← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

وذكر شمس الأئمة السّرخسي ﵀ في المبسوط (١) (وإنّما جاز تزويج أمّ الولد؛ لأنّ الفراش الثّابت له عنها (٢) سببه ملك اليمين، وذلك غير ملزم للمولى فلا يمنع صحّة تزويجه إيّاها) (٣). (ولا يثبت نسب ولدها) أي الأمة رجوعًا إلى ما ابتدأ به أوّل الباب بقوله: (إذا ولدت الأمة من مولاها) لما أن ولد أمّ الولد يثبت نسبه من غير دعوة على ما يجيء في قوله: (فإن جاءت بعد ذلك بولد ثبت نسبه بغير إقرار) وحكم المدبرة كحكم الأمة في أنّه لا يثبت النّسب منها بدون دعوة المولى. قوله: (لوجود المانع) وهو ذهاب التقوم على قول أبي حنيفة ﵀ ونقصان القيمة عندهما، وقوله: عنه أي عن طلب الولد كالمعقودة أي: كالمنكوحة إلا أنّه إذا نفاه ينتفي بقوله أي (٤) من غير لعانٍ. وفي المبسوط (٥) (وإنما يملك نفيه ما لم يقض القاضي به، أو لم يتطاول ذلك، فأمّا بعد قضاء القاضي فقد لزمه بالقضاء على وجه لا يملك إبطاله، وكذلك بعد التّطاول؛ لأنّه يوجد منه دليل الإقرار في هذه المدّة من قبول التّهنية (٦) ونحوه فيكون كالتّصريح بالإقرار، واختلافهم في مدّة التّطاول قد سبق في اللّعان)؛ لأنّ فراشها ضعيف حتّى يملك نقله بالتّزويج، أي نقل الفراش من نفسه إلى غيره بالتزويج أي يملك أن يزوّج أمّ ولده من غيره. بخلاف المنكوحة حيث لا يملك فيها ذلك، وهذا الذي ذكرناه حكم أي عدم ثبوت نسب الولد الأمة (٧) بدون الدّعوى حكم قضاء القاضي، فأمّا الدّيانة أي الأمر فيما بينه وبين الله تعالى، فإن كان وطئها وحصّنها، المراد من التّحصين هو أن يحفظها عمّا يوجب ريبة الزنى يلزمه أن يعترف به وهذا بالإجماع؛ لأنّ الظّاهر أنّ الولد منه؛ لأنّ الظّاهر عدم الزنا خصوصًا عند وجود التحصن وعدم العزل. (٨) وقد ولدته في ملكه فكان منه، والبناء على الظّاهر واجب فيما لا يعلم حقيقته؛ لأن هذا الظّاهر وهو أن يكون الولد من المولى باعتبار أنّ الظّاهر عدم الزنا.

стр. 2137

يقابله ظاهر آخر، أي يعارضه ظاهر آخر، وهو أن يكون الولد من الزنا لوجود أحد الدّليلين، وهما العزل وعدم التّحصين وهذا مروي عن أبي حنيفة ﵀. [٤١٧/ أ] قوله: وفيه روايتان أخريان والأصحّ آخران (١) عن أبي يوسف وعن محمد -رحمهما الله- أي عن أبي يوسف ﵀ رواية واحدة وعن محمّد ﵀، كذلك رواية واحدة وهو فائدة إعادة كلمة عن، وتلك الروايتان ذكرهما في المبسوط (٢) بلفظ الوجوب فقال: (وعن أبي يوسف ﵀ أنّه إذا وطئها ولم يستبرئها/ بعد ذلك حتّى جاءت بالولد فعليه أن يدعيه سواء عزل عنها أو لم يعزل حصّنها أو لم (٣) يحصّنها تحسينًا للظن بها وحملاً لأمرها على الصّلاح ما لم يتبين خلافه؛ ولأن ما يظهر عقيب سبب يكون محالًا به عليه حتّى يتبين خلافه. وعن محمّد ﵀ قال: لا ينبغي له أن يدعي النّسب إذا لم يعلم أنّه منه، ولكن ينبغي له أن يُعتق الولد، ويستمتع بها ويعتقها بعد موته؛ لأن استلحاق نسب ليس منه لا يَحِلُّ شرعًا، فيحتاط من الجانبين، وذلك في أن لا يدّعي النّسب، ولكن يعتق الولد ويعتقها بعد موته، لاحتمال أن يكون منه) وذكر تلك الروايتين في الإيضاح بلفظ الاستحباب، فقال: وقال أبو يوسف ﵀: إذا كان يطاءها (٤) ولم يحصنها وأحّب إليَّ أن يدعيه، وقال: محمّد ﵀: أحب إليَّ أن يعتق ولدها ويستمتع منها، فإذا مات أعتقها، فما ذكره أبو حنيفة هو الأصل؛ لأنّه إذا وطئها ولم يعزل وحصّنها فالظّاهر أنّ الولد منه، فيلزمه أن يدّعي، وإذا لم يحصّن أو عزل فقد وقع الاحتمال، فلا يلزمه الاعتراف بالشّك. وإن كان النكاح فاسدًا، وإن هذه للوصل هذا جواب سؤال تقديري وهو أن فراش المولى كان ثابتًا على وجه الصحّة؛ لأنّه استولدها في ملكه فينبغي أن لا يزول بالنكاح الفاسد؛ لأنّ الفاسدة لا يعارض الصّحيح. فأجاب عنه: بأنّ النكاح الفاسد ملحق بالصّحيح في حق الأحكام، فيعمل عمل النكاح الصّحيح، ومن الأحكام ثبوت النّسب، وعدم جواز البيع والوصيّة. وذكر في الإيضاح (٥) أراد بالفاسد ههنا ما إذا اتّصل به الدّخول، فهو حينئذ في إثبات النّسب ملحق بالنكاح الصّحيح، فكان الفراش فيه ما هو ثابت في النكاح الصّحيح، فكان أقوى من فراش أم الولد، فإن قلت: كيف تثبت أمية الولد ههنا مع أن نسب الولد لم يثبت من المولى؟ فينبغي أن لا تثبت أمية الولد؛ لأن أمية الولد ههنا مبنيّة على ثبوت النّسب بدعوة الولد، فلما لم يثبت الأصل وهو ثبوت نسب ذلك الولد بالدّعوة، لم يثبت الفرع وهو أمية الولد، بخلاف ابتداء الإقرار بالاستيلاد؛ لأن ذلك غير مبني على دعوة الولد؟

стр. 2138

قلت: مجرّد الإقرار بالاستيلاد كافٍ لثبوت الاستيلاد، وإن كان ذلك الإقرار في ضمن شيء لم يثبت ذلك الشّيء لمصادفة إقرار المولى في محلّه وهو الملك. فإنّه ذكر في المبسوط (١): (ولو زوّج رجل أمته (٢) عبده، فولدت، فادّعاه المولى يعتق الولد، وتكون أمه بمنزلة أم الولد، ثم قال: وههنا نسب الولد غير ثابت من المولى، ومع ذلك الجارية تكون أمّ ولد له؛ وإنّما كان كذلك لاحتمال أن يكون الولد ثابت النّسب من المولى بعلوق سبق النكاح، أو شبهة بعد النكاح، إلا أنّ هذا الاحتمال غير معتبر في حق النّسب؛ لثبوت النّسب من الزّوج واستغنائه عن النّسب، فيبقى (٣) معتبرًا في حق الأم؛ لأنّها محتاجة إلى حق أمية الولد، بخلاف ما إذا أقرّ بالاستيلاد بالزنا؛ لأنّه لا احتمال للنّسب مع تصريحه بالزّنا)، ولو ادعاه المولى إلى قوله وتصير أمه أمّ ولد له فيما إذا كانت أمه قنة لا أم الولد؛ لأنّ لأم الولد أمومية الولد قبل هذه الدعوة ثابتة فلا يستقيم حينئذ. قوله: وتصير أمه أم ولد له هكذا نقل من فوائد مولانا الإمام حميد الدين الضّرير، (٤) وأن لا يبعن وفي نسخة، وأن لا يسعين، والأوّل موافق لرواية الإيضاح، ولكن قوله لما روينا في دعوى نفي السّعاية، يدل على صحّة قوله وأن لا يسعين (٥). ثم وجه قوله لما روينا في دعوى نفي السّعاية على تقدير رواية وأن لا يبعن هو أن عدم جواز البيع دليل على أنّ في أم الولد لم تبق المالية؛ لأنّ وجوب السّعاية بناء على بقاء الماليّة، وفي أمّ الولد لمن تبق الماليّة بموجب قوله ﵇: «أعتقها ولدها» (٦) فلا تجب السّعاية، ولأنّ الحاجة إلى الولد أصليّة، ألا ترى أنّ الأب إذا ادّعى جارية الابن يثبت نسبه؟ كحاجة الأكل، فإن للأب أن يأكل مال ابنه بغير إذنه لرد جوعه؛ فكذلك له أن يستولد جارية ابنه بغير إذنه لحاجته إلى بقاء نسله، وإن كانت الحاجة إلى بقاء النسل أدنى من حاجته إلى بقاء نفسه بالأكل؟ حتى فرق بينهما بضمان قيمة الجارية، وبعدم ضمان قيمة المأكول، ولكن من حيث إنّهما من الحوائج الأصليّة فإنّهما يستويان.

стр. 2139

[٤١٧/ ب] فلا يتعلّق بها حق الغرماء (١) / كالقصاص يعني إذا مات من له القصاص وهو مديون فليس لأرباب الدّيون أن يأخذوا من عليه القصاص بدينهم، ويستوفوا منه ديونهم بمقابلة ما وجب عليه القصاص من مديونهم؛ لأنّ القصاص ليس بمتقوّم حتّى يأخذوا بمقابلته شيئًا متقوّمًا. وقيل: معناه أنّه إذا قتل المديون شخصًا لا يقدر الغرماء على منع ولي القصاص من استيفاء القصاص، وقيل معناه: إذا قتل رجل مديونًا والمديون قد عفا فلا يقدر الغرماء على منع المديون عن العفو. (وإذا أسلمت أمّ ولد النّصراني فعليها أن تسعى في قيمتها)، فإن قلتَ: كيف يصحّ القول بالسّعاية عليها على قول أبي حنيفة ﵀ مع أنّ أمّ الولد غير متقوّمة عنده؟ وقد مرّ. والقول بوجوب الاستسعاء قول بالتقوّم إذ السّعاية بدل ما ذهب من ماليته المتقومة، وهي في حالة الإسلام لم تكن متقوّمة على قوله فلا تكون الماليّة ذاهبة عنها. قلتُ: أجاب عن هذا السؤال في الكتاب بقوله: ومالية أمّ الولد يعتقدها الذميّ متقوّمة إلى آخره، وقد ذكرنا تمام الجواب قبيل باب عتق أحد العبدين (٢)، ولم يبين مقدار قيمتها، وهي أم ولد وهذا مشكل؛ فإنّها لو كانت بحيث تباع فلا نقصان في قيمتها، ولكن قيل قيمة المدبّرة (٣) قدر ثلثي قيمتها قنة، وقيمة أم الولد قدر ثلث قيمتها قنة؛ لأنّ للمالك في مملوكه ثلاث منافع: الاستخدام، والاسترباح بالبيع، وقضاء ديونه من ماليته بالاستسعاء بعد موته، فبالتّدبير ينعدم أحد هذه المعاني وهو الاسترباح، ويبقى منفعتان، وبالاستيلاد ينعدم اثنان ويبقى واحد، وهو الاستخدام، فيتوزع القيمة على ذلك. قوله: ومالية أمّ الولد جواب سؤال مقدر وهو الذي ذكرناه. فيترك وما يعتقده أي مع ما يعتقده والواو بمعنى مع؛ ولأنّها إن لم تكن متقوّمة فهي محترمة، وهذا يكفي لوجوب الضّمان، فإن قيل: لو كان احترامها كافيًا لوجوب الضّمان ينبغي أن يجب الضّمان بغصب أمّ الولد، لما أنّها حرام التّعرض بالغصب، ومع ذلك لا يجب الضّمان على قول أبي حنيفة ﵀. قلنا: إنما لم يجب الضّمان به على قوله؛ لأن مبنى ضمان الغصب على المماثلة لقوله تعالى: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٤)؛ لأنّ الغصب من الاعتداء، ولا مساواة بين ما ضمن به من المال، وبين مالية أمّ الولد؛ لأنّها غير متقوّمة، فلما لم يجب المساواة بينهما لم يجب الضّمان، كما في غصب المنافع، لم يجب الضمان لهذا المعنى لقيام الموجب وهو إسلامها، فيلزم الدّور فلذلك لا تُرَدُّ قِنَّهٌ. (ومن استولد أمة غيره بنكاح، ثمّ ملكها صارت أم ولد له)، وقال الشّافعي ﵀: لا تصير أمّ ولد له، (٥) لقوله ﵇: «أيما أمة ولدت من سيّدها» (٦) شرط لثبوت حق العتق لها أن تلد من سيّدها، وهذه ولدت من زوجها لا من سيّدها، والمعنى ما ذكر في الكتاب، (وحجّتنا فيه أنّه ملكها وله منها ولد ثابت النّسب كانت أمّ ولد له، كما لو استولدها في ملكه، وتأثيره أن حق العتق يثبت لها بالاستيلاد، كما قال ﵇: «أعتقها ولدها» (٧) والملك في المحلّ فإذا تقرّر السّبب قبل الملك توقف على وجود الشّرط.

стр. 2140

ألا ترى أن في حرية الولد لما تقرّر السّبب قبل الملك، وهو النّسب توقف على وجود شرطه وهو الملك حتّى إذا ملكه يعتق؟ فكذلك في الأمّ؛ لأنّ حقّها تابع لحق الولد، بخلاف التّدبير والعتق قبل الملك؛ فإن ذلك لغو شرعًا فلا يظهر حكمه بعد الملك، وهذا السّبب متقرر شرعًا يوضحه أن حقّ العتق لأم الولد باعتبار أنّها منسوبة إليه بواسطة الولد؛ فإنّ للجزئية (١) تأثيرًا في النّسبة، والولد جزءٌ منها، فتصير هي منسوبة إليه باعتبار هذه الواسطة، حتى يقال أمّ ولده، وهذا متقرّر حتّى يثبت نسب الولد بنكاحٍ كان أو بملك، ولا معتبر بما قاله الخصم من حريّة الماء الذي هو في حكم الجزء؛ لأنّه لو أعتق ما في بطن جاريته لم يثبت لها حقّ العتق، ولا حقيقة العتق، فلو كان ثبوت العتق لها باعتبار الاتّصال والجزئية لثبت ههنا). كذا في المبسوط. (٢) [٤١٨/ أ] فعلم بهذا أن معنى قوله ﵇: «أيما أمة ولدت من سيّدها فهي معتقة عن دبر منه» (٣) وهي فيما إذا ولدت من سيّدها وهو (٤) غير متعرّض لما إذا ولدت من زوجها ثم صار زوجها/ سيّدها ما حكمها؟ بل حكمها موقوف إلى قيام الدّليل وقد قام الدّليل على أنها تعتق أيضًا عتق أم الولد وهو ما ذكرنا من الدّليل فيجب القول به وذكر في الأسرار والإيضاح (٥) والكلام ههنا يرجع إلى معرفة سبب هذا الحكم، وهو أمية (٦) الولد، فإنّ هذا حكم في الشّرع معرف بهذا الاسم؛ وأنّه عبارة عن ثبوت حق العتق، وتأجل حقيقة العتق إلى ما بعد الموت، وسببه عندنا ثبوت نسب الولد. وعند الشّافعي ﵀ (٧) السّبب علوق الولد حرًا، وإنما تتبيّن ثمرة هذا الأصل فيمن استولد أمة بنكاح، ثم اشتراها، هل تصير أمّ ولد له أم لا على ما ذكرنا؟ ثم ثبوت النّسب وأمية الولد عندنا، لا يتفاوت بين أن يكون من نكاح صحيح، أو فاسد، أو وطئ بشبهة. قوله: وإنّما يعتق على الزّاني جواب سؤال مقدّر وهو أن يقال: لما لم يثبت النّسب من الزنا؟ ينبغي أن لا يعتق ولده المخلوق من الزنا إذا ملكه؛ لأنّه لا نسب بينهما شرعًا، فأجاب عنه وقال: إنّما يعتق باعتبار أنّه جزؤه حقيقةً بغير واسطةٍ، فكانت أمّ الولد بالزنا، نظير من اشترى أخاه من الزنا حيث لا يعتق لما أنّ ذلك إنّما يثبت باعتبار نسب الأخوة إليه، وهي غير ثابتة، فعلم بهذا أنّ المراد من الأخ ههنا الأخ لأب، أمّا الأخ لأم فإنّه يعتق عليه إذا ملكه، وإن كان من الزّنا؛ لأن النسبة ثابتة بينهما؛ لأنّه جزؤه حقيقةً بغير واسطةٍ، بخلاف حق الحرية للأم؛ لأنّ ذلك الحق إنّما يثبت بواسطة النّسبة، وهي معدومة في الزّنا، فلا تصير أم ولد له بواسطة نسبته إلى الوالد، وهي غير ثابتة، فلا يثبت العتق، فكذلك الواسطة ههنا قد انعدمت حين لم يثبت نسب ولدها بالزنا؛ فلذلك لا تصير أمّ ولد له.

стр. 2141

وكفر الأب، ورقه بمنزلة موته (١)، وكذا جنونه. (فادّعاه أحدهما (٢) في صحته أو مرضه فهو ابنه؛ لأنّه تملك جزءًا منها، وقيام الملك في جزء منها كقيام ملكه في جميعها في صحّة الدّعوى؛ فإنّ اعتبار جانب ملكه يثبت النّسب منه بالدّعوى، واعتبار جانب ملك شريكه يمنع من ذلك، فيغلب المثبت للنسب احتياطًا، ألا ترى أنّه يسقط الحد عنه بهذا الطّريق ويجب العقر (٣) فكذلك يثبت النّسب منه بالدّعوة، ويضمن نصف قيمتها لشريكه يوم وطئها فعلقت؛ لأنّ أمية الولد تثبت لها من وقت العلوق فيصير متملكًا نصيب شريكه عليه من ذلك الوقت ولا يتملكها إلا بعوض؛ فلهذا يضمن نصف قيمتها من ذلك الوقت وعليه نصف عقرها؛ لأنّ أصل الوطئ حصل منه ونصفها ملك للشّريك وقد سقط الحدّ بشبهة فيجب العقر؛ وإنما قلنا ذلك؛ لأنّ تملك نصيب الشّريك ههنا حكم الاستيلاد لا شرطه، فإن قيام ملكه في نصفها يكفي لصحّة الاستيلاد وحكم الشّيء يعقبه وليس عليه من قيمة الولد شيء، لأن الولد علق حر الأصل باعتبار قيام الملك له في نصفها وقت العلوق؛ ولأنّه حين علق كان ماء مهينًا لا قيمة له وضمان نصف قيمتها عليه في حالتي اليسار والعسرة لأنّه ضمان التملك). كذا في المبسوط (٤). فيتعقبه الملك في نصيب صاحبه هذا على اختيار بعض المشايخ، وأمّا الأصح من المذهب فالحكم مع علّته يقترنان، لما عرف في أصول الفقه. قوله: بخلاف الأب إذا استولد متّصل بقوله: ويضمن نصف عقرها أي الأب لا يضمن عقر جارية الابن إذا استولدها، وأمّا في مسألتنا وهي استيلاد الجارية المشتركة أحد الشّريكين فيضمن نصف عقرها، والفرق بينهما هو أن الملك في مسألتنا يثبت متأخرًا عن الوطئ؛ لأنّه حكم الوطئ المعلّق؛ لأنه لما ثبت الاستيلاد ثبت الملك في نصيب الشريك بالضّمان فكان الوطئ مصادفًا ملك الغير في حق النّصف فيضمن نصف العقر، بخلاف الأب فإن وطئه مصادف ملك نفسه تقديرًا ضرورة تصحيح، الاستيلاد إذ المصحّح للاستيلاد حقيقة الملك، وهي ثابتة مقتضى لتصحيح الاستيلاد والمقتضي يثبت مقدمًا على المقتضى؛ لأنّه شرط صحّة المقتضى فلذلك قدم الملك على الاستيلاد، وهو الوطئ هناك فلما قدم الملك على الوطئ كان وطئ الأب مصادفًا ملك نفسه فلا يجب العقر.

стр. 2142

[٤١٨/ ب] قوله: لأنّ الملك هنالك يثبت شرطًا للاستيلاد فيتقدّمه فالضّمير المستكن في [فيتقدمه] راجع إلى الملك، والضّمير البارز فيه راجع إلى الاستيلاد أي يتقدّم/ الملك الاستيلاد. قوله: معناه إذا حملت على ملكهما، وإنّما قيّد بهذا؛ لأنّه إذا كان الحمل على ملك أحدهما نكاحًا (ثمّ اشتراها هو وآخر فهي أم ولد له؛ لأنّ نصيبه منها صار أم ولد له، والاستيلاد لا يحتمل التجزي فيثبت في نصيب شريكه أيضًا). كذا في المبسوط (١) يرجع إلى قول القافة: هي جمع القائف كالباعة والحاكة في جمع البائع والحايك وهو الذي يتتبع (٢) آثار الآباء في الأبناء من قاف أثره إذا اتبعه والقيافة في بني مدلج منهم المجزز (٣). لا يتخلق من مائين (٤) أي من ماء محلين، وقد سُر رسول الله ﷺ بقول القائف في أسامة (٥) وهو ما روي عن رسول الله ﷺ أنّه دخل على عائشة ﵂ وأسارير وجهه تبرق من السّرور فقال: «أما علمت أن مجززًا المدلجي (٦) مرّ بأسامة وزيد وهما تحت قطيفة (٧) قد غطى وجوههما وأرجلهما باديةً فقال إنّ هذه الأقدام بعضها من بعض» (٨) ولو كان الحكم بالشّبه باطلًا لما جاز إظهار السرور، ولوجب عليه الردّ والإنكار كذا في الإيضاح (٩). وهو للباقي منهما (١٠)، أي الولد يكون للأب الباقي من الأبوين اللّذين كانا إذا مات أحدهما؛ حتّى يكون كلّ ميراث الابن للأب الحي، ولا يكون نصفه لورثة الأب الميّت، في سبب الاستحقاق وهو الملك، ولكن تتعلّق به أحكام متجزئة، كالنّفقة وولاية التصرف في ماله والحضانة، فما يقبل التجزئة كالإرث، وما لا يقبلها كالنّسب وهو ماله من الحق في نصيب الابن بفتح اللام في ماله أي لوجود المرجّح في حق الأب، وذلك المرجح ما أثبت الشّارع للأب من حقّ التمليك في نصيب الابن، وهو قوله ﵇: «أنت ومالك لأبيك» (١١). وسرور النبي ﵇ إلى آخره (١٢) هذا جواب عمّا تمسّك به الشّافعي (١٣) ﵀ وذكر في الإيضاح. وأمّا الحديث فإظهار السّرور إنما كان لزوال طعن الكفار؛ لأنّهم كانوا يطعنون في نسبه، وكانوا يعتقدون قول القافة حجة، ولا يضمن واحد من قيمة الأم شيئًا، لأنّ نصيبه بقي على ملكه، وأمّا العقر فقد أقر (كل واحد منهما لصاحبه بنصف العقر فيلتقيان قصاصًا) كانوا يطعنون بضم العين من باب نَصَرَ، فيصير نصيبه منها أمّ ولد له. (فإذا ثبت أنّها أم ولد لهما قلنا: تخدِم كلّ واحد منهما يومًا كما كانت تفعله قبل هذا؛ لأنّه لا تأثير للاستيلاد في إبطال ملك الخدمة، وإذا مات أحدهما عتقت، ولا ضمان للشّريك في تركة الميّت بالاتفاق؛ لوجود الرضاء منهما بعتقها (١٤) عند الموت، ولا سعاية عليها في قول أبي حنيفة ﵀، وعلى قول أبي يوسف ومحمّد -رحمهما الله- تسعى في نصف قيمتها للشّريك، ولو أعتقها أحدهما في حياته عتقت، ولا ضمان على المعتق للشّريك، ولا سعاية في قول أبي حنيفة ﵀، وعندهما يضمن المعتق نصف قيمتها أم ولد لشريكه إن كان موسرًا، وتسعى في نصف قيمتها إن كان (١٥) المعتق معسرًا، وأصل المسألة أن رق أمّ الولد ليست بمال متقوّم) في قول أبي حنيفة ﵀، وعلى قولهما هو مال متقوّم، وقد ذكرنا في [باب العبد يعتق بعضه] الدلائل من الطّرفين كذا في المبسوط. (١٦)

стр. 2143

قصاصًا بِمَالَهُ على الآخر (١)، وقال بمالَهُ بفتح اللام أي بالذي له (وترثان منه (٢) ميراث أب (٣) واحد)؛ لأنّ التعدد حقيقة في الأب محال، ويشتركان على السّواء لعدم إمكان التّرجيح، كما إذا قلنا: البينة يعني إذا أقاما البينة على شيء يكون ذلك الشّيء مشتركًا بينهما على السّواء، فكذا هنا أو إذا أقاما البينة على ابن مجهول النّسب فالحكم هكذا فكذا هنا. وعن أبي يوسف ﵀ أنّه لا يعتبر تصديقه أي تصديق المكاتب؛ بل يثبت بمجرّد دعوة المولى؛ كما في الأب والجامع بينهما أن جارية المكاتب كسب كسب المولى؛ فكذلك جارية الابن كسب كسب المولى، (٤) هذا في المساواة. أو نقول: للمولى في المكاتب ملك الرقبة؛ وليس للأب على الابن ملك الرقبة ولا ملك اليد، بل للأب في مال الابن حقّ التملّك، وحق الملك أقوى من حق التملك، فلما ثبت للأب نسب الولد من جارية الابن بدون الملك على الابن وعلى جاريته بغير تصديق الابن، فَلَأن يَثْبُت للمولى نسب الولد من جارية المكاتب بغير تصديق المكاتب مع حقيقة الملك للمولى على المكاتب أولى. ألا ترى أن المولى لو أعتق المكاتب يصح مع أنّه لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم؟ فعلم أنّ الملك للمولى عليه ثابت. ووجه الظّاهر وهو الفرق أي الفرق بين استيلاد جارية الابن/ حيث لا يشترط التّصديق وبين استيلاد جارية المكاتب حيث يشترط التّصديق هو (أنّ المولى حجر على نفسه عن التصرف في كسب المكاتب والدّعوة تصرف فلا تنفذ (٥) إلا بتصديق المكاتب، بخلاف الأب؛ فإنّه ما حجر على نفسه عن التصرف في مال الولد عند الحاجة فلا يحتاج إلى تصديق الولد، ثمّ عند التّصديق من المكاتب (لا تصير الجارية أم ولد للمولى)؛ لأنّ حق الملك ثابت له في كسبه وذلك كاف لإثبات نسب الولد. [٤١٩/ أ] ألا ترى أن (٦) بعجزه ينقلب حقيقة ملك فلا حاجة به إلى التملك، وليس للأب في مال الولد ملك ولا حق ملك، ولا يمكن إثبات النّسب منه إلا باعتبار تملك الجارية؟ يوضحه أنّه ليس للمولى حق التملّك في كسب المكاتب عند الحاجة، وللأب ذلك في مال الولد) كذا في المبسوط. (٧)

стр. 2144

وذكر في الإيضاح (١) في وجه الظّاهر أنّ حق المولى وإن كان ثابتًا ولكن حق المولى محجوب بحق المكاتب، ألا ترى أنّه ليس له أن ينتزع من يده أصلًا فينزل (٢) المولى من مال المكاتب فيما يثبت من التصرفات بمنزلة الأجنبي فلم يصح دعوته حتّى يتصل التصديق به؟ (وقيمة ولدها) أي وعلى المولى قيمة ولد جارية مكاتبه يوم ولد، يعني على تقدير تصديق المكاتب المولى في دعوة الولد، وإنّما وجبت قيمة الولد على المولى؛ لأنّ هذا يشبه ولد المغرور، فإن الملك في الأم ثابت من وجه دون وجه، فشابه المولى المغرور الذي له الملك ظاهرًا لا حقيقة، وولد المغرور حر بالقيمة، فكذا هنا. كذا في الإيضاح (٣). حيث اعتمد أي المولى اعتمد دليلًا وهو أنّه كسب كسبه أي الولد حصل له من كسب كسبه، فإن المكاتب كسبه، والجارية كسب المكاتب فكان الولد حاصلًا للمولى من كسب كسبه، فيصلح أن يكون هذا دليلًا شرعيًا على أن يكون ولده حرًا، ولكن لما كان المولى في معنى المغرور وجب عليه قيمة الولد للمكاتب. (فلو ملكه أي فلو ملك المولى يومًا) ولد جارية المكاتب الذي ادّعاه وكان (لم يثبت) نسبه عند الدّعوة بسبب تكذيب المكاتب فيثبت نسبه عند ملكه إيّاه. وذكر في المبسوط: (٤) (وإذا ملك المولى الجارية أي في صورة التصديق يومًا الدهر صارت أمّ ولد له؛ لأنّه ملكها وله منها ولد ثابت النّسب، وإن كذبه المكاتب (ثم ملكه يومًا ثبت نسبه منه)؛ لأنّ حق الملك له في المحلّ كان مثبتًا للنسب منه عند صحّة دعوته، إلا أن بمعارضة (٥) المكاتب إياه بالتكذيب امتنع صحة دعوته، وقد زالت هذه المعارضة حين ملكه) لقيام الموجب وهو الإقرار بالاستيلاد. والله أعلم بالصّواب. كِتَابُ الأَيْمَانِ لما قفَّى العبادات بالنكاح للمناسبة التي ذكرنا، ذكر بعده الأبواب التي تناسبه في الوصف الخاص، وهو أن الهزل والإكراه لا يؤثران فيها، والأيمان منها، إلا أنّه قدم الطّلاق لاقتضائه سبق النكاح للرّفع وأعقبه بالعتاق؛ لأنّه يشارك الطّلاق في عامّة الأوصاف من الإسقاط والسّراية واللّزوم، فتأخر ذكر الأيمان عنها لذلك. ثم من محاسن شرعيّة الأيمان هي تصديق السّامع المتكلّم في إخباره؛ لأن السّامع كان متردّدًا قبل يمينه في قبول خبره؛ لكون الخبر في نفسه محتملًا للصّدق والكذب.

стр. 2145

فباليمين ترجح جانب الصّدق، وفائدة الكلام هي إيقاع الصّدق في قلب السّامع، وإذا لم يقع صدقه في قلبه ضاع إخباره، والقول الضّايع ملحق بنعيق الغراب ونباح الكلب. والله تعالى أيضًا أقسم مع أنّه لا يُتَصوَّرُ عنه الكذب لِيَدُل عِباده على شرع القسم، وأمر نبيّه ﵇ بالقسم قال الله تعالى: (قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (١)، ومن محاسنها أيضًا زينة الكلام بذكر اسم الله تعالى، إذ لا زينة كاملًا للكلام إلا بذكر الله تعالى. ومن محاسنها أيضًا تعظيم اسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته، فإن من أقسم بشيء فقد عظمه وشرفه حتّى منع نفسه عن مرغوبها حِذَارَ هتك حرمة المقسم به. [٤١٩/ ب] ثم نحتاج ههنا إلى معرفة معنى اليمين لغةً، وشرعًا، ومعرفة شرطه، وسببه، وركنه،/ وحكمه (أمّا اللّغة فمعناها القوّة ومنه قوله تعالى: (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ (٢). وقال الشماخ (٣): رأيت عرابة الأوسي (٤) يسمو … إلى الخيرات منقطع القرين إذا ما رايةٌ رُفِعَت لمجدٍ … تلقّاها عرابة باليمين وأمّا معناها شرعًا: فهي عبارة عن عقد قوي بها عَزمُ الحالف على الفعل أو الترك وسمّى هذا العقد بها؛ لأن العزيمة (٥) تتقوى بها. وأمّا شرطها ففي الحالف كونه عاقلاً بالغًا.

стр. 2146

وفي الحلف كونه خبرًا محتملًا للصّدق والكذب ولا يكون ذلك إلا في المعقودة. وأمّا الغموس (١) واللّغو (٢) فليستا بيمين على الحقيقة على ما يأتي، وأمّا سببها فإرادة تحقيق ما قصده بها، ويدخل في هذا إرادة تحقيق ما قصد من إظهار صِدقهِ في قلب السّامع، وإرادة تحقيق ما قصده في نفسه من فعل شيء أو تركه، كدخول الدّار وغيره. وأمّا ركنها فاللّفظ الذي ينعقد به اليمين. وأمّا حكمها فالبر حال بقاء اليمين إذا (٣) وجب تحقيق البر، والكفّارة عند فوات البر خلفًا عنه. وإنّما قيّدنا بقولنا: إذا (٤) وجب تحقيق البر؛ لأن من الأيمان ما لا يجب تحقيق البرّ فيها بل يجب تحقيق الحنث ونقض اليمين. كما إذا حلف على معصيةٍ على ما يجيء، فالواجب هو الحكم بموجبه فلذلك لم يكن البرّ حكمًا في جميع الأيمان). إلى هذا أشار في المبسوط (٥) والمنشور (٦) وغيرهما. قوله: (الأيمان على ثلاثة أضرب) فوجه الانحصار على هذه الثّلاثة ظاهر؛ لأنّ اليمين بالله لا تخلو إمَّا إن كانت فيها مؤاخذة أو لا، فإن كانت فيها مؤاخذة فلا تخلو إمّا إن كانت المؤاخذة دنياوية أو عقباوية. فالأولى المنعقدة والثّانية الغموس وإن لم يكن فيها مؤاخذة لا دنياوية ولا عقباوية فهي اللّغو. ثم ذكر في المغرب (٧) (الصّواب أن يقال: ثلاث أضرب وإن كانت الرّواية محفوظة فعلى تأويل الأقسام). وذكر في الإيضاح (٨) وهذه الأقسامُ الثلاثةُ التي ذكرها إنما تتأتّى في اليمين بالله.

стр. 2147

فأمّا الحلف بالطّلاق والعتاق وما أشبه ذلك فما يكون (على أمر في المستقبل) فهو كاليمين المعقودة، وما يكون على أمر في الماضي فلا يتحقق فيه اللّغو والغموس ولكن إذا كان يعلم خلاف ذلك أو لا يعلم فالطّلاق واقع، وكذلك الحلفُ بِنذرٍ؛ لأن هذا تَنجِيزٌ وتحقيق. وذكر في المبسوط (١) (أن اليمين على نوعين: نوع يعرفه أهل اللغة وهو ما يقصد به تعظيم المقسم به ويسمون ذلك قسمًا إلا أنّهم لا يخصون ذلك بالله. وفي الشّرع هذا النّوع من اليمين أي تعظيم المقسم به لا يكون إلا بالله تعالى، فهو المستحق للتّعظيم بذاته على وجه لا يجوز هتك حرمة اسمه بحال. والنّوع الآخر الشّرط والجزاء وهو يمين عند الفقهاء لما فيها من معنى اليمين وهو المنع أو الإيجاب. ولكن أهل اللغة لا يعرفون ذلك؛ لأنّه ليس فيه معنى التّعظيم. ثمّ بدأ الكتاب ببيان النّوع الأوّل فقال: الأيمان ثلاث (٢) ولم يرد به عدد الأيمان فإن ذلك أكثر من أن تحصى وإنما أراد أنّ اليمين بالله تنقسم في أحكامها ثلاثة أقسام. يمين تُكَفَّر ويمين لا تُكَفَّر (٣) (ويمين نرجو أن لا يُؤاخذ الله تعالى بها صاحبها) فأمّا التي تُكَفَّر فهي اليمين على أمر في المستقبل؛ لإيجاد فعل أو نفي فعل وهذا عقد مشروع أمر الله تعالى به في بيعة نُصرةِ الحقِ، وفي المظالم والخصومات (٤) وهي في وجوب الحفظ أربعة أنواع: نوع منها يجب إتمام البرّ فيها، وهو أن يعقد على فعل طاعة أمر به أو امتناع من معصية، وذلك فرض عليه قبل اليمين وباليمين يزداد وكادةً، ونوع لا يجوز حفظها وهو أن يحلف على ترك طاعة، أو فعل معصية؛ لقوله ﵇: «من حلف أن يطيع الله فليطعه ومن حلف أن يعصي الله فلا يعصه» (٥). ونوع يتخير فيه بين الحنث والبرّ، والحنث خير من البرّ فيُندبُ فيه الحِنثُ (٦) لقوله ﵇: «من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير وليكفّر يمينه» (٧) وأدنى موجبات الأمر النَّدب.

стр. 2148

[٤٢٠/ أ] ونوع يستوي فيه فعل البر والحنث في الإباحة فيتخيّر بينهما، وحفظ اليمين أولى لظاهر قوله تعالى: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (١)، وحفظ اليمين يكون بعد/ وجودها فعرفنا به أنّ المراد به حفظ البرّ، ومتى حنث في هذه اليمين فعليه الكفّارة). قوله: يمين الغموس ذكر في المغرب (وفي بعض النسخ أو يمين الفاجرة وهو خطأ لغة وسماعًا) (٢) يعني يجب أن يقال اليمين الغموس على وجه الصّفة والموصوف لا على وجه الإضافة؛ لأن إضافة الموصوف إلى صفة لا يجوز. وبما ذكر في المغرب يعرف خطأ من يقول إن قولهم يمين الغموس كقولهم علم الطّب؛ فإنّه لا خلاف لأحد في صحّة هذه الإضافة ولما أن الطّب ليس بصفة والغموس صفة فكيف تكون هذه الإضافة مثل تلك الإضافة. ثمّ ذكر في المغرب (وسميت غموسًا لأنّها تغمس صاحبها في الإثم ثمّ في النّار) (٣) وكان بخط شيخي ﵀ اليمين الغموس ويمين منعقدة كلاهما بلفظ الصّفة والموصوف، ويمين لغو بطريق الإضافة. (فالغموس هي الحلف على أمر ماضٍ) وذكر المضي ليس على الشّرط؛ فإنّها تكون في الحال أيضًا فإنّه ذكر في الإيضاح والتحفة (فهي اليمين على أمر في الماضي). (٤) (يتعمد الكذب فيه) والله ما فعلت كذا وهو يعلم خلاف ذلك أو اليمين على أمر في الحال نحو قوله: والله ما لهذا عَلىَّ دينٌ وهو يعلمُ خلافه. وفي التحّفة: (وفي الحال نحو قوله: والله إنّه عمرو مع علمه أنّه زيد ونحوه) (٥) وذكر في المبسوط (٦) (واليمين الغموس ليست بيمين على الحقيقة؛ لأن اليمين عقد مشروع، وهذه كبيرة محضة، والكبيرة ضد المشروع ولكن سمّاه يمينًا مجازًا؛ لأن ارتكاب هذه الكبيرة باستعمال صورة اليمين كما سمّى النبي ﵇ بيع الحر بيعًا مَجَازًا، لأن ارتكاب تلك الكبيرة باستعمال صورة البيع، ثم لا تنعقد هذه اليمين فيما هو حكمها في الدنيا عندنا ولكنّها توجب (التوبة والاستغفار). وعند الشّافعي ﵀ تنعقد موجبة للكفارة (٧) فمن أصله محلّ اليمين نفس الخبر وشرط انعقادها القصد الصّحيح، وعندنا محلّ اليمين خبر فيه رجاء الصّدق؛ لأنّها تنعقد موجبة للبرّ ثم الكفارة خَلَفٌ عنه عند فوات البرّ؛ فالخبر الذي لا يتصوّر فيه الصّدق لا يكون محلًا لليمين والعقد لا ينعقد بدون محلّه، وحجته قوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٨) فالله تعالى أثبت المؤاخذة في اليمين المكسوبة، والغموس بهذه الصفة؛ لأنها بالقلب مقصودة ثم فسر هذه المؤاخذة بالكفارة في قوله تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٩)، معناه بما قصدتم (١٠)؛ فالعقد هو القصد، ومنه سميت النيّة عقيدة، فأوجب الكفارة موصولة باليمين بقوله: (فَكَفَّارَتُهُ﴾ (١١) لأنّ الفاء للوصل وقال في آخر الآية: (ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (١٢)، والكفارة بنفس الحلف؛ إنّما تجب في الغموس.

стр. 2149

والمراد بقوله تعالى: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (١) الامتناع عن الحلف، وحجّتنا فيه قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٢)؛ فقد بيّن الله تعالى جزاء اليمين الغموس بالوعيد في الآخرة، فلو كانت الكفارة فيها واجبة لكان الأولى بيانها. وقال ﵇: «خمس من الكبائر لا كفارة فيهن» (٣) وذكر فيها اليمين الفاجرة، والمعنى فيه أنّها غير معقودة؛ لأنّ عقد اليمين (٤) للحظر أو للإيجاب، وذلك لا يتحقق في الماضي والخبر الذي ليس فيه توهم الصدق، والعقد لا ينعقد بدون محلّه، كالبيع لا ينعقد على ما ليس بمال؛ لخلوه عن موجب البيع، وهو تمليك المال؛ ولأن الغموس محظور محض فلا يصلح سببًا للكفّارة كالزنا والردّة؛ وهذا لأنّ المشروعات تنقسم ثلاثة أقسام: عبادة محضة وسببها مباح محض، وعقوبة محضة كالحدود وسببها محظور محض، وكفارات وهي تتردّد بين العبادة والعقوبة، فمن حيث إنها لا تَجِبُ إلاَّ جَزَاءً تُشبِهُ العُقُوبة، ومن حيث إنّه يُفتى بها ولا تتأدّى إلا بنيّة العبادة، وتتأدّى بما هو محض العبادة، كالصّوم تشبه العبادات، فينبغي أن يكون سببها متردّدًا بين الحظر والإباحة، وذلك المعقودة على أمر في المستقبل باعتبار تعظيم حرمة اسم الله تعالى باليمين مباح، وباعتبار هتك هذه الحرمة بالحنث محظور، ويصلح سببًا للكفارة. [٤٢٠/ ب] وأمّا الغموس فمحظور محض؛ لأنّ الكذب بدون الاستشهاد بالله محظور محض، فمع الاستشهاد بالله تعالى أولى، فلا يصلح سببًا للكفارة؛ ثم الكفارة تجب خلفًا عن البر الواجب باليمين؛ ولهذا لا يجب في المعقودة على أمر في المستقبل إلا بعد الحنث؛ لأن قبل الحنث ما هو الأصل قائم وهذا إنّما يتصوّر في خبر فيه توهم الصدق/ أنّه ينعقد موجباً للأصل ثم الكفارة خلفا عنه.

стр. 2150

ومعنى قوله: (ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (١) وحنثتم ومن أسباب الوجوب ما هو مضمر في الكتاب كما في قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢) معناه فأفطر فعدّة من أيّام أخَر، ثم إن الله تعالى أوجب الكفارة بعد عقد اليمين بقوله: (بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٣)، وإنما يتصوّر الانعقاد فيما يتصوّر فيه الحل؛ لأنّه ضدّه. قال القائل: خَطَرَاتُ الْهَوَى تَرُوحُ وَتَغْدُو … وَلِقَلْبِ الْمُحِبِّ حَلٌّ وَعَقْدُ (٤) ولا يتصوّر ذلك في الماضي، والمراد بقوله تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٥)، المؤاخذة بالوعيد في الآخرة؛ لأن دار الجزاء في الحقيقة الآخرة، فأمّا في الدنيا فقد يؤاخذ المطيع ابتلاءً، ويُنَعَّم العاصي استدراجًا، والمؤاخذة المطلقة محمولة على المؤاخذة في الآخرة). فلا تناط بها أي فلا تعلق الكفارة بالكبيرة، فإن قيل الظهار (٦) منكر من القول وزور والزور (٧) كبيرة ومع ذلك وجبت فيه الكفارة. قلنا: أنّ الكفارة تجب بالعود وهو الغرم على الوطئ لا بمجرّد الظّهار على ما مرّ، فإن قيل إذا أفطر الصّائم بالزّنا أو شرب الخمر تجب الكفّارة وهما كبيرتان. قلنا: الكفّارة هناك لا باعتبار أنّهما حرامان وكبيرتان؛ بل باعتبار الفطر في المشتهى حتّى إنّه لو زنا أو شرب الخمر ناسيًا لا يفسد صومه ولا يجب الكفارة ويجب الحدّ باعتبار أنهما في أنفُسِهما مباشرةُ كبيرةٍ، وأمّا اليمين الغموس فليست بيمين على الحقيقة؛ بل أطلق عليها اسم اليمين مجازًا، على ما ذكرنا فلا تجب الكفّارة.

стр. 2151

ولو كان فيها ذنب فهو متأخر أي لو كان في المعقودة ذنب وهو الحنث يهتك حرمة اسم الله تعالى فهو متأخّر عن وقت اليمين فيرفع اليمين إذا وجد. وأمّا الذّنب في الغموس وهو هتك حرمة اسم الله تعالى فمقارن فيمنعها عن الانعقاد فكانت اليمين في الغموس غير منعقدة؛ فلما كان كذلك لم يلزم عن وجوب الكفارة في المنعقدة وجوبها في الغموس؛ وهذه النكتة إشارة إلى ما ذكره في المبسوط (١) بقوله: (فلأنّه قارَنَها ما يَحلُّها ولو طرأ عليها رفعَها فإذا قارنها منع انعقادها كالردّة والرضاع في النكاح بخلاف مَسِّ السَّمَاءِ ونحوه؛ فإنّه لم يُقَارِنْهَا ما يَحِلُّهَا؛ لأنّها عُقِدَت على أمر في المستقبل فما يَحِلُّهَا انعدام الفعل في المستقبل، ولهذا يتوقت ملك اليمين بالتّوقيت). إلا أنّه علقّه بالرّجاء هذا جواب سؤال وذكر في المبسوط (٢) السؤال والجواب فقال: (فإن قيل: فما معنى تعليق محمّد ﵀ ففي المؤاخذة في هذا النّوع بالرجاء بقوله نرجو أن لا يؤخذ الله بها صاحبها، وعدم المؤاخذة في اليمين اللّغو منصوص وما عرف بالنّص فهو مقطوع به؟. قلنا: نعم ولكن صورة تلك اليمين مُختَلفٌ فيها؛ فإنّما علق بالرجاء نفي المؤاخذة في اللغو بالضّرورة التي ذكرها؛ وذلك غير معلوم بالنصّ، مع أنّه لم يرد بذلك اللّفظ التعليق بالرّجاء إنّما أراد به التّعظيم والتبرك بذكر اسم الله تعالى كما مر، "ثمة" (٣) رُوي أنّ النبي ﵇ كان إذا مرّ بالمقابر قال: «عليكم السلام ديار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» (٤) وما ذكر الاستثناء (٥) بمعنى الشك فإنّه كان يتيقّن بالموت قال الله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٦) ولكن معنى ذكر الاستثناء ما ذكرنا) للاختلاف في تفسيره.

стр. 2152

وما ذكر في الكتاب من تفسير اللغو مرويّ عن زرارة بن أبي أوفى (١)، وعن ابن عبّاس في إحدى الروايتين، وروي عن محمّد قال هو قول الرجل في كلامه لا والله وبلى والله وهو قريب من قول الشّافعي (٢) ﵀ فإن عنده اللغو ما يجري على اللّسان من غير قصد في الماضي كان أو في المستقبل، وهو إحدى الروايتين عن ابن عبّاس ﵄، (وعائشة ﵂ روت عن رسول الله ﵀ أنّه قال في تفسير اللغو: «لا والله وبلى والله» (٣). وتأويله عندنا فيما يكون خبرًا عن الماضي؛ فإن اللّغو ما يكون خاليًا عن الفائدة والخبر في الماضي خال عن فائدة اليمين على ما قرّرنا وكان لغواً، وأمّا في الخبر في المستقبل فعدم القصد لا يُعدم فائدة اليمين وقد ورد الشّرع بأنّ الهزل والجدّ/ في اليمين سواء) كذا في المبسوط (٤) الناسي في اليمين أن يذهب عن التلفظ باليمين، ثم يتذكر أنّه تلفظ بلفظ اليمين ناسيًا، بأن يقول لغيره ألا تأتينا فيقول بلى والله غير قاصد لليمين. [٤٢١/ أ] وفي بعض النسخ ذكر الخاطئ مكان النّاسي، وهو أن يريد أن يُسَبَّح فجرى على لسانه اليمين كذا في التقويم والشّافعي ﵀ (٥) يخالفنا في ذلك أي في المكره (٦) والنّاسي فيقول لا تجب الكفارة فيهما. ولو كانت الحكمة رفع الذنب، هذا جواب سؤال مقدّر وهو أن يقال الكفّارة شرعت لأجل ستر الذّنب؛ ولا ذنب في المجنون ينبغي أن لا تجب الكفّارة إذا أتى المحلوف عليه حالة الجنون؟.

стр. 2153

فأجاب عنه وقال: الحكم وهو وجوب الكفّارة دائر مع دليل الذّنب، وهو الحنث لا مع حقيقة الذنب كوجوب الاستبراء، دائر مع دليل شغل الرّحم وهو استحداث الملك لا مع حقيقة الشّغل، حتّى أنه يجب وإن لم يوجد الشغل أصلًا، بأن اشترى جارية بكراً أو اشتراها من امرأة، وهذا كثير النّظير. والله أعلم بالصواب. (باب ما يكون يمينًا وما لا يكون) لما ذكر ضروب الأيمان شرع في بيان ما يكون يمينًا من الألفاظ وما لا يكون يمينًا. (واليمين بالله (١) إلى قوله أو بصفة من صفاته التي يحلف بها كعزة الله) والله اعلم أنّ المراد من الصّفة ههنا على خلاف ما أريد به من الصّفة في اصطلاح أهل النّحو، فإنّ الصّفة عندهم هي: ما يمكن أن يوصف به غيره سواء فيما كان لمسماه جثة كراكب وجالس أو فيما ليس لمسماه جثة كمفهوم ومضمر، فإنّه يصح أن يقال: رجل راكب ومعنى مفهوم فعلى هذا لا يكون العزّة (والجلال والكبرياء) صفة عندهم حيث لا يقال: الله العزّة والجلال، وأمّا ههنا فالاسم عبارة عن لفظ دال على الذّات مع صفته كالرّحمن والرّحيم والعالم. والصّفة عبارة عن المصادر التي تحصل عن وصف الله تعالى بأسماء فاعلها كالرحمة والعلم والعزّة. ولأنّه يذكر ويراد به المعلوم يقال: اللهم اغفر لي علمك فينا أي معلومك. وذكر في المبسوط (٢) (فالعراقيون من مشايخنا يقولون الحلف بصفات الذّات كالقدرة والعظمة والعزّة والجلال والكبرياء يمين. والحلف بصفات الفعل كالرحمة والغضب لا يكون يمينًا، وقالوا: صفات الذّات ما لا يجوز أن يوصف بضدّه كالقدرة وصفات الفعل ما يجوز أن يوصف بضدّه، يقال رحم فلان فلانًا ولم يرحم فلانًا، وكذلك الغضب، وعلى هذا ينبغي أن يكون في القياس، وعلم الله يكون يمينًا؛ لأنه من صفات الذّات؛ فإنّه لا يوصف بضدّ العلم ولكنّهم تركوا هذا القياس؛ لأنّ العلم يذكر بمعنى المعلوم يقول الرّجل في دعائه اللّهم اغفر لنا علمك فينا أي معلومك ويقال علم أبي حنيفة أي معلومه. فإن قيل: وقد يقال أيضًا: انظروا إلى قدرة الله، والمراد منه المقدور ثم قوله: وقدرة الله يمين؟. قلنا: معنى قوله انظروا إلى قدرة الله: أي إلى أثر قدرة الله، ولكن بحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه؛ فإن القدرة لا تعاين؛ ولكن هذا الطّريق غير مرضي عندنا؛ لأنّهم يقصدون بهذا الفرق الإشارة إلى مذهبهم أن صفات الفعل غير الله والمذهب عندنا أن صفات الله لا هو ولا غيره فلا يستقيم الفرق بين صفات الفعل وصفات الذّات في حكم اليمين.

стр. 2154

ومنهم من تعلل فيقول: رحمة الله الجنّة قال الله تعالى (فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١)، وإذا كانت الرحمة بمعنى الجنة والسّخط والغضب بمعنى النّار يكون حلفاً بغير الله وهذا أيضاً غير مرضي عندنا فإنّ الرحمة والغضب صفة الله تعالى. والأصحّ أن يقول: الأيمان مبنية على العرف والعادة فما تعارف النّاس الحلف به يكون يمينًا وإلا فلا، والحلف بقدرة الله وكبريائه وعظمته متعارف وبرحمته وغضبه غير متعارف ولهذا (لم يجعل قوله وعلم الله يمينًا)؛ لأن الحلف بها غير متعارف [٤٢١/ ب] ولهذا قال محمّد ﵀: وأمانة الله أنّه يمين ثم لما سئل عن معناه قال: لا أدري. فكأنه وجد العرب يحلفون بأمانة الله عادة، فجعله يمينًا، وفيه خلاف الطّحاوي (٢) ﵀ فوجه رواية الأصل أنّه يتعذّر الإشارة إلى شيء بعينه على الخصوص أنّه أمانة، والحلف به متعارف فعلمنا أنّهم يريدون به الصّفة فكأنّه قال والله الأمين) / (ومن حلف بغير الله لم يكن حالفًا) إلى قوله فليحلف بالله أو ليذر. فإن قلت: قد أقسم الله تعالى بغير ذاته وصفاته كقوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (٣) وقال (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ (٤) وقال: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ (٥) وغيرها من الآيات فهذا يؤذن على جواز أن يقسم بغير اسم الله وصفاته لما ذكرت أن اقسامه إذن بالإقسام، وذلك لأن ما عظمه الله تعالى فهو واجب التّعظيم، وفي الإقسام بالشّيء تعظيم للمقيم فلا يبعد أن يكون للعبد ولاية تعظيم ما عظمه الله تعالى بالقسم كالله تعالى فكيف جاء النّهي عنه؟ قلت: لا يصحّ هذا القياس؛ لأنّ لله تعالى ولاية الإيجاد والإعدام والأمر والنّهي والتّعظيم والتّحفيز فلما نهى الله تعالى عبده عن الحلف بغيره، لم يبق للعبد ولاية أن يحلف بغيره فإن الله تعالى مفترض الطّاعة واحترام اسمه فرض لا زوال له واحترام غيره مما له زوال؛ فإن حرمته لم يكن لذاته فمن الجائز إن زالت حرمته أو إن لم يزل لكن العبد لا يدري بأي وجه يجوز التّعظيم، فلما نهى الله تعالى العبد عن تعظيم غيره بوجه الإقسام، يجب على العبد أن ينتهي. وأمّا الله تعالى فله ولاية أن يثبت الحرمة لمن شاء بما شاء إلى أي وقت شاء وليس للعبد ذلك، وأمّا ما اعتاد النّاس من الحلف بجان سرتو فإن اعتقد أنّه حلف واعتقد أن البر به واجب يكفر. كذا في محاسن الشّرائع (٦) وذكر في تتمة الفتاوى قال علي الرازي (٧) ﵀: أخاف على من قال بحياتي وحياتك وما أشبه ذلك؛ أنّه يكفر. ولولا أن العامة يقولون ولا يعلمونه لقلت: أنّه شرك؛ لأنّه لا يمين إلا بالله، وإنّما جعل الله تعالى اليمين بالله ليرعوي الرجل؛ أي ليمتنع الرجل إذا ذكر الله فلا يحلف هو وإذا حلف بغير الله فكأنه أشرك معه، وقال ابن مسعود ﵁: «لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغير الله صادقًا» (٨).

стр. 2155

حروف القسم: الواو كقوله تعالى: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (١) والباء كقوله تعالى: (بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) والتاء كقوله تعالى: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (٣). (وقد يضمر الحرف) إلى أن قال: لأن حذف الحرف إلى آخره (٤). ذكر لفظ الإضمار في الرواية ولفظ الحذف في التعليل بطريق المسامحة لما أن بينهما فرقًا. فإن المضمر هو ما يبقى أثره نحو قوله تعالى: (انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ (٥) أي يكن الانتهاء خيرًا، وقال: لهم إن خيرًا فخير، والمحذوف وهو ما لا يبقى أثره كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٦). ثم قيل ينصب وهو مذهب أهل البصرة. وقيل يخفض وهو مذهب أهل الكوفة كذا في المبسوط (٧) هذا مستقيم، ولكن تعليله بانتزاع الخافض في النّصب وللدلالة على الكسرة في الجر ليس بمستقيم على ما عليه أهل النّحو، بل النصب لإيصال فعل احلف أو اقسم المقسم به عند حذف حرف الجرّ، فكان انتصابه على أنّه مفعول به وأمّا الجر فلإضمار حرف الجر، والعامل يعمل عمله عند الإضمار، بخلاف الحذف على ما ذكرنا. وذكر في فتاوى قاضي خان ﵀ (٨): (ولو قال بالله لا أفعل كذا، وسكن الهاء أو نصبها أو رفعها يكون يمينًا؛ لأنّه ذكر اسم الله تعالى بحرف القسم، والخطأ في الإعراب لا يمنع صحّة القسم)؛ لأنّ الباء تبدل بها أي باللام. والمنكر يراد به تحقيق الوعد فصار كأنّه قال افعل هذا لا محالة؛ وأمّا وَالحَقِّ بحرف التعريف بأن قال والحَقِّ لا أفعل كذا فهو يمين بلا خلاف. [٤٢٢/ أ] (كقوله والله) قال تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ﴾ (٩) (ولو قال: اقسم أو أقسم بالله إلى قوله فهو حالف) فإن قلت: اليمين هي ما كان حاملًا على فعل شيء، أو تركه موجبًا للبر، وعند فواته موجبًا للكفارة على وجه الخلافة عن البر، ثم قوله: أقسم ههنا لا يكون موجبًا من البر شيئًا بمجرّده؛ لأنّه لم يعقد يمينه على فعل شيء أو تركه، فكيف يكون هو يمينًا؟ ولأن الكفّارة إنّما تكون لستر الذّنب الذي وقع فيه بسبب هتك حرمة اسم الله تعالى، وليس في أقسم مجردًا هتك اسم الله تعالى فكيف يكون هو موجب للكفارة؟ ولأنّ قوله اقسم صيغة فعل مضارع فكما تكون هي للحال كذلك يكون للاستقبال فلو وجب الكفارة من حيث/ إنّها للحال فلا يجب من حيث إنّها للاستقبال، ولم تكن واجبة قبل هذا فلا يجب بالشّك خصوصاً في حق الكفّارة، فإنّها ملحقة بالحدود، حتّى إنّها إذا اجتمعت تداخلت كالحدود، قلت: الحق قوله أقسم بقوله على يمين فإنّ ذلك موجب للكفارة وذكره في الذّخيرة وغيرها فقال: ولو قال علىَّ يمين أو يمين الله فهو يمين وفي المنتقى (١٠) إذا قال عليّ يمين.

стр. 2156

قال: لا كفارة لها هذا قول القائل بقوله علىَّ يمين، أي تجب عليه الكفارة بقوله عليَّ يمين وإن نفى الكفّارة صريحًا بقوله؛ لأن قوله َّعلى يمين لما كان موجبًا للكفارة لا يفيد قوله: لا كفارة، أمّا بعد ذلك (١) يريد به الإيجاب فعليه يمين لها كفارة؛ وإنّما كان كذلك؛ لأن كله علىَّ للإيجاب، فلما كان كذلك كان هذا إقرارًا عن موجب اليمين، فموجب اليمين البر إن أمكن وإلا فالكفارة حلف عنه ولم يمكن تحقيق البر ههنا؛ لأنّه لم يعقد يمينه على فعل شيء، أو تركه فكان إقرارًا عن موجب موجب اليمين، وهو الكفّارة على وجه الخلافة، وبالإقرار تجب الحدود، فكذا الكفارة وكذلك في قوله عليَّ نذر، ففيه كفّارة يمين على ما يجيء بعد هذا، فلما كان كذلك في قوله عليَّ يمين. وفي قوله: عليَّ نذر كان في قوله: أقسم عند قران البينة بالقسم كذلك لما أن أصله الحال في استعمال الفقهاء، حتّى جعل في الشّرع قول المرأة أختار نفسي عند التخيير بمنزلة اخترت، وكذلك قول الموحد: أشهد أن لا إله إلا الله وقول الذي يشهد عند مجلس القضاء بقوله أشهد. وحاصل ذلك أنّ قوله: أقسم لما كان عبارة عن الإقرار بوجوب الكفّارة بهذا التقرير الذي ذكرنا، خرج الجواب عن جميع السؤالات، فإنّه لما كان عبارة عن الإقرار بوجوب الكفارة، لم يحتج إلى وجوب البرّ ابتداء؛ ولا إلى تصوير هتك اسم الله تعالى ولا إلى جعل تلك الصيغة للاستقبال، ثم عندنا لا يتفاوت بين أن يقول: أقسم وبين أن يقول أقسم بالله فكلّ واحد منهما موجب للكفّارة. وقال زفر ﵀ بالفرق بينهما فأوجب اليمين والكفارة عند قران اسم الله تعالى ولم يوجب عند عدم قرانه، فكذلك قوله أحلف وأشهد عندنا يكون يمينًا بدون أن يقرن به اسم الله تعالى وعند زفر ﵀ لا يكون يمينًا بدون ذكر اسم الله. أمّا قوله: أقسم فقال زفر ﵀: لا يكون يمينًا؛ لأنّ هذا وعد بأن يقسم بهذا اللّفظ، وأنّا نقول هذا اللّفظ عند القِران به ذكر اسم الله تعالى أو عند عدم القِران به يكون يمينًا فيستدل فيه بقوله تعالى: (إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾ (٢) والاستثناء يكون في اليمين، وقال تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (٣) وكذلك أحلف أو أحلف بالله (قال الله تعالى: (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ (٤) وقال (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ (٥)، فدلّ أنّ كلّ واحد منهما يمين سواء ذكر قوله بالله أو اطلق؛ لأن الحلف في الظّاهر يكون بالله وكذلك قوله: أشهدا وأشهد بالله كلّ واحد منهما يمينٌ قال الله تعالى: (قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ (٦) إلى قوله: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ (٧) فقد سمّى شهادتهم يمينًا وقال (أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٨) واللّعان يمين قال ﵇: «لولا الأيمان التي سبقت لكان لي ولها شأن» (٩). (ولأنّ قول الشاهد بين يدي القاضي أشهد في معنى اليمين، ولهذا عظم الوزر في شهادة الزّور؛ لأنّها بمعنى اليمين الغموس) كذا في المبسوط. (١٠)

стр. 2157

ولهذا قيل لا يحتاج إلى النيّة وذكر اشتراط النيّة في الإيضاح فقال فإذا قال أقسم كان يمينًا؛ لأنّ هذه اللّفظة تستعمل للتحقيق وللإيجاب، كما تستعمل للإخبار عن المستقبل كما في كلمة الشّهادة يجعل إخبارًا عن الحال فإذا نوى اليمين فقد جعله إيجابًا. وقيل: لابدّ منها، أي لابدّ من النيّة فيما إذا أطلق قوله أقسم وغيره عن ذكر اسم الله تعالى. لاحتمالِ العدةِ واليمينِ لغيرِ الله بكسر اليمين بالعطف على الاحتمال أي اشتراط النيّة معلّل بعلّتين هاتين، ولو قال: "سوكند خورم" (١) قيل لا يكون يمينًا. وفي الذّخيرة ولو قال: "مي خورم أو خورمي" (٢) يكون يمينًا وقيل "سوكند خورم" يمين أيضًا، مذكور في فتاوى النّسفي (٣) ولو قال: "كند خورده ام" إن كان صادقًا كان يمينًا وإن كان كاذبًا فلا شيء/ عليه، ولو قال "مرا سوكند بطلاق است كه شراب بخورم" فشرب طلقت امرأته. [٤٢٢/ ب] وإن لم يكن حلف ولكن قال قلت لدفع تعرضهم لا يصدق قضاء، ولو قال "مراسو كند خانه است كه شراب بخورم" فشرب طلقت امرأته. (وكذا قوله: لعمر الله) أي فهو يمين أيضًا، وهو معطوف على أصل المسألة وهو قوله: (قال أقسم) إلى آخره. وذكر في المغرب (العمر بالضم والفتح البقاء إلا أن الفتح غلب في القسم لا يجوز فيه الضّم) (٤). وفي المبسوط (لعمر الله يمين باعتبار المعنى قال الله تعالى: (لَعَمْرُكَ﴾ (٥) والعمر هو البقاء والبقاء من صفات الذّات فكأنه قال والله الباقي. معناه أيمن (٦) الله وهو جمع يمين وهذا مذهب نحوي الكوفة.

стр. 2158

وقيل: معناه والله وأيم صلة أي قوله وأيم صلة وهو قول البصريين) كذا في المبسوط (١). وجعل في المفصّل حذف نون أيمن وحذف همزته في الدارج من التّخفيف في القسم ففيه دليل على أن همزته عنده فهمزة قطع كما هو مذهب الفرّاء (٢) فإنّه يزعم أنّه جمع يمين فهمزته همزة أفعل الذي للجمع وهي همزة قطع فإذا وصلت كان ذلك لأجل التّخفيف في القسم. وذهب سيبويه (٣) إلى أنّها كلمة اشتقت من اليمين ساكنة الأول فاجتلبت الهمزة للنطق بالسّاكن كما اجتلبت في ابن وأشباهه فعلى هذا المذهب لا يكون الهمزة مخففة في الوصل لأجل القسم كذا في الإقليد. وكذا إذا قال: علىَّ نذر أو نذر الله. اعلمْ أن ههنا أربع مسائل: الأولى: أن ينذر نذرًا مطلقًا بأن (يقول لله عليَّ نذر أو نذر الله) فحسب فعليه كفارة يمين وهذا التزام لكفارة اليمين ابتداء بهذه العبارة. قال ﵇: «من نذر نذرًا ولم يسم فعليه كفارة يمين» (٤).

стр. 2159

والثّانية: أن يقول [لله عليَّ صوم يوم الجمعة أو قال عليَّ نذر صوم يوم الجمعة] فعليه الوفاء به وهو الذي ذكر بعد هذا بقوله ومن نذر نذرًا مطلقًا فهو مطلق من حيث إنّه لم يعلقه بشرط، يعني لم يقل إذا جاء فلان أو إن شفى الله مرضي فلله عليّ صوم يوم الجمعة أو نذر صوم يوم الجمعة. والثّالثة: إذا علّق نذره بشرط كما ذكرنا فعليه الوفاء بما سمّى. والرابعة: أن يقول عليَّ نذر أن لا أفعل كذا أو عليَّ نذرًا لله أن لا أفعل كذا فهذا ينعقد يمينًا، وموجبه موجب اليمين، كذا ذكره الإمام بدر الدين الكردري (١)، ﵀ ونذكر تمامه فيما بعد إن شاء الله تعالى (وإن قال إن فعلت كذا فهو يهودي) إلى آخره. ثم هل يكفر بهذه اليمين أم لا؟ فقال في المبسوط (٢): (وقد روي عن محمّد ﵀ إذا قال هو يهودي إن فعل كذا هو نصراني إن فعل كذا هما يمينان، وإن قال هو يهودي هو نصراني إن فعل كذا فهو يمين واحدة؛ لأنّ في الأوّل كل واحد من اللّفظين تام يذكر الشّرط والجزاء، وفي الثاني كلام واحد حين ذكر الشّرط مرة واحدة. ولو حلف على أمر في الماضي بهذا اللّفظ، فإن كان عنده أنّه صادق فلا شيء عليه، وإن كان يعلم أنّه كاذب فكان محمّد بن مقاتل (٣) يقول يكفر؛ لأنّه علق الكفر بما هو موجود والتّعليق بالوجود تنجيز فكأنّه قال هو كافر. وعن أبي يوسف ﵀ أنّه لا يكفر اعتبارًا للماضي بالمستقبل ففي المستقبل هذا اللّفظ يمين يكفّرها كاليمين بالله، وفي الماضي هي بمنزلة الغموس أيضًا والصّحيح أنّه إن كان الرجل عالمًا يعرف أنّه يمين فإنّه لا يكفر به في الماضي والمستقبل. [٤٢٣/ أ] وإن كان جاهلًا أو عنده أنه يكفر بالحلف يكفر في الماضي والمستقبل؛ لأنّه لما أقدم على ذلك الفعل، وعنده أنّه يكفر قد رضي بالكفر، وقد أمكن القول بوجوبه أي بوجوب الامتناع. كما نقول في تحريم الحلال، فإنّه موجب للكفارة عندنا، وعند الشّافعي (٤) ﵀ لا يكون يمينًا إلا في النساء والجواري (٥)، ثم وجه تشبيه يمين أنّه إن فعله يهوديّ بتحريم الحلال. (أن معنى اليمين في تحريم الحلال يتحقّق بالقصد إلى المنع أو الإيجاب؛ لأنّ المؤمن يكون ممتنعًا عن تحريم الحلال، فإذا فعل ذلك بيمينه علامة فعله عرفنا أنّه قصد منع نفسه من ذلك الفعل، فكذا في قوله هو كافر إن فعل كذا لأنّ حرمة الكفر حرمة تامة مصمتة كحرمة هتك لحرمة اسم الله تعالى، فإذا جعل فعله علامة/ لذلك كان يمينًا) كذا في المبسوط. (٦)

стр. 2160

لأنّ حرمة هذه الأشياء تحتمل الفسخ والتّبديل، أمّا الزنا والسّرقة (١)، فإنّهما لا يحتملان النّسخ (٢) ولكن ذلك الفعل المقصود بالزّنا وذلك العين المقصود بالسّرقة بعينه جاز أن يكون حلالًا له بوجه النكاح، وملك اليمين، فسمّى احتمال انقلابهما من الحرمة إلى الحلّ بالسّبب الشّرعي نسخًا وتبديلًا، وأمّا الخمر والربا (٣) فيحتمل النّسخ، أما الخمر فظاهر، فإنّها كانت حلالًا ثمّ انتسخ. وأمّا الربا فيحتمل النّسخ في نفسه وإن لم يرد النّسخ في حقّه. ألا ترى أنّه يحل في دار الحرب؟ فإذا كان كذلك لم يكن حرمة هذه الأشياء في معنى حرمة اسم الله تعالى؛ لأن حرمته لا تحلّ في حال فلا يتحقّق اليمين بذكر هذه الأشياء، أو نقول: أنّه لا يكون زانياً ولا سارقًا بمجرّد قوله: (أنا زان أو سارق) فيما بَيَنَهُ وبَين الله تعالى، بدون الاتصال بالفعل بخلاف قوله: أنا يهودي أو نصراني، والأصحّ في التّعليل هو أن الحلف بهذه الأشياء من الزنا والسرقة غير متعارف فلا يكون يمينًا بخلاف قوله: (هو يهودي). وذكر في الذّخيرة: والحاصل أن كل شيء هو حرام حرمة مؤبّدة بحيث لا يسقط حرمته بحال من الأحوال؛ كالكفر وأشباهه فاستحلاله معلّقاً بالشّرط يكون يمينًا، وكلّ شيء هو حرام بحيث تسقط حرمته بحال؛ كالميتة والخمر وأشباهها ذلك فاستحلاله معلّق بالشّرط لا يكون يمينًا. والله أعلم بالصواب (٤).

стр. 2161

فصل في الكفارة (١) لَّما ذكر المُوجِبِ (٢) شَرع في بَيَانِ المُوجَبِ، وهو الكفارة لكن هو موجب اليمين عند الانقلاب؛ لأنّ اليمين لم تشرع للكفارة بل قد تنقلب موجبةً لها عند انتقاضها بالحنث. وقال الشّافعي ﵀: يخيّر لإطلاق النّص (٣) فإن قلت: هو لا يعمل بالمطلق عند ورود النّصين من المطلق والمقيّد، بل يحمل المطلق على المقيّد فكيف لم يحمل ههنا مع ورود القرائن مطلقًا ومقيّدًا؟ قلت: فإنّه يقول اتجه ههنا أصلان متعارضان: أحدهما: مقيّد بقيد التفرّق وهو صوم المتعة في الحج. والثّاني: مقيد بقيد التتابع وهو صوم كفارة القتل والظّهار فلم يمكن لي إلحاق هذا المطلق بأحد المقيدين بعينه لئلا يترك النص المقيّد بالآخر، الذي معارضه فعملت بالمطلق على إطلاقه لذلك وقلنا: (صوم المتعة غير مقيد بالتّفرق، ولكن لا يجوز قبل يوم النّحر؛ لأنّه مضاف إلى وقت الرجوع بحرف إذا في قوله تعالى: (وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٤) فلم يصح تعليله بالتفرّق) إلى هذا أشار في المبسوط (٥). ولنا (٦) قراءة ابن مسعود ﵁ (فصيام ثلاثة أيّام متتابعات) وهي كالخبر المشهور (٧). وفي المبسوط (٨) ولكنا (نوجب صفة التّتابع بقراءة ابن مسعود ﵁ فصيام ثلاثة أيّام متتابعات، ثم قال: فيحتاج إلى الفرق بين هذا وبين صدقة الفطر فقد ورد هناك حديثان:

стр. 2162

أحدهما قوله ﵇: «أدّوا عن كلّ حر وعبد» (١). والثّاني قوله ﵇: «أدّوا عن كلّ حر وعبد من المسلمين» (٢) ثم لم يحمل المطلق على المقيّد هناك حتّى أوجبنا صدقة الفطر عن العبد الكافر، وهذا لأنّ المطلق والمقيّد هناك في السّبب ولا منافاة بين الشيئين، فالتّقييد في أحد الحديثين لا يمنع بقاء حكم الإطلاق في الحديث الآخر بناء على أصلنا أنّ التعليق بالشّرط لا يقتضي ففي الحكم عند عدم الشرط وههنا المطلق والمقيّد في الحكم وهو الصّوم الواجب كفارة وبين التّتابع والتفرّق منافاة في حكم واحد فمن ضرورة ثبوت صفة التّتابع بقراءة ابن مسعود ﵁ أن لا يبقى مطلقًا). ثم المذكور في الكتاب في بيان أدنى الكسوة (٣) وهو قوله في أوّل الفصل: وأدناه ما يجوز فيه الصّلاة وهو كالسّراويل وهو مروي عن محمّد ﵀. وفي رواية أخرى عنه أنّه قال إن أعطى المرأة لا يجوز وإن أعطى الرجل يجوز؛ لأن المعتبر رد العري بقدر ما تجوز به الصّلاة؛ لأنّ ستر العورة فرض لا يجوز الصّلاة بدونه، أمّا ما زاد عليه فَضلٌ يَصِيرُ للتجمل أو للتدفؤ فلا يؤخذ عليه في الكسوة كما لا يُؤَاخَذُ عليه الإدام (٤) في الطّعام. [٤٢٣/ ب] إذا ثبت هذا فنقول/ إذا أعطى الرجل سراويل فقد أعطاه ما يستر به عورته فإذا أعطاه المرأة فلم يعطها ما تستر به عورتها كذا في الذّخيرة (٥). لكن ما لا يجزيه عن الكسوة يجزيه عن الطّعام. فإنّه لو أعطى كلّ مسكين نصف ثوب لم يجزه من الكسوة؛ لأن الاكتساء به لا يحصل ولكنّه يجزيه من الطّعام (٦) إذا كان نصف ثوب يساوي نصف صاع (٧) من حنطة وكذلك لو أعطى عشرة مساكين ثوبًا بينهم وهو ثوب كثير القيمة نصيب كل مسكين منهم أكثر من قيمة ثوب لَمْ يُجْزِهِ من الكسوة؛ لأنه لا يكتسى به كلّ واحد منهم ولكن يجزيه من الطّعام) كذا في المبسوط (٨).

стр. 2163

فإن قلت: مثل هذا لا يصحّ في صدقة الفطر، فكيف صح ههنا؛ وهو أن كلّ واحد من الكسوة والطّعام منصوص عليه، وما كان منصوصاً عليه في باب لا يصلح بدلاً في ذلك الباب عن غيره، كالثّمر مع الحنطة (١) في صدقة الفطر فإنّه لو أدّى نصف صاع من تمر يبلغ قيمته قيمة نصف صاع من حنطة لا يجوز لما قلنا، وقد ذكرناه في صدقة الفطر؟ قلت: نعم كذلك، إلا أنّ أصحابنا ﵏ فرقوا بين الكسوة والطّعام وبين التّمر والحنطة فقالوا: إن الطّعام مع الكسوة شيئان مختلفان صورةً وهذا ظاهر ومعنى؛ لأنّ المطلوب من الكسوة في الكفارة ردّ العري، والمطلوب من الطّعام ردّ الجوع، فجاز أن يكون أحدهما بدلاً عن الآخر باعتبار القيمة كالدّراهم مع الطّعام، أما الثّمر مع الحنطة إن كانا شيئين صورة واحد معنى، لأنّ المقصود فيهما واحد وهو ردّ الجوع، فاعتبار الصورة إن كان يجوز أن يكون أحدهما بدلًا عن الآخر، كما في الدّراهم فاعتبار المعنى يمنع لأنّ الشّيء الواحد لا يتصور أن يكون بدلًا وأصلًا. ثم هل يشترط النيّة؟ ذكر شيخ الإسلام ﵀ في ظاهر الرواية يجزيه نوى أن يكون بدلًا عن الطّعام أو لم ينو، وعن أبي يوسف ﵀ إذا نوى أن يكون بدلًا عن الطّعام يجزيه عن الطّعام وإن لم ينوه لا يجزيه، وقال زفر ﵀: لا يجزيه نوى أو لم ينو كذا في الذّخيرة (٢). لأنّه أداها بعد السّبب؛ لأنّها تضاف إلى اليمين والواجبات تضاف إلى أسبابها حقيقة. ومن قال: علَّيَ يمينٌ تلزمه الكفارة باعتبار أن التزام السّبب يكون كناية عن الواجب به، (وحجّتنا في ذلك قوله ﷺ لعبد الرّحمن بن سمرة ﵁ (٣): «لا تسأل الإمارة فإنّك لو أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطّيتها عن غير مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين ورأيت غيرها خيراً منها فائت بالذي هو خير وكفِّر يمينك» (٤) وما رواه الشّافعي ﵀ محمول على التّقديم والتّأخير بدليل ما روينا وهذا المعنيين:

стр. 2164

أحدهما: أنّ الأمر يفيد الوجوب حقيقة، ولا وجوب قبل الحنث بالاتّفاق. والثّاني: أنّ قوله فليكفر أمر بمطلق التّكفير، ولا يجوز مطلق التكفير إلا بعد الحنث، وأما قبل الحنث عنده فيجوز بالمال دون الصّوم، وليس هذا من باب التخصيص؛ لأن ما يكفر به ليس في لفظه، والتّخصيص في الملفوظ الذي له عموم دون ما ثبت بطريق الاقتضاء، والمعنى فيه أن مجرّد اليمين ليس بسبب لوجوب الكفارة؛ لأن أدنى حد درجات (١) السّبب أن يكون مؤدّيًا إلى الحكم طريقًا له، واليمينُ مانعةٌ من الحنث مُحَرِّمَةٌ له، فكيف تكون موجبةً لما يجب بعد الحنث؛ ولأن الكفّارة لا تجبُ إلا بعد ارتفاع اليمين، فإن بالحِنثِ اليَمِينُ يرتَفِعُ، وما يكون سببًا للشيء فالوُجُوُبُ يَوقَفُ على تَقَرُّرِهِ لا على ارتفاعهِ، والدّليل عليه أن اليمين ليست بسبب للتكفير بالصّوم حتّى لا يجوز أداؤه قبل الحنث، وبعد وجود السّبب الأداء جائز بدنيًا كان أو ماليًا. ألا ترى أنّ صوم المسافر في رمضان يجوز لوجود السّبب، وإن كان الأداء متأخرا إلى أن يدرك عدّة من أيّام أخر؟ وإضافة الكفّارة إلى اليمين؛ لأنّها تجب بحنث بعد اليمين كما تضاف الكفّارة إلى الصّوم والإحرام بهذا الطريق؛ ولئن سلّمنا أن اليمين سبب؛ فالكفارة إنما تجب خَلَفًا عن البر الواجب باليمين؛ ليصير عند أدائها كأنّه تم على برّة، ولا معتبر بالخلف في حال بقاء الأصل. [٤٢٤/ أ] وقبل الحنث ما هو الأصل باق وهو البر فلا تكون الكفارة خَلفًا كما لا يكون التيمم طهارة مع القدرة/ على الماء، يُقَرِّرُهُ أن الكفَّارةَ توبةٌ، كما قال الله تعالى في كفارة القتل: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (٢) والتّوبة قبل الذنب لا تكون، وهو في عقدِ اليمينِ يُعَظِّمُ حُرمَةَ اسم الله تعالى، وإنّما الذنب في هتك حرمة (٣) اسم الله بالحنث؛ فالتكفير قبل الحنث بمنزلة الطّهارة قبل الحدث، بخلاف كفّارة القتل فإنه جَزَاءُ جِنايَتِهِ، وجِنَايَتُهُ في الجَرحِ إذ لا صُنع له في زُهُوقِ الرُّوحِ.

стр. 2165

وبخلاف الزّكاة، فإنّه شكر للنّعمة، والنّعمة هي المال دون مضي الحول، فكان حولان الحول "باختلافه" (١) تأجيلًا فيه، والتأجِيلُ لا ينفي الوُجُوبَ، فكيف يَنفي تَقَرُّرَ السَّبَبِ؟) كذا في المبسوط (٢). لقوله ﵇: «من حلف على يمين» (٣) أي المقسم عليه وهو الفعل أو تركه واليمين مركبة من يقسم به وهو الله ومن يقسم عليه وهو (ليقتلن فلاناً) مثلاً فذكر ههنا الكل وأراد به البعض، أو أراد باليمين محلّه، وهو القتل وغيره فكان من قبيل إطلاق اسم الحال على المحل. وهذا كقوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلُوا عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (٤) أي حاجزًا لما حلفتم عليه وسمّى المحلوف عليه يمينًا لتلبّسه باليمين كما قال النبي ﵇ لعبد الرحمن بن سمرة: «إذا حلفت على يمين» (٥) الحديث. أي على شيء مما يحلف عليه. (وقوله تعالى: (أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٦) عطف بيان لأيمانكم؛ أي للأمور المحلوف عليها التي هي البرّ والتّقوى والإصلاح بين النّاس) كذا في الكشاف (٧). فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر يمينه، وهما رواه الشّافعي فليكفر يمينه ثم ليأت بالذي هو خير، وقد ذكرنا قبيل هذا آنفًا أن ما روينا أولى لوجهين وقد ذكرناهما؛ ولأن فيما قلناه وهو تعقيب الكفارة عن الحنث؛ ولأن فيما قلناه وهو الإتيان بالكفارة بعد الحنث تفويت البر إلى جابر، وهو الكفارة لما أن الجابريقتضي سبق خلل المجبور، وهو خلل اليمين بالحنث فيما قلنا فَتَصلُحُ الكفارةُ جابرة، ولا جابر للمعصية في ضده الهاء راجعة إلى الموصول مع صلته وهو ما قلناه في قوله فيما قلناه أي لا جابر لمعصية الحنث فيما قاله الشّافعي ﵀ لأن الحنث لما تأخر عن الكفارة لم تصلح الكفارة السّابقة جابرة لذلك الحنث؛ لأن الجابر لا يتقدم. وعن هذا المعنى أخَّرَ سجدتا السّهو عن مقام السّهو إلى آخر الصّلاة مع أنّ العلّة يقتضي اتصال المعلول بها وجوباً وفعلًا؛ لما أنّه لو أتى بسجدتي السّهو حال سهوه ثمّ لو وقع سهو آخر بعده هل يسجد له أم لا؟ فإن سجد كان آتيًا بسجدتي السّهو مكررة وهو غير مشروع وإن لم يأت بهما بقي نقصان بلا جابر وهو أيضاً غير مشروع فصحّ ما ذكره شمس الأئمة السّرخسي ﵀ في المبسوط (٨) بقوله: (فالتكفير قبل الحنث بمنزلة الطهارة قبل الحدث) فإنّه إذا تطهر وهو متوضئ ثم أحدث لا يجدي له الطّهارة المتقدّمة على الحدث في حق جواز الصّلاة وغيره؛ فكذلك ههنا.

стр. 2166

(ومن حرم على نفسه شيئاً مما يملكه) بأن قال: حَّرمت علىَّ ثوبي هذا! أو طعامي هذا! (لم يصر محرمًا) أي بعينه (وعليه إن استباحه) بأن لبس ذلك الثوب أو أكل ذلك الطّعام (كفارة يمين). وبما ذكرنا من التّأويل بأنّه لم يصر مُحرمًا لعينه خرج الجواب عمّا يرد شبهة بأن قيل: كيف قال وإن استأجر أي عمل فيه معاملة المباح (١) وقد ذكر قبله لم يصر محرمًا ولما لم يصر محرمًا لم يصح فيه لفظ الاستباحة، ولا وجوب الكفارة، ولفظ الاستباحة؛ إنّما يذكر عند تناول الحرام (٢) وكذلك وجوب الكفارة؛ إنّما يكون عند ارتكاب الحرام من وجه؟ قلنا: إنّه لم يصر مُحرمًا لعينه؛ أما هو صار محرمًا لغيره وهو اليمين الثّابت في قوله: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ (٣)، ومثل هذا يتحقق في جميع اليمين المنعقدة على المباح وعلى الطّاعة، بأن قال والله لا يذكر اسم الله فذكر اسم الله ليس بحرام لعينه؛ بل هو طاعة لكن صار حرامًا من حيث تضمنه هتك حرمة اسم الله تعالى، فكان فعله حرامًا لغيره؛ وهو في نفسه طاعة. فإن قلت: في تحريم الحلال لم يتحقّق شيء من ماهية اليمين، ولا يكون يمينًا، ولا يجب فيه ما يجب في اليمين؛ وذلك لأنّ اليمين منحصرة في نوعين ولا ثالث لهما وهما: إما يعظم المقسم به، وهو عند ذكر اسم الله تعالى، أو وقوع ما علقه وهو عند ذكر الشرط والجزاء، وليس في صورة تحريم الحلال التي ذكرناها شيء منهما فلا يكون يمينًا؛ ولأنّه لا ولاية للعبد في تحريم ما حلله الله تعالى؛ فيبطل من حيث يوجد؛ لأنّه لو اعتقد حرامًا للحلال الذي ثبت حله بالدّليل القطعي يكفر. [٤٢٤/ ب] قلتُ: نعم كذلك إلا أن كلّ معقول/ يتضاءل (٤) عند ظهور النصوص السمعيّة (٥) ويضمحلّ (٦) كل قياس عند بروز أصل الحُجَجَ الشرعية (٧)؛ وهو أنّ الله تعالى قال: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٨) قيل إن النبي ﵇ حرّم العسل على نفسه.

стр. 2167

وقيل حرم مارية (١) فيعمل بهما ولما ثبت بهذه الآية أن التحريم المضاف إلى الجواري يكون يمينًا بالاتّفاق، كذلك المضاف إلى سائر المباحات. وعند الشّافعي ﵀ (٢) لا يكون هذا يمينًا إلا في الجواري والنّساء وقد ذكرنا التسوية بينهما من حيث النص؛ لأنّ النصّ لم يفصل بين أن يكون المحرم في الإماء أو في غيرها ولأن (معنى اليمين في هذا اللّفظ يتحقّق بالقصد إلى المنع و الإيجاب؛ لأنّ المؤمن يكون ممتنعًا عن تحريم الحلال؛ فإذا جعل ذلك يمينه علامة فعله عرفنا أنه قصد منع نفسه من ذلك الفعل، كما في قوله والله فإن الإنسان يكون ممتنعًا عن هتك حرمة اسم الله تعالى فإذا جعل فعله علامة هتك حرمة اسم الله تعالى كان يمينًا) إلى هذا أشار في المبسوط (٣). (ولو قال: كل حلّ عليَّ حرام فهو على الطّعام والشّراب) (٤) إلى أن قال ومشايخنا (٥) قالوا يقع به الطّلاق من غير نيّة. وذكر في التتمة (٦): ولو قال حلال الله عليَّ حرام أوقال حلال خداي أو قال حلال ايزد وله امرأة ينصرف إليها من غير نية وعليه الفتوى. وإن لم يكن له امرأة يجب عليه الكفارة في طلاق النّوازل واختلفوا في قوله: صرحه بدست راست كيرم بروي حرام ههنا ثلاثة ألفاظ ذكرها في التتمة. (٧) وقال لو قال: [هرجه بدست راست كيرم بروي] حرام ينصرف إلى الطّلاق بلا نية بالعرف. ولو قال: [بدست جب] لا يكون طلاقًا لعدم العرف. ولو قال: [هرجه بدست كيرم] كان طلاقًا وأجابه إلى فتاوى نجم الدّين النّسفي. (٨) ﵀. ومن نذر نذرًا مطلقًا أي مطلقًا عن ذكر الشّرط ولم يقيّد بالشّرط، حيث قال: لله عليَّ صوم سنّة ولم يعلقه بشيء، كالمنجز عنده أي عند الشّرط ولو نجز النّذر (٩) لم يخرج عنه بالكفارة فكذا هنا.

стр. 2168

(وعن أبي حنيفة ﵀ أنّه يرجع عنه) أي رجع عن تعيين الوفاء بنفس النّذر إلى القول بالتّخيير بين كفارة اليمين وبين الوفاء تعيّن ما التزم به، وحاصله أنّه إن علق النّذر بشرط يريد كونه كقوله: إن شفى الله مريضي، أو رد الله غائبي لا يخرج عنه بالكفارة. وإن علّق بشرط لا يريد كونه، كدخول الدّار ونحوه يتخير بين الكفارة، وبين عين ما التزم. هكذا رُوي عن محمّد ﵀ وهو قول الشّافعي ﵀ (١) في الجديد وكان يقول في القديم يتعيّن كفارة اليمين. ورُوي أن أبا حنيفة ﵀ رجع إلى التخيير أيضًا فإن عبد العزيز بن خالد الترمذي (٢) ﵀ قال: خرجت حاجًا فلما دخلت الكوفة قرأت كتاب النّذور والكفّارات على أبي حنيفة ﵀ فلما انتهت إلى هذه المسألة قال: قف فإن من رأيي أن أرجع، فلما رجعت من الحج إذا أبو حنيفة ﵀ قد توفي فأخبرني الوليد بن أبان (٣) أنّه رجع قبل موته بسبعة أيّام. فقال: يتخير، وبهذا كان يفتي إسماعيل الزّاهد ﵀ (٤). قال شمس الأئمة السرخسي ﵀ (٥): وهذا اختياري أيضًا لكثرة البلوى به في هذا الزمان، فوجه قوله الأول إطلاق. «قوله ﵇: من نذر نذرًا وسمّى فعليه الوفاء بما سمّى» (٦) ولأن معنى اليمين لا يوجد ههنا؛ لأنّه ليس في معنى تعظيم المقسم به؛ ولأنّه جعل دخول الدّار علامة التزام الصّوم والصّدقة وفي هذا الالتزام معنى القربة، والمسلم لا يمتنع القربة، فلم يكن فيه معنى اليمين، فلا يكون له خيره حانث اليمين بالكفّارة (ووجه قوله الآخر قوله ﵇: «النّذر يمين وكفارته كفارة اليمين» (٧)، فيحمل هذا على النّذر المعلّق بالشّرط وما رواه على النّذر المرسل، أو المعلق بما يريد كونه ليكون جمعًا بين الآثار. والمعنى فيه أن كلامه يشتمل على معنى النّذر واليمين جميعًا أمّا معنى النّذر فظاهر.

стр. 2169

[٤٢٥/ أ] … وأمّا معنى اليمين؛ فلأنّه قصد به المنع عن إيجاد الشرط؛ لأن الإنسان يمتنع عن التزام هذه الطّاعات بالنّذر مخافة أن لا يفي بها فيلحقه الوعيد الذي ذكره الله تعالى بقوله: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ (١) إلى قوله: (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٢)، فإذا جعل دخول الدّار علامة التزامه، ويكون ممتنعًا من التزامه كان يمينًا/ وكذلك من حيث العرف يسمّى يمينًا. يقال: حلف بالنّذر فلوجود اسم اليمين ومعناها قلنا: يخرج بالكفارة ولوجود معنى النّذر. قلنا: لا يخرج عنه إلا بعين ما التزم، بخلاف النّذر الملتزم، فاسم اليمين ومعناها غير موجود فيه، وكذلك المعلّق بشرط يريد كونه؛ لأن معنى اليمين غير موجود فيه وهو القصد إلى المنع، بل قصده إظهار الرغبة فيما جعله شرطًا. والتخيير بين القليل والكثير في الجنس الواحد باعتبار معنيين مختلفين جائز، كالعبد إذا أذن له مولاه بالجمعة، يتخير بين أداء الجمعة ركعتين أو الظّهر أربعًا، فهذا مثله) كذا في المبسوط. (٣) إلى أي الجهتين شاء أي النّذر واليمين إذا كان فقيرًا يصوم ثلاثة أيّام أو يصوم صوم نذر سنة، وهذا التخيير جائز لاختلاف النّذر واليمين معنىً، وإن اتخذا صورة ومن حلف على يمين أي محلوف عليه من فعل شيء أو تركه. وقد ذكرناه وفي المبسوط. (٤) (وإذا حلف على يمين أو نذر وقال: إن شاء الله متّصلًا به فلا شيء عليه عندنا وقال مالك ﵀ (٥): يلزمه حكم اليمين والنّذر لأن الأمور كلّها بمشيئة الله تعالى، فلا يتغيّر بذكره حكم الكلام. ولكنا نستدلّ بقوله تعالى: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ (٦) ولم يصبر ولم يعاتب على ذلك والوعد من الأنبياء كالعهد من غيرهم. وعن ابن مسعود وابن عمر وابن عبّاس ﵃ موقوفًا ومرفوعًا: «من حلف على يمين وقال: إن شاء الله فقد استثنى ولا حنث عليه ولا كفارة» (٧) إلا أنّ ابن عبّاس ﵁ كان يُجَوِّز الاستثناء وإن كان مفصولًا، لقوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (٨) يعني إذا نسيت الاستثناء موصولًا، فاستثن مفصولًا ولسنا نأخذ بهذا فإن الله تعالى بيَّن حكم الزّوج الثّاني بعد التطليقات الثلاث، ولو كان الاستثناء المفصول صحيحًا لكان المطلق يستثنى إذا ندم فلا حاجة إلى المحلّل، وفي تصحيح الاستثناء مفصولًا إخراج العقود كلّها من البيوع والأنكحة من أن تكون ملزمة، وإلى هذا أشار أبو حنيفة ﵁ حين عاتبه الخليفة فقال: أبلغ من قدرك أن تخالف جدي؟ قال: في ماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: في الاستثناء المفصول، فقال: إنّما خالفته مراعاة لعهودك، فإذا جاز الاستثناء المفصول فبارك الله لك في عهودك إذًا، فإنّهم يبايعونك ويحلفون ثم يخرجون ويستثنون، فلا يبقى عليهم لزوم طاعتك، فندم الخليفة وقال: استر هذا على تأويل قوله : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (٩) أي إذا لم تذكر في أوّل كلامك فاذكره في آخر كلامك موصولًا بكلامك.

стр. 2170

ثم الاستثناء مبطل للكلام ومخرج له من أن يكون عَزِيمةً في قول أبي حنيفة ومحمّد -رحمهما الله-. وفي قول أبي يوسف ﵀ هو بمعنى الشّرط) وقد ذكرناه في الطّلاق تقديرًا في يمينه، فإن قيل فلمَّا بطل اليمين بالاستثناء فكيف يتحقّق بره والبرّ إنّما يكون في اليمين المثبت لا في المبطل؟. قلنا: أراد بالبرّ هنا عدم الانعقاد لا لبقائهما، أي البر وعدم الانعقاد في حق عدم وجوب الكفارة، وذلك لأنّ البرّ عدم الحنث، وعدم الحنث تارة يكون بتحقيق بر اليمين، وتارة يكون بعدم انعقاد اليمين، فكان معنى قوله: [فقد برّ في يمينه] أي فلم ينعقد. والله أعلم بالصّواب. باب اليمين في الدّخول والسكنى (١) لما كان انعقاد اليمين على فعل شيء أو تركه؛ لم يكن بُدٌّ من ذكر أنواع الأفعال الواردة في اليمين محتسبة بالأبواب، بقي الكلام في تخصيص السكنى والدّخول بالتقديم على سائر الأفعال المهمة من الأكل والشرب وغيرهما، هو أن التّرتيب الوجودي يقتضي الترتيب الوضعي، وهو موجود ههنا وذلك أن الإنسان الذي يتحقّق من اليمين بعد وجوده فأوّل ما يحتاج إليه في حقّه المسكن الذي يدخل فيه ويسكن، ثم يتوارد عليه سائر الأفعال من الأكل وغيره، وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ (٢) [٤٢٥/ ب] الدخول عبارة عن الانفصال من الظّاهر إلى الباطن، والسكنى عبارة عن الكونِ في مكان على سبيل الاستقرار والدّوام، فإن من جلس في المسجد أو بات فيه لا يُعد ساكنًا، والكون في مكان على سبيل الاستقرار/ والدّوام (٣) إنّما يكون أن يسكن بنفسه وأهله ومتاعه إن كان له أهل ومتاع، وإن لم يكن فبالإقامة في ذلك المكان يومًا أو أكثر إلى هذا أشار في الذّخيرة (٤).

стр. 2171

وذكر في المغرب (وأمّا كنيسة اليهود والنّصارى لمتعبدهم فتعريب كنشت عن الأزهري وهي تقع على بيعة النّصارى وصلاة اليهود) (١) ويقال في الفارسيّة البيعة "كليسأ ترسابان" والكنيسة "كنشت جهوذان"؛ لأن المبيت ما أعد لبيتوتة، (فإن قيل أليس أن الله تعالى سمّى الكعبة بيتًا بقوله: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ (٢) وسمّى المساجد بيوتًا بقوله: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (٣)؟ قلنا: قد بيّنا أن الأيمان لا تبنى على ألفاظ القرآن، وقد سمّى بيت العنكبوت (٤) بيتًا، ثم هذا لا يدلّ على أن مطلق اسم البيتِ في اليمينِ يَتَنَاوَلُهُ) كذا في المبسوط (٥). فإن قلت: يشكلُ هذا بما لو حلف لا يهدم بيتًا فهدم بيت العنكبوت؛ فإنّه يحنث (٦) ذكره في الفوائد الظهيريّة (٧) فقد أدخل بيت العنكبوت في تلك المسألة يجب مطلق اسم البيت ولم يدخل ههنا فما وجهه؟ قلت: وجهه وما يتلاحق به يأتي في مسألة من حلف لا يأكل الرؤوس في باب اليمين في الأكل بالبيان والشّافي والإيضاح الوافي إن شاء الله تعالى. الدّهليز: ما بني للبيتوتة فيه سواء كان داخل البيت أو خارجه، وفي المغرب (وقول الفقهاء: ظلّة الدّار يريدون بها السدّة التي فوق الباب) (٨) وعن صاحب الحصر هي التي أحد طرفي جذوعها على هذه الدّار وطرفها الآخر على حايط (٩) الجار المقابل وذكر في الذّخيرة (١٠) ولو دخل ظلة باب دار ذكر في الكتاب أنّه لا يحنث، وأراد بالظّلة السّاباط (١١) الذي يكون على باب الدّار ولا يكون فوقه بناء لأنّه لا ينطلق عليه اسم البيت؛ لأنّه لا يبات فيه وكذلك إذا كان فوقه بناء إلَّا أَنَّ مِفْتَحَهُ إلى الطّريق لا يحنث إذا كان عقد يمينه على بيت شخص بعينه؛ لأنّه ليس من جملة بيته.

стр. 2172

(وإن دخل صُفَّةً حنث)، وقيل: هذا إذا كانت الصفة ذات حوايط أربعة وهكذا كانت صفافهم وفي المبسوط (١) (من أصحابنا من يقول هذا الجواب أي الجواب بالحنث بناء على عرف أهل الكوفة؛ لأنّ الصُفَّة عندهم اسم لِبَيتٍ يَسكُنُونَها صَيفًا، ومثلها في ديارنا تسمّى كاشانه (٢). وأمّا الصّفة ففي عرف ديارنا غير البيت ولا يطلق عليه اسم البيت بل ينفي عنه فيقال: هذا صفة وليس ببيت فلا يحنث، والأصحّ عندي أن مراده حقيقة ما نسميه الصّفة. ووجهه: أن البيت اسم لمبنى مسقف مدخله من جانب واحد وهو مبنى للبيتوتة فيه وهذا موجود في الصّفة إلا أن مدخلها أوسع من مدخل البيوت المعروفة فكان اسم البيت متناولًا لها فيحنث سكناها؛ إلا أن يكون نوى البيوت دون الصّفاف فحينئذ يصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنّه خصّ العام ببينة). قوله: وهو الصّحيح احتراز عن القول الثّاني وهو تقييد الصُفَّة بعرفهم، فإن الصّحيح هو الإطلاق، لوجود المعنى الذي هو البيتوتة في الصّفة وقد شهدت أشعار العرب بذلك قال لبيد (٣): عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّها فَمُقَامُها … بِمنىً تَأَبّدَ غَوْلُها فَرِجَامُهَا (٤) عفا يعفو لازم ومتعدّ وهنا لازم تأبّد المنزل أي أفقر وألقتة الوحوش.

стр. 2173

العول والرجام موضعان يقول عفت ديار الأحباب ما كان منها للحلول وما كان منها لإقامة هذه الدّيار كانت بمنى وقد توحشت الدّيار الغولية والرّجامية. وقال النابغة (١): يا دارَ مَيَّةَ بِالعَلياءِ فَالسَنَدِ … أَقوَت وَطالَ عَلَيها سالِفُ الأَبَدِ وَقَفتُ فيها أُصَيلانًا أُسائِلُها … عَيَّت جَوابًا وَما بِالرَبعِ مِن أَحَدِ إِلّا الأَوارِيَّ لَأيًا ما أُبَيِّنُها … وَالنُؤيَ كَالحَوضِ بِالمَظلومَةِ الجَلَدِ [٤٢٦/ أ] يخاطب دار هذه المرأة بالمكان المرتفع من الأرض والمسند ما قابلك من ارتفاع الوادي والجبل، ثم أخبر عنها فقالت: خلت عن أهلها أي ذهبوا وطال عليها مرور ما مضى من الزمان، ثم يقول: وقفت في هذه الدّار عشية أسألها عن أهلها أين ذهبوا؟ وأين حلو؟ فلم تقدر الدّار على الجواب ولم يكن فيها أحد يجيبني./ الأصيل الوقت بعد العصر إلى المغرب ومن جمعه أصلان مثل بعير وبعران ثم صغروا الجمع فقالوا أصيلان، ثم أبدلوا من النون لامًا فقالوا أُصَيلالٌ، ثم يخبر عن غاية دروسها وخرابها بقوله: إلا أواري الأرى محبس الدّابة لأيًا أي جهدًا يقال: فعل كذا بعد لأي أي بعد شدة وإبطاء. يقول: بعد جهدي عرفت الأداري، شبه النّوى وهي حفيرة حول الخباء لئلا يدخلها ماء المطر بالحوض، لما لم يكن متدفقًا صغيرًا بانهزام جوانبه. وقوله: بالمظلومة الجلد أي بالأرض التي لا تحفر لصلابتها فجعلها مظلومة؛ لأنّها حفرت في غير موضع الحفر وقال أيضًا قائلهم (٢): الدَّارُ دَارٌ وَإِنْ زَالَتْ حَوَائِطُهَا … وَالْبَيْتُ لَيْسَ بِبَيْتٍ بَعْدَ تَهْدِيمِ وهذا ظاهر وعن هذا فرق بين قوله: لا تكلم هذا الشاب فكلمه بعدما صار شيخًا يحنث بخلاف ما إذا كلم شيخًا كان هو شابًا وقت يمينه؛ فإنّه لا يحنث لهذا المعنى. فإن قيل: لا كذلك فإن محمدًا ﵀ ذكر في كتاب الوكالة أنّ الرجل إذا وكّل رجلًا بشراء دار فاشترى دارًا خربة، يقع الشراء للموكّل، وعلى ما ذكر في الكتاب يجب أن لا يقع للموكّل؛ لأنّ الصفة في الغَايِب المُنَّكر مُعتبرة.

стр. 2174

قلنا: الدّار في اليمين نكرة من كل وجه؛ لأنها لم تتعرف بوجه من الوجوه وفي الوكالة قد تعرفت من وجه؛ لأنّ التّوكيل بشراء الدّار إنما يصحّ عند بيان الثّمن وَالمَحَلَّة (١). فإن قيل: البناء لا يخلو إمَّا إن كان داخلًا في المسمّى، أو لم يكن، فإن كان داخلًا وجب أن لا يختلف الحال بالغيبة والحضرة في أنّه يدخل كَعَرصتها (٢)، وإن لم يكن داخلًا وجب أن لا يختلف الحال أيضًا في أنّه لا يدخل، كما إذا حلف لا يكلم رجُلًا لا يتقيد بيمينه برجل قاعد عالم، وكذا بسائر الصفات الخارجية عنه، وهذا لأنّ البناء وإن كان صفة فهو غير منصوص عليه، فلا يتقيد به وإن كانت غايبةً كما في النّظير وهذه شبهة حارت التحاذير في التقصي عنها. قلنا: البناء صفة متعيّنة للدّار فجاز أن يكون هو مرادًا بحكم العرف لتعينه. وفي الرجال التزاحُمُ في الصّفات ثابت من العلم والعقل والقدرة والصناعة والحسن والجمال وهذه الصفات بأسرها ممتنع عرفًا إرادتها عادة، وليس البعض أولى من البعض في الإرادة فتمتنع الإرادة أصلًا. كذا في الفوائد الظهيرية لأنّها لم تبق دارًا لاعتراض اسم آخر (فمن ضرورة حدوث اسم البيت لهذه البقعة زوال اسم الدّار) كذا في المبسوط (٣). ألا ترى أن المعتكف (٤) لا يفسد اعتكافه بالخروج إلى سطح المسجد، وكذلك لا يجوز التخلي (٥) والتغوّط (٦) على سطح المسجد ولا يجوز للجنب والحائض الوقوف على سطح المسجد؟ وذكر في الإيضاح (٧) ولو كان فوق المسجد مسكن لم يحنث؛ لأنّ ذلك ليس بمسجد يعني فيما إذا عقد يمينه في أن لا يدخل المسجد، وقيل: في عرفنا لا يحنث.

стр. 2175

وذكر الإمام قاضي خان ﵀ في هذا القول في الجامع الصّغير (١) بخلاف ما قاله في فتاواه: فإنّه ذكر في الجامع الصّغير قيل: هذا في عرفهم، وأمّا في عرفنا الصّعود على السّطح والحائط لا يسمّى دخولًا فلا يحنث، ثم قال: والصّحيح جواب الكتاب يعني أنه يحنث، وذكر في فتاواه بعدما ذكر جواب الكتاب بأنّه يحنث هذا إذا كانت اليمين بالعربيّة، وإن كانت اليمين بالفارسية فارتقى شجرة في الدّار أو قام على الحائط منها أو صعد السّطح لا يحنث في يمينه وهو المختار؛ لأنّ هذا لا يعدّ دخولًا في العجم، وجه الاستحسان أن الدّخول لا دوام له؛ لأنّه انفصال من الظّاهر إلى الباطن ولم يوجد ذلك بعد يمينه؛ إنّما وجد المكث فيه وذلك غير الدّخول وهو واضح. وذكر في المبسوط (٢) (ولو قال والله لأدخلنه غدًا فأقام فيه حتّى مضى الغدُ (٣) يحنث؛ لأَنَّ شَرْطَ بِرِّهِ وُجُودُ فعل الدّخول في الغد، ولم يوجد المكث فيه فإن نوى بالدّخول الإقامة فيه لم يحنث؛ لأنّ المنوي من محتملات لفظه فإن من الدّخول المقصود الإقامة، فكأنه جعل ذكر الدّخول كناية عما هو المقصود فلذلك لا يحنث)، وهذا بخلاف السّكنى؛ لأنّها مستدام؛ لأنه يضرب له المدة فكان لدوامه حكم الابتداء، وذكر في الفوايد (٤) دليل فرق بينهما، فقال: ألا ترى أنّه يقال في المتعارف للساكن اسكن هنا كما يقال لغير السّاكن اسكن هنا، ولا يقال للّداخل ادخل هذه الدّار؟. [٤٢٦/ ب] وقال زفر ﵀: يحنث أي قياسًا. وعندنا لا يحنث أي استحسانًا، ولنا أن اليمين تعقد للبِّر؛ لأن البر مأمور به قال تعالى: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (٥) / والحنث منهي عنه قال الله تعالى: (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ (٦). فإن قيل: اليمين كما تعقد للبِرِّ فكذلك تعقد للحنث كما في قوله (لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ (٧) ونحوه. قلنا: هناك أيضًا عقدت للبرّ لتصوّر البرّ حقيقة، وإن لم يتصوّر عادة ولهذا يصح التوقيت به؛ وإنّما يحنث بعد انعقاده للعجز عادة؛ لا أنّها عقدت للحنث، فإن تصوّره حقيقة كاف لانعقاد اليمين؛ لأن هذه الأفاعيل وهي اللبس والركوب والسّكنى لها دوام بحدوث أمثالها، فكان لدوامها حكم الابتداء، وعن هذا قالوا: لو قال لها: كلما ركبت فأنت طالق فمكثت ساعة تمكنها النّزول فيها طلقت، وإن مكثت ساعة أخرى طلقت أيضًا، لما ذكرنا أنّ للدّوام حكم الابتداء وكَلِمة كُلّمَا تَعُمَّ الأفعال، فيتكرر الجزاء (٨) بِتَكَرُّر الشّرط.
следующие страницы →