← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

فإن قلت: يشكل على ما ذكر من أنّ الوطئ في الإماء ليس ببيان في حقّ استيفاء ملك اليمين مسائل ذكرها في المبسوط (١) (وهي أنّه لو باع جارية على أنّه بالخيار ثلاثة أيّام ثم وطئها في مُدة (٢) الخيار يصير فاسخًا للبيع). وكذلك لو باع إحدى الأمتين وسمّى لكل واحدة منهما ثمنًا، وشرط الخيار لنفسه ثم وطئ إحديهما فليس له أن يعيّن البيع فيها بعد ذلك، وكذلك لو كان المشتري بالخيار فوطئ إحديهما تعيّن البيع فيها لإثبات صفة الحلّ لفعله فما وجه الفرق بين هذه المسائل وبين ما نحن فيه؟ قلت: (ففي البيع بشرط الخيار لو لم نجعله فاسخًا للبيع بالوطئ لكان إذا جاز (٣) البيع يملكه المشتري من وقت العقد حتّى لو وطئت بالشّبهة في مدّة الخيار، ثم أجيز البيع كان الأرش للمشتري، فتبيّن به أنّ البايع كان وطئها في غير ملكه؛ فلهذا جعلناه بيانًا، وههنا لو عيّن العتق في الموطوءة لا يتبيّن انعدام ملكه فيها سابقًا على الوطئ بدليل أنّها لو وطئت بشبهة يكون الأرش سالمًا للمولى، وإن عيّن العتق فيها مع أن فسخ البيع هناك يحصل بالجناية، وههنا لا يحصل بجنايته على إحديهما البيان فكذلك بالوطئ وكذلك في بيع إحدى الأمتين أمّا إذا كان الخيار للمشتري؛ فلأنّه لا يملك إحديهما إلا بعد تعيّن البيع فيها. وأمّا إذا كان الخيار للبايع فلأنّه لو عيّن البيع فيها بعد الوطئ يثبت الملك للمشتري من وقت البيع فيتبيّن أنه وطئها في غير ملكه فللتحرّز عن هذا تعيّن البيع في الأخرى ضرورة، بخلاف ما نحن فيه إذ بالتعيين لا يتبيّن انعدام ملكه فيها سابقاً على ما ذكرنا) كذا في المبسوط (٤). (ومن قال لأمته إن كان أوّل ولد تلدينه) (٥) إلى أن قال: (عتق نصف الأم ونصف الجارية). وقال في المبسوط (٦): (وذكر محمّد ﵀ في الكيسانيات (٧) هذا الجواب الذي ذكر ليس جواب هذا الفصل بل في هذا الفصل لا يحكم بعتق واحد منهم ولكن يحلف المولى بالله ما يعلم أنّها ولدت الغلام أولًا، فإن نكل عن اليمين فنكوله كإقراره فإن حلف فهم أرقاء).

стр. 2102

وأمّا جواب الكتاب ففي فصل آخر وهو ما إذا (قال المولى لأمته إذا كان أوّل ولد تلدينه غلامًا فأنت حرة) وإن كان جارية فهي حرّة، فولدتهما جميعًا ولا يُدرى أيّهما أوّل فالغلام رقيق والابنة حرّة، ويعتق نصف الأم؛ لأنها إن ولدت الغلام أولًا فهي حرّة والغلام رقيق، وإن ولدت الجارية أولًا فالجارية حرّة والغلام والأم رقيقان، فالأمّ تعتق في حال دون حال، فيعتق نصفها (١) والعبد عبد بيقين والجارية حرة بيقين، إما بعتق نفسها أو بعتق الأم. قلت: وما ذكره في الكيسانيات هو الصّحيح لما أنّ الشّرط الذي لم يتيقّن في وجوده وهو ما إذا كان في طرف واحد كان القول قول من يُنكِرُ وُجُودَهُ باليَمِينِ، كما إذا قال لعبده: إن دخلت الدّار غدًا فأنتَ حرّ، فمضى الغد ولا يدرى أنّه دخل أم لا! لا (٢) يَعتق؛ لأنّه وقع الشّك في شرط العتق فكذلك ههنا وقع الشك في شرط العتق وهو ولادة الغلام أولًا، وأمّا إذا كان الشّرط مذكوراً في طرفي الوجود والعدم كان أحدهما موجودًا لا محالة، فحينئذ يحتاج إلى اعتبار الأحوال كما في مسألة الكيسانيات فالقول قوله مع اليمين، لإنكاره شرط العتق ويحلف على العلم بالله ما يعلم أنّها ولدت الغلام أولًا؛ لأن هذا استحلاف على فعل الغير فيكون على العلم أصله حديث القسامة (٣). ولو كانت الجارية كبيرة عتقت الأم بنكول (٤) المولى خاصّة؛ لأنّ النكول يُجعل (٥) حجة بطريق الضّرورة فيما وجد فيه الدّعوى، والدّعوى وجدت من الأم دون الجارية، فلا يظهر في حق الجارية كذا ذكره الإمام قاضي خان ﵀ (٦)؛ لأنّ دعوى الأم غير معتبرة في حق الجارية الكبيرة؛ لأنّها لما كانت كبيرة تدعي هي بنفسها، فلا تنوب دعوى غيرها عنها.

стр. 2103

[٤٠٨/ ب] وأمّا إذا كانت صغيرة فدعوى الأم لا (١) تنوب عن دعوى الصّغيرة بولاية الأم على الصّغيرة، والنكول إنما يعتبر/ إقرارًا عند صحّة الدّعوى، فلذلك افترق حكم النكول بين كون البنت صغيرة وكبيرة، وكذلك لو كانت البنت الكبيرة هي المدعية دون الأمّ، فلا يصحّ دعواها في حقّ أمها، لما قلنا إن دعوى الغير نيابة عن الغير لا يصحّ إلا بولاية أو إنابة، ولم يوجد واحد منهما. وبهذا القدر يعرف ما ذكرنا من الوجوه في كفاية المنتهى (٢) وجميع الوجوه خمسة: أحدها: ما ذكرنا وهو أنّهم أن يتصادقوا أنّهم لا يدرون أيهما أوّل وجواب (٣) الكتاب (٤) أنّه يعتق نصف الأم ونصف الجارية باعتبار الأحوال. والثّاني: أن تدعي الأم أنّ الغلام أول وأنكر المولى ذلك وقال الجارية هي الأولى والجارية صغيرة، والجواب أنّ القول قول المولى مع يمينه لما ذكر في الكتاب. والثّالث: أن يتصادقوا (٥) أنّ الغلام أوّل، والجواب أنّه عتق الأم والبنت ورق الغلام؛ لأنّه لا حظ له من العتاق في عموم الأحوال، وذلك لأنّ العتق معلّق بولادة الغلام والمعلّق بالشّرط لا ينزل قبله والغلام انفصل منها، وهي أمة، فلا يظهر حرّيتها في حق الغلام، ويظهر في الجارية؛ لأنّها انفصلت بعد الحريّة فتكون حرّة. والرّابع: أن يتصادقوا أن الجارية هي الأولى والجواب أنهم أرقاء. والخامس: أن تدعي الأم أنّ الغلام، أول ولم تدع (٦) الجارية شيئًا وهي كبيرة، حُلِّفَ المولى، فإن حَلِفَ لم يثبت شيء، وإن نكل عتقت الأم دون البنت؛ لأن النكول حجّة ضروريّة إلى آخر ما ذكرنا ولو ادعت البنت دون الأم. فالجواب على عكس هذا (٧) ولا يقال إنّ النكول على قولهما إقرار والإقرار بعتق إحديهما حكما (٨) لليمين إقرار بعتق الأخرى ضرورة؛ لأنّا نقول أنه إقرار بطريق الضّرورة؛ ولهذا لا يثبت العتق بمجرّد النكول والدّليل عليه ما قاله محمّد ﵀ في الأصل رجلٌ قال لغيره أنا كفيل بكلّ ما يقر لك به فلان فادّعى (٩) المكفول له على فلان مالًا، فَأنكرَ فَحُلِّفَ فَنَكَلَ فَقُضِيَ عليه بالمال فلا يَصيرُ الكفيلُ كَفيلًا به، ولو كان إقرارًا من كلّ وجه لَصارَ كَفِيلًا به، كذا في الجامع الصّغير لقاضي خان ﵀ والفوائد الظهيرية (١٠).

стр. 2104

(وإذا شهد رجلان على رجل أنّه أعتق أحد عبديه) يعني "كواهي داده اندبرين كه بكي ازدو بنده رآاذا دكروه آست" (١) لا أنّهما إن شهدا على أنّه قال أحدكما حرّ، كذا كان بخطّ شيخي ﵀. وأصل هذا أنّ الشّهادة على عتق العبد لا تقبل من غير دعوى عند أبي حنيفة ﵀، بخلاف الشّهادة على عتق الأمة، فإنّها تُقبل بدون الدّعوى بالإجماع وإنّما اختلف حكمها عند أبي حنيفة ﵀ على هذا الطّريق، بناء على أنّ العتق من حقوق العباد عنده، ومن حقوق الشّرع عندهما (٢)، فما كان من حقوق العباد لا تقبل الشّهادة فيها بدون الدّعوى، وما كان من حقوق الله تعالى تقبل الشّهادة بدون الدعوى. (وأمّا عتق الأمة فمن حقوق الله تعالى بالاتفاق، فلذلك تقبل الشهادة فيها بدون الدّعوى وذلك لأنّ عتق الأمة يتضمن تحريم فرجها على مولاها، وذلك من حَقِّ الشّرعِ، وفيما هو حَقُّ الله تعالى الشّهادةُ تُقبلُ حِسبَةً من غيرِ دعوَى، كما في الشّهادة برؤية هلال رمضان وحَدِّ الزّنا (٣) والشّرب والطّلاق، فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يكتفى بشهادة الواحد؛ لأنّه أمر ديني وخبر الواحد فيه حجّة تامة. قلنا: خبر الواحد إنّما يكون حجّة في الأمر الديني، إذا لم تقع الحاجة إلى إلزام المنكر، وهنا الحاجةُ مَاسَّةٌ إلى ذلك؛ ولأن في هذا إزالة الملك والماليّة عن المولى وخبر الواحد لا يكفي لذلك فلهذا قلنا لابدّ من أن يشهد رجلان. فإن قيل: فإذا كانت هي أخته من الرضاعة (٤) قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ على عِتْقِهَا مع جُحُودِهَا، وليس فيه تحريم الفرج (٥) ههنا؛ لأنّ تحريم الفرج ههنا ثبت بحكم الرضاع قبل شهادتهما بالإعتاق. قلنا: بل فيه معنى الزّنا لأنّ فعل (٦) المولى بها قبل العتق لا يَلزَمُهُ الحَدُّ (٧) وبَعد العِتق يَلزَمُهُ الحَدُّ وبضعها (٨) مملوك للمولى، وإن كان هو مَمنُوعًا عن وطئِهَا بالمَحرَمِيَّةِ.

стр. 2105

ألا ترى أنّه يُزَوِّجُهَا؟ وأنَّ بَدل بضعِهَا يَكُونُ لهُ؟ فيزولُ ذلك الملك بإعتاقها؟ ولأنّ الأمة في إنكار العتق مُتَّهَمَةٌ لما لها من الحَظِّ في الصّحبة مع مولاها، ولا معتبر في إنكار من هو متّهم في إنكاره فَجَعلنَاها كالمُدّعية لِهذا. [٤٠٩/ أ] وأمّا الشّهادة على عتق العبد فلا تقبل/ مع جحود العبد في قول أبي حنيفة ﵀ وتُقبل في قول أبي يوسف ومحمّد -رحمهما الله-، وجه قولهما أنّ المشهود به حق الشّرع وعدم الدّعوى لا يمنعُ قبول الشّهادة عليه كعتق الأمة وطلاق الزوجة، وبيان ذلك أنّ المشهود به العتق وهو حقّ الشّرع، ألا ترى أنّه لا يحتاج فيه إلى قبول العبد، ولا يَرتَدُّ بِرَدِّهِ أنّه يجوز أن يحلف به، وإنّما يحلف بما هو حقّ الشّرع، وأن إيجابه في المجهول صحيح، ولا يصحّ إيجاب الحق للمجهول ويتعلّق به حُرمةُ اسْتِرْقَاقِهِ، وذلك حقّ الشّرع قال النبي ﵇: «ثلاثة أنا خصمهم» (١) وذكر من جملتهم «من استرق الحرّ» ويتعلّق به حكم تكميل الحدود ووجوب الجُمُعَةَ، والأهليّة للولايات، والاسترقاق على أهل الحرب عقوبة بطريق المجازاة لهم حين أنكروا وحدانية الله تعالى، فجازاهم على ذلك بأن صيّرهم عَبِيدَ عَبِيدِه، فإزالته بعد الإسلام يكون حقًا للشّرع، ولهذا كان قُربةً تَتَأدّى به بعض الواجبات، والدّليل عليه أيضًا هو: أن التّناقض لا يمنع دعوى الحريّة، حتّى لو أقرّ بالرّق ثمّ ادّعى حريّة الأصل وأقام البيّنة (٢) قبلت بيّنته، مع أنّ التّناقضَ يُعدِمُ الدّعوى.

стр. 2106

ولأبي حنيفة ﵀ قوله ﵇: «ثم يفشوا الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد!» (١) فقد جعل أداء الشهادة قبل الاستشهاد من أمارات الكذب! فظاهره يقتضي أن لا يكون مقبولًا منه إلا حيث خُصَّ بدليل الإجماع. والمعنى فيه أنّه إزالة ملك اليمين بالقول، ولا يتضمّن معنى تحريم الفرج، فلا تقبل الشّهادة فيه إلا بالدّعوى كالبيع، وتأثيره أنّ المشهود به حق العبد؛ لأنّ الإعتاق إحداث قوّة المالكيّة والاستبداد فيتضمن انتفاء ذُلِّ المَملُوكِيَّة والرِّق، وذلك كله حقّ العبد، فأمّا ما وراء ذلك فمن ثمرات العتق فلا يعتبر ذلك، وإنّما يعتبر المشهود به. وإذا كان حقًا للعبد يتوقف قبول البيّنة على دعواه، وَنَحن نُسَلِّمُ أنَّ في السَّبَب مَعنَى حَقِّ الشَّرعِ؛ ولِهذا لا يَتَوَقَّفُ على قَبُولِهِ، فلا يَرتَدُّ بِرَدِّهِ، ولكن هذا لا (٢) يدل على قبول البيّنة من غير الدّعوى، كالعفو عن القصاص ثمّ العبد غير متهم في هذا الإنكار؛ لأنَّ العَاقِلَ لا يَجحَدُ (٣) الْحُرِّيَّةَ لِيَسْتَكْسِبَهُ فَيُنفق عليه بعض كسبِهِ، وجعل الباقي لنفسه فصحّ إنكاره وصار به مُكَذِّبًا لِشُهُودِهِ، بخلاف الأمة، فإنّها مُتَّهَمَةٌ في الإنكار على ما قلنا، حتَّى لو كان العَبدُ مُتَّهَمًا بأن كان لزِمَهُ حَدُّ قَذفٍ أو قِصَاصٍ في طَرَفٍ فَأَنكر العتق، لم يلتفت إلى إنكاره، وقضى عليه ذلك بالبيّنة، وأمّا فصل التّناقض فالوجه الصّحيح فيه أن يُسلَكَ طَرِيقَةُ الشَّبَهَينِ: فيقول من حيث السّبب المشهود به حق الشّرع بمنزلة طلاق الزّوجة، وعتاق الأمة، ومن حيث الحكم المطلوب بالسّبب هو حق العبد كما بيّنا، وما تَرَدَّدَ بين الشَّبَهَيْنِ يُوَفِّرُ حظَّهُ عَلَيهِما فلِشِبهِهِ بِحُقُوقِ العِبَادِ.

стр. 2107

قلنا: الشّهادة لا تُقبل بدون الدَّعوى ولِشِبهِهِ بِحَقِّ الشَّرعِ، قلنا التّناقض في الدّعوى لا يمنع قبول البيّنة عليه) كذا في المبسوط. (١) لأنّ الدعوى من المجهول لا تتحقق فلا تقبل الشّهادة، وذلك لأنّه لو صورنا دعوى أحدهما من غير تعيين، كانت الدّعوى من المجهول وهي لا تصحّ، وكذا إذا ادّعيا أيضًا لا تصحّ، لأنّهما معينان، وصاحب الحق غير معيّن، فلم تكن دعوى أحدهما من صاحب الحق، ولأنّ الدّعوى حينئذ لا يكون مطابقاً للشهادة، لأنّ الشّهادة على أحد العبدين لا على العبدين. وذكر رشيد الدّين ﵀ (٢) في فتاواه أن خلاف أبي حنيفة ﵀ معهما في الشّهادة القائمة على العتق الحاصل من جهة المولى، أما لا خلاف أنّ الشهود إذا شهدوا أنّه حرّ الأصل؛ فإنّه تقبل شهادتهم بدون الدّعوى؛ لأنّ الشّهادة على حريّة الأصل شهادة على حرية أمَّة، والشّهادة على حُرية أمَّة شهادة على تحريم الفرج، وحُرمة الفرج حق الله تعالى، فتقبل الشّهادة فيه حسبةً من غير الدّعوى كما في عتق الأمة، ولكن (ذكر صاحب المحيط (٣) أن الصّحيح أن دعوى العبد عند أبي حنيفة ﵀ شرط في حريّة الاصل وفي العتق العارض، وأن التّناقض لا يمنع صحّة الدّعوى ولا صحّة الشّهادة لا في حرية الأصل ولا في العتق العارض) كذا في الفصول للإمام الاستروشني ﵀ (٤) لما أنّه يتضمن تحريم الفرج فيشابه الطّلاق.

стр. 2108

[٤٠٩/ ب] وإنّما قلنا إن تحريم الفرج من حق الله تعالى فيقبل فيه شهادة الشّاهدين من غير دعوى/ لأنّهما يشهدان أن وطئه إياها بعد هذا زنا، والشّهادة على الزّنا تقبل بلا دعوى فكذا ما يتضمّن معنى الزّنا، فإن قيل على عتق العبد المعيّن وجب أن تستغني الشّهادة عن الدّعوى، لأنّ فيها تحريم الاسترقاق، وذلك حق الله تعالى فصار الله تعالى خصمًا، قلنا: تحريم الاسترقاق إنّما يثبت بعد تمام الشّهادة، وإن يثبت معنى تمام الشهادة (١) لا يجوز أن يجعل أصلًا في قبول الشّهادة، كما لو شهد الإنسان بمال وهو لا يدّعي فإنّه لا يقال تقبل لجواز أن يجب في ذلك المال زكوة (٢)، وذلك حق الله تعالى كذلك هذا كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (٣). فإن قلت: لا تفاوت حينئذٍ بين تحريم الاسترقاق وبين تحريم الفرج فكلّ منهما يثبت بعد تمام الشّهادة بالحرية، فكيف جُعل تضمّن تحريم الفرج مجوّزًا لقبول الشّهادة من غير دعوى، ولم يجعل تضمن تحريم الاسترقاق مجوزًا لقبول الشّهادة من غير دعوى؟ قلت إنّما نشاء (٤) الفرق بينهما من حيث إن الشّهادة بعتق الأمة قائمة مقام شهادتهما أنّهما يزنيان بعد هذا لو وطئها (٥) مولاها والشّهادة على الزّنا مما ورد به الشّرع، وأمّا الشّهادة بعتق العبد لو قلنا بجوازها كانت قائمة مقام شهادتهما أنّه يَستَرِقُّهُ بَعد الحُريّة فهو ممّا لم يرد به الشّرع بل ذاك. وقوله: إنّه أعتقه بمنزله (٦) وفيه الخلاف المذكور؛ ولأنّ الاحتياط الرّاجع إلى أمر الفروج أشدّ رعاية من غيره، ألا ترى أن الإعتاق المبهم بين الأمتين وإن كان يجوّز وطئهما من حيث الدّليل على قول أبي حنيفة ﵀ وهو أن الإعتاق المبهم لا ينزل في المعيّن قبل البيان؟ ومع ذلك لا يفتي بحلّ وطئهما (٧) لرعاية الاحتياط في أمر الفروج (٨)، وإذا كان كذلك فلم يلزم من قبول الشّهادة بعتق الأمة رعاية لجانب حرمة أمر الفروج، وإن كان ثبوته بطريق التضمن قبول الشهادة بعتق العبد رعاية لجانب حرمة الاسترقاق الثابت بطريق التضمين، لما أن حرمة الاسترقاق لا تساوي حرمة أمر الفروج في الأخذ بالاحتياط.

стр. 2109

قوله على ما ذكرناه وهو قوله: وله أنّ الملك قائم في الموطوءة إلى قوله: ولهذا حلّ وطئهما (١). قوله: أمّا إذا شهدا أنّه أعتق أحد عبديه في مرض موته بيان قوله إلا أن يكون في وصية؛ لأنّ التّدبير حيث ما وقع وقع وصيّة، أي سواء وقع في حالة الصحّة أو في حالة المرض وللاستحسان وجهان: أحدهما: أنّ الإعتاق في مرض الموت وصية والوصيّة إيجاب بعد الموت وإيجاب العتق بعد الموت إيجاب للعبدين؛ لأنّه أوجب العتق في أحدهما في حال عجزه عن البيان فكان إيجابًا لهما فيصح دعواهما. والثّاني: أنّ الإعتاق في مرض الموت وصية وتنفيذ الوصايا حق الميّت فكان الميّت مدّعيًا تقديرًا فتقبل الشّهادة، وإن شهدا بعد موته أنّه أعتق أحد عبديه في صحّته لا نصّ فيه عن أبي حنيفة ﵀ واختلف المشايخ فيه؛ قال بعضهم لا يقبل؛ لأنّ الإعتاق في الصحّة لا تكون وصيّة فلم يكن الميّت مدّعيًا تقديرًا. وقال بعضهم يقبل؛ لأنّ العتق شاع فيهما بعد الموت فيصح دعواهما والله أعلم بالصّواب. بَابُ الحَلِفِ بالعِتْقِ (٢) لما فَرَغَ من أنواع التنجيز (٣) من العتق شرع في بيان مسائل التّعليق منه إذ التعليق قاصر في السّببية عن التنجيز، فلذلك أخر ذكره، ثم المراد من الحلف بالعتق هو أن يجعل العتق جزاء حلفه. (ومن قال إذا دخلت الدّار فكلّ مملوك لي يومئذٍ فهو حرّ، وليس له مملوك فاشترى مملوكًا ثم دخل عتق) لأنّه صرح به في كلامه بإيجاب العتق لما يكون في ملكه وقت الدّخول. فقوله يومئذ عبارة عن الوقت؛ أي حينئذ وما استحدث الملك فيه بهذه الصّفة عند الدخول فصار هو عند الشّراء كأنّه علّق عتقه بدخول الدّار، كذا ذكره الإمام شمس الأئمة ﵀ في الجامع الصّغير (٤). فإن قيل: ينبغي أن لا يعتق هنا، وإن كان قال يومئذ؛ لأنّه ما أضاف العتق إلى الملك ولا إلى سبب الملك، كما إذا قال لعبد الغير إن دخلت الدّار فأنت حرّ فاشتراه ثمّ دخل الدّار لا يعتق لعدم الإضافة إلى الملك أو إلى سببه.

стр. 2110

[٤١٠/ أ] قلنا إن لم يوجد الملك صريحًا هنا فقد وجد دلالة، لأنّ المملوك لا يكون بدون الملك فصار كأنّه قال إن ملكت مملوكًا فهو حرّ وقت دخول الدّار بخلاف تلك/ المسألة؛ لأنّه لم توجد الإضافة إلى الملك لا صريحًا ولا دلالة حتّى دخل عتق لما قلنا أن المعتبر قيام الملك وقت الدّخول. (ولو لم يكن قال في يمينه يومئذٍ لم يعتق) أي لم يعتق ما اشترى بعد الحلف لأنّ قوله كلّ مملوك لي للحال؛ لأنّ اللام للاختصاص والاختصاص إنما يكون بمملوك له في الحال، إذ لو لم يكن الملك له في الحال كان هو وغيره سواء وعمل الشّرط في تأخير الجزاء، كما لو قال كلّ مملوك لي حرّ غدًا، يتناول المملوك للحال كذا ذكره فخر الإسلام ﵀ وغيره (١). وهذه اليمين لا تتناول الجنين ولا المملوك المشترك ولا المكاتب إلا أن يُعَيِّنَهُمْ ولا عَبِيدُ عَبْدِهِ التَّاجِرِ وهو قول أبي يوسف ﵀ سواء كان على العبد دين أو لا، وعلى قول محمّد ﵀ عتقوا نواهم أو لا عليه دين أو لا، وعلى قول أبي حنيفة ﵀ إن لم يكن عليه دين عتقوا إذا نواهم وإلا فلا، وإن كان عليه دين لم يعتقوا وإن نواهم، ويدخل المدبّر والمدبّرة وأمّ الولد وولدهما والذكر والأنثى؛ لأنّ اسم المملوك عام، وكذلك يدخل فيه العبد المرهون؛ لأنّ الملك لم يختل فيه، ولو قال عنيت به الذكور دون الإناث؛ لأنّ اللّفظ عام فلا يصحّ التّخصيص بمجرّد النيّة في الحكم ولو قال عنيت ما يستقبل عتق ما كان في ملكه وما سيملكه في المستقبل؛ لأنّه قصد تغيير ما يدلّ عليه ظاهر لفظه فلم يعتبر نيّته في إبطال حكم الظّاهر واعتبرنا اعترافه لإثبات العتق فيما يستقبل؛ لأنه قصد إثباته بلفظ محتمل كذا في الإيضاح (٢) والجامع الصّغير للتمرتاشي (٣) ﵀. وفي قيام الحمل وقت اليمين احتمال أي احتمال عدم الولد ولهذا لا يملك بيعه منفردًا وكذا لا يجوز عن كفارة يمينه (٤) إذا أعتقه عنها. (وإن قال كلّ مملوك أملكه حرّ بعد غد)، وقوله: (بعد غد) ظرف لقوله حرّ لا (٥) لقوله أملكه فإن أملكه للحال.

стр. 2111

قوله: (ثم جاء بعدُ غدٍ عتق) ولفظ بعدُ بالرّفع دون النّصب هكذا كان مقيَّدًا بقيد شيخي ﵀ لما أن بعدًا مُعرَب وليس بمبني، وإنّما انتصب في مواضع على الظّرفية فلما كان في موضع الفاعليّة هنا ارتفع، وكذا يستعمل له أي للحال على تأويل الوقت الحالي من غير قرينه، قال الله تعالى: ﴿والله يعلم إنك لرسوله﴾ (١) فالمراد به الحال وهذا التقرير يخالف رواية النّحو وهي أنّه مشترك بين الحال والاستقبال وقد ذكرناه في الطّلاق. (والذي كان عنده مدبر) أي مطلق (٢) (والآخر ليس بمدبّر) (٣) أي ليس بمدبّر مطلق حتّى يجوز بيعه ولكن هو مدبّر مقيّد على قول أبي حنيفة ومحمّد -رحمهما الله- حتّى لو بقي إلى وقت موت المولى. (يعتق من الثلث) طعن عيسى بن أبان ﵀ (٤) في هذه المسألة فقال ينبغي أن لا يعتق من حدث في ملكه بعد تلك المقالة؛ لأنّ اللّفظ لم يتناولهم؛ لأنّه للحال ولو تناولهم ينبغي أن لا يجوز بيعهم لتعلّق عتقهم بموت المولى، فكان فيه جمع بين الحكمين المتناقضين، ولكنّ الجواب ما ذكر في المتن ذكره فخر الإسلام ﵀ في مبسوطه (٥). وقال أبو يوسف ﵀ في النّوادر (٦) يعتق ما كان في ملكه أي بطريق التّدبير.

стр. 2112

ولهما أن هذا إيجاب عتق وإيصاء (١) أي اللّفظ الواحد إيجاب عتق وإيصاء أيضًا، فعملنا بموجبهما فأعملنا إيجاب العتق في المملوك الحالي وأعملنا الإيصاء فيه وفي المستحدث؛ وذلك لأن في الوصايا كما تعتبر الحالة الرّاهنة أي الحالة الحالية إنّما سميّت الحالية بالرّاهنة؛ لأنّ الرّهن هو الحبس لغةً والمرء محبوس فيها لا فيما قبلها ولا فيما بعدها، كذلك تعتبر الحالة المتربصّة أي المستقبلة ولهذا لو أوصى بثلث ماله يستحق الموصى له ثلث ما يملكه عند الموت فيدخل الحالي باعتبار الرّاهنة تحت كلامه للحال فيتدبّر في الحال. والثّاني: باعتبار المتربصّة فيعطى له حكم المدبّر حال موت المولى. قوله: والإيجاب إنّما يصحّ مضافًا إلى الملك جواب سؤال مقدّر وهو على وجهين: أحدهما: هو أن يقال ينبغي أن لا يتناول الإيجاب المشتري أصلًا لا في الحال ولا في المآل؛ لأنّ التّناول إنّما يكون مضافًا إلى الملك أو إلى سببه وليس أحدهما في حقّه فأجاب عنه وقال إنما تناوله باعتبار الإيصاء لا باعتبار الإيجاب الحالي. [٤١٠/ ب] والثّاني: هو أن يقال ينبغي أن يكون المشتري مدبّراً مطلقًا حال/ شرائه؛ لأنّ التّدبير في كلّ مدبّر إنّما يكون على وجه الإيصاء حتّى يعتبر من الثلث، وفي الإيصاء لا يتفاوت الحالي والمستحدث، كما لو أوصى بثلث ماله يدخل فيه المال المملوك حالًا، وما سيحدث فأجاب عنه بأنّ إيجاب التّدبير مطلقًا إنّما يكون عقد إضافة التّدبير إلى الملك أو إلى سببه ولم يوجد في حق المستحدث واحد منهما فلا يتحقّق في حقّه التّدبير المطلق (٢). وذكر في المبسوط (٣) (وهما يقولان علق بالموت عتق ما يملكه، فيتناول ما هو مملوك له عند الموت والذي استحدث الملك فيه مملوك له عند الموت كالموجود في ملكه؛ وهذا لأنّ الإضافة إلى ما بعد الموت وصية، وفي الوصيّة إذا لم يوجد التعيين من الموصي عند الإيصاء يعتبر وجوده عند الموت، كما لو أوصى بثلث ماله لإنسان يتناول هذا ما يكون ماله عند الموت فهذا مثله، إلا أنّ التّدبير إيجاب العتق كما قرّرنا فلا يصحّ إلا في الملك أو مضافًا إلى الملك، ففي حَقِّ الْمَوْجُودِينَ في ملكه وجِدَ الملك فصحّ إيجاب حق العتق (٤) لهم، وفي حق الذينَ يستحدث الملك فيهم لم يوجد الإيجاب في الملك ولا الإضافة إلى الملك؛ إنّما وجدت الإضافة إلى الموت فلم يجب لهم حق العتق بنفس الملك؛ لأنّه لا يُدرى بقاؤهم في ملكه إلى وقت الموت، وباعتبار ذلك يتناولهم كلامه؛ فلهذا كان له أن يبيعهم وإذا لم يبعهم حتّى مات فقد تناولهم وصيّته فيعتقون من الثلث لهذا)، بخلاف قوله بعد غد على ما تقدّم يعني لا يعتق المشترى في قوله: (كلّ مملوك أملكه حرّ بعد غد)؛ لأنّ المشترى لا يدخل في غير الإيصاء لا بقرينة كما إذا (قال كلّ مملوك أملكه) إلى ثلاثين سنة حيث يدخل فيه ما يستفيده لا ما هو في الحال؛ لأنّه وقت والتّوقيت إنّما يكون في المستقبل.

стр. 2113

وأمّا في قوله: (كلّ مملوك أملكه حرّ بعد غد) ليس فيه دليل على الاستقبال فإن قوله أملكه للحال. قوله أملكه (١) للحال تنحى عنه الاستقبال؛ لأنّ اللّفظ الواحد لا يكون للحال والاستقبال معًا، إلا إذا قدر فيه سببان مختلفان من إيجاب عتق ووصيّة وهو ما نحن فيه، فإن قلت: يشكل على هذا ما ذكره في الإيضاح (٢) من قول محمّد ﵀ (٣) في الجامع الكبير (٤) إذا قال كلّ مملوك أملكه غدًا فهو حرّ ولا نيّة له عتق ما اجتمع في ملكه في غد ممّن هو في ملكه في الحال وممّن يملكه الى الغد، ومن يملكه غدًا فقد تناول أملكه هذا للحال والاستقبال معًا كما ترى مع أنّه ليس فيه سببان مختلفان من إيجاب عتق ووصيّة قلت: قد جعل محمّد ﵀ قوله (املكه غدًا) عبارة عمّا يجتمع في ملكه في الغد فقال: فأنا لا أجمع بين الحال والاستقبال ولكن أعين ما يجتمع في ملكه في الغد لإضافته الملك إلى ذلك الوقت وفي الاجتماع في ذلك الوقت لا يتفاوت بين أن مَلَكَ قبله أو في ذلك الوقت فكان هذا عملاً بعموم المجاز لا جمعًا بين الحقيقة والمجاز فرجع حاصل المسائل إلى ثلاثة أوجه: أحدها: ما يتناول الحال لا غير وهو قوله: (كلّ مملوك أملكه فهو حرّ) ولا نيّة له، فهذا على ما يكون في ملكه يوم قال ذلك، ولا يعتق ما يستقبل وهو كثير النّظير. والثّاني: ما يتناول المستقبل لا غير وهو قوله: (كلّ مملوك أملكه) إلى ثلاثين سنة، فهذا على ما يستفيده في الثلاثين من حين حلف في قولهم جميعًا ولم يدخل فيه ما كان في ملكه وكذلك إذا قال إلى سنة أو سنة أو أبدًا أو إلى أن أموت. والثّالث: ما يتناول الحال والاستقبال معًا وهو في قوله: (كلّ مملوك أملكه غدًا فهو حرّ) ولكن هو على قول محمّد ﵀ خلافًا لأبي يوسف ﵀ فإن على قول أبي يوسف ﵀ يتناول المستقبل ولا يتناول الحال وعلى هذا الاختلاف أيضًا إذا قال كلّ مملوك أملكه رأس الشهر إلى هذا أشار في الإيضاح (٥). والله أعلم

стр. 2114

باب العِتق على جُعل (١) [٤١١/ أ] أخّرَ العتق على جُعل في كتاب العتاق عن سائر الأبواب، كما أخر باب الخُلع (٢) في كتاب الطّلاق عن سائر الأبواب، إذ المال في هذين الكتابين غير أصيل، فتأخير ما ليس بأصيل عمّا هو أصيل في الباب من باب المناسبة؛ لأنّ الأصل مقدّم على الفرع (ذكر في الصّحاح الجُعل بالضم ما جعل للإنسان من شيء على شيء يفعله/ وكذلك الجعالة بالكسر والجعلية) (٣). قوله «ومن أعتق عبده على مال) أي من عُرُوضٍ أَو حَيَوَانٍ أو غير ذلك، أو باعه بنفسه أو وهبه على أن يعوّضه كذا فهو جائز، فإذا قبله (٤) العبد فهو حرّ في جميع أحكامه لأنّه علّق عتقه بقبول المال) كذا في المبسوط (٥). وذكر في الإيضاح (٦): وإذا قال لعبده أنت حر على ألف، أو بألف، أو على أن لِي عليك ألفًا، أو على ألف تؤدّيها، أو على أن تُعطيني ألفًا، أو على أن تجيئني بألف، (فقبل العبد)، فهو حرّ ساعةَ قبل وما شَرَطَ دَينٌ عليه؛ لأنّه أعتقه بعوض فتعلّق العتق بالقبول كما في البيع، بخلاف قوله إن أديت لأنّه علّق العتق بحصول العوض فلم يعتق قبله. ومن قضيّة المعاوضة ثبوت الحكم، وهو العتق حتّى تصحّ الكفالة (٧) به لأنّه يسعى وهو حرّ، بخلاف بدل الكتابة (٨)، حيث لا تصح به الكفالة؛ لأنّه ليس بدين مطلق؛ لأنّه يسعى وهو عبد، والمولى لا يستوجب على عبده دينًا، وذلك لأنّ عقد الكتابة ثبت على خلاف القياس؛ لأنّ القياس ينفي أن يستوجب المولى الدّين على عبده فلما ثبت بخلاف القياس (٩) لضرورة حصول الحريّة للمكاتب وحصول المال للمولى اقتصر على موضع الضّرورة، ولم يعد إلى الكفالة، أو لأنّ الكفالة إنّما تصح بدين صحيح، والدّين الصّحيح هو أن لا يخرج المديون (١٠) عن وجوبه إلا بالأداء أو بالإبراء وبدل الكتابة يصحّ سقوطه بدونهما بالتعجيز فلا تصحّ به الكفالة.

стр. 2115

وإطلاق لفظ المال أي في قوله ومن أعتق عبده على مال فشابه النكاح والطّلاق والصّلح (١) عن دم العمد (٢)، فلمّا شابهها جاز أن يثبت الحيوان دينًا في الذّمة ههنا، كما جاز ذلك في تلك العقود، إذا كان معلوم الجنس كما إذا أعتقه على مائة قفيز (٣) حنطة صحّ، ولا تضرّه جهالة الوصف يعني وإن لم يقل إنّها جيدة أو رديّة ربيعية أو خريفية فإن جهالة الوصف لا تمنع صحّة التّسمية إذا كان عوضًا عمّا ليس بمال كالمهر. وكذلك لو كان العوض شيئًا لغيره؛ لأن عدم الملك لا يمنع صحّة تسميته عوضًا، ألا ترى أنّه لو اشترى شيئًا بعبد مملوك للغير صحّ العقد فكذا ههنا، إلا أنّ ثمة إذا أبى المالك أن يُجِيزَ يُفسخُ العقد وهنا لا يُفسخ؛ لأن تعذّر التّسليم يوجب المصير إلى تسليم القيمة، والقيمة يجوز أن تكون أصلًا في حقّ التّسليم؛ فإنّه لو أعتق على حيوان فجاء بالقيمة، يجبر على القبول ولا مدخل للقيمة في باب البيع، فمن هذا الوجه افترقا كذا في الإيضاح (٤). (ولو علّق عتقه بأداء المال صحّ) لأنّ الإعتاق من قبيل الإسقاطات فيصحّ فيه التّعليق. وذكر في المبسوط (٥) (وإن قال لعبده إن أدّيت إليّ ألفًا فأنت حرّ لم يكن مكاتبًا ولم يعتق حتّى يؤدّي؛ لأنّ الكتابة تُوجب المال على المكاتب بالقبول فيثبت له بِمُقَابَلَتِهِ مِلكُ اليَدِ والمَكَاسِبِ، وههنا المال لا يجب على العبد، فلا يثبت له ملك اليد والمكاسب، ولكن هذا اللّفظ من المولى تعليق لعتقه بأداء المال، فيكون كالتّعليق بسائر الشّروط؛ ولهذا لا يحتاج إلى قبول العبد ولا يبطل بالرِدّة (٦)، ولا يمتنع على المولى بيعه، ولكن إذا جاء بالمال عتق، وليس للمولى أن يمتنع من قبوله عندنا استحساناً، وفي القياس له ذلك وهو قول زفر ﵀ (٧).

стр. 2116

ومراده التجارة دون التكدي (١) لأنّها هي المشروعة عند الاختيار. وذكر في المبسوط (٢) (ولم يرد به الاكتساب بالتكدي؛ لأنّه يدني المرء ويخسّسه) أنّه ينزل قابضًا أي المولى يصير قابضًا بعد التخلية ورَفعُ المانع سواء قبض أو لم يقبض يعنى ومعنى الإجبار هو أن ينزل قابضًا لا أن يكون معنى الإجبارِ في القبض ما هو المفهوم عند النّاس هو أن يكره على القبض بالتّراجم بالحبس أو بالضّرب. إذ هو تعليق العتق بالشّرط لفظًا احتراز عن الكتابة؛ فإنّها ليست بتعليق لفظي فإنّه لو قال لعبده كاتبتك على كذا من المال صحّت الكتابة وليس فيه تعليق لفظي؛ لأنّ التّعليق اللّفظي إنّما يكون بألفاظ الشّرط. قوله: ولهذا لا يتوقّف على قبول العبد إيضاح لقوله لأنّه تصرف يمين. [٤١١/ ب] وذكر فخر الإسلام والإمام التمرتاشي -رحمهما الله- (٣) ومتى جاء به أجبر المولى على قبوله أي ينزل/ قابضًا إذا خلى بينه وبين الألف، والقياس أن لا يجبر لأنّ الحالف لا يجبر على الحنث وهذا حالف ولهذا يمكنه أن يبيعه قبل الأداء ولو تبرّع به غيره أو مات المولى فأدّى العبد إلى وارثه لم يعتق، ولو مات العبد وترك مالًا فللمولى، ولا يعتق، ولو حط عنه البعض بطلبه فأتى بالباقي لا يُعتق لعدم الشّرط. ولو كانت أمةً فولدت ثمّ أدّت لا يعتق ولدها لعدم السّراية، ولو أبرأه عن هذا المال لا يعتق ولا يصير العبد أحق بإكسابه في الحال حتّى كان للمولى أن يأخذ من كسبه بغير رضاه بخلاف الكتابة في هذا كلّه، ولنا أنّه يمين ابتداء كما ذكر ومعاوضة انتهاء؛ لأنّ العتق يقابل بالمال عند الأداء فباعتبار جهة المعاوضة أجبرناه، ولهذا كان عوضًا في الطّلاق في مثل هذا اللّفظ بأن يقول إن أديتِ إليّ ألفًا فأنتِ طالق، وجعلناه معاوضة في الانتهاء عند الأداء. فإن قيل: لا يمكن جعله معاوضة؛ لأنّ البدل والمبدل عند الأداء كلّه للمولى. قلنا: لما ثبت عند الأداء معنى الكتابة من الوجه الذي بينا ثبت شرط صحته اقتضاء وهو أن يصير العبد أحق بالمؤدّى فيثبت هذا سابقًا على الأداء متى وجد الأداء، وصار كما إذا كاتب عبده على نفسه وماله، وكان اكتسب مالًا قبل الكتابة فإنه يصير أحق بذلك المال حتّى لو أدّى ذلك عتق كذا في مبسوط شيخ الإسلام ﵀ (٤).

стр. 2117

فعلى هذا يدور الفقه وتخرّج المسائل أي فعلى العمل بالشبهين دار المعنى الفقهي وخرجت المسائل المتعارضة يعني أن قوله: (إن أدّيت إليّ ألف درهم فأنت حرّ) ألحق في بعض الأحكام بمحض التّعليق، وهي ما ذكرنا من مسائل القياس من يمكنه من البيع وغيره، وألحق في بعضها بالكتابة من جبر المولى على القبول؛ لأنّه لما كان هذا اللّفظ تعليقًا نظرًا إلى اللّفظ ومعاوضة نظرًا إلى المقصود عملنا بالشّبهين حتّى عملنا بشبه التعليق في حالة الابتداء وعملنا بشبه المعاوضة في حالة الانتهاء، كما في الهبة بشرط العوض فإنّه هبة ابتداء حتّى لم يجز في المشاع واشترط القبض في المجلس وبيع انتهاء حتّى لا (١) يتمكّن الواهب من الرجوع وجرت الشّفعة (٢) في العقار. وذكر في المبسوط (٣) (وجه الاستحسان أنّه مملوك تعلّق عتقه بأداء مال معلوم إلى المولى فإذا خلى بين المال والمولى يعتق كالمكاتب، وتأثيره أنّ هذا اللّفظ باعتبار الصّورة تعليق، وباعتبار المعنى والمقصود كتابة؛ لأنّه حَثَّه على اكتساب المال ورغَّبه بما جعل له من العتق وليست الكتابة إلا هذا وهذا المال عوض من وجه، ألا ترى أنّ في زوجته الطّلاق بهذه الصّفة يكون بائنًا، وأن المولى لو وجد المال زيوفًا فردّه، كان له أن يستبدله بالجِياد، وما تردّد بيّن أصلين يوفر حظه عليهما؟ فوفرنا عليه حكم التّعليق في الابتداء لمراعاة (٤) لفظ المولى ودفع الضّرر عنه، ووفرنا عليه معنى الكتابة في الانتهاء لدفع الضّرر والغرور عن العبد، فقلنا: كما وضع المال بين يدي المولى يعتق، وأمّا إذا باعه المولى ثم اشتراه فقد روى عن أبي يوسف ﵀ أنّه إذا جاءه بالمال يعتق وهذا وما قبل البيع سواء؛ لأنّ التّعليق لا يبطل بالبيع وعلى ما ذكر في الزيادات أنّه لا يجبر المولى على القبول العذر واضح، فإنّ معنى التّعليق لا يبطل بالبيع ولكن معنى الكتابة يبطل بنفوذ البيع فيه، وإجبار المولى على القبول كان من حكم الكتابة، وقد بطل ذلك بنفوذ البيع فيه فلهذا لا يجبر على القبول بعده، فأمّا قبل البيع فمعنى الكتابة باقٍ) كما بينا.

стр. 2118

ولو أدّى البعض يجبر على القبول هكذا في الإيضاح (١) أيضًا. وعلل فقال لأنّ هذا الذي أتى به بعض تلك الجملة فإذا ثبت الإجبار على القبول في الكلّ ظهر في البعض كما في الكتابة. وذكر في مبسوط شيخ الإسلام ﵀ (٢) (أنّه لا يجبر على قبول البعض؛ لأنّ معنى الكتابة عندنا يثبت من حيث أنّه عتق بمال أدّاه إلى المولى؛ وإنّما يعتق بأداء جميع المال فما لم يوجد أداء جميع المال لا يثبت معنى الكتابة). [٤١٢/ أ] كما إذا حط البعض وأدّى الباقي بأن قال العبد/ للمولى حُط عنّي من الألف شيئًا فحط عنه المولى وأدى الباقي لم يعتق؛ لأنّ هذا يمين لفظًا فإذا حطّ عنه بعض الشّرط لم يعمل حطه، كما إذا قال: إن كلمت زيدًا وعمرواً فأنت حرّ ثم قال حططت (٣) عنك كلام أحدهما؛ فإنّه لا يصح فإن الحط فسخ؛ لأن قدر المحطوط يخرج عن العقد واليمين لا يحتمل الفسخ كذا في مبسوط شيخ الإسلام ﵀ (٤). وذكر في المبسوط (٥) (فلو حطّ عنه المولى مائة درهم وأدّى تسعمائة لم يعتق، ألا ترى أنّه لو أبرأه عن جميع المال لم يعتق؟ وهذا لأنّ الشّرط وجود أداء الألف فلا يتم بأداء تسعمائة، بخلاف الكتابة، فإن المال هناك واجب على المكاتب، فيتحقّق إبراؤه عنه سواء أبرأه عن الكلّ أو حط بعضه، وههنا لا مال على العبد فالحط والإبراء باطل، ولا يعتق ما لم يتم الشّرط وليس للعبد أن يستردّ من المولى ما أخذ منه؛ لأن كسبه مملوك لمولاه؛ وهو نظير ما لو قال له مولاه إذا أخدمتني (٦) سنة فأنت حرّ، فخدمه أقلّ من سنة، وتجاوز المولى عمّا بقي لم يعتق؛ لأنّ الشّرط لم يتم). رجع المولى عليه وعتق لاستحقاقها، وقوله لاستحقاقها (٧) تعليل الرّجوع لا تعليل (٨) العتق أي يرجع المولى على العبد بألف مثلها؛ لما أن تلك الألف التي أدّاها كانت مستحقة من جانب المولى؛ لأنّ التّقدير أن ذلك الألف كان حصل للعبد قبل هذا التّعليق، والعبد وما في يده لمولاه، فلما أدّى ملك المولى لمولاه وعتق لوجود شرط التّعليق وجب عليه ألف أخرى؛ لأنّ المولى إنّما رضي بعتقه بمقابلة ألف تحُصل له، ووضع هذه المسألة في المبسوط (٩) في الأمة فقال (فإن أدت الألف من مال مولاها عتقت لوجود الشّرط، وللمولى أن يرجع عليها بمثله؛ لأنّ مقصود المولى لم يحصل بهذا؛ فإنّ مقصوده أن يحثها على الاكتساب لتؤدّي من كسبها فيملك المولى ما لم يكن له مالكًا قبل هذا، وبأداء مال (١٠) المولى إليه لا يحصل هذا المقصود فيرجع عليها بمثله دفعًا للضّرر عنه).

стр. 2119

وذكر في الإيضاح (١): وأمّا العتق فلوجود شرط الحنث لما أن كون الألف مستحقّة لا يمنع كونه شرط الحنث كما لو غصب مال إنسان وأداه عتق كذا ههنا. ويرجع المولى عليه؛ لأنّه لم يسلم له العوض إن أديت يقتصر على المجلس. ولا يقال: فلما أدّى في المجلس كان المجلس متبدّلًا؛ لأن مجلس الأداء غير مجلس التعليق، كما أن مجلس المناظرة غير مجلس التعليق، وهناك يتبدّل فكذا هنا؛ لأنّا نقول إنّما لزم هذا من ضرورة تحقيق أحد حكمي التّعليق وهو الحنث فكان مستثنى، كما أن ما لزم من ضرورة تحقيق الحكم الآخر للتّعليق (٢) وهو البرّ في قوله: لا يلبس هذا الثّوب وهو لابسه صار قدر اللّبس الذي يوجد عند النزع مستثنى لتحصيل مقصود الحالف. قوله: (فالقبول بعد الموت) إلى قوله: إلا أنّه لا يجب المال لقيام الرّق (٣) لأن المولى لا يستوجب على عبده دينًا، فإن قيل: فلما لم يجب المال في المدبّر على الألف! ما الفائدة في تعليق التّدبير بالقبول؟ قلنا: هذا تعليق التّدبير بالقبول لا إيجاب المال بالقبول، فكان بمنزلة قوله إن قبلت ألف درهم فأنت مدبّر فقبل كان مدبرًا، فيجوز تعليق التّدبير بالقبول، وإن لم يجب المال كما لو علّق تدبيره بدخول الدّار فدخل كان مدبّرًا وإن لم يجب المال، ثم إنّما لم يجب المال مع قبوله لقيام الرق؛ لأن المدبّر ملك المولى والمولى لا يستوجب على مملوكه دينًا فيسقط المال ضرورة، بخلاف ما لو أعتقه على مال؛ لأن هناك المال يجب على المعتق والمولى يستوجب على معتقه مالًا كذا في الذّخيرة (٤). ثمّ إنّما افترق وقت القبول، حيث اعتبر القبول في الحال في قوله: أنت مدبّر على ألف؛ لأنّه قابل الألف في التّدبير بحق الحريّة، وحق الحرية متحقّق قبل الموت، واعتبر القبول بعد الموت في قوله: (أنت حرّ بعد موتي على ألف)؛ لأنّه قابل الألف بحقيقة الحريّة، وحقيقة الحريّة بعد الموت، فيعتبر القبول بعد الموت أيضًا.

стр. 2120

[٤١٢/ ب] قالوا: لا يعتق في مسألة الكتاب وهي: (قول المولى لعبده أنت حرّ بعد موتي على ألف)، وإن قبل بعد الموت ما لم يعتقه الوارث أو الوصيّ أو القاضي كذا ذكره الإمام التمرتاشي (١) ﵀، وهذا صحيح أي قولهم أنّه لا يعتق ما لم يعتقه الوارث لما ذكر في الكتاب وهو أن الميّت ليس بأهل للإعتاق/ في ذاك الوقت. فإن قلت: أهليّة المعلّق لذلك الحكم ليست بشرط حال وجود الشّرط؛ لأن اعتبار الأهلية إنّما كان وقت التّعليق، لا وقت وجود الشّرط. وفي وقت وجود الشّرط إنّما يعتبر أهليّة المحلّ لذلك الحكم لا أهلية المعلّق، ألا ترى أن الرّجل إذا علّق طلاق امرأته أو عتاق عبده بدخول الدّار ثم جن فوجد الشّرط وهو مجنون يقع الطّلاق والعتاق؟ وكذلك يثبت العتق في مسألة المدبّر على ما يجيء بمجرّد الموت من غير وقف إلى إعتاق الوارث، علم بهذا أنّ الأهليّة ليست بمشروطة وقت وجود الشّرط. قلت: الفرق بين مسألتنا هذه وبين تلك المسائل بوجهين: أحدهما: أن اختلال الأهليّة في تلك المسائل في حق المعلق لا غير وفي مسألتنا الاختلال في موضعين في حق المعلّق، وفي حق المحلّ فإنّ المحلّ وهو العبد، صار للوارث فلم يمكن (٢) تنفيذ ما علقه الميّت من الإعتاق في ملك الغير، أمّا في مسألة الجنون فإن ملك المعلق لم (٣) يتغيّر فيراعي صفّة المعلق في وقت التّعليق؛ لأن ذاك وقت تصرّفه، وصفة المحلّ في وقت وجود الشّرط؛ لأن ذاك وقت اتصال الحكم به، فلما لم يتغيّر الملك فيه وقت وجود الشّرط وقع الطّلاق والعتاق، لما أن التعليق وقع صحيحًا وقت التّعليق، وأمّا في مسألة المدبّر فلما لم يتعلق عتقه بشيء آخر بعد العتق كان تصرف الميّت بالإعتاق نافذاً في ثلثه بغير توقّف إذا لم يكن له مال غيره وسعى في الثلثين. وأمّا في مسألتنا تعلّق عتقه بعد الموت بقبوله الألف، فقبل أن يقبله دخل في ملك الغير فلذلك لم يصح عتقه من غير إعتاق ذلك الغير. والثّاني: هو ما ذكره الإمام قاضي خان والتمرتاشي -رحمهما الله- (٤) وإنّما لم يعتق ههنا (٥) بدون إعتاق الوارث؛ لأنّ العتق تأخر عن الموت إلى أن يقبل، والعتق معنى تأخر عن الموت لا يثبت إلا بإثبات واحد من هؤلاء من الوارث والوصيّ والقاضي؛ لأنّه صار بمنزلة الوصيّة بالإعتاق، وذلك لأنّه لما كان لا يعتق إلا بالقبول لم يكن العتق معلّقًا بمطلق الموت، وفي مثل هذا لا يعتق إلا بإعتاق واحد من هؤلاء كما لو قال: أنت حرّ بعد موتي بشهر، بخلاف المدبّر؛ لأنّ عِتقه تعلق بنفس الموت فلا يشترط إعتاق أحد هؤلاء، (فقبل العبد فعتق ثمّ مات) أي العبد أو المولى على ما يجيء في الكتاب في آخر هذه المسألة.

стр. 2121

وذكر الإمام شمس الأئمّة السّرخسي ﵀ (١) (ثم مات العبد من ساعتئذ فعليه قيمة نفسه في تركته) في قول أبي حنيفة الآخر ﵀ وهو قول أبي يوسف ﵀، وفي قوله الأوّل وهو (وقول محمّد ﵀ عليه (٢) قيمة خدمته أربع سنين) ثم ذكر صورة المسألة في المبسوط (٣) (وهي أن يقول المولى لعبده أنت حرّ على أن تخدمني سنة، فقبل فهو حرّ والخدمة عليه يؤخذ بها؛ لأنّه أوجب له العتق بقبول الخدمة) أمّا لو قال: إن خدمتني أربع سنين فأنت حرّ لا يعتق ما لم توجد الخدمة أربع سنين؛ لأنّه أوجب له العتق بوجود الخدمة ثمّ قال (فإن مات المولى فللورثة أن يأخذوه بما بقي من خدمة السنّة من قيمته في قياس قول أبي حنيفة ﵀ الآخر وهو قول أبي يوسف ﵀. وفي قول محمّد ﵀: إنّما يأخذونه بما بقي من قيمة الخدمة. قال: عيسى وهذا غلط بل على قولهم جميعًا ههنا يأخذونه بما بقي من خدمة السنّة؛ لأنّ الخدمة دين عليه فَيَخلِفَهُ وارثه بعد موته كما لو كان أعتقه على ألف درهم واستوفى بعضها ثمّ مات كان للورثة أن يأخذوه بما بقي من الالف، ولكن في ظاهر الرواية يقول: النّاس متفاوتون في الخدمة وإنّما كان الشرط أن يخدم المولى فيفوت ذلك بموت المولى كما يفوت بموت العبد. ولو مات العبد قبل تمام السنة فللمولى أن يأخذ من تركته بقدر ما بقي عليه من خدمة السنّة من قيمته في قول أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- وفي قول محمّد ﵀ من قيمة الخدمة، وأصل المسألة في كتاب البيوع إذا باع نفس العبد منه بجارية فاستحقّت أو هلكت قبل القبض إلى آخره. [٤١٣/ أ] إلا أن هذا أي التّعليل في قيمة العبد أو قيمة الجارية بأنّ النّاس متفاوتون في الخدمة ليس بقوي، فإن الخدمة عبارة عن خدمة البيت وهو معروف بين النّاس لا يتفاوتون فيه/ فلا يفوت بموت الولي ولكن الأصحّ أن يقول الخدمة (٤) عبارة عن المنفعة والمنفعة (٥) لا تورث فلا يمكن إبقاء عين (٦) الخدمة بعد موت المولى فلهذا كان المعتبر قيمته أو قيمة الخدمة على حسب ما اختلفوا فيه) (٧).

стр. 2122

قوله: أما العتق فلأنّه جعل الخدمة في مدة معلومة عوضًا فيتعلّق العتق بالقبول لأنّ الحكم في الأعواض هكذا. وذكر شمس الأئمة ﵀ في الجامع الصّغير (١) فإنّ العتق بعوض ينزل بقبول العوض قبل الأداء كما لو أعتقه على مال آخر وقال في الفوايد الظهيرية: (٢) إنّ (٣) الإعتاق على الشّيء يقتضي وجود القبول لا وجود المقبول؛ لأنّه يصلح عوضًا؛ لأنّ المنفعة أخذت حكم الماليّة بالعقد ولهذا صلحت صداقًا مع أنّ الله شرع ابتغاء الأبضاع بالأموال. وبقيمة نفسه عندهما كما هو الحكم في مبادلة مال بمال إذا تعذر تسليم العوض يجب ردّ المعوّض وقد تعذّر عليه ردّ المعوّض وهو ردّ رقبته فيلزمه قيمته وفي قول أبي حنيفة الأوّل ﵀ وهو قول محمّد ﵀ هذا في حكم مبادلة مال بما ليس بمال من حيث إنّ السّبب لم ينفسخ بهلاك العوض، وقد تعذّر تسليم المسمّى مع بقاء السّبب الموجب للتّسليم فيجب قيمته، كما في النكاح والطّلاق على مال بعينه، ثم المنفعة وإن لم تكن مالًا بنفسها فإنّها تأخذ حكم الماليّة بالعقد؛ ولهذا صلحت صداقًا فيمكن إيجاب قيمة أربع سنين عليه كذا في الجامع الصّغير لشمس الأئمّة ﵀ (٤). وهما يقولان في مسألة (إعتاق العبد على خدمته أربع سنين) إن هذا معاوضة مال بمال؛ لأنّ العبد مال، وكذلك المنافع بإيراد العقد عليها ولهذا لو نكح امرأة على منافع الدّار شهرًا يجوز ولو لم يكن مالًا في العقد لوجب مهر المثل، وإذا كان كلّ واحد منهما مالًا كان هذا معاوضة مال بمال فلما كان كذلك كان هذا بمنزلة ما لو باع عبدًا بجارية ثم استحقّت الجارية يرجع عليه بقيمة العبد لا بقيمة الجارية لكونه معاوضة مال بمال، غاية ما في الباب أنّ العبد لا يملك نفسه حكمًا لهذا الإعتاق لكن ذلك لا يقدح في كونه معاوضة مال بمال، ألا ترى أن من اشترى عبدًا قد أقرّ بحريته لا يثبت الملك له في رقبته ويكون معاوضة مال بمال؟ كذا في الفوايد الظّهيرية (٥). (ومن قال لآخر أعتق أمتك على ألف درهم على أن تزوجنيها) ولم يذكر في عامّة النسخ لفظ على قبل قوله على أن تزوجنيها وهو الموافق للفظ الجامع الصّغير لشمس الأئمة ﵀؛ ولأنّه يستفاد معنى الوجوب من غير ذكره والحق هو في بعض النسخ ليكون أدّل على المراد، ثم ذكر شمس الأئمة ﵀ (٦) أنّ المرأة لا تجبر على تزويج نفسها بعد العتاق في المسألتين؛ لأنّها صارت حرة مالكة أمر نفسها بمنزلة من أعتق أمته على أن تزوّج نفسها منه فقبلت الشّرط، ثم أبت التّزويج بعد العتاق لم تجبر على ذلك؛ لأن اشتراط البدل على الأجنبي في الطّلاق جائز، وفي العتاق لا يجوز، والفرق بينهما هو أنّ الأجنبي في باب الطّلاق كالمرأة، فإنّ المرأة بالطّلاق لا تملك شيئًا بل يسقط ملك الزوج عنها، ومع ذلك جاز استحقاق المال عليها شرعًا؛ فكذلك الأجنبي وإن كان لا يستحقّ بالطّلاق شيئًا يجوز استحقاق المال عليه إذا ضمن بخلاف العتاق، فإن الأجنبي في باب العتاق ليس كالعبد، فإن العبد بالعتاق يملك نفسه وتثبت له قوة حكمية لم تكن له قبل ذلك، فإنّ نفسه لم تكن مملوكة وإنّما كانت مملوكة لمولاه، فكان العتق على مال في معنى المعاوضة فاستحق عليه البدل لسلامة المُعوَّض له، والأجنبي لا يسلم له شيء بهذا الضّمان فلا يجوز استحقاق العوض عليه؛ لأن استحقاق جميع العوض على من لم يسلم له شيء من المعوض غير مشروع، كاشتراط الثّمن على غير المشتري، فلا يجوز استحقاق البدل على الآمر. إلى هذا أشار صدر الإسلام ﵀ في الجامع الصّغير (٧). وقد قرّرناه من قبل أي في الخلع في مسألة خلع الأب ابنته الصّغيرة على وجه الإشارة.

стр. 2123

(والمسألة بحالها أي قال على أن تزوجنيها ففعل فأبت أن تتزوّجه قسمت الألف على قيمتها ومهر مثلها فما أصاب القيمة أداه الآمر). فإن قلت ههنا شبهتان موجهتان: [٤١٣/ ب] أحدهما: هي أنّه وجب أن لا تُعتقُ الأمة قبل القبض؛ لأنّ البيع فاسد/ فيها؛ لأنّه بيع بما يخصها من الألف لو قسم عليها وعلى منافع بضعها، وأنّه فاسد، والفاسد لا يفيد الملك بدون القبض. ألا ترى أنّه لو قال اعتقها عَنِّي فأعتقها عنه كان العتق عن المأمور؟ لأنه استيهاب والهبة لا تفيد الملك بدون القبض. والثّانية: أن العوض لو وجب في هذا (١) ينبغي أن يكون ذلك العوض القيمة لا ما يخصّها من الألف التي قسمت على قيمتها ومهر مثلها؛ لأن البيع فاسد لما ذكرنا أو لأنّه أدخل النكاح في البيع وإدخال الصّفقة (٢) في الصّفقة مفسد للبيع، والبيع الفاسد موجب لقيمة المبيع كامله، والقول بما يخصّه من الثّمن موجب البيع الصّحيح، كما إذا جمع بين عبد ومدبّر أو بين عبده وعبد غيره (٣) صحّ البيع في العبد بحصّته من الثّمن على ما يأتي في كتاب البيوع إن شاء الله تعالى. قلت: أما الأولى فقد ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ (٤) في جوابها أنّ الأمة تنتفع بهذا الإعتاق فمن هذا الوجه تصير قابضة نفسها أدنى قبض، ولكن أدنى القبض يكفي في البيع الفاسد، ولا يكفي في الهبة كالقبض مع الشيوع فيما يحتمل القسمة ومع اتصال الثمار على رؤوس الأشجار، يكفي لوقوع الملك في البيع الفاسد دون الهبة، فبهذا اتضّح الفرق. كذا في الفوايد الظهيريّة (٥). وأمّا الثّانية: فإن منافع البضع متقومة عند إيراد العقد عليها، وقران ما هو متقوم في نفسه غير مفسد للبيع، وإن كان يجب للمبيع ما يخصه من الثّمن على ما مر فيمن جمع بين عبد ومدبّر في البيع هذا على تقدير دعوى الفساد بسبب قران منافع البضع، وأمّا على تقدير إدخال الصّفقة في الصّفقة فنقول: النكاح ثبت ضمنًا للبيع ههنا فلا يلتفت لوجوده، فإن الأحكام في الضمنيات تثبت بشروط المتضمِّن لا بشروط المتضمِّن (٦) وذكر فخر الإسلام والإمام الكشاني (٧) -رحمهما الله- ولم يبطل البيع شرط النكاح؛ لأنه مدرج في الإعتاق فأخذ حكم الإعتاق فلم يبطل بالشّرط الفاسد كالإعتاق. فلو زوّجت أي في المسألتين لم يذكره أي في الجامع الصّغير أن ما أصاب قيمتها سقط لعدم صحة الضمان في الوجه الأوّل وهو ما إذا لم يقل فيه عني وهي للمولى في الوجه الثّاني أي حصّة القيمة للمولى في الوجه الذي قال فيه عني.

стр. 2124

وما أصاب مهر مثلها كان مهرًا للأمة في الوجه الذي قال فيه عني أو لم يقل. وذكر الإمام التمرتاشي ﵀ (١) تزوجت فلها مهرها ولا يكون عتقها مهرًا؛ لأنّه ليس بمال، وعن أبي يوسف ﵀ أنّه جعل العتق مهرًا لأنّه ﵇ «أعتق صفية ونكحها وجعل عتقها مهرها» (٢). قلنا: كان النبي ﵇ مخصوصًا بالنكاح بغير مهر فإن أبت أن تنكحه فعليه قيمتها لأنّ الشّرط فات، وكذا لو أعتقت عبدًا على أن يتزوّجها؛ فإن فعل فلها مهرها وإن أبى فعليه قيمته. والله أعلم باب التدبير (٣) لمَّا فرغ من بيان ذَكَرَ الإعتاق المطلق (٤) عن القيد، شرع في بيان الإعتاق المقيّد، وهو التّدبير، وذلك لمَّا فرغ سمعك مرارًا بأن المقيد بمنزلة المركب، والمطلق بمنزلة المفرد، والمركب بعد المفرد (٥) لا محالة (٦). ثم يحتاج ههنا إلى بيان التّدبير لغةً وشرعًا، وبيان الألفاظ التي يصير العبد بها مدبّرًا وبيان حكمه (ذكر في الصّحاح: (٧) التّدبير في الأمر أن ينظر إلى ما يؤول إليه عاقبته، والتّدبير عتق العبد عن دبر: وهو أن يعتق بعد موت صاحبه). وهو العتق الواقع في دبر الإنسان: أي بعده مأخوذ منه، وحقيقته أن يعلق عتق مملوكه بموته على الإطلاق (٨).

стр. 2125

وفي المبسوط (١) (التدبير عبارة عن العتق الموقع في المملوك بعد موت المالك عن دبر منه، مأخوذ من قول رسول الله ﷺ في أمّ الولد: «فهي معتقة عن دبر منه») (٢) هذا هو بيان اللّغة والشّرع فيه، وأمّا الألفاظ فقد ذكر في (التحفة والإيضاح فيصح التدبير المطلق بثلاثة ألفاظ: أحدها: بصريح اللّفظ مثل أن يقول دبّرتك أو أنت مدبّر وروى هشام عن محمّد ﵀ إذا قال لعبده أنت مدبّر بعد موتي أنّه يصير مدبرًا للحال؛ لأن المدبّر اسم لمن يعتق عليه عن دبر موته. وقوله: أنت مدبر بعد موتي، وأنت حرّ بعد موتي، سواء وكذا إذا قال أعتقتك بعد موتي، أو أنت حر دبر موتي. [٤١٤/ أ] والثّاني: بلفظ اليمين بأن قال: إن مت فأنت حرّ أو إن حدث بي حدث فأنت حرّ) (٣) عتق بالموت، وكذلك إذا قال أنت حرّ مع موتي؛ لأنّ هذا تعليق العتق/ بالموت فإن اقتران الشّيء بالشّيء يقتضي وجوده؛ فكان إثباتًا للعتق في حال وجود الموت وكذلك لو قال في موتي؛ لأنّ حرف الظرف إذا دخل على الفعل يصير شرطًا، كقوله أنت طالق في دخولك الدّار، وكذلك إذا ذكر مكان الموت الوفاة أو الهلاك؛ لأن معنى الكلّ واحد. والثالث: بلفظ الوصيّة بأن قال: أوصيت لك برقبتك أو قال أوصيت لك بعتقك أو بنفسك فالكلّ سواء وهو وصيّة بالعتق؛ لأنّ العبد لا يملك نفسه فكان الوصيّة بالنّفس وصيّة بالعتق في حق نفسه، وكذلك إذا قال أوصيت لك بثلث مالي؛ لأن رقبته (٤) من جملة ماله فكان موصى له بثلث رقبته، والإيصاء للعبد أو برقبته (٥) إزالة ملكة عن رقبته؛ لأنّه لا (٦) يثبت له الملك في رقبته كبيع نفس العبد منه إعتاق فيصير كأنّه قال أنت حرّ بعد موتي.

стр. 2126

وأمّا حكمه فهو ما ذكر في الكتاب بقوله: (ثم لا يجوز بيعه ولا هبته) إلى آخره فحاصله أن حكمه أن يعتق في آخر جزء من أجزاء حياته إن كان يخرج من الثلث فإن لم يخرج يعتق ثلثه ويسعى في ثلثه. وأمّا حكمه في حال حياة المولى: هو أن يثبت له حق الحرية فلا يجوز إخراجه عن ملكه إلا بالإعتاق أو بالكتابة، ولا يجوز فيه تصرف يبطل حقه، فأمّا ما لا يبطل حقه يجوز فلذلك (جاز تزويج المدبّرة وإجارتها ووطئها (١) واستخدامها)؛ لأنّ هذا تصرف في المنفعة ويصحّ هذه التصرفات مع حقيقة الحريّة فمع التّدبير أولى فإكساب المدبّر والمدبرة ومهرها وأرشها للمولى؛ لأنّ المدبّر باق على ملكه، ولا يجوز رهن المدبّر؛ لأنّ الثّابت بعقد الرّهن يد الاستيفاء، وحقيقة الاستيفاء ممتنعة في المدبّر، فكذا إثبات يد الاستيفاء. وقال الشّافعي ﵀: يجوز (٢) لأنّه (تعليق العتق بالشّرط وذلك لا يمنع جواز البيع، كما لو علّقه بشرط آخر من دخول الدّار أو مجيء رأس الشّهر؛ ولأن التّدبير وصيّة، حتّى يعتبر من ثلث المال بعد الموت، والوصيّة لا تمنع الموصي من التصرف بالبيع وغيره، كما لو أوصى برقبته لإنسان، وهذا لأنّ الوصيّة إيجاب بعد الموت فتمنع الإضافة ثبوت حكم الوجوب في الحال. وحجّتنا حديث نافع (٣) عن ابن عمر ﵃ (أن رسول الله ﷺ قال: «لا يباع المدبّر ولا يوهب» (٤) هذا كله من المبسوط (٥).

стр. 2127

قوله: من ذلك إشارة إلى البيع والهبة؛ لأنّ الحرية تثبت بعد الموت أي بالإجماع ولا يثبت غيره أي غير التّدبير فيكون التّدبير سببًا في الحال، بخلاف سائر التّعليقات. قوله: بخلاف سائر التعليقات متعلّق بقوله حال بطلان أهلية التصرّف، واليمين مانع أي لانعقاد السببيّة، فإنه يضاد أي وإن المنع يضاد وقوع الطّلاق؛ لأنّه يمنعه فلا يكون سببًا؛ لأن أدنى درجات السّبب أن يكون موصلًا، وهذا مانع فلا يكون سببًا بخلاف ما نحن فيه، مع إمكان تأخير السببيّة في سائر التعليقات إلى حال وجود الشّرط، ولو أخرنا السّببية ههنا إلى حال وجود الشّرط لكان إلغاء كلامه حينئذٍ من كلّ وجه لبطلان الأهلية في ذلك الوقت. فإن قلت: وجود أهليّة المعلّق حال وجود الشّرط ليس بشرط، لما مرّ في باب العتق على جُعل أن الرجل إذا علّق طلاق امرأته أو عتاق عبده بدخول الدّار ثم جُنّ ثم وجد الشّرط وهو مجنون يقع الطّلاق والعتاق، فلما لم يشترط بقاء الأهلية في ذلك الوقت، كان هذا التعليق بمنزلة سائر التّعليقات وسائر التعليقات ليس لسبب في الحال، فيجب أن يكون هذا كذلك. قلت: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أنّ الأهليّة فيما نحن فيه تبطل من كلّ وجه، وفي مسألة المجنون (١) تبطل الأهليّة من وجه دون وجه، فإن المجنون أهل للملك وزواله، وإن لم يكن هو أهلًا لإيقاع الطّلاق، ألا ترى أنّ وليه لو زوج له امرأة يصحّ النكاح ولو باشر هو بنفسه؛ لأسباب حرمة المصاهرة؟ يثبت حرمة المصاهرة ولو ارتدّ أبواه ولحقا به بدار الحرب (٢) تثبت الفرقة بينه وبين منكوحته، وههنا تبطل الأهليّة بالموت من كل وجه، ألا ترى أن نفس التّعليق يبطل بالموت، ولا يبطل بالجنون، فلما كان كذلك لم يلزم من عدم اشتراط مثل تلك الأهليّة التي هي بطلان من وجه دون وجه عدم اشتراط مثل هذه الأهلية التي فيه بطلان الأهلية من كلّ وجه.

стр. 2128

[٤١٤/ ب] والثّاني: أن فيما نحن فيه تعليق العتق ابتداء بحال بطلان الأهليّة من وقت التعليق فلو لم نقل أنّه سبب في الحال يلغو كلامه من كلّ وجه لبطلان الأهليّة/ حال وجود الشّرط قطعًا. وأمّا في مسألة المجنون فقد صحّ التّعليق لصدوره من أهله مضافًا إلى محلّه، والظّاهر بقاء أهليّته وقت وجود الشّرط؛ لأنّ الظّاهر من كلّ موجود بقاؤه (١) واستمراره باستصحاب الحال، فلما صحّ التعليق لم يبطل بعروض الجنون بعده؛ لكون المجنون أهلًا من وجه لحكم التعليق على ما ذكرنا؛ ولأنّ المعلّق به ههنا وهو الموت قاصر في معنى الشّرطية، فلا يكون التّعليق به بمنزلة التّعليق بسائر الشّروط فلم يمتنع هذا التّعليق عن كونه سببًا في الحال، وإنّما قلنا ذلك؛ لأنّ الشّرط هو معدوم على خطر الوجود وللحكم تعلّق به على ما مرّ في الطّلاق من لفظ الكتاب، وإذا كان كذلك فالموت كائن لا محالة، فلا يكون التعليق به مثل التّعليق بسائر الشّروط فلا يمنعه عن السّببيّة في الحال. فإن قيل: يشكل على هذا ما إذا قال أنتِ طالق إذا جاء غدٍ وهو ليس بسبب في الحال، مع أنّ مجيء الغد كائن لا محالة، كالموت؛ قلنا: لا نسلّم أنّه كائن لا محالة؛ فإنّه من الجائز أن تقوم القيامة قبل مجيء الغد، ولا يجوز أن يقال جاز أن تقوم القيامة قبل موت المولى، أو نقول إن الكلام في الأعم والأغلب، فإنّ الأعم في سائر التّعليقات أن لا يكون كائنًا لا محالة؛ لتحقيق معنى الشّرطية فلا يرد الأفراد مثل الغد علينا نقضًا وخصّ التّعليق بالموت في كونه سببًا بالحديث الذي ذكرنا، أو نقول وهو الأصحّ من الجواب، وهو أنّ التّعليق بمجيء الغد ليس بسبب في الحال؛ لأنّه ليس بسبب موجب للخلافة، والتّدبير فيه معني الخلافة؛ لأنّ فيه معنى الوصيّة على ما نذكر فلما لم يكن في التّعليق بالغد معنى الخلافة لم يصر سببًا في الحال، بخلاف التّدبير. إلى هذا أشار في المبسوط (٢)؛ ولأنّه وصيّة، فإن قلت على تعليله بالوصيّة ترد شبهتان موجهتان: إحديهما: أنّ التّدبير لو كان وصيّة للمدبّر كان ينبغي أن يبطل التّدبير إذا قتل المدبّر سيّده؛ لأنّ الوصيّة لا تجوز للقاتل سواء كان الجرح قبل الوصيّة أو بعدها، ولا يبطل التدبير ههنا بالقتل ذكره في وصايا الأسرار (٣).

стр. 2129

والثّانية: هي أنّ إلحاقه بالوصيّة في الدّعوى التي هو فيها لا يستقيم؛ لأن دعواه أنّه لا يجوز بيع المدبّر، وفي الوصيّة يجوز للموصى أن يبيع الموصى به، فكان هو رجوعًا منه على ما يأتي في كتاب الوصايا إن شاء الله تعالى. وقد ذكر هنا أيضًا في تعليل الشّافعي ﵀ (١) أنّ الوصيّة لا تمنع البيع، فعلم بهذا أنّ التّعليل بالوصيّة لا يثبت ما ادّعاه. قلت: أمّا الجواب عن الأولى فهو أنّ التّدبير إن كان وصيّة فهو تعليق العتق أيضًا بالموت، والموت يتحقق بالقتل، وفي وجود الشرط لا يتفاوت بين أن يكون الشّرط حرامًا محضًا أو مباحًا، فالقتل بغير حق يجوز أن يكون شرط عتق، وكذلك سائر المعاصي، وأمّا بطلان الوصيّة بالقتل فهو في الوصيّة المحضة، لا أن يكون الموت شرط شيء آخر سوى الوصيّة. إلى هذا أشار في الأسرار (٢). وأمّا الجواب عن الثّانية: فإنّما يصحّ بيع الموصى به إذا لم يتعلّق (٣) به حق الغير على وجه الخلافة، وأمّا إذا تعلّق به حق الغير فلا يجوز تصرّفه في ذلك بالإزالة عن ملكه، والمدبّر قد أثبت للمملوك في الحال الخلافة في رقبته بعد موته فيكون إيجابًا في باقي الحال باعتبار وجود سببه على وجه يصير محجورًا عن إبطاله، كما أنّ الموت لما كان موجبًا الخلافة للوارث في تركته، وسببه المرض ثبت نوع حق لهم بهذا السبب على وجه يصير المريض محجورًا عن التبرّع، وهذه الخلافة في العتق الذي لا يحتمل الإبطال بعد ثبوته، فيتقوّى هذا السّبب من وجهين: أحدهما: أن المتعلّق به ما لا يحتمل الإبطال. والثّاني: أنّ التعليق بما هو كائن لا محالة وهو موجب للخلافة ولهذه القوة. قلنا: (لا يحتمل الإبطال والفسخ بالرجوع عنه لما أنّ تعليق العتق بسائر الشّروط لا يحتمل الفسخ، فبهذا الشّرط أولى ولهذه القوة تجب حق الحريّة له في الحال على وجه يمتنع بيعه) كذا في المبسوط (٤). وإبطال السّبب أي إبطال سبب العتق لا يجوز وفي البيع وما يضاهيه من الهبة والإمهار (٥) ذلك أي إبطال السّبب؛ لأنّ الملك فيه ثابت له حتى لو قال رجل كلّ مملوك لي فهو حرّ، يدخل في ذلك المدبّر وأمّ الولد وولدها ولا يدخل فيه المكاتب (٦) إلى هذا اشار في فتاوى قاضي خان ﵀ (٧) لما روينا وهو قوله ﵇ وهو حرّ من الثلث (٨).

стр. 2130

[٤١٥/ أ] (وولد المدبرة مدبّر) هذا هو/ الأصحّ من نسخ الكتاب فإن عامة النسخ هكذا. وكذلك أيضاً رواية المبسوط (١) والإيضاح (٢) وغيرهما ولا وجه لما وقع في بعض نسخ الكتاب من قوله وولد المدبّر مدبّر وذلك؛ لأنّ ولد المدبّر لا يخلو إمّا إن كان من أمة أو حرة فإن كان من أمة كان رقيقاً لمولاها، وإن كان من حرة كان حراً وإن كان من غيرهما من المدبّرة وأمّ الولد والمكاتبة كان على صفة أمه تبعًا لأمّه لا تبعًا لأبيه. وذكر في المبسوط والإيضاح (وولد المدبّرة يكون مدبّراً؛ لأنّه وجب حق الحريّة لها في الحال فيسري إلى الولد كالاستيلاد وهو دليلنا على الشّافعي ﵀ (٣) وبعض أصحابه يمنعون سراية التّدبير إلى الولد وهو ضعيف جدًّا؛ لأنّه مخالف لقول الصّحابة والتّابعين وقد قال ابن مسعود ﵁ ولد المدبّرة مثل أمّه (٤) وخوصم إلى عثمان ﵁ في أولاد مدبّرة فقضى بأن ما ولدته قبل التّدبير عبد يباع وما ولدته بعد التّدبير فهو مثلها لا يباع) (٥). والفقه فيه أن حقّ الحرية قد ثبت بوجود السّبب في الأصل، فيثبت في الفروع كالاستيلاد؛ وهذا لأنّ الفرع يحدث على وفاق الأصل، (ويجوز بيعه) لأنّ السّبب لم ينعقد في الحال. فإن قيل: إذا لم ينعقد اللفظ سببًا في الحال ففي أي وقت ينعقد قبل الموت أو بعده؛ إن قلت بعده استقام كلام من يقول إنّ اللّفظ ينعقد سببًا بعد الموت، وقد ثبت (٦) بطلانه لبطلان أهلية المعلق في ذلك الوقت؛ وإن قلت قبله فلماذا يجوز بيعه مع انعقاد السّبب كما في المدبّر المطلق؟ قلنا: ينعقد اللّفظ سببًا لا بعد الموت، ولا في الحال، بل ينعقد سببًا في آخرِ جزءٍ من أجزاء حياته؛ لأنّه إنما لم ينعقد سببًا في الحال للتردّد، فإذا بلغ آخر جزء من أجزاء حياته زال التردد، فيصير حينئذٍ كالمدبّر المطلق؛ لزوال التردّد فيصير سببًا. كذا في تعليقات أبي نصر الزّوزني لتردّد في تلك الصّفة، (لأنّه علق بما ليس بكائن لا محالة فيه، فربما يرجع من ذلك السّفر ويبرأ من ذلك المرض، وفقه هذا الكلام أنا إنّما نوجب حق الحريّة بالتّدبير في الحال بناءً على قصده القربة (٧) بطريق الخلافة، وهذا القصد منه ينعدم إذا علّقه بموتٍ بصفةٍ؛ لأنّ القصد إلى القربة لا يختلف بالموت من ذلك المرض ومن غيره، فلانعدامِ هذا القصد لم يكن مدبّرًا بخلاف ما إذا علّقه بمطلق الموت؛ فإنّ القصد إلى إيجاب القربة هناك متحقّقٌ حين علّقه بما هو كائن لا محالة). كذا في المبسوط (٨)، لأنّه تعلّق عتقه بمطلق الموت وهو كائن لا محالة يعني يكون مدبّرًا مطلقًا؛ لأنّ المدبّر المطلق موصوف بهذه الصّفة.

стр. 2131

فإن قلت: يشكل على هذا ما إذا قال المولى لعبده أنت حرّ قبل موتي بشهر، ومضى شهر؛ (فإنّ العبد بعد هذا يعتق بمطلق موت المولى، ومع ذلك أنّه مدبّر مقيّد حتّى يجوز للمولى بيعه). ذكره في الأسرار (١). قلت: إنّما كان كذلك لأنّه يعتق بالشّهر قبل موته كما سمّاه، فيجب اعتباره بالعتق المضاف إلى غد، وأنّه لا يثبت حقًا للعبد للحال فكذا هنا، فإن قلت: يشكل بما إذا قال كلّ مملوك املكه فهو حرّ بعد موتي، وله مماليكٌ فاشترى مماليك (٢) ثم مات عتقوا، فكان عتقهم متعلّقًا بمطلق موت المولى، ثم لو باع الذين اشتراهم صح ولم يدخلوا تحت الوصيّة بالعتق إلا عند الموت. [٤١٥/ ب] قلت: الوصيّة إذا أضيفت إلى معدوم توقف على الموت كما إذا أوصى لولد عبد الله وله ثلاثة أولاد فمات واحد منهم بطل ثلث الوصيّة؛ لأنّ الوصيّة تناولهم (٣) جميعًا فبطل بموت واحد منهم ما بإزائه من حصّة الوصية، ولو لم يكن له ولد فولد له ثلاثة أولاد، ثم مات واحد منهم، كان كلّ الوصيّة للباقين، لأن الثّالث لم يدخل تحت الوصيّة؛ لأنّهم كانوا معدومين عند الإيجاب فتناول ما يوجد عند الموت. ونظيره الوصيّة بالمال إذا أضافها إلى موجود تعلّقت به وبطلت بهلاكه، ولو أضافها إلى معدوم، لم يدخل تحت الوصية إلا ثلث ماله عند الموت. وإذا كان كذلك صحّ بيع الذين اشتراهم بعد الإيجاب؛ لأنّ إيجاب التّدبير لم يتناولهم/ ولو بقوا إلى الموت عتقوا بالموت؛ لدخولهم تحت الإيجاب وقت الموت وهذا لأنّ الوصية إيجاب سبب الخلافة للحال، ويجب حكمه عند الموت واستغنت عن المحل بين الإيجاب والموت لأنّه لا وقت الإيجاب ولا وقت حلول الحكم إلى هذا أشار في الأسرار (٤). (وذكر في اختلاف زفر ويعقوب إذا قال لعبده إذا مت أو قتلت فأنت حرّ على قول زفر ﵀ يكون مدبّرًا؛ لأنّ عتقه تعلّق بمطلق موت المولى حتّى يعتق إذا مات على أيّ وجه مات، وعلى قول أبي يوسف ﵀ لا يكون مدبّرًا؛ لأنّه علقه بأحد الشيئين الموت أو القتل، والقتل وإن كان موتًا فالموت ليس بقتل، وتعليقه بأحد الشيئين يمنع أن يكون عَزِيمةً في أحدهما خاصة فلا يصير مدبّرًا حتى يجوز بيعه. وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أنّه إذا قال لعبده إذا مت وغسلت فأنت حرّ لا يكون مدبّرًا؛ لأنّه علّقه بالموت وبشيء آخر بعده، ثم إذا مات ففي القياس لا يعتق وإن غسل ما لم يعتق؛ لأنّه لما لم يعتق بنفس الموت انتقل إلى الوارث، فهو كقوله إن متّ ودخلت الدّار فأنت حر، وفي الاستحسان يعتق؛ لأنّه يغسل عقيب موته قبل أن يتقرّر ملك الوارث فيه، وهو نظير تعليقه بموت بصفة، فإذا وجد ذلك يعتق من ثلثه، بخلاف دخول الدّار، وذلك لا يتّصل بالموت فيتقرّر ملك الوارث فيه). كذا في المبسوط. (٥)

стр. 2132

(فإن مات المولى على الصِّفة التي ذكرها، عتق كما يعتق المدبّر)، (وإن برأ من مرضه أو رجع من سفره ثم مات لم يعتق؛ لأنّ الشّرط الذي علّق به العتق قد انعدم) كذا في المبسوط (١). قوله: بخلاف ما إذا قال إلى مائة سنة ومثله لا يعيش إليه في الغالب أي يصير مدبّرًا هذا الذي ذكره موافق لرواية الإيضاح ومخالف لرواية فتاوى قاضي خان ﵀ (٢). فقال في الإيضاح (٣): ولو قال إن مت إلى مائة سنة ومثله لا يعيش إلى ذلك الوقت في الغالب فهو مدبّر؛ لأن ذلك الموت كالكائن لا محالة، وفي فتاوى قاضي خان ﵀ (٤) رجل قال لعبده إن مت إلى مائتي سنة فأنت حرّ قال أبو يوسف ﵀ هو مدبّر مقيّد، وقال الحسن بن زياد هو مدبّر مطلق (٥) لأنّ على قول أصحابنا ﵏ إذا ذكر وقتًا طويلًا يعيش إلى تلك المدّة، أو لا يعيش يعتبر الوقت، ولا يكون ذكر هذا الوقت بمنزلة التأبيد، وعلى قول الحسن إن ذكر وقتًا لا يعيش إليه يكون ذكر الوقت للتأبيد، والعمر أصله ما عرف في كتاب النكاح إذا تزوّج امرأة إلى وقت يكون متعة عندنا طالت المدّة أو قصرت، وعلى قول الحسن إن كانا ذكرا وقتًا لا يعيشان إليه لا يكون متعة، ثم قال: صحيحٌ قال لعبده أنت حر قبل موتي بشهر ثمّ مات بعد شهر قال بعضهم (يعتق من ثلث ماله)، وقال بعضهم يعتق من جميع المال وهو الصّحيح؛ لأن على قول أبي حنيفة ﵀ يستند العتق إلى أول الشّهر قبل الموت، وهو كان صحيحًا في ذلك الوقت، ثم على رواية الكتاب والإيضاح أنّه لو مات قبل المائة أو بعد المائة يعتق عتق المدبرة (٦) فيما إذا قال إن مت إلى سنة أو عشر سنين. لو مات قبل السنة في الأوّل أو قبل عشر سنين في الثّاني يعتق، ولو مات بعدهما لا يعتق؛ لأنّه لم يوجد الشّرط في المدبّر المقيد. والله أعلم.

стр. 2133

بَابُ الِاسْتِيلَادِ (١) تناسب باب الاستيلاد بباب التّدبير ظاهرٌ؛ لما أنّ لكلّ واحد من المدبّر وأمّ الولد حَقَّ الْحُرِّيَّةِ لَا حَقِيقَتَهَا، وأن عِتق كل واحد منهما متعلّق بموت المولى، وأن في كل واحد منهما الملك كامل، والرق ناقص بخلاف المكاتب؛ لكن مناسبة التّدبير بالعتاق أكثر من الاستيلاد؛ لما أن كلّ واحد من التّدبير والعتاق يثبت بالقول نفسه إنشاءً. [٤١٦/ أ] بخلاف الاستيلاد فإنّ دعوى الاستيلاد إنّما ثبت بناءً على وجود الولد على وجه الإخبار لا على وجه الإنشاء، فلذلك قدّم باب التّدبير على باب الاستيلاد ليكون أقرب ما هو أكثر نسبة بباب العتاق، والاستيلاد (٢) وطلب الولد، فأمّ الولد من الأسماء الغالبة، كالصّغيرة والكبيرة في الصّفات الغالبة ومن/ الأسماء الغالبة أيضًا البيت للكعبة والنّجمُ للثريا، فكان في هذا كلّه خروج من العموم إلى الخصوص. قوله: «لا يجوز بيعها) (٣) وهو قول جمهور الفقهاء، وكان بشر المريسي وداود ومن تابعه من أصحاب الظّواهر يقولون يجوز بيعها (٤)؛ لأنّ الماليّة والمحليّة للبيع قبل الولادة معلومة فيها بيقين، فلا يرتفع إلا بيقين مثله، وخبر الواحد لا يوجب علم اليقين، ولكنّا نقول في معارضة هذا الكلام: لما حبلت (٥) من المولى امتنع بيعها بيقين، فلا يرتفع ذلك إلا بيقين مثله، ولا بيقين (٦) بعد انفصال الولد، فإن (٧) قال: إنما امتنع بيعها؛ لأنّ في بطنها ولدًا حرًا، وقد علمنا انفصاله عنها. قلنا: لا، كذلك بل امتنع بيعها لثبوت الحريّة في جزء منها؛ فإنّ الولد يعلّق من المائين حرّ الأصل، وماؤها جزء منها، وثبوت الحريّة بجزء منها مانع من بيعها، وهذا المعنى لا يرتفع بالانفصال. وإليه أشار عمر ﵁ فقال: «أبعد ما اختلطت لحومكم بلحومهنّ ودماؤكم بدمائهن؟» (٨) وإنّما امتنع بيعها؛ لأنّها صارت منسوبة إليه بواسطة الولد؛ لأنّه يقال: أم ولده. وهذه النسبة توجب العتق، فتمنع البيع ضرورةً، وبالانفصال يتقرّر هذا المعنى، ولا يرتفع. ثم الآثار المشهورة تدل على ذلك، فمنها: حديث عكرمة (٩) عن ابن عباس ﵃ أنّ النبي ﵇ قال: «أي أمة ولدت من سيّدها فهي معتقة عن دبر منه» (١٠) ولما ولدت مارية (١١) إبراهيم من رسول الله ﵇ قيل لرسول الله ﵇: ألا تعتقها؟ قال: «قد أعتقها ولدها». (١٢) ففي هذين الحديثين دليل استحقاق العتق لها، وذلك يمنع البيع كما في المدبّر). كذا في المبسوط (١٣).

стр. 2134

وبقاء الجزئية حكمًا باعتبار النّسب وهو من جانب الرجل إلى آخره، جواب سؤال وهو أن يقال: النسبة ليست بمؤثرة في حق الحريّة، ألا ترى أن النّسبة مشتركة بين الأم والأب؟ لأن أبا الولد منسوب إلى المرأة بواسطة الولد، كنسبة الأم إلى الأب بواسطة الولد، ثم الاتصال إلى الأم بواسطة الولد من جانب الرجل ليس بمؤثر في إثبات حق الحريّة حال الحياة؛ فإنّها لو تزوّجت عبد (١) رجل فولدت منه ثم ملكت إياه لم يثبت حق الحريّة له حال حياة المرأة، ولا حقيقة الحرية بعد موتها، فيجب أن يكون في جانبها كذلك. فأجاب عنه بما ذكر في الكتاب والدّليل على ما ذكرته من السؤال والجواب ما ذكره في الإيضاح فقال: الجزئية قد حصلت بين الواطئ والموطوءة بواسطة الولد. إلا أنّه بعد الانفصال عنها لم يبق جزء حقيقة، فإذا ثبت النّسب بقي حكم الجزئية التي كانت، فكانت هذه جزئية منعدمة حقيقة مبقاة شرعًا، فضعف السّبب فأوجب حكمًا مؤجلاً إلى ما بعد الموت. ثم قال: ولا يقال: لو كان السّبب ما ذكرتم لثبت الحكم من جانب الأب كما يثبت من جانب الأم ومع ذلك لا يثبت؛ فإن العبد لو تزوّج بحرة، ثم ملكته، لم يثبت له عتق مؤجّل إلى موتها، والجزئية تثبت من الجانبين لا معنى لهذا، لأنّا نقول: هذا حكم جزئية مؤكدّة بثبات النّسب، والأصل في ثبات النسب هو الأب، فإنّ الولد ينسب إلى أبيه، والأم إليه تنسب بواسطة الولد، ولهذا عرفت بأميّة الولد، فثبت أن جانب الأب أصل في النسب، ولو أثبتنا هذا الحكم في جانبه أيضًا لاحتجنا إلى أن ينسب الأب إليها بواسطة الولد، فيكون تغييرًا للحكم وهذا لا يجوز. قوله: وكذا الحرية صحّ بالحاء جعله شيخي ﵀ متن الكتاب بخطه وجعل الجزئية نسخة، والحرية بالحاء هو الأصحّ، وذلك لأن الجزئية كما تثبت في حقّهم كذلك تثبت في حقهن، بل في حقّهن أولى؛ لأنّ الولد يعرض منهن بالمقراض وقد ذكر في الكتاب تثبت في حقّهم لا في حقّهن، ولو حملتها على الجزئية بالجيم لكان لا تثبت الجزئية في حقهنّ، وليس كذلك، وأمّا وجه ما ذكر في الكتاب على تقدير الحرية بالحاء فمعناه (٢) تثبت حرية النساء في حق الرجال، ولا تثبت حرية الرجال في حق النساء، كما دلّ على هذا المعنى مضمون ما ذكره في الإيضاح (٣) على ما ذكرت. قوله: لأن الاستيلاد لا يتجزى فإن قلت: فقد ذكر في باب العبد يعتق بعضه

стр. 2135

والاستيلاد متجزي عنده حتّى لو استولد نصيبه من مدبّرة يقتصر عليه إلى آخره فما وجه التوفيق بين هاتين الروايتين؟ [٤١٦/ ب] قلت: معنى قوله لا يتجزى: أي يتملك نصيب صاحبه بالضّمان مع ملك نصيبه فيكمل الاستيلاد/ على ما يجيء بعد هذا في هذا الباب؛ لأنّ نصيب صاحبه قابل للنّقل بضمان المستولد؛ لأنّ الاستيلاد وقع في القِنَّةِ، وهي قابلة للانتقال من ملك إلى ملك، وما ذكره هناك من تجزي الاستيلاد؛ إنّما فرض المسألة في المدبّرة، وهي غير قابلة للنقل، فكان الاستيلاد منحصرًا على نصيبه، فيتجزى الاستيلاد ضرورة، فكان دفع التّناقض باعتبار اختلاف الموضوع والمحال أو نقول: فالقول (١) بالتجزي عنده هناك بناء على أن الاستيلاد فرع الإعتاق، فلما تجزى الإعتاق عنده تجزى جميع شعبه من التّدبير والاستيلاد والكتابة، والقول بعدم التجزي هنا بناء على أن الاستيلاد فرع النّسب، والنّسب لا يتجزى، فكذا الاستيلاد. أو نقول: يحتمل أن يكون فيه روايتان عن أبي حنيفة ﵀ وذلك لأنّهما جعلا الاستيلاد مقيسًا عليه في أنّه لا يتجزى، فكان مجمعًا عليه، ثم أجاب عنه أبو حنيفة (٢) ﵀ بأنّه متجز عنده في ذلك الباب، ومثل هذا كان لاختلاف الروايتين، فيعتبر بأصله، أي بأصل الاستيلاد، وهو النّسب، (وله تزويجها)؛ لأنّ الملك فيها قائم والفراش ضعيف، فإن قيل ينبغي أن لا يجوز التزويج؛ لأنّ احتمال شغل الرّحم بمائه كان ثابتًا، وتوهم الشغل مانع لجواز النكاح كما في المعتدة. قلنا: محليّة جواز النكاح كانت ثابتة قبل الوطئ، وقد وقع الشك في خروجه فلا يخرج بالشّك، بخلاف النكاح، فإنّ ثمّة خرجت المنكوحة عن محليّة نكاح الغير، فلا تعود إلى المحليّة إلا بعد الفراغ حقيقة، وذلك بعد انقضاء العدة (٣) فلا يجوز تزوجها ولكن الأفضل أن لا يزوّجها إلا بعد الاستبراء (٤) لجواز العلوق منه. كذا في مبسوط شيخ الإسلام ﵀ (٥).

стр. 2136

وذكر شمس الأئمة السّرخسي ﵀ في المبسوط (١) (وإنّما جاز تزويج أمّ الولد؛ لأنّ الفراش الثّابت له عنها (٢) سببه ملك اليمين، وذلك غير ملزم للمولى فلا يمنع صحّة تزويجه إيّاها) (٣). (ولا يثبت نسب ولدها) أي الأمة رجوعًا إلى ما ابتدأ به أوّل الباب بقوله: (إذا ولدت الأمة من مولاها) لما أن ولد أمّ الولد يثبت نسبه من غير دعوة على ما يجيء في قوله: (فإن جاءت بعد ذلك بولد ثبت نسبه بغير إقرار) وحكم المدبرة كحكم الأمة في أنّه لا يثبت النّسب منها بدون دعوة المولى. قوله: (لوجود المانع) وهو ذهاب التقوم على قول أبي حنيفة ﵀ ونقصان القيمة عندهما، وقوله: عنه أي عن طلب الولد كالمعقودة أي: كالمنكوحة إلا أنّه إذا نفاه ينتفي بقوله أي (٤) من غير لعانٍ. وفي المبسوط (٥) (وإنما يملك نفيه ما لم يقض القاضي به، أو لم يتطاول ذلك، فأمّا بعد قضاء القاضي فقد لزمه بالقضاء على وجه لا يملك إبطاله، وكذلك بعد التّطاول؛ لأنّه يوجد منه دليل الإقرار في هذه المدّة من قبول التّهنية (٦) ونحوه فيكون كالتّصريح بالإقرار، واختلافهم في مدّة التّطاول قد سبق في اللّعان)؛ لأنّ فراشها ضعيف حتّى يملك نقله بالتّزويج، أي نقل الفراش من نفسه إلى غيره بالتزويج أي يملك أن يزوّج أمّ ولده من غيره. بخلاف المنكوحة حيث لا يملك فيها ذلك، وهذا الذي ذكرناه حكم أي عدم ثبوت نسب الولد الأمة (٧) بدون الدّعوى حكم قضاء القاضي، فأمّا الدّيانة أي الأمر فيما بينه وبين الله تعالى، فإن كان وطئها وحصّنها، المراد من التّحصين هو أن يحفظها عمّا يوجب ريبة الزنى يلزمه أن يعترف به وهذا بالإجماع؛ لأنّ الظّاهر أنّ الولد منه؛ لأنّ الظّاهر عدم الزنا خصوصًا عند وجود التحصن وعدم العزل. (٨) وقد ولدته في ملكه فكان منه، والبناء على الظّاهر واجب فيما لا يعلم حقيقته؛ لأن هذا الظّاهر وهو أن يكون الولد من المولى باعتبار أنّ الظّاهر عدم الزنا.

стр. 2137

يقابله ظاهر آخر، أي يعارضه ظاهر آخر، وهو أن يكون الولد من الزنا لوجود أحد الدّليلين، وهما العزل وعدم التّحصين وهذا مروي عن أبي حنيفة ﵀. [٤١٧/ أ] قوله: وفيه روايتان أخريان والأصحّ آخران (١) عن أبي يوسف وعن محمد -رحمهما الله- أي عن أبي يوسف ﵀ رواية واحدة وعن محمّد ﵀، كذلك رواية واحدة وهو فائدة إعادة كلمة عن، وتلك الروايتان ذكرهما في المبسوط (٢) بلفظ الوجوب فقال: (وعن أبي يوسف ﵀ أنّه إذا وطئها ولم يستبرئها/ بعد ذلك حتّى جاءت بالولد فعليه أن يدعيه سواء عزل عنها أو لم يعزل حصّنها أو لم (٣) يحصّنها تحسينًا للظن بها وحملاً لأمرها على الصّلاح ما لم يتبين خلافه؛ ولأن ما يظهر عقيب سبب يكون محالًا به عليه حتّى يتبين خلافه. وعن محمّد ﵀ قال: لا ينبغي له أن يدعي النّسب إذا لم يعلم أنّه منه، ولكن ينبغي له أن يُعتق الولد، ويستمتع بها ويعتقها بعد موته؛ لأن استلحاق نسب ليس منه لا يَحِلُّ شرعًا، فيحتاط من الجانبين، وذلك في أن لا يدّعي النّسب، ولكن يعتق الولد ويعتقها بعد موته، لاحتمال أن يكون منه) وذكر تلك الروايتين في الإيضاح بلفظ الاستحباب، فقال: وقال أبو يوسف ﵀: إذا كان يطاءها (٤) ولم يحصنها وأحّب إليَّ أن يدعيه، وقال: محمّد ﵀: أحب إليَّ أن يعتق ولدها ويستمتع منها، فإذا مات أعتقها، فما ذكره أبو حنيفة هو الأصل؛ لأنّه إذا وطئها ولم يعزل وحصّنها فالظّاهر أنّ الولد منه، فيلزمه أن يدّعي، وإذا لم يحصّن أو عزل فقد وقع الاحتمال، فلا يلزمه الاعتراف بالشّك. وإن كان النكاح فاسدًا، وإن هذه للوصل هذا جواب سؤال تقديري وهو أن فراش المولى كان ثابتًا على وجه الصحّة؛ لأنّه استولدها في ملكه فينبغي أن لا يزول بالنكاح الفاسد؛ لأنّ الفاسدة لا يعارض الصّحيح. فأجاب عنه: بأنّ النكاح الفاسد ملحق بالصّحيح في حق الأحكام، فيعمل عمل النكاح الصّحيح، ومن الأحكام ثبوت النّسب، وعدم جواز البيع والوصيّة. وذكر في الإيضاح (٥) أراد بالفاسد ههنا ما إذا اتّصل به الدّخول، فهو حينئذ في إثبات النّسب ملحق بالنكاح الصّحيح، فكان الفراش فيه ما هو ثابت في النكاح الصّحيح، فكان أقوى من فراش أم الولد، فإن قلت: كيف تثبت أمية الولد ههنا مع أن نسب الولد لم يثبت من المولى؟ فينبغي أن لا تثبت أمية الولد؛ لأن أمية الولد ههنا مبنيّة على ثبوت النّسب بدعوة الولد، فلما لم يثبت الأصل وهو ثبوت نسب ذلك الولد بالدّعوة، لم يثبت الفرع وهو أمية الولد، بخلاف ابتداء الإقرار بالاستيلاد؛ لأن ذلك غير مبني على دعوة الولد؟

стр. 2138

قلت: مجرّد الإقرار بالاستيلاد كافٍ لثبوت الاستيلاد، وإن كان ذلك الإقرار في ضمن شيء لم يثبت ذلك الشّيء لمصادفة إقرار المولى في محلّه وهو الملك. فإنّه ذكر في المبسوط (١): (ولو زوّج رجل أمته (٢) عبده، فولدت، فادّعاه المولى يعتق الولد، وتكون أمه بمنزلة أم الولد، ثم قال: وههنا نسب الولد غير ثابت من المولى، ومع ذلك الجارية تكون أمّ ولد له؛ وإنّما كان كذلك لاحتمال أن يكون الولد ثابت النّسب من المولى بعلوق سبق النكاح، أو شبهة بعد النكاح، إلا أنّ هذا الاحتمال غير معتبر في حق النّسب؛ لثبوت النّسب من الزّوج واستغنائه عن النّسب، فيبقى (٣) معتبرًا في حق الأم؛ لأنّها محتاجة إلى حق أمية الولد، بخلاف ما إذا أقرّ بالاستيلاد بالزنا؛ لأنّه لا احتمال للنّسب مع تصريحه بالزّنا)، ولو ادعاه المولى إلى قوله وتصير أمه أمّ ولد له فيما إذا كانت أمه قنة لا أم الولد؛ لأنّ لأم الولد أمومية الولد قبل هذه الدعوة ثابتة فلا يستقيم حينئذ. قوله: وتصير أمه أم ولد له هكذا نقل من فوائد مولانا الإمام حميد الدين الضّرير، (٤) وأن لا يبعن وفي نسخة، وأن لا يسعين، والأوّل موافق لرواية الإيضاح، ولكن قوله لما روينا في دعوى نفي السّعاية، يدل على صحّة قوله وأن لا يسعين (٥). ثم وجه قوله لما روينا في دعوى نفي السّعاية على تقدير رواية وأن لا يبعن هو أن عدم جواز البيع دليل على أنّ في أم الولد لم تبق المالية؛ لأنّ وجوب السّعاية بناء على بقاء الماليّة، وفي أمّ الولد لمن تبق الماليّة بموجب قوله ﵇: «أعتقها ولدها» (٦) فلا تجب السّعاية، ولأنّ الحاجة إلى الولد أصليّة، ألا ترى أنّ الأب إذا ادّعى جارية الابن يثبت نسبه؟ كحاجة الأكل، فإن للأب أن يأكل مال ابنه بغير إذنه لرد جوعه؛ فكذلك له أن يستولد جارية ابنه بغير إذنه لحاجته إلى بقاء نسله، وإن كانت الحاجة إلى بقاء النسل أدنى من حاجته إلى بقاء نفسه بالأكل؟ حتى فرق بينهما بضمان قيمة الجارية، وبعدم ضمان قيمة المأكول، ولكن من حيث إنّهما من الحوائج الأصليّة فإنّهما يستويان.

стр. 2139

[٤١٧/ ب] فلا يتعلّق بها حق الغرماء (١) / كالقصاص يعني إذا مات من له القصاص وهو مديون فليس لأرباب الدّيون أن يأخذوا من عليه القصاص بدينهم، ويستوفوا منه ديونهم بمقابلة ما وجب عليه القصاص من مديونهم؛ لأنّ القصاص ليس بمتقوّم حتّى يأخذوا بمقابلته شيئًا متقوّمًا. وقيل: معناه أنّه إذا قتل المديون شخصًا لا يقدر الغرماء على منع ولي القصاص من استيفاء القصاص، وقيل معناه: إذا قتل رجل مديونًا والمديون قد عفا فلا يقدر الغرماء على منع المديون عن العفو. (وإذا أسلمت أمّ ولد النّصراني فعليها أن تسعى في قيمتها)، فإن قلتَ: كيف يصحّ القول بالسّعاية عليها على قول أبي حنيفة ﵀ مع أنّ أمّ الولد غير متقوّمة عنده؟ وقد مرّ. والقول بوجوب الاستسعاء قول بالتقوّم إذ السّعاية بدل ما ذهب من ماليته المتقومة، وهي في حالة الإسلام لم تكن متقوّمة على قوله فلا تكون الماليّة ذاهبة عنها. قلتُ: أجاب عن هذا السؤال في الكتاب بقوله: ومالية أمّ الولد يعتقدها الذميّ متقوّمة إلى آخره، وقد ذكرنا تمام الجواب قبيل باب عتق أحد العبدين (٢)، ولم يبين مقدار قيمتها، وهي أم ولد وهذا مشكل؛ فإنّها لو كانت بحيث تباع فلا نقصان في قيمتها، ولكن قيل قيمة المدبّرة (٣) قدر ثلثي قيمتها قنة، وقيمة أم الولد قدر ثلث قيمتها قنة؛ لأنّ للمالك في مملوكه ثلاث منافع: الاستخدام، والاسترباح بالبيع، وقضاء ديونه من ماليته بالاستسعاء بعد موته، فبالتّدبير ينعدم أحد هذه المعاني وهو الاسترباح، ويبقى منفعتان، وبالاستيلاد ينعدم اثنان ويبقى واحد، وهو الاستخدام، فيتوزع القيمة على ذلك. قوله: ومالية أمّ الولد جواب سؤال مقدر وهو الذي ذكرناه. فيترك وما يعتقده أي مع ما يعتقده والواو بمعنى مع؛ ولأنّها إن لم تكن متقوّمة فهي محترمة، وهذا يكفي لوجوب الضّمان، فإن قيل: لو كان احترامها كافيًا لوجوب الضّمان ينبغي أن يجب الضّمان بغصب أمّ الولد، لما أنّها حرام التّعرض بالغصب، ومع ذلك لا يجب الضّمان على قول أبي حنيفة ﵀. قلنا: إنما لم يجب الضّمان به على قوله؛ لأن مبنى ضمان الغصب على المماثلة لقوله تعالى: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٤)؛ لأنّ الغصب من الاعتداء، ولا مساواة بين ما ضمن به من المال، وبين مالية أمّ الولد؛ لأنّها غير متقوّمة، فلما لم يجب المساواة بينهما لم يجب الضّمان، كما في غصب المنافع، لم يجب الضمان لهذا المعنى لقيام الموجب وهو إسلامها، فيلزم الدّور فلذلك لا تُرَدُّ قِنَّهٌ. (ومن استولد أمة غيره بنكاح، ثمّ ملكها صارت أم ولد له)، وقال الشّافعي ﵀: لا تصير أمّ ولد له، (٥) لقوله ﵇: «أيما أمة ولدت من سيّدها» (٦) شرط لثبوت حق العتق لها أن تلد من سيّدها، وهذه ولدت من زوجها لا من سيّدها، والمعنى ما ذكر في الكتاب، (وحجّتنا فيه أنّه ملكها وله منها ولد ثابت النّسب كانت أمّ ولد له، كما لو استولدها في ملكه، وتأثيره أن حق العتق يثبت لها بالاستيلاد، كما قال ﵇: «أعتقها ولدها» (٧) والملك في المحلّ فإذا تقرّر السّبب قبل الملك توقف على وجود الشّرط.

стр. 2140

ألا ترى أن في حرية الولد لما تقرّر السّبب قبل الملك، وهو النّسب توقف على وجود شرطه وهو الملك حتّى إذا ملكه يعتق؟ فكذلك في الأمّ؛ لأنّ حقّها تابع لحق الولد، بخلاف التّدبير والعتق قبل الملك؛ فإن ذلك لغو شرعًا فلا يظهر حكمه بعد الملك، وهذا السّبب متقرر شرعًا يوضحه أن حقّ العتق لأم الولد باعتبار أنّها منسوبة إليه بواسطة الولد؛ فإنّ للجزئية (١) تأثيرًا في النّسبة، والولد جزءٌ منها، فتصير هي منسوبة إليه باعتبار هذه الواسطة، حتى يقال أمّ ولده، وهذا متقرّر حتّى يثبت نسب الولد بنكاحٍ كان أو بملك، ولا معتبر بما قاله الخصم من حريّة الماء الذي هو في حكم الجزء؛ لأنّه لو أعتق ما في بطن جاريته لم يثبت لها حقّ العتق، ولا حقيقة العتق، فلو كان ثبوت العتق لها باعتبار الاتّصال والجزئية لثبت ههنا). كذا في المبسوط. (٢) [٤١٨/ أ] فعلم بهذا أن معنى قوله ﵇: «أيما أمة ولدت من سيّدها فهي معتقة عن دبر منه» (٣) وهي فيما إذا ولدت من سيّدها وهو (٤) غير متعرّض لما إذا ولدت من زوجها ثم صار زوجها/ سيّدها ما حكمها؟ بل حكمها موقوف إلى قيام الدّليل وقد قام الدّليل على أنها تعتق أيضًا عتق أم الولد وهو ما ذكرنا من الدّليل فيجب القول به وذكر في الأسرار والإيضاح (٥) والكلام ههنا يرجع إلى معرفة سبب هذا الحكم، وهو أمية (٦) الولد، فإنّ هذا حكم في الشّرع معرف بهذا الاسم؛ وأنّه عبارة عن ثبوت حق العتق، وتأجل حقيقة العتق إلى ما بعد الموت، وسببه عندنا ثبوت نسب الولد. وعند الشّافعي ﵀ (٧) السّبب علوق الولد حرًا، وإنما تتبيّن ثمرة هذا الأصل فيمن استولد أمة بنكاح، ثم اشتراها، هل تصير أمّ ولد له أم لا على ما ذكرنا؟ ثم ثبوت النّسب وأمية الولد عندنا، لا يتفاوت بين أن يكون من نكاح صحيح، أو فاسد، أو وطئ بشبهة. قوله: وإنّما يعتق على الزّاني جواب سؤال مقدّر وهو أن يقال: لما لم يثبت النّسب من الزنا؟ ينبغي أن لا يعتق ولده المخلوق من الزنا إذا ملكه؛ لأنّه لا نسب بينهما شرعًا، فأجاب عنه وقال: إنّما يعتق باعتبار أنّه جزؤه حقيقةً بغير واسطةٍ، فكانت أمّ الولد بالزنا، نظير من اشترى أخاه من الزنا حيث لا يعتق لما أنّ ذلك إنّما يثبت باعتبار نسب الأخوة إليه، وهي غير ثابتة، فعلم بهذا أنّ المراد من الأخ ههنا الأخ لأب، أمّا الأخ لأم فإنّه يعتق عليه إذا ملكه، وإن كان من الزّنا؛ لأن النسبة ثابتة بينهما؛ لأنّه جزؤه حقيقةً بغير واسطةٍ، بخلاف حق الحرية للأم؛ لأنّ ذلك الحق إنّما يثبت بواسطة النّسبة، وهي معدومة في الزّنا، فلا تصير أم ولد له بواسطة نسبته إلى الوالد، وهي غير ثابتة، فلا يثبت العتق، فكذلك الواسطة ههنا قد انعدمت حين لم يثبت نسب ولدها بالزنا؛ فلذلك لا تصير أمّ ولد له.
следующие страницы →