متعدّ في حق السّاكت؛ إلا أن للسّاكت ولاية تضمين المدبّر دون المعتق للأصل الذي ذكر في الكتاب وهو أنّ الأصل في الضّمانات أي يكون الضّمان ضمان معاوضة (٦)، وهذا إنّما يتحقق في تضمين المدبّر لا في تضمين المعتق؛ وإنّما قلنا أنّ الأصل في الضّمان ضمان معاوضة، ألا ترى أنّ الملك للغاصب يثبت بطريق المعاوضة (٧)؟ على أصلنا وإن كان هو في ابتدائه عدوانًا محضًا جريًا على الأصل المعهود وهو أن يكون الضّمان ضمان معاوضة.

стр. 2082

والدّليل أيضاً على أنّ ضمان الغصب ضمان معاوضة أنّه (إذا غصب عبدًا وأبق (١) العبد من يد الغاصب وقضى القاضي على الغاصب بالقيمة ثم عاد العبد فللغاصب أن يبيع العبد مرابحة على القيمة التي أدّاها إلى مالكه والمرابحة (٢) مخصوصة بالمعاوضات المحضة) (٣) والمسألة في فتاوى قاضي خان (٤). وكذلك الأصل في ضمان المدبّر هو ضمان معاوضة، ألا ترى أن من غصب مدبّرًا فاكتسب عند الغاصب كسبًا ثم أبق فلم يرجع من إباقه حتّى مات كان ذلك الكسب للغاصب، والمسألة في آخر باب النهي من أصول الفقه لشمس الأئمة السرخسي ﵀، وإنّما يكون له الكسب إذا كان المدبّر ملكًا للغاصب عند أداء الضّمان، فلما اعتبر ضمان المعاوضة في ضمان المدبّر مع أنّ المدبّر غير قابل للنقل لأجزاء الأصل المعهود وهو ضمان المعاوضة، فلأن نقول: ضمان ضمان المدبّر ههنا وهو تدبيره قابل للنقل ضمان معاوضة أولى. [٤٠٤/ أ] وذكر الإمام الكشاني (٥) ﵀ في أنّ ضمان الغصب ضمان معاوضة مسألة المأذون (٦) وهي أن إقرار المأذون يصحّ مطلقًا وإن احتمل إقراره جهة الغصب وكذلك لو صرّح في إقراره بالغصب بأن قال: غصبت من فلان كذا يصحّ أيضًا مع أنّ الإقرار (٧) بضمان الإتلاف مؤخّر إلى ما بعد العتق، وإذا كان الأصل في الضمانات ضمان معاوضة في الغصب/ وهو عدوانٌ، ففي الإعتاق وهو مشروع أولى، فلا يترك هذا الأصل إلى ضمان الجناية إلا لضرورة العجز، وحين دبر الأوّل كان نصيب السّاكت محتملاً للتّمليك فإن فقد (٨) سبب الضّمان مُوجبٌ للملك (٩) في المضمون، ثم بعد التّدبير لا يحتمل النقل إلى ملك غير المدبّر فلمّا أعتق الثّاني لم ينعقد ذلك للضّمان بشرط ملك المضمون؛ لأنّ نصيب السّاكت يوم أعتق لم يكن محلاً له، فلو لزم على المعتق ضمان للسّاكت لوجب من غير ملك المضمون فيصير خالص ضمان العدوان وذلك باطل إلا عند الضّرورة ولا ضرورة ههنا لإمكان تضمين المدبّر؛ لأنّه عند ذلك أي عند الإعتاق وقيمة المدبّر ثلثا قيمته قِنًا كذا ذكره القاضي الإمام علي السعدي (١٠)؛ لأنّ منفعة الوطئ والسّعاية باقية ومنفعة البيع زائلة وقيمة أم الولد ثلث قيمة القن.

стр. 2083

قوله: على ما قالوا إشارة إلى أنّ فيه اختلافًا. وذكر شيخ الإسلام (١) ﵀ في قيمة المدبّر اختلاف المشايخ (٢) قال بعضهم: نصف قيمة القنّ؛ لأنّ قبل التّدبير كان له فيه نوعا منفعة منفعة البيع وما شاكله ومنفعة الإجارة وما شاكلها وقد زال أحدهما وهو البيع وبقي الآخر، وقال بعضهم: قيمته قيمة الخدمة ينظر بكم يستخدم هو مدّة عمره من حيث الحزر (٣) والظن وما قاله شيخ الإسلام أصحّ وعليه الفتوى كذا في التتّمة (٤)، وقيمة أمّ الولد ثلث قيمة القنّ؛ لأنّ البيع والاستسعاء قد انتفيا، فبقي ملك الإعتاق، وقيمة المكاتب نصف قيمة القنّ؛ لأنّ المكاتب حرٌ يدًا، وبقيت الرقبة والقنّ مملوك يدًا ورقبة، فكان الكاتب نصف القن، ولا يضمنه أي لا يضمن المدبّر المعتق قيمة ما ملكه بالضّمان، يعني لما أدّى المدبّر إلى السّاكت ضمان نصيب السّاكت، وهو ثلث قيمته قِنًا ملك المدبّر نصيب السّاكت، واجتمع ثلثا العبد في ملك المدبّر، ثم للمدبّر أن يضمن قيمة ما كان له في الأصل وهو الثلث مدبّرًا؛ لأن نصيبه بعد التّدبير كان منتفعًا من الوجه الذي ذكرنا وقد فسد بالإعتاق فيضمن، كمن غصب مدبرًا فأبق منه يضمن قيمته مدبرًا كذلك ههنا.

стр. 2084

وإنّما يضمن المعتق للمدبّر قيمته مدبّرًا؛ لأنّ نقصان التّدبير كان حاصلاً قبل الإعتاق، وليس للمدبر أن يضمن المعتق قيمة الثلث الذي يملك على السّاكت بأداء الضّمان لوجهين: أحدهما: أنه ملك المضمون مستندًا والمستند ثابت من وجه دون وجه فلا يظهر ثبوت الملك في حق المعتق. والثّاني: أنّه لما انتقل نصيب السّاكت إلى المدبر قام المدبّر مقام السّاكت في ذلك الثلث، أو السّاكت كان لا يملك تضمين المعتق، فكذلك من قام مقامه، وللمدبّر أن يستسعى العبد في ذلك الثلث، لأنّ السّاكت كان يَملِكُ الاستسعاء فكذا من قام مقامه، وإذا مات المدبر عتق العبد، وكان ولاؤه بين المعتق وبين عصبة المدبّر أثلاثًا، ثلثاه لعصبة المدبّر وثلثه للمعتق، لأنّه عتق عليهما أثلاثًا كذا في الجامع الصّغير (١) لقاضي خان ﵀. قوله: لأَنَّ مِلكَهُ ثَبت مُسْتَنِدًا وهو ثَابِتٌ من وجهٍ دُون وجهٍ (٢) أي ثابت من وجه، من حيث إنّه ملك نصيب السّاكت بالضّمان، وليس بثابت من وجه من حيث إنه لم يكن مالكًا حالة التّدبير، فإذا كان كذلك لم يظهر في حق الثّالث بالتّضمين، فإن قيل: يُشكل بما إذا أعتق أحد الشّريكين وهو موسر يؤدّي المعتق الضّمان ثم يرجع على العبد بما ضمن للسّاكت مع أنّ العبد ثالثهما. قلنا: المعتق بأداء الضّمان قام مقام الشريك وللشّريك ولاية استسعاء العبد فكذا للمعتق، أمّا ههنا المدبّر قام مقام السّاكت بأداء الضّمان إلى السّاكت وليس للسّاكت ولاية تضمين المعتق لما ذكرنا من تعيّن تضمين المدبّر لكون ذلك التضمين تضمين معاوضة وهو الأصل، فكذلك ليس للمدبّر أن يضمّن المعتق ما ملك من نصيب السّاكت. [٤٠٤/ ب] قلتُ: والدّليل على أنّ عدم تضمين المدبر المعتق ما ملك من نصيب السّاكت باعتبار أنّه ثابت له من وجه دون وجه حتى أن تملكه ذلك النصيب لو كان ثابتًا له من كلّ وجه كان له أن يضمن المعتق، وهو ما إذا كان إعتاقه بعد أداء المدبّر قيمة نصيب السّاكت إلى السّاكت فحينئذ كان هو نظير إعتاق أحد الشريكين حيث يرجع على العبد بالاستسعاء إذا أدّى نصيب الساكت (٣)، فإنّه ذكر الإمام/ التمرتاشي ﵀ ولو ضمن السّاكت المدبّر نصيبه ثم أعتقه الثاني كان للمدبّر أن يضمن المعتق ثلثي قيمته ثلثه مدبّرًا وثلثه قنًا؛ لأنّ الإعتاق وجد بعد تملك المدبّر نصيب السّاكت فله تضمين كل ثلث بصفته.

стр. 2085

قوله: والوَلاءُ بَين المُعتِقِ والمُدبِّرِ أثلاثًا أي بين عصبة المدبّر والمعتق؛ لأنّه إنّما يعتق إذا مات المدبّر على ما ذكرنا من رواية قاضي خان. قوله: لأنَّ العَبدَ عَتَقَ على مِلكِهِما على هذا المِقدَارِ، فإنّ المدبّر ملك ثلثيه أحد الثلثين ما ملكه من نصيب السّاكت بأداء الضّمان والثّلث الثّاني نصيبه، فإن قيل أداء الضّمان لو كان مثبتًا ملك نصيب الآخر فالمعتق أيضًا أدى الضّمان إلى المدبّر ثلث قيمته مدبّرًا، فينبغي أن يثبت له ثلثا الولاء أيضًا بهذا الطّريق. قلنا: إن ضمان العتق إلى المدبّر هو ضمان إفساد وإتلاف لا ضمان معاوضة وتملك لما ذكرنا أن المدبّر غير قابل للنقل من ملك إلى ملك فلم يملك المعتق شيئًا بمقابلة أدائه الضّمان، وأمّا المدبّر فقد ملك نصيب السّاكت عند أداء الضّمان مستندًا إلى وقت التّدبير؛ لأنّه كان في ذلك الوقت قابلاً للنّقل، فصار كأنّه دبّر ثلثيه من الابتداء بطريق الاستناد فثبت له ثلثا الولاء، وللمعتق الثلث لما أنّ نصيب السّاكت بعدما انتقل إلى المدبّر لا ينتقل إلى المعتق، وكذلك نصيب المدبّر أيضًا بعدما دبّره لا ينتقل إلى العتق وإن أدّى المعتق الضّمان إلى المدبّر لما أنّ ذلك الضّمان ضمان إفساد لا ضمان تملك. إلى هذا أشار الإمام التمرتاشي ﵀ (١). وَإِذَا لَمْ يَكُنْ التَّدْبِيرُ "مُتَجَزِّيًا" (٢) إلى آخره يعني ما ذكرنا إلى ههنا كلّه قول أبي حنيفة ﵀، وأمّا عندهما فكُلُّهُ مُدَبَّرًا للمُدَبِّر؛ لأنّ التّدبير جزء من الحرية، فلا يتبعض عندهما، وَيَضمَنُ ثُلُثَي قِيمَتِهِ لِشَرِيكَيهِ مُوسِرًا كان أو مُعسِرًا؛ لأنّ ضمان التّدبير ضمان تملّك؛ لأنّه يملك كسبه وخدمته فلا يختلف باليسار والإعسار كضمان الاستيلاد كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (٣). بخلاف الإعتاق؛ لأنّه ضمان جناية (٤)، يعني لما كان ضمان جناية اختلف بين اليسار والإعسار، بخلاف ضمان التّمليك، فإن قلت من أيّ وجه ثبت أن ضمان الجناية يختلف باليسار والإعسار فكم من ضمان جناية "لم يختلف" (٥) بهما كما لو كسر جرّة (٦) إنسان مثلاً أو قارورته (٧) أو أتلف ملكًا من أملاكه حيث يجب عليه ضمانه، وهو ضمان جناية، سواء كان موسرًا أو معسرًا.

стр. 2086

قلت: قد ذكرت أنّ المراد من هذه الضّمانات هي الضّمان الذي يتعلّق بباب الإعتاق، فكانت الجناية والتملك راجعين إليه، ثم ضمان الجناية التي تتعلّق بباب الإعتاق اختلف حكمه باليسار والإعسار بالنص، بخلاف القياس وهو قوله ﵇: «في الرجل يعتق نَصِيبه إن كان غنيًا ضَمِن وإن كان فقيرًا سَعى العبد في حِصّة الآخر» (١) فلا يقاس عليه غيره؛ لأنّ من شرط صحة القياس أن يكون النص موافقًا للقياس فهي موقوفة يومًا (٢) أي يرفع عنها الخدمة يومًا ليس لها غير ذلك لا سبيل عليها أي لا سبيل عليها بالاستسعاء، واختلف مشايخنا في الخدمة للمنكر هل تخدم يومًا للمنكر عندهما؟ والصّحيح أنّها لا تخدم وقالا (٣): إن شاء المنكر استسعى الجارية في نصف قيمتها ثم هي حرّة هما يقولان إن مال المنكر احتبس عند الجارية على وجه لا يملك تضمين الغير فكان له حق الاستسعاء، كأم ولد النّصراني إذا أسلمت يخرج إلى العتق بالسّعاية؛ وإنّما قلنا ذلك؛ لأنّ المقرّ لو أقرّ على نفسه بالاستيلاد يصح فإذا … أضاف الاستيلاد إلى شخص يملك الاستيلاد (٤) وأنكر ذلك الشّخص يُنَفَّذ على المقر كمن اشترى عبدًا ثم أقرّ أنّ البائع أعتقه قبل البيع، وأنكر البائع نفذ على المشتري (٥) وكذلك أحد الشريكين إذا شهد على صاحبه بالإعتاق وأنكر صاحبه ينفذ على المقرّ،

стр. 2087

[٤٠٥/ أ] وإذا نفذ إقراره عليه لم يكن للمنكر أن يستخدمها، كما لو استولدها المقرّ وخرج نصيب المقر من أن يكون منتفعًا به ولا يمكنه تضمين المقرّ؛ لأن المُقِرّ ما أقر على نفسه بالاستيلاد، وسبب الضمان بقاء مال المنكر محتبساً عند الجارية/ ومنفعة الاحتباس تعود إليها، فكان له ولاية الاستسعاء، وإذا أدّت نصف القيمة عتق نصفها فيعتق كلّها؛ لأنّه لا يتجزى عندهما وليس للمقرّ أن يستسعى الجارية؛ لأنّه يدعي التملّك على الشّريك، أي (١) أنّ الشريك يملكها بالاستيلاد، ويتبرأ عن السعاية فلم يكن الاستسعاء لتبرئه عنه، وليس له ولاية الاستخدام أيضًا، لأنها أمّ ولد الغير في زعمه، ولأبي حنيفة ﵀ تيقنًا بولاية الاستخدام للمنكر؛ لأن المقرّ إن كان صادقاً كانت الجارية أمّ ولد للمنكر فكان للمنكر كلّ الخدمة، وإن كان كاذباً كانت أمة بينهما، وإذا بقيت منتفعًا بها في حق المنكر لم يكن للمنكر ولاية الاستسعاء، بخلاف مسألة الشّهادة؛ لأنّ ثَمَّةَ لو كان الشّاهد صادقًا لا يكون نصيب المنكر منتفعًا به في حقّه فلم يتيقن بقيام المنفعة، فإذا تعذّر الملك ثَمَّةَ يخرج إلى السّعاية كذا ذكره الإمام قاضي خان ﵀ (٢) انقلب إقرار المقر عليه أي على المقر يجعل كأنه أعتق أي كأن المشتري أعتق. كأم ولد النّصراني إذا أسلمت فإنها تخرج إلى العتق بالسّعاية؛ لأنها لما أسلمت لم يمكن إبقاؤها تحت النّصراني لإسلامها ولا يمكن أن يعتق مجاناً لملك النّصراني. قوله: ولا خدمة للشّريك الشّاهد ولا استسعاء إلى قوله بدعوى الاستيلاء والضّمان لف ونشر أي يتبرى بدعوى الاستيلاء عن الخدمة ويتبرى بدعوى الضمان على صاحبه المنكر عن السّعاية، والإقرار بأمومية الولد هذا جواب عن قولهما وهو أن صاحبه إذا أنكر انقلب على المقرّ. قلنا الإقرار بأمومية الولد يتضمّن الإقرار بثبوت النّسب (٣) وهو أي ثبوت النّسب لا يرتد بالردّ، حتّى إنّ الرجل إذا أقرّ بنسب صغير لرجل وكذّبه المقر له ثم أقر المقرّ بنسب الصّغير لنفسه لا يصحّ لما أنّ النّسب لا يرتد بالرّد وإن كانت أم ولد بينهما (٤) بأن ولدت جارية بين رجلين ولدًا فادّعياه وعلى هذا الأصل أي على أصل أنّ أم الولد لا تتقوم عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما تتقوّم تُبتَنَى عِدةٌ من المسائل منها:

стр. 2088

أنّها إذا مات أحدهما حتى عتقت لم تسع للآخر عنده (١) وعندهما تسعى، ومنها أنها إذا ولدت فادّعاه أحدهما يثبت نسبه منه ولا شيء لشريكه عليه من الضّمان ولا السعاية على الولد عنده، وعندهما يضمن نصف قيمتها لشريكه إن كان موسرًا وسعى الولد في نصف قيمته إن كان معسرًا، ومنها أمة حبلى بيعت فولدت لأقل من ستّة أشهر بعد البيع ثم ماتت الأم عند المشتري فادّعى البايع الولد صحّ، وعلى البايع أن يرد جميع الثّمن (٢) ولم يكن له أن يحبس بإزاء الأم شيئًا عنده (٣) وعندهما يحبس ما يخصّها من الثّمن، ومنها إذا غصب أمّ ولد فهلكت عنده، لم يضمن شيئًا عنده خلافًا لهما (٤) كذا في الفوايد الظهيريّة (٥). (وذكر محمّد ﵀ في الرّقيات (٦) أن عند أبي حنيفة ﵀ أم الولد يضمن بالغصب على نحو ما يضمن به الصبي الحر حتّى لو ماتت حتف أنفها، لم يضمن الغاصب ولو قَرَّبَها إلى مسبعة فافترسها السّبع يضمن؛ لأنّ هذا ضمان الجناية لا ضمان الغصب، ألا ترى أنّه يضمن الصبي الحرّ بمثله والذي يوضح كلام أبي حنيفة ﵀ أن الباقي للمولى على أم ولده، ملك الخدمة والمنفعة والمتعة (٧)، وملك المتعة والمنفعة لا يضمن بالإتلاف ولا بالغصب بخلاف المدبّرة (٨) فالباقي عليها ملك المالية، حتّى يقضي دينه من ماليتها بعد موته، والمال يضمن بالإتلاف) كذا في المبسوط. (٩)

стр. 2089

وهذا هو دلالة التقوم؛ لأن حلّ الوطئ عند عدم ملك النكاح (١) لا يكون إلا بملك اليمين فإذا بقيت الماليّة والمنفعة بقي التقوم كحرمة بيع المدبّر، ولا مُعَارِضَ للتَّقوم إلا حق الحرية، ولا تَنَافي بين حق الحرية والتقوم، كأم ولد النّصراني إذا أسلمت، وكولد المغرور (٢) إذا كانت الأمة أمّ ولد، فإنّ المغرور يضمن قيمة الولد عندنا كذا ذكره الإمام قاضي خان والإمام ظهير الدين -رحمهما الله- (٣). [٤٠٥/ ب] قوله: وبامتناع بيعها لا يسقط تقومها، لأن بعدم جواز البيع لا يفوت التقوم كبيع الآبق لا يجوز بيعه ومع ذلك أنّ التقوم باقٍ، (ولأبي حنيفة ﵀ أن التقوّم بالإحراز، ألا ترى أنّ الصّيد قبل الإحراز لا يكون مالًا متقوّمًا، وبعد الإحراز يصير مالًا متقومًا، والآدمي باعتبار الأصل ليس بمال؛ لأنّه مخلوق لِيكون/ مَالكًا للمال لا ليصير مالًا، ولكن متى صحّ إحرازه على قصد التموّل صار مالًا متقومًا ويثبت به ملك المتعة تبعًا، فإذا حصنها واستولدها ظهر أن إحرازهُ لها كان لملك المتعة لا لقصد التموّل، فصار في صفة الماليّة كأن الإحراز لم يوجد أصلًا، فلا يكون مالًا متقومًا وملك المتعة ينفصل عن ملك الماليّة، ألا ترى أن للزوج على المنكوحة ملك المتعة دون ملك الماليّة؟) كذا في المبسوط (٤). وهو الجزئية الثّابتة بواسطة الولد إلى هذا أشار عمر ﵁ في حرمة بيعهنّ فقال: «كيف تَبِيعُوهُنَّ وقد اخْتَلَطَت لُحُومُهُنَّ بِلُحُومِكُم، ودِمَاؤُهُنَّ (٥) بِدِمائِكُم؟» (٦) فعمل السّبب أي سبب الحرية، وفي المدبّر ينعقد السّبب أي سبب الحرية بعد الموت، والإشكال ههنا هو أن التعليقات لم تنعقد سببًا عندنا فكيف انعقدت في حق المدبّر؟ نذكر جوابه في مسائل التدبير إن شاء الله.

стр. 2090

فلما انعقد سبب الحريّة في حقّ المدبّر بعد الموت، وفي (١) حقّ أمّ الولد في الحال ظهر الفرق بينهما، وهذا الفرق أثر في حق أمّ الولد بإسقاط التقوّم، وفي حق المدبّر بالتّقوم ثم لما ثبت بهذه النكتة التقوّم في حق المدبّر ورد عدم جواز البيع فيه شبهة على هذا التّقرير فأجاب عنه بقوله: وامتناع البيع فيه لتحقيق مقصود المدبّر لا باعتبار سقوط التقوّم، بخلاف حرمة بيع أمّ الولد؛ فإنّها بسقوط (٢) التقوم لتحقّق سبب الحريَّة فيها في الحال، وهو الجزئية الثّابتة في الحال فثبت بهذا كلّه فساد ما قالا، وهو أنّهما سوّيا حرمة بيع أمّ الولد وحرمة بيع المدبّر ثم قالا حرمة بيع المدبّر لم تدل على أن المدبّر غير متقوّم فكذا حرمة بيع أمّ الولد أيضاً لا تدلّ على أنّ أمّ الولد غير متقومة، قلنا لا بل بينهما فرق وهو ما ذكرنا. وفي أمّ ولد النّصراني جواب عمّا قاسوا عليها قضينا بتكاتبها عليه وهو لم يجعلها مكاتبة، ولكن لما حكمنا بأنّها تخرج عن ملكه بأداء القيمة كانت في معنى المكاتبة، وإنّما فعلنا هكذا دفعًا للضّرر من الجانبين. أمّا في حقّ أمّ الولد؛ فأن لا تبقى تحت نصراني وهي مسلمة، وأمّا في حق النّصراني فأن لا يبطل ملكه مجانًا، فلمّا كانت هي في معنى المكاتبة كان ما أدته في معنى بدل الكتابة، وبدل الكتابة لا يقتضي أن يكون ما يقابله متقوّمًا، لأنّ بدل الكتابة في أصله بمقابلة ما ليس بمتقوّم، لأنّ ما يقابله فكّ الحجر (٣) لأن بدل الكتابة بدل لفكّ الحجر وفكّ الحجر غير متقوّم؛ لأنه إسقاط فلذلك قلنا إن تكاتُبَها لم يقتضِ تقوم أمّ ولد النصراني فاطرد ما قلنا وهذا معنى ما ذكر في الكتاب والله أعلم. (وذكر في المبسوط (٤) وإذا أسلمت أم ولد النّصراني، قومت عليه قيمة عدل فسعت في قيمتها، لأنّه تعذّر إبقاؤها في ملك المولى ويده بعد إسلامها وإصراره على الكفر فَتَخرُجَ إلى الحرية بالسّعاية كما بينا في معتق البعض، وهذا لأنّ ملك الذمي محترم فلا يمكن إزالته مجانًا، وهو إشكال لهما على أبي حنيفة ﵀ في أنّ رق أمّ الولد مال متقوم، والعذر لأبي حنيفة ﵀ من وجهين:

стр. 2091

أحدهما: أنّ الذميّ يعتقد فيها الماليّة والتقوّم ويُحرِزُهَا لِذلك؛ لأنّه يعتقد جواز بيعها وإنّما يبنى في حقّهم الحكم على اعتقادهم كما في مالية الخمر (١). والثّاني: أنّ ملكه فيها محترم وإن لم يكن مالًا متقومًا وقد احتبس عندها لمعنى من جهتها فيكون مضمونًا عليها عند الاحتباس، وإن لم يكن مالًا متقوّمًا كالقصاص فإنّه ليس بمال متقوّم ثم إذا احتبس نصيب أحد الشّريكين عند القاتل بعفو الآخر يلزمه بدله. والله أعلم). بابُ عِتقِ أَحَدِ العَبدينِ تناسب البابان من حيث إن في كلّ منهما عتق بعض المملوك، غير أن في الأوّل بعض مملوك وهو واحد، وفي هذا بعض مملوك وهو اثنان أو أكثر، فقدم الأوّل على هذا؛ لأنّ الواحد قبل الاثنين. قوله: (ومَن كَان لَهُ ثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ إلى آخره) (٢) فالمسألة على ثلاثة أوجه:

стр. 2092

أحدها: (قال أحدكما حرّ) وبَيَّنَ العتق فيهما. والثّاني: أنّه مات بعد هذا القول قبل البيان. [٤٠٦/ أ] والثّالث: أنّه مات العبد قبل البيان، والمذكور ههنا (١) هو الذي مات المولى قبل البيان فيعتبر فيه الأحوال والأصل/ في اعتبار الأحوال في حالة الاشتباه ما روي أنّ النبي ﵇ «بعث أناسًا إلى بني خثعم للقتال فاعتصم ناس منهم بالسّجود فقتلهم بعض أصحاب النبي ﵇ فلمّا بلغ ذلك إلى رسول الله ﵇ قضى رسول الله ﷺ بنصف العقل» (٢) باعتبار الأحوال، وذلك لأنّ السجود منهم كان محتملاً يُحتَمَل أن يكون لله؛ فكان إسلاماً فكان يجب عليهم بقتلهم جميع الديّة (٣) ويحتمل أن يكون لا لله لكن كان تعظيمًا تقية من القتل على ما عليه دابهم في السجود تعظيمًا لعظمائهم تصونًا عن شرّهم، فباعتبار هذه الحالة لا تجب الديّة، فلمّا وجبت من وجه ولم تجب من وجه، أوجب النّصف وأسقط النّصف، وعلى هذا مسائل أصحابنا ﵏. فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين الخنثى؟ (٤) على قول أبي حنيفة ﵀ فإنّه يعطيه أقلّ النّصيبين من غير اعتبار الأحوال.

стр. 2093

قلنا: إنّما يجب المصير إلى اعتبار الأحوال في موضع يتحقّق فيه الاشتباه بصفة الاستمرار، كما فيما نحن فيه، وفي فصل الخنثى لا يتحقّق الاشتباه بصفة الاستمرار؛ لأنّه إذا بلغ مبلغ الرجال أو النساء لابدّ أن يَتَفَلَّكَ (١) لها ثدي أو تنبت لها لِحية وبهذا ارتفع الاشتباه كذا في الفوايد الظهيريّة (٢). (عتق من الذي اعيد عليه القول) المراد من القول قوله (أحدكما حرّ) (والذي اعيد عليه ذلك القول هو العبد الثّابت) فسمّى كلّ عبد من هذه الأعبد الثلاثة باسم الفعل الذي اتصف به من كونه خارجًا وداخلًا وثابتًا، ثم المولى يُؤمر بالبيان مادام حيًّا؛ لأنه أوجب العتق المبهم (٣) فيرجع إلى بيانه، ويعتق الذي عينه، فإن بيّن الكلام الأوّل في الخارج عتق الخارج ويؤمر بالبيان في الكلام الثّاني ويعتق الذي عينه، وإن بيّن الكلام الأوّل في الثّابت عتق الثّابت، وبطل ثمّة (٤) الكلام الثّاني؛ لأنّه صار خبرًا فلا يستحقّ به العتق، كما لو جمع بين حرّ وعبد وقال أحدكما حرّ لا يعتق العبد، ولا يقال بأنّ الثّابت لم يُعتَق بالكلام الأوّل؛ لأن الكلام الأوّل صادف المبهم، والثّابت معيّن وإنّما عتق الثّابت ببيانه، فكان البيان بمنزلة إعتاق مستقبل ولو أعتقه عتقًا مستقبلًا بعتق الدّاخل فلماذا لا يعتق الدّاخل؟ قلنا قوله: (أحدكما حرّ) مبهم من وجه دون وجه، مبهم من حيث أنّ المعتق منهما غير معلوم، ومن حيث إنّ المعتق فيهما لا يعدوهما ليس بمبهم، فكان البيان فيه إظهارًا من وجه إنشاءً من وجه، فلو كان إظهارًا كان الكلام الثّاني خبرًا لا يعتق به الدّاخل، وإن كان إنشاءً لا يكون الكلام الثّاني خبراً فيعتق الدّاخل فلا يعتق الدّاخل بالشّك، فإن بَدأ ببيان الكلام الثّاني إن قال: عنيتُ (٥) بالكلام الثّاني الدّاخل عتق الداّخل ويؤمر ببيان الكلام الأوّل، وإن قال: عنيت بالكلام الثّاني الثّابت عتق الثّابت بالكلام الثّاني وتعيّن الخارج للكلام الأوّل فيعتق الخارج أيضًا كذا ذكره الإمام قاضي خان (٦) ﵀.

стр. 2094

(إلا في العبد الآخر) وهو الداخل فيكون له أي للثّابت ولو أريد به أي بالإيجاب الثّاني ولمحمّد ﵀ سوى ما ذكر في الكتاب، في أنّ الدّاخل يستحق الربع دون النّصف، هو أنّ الإيجاب الثّاني صحيح في حال دون حال؛ لأنّه لو أراد بالكلام الأوّل الخارج صحّ الكلام الثّاني، وإن أراد بالكلام الأوّل الثّابت كان الكلام الثّاني خبرًا غير موجب الحكم، فكان الكلام الثّاني صحيحًا في حال دون حال، ولو صح مطلقًا يعتق به رقبة بينهما، فإذا صحّ في حال دون حال يعتق به نصف (١) رقبة بينهما فيعتق من كل واحد منهما في الكلام الثّاني رُبعَهُ، ولهذا يعتق من الثّابت بالكلام الثاني ربعه، والدّليل عليه مسألة ذكرها في الزّيادات (٢) رجل له ثلاث نسوة لم يدخل بهنّ، فقال لاثنتين منهنّ إحداكما طالق فخرجت أحدهما ودخلت الثّانية فقال إحداكما طالق (ثم مات قبل البيان يسقط من مهر الخارجة ربعه، ومن مهر الثّابتة ثلاثة أثمانه، ومن مهر الدّاخلة ثمنه). [٤٠٦/ ب] والثّمن (٣) من الصّداق (٤) بمنزلة الربع من العتاق، لأنّ ذلك الثّمن هو ربع النّصف السّاقط (٥) فثبت أن حظ الدّاخلة (٦) الربع دون النّصف، ولأبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- الكلام الثّاني في حق الدّاخل صحيح من كل وجه (٧) لأنّ الكلام الأوّل تناول المبهم والثابت/ معيّن والعتق المبهم بين العبدين في حق المعيّن منهما (٨) بمنزلة المعلّق بالبيان في حق غيرهما.

стр. 2095

ولهذا لو قال لعبدين له: أحدكما حرّ فقطع إنسان يدهما كان على القاطع أرش العبدين، وإذا صحّ الكلام الثّاني في حق الدّاخل كان الكلام الثّاني في حق الدّاخل بمنزلة الكلام الأوّل في حق الخارج، فيعتق منه نصفه، وإنّما يعتق من الثّابت ربعه بالكلام الثّاني، لأنّ الكلام الأوّل عمل في حق الثّابت حتى تثبتَ له المطالبة بالبيان، ويتعيّن العتق إذا زالت مزاحمة الخارج بالموت ونحوه كالبيع والهبة (١) ويشيع العتق فيهما إذا مات المولى قبل البيان، لما ذكرنا بأن قوله أحدكما نكره من وجه دون وجه، فاعتبر العتق واقعًا في المحلّ في حقّهما ولم يعتبر تعليقًا، وإذا اعتبر الكلام الأوّل تنجيزًا في حقّهما؛ فإن أراد به الخارج صحّ الكلام الثّاني، وإن أراد به الثّابت لا يصحّ، فكان الكلام الثّاني متردّدًا في حق الثّابت فيعتق ربعه، وأمّا مسألة الزيادات فقيل: ذاك قول محمّد ﵀. وأمّا على قولهما فللدّاخلة ثلاثة أرباع المهر (٢) ولئن كان ما ذكر في الزيادات قول الكلّ فالفرق لأبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- أن الكلام الأوّل يعتبر تعليقًا في حق الدّاخل في حق حكم يقبل التعليق، ووقوع العتق يحتمل التّعليق، أمّا البراءة عن المهر ممّا لا يحتمل التّعليق فاعتبر الكلام تنجيزًا في حق هذا الحكم. وإذا اعتبر تنجيزًا كان الكلام الثّاني متردّدًا، فأوجب سقوط ربع المهر؛ لأنّه لو كان صحيحًا من كلّ وجه يوجب نصف المهر، فإذا كان مترددًا يوجب الربع؛ لأنّه يوجب براءة النّصف إذا كان المراد بالإيجاب الأوّل الخارجة، ولا يوجب براءة شيء إذا كان المراد الثّابتة، فأوجب براءة ربع المهر بين الثّابتة والخارجة. والفرق الثّاني لهما: هو أنّ الإيجاب الثّاني صحيح في حقّ الدّاخل والثّابت من كلّ وجه، أمّا في حق الدّاخل فلا شك، وكذا في حقّ الثّابت أمّا على قول أبي حنيفة ﵀ فظاهر؛ لأنّ الثّابت قد عتق بعضه لا كلّه، ومعتق البعض محل للإعتاق، فصحّ اللّفظ الثّاني على كلّ حال بخلاف الطّلاق؛ لأنّه لا يتجزى.

стр. 2096

وأمّا على قول أبي يوسف ﵀ فإنّ الإعتاق وإن كان لا يتجزى لكن الثّابت دار بين أن يكون حرًا وبين أن يكون عبدًا فكان كالمكاتب، والمكاتب محلّ للعتق بخلاف الطّلاق؛ لأنّ ثمة ليس بين أن تكون المرأة طالق وغير طالق حالة ثالثة، هذا إذا كانت الإجابات في صحّة المولى، فإن كانت في مرضه ومات إن خرجوا من الثلث، فكذلك الجواب، وإن لم يكن له مال آخر ولم يجز الورثة قسم الثّلث بينهم على قدر سهامهم، فحق الخارج في نصف الرقبة وهو سهمان، وحقّ الثّابت في ثلاثة أرباعه وهو ثلاثة أسهم، وحق الدّاخل عندهما في نصف الرقبة وهو سهمان، فبلغ سهام العتق سبعة، اجعل هذا ثلث المال وثلثا المال أربعة عشر فيكون كل عبد سبعة عتق من الخارج سهمان ويسعى في خمسة. ومن الثّابت ثلاثة ويسعى في أربعة ومن الدّاخل سهمان، ويسعى في خمسة فيكون سهام العتق سبعة، وسهام السّعاية أربعة عشر، فاستقام الثّلث والثلثان وعلى قول محمّد ﵀، حق الداخل في ربعه وهو سهم واحد، فكان سهام العتق عنده ستة، وثلث، المال ستة كل رقبة ستّة عتق من الخارج سهمان ويسعى في أربعة، ومن الثّابت ثلاثة، ويسعى في ثلاثة من الدّاخل سهم، ويسعى في خمسه فيستقيم الثلث والثلثان. فإن قيل: في هذا المجموع سؤال كلي يرد على قول أبي يوسف ومحمّد -رحمهما الله- وهو أنّه كيف يتصوّر تجزئة العتق بالنّصف والربع وثلاثة الأرباع عندهما مع أنّ إعتاق البعض إعتاق الكلّ عندهما؟ [٤٠٧/ أ] فكان ينبغي أن يعتق كلّ واحد منهم، ولا يسعى في شيء إذا كانوا يخرجون من الثلث أو لا يخرجون عندهما؛ لأنّه ثبت العتق في شيء من كل واحد منهم فكان/ ثابتًا في كلّ واحد منهم لما أنّ الإعتاق لا يتجزى عندهما. قلنا: الإعتاق عندهما لا يتجزّى إذا صادف محلاً معلومًا، وأمّا إذا كان الإعتاق ثبوته بطريق التوزّع والانقسام باعتبار الأحوال فلا؛ لأنّ ثبوته حينئذ بطريق الضّرورة، إذ لا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر والثّابت بالضّرورة لا يعدو (١) موضعه. كذا في جامعي قاضي خان والتمرتاشي -رحمهما الله- والفوايد الظهيرية (٢). (فباع أحدهما أو مات) (٣) وفي الإيضاح (٤) ولو أعتق أحدهما بعد قوله إحداكما حرّة ثم قال أردت به ذلك العتق فالقول قوله؛ لأنّ هذا اللّفظ يصلح إنشاء، فكذا يصلح للبيان الذي هو بمعنى الإنشاء، لأنّه لم يبق محلًا للعتق أصلًا بالموت.

стр. 2097

فإن قلت: يُشكل هذا بما لو قال لأمتيه إحدى هاتين ابنتي؛ أو أم ولدي وماتت إحديهما لم تتعيّن الحرية والاستيلاد في الحية، والمسألة في الجامع الصّغير للإمام التمرتاشي ﵀ (١). قلت: هو ليس بإيقاع له بصيغته بل إخبار، ويجوز أن يخبر هذا (٢) عن الميّت والحي فيرجع إلى بيان المولى فأمّا الإنشاء فلا يصحّ إلا في الحي. وأمّا في مسألتنا: فإنّما يتعيّن الآخر للعتق عند موت أحدهما؛ لأن البيان قائم بوصفين بوصف الإنشاء، وبوصف الإظهار. بيان ذلك أن قوله: أحدكما قاصر الدلالة عن (٣) أحدهما بعينه فإذا لا يثبت العتق في واحد منهما بعينه، هذا معنى ما قيل العتق غير ثابت، فبالنّظر إلى هذا يكون البيان إنشاء ومن حيث إنّ العتق لا يعدوهما كان البيان إظهارًا ولهذا يعتبر البيان من جميع المال، وإن كان البيان في مرض الموت لوجود العتق المبهم في الصحّة، وإذا كان كذلك فإنما يصحّ البيان في محلّ يحتمل الإنشاء، والميّت لا يحتمل الإنشاء فتعيّن الآخر للعتق ضرورة كذا في الإيضاح (٤) والفوايد الظهيرية. وفي الجامع ما يصلح تعيينًا في الإعتاق المبهم المرسل، يصلح تعيينًا في الإعتاق المعلّق؛ بأن قال لعبديه: إذا جاء غدًا فأحدكما حرّ فمات أحدهما أو تصرف فيه تصرف الملاك ثم جاء الغد عتق الباقي لزوال المزاحم، ولو قال قبل مجيء الغد اخترت أن يقع العتق غدًا على هذا بعينه لم يعتبر ذلك؛ لأنّه (٥) إخبار قبل وقت الخيار فلم يصح. كما لو قال: أنت حرّ إن دخلت هذه الدّار وهذه (٦) الدّار، ثم عتق أحدهما للحنث لم يصح تعيينه (٧) ولو باع أحدهما اليوم ثم اشتراه ثم جاء الغد، أو باعهما ثم اشتراهما ثم جاء الغد عتق أحدهما؛ لأنّ البيع لا يغيّر حكم التّعليق كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (٨). (وكذا إذا استولد إحديهما بأن وطى إحديهما فعلقت منه؛ لأنّها صارت أم ولد له فمن ضرورة صحّة أمية الولد واستحقاق العتق بها انتفاء العتق المنجز عنها، وإذا انتفى عن إحديهما تعيّن في الأخرى لزوال المزاحمة) كذا في المبسوط. (٩)

стр. 2098

ولا فرق بين البيع الصّحيح والفاسد مع القبض (١) وبدونه، أي بدون القبض في البيع الفاسد يثبت البيان في أنّ المراد بالعتق الآخر؛ وإنّما لم يشترط اتصال القبض في البيع الفاسد للبيان؛ لأنّ انتفاء العتق عنه ما كان لضرورة ثبوت الحكم، ولكن لدلالة وجود تصرف يختص بالملك، ألا ترى أنّه لو ساوم بأحدهما تعيّن الآخر للعتق والسّوم (٢) أدون في العقد الفاسد، وأمّا إذا حلف بعتق أحدها فقد علّق حرّيته بالشّرط، والمعلق عدم للحال فإذا ذكر ما يدلّ على انعدام العتق فيه تعيّن الآخر للعتق، وروي عن محمّد ﵀ أن اليمين إذا كانت سابقة على الحريّة المجهولة (٣) فَعَتِقَ (٤) لوجود الشّرط تعيّن الآخر؛ لأنّه فات المحلّ فصار كما لو مات. وذكر محمّد ﵀ في الإملاء إذا وهب أحدهما وأقبضه (٥) أو تصدّق وقبض (٦) عتق الآخر، وقضيتُهُ مسألة البيع الفاسد أن يثبت العتق في الآخر بدون الإقباض وإنّما ذكر الإقباض هنا وفي البيع الفاسد على سبيل التأكيد، فعلى هذا كان ذكر التّسليم في قوله: والهبة والتسليم والصّدقة والتسلّم (٧) بمنزلة البيع كان على وجه التأكيد لا على وجه الشّرط. [٤٠٧/ ب] فإن قلت: يشكل على ما ذكره من مسألة الموت ما ذكره في المبسوط (٨) والإيضاح (٩) / (أنّه لو اشترى أحد العبدين (١٠) وسمّى لكلّ واحد منهما ثمنًا، وشَرط الخيار لنفسه ثمّ مات أحدهما تعيّن البيع في الهالك، وههنا يتعين العتق في القائم لا في الهالك، فكما أنّ إنشاء العتق يقتضي الحياة فكذلك إنشاء البيع والاختيار فيه يقتضي الحياة أيضًا، فمن أين وقع الفرق بينهما؟

стр. 2099

قلت: قال علي القمي ﵀ (١): وفي الحقيقة لا فرق بينهما؛ لأنّ الهالك يهلك على ملكه في الفصلين، والأصحّ أن نقول: هناك حين أشرف أحدهما على الهلاك تعيّن البيع فيه؛ لأنّه تعذّر عليه ردّه كما قبض؛ فإنّما يتعيّن البيع وهو حي لا ميّت، وههنا لو تعيّن العتق فيه تعيّن (٢) بعد الموت؛ لأنّه بالإشراف على الهلاك لا يخرج من أن يكون محلًا للعتق، وبعد (٣) الموت هو ليس بمحل للعتق فيتعيّن القائم ضرورة) كذا في المبسوط. (٤) وله أنّ الملك قائم في الموطوءة (٥) أي وإن وجد الوطئ (٦) فيهما جميعًا ثم دليل قيام الملك فيهما جميعًا من حيث الحقيقة ومن حيث الحكم، أمّا من حيث الحقيقة، فهو ما ذكر في الكتاب بيان ذلك وهو أنّهما كانتا مملوكتين له (٧) قبل إيجاب العتق؛ وإنّما أوجب العتق في نكرة وكلّ واحدة منهما بعينها معرفة والمُنَّكر غير المُعَرَّف (٨)، فلا يجوز إيجاب العتق في العين قبل بيانه؛ لأنّه إيجاب به في غير المحلّ الذي أوجبه، وأمّا من حيث الحكم فإنّهما لو وطئتا بالشبهة (٩) كان الواجب عقر مملوكتين (١٠)، وكان ذلك كلّه للمولى وإنّما يملك البدل يملك الأصل فعلم بهذا أنّ الملك فيهما جميعًا باقٍ، وعن هذا قالوا: فلمّا لم يكن استيفاء بدله بيانًا لم يكن استيفاء أصله بيانًا دليله قطع اليد؛ فإنّه لو قطع يد إحديهما لا يكون بيانًا؛ لما أنّه لو قطع يد إحديهما غيره وقبض المولى بدله لم يكن بيانًا فكذلك هنا. بخلاف المنكوحتين أو نقول إن حلّ الوطئ يُبتنى على ملك المتعة والعتق محلّه ملك الرقبة فلم يتحد المحلّ فلا يتحقق المنافاة بين حل الوطئ وبين العتق؛ لأنّ من شرط المنافاة اتّحاد محلّ الحكم، فإذا امتنع البيان من هذا الوجه لم يبق إلا وجه آخر وهو إثبات الضّرورة ولا ضرورة؛ لأنّ حل الوطئ يتصوّر ثبوته مع العتق وحلّ الضّرورة ما لا يقبل الفصل عنه بحال، فحلّ الوطئ مع ملك الرقبة ينفصل إن (١١) وجودًا وعدمًا؛ أما وجودًا ففي فصل المنكوحة الحرّة، وأمّا عدما ففي أمته المجوسيّة (١٢) فلما كان كذلك لم ينتف ملك المتعة عند انتفاء ملك الرّقبة.

стр. 2100

فإن قيل: لا يثبت ههنا ملك المتعة إلا بناء على مِلكِ الرّقبة، ومن ضرورة انتفاء ملك الرقبة انتفاء ملك المتعة الثّابت بسببه. (قلنا: إن ما كان طريقه طريق الضّرورة يعتبر فيه الجملة لا الأحوال، ألا ترى أنّ الجارية المبيعة إذا جاءت بولد لأقلّ من ستّة أشهر فقطعت يد الولد وأخذ المشتري الأرش (١) ثم ادّعى البايع نسب الولد بطل المبيع، وحكم بحرية الأصل، وبقي الأرش سالمًا للمشتري، ولا سبب في هذا الموضع لملكه الأرش سوى ملك الرقبة ثمّ نظر إلى الجملة دون الأحوال، فقيل إنّ ملك الرّقبة سبب لملك الأرش الذي وجب للمملوك في الجملة فهو للمولى لوجود ملكه ظاهرًا، وإن لم يكن للمولى في هذه الصّورة ملك الرقبة، وكذلك لو اشترى لحمًا فأخبره عدلٌ أنّه ذبيحة (٢) مجوسيّ يحرم عليه تناوله، وسبب الحلّ ههنا ملك العين، ولكن لما كان حلّ التناول يثبت في الطّعام في الجملة من غير ملكه نُظِرَ إلى الجملة دون الأحوال) (٣) فقيل: لا يحلّ تناوله ولا يبطل ملكه حتّى لا يرجع على البايع بالثمن نظراً إلى الانفصال في الجملة كما في ملك الخمر كذا في المبسوط (٤) والإيضاح لتعلّقه به أي لتعلّق العتق بالبيان فصار كالعتق المعلّق بدخول الدّار؛ فإنّ العتق فيه غير نازل قبل دخول الدّار. فكذا ههنا أو يقال: نازل في المنكر هذه النكتة للفرق بين الطّلاق والعتاق في أنّ الوطئ معيّن في الطّلاق دون العتاق فيظهر في حق حكم يقبله كالبيع فإن المنكر يقبل البيع بأن اشترى أحد العبدين على أن المشتري بالخيار فيهما يصحّ، وأمّا المنكرة فلا تقبل الوطئ؛ لأن الوطئ أمر حسي فلا يقع في غير المعيّن فلم يمكن وطئ غير المعيّن لذلك فلا يكون الوطئ بيانًا في الأخرى. [٤٠٨/ أ] بخلاف الطلاق فإن بوطئ إحديهما في باب الطّلاق يأتي بما هو المعظم/ من المقاصد في باب النكاح فيصير بيانًا، كما لو باع إحديهما فيما نحن فيه؛ لأنّه أتى بالبيع بما هو المعظم من المقاصد في ملك اليمين والوطئ في ملك اليمين ليس من معظم المقاصد، ألا ترى أنّه يجوز شراء المجوسيّة وشراء من يحرم عليه وطئها (٥) برضاع أو صهرية (٦) بخلاف النكاح. كذا في الفوائد الظهيرية (٧).

стр. 2101

فإن قلت: يشكل على ما ذكر من أنّ الوطئ في الإماء ليس ببيان في حقّ استيفاء ملك اليمين مسائل ذكرها في المبسوط (١) (وهي أنّه لو باع جارية على أنّه بالخيار ثلاثة أيّام ثم وطئها في مُدة (٢) الخيار يصير فاسخًا للبيع). وكذلك لو باع إحدى الأمتين وسمّى لكل واحدة منهما ثمنًا، وشرط الخيار لنفسه ثم وطئ إحديهما فليس له أن يعيّن البيع فيها بعد ذلك، وكذلك لو كان المشتري بالخيار فوطئ إحديهما تعيّن البيع فيها لإثبات صفة الحلّ لفعله فما وجه الفرق بين هذه المسائل وبين ما نحن فيه؟ قلت: (ففي البيع بشرط الخيار لو لم نجعله فاسخًا للبيع بالوطئ لكان إذا جاز (٣) البيع يملكه المشتري من وقت العقد حتّى لو وطئت بالشّبهة في مدّة الخيار، ثم أجيز البيع كان الأرش للمشتري، فتبيّن به أنّ البايع كان وطئها في غير ملكه؛ فلهذا جعلناه بيانًا، وههنا لو عيّن العتق في الموطوءة لا يتبيّن انعدام ملكه فيها سابقًا على الوطئ بدليل أنّها لو وطئت بشبهة يكون الأرش سالمًا للمولى، وإن عيّن العتق فيها مع أن فسخ البيع هناك يحصل بالجناية، وههنا لا يحصل بجنايته على إحديهما البيان فكذلك بالوطئ وكذلك في بيع إحدى الأمتين أمّا إذا كان الخيار للمشتري؛ فلأنّه لا يملك إحديهما إلا بعد تعيّن البيع فيها. وأمّا إذا كان الخيار للبايع فلأنّه لو عيّن البيع فيها بعد الوطئ يثبت الملك للمشتري من وقت البيع فيتبيّن أنه وطئها في غير ملكه فللتحرّز عن هذا تعيّن البيع في الأخرى ضرورة، بخلاف ما نحن فيه إذ بالتعيين لا يتبيّن انعدام ملكه فيها سابقاً على ما ذكرنا) كذا في المبسوط (٤). (ومن قال لأمته إن كان أوّل ولد تلدينه) (٥) إلى أن قال: (عتق نصف الأم ونصف الجارية). وقال في المبسوط (٦): (وذكر محمّد ﵀ في الكيسانيات (٧) هذا الجواب الذي ذكر ليس جواب هذا الفصل بل في هذا الفصل لا يحكم بعتق واحد منهم ولكن يحلف المولى بالله ما يعلم أنّها ولدت الغلام أولًا، فإن نكل عن اليمين فنكوله كإقراره فإن حلف فهم أرقاء).

стр. 2102

وأمّا جواب الكتاب ففي فصل آخر وهو ما إذا (قال المولى لأمته إذا كان أوّل ولد تلدينه غلامًا فأنت حرة) وإن كان جارية فهي حرّة، فولدتهما جميعًا ولا يُدرى أيّهما أوّل فالغلام رقيق والابنة حرّة، ويعتق نصف الأم؛ لأنها إن ولدت الغلام أولًا فهي حرّة والغلام رقيق، وإن ولدت الجارية أولًا فالجارية حرّة والغلام والأم رقيقان، فالأمّ تعتق في حال دون حال، فيعتق نصفها (١) والعبد عبد بيقين والجارية حرة بيقين، إما بعتق نفسها أو بعتق الأم. قلت: وما ذكره في الكيسانيات هو الصّحيح لما أنّ الشّرط الذي لم يتيقّن في وجوده وهو ما إذا كان في طرف واحد كان القول قول من يُنكِرُ وُجُودَهُ باليَمِينِ، كما إذا قال لعبده: إن دخلت الدّار غدًا فأنتَ حرّ، فمضى الغد ولا يدرى أنّه دخل أم لا! لا (٢) يَعتق؛ لأنّه وقع الشّك في شرط العتق فكذلك ههنا وقع الشك في شرط العتق وهو ولادة الغلام أولًا، وأمّا إذا كان الشّرط مذكوراً في طرفي الوجود والعدم كان أحدهما موجودًا لا محالة، فحينئذ يحتاج إلى اعتبار الأحوال كما في مسألة الكيسانيات فالقول قوله مع اليمين، لإنكاره شرط العتق ويحلف على العلم بالله ما يعلم أنّها ولدت الغلام أولًا؛ لأن هذا استحلاف على فعل الغير فيكون على العلم أصله حديث القسامة (٣). ولو كانت الجارية كبيرة عتقت الأم بنكول (٤) المولى خاصّة؛ لأنّ النكول يُجعل (٥) حجة بطريق الضّرورة فيما وجد فيه الدّعوى، والدّعوى وجدت من الأم دون الجارية، فلا يظهر في حق الجارية كذا ذكره الإمام قاضي خان ﵀ (٦)؛ لأنّ دعوى الأم غير معتبرة في حق الجارية الكبيرة؛ لأنّها لما كانت كبيرة تدعي هي بنفسها، فلا تنوب دعوى غيرها عنها.

стр. 2103

[٤٠٨/ ب] وأمّا إذا كانت صغيرة فدعوى الأم لا (١) تنوب عن دعوى الصّغيرة بولاية الأم على الصّغيرة، والنكول إنما يعتبر/ إقرارًا عند صحّة الدّعوى، فلذلك افترق حكم النكول بين كون البنت صغيرة وكبيرة، وكذلك لو كانت البنت الكبيرة هي المدعية دون الأمّ، فلا يصحّ دعواها في حقّ أمها، لما قلنا إن دعوى الغير نيابة عن الغير لا يصحّ إلا بولاية أو إنابة، ولم يوجد واحد منهما. وبهذا القدر يعرف ما ذكرنا من الوجوه في كفاية المنتهى (٢) وجميع الوجوه خمسة: أحدها: ما ذكرنا وهو أنّهم أن يتصادقوا أنّهم لا يدرون أيهما أوّل وجواب (٣) الكتاب (٤) أنّه يعتق نصف الأم ونصف الجارية باعتبار الأحوال. والثّاني: أن تدعي الأم أنّ الغلام أول وأنكر المولى ذلك وقال الجارية هي الأولى والجارية صغيرة، والجواب أنّ القول قول المولى مع يمينه لما ذكر في الكتاب. والثّالث: أن يتصادقوا (٥) أنّ الغلام أوّل، والجواب أنّه عتق الأم والبنت ورق الغلام؛ لأنّه لا حظ له من العتاق في عموم الأحوال، وذلك لأنّ العتق معلّق بولادة الغلام والمعلّق بالشّرط لا ينزل قبله والغلام انفصل منها، وهي أمة، فلا يظهر حرّيتها في حق الغلام، ويظهر في الجارية؛ لأنّها انفصلت بعد الحريّة فتكون حرّة. والرّابع: أن يتصادقوا أن الجارية هي الأولى والجواب أنهم أرقاء. والخامس: أن تدعي الأم أنّ الغلام، أول ولم تدع (٦) الجارية شيئًا وهي كبيرة، حُلِّفَ المولى، فإن حَلِفَ لم يثبت شيء، وإن نكل عتقت الأم دون البنت؛ لأن النكول حجّة ضروريّة إلى آخر ما ذكرنا ولو ادعت البنت دون الأم. فالجواب على عكس هذا (٧) ولا يقال إنّ النكول على قولهما إقرار والإقرار بعتق إحديهما حكما (٨) لليمين إقرار بعتق الأخرى ضرورة؛ لأنّا نقول أنه إقرار بطريق الضّرورة؛ ولهذا لا يثبت العتق بمجرّد النكول والدّليل عليه ما قاله محمّد ﵀ في الأصل رجلٌ قال لغيره أنا كفيل بكلّ ما يقر لك به فلان فادّعى (٩) المكفول له على فلان مالًا، فَأنكرَ فَحُلِّفَ فَنَكَلَ فَقُضِيَ عليه بالمال فلا يَصيرُ الكفيلُ كَفيلًا به، ولو كان إقرارًا من كلّ وجه لَصارَ كَفِيلًا به، كذا في الجامع الصّغير لقاضي خان ﵀ والفوائد الظهيرية (١٠).

стр. 2104

(وإذا شهد رجلان على رجل أنّه أعتق أحد عبديه) يعني "كواهي داده اندبرين كه بكي ازدو بنده رآاذا دكروه آست" (١) لا أنّهما إن شهدا على أنّه قال أحدكما حرّ، كذا كان بخطّ شيخي ﵀. وأصل هذا أنّ الشّهادة على عتق العبد لا تقبل من غير دعوى عند أبي حنيفة ﵀، بخلاف الشّهادة على عتق الأمة، فإنّها تُقبل بدون الدّعوى بالإجماع وإنّما اختلف حكمها عند أبي حنيفة ﵀ على هذا الطّريق، بناء على أنّ العتق من حقوق العباد عنده، ومن حقوق الشّرع عندهما (٢)، فما كان من حقوق العباد لا تقبل الشّهادة فيها بدون الدّعوى، وما كان من حقوق الله تعالى تقبل الشّهادة بدون الدعوى. (وأمّا عتق الأمة فمن حقوق الله تعالى بالاتفاق، فلذلك تقبل الشهادة فيها بدون الدّعوى وذلك لأنّ عتق الأمة يتضمن تحريم فرجها على مولاها، وذلك من حَقِّ الشّرعِ، وفيما هو حَقُّ الله تعالى الشّهادةُ تُقبلُ حِسبَةً من غيرِ دعوَى، كما في الشّهادة برؤية هلال رمضان وحَدِّ الزّنا (٣) والشّرب والطّلاق، فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يكتفى بشهادة الواحد؛ لأنّه أمر ديني وخبر الواحد فيه حجّة تامة. قلنا: خبر الواحد إنّما يكون حجّة في الأمر الديني، إذا لم تقع الحاجة إلى إلزام المنكر، وهنا الحاجةُ مَاسَّةٌ إلى ذلك؛ ولأن في هذا إزالة الملك والماليّة عن المولى وخبر الواحد لا يكفي لذلك فلهذا قلنا لابدّ من أن يشهد رجلان. فإن قيل: فإذا كانت هي أخته من الرضاعة (٤) قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ على عِتْقِهَا مع جُحُودِهَا، وليس فيه تحريم الفرج (٥) ههنا؛ لأنّ تحريم الفرج ههنا ثبت بحكم الرضاع قبل شهادتهما بالإعتاق. قلنا: بل فيه معنى الزّنا لأنّ فعل (٦) المولى بها قبل العتق لا يَلزَمُهُ الحَدُّ (٧) وبَعد العِتق يَلزَمُهُ الحَدُّ وبضعها (٨) مملوك للمولى، وإن كان هو مَمنُوعًا عن وطئِهَا بالمَحرَمِيَّةِ.

стр. 2105

ألا ترى أنّه يُزَوِّجُهَا؟ وأنَّ بَدل بضعِهَا يَكُونُ لهُ؟ فيزولُ ذلك الملك بإعتاقها؟ ولأنّ الأمة في إنكار العتق مُتَّهَمَةٌ لما لها من الحَظِّ في الصّحبة مع مولاها، ولا معتبر في إنكار من هو متّهم في إنكاره فَجَعلنَاها كالمُدّعية لِهذا. [٤٠٩/ أ] وأمّا الشّهادة على عتق العبد فلا تقبل/ مع جحود العبد في قول أبي حنيفة ﵀ وتُقبل في قول أبي يوسف ومحمّد -رحمهما الله-، وجه قولهما أنّ المشهود به حق الشّرع وعدم الدّعوى لا يمنعُ قبول الشّهادة عليه كعتق الأمة وطلاق الزوجة، وبيان ذلك أنّ المشهود به العتق وهو حقّ الشّرع، ألا ترى أنّه لا يحتاج فيه إلى قبول العبد، ولا يَرتَدُّ بِرَدِّهِ أنّه يجوز أن يحلف به، وإنّما يحلف بما هو حقّ الشّرع، وأن إيجابه في المجهول صحيح، ولا يصحّ إيجاب الحق للمجهول ويتعلّق به حُرمةُ اسْتِرْقَاقِهِ، وذلك حقّ الشّرع قال النبي ﵇: «ثلاثة أنا خصمهم» (١) وذكر من جملتهم «من استرق الحرّ» ويتعلّق به حكم تكميل الحدود ووجوب الجُمُعَةَ، والأهليّة للولايات، والاسترقاق على أهل الحرب عقوبة بطريق المجازاة لهم حين أنكروا وحدانية الله تعالى، فجازاهم على ذلك بأن صيّرهم عَبِيدَ عَبِيدِه، فإزالته بعد الإسلام يكون حقًا للشّرع، ولهذا كان قُربةً تَتَأدّى به بعض الواجبات، والدّليل عليه أيضًا هو: أن التّناقض لا يمنع دعوى الحريّة، حتّى لو أقرّ بالرّق ثمّ ادّعى حريّة الأصل وأقام البيّنة (٢) قبلت بيّنته، مع أنّ التّناقضَ يُعدِمُ الدّعوى.
следующие страницы →