← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقال بعض الناس (١): إن كان جلد ما يؤكل لحمه يطهر بالدباغ لحديث ميمونة ﵂ وهو ما روي عن رسول الله ﵇: أنه مر بشاة لميمونة فقال: «هَلاَّ انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا». فقيل: إنها ميتة. فقال: «إِنَّمَا حَرُمَ من الميتة أَكْلُهَا» (٢). وإن كان جلد ما لا يؤكل لحمه لا يطهر بالدباغ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وجعل هذا القول قول الشافعي (٣) في «مبسوط شمس الأئمة السرخسي» (٤). واستدل مالك بحديث عبد الله بن عكيم الليثي قال: أتانا كتاب رسول الله ﵇ قبل موته بسبعة أيام. وفي رواية: بشهر أو شهرين. وكان فيه: «لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ» (٥).

стр. 247

وقلنا: الإهاب (١) اسم للجلد الذي لم يدبغ كذا قاله الأصمعي. والدليل عليه أيضًا ما روي عن عائشة ﵂ أنها كانت تخطب وتمدح أباها فقالت: -رحم الله- أبا بكر قرر الرءوس على كواهلها، والدماء في أهبها. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٢). وذكر في «الفائق»: إنما سمي إهابًا لأنه «أهب للحي وبناء للحماية له على جسده كما يقال له المسك لإمساكه ما وراءه» (٣)، فإذا دبغ يسمى أديمًا (٤) أو صرمًا أوجرابًا فحينئذٍ لا معارضة بين الحديثين؛ إذ التعارض يقتضي اتحاد المحل مع اتحاد حالته واختلاف الحالة فبقي التعارض، وإن كان أصلها واحدًا كحرمة الخمر وحل الخل (٥). وَحُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي جِلْدِ الْكَلْبِ وَلَيْسَ الْكَلْبُ بِنَجِسِ الْعَيْنِ -قوله ﵀: (وحجة على الشافعي في جلد الكلب) وليس في تخصيص الكلب زيادة فائدة لما أن عنده كل «ما لا يؤكل لحمه لا يطهر جلده بالدباغة، وقاس بجلد الخنزير والآدمي. ولنا: عموم الحديث المذكور في الكتاب. وما ظهر من لباس الناس كجلد الثعلب والفنك والسمور (٦) ونحوها في الصلاة وغيرها من غير نكير ينكر يدل على طهارته بالدباغ، كذا ذكر في باب الحدث من «المبسوط» (٧)، ولكن ذكر في «الأسرار» (٨) ما يوافق لتخصيص «الهداية» حيث قال بطهارة جلود السباع بالدباغة سوى الكلب والخنزير عند الشافعي على ما يجيء في بيان الآسار (٩).

стр. 248

قوله ﵀: (وليس الكلب بنجس العين) هذه مسألة [الدبغ] (١) اختلفت فيها روايات «المبسوط» ذكر في باب الحدث منه «وجلد الكلب يظهر عندنا بالدباغ. وقال الحسن بن زياد: لا يطهر. وهو قول الشافعي؛ لأن عين الكلب نجس عندهما. ولكنا نقول: الانتفاع به مباح في حالة الاختيار، فلو كان عينه نجسًا لما أبيح الانتفاع به (٢). قلت: في هذا اللفظ تنصيص على أن الكلب ليس بنجس العين عندنا. ثم ذكر في أوائل باب الوضوء والغسل منه في بيان مسألة سؤر الكلب. فقال: «والصحيح من المذهب عندنا أن عين الكلب نجس. إليه يشير محمد في الكتاب في قوله: وليس الميت بأنجس من الكلب والخنزير. ثم قال: وبعض مشايخنا يقولون [عينه] (٣): ليس بنجس. ويستدلون عليه بطهارة جلده بالدباغة» (٤). وذكر أيضًا في كتاب الصيد منه في مسألة بيع الكلب في التعليل فقال: «وبهذا يتبين أنه ليس بنجس العين» (٥). وذكر في «الإيضاح» (٦) اختلاف الرواية فيه. وفي «مبسوط شيخ الإسلام» (٧): وأما جلد الكلب فعن أصحابنا فيه روايتان في رواية تطهر بالدباغ. وفي رواية: لا يطهر. وهو الظاهر من المذهب. وفي «فتاوى قاضي خان»: «إذا وقع في البئر كلب أو خنزير ومات أو لم يمت أصاب الماء فم الواقع أو لم يصب ينزح ماء البئر كله؛ أما الخنزير فلأن عينه نجس، والكلب كذلك، ولهذا لو ابتل الكلب وانتفض وأصاب ثوبًا أكثر من قدر الدرهم أفسده» (٨). وفي «المحيط»: الكلب إذا وقع في الماء فأخرج حيًّا إن أصاب فمه الماء يجب نزح جميع الماء وإن لم يصب فمه الماء فعلى قولهما يجب نزح جميع الماء، وعن أبي حنيفة (٩) ﵁: "لا بأس به. وقال: وهذا إشارة إلى أن عين الكلب ليس بنجس" (١٠).

стр. 249

أَلا يَرَى أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ حِرَاسَةً وَاصْطِيَادًا، بِخِلافِ الْخِنْزِيرِ لأنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ، إذْ الْهَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ مُنْصَرِفٌ إلَيْهِ لِقُرْبِهِ وَحُرْمَةُ الانْتِفَاعِ بِأَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ فَخَرَجَا عَمَّا رَوَيْنَا ثُمَّ مَا يَمْنَعُ النَّتْنَ وَالْفَسَادَ فَهُوَ دِبَاغٌ وَإِنْ كَانَ تَشْمِيسًا أَوْ تَتْرِيبًا لأنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ فَلا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ غَيْرِهِ -قوله: (ألا يُرى أنه ينتفع به حراسةً واصطيادًا) فإن قلت: يشكل هذا بالسِّرقين (١) فإنه نجس العين ثم إنه ينتفع به إيقادًا وتقويةً للزراعة. قلت: قال شيخي ﵀: هذا انتفاع بالاستهلاك فهو جائز في نجس العين كالاقتراب من الخمر للإراقة. قوله: (بخلاف الخنزير) وفي «مبسوط شيخ الإسلام» (٢): من مشايخنا من قال: إنما لا يطهر جلد الخنزير بالدبغ لأنه لا [يدبغ] (٣)؛ لأن شعره ينبت من لحمه، ولو تصور دبغه لطهر. وقال بعضهم (٤): لا يطهر وإن اندبغ؛ لأنه محرم العين شرعًا. وفي «المبسوط»: «وأما جلد الخنزير فقد روي عن أبي يوسف أنه يطهر بالدباغ أيضًا. وفي ظاهر الرواية أنه لا يحتمل الدباغة، فإن له جلودًا مترادفة بعضها فوق بعض كما للآدمي، وإنما لا يطهر لعدم احتمال [للطهر] (٥) وهو الدباغ، أو لأن عينه نجس وجلده من عينه» (٦) منصرف إليه لقربه. فإن قلت (٧): المضاف والمضاف إليه إذا كان كل واحد منهما صالحًا لرجوع الضمير إليه يرجع إلى المضاف لا إلى المضاف إليه كما تقول: رأيت ابن زيد فكلمته بخلاف قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾ [النحل: ١١٤]؛ إذ العبادة لا تتصور للنعمة وما نحن بصدده من قبيل ابن زيد لوجود صلاحية رجوع الضمير إلى كل واحد من اللحم والخنزير. قلت: يجوز رجوع الضمير إلى المضاف إليه مع وجود الصلاحية إلى المضاف كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]. قال في «الكشاف» (٨): يجوز أن يرجع الضمير في ميثاقه إلى العهد أو إلى الله، وهذا نص منه على ما ادعيت، وكذلك قال في قوله تعالى: ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] قرئ بياء المذكر وتاء المؤنث رجعًا إلى اللبوس والصنعة، فلما جاز كلاهما جوازًا شائعًا رجع إلى الخنزير هنا لكونه أشمل للأجزاء وأحوط في العمل، «ثم ما يمنع النتن والفساد فهو دباغ وإن كان تشميسًا وهذا عندنا. وعند الشافعي: لا يكون دباغًا إلا بما يزيل الدسومات النجسة عنه، وذلك باستعمال الشَّثُّ (٩) والقرظ والعفص (١٠).

стр. 250

ودليلنا فيه: أن المقصود إخراجه من أن يكون صالحًا لمنفعة الأكل، وقد حصل ذلك» (١)، كذا في «المبسوط». وذكر في «الخلاصة» (٢): حتى أن جلد الميتة إذا يبس ثم وقع في الماء القليل لا يفسده. (ثُمَّ مَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدَّبَّاغِ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ لأنَّهَا تَعْمَلُ عَمَلَ الدَّبَّاغِ فِي إزَالَةِ الرُّطُوبَةِ النَّجِسَةِ) -وقوله: (وما يطهر جلده بالدباغ يطهر بالذكاة) هذا اختيار بعض المشايخ. وعند بعضهم: إنما يطهر جلد الحيوانات بالذكاة إذا لم يكن سؤره نجسًا. وذكر في «فتاوى قاضي خان ﵀» في «فصل النجاسة التي تصيب الثوب، [وما يطهر جلده بالدباغ يطهر/ ١٣/ أ/ لحمه بالذكاة ذكره شمس الأئمة الحلواني ﵀. قيل: يشترط أن تكون الذكاة من أهلها في محلها وهو ما بين اللبة واللحيين، وقد سمي بحيث لو كان مأكولاً يحل أكله بتلك الذكاة] (٣)» (٤). -قوله: (لأنها تعمل عمل الدباغ في إزالة الرطوبات) [أي] (٥): فيما إذا وجدت إزالة الرطوبات بالذكاة الشرعية بأن كانت من الأهل بالتسمية حينئذٍ يجعل الذكاة إزالة للرطوبات النجسة. وأما إذا كان الذابح مجوسيًّا لا يجعل الإزالة الحاصلة من ذبحه إزالةً؛ لأن فعله [أمانة] (٦) في الشرع لا ذبح، وحكم الموت إذا ثبت له لا [بد] (٧) من الدباغ كذا في «الإيضاح» (٨). (وَكَذَلِكَ يَطْهُرُ لَحْمُهُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْكُولاً) -قوله: (وكذلك يطهر لحمها) في هذه الرواية نوع ضعفٍ لما أن حرمة أكلها اللحم فيما سوى الآدمي ولم يتعلق به حق العباد دليل النجاسة وأيد هذا المعنى ما ذكر في «الأسرار» (٩) في مسألة أن جلود السباع يطهر بالذكاة عندنا خلافًا للشافعي ﵀.

стр. 251

ثم قال: «فإن قيل: الجلد يكون متصلاً باللحم واللحم نجس ولا يطهر بالذكاة فكيف يكون الجلد طاهرًا؟. [قلنا] (١): من مشايخنا من يقول: اللحم طاهر وإن لم يحل الأكل، ومنهم من يقول: نجس، وهو الصحيح عندنا لما مر أن الحرمة في مثله (٢) تدل على النجاسة، ولكنا نقول: بين اللحم والجلد جلدة رقيقة تمنع مماسة اللحم الجلد الغليظ فلا تنجس» (٣)، وكذلك من تعليل شمس الأئمة في طهارة جلد المدبوغ بقوله: «إن المقصود إخراجه من أن يكون صالحًا لمنفعة الأكل وقد حصل» (٤) يعرف به أن لحمه لم يطهر لما أنه لم يخرج عن صلاحيته منفعة الأكل حقيقةً، «وكذلك ذكر الناطفي (٥) ﵀ إذا صلى ومعه من لحم السباع كالثعلب ونحوه أكثر من قدر الدرهم لا تجوز صلاته وإن كان مذبوحًا» (٦). «وعن الفقيه أبي جعفر: إذا صلى ومعه لحم سباع الوحش قد ذبح لا تجوز صلاته، ولو وقع في الماء أفسده» كذا في «فتاوى قاضي خان» (٧). قَالَ (وَشَعْرُ الْمَيْتَةِ وَعَظْمُهَا طَاهِرٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: نَجِسٌ لأنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ، وَلَنَا أَنَّهُ لا حَيَاةَ فِيهِمَا وَلِهَذَا لا يَتَأَلَّمُ بِقَطْعِهِمَا فَلا يَحُلُّهُمَا الْمَوْتُ إذْ الْمَوْتُ زَوَالُ الْحَيَاةِ (وَشَعْرُ الإنْسَانِ وَعَظْمُهُ طَاهِرٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: نَجِسٌ لأنَّهُ لا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلَنَا أَنَّ عَدَمَ الانْتِفَاعِ وَالْبَيْعِ لِكَرَامَتِهِ فَلا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. -قوله ﵀: (وقال الشافعي: نجس) وذكر في «المبسوط» (٨): وهذا الاختلاف بناء على أن لا حياة للشعر والعظم عندنا. وقال الشافعي: فيهما حياة. وقال مالك: في العظم حياة دون الشعر (٩).

стр. 252

واستدلوا بقوله تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]. ولأنه ينمو بنماء ذي الروح فيحله الموت وينجس به. ومالك يقول: العظم يتألم. ويظهر ذلك في السن [بخلاف الشعر. قلنا: إنه بيان من الحي فلا يتألم به ويجوز الانتفاع به، وقد قال-﵇: «ما أبين من الحي فهو ميت» (١). فلو كان فيه حياة لما جاز الانتفاع به، ولا نقول: إن العظم يتألم بل ما هو متصل به من اللحم يتألم، وبين الناس كلام في السن] (٢) أنه عظم أو طرف عصب يابس؛ فإن العظم لا يحدث في البدن بعد الولادة، وتأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ﴾ [يس: ٧٨] النفوس. وفي العصب روايتان: في إحدى الروايتين: فيه حياة لما فيه من الحركة وينجس بالموت، ألا ترى أنه يتألم الحي بقطعه بخلاف العظم فإن قطع قرن البقرة لا يؤلمها [فدل] (٣) أنه ليس في العظم حياة فلا تنجس بالموت، وإليه أشار رسول الله ﵇ حين مر بشاةٍ [ملقاةٍ] (٤) لميمونة فقال: «هَلاَّ انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا (٥)؟». فقيل: إنها ميتة. فقال: إنما حرم من الميتة أكلها. وهذا نص على أن ما لا يدخل تحت مصلحة الأكل لا يتنجس بالموت. وعلى هذا شعر الآدمي طاهر عندنا (٦) خلافًا للشافعي (٧) ﵀ فإن النبي ﵇ حين حلق رأسه قسم شعره بين أصحابه (٨)، فلو كان نجسًا لما جوز لهم التبرك به، ولكن لا ينتفع به لحرمته، والذي قيل: إذا طحن سن الآدمي مع الحنطة لم يؤكل فذلك لحرمة الآدمي إلا لنجاسته.

стр. 253

وفي «مبسوط شيخ الإسلام» في تعليل هذه المسألة «أن لهذا عينًا لو انفصل منه حالة الحياة حكم بطهارته، وإذا انفصل منه بعد الموت كذلك حكم لطهارته قياسًا على البيض والولد» (١) ويتبين بالانفصال حالة الحياة حتى لم تصر ميتة أنه لا روح في هذه الأشياء؛ إذ لو كان فيه روح لكان إذا أبين من الأصل حال حياة الأصل [لصار] (٢) ميتة كاللحم ولم يصر ميتة علمنا أنه لا روح في هذه الأشياء. والجواب عن تعلقهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣] هو ما قال شيخي (٣) ﵀: الميتة اسم لما فارقه الروح من غير ذكاة مما لم يذبح ولم يكن لهذه الأشياء روح حتى يزايلها فلا يدخل تحت التحريم. وقال أيضًا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٤): وأما قوله: جزء متصل بذي روح ينمو بنمائه. [قلنا: لا نسلم أنه ينمو بنمائه] (٥) ألا يرى أنه ينمو مع نقصان الأصل فإن الأصل إذا مرض وأخذ في النقصان فإن الشعر يزداد وينمو فلم يستقم ذلك القول، ثم ذلك أيضًا لا يدل على أن فيه/ ١٣/ ب/ حياة كالنبات والشجر، ولأن فيه ضرورة وبلوى فإنه متى حلق الرأس أو مشط اللحية لا بد من أن يتناثر بعض شعوره فيلتزق به فلو منع ذلك جواز الصلاة لضاق الأمر على الناس (٦). والدليل على أن فيه ضرورة ما حكي أن ضيفًا نزل على الشافعي ﵀ فدفع فضته ليشتري له الباقلي الرطب فاشترى ثم حلق رأسه ثم قام فصلى فقال له الضيف: أليس [أن] (٧) هذا على [مذهبك] (٨) لا يجوز؟ فقال: نعم، لكن إذا اضطررنا في شيء انحططنا إلى قول أهل العراق فثبت أن فيه ضرورة

стр. 254

-قوله: (إذ الموت زوال الحياة) (١). قال شيخي (٢) ﵀: وهذا تعريف بلازمه المسمى [لا بنفس المسمى] (٣) بل الموت أمر وجودي يلزم منه زوال الحياة؛ قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢]، وما يدخل تحت الخلق فهو أمرٌ وجودي [والله أعلم] (٤). فَصْلٌ فِي الْبِئْرِ (وَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ نَجَاسَةٌ نُزِحَتْ وَكَانَ نَزْحُ مَا فِيهَا مِنْ الْمَاءِ طَهَارَةً لَهَا) بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَمَسَائِلُ الْآبَارِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْآثَارِ دُونَ الْقِيَاسِ (فَإِنْ وَقَعَتْ فِيهَا بَعْرَةٌ أَوْ بَعْرَتَانِ مِنْ بَعْرِ الإبِلِ أَوْ الْغَنَمِ لَمْ تُفْسِدْ الْمَاءَ) اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ تُفْسِدَهُ لِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ. وَجْهُ الاسْتِحْسَانِ أَنَّ آبَارَ الْفَلَوَاتِ لَيْسَتْ لَهَا رُءُوسٌ حَاجِزَةٌ وَالْمَوَاشِي تَبْعَرُ حَوْلَهَا فَتُلْقِيهَا الرِّيحُ فِيهَا فَجَعَلَ الْقَلِيلَ عَفْوًا لِلضَّرُورَةِ، وَلا ضَرُورَةَ فِي الْكَثِيرِ، وَهُوَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ إلَيْهِ فِي الْمُرَوِّي عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعَلَيْهِ الاعْتِمَادُ، وَلا فَرْقَ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ وَالصَّحِيحِ وَالْمُنْكَسِرِ وَالرَّوْثِ وَالْخِثْيِ وَالْبَعْرِ لأنَّ الضَّرُورَةَ تَشْمَلُ الْكُلَّ) لما ذكر حكم الماء القليل بأنه يتنجس كله عند وقوع النجاسة فيه حتى يراق (٥) كله ورد عليه حكم ماء البئر نقضًا في أنه لا ينزح كله في بعض الصور استدعى هو ذكر ماء البئر بفصل على حدة مرتبًا عليه؛ لأن كونه من الماء القليل يقتضي أن يكون متصلاً به من غير فصل، ولكن مخالفته في الحكم يقتضي أن يكون منفصلاً عنه فوصله بفصل على حدة رعايةً للمعنيين؛ وذلك لأن ماء البئر مخصوص بأحكام يخالف بها حكم الماء القليل فإن حكمه يتفاوت بتفاوت الواقع ويطهر بإزالة بعضه في بعض الصور اتباعًا للآثار، وعن هذا قالوا (٦): مسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار وإلا ففيه قياسان: إذا وقعت فيه النجاسة إما أن يطم البئر طمًّا ولا ينتفع به أبدًا لاختلاط النجاسة بالأوحال والجدران كما قاله بشر المريسي (٧)، وإما أن لا ينجس أبدًا كالماء الجاري؛ لأنه كلما يؤخذ من أعلاه ينبع من أسفله فصار كحوض الحمام إذا كان يصب من جانب [ويؤخذ من جانب] (٨) حتى لا يتنجس بإدخال اليد النجسة فيه إذا كانت الحالة هذه، ولهذا نقل عن محمد أنه قال: اجتمع رأيي ورأي أبي يوسف أن ماء البئر في حكم الماء الجاري إلا أنا تركنا القياس واتبعنا الآثار.

стр. 255

وعند الشافعي (١) ﵀ يستخرج الفأرة ويبقى الماء طاهرً لما أن المذهب عنده أن الماء إذا بلغ قلتين لا يحتمل خبثًا، وماء البئر أكثر من قلتين فلا يتنجس لهذا. وبعض الجهال من أصحاب الشافعي يطعنون في هذا فيقولون: ما أكيس (٢) دلو أبي حنيفة ﵀ حيث ميز الماء النجس من الطاهر. قال شمس الأئمة ﵀: هذا في الحقيقة طعنٌ في السلف لما أن طهارة البئر بنزح بعض [الدلاء] (٣) قول السلف من الصحابة والتابعين [فيقال] (٤) لهم: ما أكيس قرعة [الشافعي] (٥) حيث [ميزت] (٦) الحرَّ من الرقيق، وكذلك قال الشافعي في البينات إذا تعارضت يميز المحق من المبطل بالقرعة، وقرعته تلك أكيس من دلونا. كذا في «الظهيرية» (٧). -قوله ﵀: (نزحت) أي البئر، أي ماءها بحذف المضاف لعدم الإلباس لما أن عين البئر لا يمكن نزحها، وبنزح النجاسة لا يتم [جواب] (٨) المسألة فتعين ما قلنا، والتأنيث باعتبار الإسناد الظاهري، ولأن قوله: وكان نزح ما فيها من الماء دليل على ما قلنا فكان هذا من قبيل إطلاق اسم المحل على الحال لقولهم: جرى النهر (٩).

стр. 256

-قوله: (وكان نزح ما فيها طهارة لها) إشارة إلى أنها تطهر بمجرد النزح من غير توقف إلى غسل الأحجار ونقل الأوحال. -قوله: (إن (١) آبار الفلوات ليست لها رءوس حاجزة) فيه إشارة إلى أن حكم آبار الأمصار على خلاف هذا وهذا أحد وجهي الاستحسان الذي ذكره الإمام المحبوبي (٢) ﵀ فقال: إن الاستحسان [على] (٣) وجهين: أحدهما: الضرورة؛ لأن آبار الفلوات ليست لها رءوس حاجزة والإبل والغنم تنزل حولها وتبعر والرياح تلقيها في البئر فلا يمكن الاحتراز عنها، فلو حكمنا بنجاسة الماء [أدى] (٤) إلى الحرج فعلى هذه العلة لا يفرق بين الرطب واليابس، والصحيح والمنكسر، [والبعر] (٥) والروث، ولكن يفرق بين آبار الفلوات وبين آبار الأمصار. قال شيخ الإسلام في «المبسوط» (٦): فأما إذا كان في الأمصار اختلف مشايخنا فيه، قال بعضهم: يتنجس إذا وقع فيها بعرة أو بعرتان؛ لأنها لا تخلو عن حائل [بتابوت] (٧) أو حائط فلا يتحقق فيها الضرورة. وقال بعضهم: لا ينجس اعتبارًا للوجه الآخر من الاستحسان وهو أن البعرة شيء صلب وعلى [ظاهرها] (٨) رطوبة الأمعاء لا يتداخل الماء في أجزائها، فعلى هذه العلة قيل: إن وقع نصف البعرة يفسده؛ لأن النصف منه غير مستمسك فتتداخل النجاسة في أجزائه وتمتزج به بخلاف البعر الكامل؛ لأنه صلب مستمسك لا تتداخل النجاسة في أجزائه فلا تنجسه، وهذا كالفأرة والحية والهرة إذا وقعت في البئر وأخرجت، كذلك حية لا تنجسه وذنب الفأرة إذا وقع فيها [نجسها] (٩). قال شيخ الإسلام (١٠): والصحيح أن [الكل والنصف] (١١) سواء لا ينجسه، وذكر الحاكم الشهيد (١٢) في كتاب الإشارة (١٣) فقال: إن كان رطبًا يتنجس وإن كان يابسًا لا يتنجس؛ لأن الرطب لا ينبعث بالريح لثقله ولصوقه بالأرض فلا ضرورة، واليابس ينبعث بالريح لخفته.

стр. 257

وحكي عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل (١): أن ماء البئر لا يتنجس بالرطب واليابس جميعًا، وهكذا [حكي] (٢) عن شمس الأئمة السرخسي ﵀ حيث سوى بينهما لتحقق الضرورة (٣). وقال الإمام التمرتاشي: واختلف في آبار البيوت فمنهم من قال: تفسده؛ لأن الضرورة معدومة، والأصح التسوية أي: لا يفسد. واختلف المشايخ في روث الحمار وأخثاء (٤) البقر إذا وقع في البئر هل ينجسه؟ ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في شرح هذا الكتاب (٥). وفي «المبسوط» (٦): أن في روث الحمار والفرس القليل والكثير سواء؛ لأنه ليس له صلابة فيتداخل الماء في أجزائه فيتنجس. وكذا المتفتت من البعر في ظاهر الرواية إلا أنه روي عن أبي يوسف ﵀ قال: القليل من الروث عفو، وهو الأوجه. كذا ذكره الإمام المحبوبي. وذكر في «المبسوط» «وعن أبي يوسف (٧) في [تبنةٍ] (٨) أو تبنتين من الأوراث تقع في البئر: أستحسن أن لا يفسد. ولا أحفظه عن أبي حنيفة -﵀ وهو الأصح لقيام البلوى» (٩). قلت: بهذه الروايات يعلم أن قوله: ولا فرق بين الرطب واليابس والصحيح والمنكسر والروث والخثي والبعر في كل منه خلاف. ثم [البعرة] (١٠) للبعير والشاة من بعر أي: ألقى البعر من حد منع.

стр. 258

والروث للفرس والحمار من رأث الفرس من حد نصره. الخثي بكسر الخاء واحد الأخثاء للبقر من خثأ البقر خثئًا من حد ضرب، كذا في «الصحاح» (١) وغيره. واختلف في الكثير منه «قيل أن يغطي وجه ربع الماء. وقيل: وجه أكثره. وقيل: أن لا يخلو دلو من بعرة. وهو الصحيح»، كذا في «المبسوط». وذكر الإمام التمرتاشي ذكر البعرتين إشارة إلى أن الثلاث كثير. وَفِي الشَّاةِ تَبْعَرُ فِي الْمِحْلَبِ بَعْرَةً أَوْ بَعْرَتَيْنِ قَالُوا تُرْمَى الْبَعْرَةُ وَيُشْرَبُ اللَّبَنُ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ، وَلا يُعْفَى الْقَلِيلُ فِي الإنَاءِ عَلَى مَا قِيلَ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إنَّهُ كَالْبِئْرِ فِي حَقِّ الْبَعْرَةِ وَالْبَعْرَتَيْنِ (فَإِنْ وَقَعَ فِيهَا خَرْءُ الْحَمَامِ أَوْ الْعُصْفُورِ لا يُفْسِدُهُ) خِلافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. لَهُ أَنَّهُ اسْتَحَالَ إلَى نَتَنٍ وَفَسَادٍ فَأَشْبَهَ خَرْءَ الدَّجَاجِ. وَلَنَا إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى اقْتِنَاءِ الْحَمَامَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ مَعَ وُرُودِ الْأَمْرِ بِتَطْهِيرِهَا وَاسْتِحَالَتِهِ لا إلَى نَتْنِ رَائِحَةٍ فَأَشْبَهَ الْحَمْأَةَ -قوله: (يرمي [البعر] (٢) ويشرب اللبن) يعني: لا ينجس هذا إذا رميت من ساعته ولم يبق لها لون بكذا ذكر شيخ الإسلام ﵀ في «المبسوط» (٣) مقيدًا بقوله: لا ينجس إذا رميت من ساعته ولم يبق لها لون لعموم البلوى والضرورة؛ لأن من عادتها أنها تبعر عند الحلب، وللضرورة أثر في إسقاط حكم النجاسة. -قوله: (خرؤ (٤) الحمام والعصفور طاهر عندنا) وقال الشافعي: نجس. والقياس ما قاله الشافعي، ولكن استحسن علماؤنا لحديث ابن مسعود ﵁: فإنه خرئت عليه حمامة فمسحه بإصبعه. وكذلك ابن عمر ﵄ ذرق (٥) عليه طائر فمسحه بحصاةٍ وصلى ولم يغسله (٦).

стр. 259

ولأن الحمام تركت في المسجد حتى في المسجد الحرام مع علم الناس بما يكون منها. وأصله حديث أبي أمامة الباهلي ﵁: أن النبي ﵇ شكر الحمامة فقال: إنها [أوكدت] (١) على باب الغار حتى سلمت فجازاها الله تعالى بأن جعل [المسجد] (٢) مأواها فهو (٣) دليل طهارة ما يكون منها وخرؤ ما لا يؤكل لحمه من الطيور. وذكر في «الجامع الصغير» (٤) أنه يجوز الصلاة فيه وإن كان أكثر من قدر الدرهم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد ﵀: لا يجوز. فهو بمنزلة خرء ما لا يؤكل لحمه من السباع. واختلف مشايخنا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، فمنهم من قال: هو نجس عندهما لكن التقدير فيه بالكثير الفاحش لمعنى البلوى، والأصح أنه طاهر عندهما فإن في الخرء لا فرق بين مأكول اللحم وغير مأكول اللحم في النجاسة، ثم خرؤ ما يؤكل لحمه من الطيور طاهر فكذلك خرؤ ما لا يؤكل لحمه، كذا في «المبسوط» (٥). ولأنها تذرق من الهواء ولا يمكن الاحتراز عنه وما لا يمكن الاحتراز عنه ساقط الاعتبار كما في خرء ما يؤكل لحمه، وليس كخرء الدجاج والبط؛ لأنهما مما لا يذرق من الهواء فيمكن الاحتراز عنه. ولأن لخرئيهما رائحة منتنة فيكون نجسًا [كالأرواث] (٦)، وذكر شيخ الإسلام في «مبسوطه» (٧) اختلاف المشايخ في خرء الحمام والعصفور أيضًا في نجاسته وطهارته مع اتفاقهم على سقوط حكم النجاسة، لكن عند البعض السقوط من الأصل للطهارة، وعند آخرين للضرورة. وأما قول الشافعي ﵀ أنه استحال إلى فساد فيشكل بالمني على مذهبه، ثم الاستحالة إلى فساد لا توجب النجاسة لا محالة؛ فإن سائر الأطعمة إذا فسدت لا تنجس فدل أن التغير إلى الفساد لا يوجب النجاسة على أنه إن كان نجسًا قد سقطت نجاسته للضرورة. وعند محمد بن الحسن (٨): بول ما يؤكل لحمه طاهر حتى لو وقع في الماء القليل لا يوجب تنجسه. ويجوز التوضي به إلا أن يكون البول غالبًا فحينئذٍ لا يجوز التوضي به كما لو وقع فيه لبن، واللبن غالب على الماء، وعندهما (٩) يتنجس وإن وقعت فيها قطرة؛ لأن القطرة في الماء تكون كثيرًا، [وإن] (١٠) أصاب الثوب وكان كثيرًا فاحشًا لا يجوز الصلاة معه. وعند محمد ﵀ يجوز.

стр. 260

واحتج محمد ﵀ في المسألة بما روي: أن قومًا من [عرينة] (١) أتوا المدينة فاجتووها أي لم توافقهم المدينة فاصفرت ألوانهم وانتفخت بطونهم، فأمرهم رسول الله بأن يخرجوا إلى إبل الصدقة ويشربوا من أبوالها وألبانها، [فخرجوا وشربوا من أبوالها وألبانها] (٢) وصحوا، ثم ارتدوا ومالوا إلى الرعاة وقتلوهم واستاقوا الإبل، فبعث رسول الله ﵇ في أثرهم قومًا فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في شدة الحر حتى ماتوا (٣). قال الراوي وهو أنس بن مالك ﵁: (حتى رأيت بعضهم يكدم الأرض بفيه من شدة العطش). فرسول الله أمرهم بشربها، ولو كان نجسًا لما أمرهم بذلك؛ لأنه لو كان نجسًا كان حرامًا. وقال ﵇: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» (٤). فالاعتماد لمحمد ﵀ في المسألة على هذا الحديث.

стр. 261

والقياس في المسألة ما قاله أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله، إلا أنه ترك القياس بهذا الحديث [كذا] (١) في «مبسوط شيخ الإسلام ﵀» (٢). (فَإِنْ بَالَتْ فِيهَا شَاةٌ نُزِحَ الْمَاءُ كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ -رَحِمَهُمَا اللَّهُ-. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ لا يُنْزَحُ إلا إذَا غَلَبَ عَلَى الْمَاءِ فَيَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَهُورًا) وَأَصْلُهُ أَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ نَجِسٌ عِنْدَهُمَا. لَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الْعُرَنِيِّينَ بِشُرْبِ أَبْوَالِ الإبِلِ وَأَلْبَانِهَا» وَلَهُمَا قَوْلُهُ ﵊: «اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ) -[قوله ﵀: (أمر العرنيين) «عرنة وادٍ بحذاء عرفات وبتصغيرها سميت عرينة وهي قبيلة ينسب إليها العرنيون» (٣)، وإنما سقطت ياء التصغير عند النسبة إليها حيث لم يقل العرنيين لما أن بابي فعيلة وفعَيْلة يسقطان عند النسبة قياسًا مطردًا فيقال: حنفي ومدني وجهني وعقلي في حنيفة ومدينة وجهينة وعقيلة، وكذلك في عرينة كذا في «المغرب» وغيره] (٤). -قوله: (فإن عامة عذاب القبر منه) (٥) قال الشيخ: وجه مناسبة عذاب القبر مع ترك [استبراء] (٦) البول هو أن القبر أول منزل من منازل الآخرة، والطهارة أول منزل من منازل الصلاة، والصلاة أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة كما جاء في الحديث؛ فكانت الطهارة أول ما يعذب بتركها في أول منزل من منازل الآخرة، وليس ذلك إلا القبر، ثم إنه ﵇ ذكر أن عذاب القبر [على] (٧) من ترك استنزاه البول ولم يفصل بين [بول] (٨) ما يؤكل لحمه وبين ما لا يؤكل لحمه علم أن جميع الأبوال نجس. وذكر في «المبسوط»: «ولما ابتلي سعد بن معاذ ﵁ بضغطة القبر سئل رسول الله ﵇ عن سببه فقال: إنه كان لا يستنزه من البول ولم يرد به بول نفسه؛ فإن من لا يستنزه منه لا تجوز صلاته، فإنما أراد أبوال الإبل عند معالجتها» (٩).

стр. 262

فأما حديث أنس ﵁ فقد ذكر قتادة عن أنس أنه رخص لهم في شرب ألبان الإبل ولم يذكر الأبوال، وإنما ذكره في حديث حميد عن أنس، فإذا دار بين أن يكون حجة وبين أن لا يكون يسقط الاحتجاج به، ثم قال: خصهم رسول الله بذلك؛ لأنه ينحرف من طريق الوحي أن شفاءهم فيه، ولا يوجد مثله في زماننا، ويباح بتناول المحرم إذا علم حصول الشفاء به يقينًا، ألا ترى أن من اضطر إلى ميتة فإنه يباح له أن يتناول منها مقدار سد الرمق لعلمه يقينًا كما خص الزبير بلبس الحرير لحكة كانت به وهي مجاز عن القمل فإنه كان كثير القمل، أو يحمل على أنه كان في ابتداء الإسلام ثم صار منسوخًا. (وَلأنَّهُ يَسْتَحِيلُ إلَى نَتَنٍ وَفَسَادٍ فَصَارَ كَبَوْلِ مَا لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ. وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ عَرَفَ شِفَاءَهُمْ فِيهِ وَحْيًا، ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ -رحِمَهُ الله تَعَالَى- لا يَحِلُّ شُرْبُهُ لِلتَّدَاوِي وَلا لِغَيْرِهِ لأنَّهُ لا يُتَيَقَّنُ بِالشِّفَاءِ فِيهِ فَلا يَعْرِضُ عَنْ الْحُرْمَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يَحِلُّ لِلتَّدَاوِي لِلْقِصَّةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَحِلُّ لِلتَّدَاوِي وَغَيْرِهِ لِطَهَارَتِهِ عِنْدَهُ.) -قوله: (ولأنه يستحيل إلى نتنٍ وفسادٍ) وإنما قيد بالنتن والفساد احتراز عما لا نتن فيه لما أن ما يحيله الطبع على نوعين: «نوع ما يحيله الطبع إلى فساد وهو نجس كالدماء والغائط/ ١٤/ أ/. والثاني: ما يحيله الطبع إلى صلاح وهو ليس بنجس كالبيضة والعسل واللبن، وهذا/ ١٤/ ب/ هو القياس الصحيح»، كذا في «الأسرار» (١). وذكر الإمام المحبوبي (٢) في جواب محمد: أن كون اللحم طاهرًا لا يدل على طهارة البول، ألا يرى أن لحم الآدمي طاهر وحرمة الأكل لكرامته وبوله نجس. -قوله: (يحل للقصة) وهي ما ذكرنا من حديث العرنيين. قَالَ (وَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ أَوْ عُصْفُورَةٌ أَوْ صَعْوَةٌ أَوْ سُودَانِيَّةٌ أَوْ سَامٌّ أَبْرَصُ نُزِحَ مِنْهَا مَا بَيْنَ عِشْرِينَ دَلْوًا إلَى ثَلاثِينَ بِحَسَبِ كِبَرِ الدَّلْوِ وَصِغَرِهَا) قوله: (وإن ماتت فيها فأرة أو عصفورة) وحاصله أن الحيوان الواقع في البئر لا يخلو من أوجه ثلاثة: إما أن يكون فأرة ونحوها، أو دجاجة ونحوها، أو شاة ونحوها. ولا يخلو إما أن يخرج حيًّا أو ميتًا، وبعد الموت لا يخلو إما أن [يكون] (٣) منتفخًا أو لا، أما إذا استخرج حيًّا في الفصول كلاها لا يوجب التنجس إلا الكلب والخنزير، هكذا ذكر في العيون (٤) وعن أبي يوسف أنه قال: الكلب إذا وقع في البئر ثم خرج منها ما ينقض فأصاب ثوب إنسان من ذلك الماء أكثر من قدر الدرهم لا يجوز الصلاة به.

стр. 263

وأما في غير الكلب والخنزير إذا استخرج حيًّا فإنه لا ينزح شيء من الماء، وهذا إذا لم يصب فمه الماء، وأما إذا أصاب فمه إن كان سؤره طاهرًا فالماء طاهر، وإن كان سؤره نجسًا فالماء نجس، وإن كان سؤره مكروهًا فالماء مكروه، ويستحب أن ينزح منها عشر دلاء، فإن كان مشكوكًا بنزح ماء البئر كله كذا في «شرح الطحاوي» (١). [فإن] (٢) قلت: فبإطلاق قوله وأما في غير الكلب والخنزير إذا استخرج حيًّا لا ينزح شيء [يعلم] (٣) أن الواقع وإن كان ذئبًا أو ثعلبًا أو غيرهما من السباع سوى الكلب والخنزير لا ينجس البئر إذا أخرج حيًّا ولم يصب فمه الماء، وكذلك يعلم أن في الكلب والخنزير لا يشترط إصابة الفم في تنجيس الماء كله، ولكن ذكر في «المحيط» و «فتاوى قاضي خان» «أن سائر السباع بمنزلة الكلب» (٤) حتى إذا وقع سبع من السباع وأخرج حيًّا ولم يصب فمه الماء ينزح ماء البئر كله بمنزلة الكلب، والحق الكافر بالكلب في «المحيط»: «سام أبرص (٥) من كبار الوزغة» (٦). (يَعْنِي بَعْدَ إخْرَاجِ الْفَأْرَةِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّهُ قَالَ فِي الْفَأْرَةِ إذَا مَاتَتْ فِي الْبِئْرِ وَأُخْرِجَتْ مِنْ سَاعَتِهَا: نُزِحَ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا» وَالْعُصْفُورَةُ وَنَحْوُهَا تُعَادِلُ الْفَأْرَةَ فِي الْجُثَّةِ فَأَخَذَتْ حُكْمَهَا) -قوله: (يعني بعد إخراج الفأرة) لأن سبب نجاسة البئر حصول الفأرة الميتة فيها فلا يمكن الحكم بالطهارة مع بقاء السبب الموجب للنجاسة «فإن أخرجت الفأرة ثم نزح منها عشرون دلوًا وهو يقطر فيها لم يضرها ذلك؛ لأن النزح على وجه لا يقطر شيء [منه فيها بتعذر] (٧) وما لا يستطاع الامتناع منه يكون عفوًا لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولو صب الدلو الأخير في بئر أخرى فعليهم أن ينزحوا دلوًا مثلها كما لو صبت في البئر الأولى؛ لأن حال البئر الثانية بعد ما حصل هذا فيها كحال البئر الأولى حين كان هذا الدلو فيها، وإن صبت الدلو الأولى منها في بئر طاهرة كان عليهم أن ينزحوا منها [عشرين] (٨) دلوًا» لما ذكرنا، كذا في «المبسوط».

стр. 264

وعن أبي يوسف: نزع [عشرين] (١) إلى الثلاثين في الفأرة الواحدة، وكذلك إلى الأربع، فإن كانت خمسًا ينزح منها أربعون دلوًا إلى التسع، وإن كانت عشرًا فالجميع ينزح، كذا في «الفتاوى الظهيرية». (وَالْعِشْرُونَ بِطَرِيقِ الإيجَابِ وَالثَّلاثُونَ بِطَرِيقِ الاسْتِحْبَابِ. قَالَ (فَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا حَمَامَةٌ أَوْ نَحْوُهَا كَالدَّجَاجَةِ وَالسِّنَّوْرِ نُزِحَ مِنْهَا مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ دَلْوًا إلَى سِتِّينَ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَرْبَعُونَ أَوْ خَمْسُونَ) وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «أَنَّهُ قَالَ فِي الدَّجَاجَةِ: إذَا مَاتَتْ فِي الْبِئْرِ نُزِحَ مِنْهَا أَرْبَعُونَ دَلْوًا» وَهَذَا لِبَيَانِ الإيجَابِ، وَالْخَمْسُونَ بِطَرِيقِ الاسْتِحْبَابِ، ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بِئْرٍ دَلْوُهَا الَّذِي يُسْتَقَى بِهِ مِنْهَا، وَقِيلَ دَلْوٌ يَسَعُ فِيهَا صَاعًا) قوله ﵀: (والعشرون بطريق الإيجاب والثلاثون بطريق الاستحباب) وهذا الوضع لمعنيين ذكرهما شيخ الإسلام ﵀ في «مبسوطه»: أحدهما: أن السنة جاءت في رواية أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﵇ أنه قال في الفأرة إذا وقعت في البئر فماتت فيها أنه ينزح منها عشرون دلوًا أو ثلاثون. هكذا رواه أبو علي الحافظ السمرقندي ﵀ (٢) بإسناده، و [أو] (٣) لأحد الشيئين فكان الأقل ثابتًا يقينًا وهو معنى الوجوب، والأكثر يؤتى به لئلا يترك اللفظ المروي وإن كان مستغنًى عنه في العمل وهو معنى الاستحباب.

стр. 265

والثاني: أن الرواية اختلفت فيه اختلافًا كثيرًا، فروى ميسرة (١) عن علي بن أبي طالب ﵁ في الفأرة تموت في البئر: «يَنْزحُ مِنْهُ المَاء». وفي رواية: «سَبعَ دلاء». وفي رواية: «عِشْرُون». وفي رواية: «ثَلاثُون» (٢). وروى يوسف بن [ماهك] (٣) عن ابن عباس: في الفأرة أربعون. فإذًا بعضهم أوجب في الفأرة عشرين، وبعضهم أكثر من عشرين وبعضهم أكثر من عشرين، فأخذ علماؤنا ﵏ بالعشرين؛ لأن الوسط بين القليل والكثير وكان هو واجبًا لتعينه وما رواه استحبابًا (٤). وَلَوْ نُزِحَ مِنْهَا بِدَلْوٍ عَظِيمٍ مَرَّةً مِقْدَارُ عِشْرِينَ دَلْوًا جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ قوله: ([ولو] (٥) نزح بدلو عظيم مرة مقدار عشرين دلوًا جاز) «كان الحسن بن زياد يقول: لا يطهر بهذا؛ لأن عند تكرار النزح ينبع الماء من أسفلها ويؤخذ من أعلاها فيكون في حكم الماء الجاري، وهذا لا يحصل بنزح دلو عظيم منها.

стр. 266

ونحن نقول: لما قدر الشرع الدلاء بقدر خاص عرفنا أن المعتبر القدر المنزوح، وأن معنى الجريان ساقط؛ لأن ذلك يحصل بدون النزح» (١) كذا في «المبسوط». (فَإِنْ انْتَفَخَ الْحَيَوَانُ فِيهَا أَوْ تَفَسَّخَ نُزِحَ جَمِيعُ مَا فِيهَا صَغَرَ الْحَيَوَانُ أَوْ كَبُرَ) لِانْتِشَارِ الْبِلَّةِ فِي أَجْزَاءِ الْمَاءِ قوله: (لا تنشار (٢) البلة في أجزاء الماء) لأن عند الانتفاخ تنفصل منها بلة نجسة وتلك البلة نجاسة مائعة بمنزلة قطرة من خمر أو بول تقع في البئر، ولهذا قال محمد ﵀: إذا وقع في البئر ذنب فأرة فإنه ينزح جميع الماء؛ لأن موضع القطع لا ينفك عن نجاسة مائعة بخلاف ما إذا أخرجت قبل الانتفاخ؛ لأن شيئًا من أجزائها لم يبق في الماء؛ لأنه لم يزايل من أجزائها شيء إلى الماء فالنجاسة بسبب المجاورة، فإذا لم يبق من أجزائها لم يبق الماء نجسًا، وإنما أثبتنا الطهارة شرعًا والتطهير شرعًا بنزح عشرين دلوًا كذا في «المبسوطين» (٣). قَالَ (وَإِنْ كَانَتْ الْبِئْرُ مَعِينًا لا يُمْكِنُ نَزْحُهَا أَخْرَجُوا مِقْدَارَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ الْمَاءِ). -قوله: (وإن كانت البئر معينًا) وفي «الصحاح» يقال: «حفرت حتى عنت أي: بلغت العيون. والماء معين ومعيون، وعان الماء والدمع عينانًا بالتحريك أي: سال» (٤). وعلى هذا يكون الميم زائدة والفعل من حد ضرب. وفيه أيضًا في فصل الميم «أمعنت الأرض أي رويت، وماء معين أي جارٍ» (٥). [و] (٦) على هذا كانت الميم أصلية ولكن ذكر فيه أيضًا بعد هذا: ويقال: «هو مفعول من [عنت] (٧) الماء إذا استنبطته» (٨). وجعل الميم أصلية في «الديوان» (٩) حتى أورده في باب فعيل من السالم. وفي «تاج المصادر» (١٠): المعانة بروان شيدن آب] (١١) من حد [شرف] (١٢). وفي «المغرب»: «والقياس أن يقال: معينة؛ لأن البئر مؤنثة، وإنما ذكرها حملاً على اللفظ، أو توهم أنه فعيل بمعنى مفعول» (١٣).

стр. 267

-قوله: (أخرجوا مقدار ما كان فيها) (١) هذا هو المروي عن أبي يوسف ﵀، وأما المروي عن أبي حنيفة ﵀ أنه إذا نزح منها مائة دلو يكفي، وهو بناء على آبار الكوفة لقلة الماء فيها. «عن محمد في «النوادر»: أنه ينزح ثلاث مائة دلو أو مائتا دلو، وإنما أجاب بناءً على كثرة الماء في آبار بغداد» كذا في «المبسوط» (٢) كما هو [دأبه في] (٣) حبس الغريم وحد التقادم وانقطاع حق الحضانة. (وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ أَنْ تُحْفَرَ حُفْرَةٌ مِثْلُ مَوْضِعِ الْمَاءِ مِنْ الْبِئْرِ وَيُصَبُّ فِيهَا مَا يُنْزَحُ مِنْهَا إلَى أَنْ تَمْتَلِئَ أَوْ تُرْسَلَ فِيهَا قَصَبَةٌ وَيُجْعَلَ لِمَبْلَغِ الْمَاءِ عَلامَةٌ ثُمَّ يُنْزَحُ مِنْهَا عَشْرُ دِلاءٍ مَثَلاً، ثُمَّ تُعَادُ الْقَصَبَةُ فَيُنْظَرُ كَمْ اُنْتُقِصَ فَيُنْزَحُ لِكُلِّ قَدْرٍ مِنْهَا عَشْرُ دِلاءٍ، وَهَذَانِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ نَزْحُ مِائَتَا دَلْوٍ إلَى ثَلَثِمِائَةٍ فَكَأَنَّهُ بَنَى قَوْلَهُ عَلَى مَا شَاهَدَ فِي بَلَدِهِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي مِثْلِهِ مَا يُنْزَحُ حَتَّى يَغْلِبَهُمْ الْمَاءُ وَلَمْ يُقَدِّرْ الْغَلَبَةَ بِشَيْءٍ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ. وَقِيلَ يُؤْخَذُ بِقَوْلِ رَجُلَيْنِ لَهُمَا بَصَارَةٌ فِي أَمْرِ الْمَاءِ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِالْفِقْهِ قَالَ (وَإِنْ وَجَدُوا فِي الْبِئْرِ فَأْرَةً أَوْ غَيْرَهَا وَلا يُدْرَى مَتَى وَقَعَتْ وَلَمْ تَنْتَفِخْ وَلَمْ تَنْفَسِخْ أَعَادُوا صَلاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إذَا كَانُوا تَوَضَّئُوا مِنْهَا وَغَسَلُوا كُلَّ شَيْءٍ أَصَابَهُ مَاؤُهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ انْتَفَخَتْ أَوْ تَفَسَّخَتْ أَعَادُوا صَلاةَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) -قوله: (وهذا أشبه بالفقه) أي: بالمعنى المستنبط من الكتاب أو السنة، وهذا كذلك من حيث أن الله تعالى اعتبر قول رجلين عدلين في قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، وكذلك في الشهادة في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. وإنما اشترطت البصارة لهما في الماء؛ لأن الأحكام إنما تستفاد ممن له علم بها، أصله قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].

стр. 268

وَقَالا: لَيْسَ عَلَيْهِمْ إعَادَةُ شَيْءٍ حَتَّى يَتَحَقَّقُوا مَتَى وَقَعَتْ لأنَّ الْيَقِينَ لا يَزُولُ بِالشَّكِّ، وَصَارَ كَمَنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً وَلا يَدْرِي مَتَى أَصَابَتْهُ. وَلأبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ لِلْمَوْتِ سَبَبًا ظَاهِرًا وَهُوَ الْوُقُوعُ فِي الْمَاءِ فَيُحَالُ عَلَيْهِ، إلا أَنَّ الانْتِفَاخَ وَالتَّفَسُّخَ دَلِيلُ التَّقَادُمِ فَيُقَدَّرُ بِالثَّلاثِ، وَعَدَمُ الانْتِفَاخِ وَالتَّفَسُّخِ دَلِيلُ قُرْبِ الْعَهْدِ فَقَدَّرْنَاهُ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لأنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ سَاعَاتٌ لا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّجَاسَةِ فَقَدْ قَالَ الْمُعَلَّى: هِيَ عَلَى الْخِلافِ، فَيُقَدَّرُ بِالثَّلاثِ فِي الْبَالِي وَبِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي الطَّرِيِّ وَلَوْ سُلِّمَ فَالثَّوْبُ بِمَرْأَى عَيْنِهِ وَالْبِئْرُ غَائِبَةٌ عَنْ بَصَرٍ فَيَفْتَرِقَانِ. (وَعَرَقُ كُلِّ شَيْءٍ مُعْتَبَرٌ بِسُؤْرِهِ) لأنَّهُمَا يَتَوَلَّدَانِ مِنْ لَحْمِهِ فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا حُكْمَ صَاحِبِهِ. قَالَ (وَسُؤْرُ الْآدَمِيِّ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ) لأنَّ الْمُخْتَلِطَ بِهِ اللُّعَابُ وَقَدْ تَوَلَّدَ مِنْ لَحْمٍ طَاهِرٍ فَيَكُونُ طَاهِرًا، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْجَوَابِ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالْكَافِرُ. -قوله: (حتى يتحققوا) التحقق [درست سدن ودرست دانستين] (١). والقياس ما قالا؛ لأنه على يقين من طهارة البئر فيما مضى [و] (٢) في شك من النجاسة في الحال، واليقين لا يزال بالشك كما في رؤية النجاسة على ثوبه [حيث] (٣) لا يلزمه إعادة شيء من الصلوات لهذا، وكان أبو يوسف يقول أولاً بقول أبي حنيفة ﵀ حتى رأى طائرًا في منقاره فأرة ميتة فألقاها في بئر فرجع إلى هذا القول وقال: لا يعيد شيئًا من الصلوات بالشك. وأبو حنيفة يقول: ظهر لموت الفأرة سبب [ظاهر] (٤) وهو وقوعها في البئر فيحال بموتها عليه كمن جرح إنسانًا فلم يزل المجروح صاحب فراش حتى مات يحال بموته على تلك الجراحة؛ لأنه هو الظاهر من السبب. ثم الانتفاخ دليل تقادم العهد، وأدنى حد التقادم في هذا ثلاثة أيام، [ألا ترى أن من دفن قبل أن يصلى عليه يصلى على قبره إلى ثلاثة أيام] (٥) ولا يصلى بعد ذلك؛ لأنه ينفسخ في هذه المدة.

стр. 269

وقولهما: إن في نجاسة البئر فيما مضى شكًّا قلنا: زال هذا الشك بيقين النجاسة في الحال فوجب اعتباره، والقول بالاحتياط فيه فيما مضى، وإن كانت غير منتفخة يعيد صلاة يوم وليلة عنده؛ لأن أقل المقادير في باب الصلاة يوم وليلة فقدرناه به احتياطًا والله أعلم. فصل في الآسآر وغيرها (١) لما ذكر أحكام ماء البئر للمناسبة التي ذكرناها بما قبله، فكانت تلك الأحكام مبنية على وقوع أنفس الحيوانات، فيها وهي كلها استدعى ذلك ذكر الأحكام المتعلقة بجزئها وهو السؤر؛ إذ الجزء أبدًا يتبع الكل. السؤر: بقية الماء التي يبقيها الشارب في الإناء ثم عمَّ استعماله فيه وفي الطعام (٢)، والجمع الآسآر، والفعل منه أسأر، أي: أبقى مما شرب، والنعت من سأر على غير قياس؛ لأن قياسه سئر ونظيره أخيره فهو خيار (٣). وذكر في «شرح الطحاوي» (٤): الآسآر على خمسة: سؤر طاهر متفق على طهارته، وسؤر نجس متفق على نجاسته، وسؤر مكروه، وسؤر مشكوك، وسؤر مختلف فيه، وهو سؤر سباع الوحوش سوى الكلب والخنزير، كالأسد والذئب والفهد وغيرها نجس عندنا، خلافًا للشافعي-﵀ (٥). (وَعَرَقُ كُلِّ شَيْءٍ مُعْتَبَرٌ بِسُؤْرِهِ) -قوله: (وعرق كل شيء معتبر بسؤره) فإن قلت: كان من حق الكلام [أن يقول] (٦): وسؤر كل شيء معتبر بعرقه؛ لأن الكلام في السؤر لا في العرق فيجب أن يجعل السؤر مقيسًا لا مقيسًا عليه.

стр. 270

قلت: نعم كذلك إلا أنهما لما كانا متولدين من أصل واحد لا مفاضلة لأحدهما على الآخر، كان كل واحد منهما [بنسبة] (١) الآخر مقيسًا ومقيسًا عليه، وذكر في «الإيضاح» (٢) هكذا فاتبعه صاحب «الهداية» (٣) فيه. فإن قلت: هذا الذي ذكره من الأصل ينتقض بعرق الحمار فإنه مخالف بسؤره، فإن عرقه طاهر غير مشكوك [وسؤره مشكوك] (٤). قلت: الأصل يقتضي أن يكون الأمر على ما ذكره إلا أنه خص ذلك بالنص، وهو ركوب النبي-﵇ الحمار معروريا (٥)، فلم يُعمل العلة عند وجود النص لفقدان شرط عملها، أو نقول: الأصل مستمر على ما ذكره غير منقوض بما ذكرت؛ لأن الشك في طهوريته لا في طهارته [لما عرف] (٦). (لأنَّهُمَا) قوله: (لأنهما) أي: اللعاب والعرق، ذكر ضمير اللعاب وإن لم يذكر اللعاب قبله لما أن السؤر هو ما خالطه اللعاب، فكان ذكر السؤر ذكرًا له، فصلح [لذلك] (٧) ضميره كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] كان ذكر الناس ذكرًا للأرض؛ لأن الناس على وجه الأرض فصلح [لذلك] (٨) ضميرهما. (وَسُؤْرُ الْآدَمِيِّ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ) (طَاهِرٌ) (؛ لأنَّ الْمُخْتَلِطَ بِهِ اللُّعَابُ) وَقَدْ تَوَلَّدَ مِنْ لَحْمٍ طَاهِرٍ فَيَكُونُ طَاهِرًا، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْجَوَابِ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالْكَافِرُ. -قوله: (وسؤر الآدمي طاهر) لما روي أن النبي ﵇ أتي بعس (٩) من لبن فشرب بعضه، وناول الباقي أعرابيًّا كان عن يمينه فشربه، ثم ناوله أبا بكر ﵁ فشربه (١٠).

стр. 271

ولأن عين الآدمي طاهر وإنما لا يؤكل لكرامته لا لنجاسته، وكذلك سؤر الحائض والجنب لما رُوي أن عائشة-﵂ شربت من إناء في [حال] (١) حيضها، فوضع رسول الله-﵇ فمه على موضع فمها وشرب (٢). وروي عن النبي ﵇ أنه قال: «من شرب من سؤر أخيه كتبت له عشر حسنات». وفي رواية: «سبعون حسنة» (٣). ولأن ما لاقى الماء من الجنب شفتاه أو [احدي] (٤) شفتيه وشفتاه طاهرتان حقيقة؛ لأنه لا نجاسة على أعضائه من حيث الحقيقة على ما بينا، والنجاسة الحكمية على قول محمد لا يغير صفة الماء، إذا لم يُقصد به إقامة القربة ولم يقصد به ها هنا إقامة القربة إنما قصد به الشرب، فلا تتغير [به] (٥) صفة الماء على مذهبه، وعلى قولهما النجاسة الحكمية وإن كانت توجب تنجس الماء إذا أسقط به فرضًا [وقد أسقط به فرضًا] (٦) وإن قصد به [الشرب] (٧) إلا أنه لم ينجس ها هنا نفيًا للحرج كما سقط اعتبار النجاسة في إدخال اليد، وإن سقط به الفرض عن اليد لما [أن] (٨) للناس فيه من الضرورة كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٩) وبهذا

стр. 272

خرج الجواب عن شبهة ترد على سؤر الجنب بأن يقال: ينبغي أن يكون سؤر الجنب نجسًا على قول أبي يوسف ﵀ لوجود سقوط الفرض عن فمه لشربه، إلا أن الجواب ما ذكره شيخ الإسلام من مكان الضرورة. وأما سؤر الكافر فطاهر أيضًا عندنا، «وبعض أصحاب الظواهر يكرهون ذلك لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، ولكنا نقول: المراد [خبث] (١) الاعتقاد بدليل ما روي أن النبي-﵇ أنزل وفد ثقيف في المسجد (٢) وكانوا مشركين، ولو كان عين المشرك نجسًا لما أنزلهم في المسجد»، كذا في «المبسوط» (٣). (وَسُؤْرُ الْكَلْبِ نَجِسٌ) وَيُغْسَلُ الإنَاءُ مِنْ وُلُوغِهِ ثَلَاثًا لِقَوْلِهِ ﵊: «يُغْسَلُ الإنَاءُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ ثَلَاثًا» وَلِسَانُهُ يُلَاقِي الْمَاءَ دُونَ الإنَاءِ، فَلَمَّا تَنَجَّسَ الإنَاءُ فَالْمَاءُ أَوْلَى، وَهَذَا يُفِيدُ النَّجَاسَةَ وَالْعَدَدَ فِي الْغَسْلِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي اشْتِرَاطِ السَّبْعِ، وَلأنَّ مَا يُصِيبُهُ بَوْلُهُ يَطْهُرُ بِالثَّلَاثِ، فَمَا يُصِيبُهُ سُؤْرُهُ وَهُوَ دُونَهُ أَوْلَى. -قوله: (فلما تنجس الإناء فالماء أولى) فكانت نجاسة سؤر الكلب [حكمًا] (٤) ثابتًا بدلالة الإجماع؛ لأن الإجماع لما انعقد على وجوب غسل الإناء بولوغه، ولهذا الإجماع دلالة على نجاسة الماء؛ لأن لسان الكلب لم يلاق الإناء وإنما لاقى الماء، ولما ورد الشرع تنجس الإناء مع أن لسان الكلب لم يلاقٍ الإناء فلأن يرد تنجس الماء ولسان الكلب لاقاه كان أولى. فإن قلت: قوله-﵇: «يَغْسِل الإنَاء مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ ثَلاثًا» (٥) جاز أن يكون المراد به لحسه [الإناء] (٦) ثلاثًا (٧)، فحينئذٍ كان لسانه ملاقيًا للإناء فلا يتم هذا/ ١٥/ أ/ الاستدلال الثابت بالأولوية. قلت: الكلام على حقيقته ما لم يقم الدليل على مجازه فإن حقيقة الولوغ واقعة على [سؤر] (٨) الكلب المائعات بأطراف لسانه، ذكره في «الصحاح» (٩)، وفي «تاج المصادر»: [الولوغ] (١٠) [خوز وآب خور دن سباع بسر زبان] (١١) من حد منع، فكان محمولاً على حقيقة الولوغ وهي الشرب فيتم الاستدلال.

стр. 273

وَالْأَمْرُ الْوَارِدُ بِالسَّبْعِ مَحْمُولٌ عَلَى ابْتِدَاءِ الإسْلَامِ. -قوله: (والأمر الوارد بالسبع) محمولٌ على الابتداء؛ فإن النبي ﵇ كان يشدد في أمر الكلاب في الابتداء منعًا لهم من الاقتناء على ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: من اقتنى كلبًا إلا لماشية أو صيد نقص من أجره كل يوم قيراط (١). والدليل عليه أنه ﵇ قال: «وَعَفِّرُوا الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ». والتعفير ليس بواجب بالاتفاق، كذا في «الفتاوى الظهيرية». فإن قيل: جاز أن يكون المراد بغسل الإناء هنا التعبد لا التنجس. قلنا: هذا لا يصح؛ لأن الجمادات لا يلحقها حكم العبادات، ولأنه لو كان تعبدًا لوجب غسل غير موضع النجاسة كما في الحدث، وبالإجماع (٢) هذا الغسل يجب في موضع الإصابة كما في سائر النجاسات علمنا أنه وجب لإزالة النجاسة لا للتعبد، كذا في «المبسوط» (٣). قوله: (خلافًا للشافعي ﵀) وحاصله أن سؤر ما لا يؤكل لحمه من السباع كالأسد والفهد والنمر عندنا نجس (٤). وقال الشافعي-﵀: طاهر لحديث ابن عمر-﵄: أن النبي-﵇-سئل فقيل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ فقال: «نعم». وبما أفضلت السباع [كلها] (٥) (٦).

стр. 274

وفي حديث جابر: أن النبي-﵇ سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة وما ينوبها من السباع فقال: «لها مَا وَلَغَتْ في بُطُونها، وَمَا بَقِيَ فَهُو لنَا شَرابٌ وُطُهُور» (١). ولأن عينها طاهر بدليل جواز الانتفاع بها في حالة الاختيار. وأما حديث [عمر] (٢) وعمرو بن العاص ﵄ (وردا حوضًا فقال عمرو بن العاص: يا صاحب الحوض أترد السباع ماءكم هذا؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض لا تخبرنا) (٣). ولولا أنهما كانا يريان التنجس [بورودها] (٤) وإلا لم يكن لسؤال عمرو ولا لنهي عمر معنى [والمعنى] (٥) في المسألة أنها سؤر سباع يمكن الاحتراز عنه فكان نجسًا قياسًا على الخنزير.

стр. 275

وتأويل الحديثين أنه كان ذلك في الابتداء قبل تحريم [لحم] (١) السباع أو السؤال وقع في الحياض الكبار، وبه نقول إن مثلها لا تنجس كذا في «المبسوط» (٢). وذكر محمد نجاسة سؤر السباع ولم يبين أن نجاسته خفيفة حتى يعتبر فيه الكثير أو غليظة حتى يعتبر فيه أكثر من قدر الدرهم. وقد روي عن أبي حنيفة في [غير] (٣) رواية الأصول أنه نجس نجاسة غليظة. وروي عن أبي يوسف: أن سؤر ما لا يؤكل لحمه من السباع، كبول ما يؤكل لحمه وعلل فقال: لأن الناس اختلفوا في سؤر ما لا يؤكل لحمه من السباع كما اختلفوا في بول ما يؤكل لحمه، فأوجب اختلافهم تخفيفًا في نجاسته كما في بول ما يؤكل لحمه، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٤). (وَسُؤْرُ الْخِنْزِيرِ نَجِسٌ) لأنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ عَلَى مَا مَرَّ (وَسُؤْرُ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ نَجِسٌ) خِلَافًا لَلشَّافِعِيِّ ﵀ فِيمَا سِوَى الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ لأنَّ لَحْمَهَا نَجِسٌ وَمِنْهُ يَتَوَلَّدُ اللُّعَابُ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْبَابِ. (وَسُؤْرُ الْهِرَّةِ طَاهِرٌ مَكْرُوهٌ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ «لأنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يُصْغِي لَهَا الإنَاءَ فَتَشْرَبُ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِهِ». وَلَهُمَا قَوْلُهُ ﵊: «الْهِرَّةُ سَبُعٌ» وَالْمُرَادُ بَيَانُ الْحُكْمِ دُونَ الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ، إلَّا أَنَّهُ سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ لِعِلَّةِ الطَّوْفِ فَبَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ. وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ، ثُمَّ قِيلَ كَرَاهَتُهُ لِحُرْمَةِ اللَّحْمِ، وَقُبِلَ لِعَدَمِ تَحَامِيهَا النَّجَاسَةِ وَهَذَا يُشِيرُ إلَى التَّنَزُّهِ وَالْأَوَّلُ إلَى الْقُرْبِ مِنْ التَّحْرِيمِ. -قوله ﵀: (وسؤر الهرة مكروه) قال شمس الأئمة ﵀ في «المبسوط»: «هذا لفظ «الجامع الصغير»، وأما لفظ كتاب الصلاة قال: وإن توضأ بغيره [فهو] (٥) أحب إلي» (٦). وذكر شيخ الإسلام. وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه قال: لا بأس بالتوضي به، وهو قول الشافعي (٧)، واحتجا في ذلك بحديثين: [أحدهما] (٨): ما رواه محمد في كتاب الصيد أن النبي ﵇ كان يصغي الإناء للهرة ويشرب ما بقي ويتوضأ منه (٩).

стр. 276

[و] (١) روى أبو يوسف هذا الحديث وقال: كيف أكره مع هذا الحديث. وروي عن عائشة-﵂-أنها كانت تصلي وفي بيتها قصعة من هريسة فجاءت هرة وأكلت منها، فلما فرغت من صلاتها دعت [جاراتٍ] (٢) لها فكن يتحامين من موضع فمها فمدت يدها وأخذت موضع فمها وأكلت وقالت: سمعت رسول الله-﵇ يقول: «الهرّة لَيسَت بنجسَة إنما هيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ والطَّوَّافاتِ علَيْكمْ» فما لكن لا تأكلن؟! (٣) ولأنها نوع بهيمة يجوز اقتناؤها على الإطلاق فلا يكرهه التوضي بسؤرها قياسًا على الإبل، يعني به يباح اقتناؤها لا لغرض بخلاف الكلب؛ فإنه [لا] (٤) يباح اقتناؤه من غير غرض على ما مر من لفظ الحديث. «ولنا: حديث ابن عمر: يغسل الإناء من ولوغ الهرة مرةً، وهو إشارة إلى الكراهة، وعن أبي هريرة أن النبي-﵇ قال: «الهرَّة سَبْع» (٥). فهذا يدل [على النجاسة]» (٦) [أنه على التحريم أقرب] (٧).

стр. 277

وحديث عائشة (١) ﵂ يدل على الطهارة فأثبتنا [حكم] (٢) الكراهة عملاً بهما. «وكان الطحاوي [يقول] (٣): كراهة سؤرها [كحرمة] (٤) لحمها، وهذا يدل على أنه إلى التحريم أقرب. وقال الكرخي: كراهة سؤرها؛ لأنها تتناول الجيف فلا يخلو فمها عن نجاسة عادةً، وهذا يدل على أن الكراهة كراهة تنزيه وهو الأصح، والأقرب إلى موافقة الأثر» (٥). وأما قوله: يجوز اقتناؤها على الإطلاق. قلنا: جواز اقتنائها على الإطلاق دليل على طهارته، ونحن ما أوجبنا الكراهة لنجاستها؛ بل لتوهم النجاسة على فمها كما كرهنا الماء الذي أدخل [فيه] (٦) الصبي يده. / ١٥/ ب/ وذكر فخر الإسلام ﵀ في «الجامع الصغير» (٧): ودليل الكراهة في سؤر الهرة إجماعهم في الفأرة والحية أن سؤرهما يكره، وإنما أخذ حكمهما من الهرة فلا يصح أن يفارق حكم [الفرع] (٨) الأصل، ولأنها تأكل الفأرة في [العادات] (٩) فيتنجس فمها غير أن الغسل متعذر فسقطت نجاستها وبقيت الكراهة، والحديث محمول على أنها لم تأكل الفأرة، ومما يجب حفظه أن الهرة إذا لحست عضوًا لم ينبغ أن يستهان به فيصلي من غير غسل؛ لأن ذلك مكروه. وذكر شمس الأئمة ﵀ في «الجامع الصغير» (١٠): وبهذا يتبين جهل العوام أنهم يتركون الهرة [لتدخل] (١١) تحت [لحافهم] (١٢) وتلحسهم ولا يغسلون ذلك الموضع، وذلك مكروه عند أبي حنيفة ﵀، ويضعون الطعام بين يدي الهرة [فتأكل] (١٣) بعضه فيرفع الجاهل ذلك ويأكله وذلك مكروه ويظنه أنه أكرم الخبز.

стр. 278

وَلَوْ أَكَلْت فَأْرَةً ثُمَّ شَرِبَتْ عَلَى فَوْرِهِ الْمَاءَ تَنَجَّسَ إلَّا إذَا مَكَثَتْ سَاعَةً لَغُسْلِهَا فَمَهَا بِلُعَابِهَا وَالاسْتِثْنَاءُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ -رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الصَّبِّ لِلضَّرُورَةِ. (وَسُؤْرُ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ) مَكْرُوهٌ لأنَّهَا تُخَالِطُ النَّجَاسَةَ وَلَوْ كَانَتْ مَحْبُوسَةً بِحَيْثُ لَا يَصِلُ مِنْقَارُهَا إلَى مَا تَحْتَ قَدَمَيْهَا لَا يُكْرَهُ لِوُقُوعِ الْأَمْنِ عَنْ الْمُخَالَطَةِ (وَ) كَذَا سُؤْرُ (سِبَاعِ الطَّيْرِ) لأنَّهَا تَأْكُلُ الْمَيْتَاتِ فَأَشْبَهَ الْمُخَلَّاةَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَحْبُوسَةً وَيَعْلَمُ صَاحِبُهَا أَنَّهُ لَا قَذَرَ عَلَى مِنْقَارِهَا لَا يُكْرَهُ، وَاسْتَحْسَنَ الْمَشَايِخُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ (وَ) سُؤْرُ (مَا يَسْكُنُ الْبُيُوتَ كَالْحَيَّةِ وَالْفَأْرَةِ) (مَكْرُوهٌ) لأنَّ حُرْمَةَ اللَّحْمِ أَوْجَبَتْ نَجَاسَةَ السُّؤْرِ إلَّا أَنَّهُ سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ لِعِلَّةِ الطَّوْفِ فَبَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ قوله: (والاستثناء على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف-﵀) يعني به قوله: إلا إذا مكثت ساعة [حينئذ] (١) لا يبقى فمها نجسًا عندهما؛ لأنهما يجوزان إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة، ولكن الصب شرط عند أبي يوسف للتطهير في العضو وسقط ها هنا للضرورة كما سقط اشتراط الصب في غسل الثوب في الإجانة (٢) بالاتفاق للضرورة على أظهر القولين منه. -قوله: (ولو كانت محبوسةً بحيث لا يصلُ منقارُها (٣) وإنما قيد بهذا لأن هذا (أحد وجهي) كونها محبوسة. وقال شيخ الإسلام في «المبسوط»: «وإن كانت [محبوسة] (٤) فإنه يجوز التوضي به، ولا يكره؛ لأنه ليس على منقارها نجاسة لا من حيث الحقيقة ولا من حيث الاعتبار أما من حيث الحقيقة فطاهر، [وكذلك] (٥) من حيث الاعتبار لأنها إذا كانت محبوسة فإنها لا تجد

стр. 279

عذرات غيرها حتى تحول فيها، وإنما تجد عذرات نفسها وهي لا تجول [في] (١) عذرات نفسها (٢). والثاني: هو ما حكي عن الإمام الحاكم عبد الرحمن أنه قال: لم يرد بكونها [محبوسة أن تكون محبوسة في بيتها؛ لأنها وإن كانت محبوسة في بيتها فإنها تجول في عذرات نفسها فلا يؤمن منه أن يكون على منقارها قذرٌ فيكره التوضي بسؤرها كما لو كانت مخلّاة وإنما أراد بكونها محبوسة] (٣) أن تحبس في بيت لتسمن للأكل فيكون راسها وعلفها ومأها خارج البيت فلا يمكنها أن تجول في غذرات نفسها. -قوله: (وكذا سؤر سباع الطير) هو معطوف على قوله: وسؤر الدجاجة المخلاة ليكون داخلاً في حكم الكراهة، ثم حكم الكراهة في سؤر سباع الطير جواب الاستحسان. وأما في جواب القياس فهو نجس؛ لأن سؤر ما لا يؤكل لحمه من سباع الطير معتبرٌ بسؤر ما لا يؤكل لحمه من سباع الوحش، ولكنا استحسنا فقلنا: بأنه طاهر مكروه؛ لأنها تشرب بمنقارها ومنقارها عظم جاف بخلاف سباع الوحش، فإنها تشرب بلسانها ولسانها رطب بلعابها، ولأن في سباع الطير تتحقق البلوى، وأنها تنقض من الهواء فتشرب فلا يمكن صون الأواني عنها خصوصًا في الصحاري بخلاف سباع الوحش»، كذا في «المبسوط» (٤). وذكر الإمام التمرتاشي ﵀ (٥) -: «فسباع الطير تشرب بمنقارها وهو عظم جاف طاهر، لكن تناولها الجيف غالب فأورث الكراهة، فإن توضأ به عند عدم الماء المطلق جاز من غير كراهة، وذكر في «المحيط»: وكأن أبا يوسف اعتبر الكراهة لتوهم اتصال النجاسة بمنقارها لا لوصول لعابها إلى الماء. وقال: إذا لم يكن على منقارها نجاسة لا يكره التوضي بسؤرها. واستحسن المتأخرون رواية أبي يوسف وأفتوا بها» (٦). وَالتَّنْبِيهُ عَلَى الْعِلَّةِ فِي الْهِرَّةِ قوله: (والتنبيه على العلة في الهرة) أي: وبقي التنبيه على العلة التي كانت في الهرة، يعني أن النبي-﵇ علل لسقوط نجاسة سؤر الهرة بعلة الطوف بقوله: «إنها مِنَ الطَّوَّافِينَ والطَّوَّافاتِ عَلَيكم» (٧). دفعًا للحرج، فكان مقتضى ذلك التعليل أن يوجد الحكم المرتب على تلك العلة أينما وجدت تلك العلة فقد وجدت تلك العلة وهي الطوف في سواكن البيوت بعينها؛ بل أزيد منها، فيثبت ذلك الحكم المرتب عليها أيضًا وهو سقوط النجاسة في سؤر سواكن البيوت كما في الهرة، وكان الشيخ ﵀ (٨) يقول في هذا: الله تعالى علل لسقوط وجوب الاستئذان بعلة [الطواف] (٩) في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨]، ثم استدل النبي-﵇

стр. 280

بتعليل الله تعالى فيه على سقوط نجاسة سؤر الهرة بعلة [الطواف] (١) أيضًا بقوله: «إنها مِنَ الطَّوَّافِينَ». ثم استدل أبو حنيفة ﵀ بتعليل النبي-﵇ في سؤر الهرة على سقوط نجاسة سؤر سواكن البيوت بعلة الطواف أيضًا. قَالَ (وَسُؤْرُ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ مَشْكُوكٌ فِيهِ) قِيلَ الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ لأنَّهُ لَوْ كَانَ طَاهِرًا لَكَانَ طَهُورًا مَا لَمْ يَغْلِبْ اللُّعَابُ عَلَى الْمَاءِ، وَقِيلَ الشَّكُّ فِي طَهُورِيَّتِهِ -قوله: (وسؤر الحمار والبغل مشكوك فيه) وقال الشافعي: "هو طاهر وطهور؛ لأنه جعل سؤر كل حيوان ينتفع [بجلده] (٢) طهورًا فلذلك [جعل] (٣) جميع سؤر السباع كالنمر والفهد سوى الكلب والخنزير طاهراً وطهورًا للانتفاع بجلده"، كذا في «الأسرار» (٤). وكان أبو طاهر الدباس (٥) ﵀ ينكر هذا ويقول: "لا يجوز أن يكون شيء من حكم الشرع مشكوكًا فيه، ولكن معناه محتاط فيه فلا يجوز أن يتوضأ به في حالة الاختيار، وإذا لم يجد غيره يجمع بينه وبين التيمم احتياطًا "كذا في «المبسوط» (٦). لأنَّهُ لَوْ وُجِدَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ رَأْسِهِ، وَكَذَا لَبَنُهُ طَاهِرٌ وَعَرَقُهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ وَإِنْ فَحُشْ، فَكَذَا سُؤْرُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ، -قوله: (لأنه لو وجد الماء لا يجب عليه غسل رأسه) أي: بعد ما مسح رأسه بسؤر الحمار [و] (٧) جد ماءً مطلقًا لا يجب عليه غسل رأسه، فلو كان الشك في طهارته؛ لوجب وإنما عين الرأس دون غيره؛ لأن غيره من الأعضاء يطهر بصب الماء عليه حقيقةً وحكمًا. قوله: (وهو الأصح) والضمير راجع إلى قوله: وقيل: الشك في طهوريته، ثم لما كان الشك في طهوريته على الأصح كان بقاؤه على الطهارة بلا شك [شاكٍّ] (٨)، ثم عطف [عليه لبنه وعرقه] (٩) بكونهما طاهرين مطلقًا، "هذا في العرق بحكم [الروايات] (١٠) الظاهرة صحيح، وأما في اللبن فغير صحيح لما أن الرواية في الكتب المعتبرة نجاسة لبن الحمار أوتسوية النجاسة والطهارة فيه بذكر الروايتين ولم يرجح [جانب] (١١) الطهارة أحدٌ إلا في رواية غير ظاهرة عن محمد، فذكر شمس الأئمة السرخسي في «المبسوط» (١٢) في تعليل سؤر الحمار فقال: «وكذلك اعتبار سؤره بعرقه يدل على طهارته واعتباره بلبنه يدل على نجاسته، وجُعل لبنه نجسًا كما ترى" (١٣).

стр. 281

وذكر في «المحيط»: «ولبن الأتان (١) نجس في ظاهر الرواية. وروي عن محمد أنه طاهر ولا يؤكل» (٢). وذكر الإمام التمرتاشي فقال: وعن البزدوي: [أنه] (٣) يعتبر فيه الكثير الفاحش هو الصحيح. وعن [فخر] (٤) الأئمة: الصحيح أنه نجس نجاسة غليظة؛ لأنه حرام بالإجماع (٥). وذكر في «فتاوى قاضي خان»: «وفي طهارة لبن [الأتان] (٦) روايتان» (٧)، وأما في عرقه فعن أبي حنيفة ﵀ في عرق الحمار ثلاث روايات في رواية. قال: هو طاهر. وفي رواية قال: هو نجس نجاسة خفيفةً، وفي رواية أخرى: قال: هو نجس نجاسة غليظة. «وذكر القدوري أن عرق (٨) الحمار طاهر في الروايات المشهورة» (٩)، كذا في «المحيط». وَيُرْوَى نَصَّ مُحَمَّدٌ ﵀ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَسَبَبُ الشَّكِّ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ فِي إبَاحَتِهِ وَحُرْمَتِهِ، أَوْ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي نَجَاسَتِهِ وَطَهَارَتِهِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ نَجِسٌ تَرْجِيحًا لِلْحُرْمَةِ وَالنَّجَاسَةِ، وَالْبَغْلُ مِنْ نَسْلِ الْحِمَارِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَتِهِ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمَا يَتَوَضَّأُ وَيَتَيَمَّمُ وَيَجُوزُ أَيُّهُمَا قَدَّمَ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُقَدِّمَ الْوُضُوءَ لأنَّهُ مَاءٌ وَاجِبُ الاسْتِعْمَالِ فَأَشْبَهَ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ. -قوله: (ويروى نص محمد على طهارته) وهو ما روي عن محمد أنه قال: أربع لو غمس فيه الثوب لم ينجس وهي: سؤر الحمار، والماء المستعمل، ولبن الأتان، وبول ما يؤكل لحمه. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (١٠). -قوله: (وسبب الشك تعارض الأدلة في إباحته وحرمته أو اختلاف الصحابة-رضوان الله عليهم أجمعين-) زيفه (١١) شيخ الإسلام في «مبسوطه» (١٢) أن يكون كل واحد منهما سبب الشك فقال: ثم اختلف مشايخنا في سبب الإشكال في [حد] (١٣) سؤر الحمار فمنهم من قال: السبب الموجب للإشكال اختلاف الصحابة ﵃؛ [فإنه روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يكره التوضي بسؤر الحمار والبغل] (١٤) (١٥).

стр. 282

وروي عن عبد الله بن عباس أنه قال: «لا بَأس بالتَّوضِّي به» (١)، ولم يترجح أحد القولين على الآخر فأوجب ذلك إشكالاً فيه، ثم قال: ولكن هذا لا يقوى؛ لأن الاختلاف في طهارة الماء ونجاسته لا يوجب الإشكال كما في إناء متى [أخبر] (٢) عدل أنه طاهر وأخبر آخر أنه نجس فإن الماء لا يصير مشكلاً، وإن اختلفا في طهارة الماء ونجاسته وقد استوى الخبران [فكذا] (٣) ها هنا. ومنهم من يقول: بأن الموجب للإشكال إشكال لحمه/ ١٦/ أ/ فإن اللعاب متولد من اللحم فيكون حكمه حكم اللحم ولحمه مشكل، فإنه في بعض الأخبار حرم أكله وفي بعضها أباح أكله فأوجب إشكالاً، فلما صار لحمه مشكلاً كان اللعاب بمنزلته، ثم قال: ولكن هذا لا يصح؛ لأنه لا إشكال في حرمة اللحم فإن لحمه حرام بلا إشكال؛ لأنه اجتمع ما يوجب حرمة أكله وما يوجب الإباحة فيرجح جانب الحرمة على الإباحة كما إذا أخبره عدل أن هذا اللحم ذبيحة مجوسي وأخبره آخر أنه ذبيحة مسلم وهما عدلان؛ فإنه لا يحل أكله بخلاف الماء إذا اختلف فيه اثنان أحدهما أخبر بنجاسته والآخر بطهارته، فإنه يحكم بطهارة الماء، ولا فرق بينهما من حيث المعنى فإنه في الموضعين جميعًا تعارض الخبران فيبقى ما كان ثابتًا قبل الخبر على ما كان، ففي الماء قبل الخبر إباحة [شرب الماء] (٤) وطهارته فلما تعارض الدليلان تساقطا بقي الماء طاهرًا كما كان في الأصل، وفي باب اللحم تساقط الدليلان أيضًا بالتعارض بقي ما كان ثابتًا قبل الذبح والثابت قبل الذبح حرمة الأكل؛ لأنه إنما يحل أكله فيما يؤكل لحمه بالذبح شرعًا وإذا لم يثبت السبب المبيح لوقوع التعارض في سبب الإباحة بقي حرامًا كما كان، وفي الحمار إنما تثبت حرمة الأكل بهذا الطريق؛ لأنه تعارض/ ١٦/ ب/ الدليل الموجب للحل والدليل الموجب للحرمة؛ لأنه إن كان مباح الأكل كان الذبح في محله فيوجب الإباحة، وإن كان غير مأكول اللحم كان الذبح في غير محله فلا يوجب الإباحة فقد وقع التعارض في السبب المبيح للأكل فلم يثبت فإذا لم يثبت شرط إباحة الأكل [للتعارض] (٥) بقي حرامًا؛ لأن الحرمة كانت هي الثابتة قبل الذبح، وإذا حرم أكل لحمه بلا إشكال يكون لعابه نجسًا بلا إشكال، [وإذا كان لعابه نجسًا بلا إشكال] (٦) وقد وقع في الماء فينجسه بلا إشكال إلا أنه لم يوجب نجاسة الماء لما فيه من الضرورة والبلوى فكان الأصح في التمسك بدليل الشك هو التردد في الضرورة وذلك لأن الحمار يربط في الدور والأفنية فيشرب من الأواني، وللضرورة والبلوى أثر في إسقاط النجاسة كما في الهرة والفأرة [إلا أن الضرورة في الحمار متقاعدة عن الضرورة في الهرة والفأرة] (٧)؛ لأنها تدخل مضايق [البيت] (٨) بخلاف الحمار، و [لو] (٩) لم تكن الضرورة ثابتة أصلاً كما في سؤر الكلب وسائر السباع لوجب الحكم بنجاسة سؤره بلا إشكال، ولو كانت الضرورة مثل ضرورة الهرة لوجب الحكم بإسقاط النجاسة وبقائه طاهرًا فثبتت الضرورة [مثل ضرورة الهرة لوجب الحكم بإسقاط النجاسة وبقائه طاهرًا فيثبت الضرورة] (١٠) من وجهٍ، ولم يثبت من وجه فقد استوى ما يوجب الطهارة والنجاسة فتساقطا للتعارض فوجب المصير إلى ما كان ثابتًا قبل التعارض والثابت قبله شيئان الطهارة في جانب الماء والنجاسة في جانب اللعاب؛ [فإن] (١١) اللعاب تولد من اللحم ولحمه نجس فكان اللعاب نجسًا وليس أحدهما بأولى من الآخر فبقي الأمر مشكلا نجسًا من وجهٍ طاهر من وجه فكان إشكال سؤره عند علمائنا بهذا الطريق؛ لا لإشكال لحمه ولا لاختلاف للصحابة في سؤره.

стр. 283

قلت: وبهذا التقرير يخرج الجواب عما يرد في هذه المسألة من الأسئلة: أحدها: أن يقال: لما تعارضت الأدلة في إباحة السؤر وحرمته ينبغي أن يغلّب الحرمة إما لأن المحرم والمبيح إذا اجتمعا يغلب المحرم على المبيح احتياطًا (١)، وإما لأن في الدليل المحرم دلالة كونه ناسخًا؛ لأنا نقول: إنما يحصل ذلك إن لو كان الشك والتردد في الحرمة والحل باعتبار النصين؛ لأن النسخ إنما يجري في النص لا في الضرورة، وها هنا جاء الشك والتردد باعتبار الشك في الضرورة في أن الضرورة [فيه] (٢) متحققة من كل وجه [أو] (٣) لا ضرورة فيه على ما ذكرنا، وكذلك القول بالاحتياط إنما يكون في ترجيح الحرمة في غير هذا الموضع. وأما ها هنا فالاحتياط في إثبات الشك ليجب استعماله؛ لأنا لو رجحنا جهة الحرمة [ها] (٤) هنا للاحتياط كان فيه ترك العمل بالاحتياط؛ لأنه حينئذٍ لا يجوز استعمال سؤر الحمار مع أن احتمال كونه مطهرًا باقٍ باعتبار الشك فكان متيممًا عند وجود الماء في أحد [الوجهين] (٥)، وذلك حرام فلا يكون عملاً بالاحتياط ولا بالمباح. والثاني: أن يقال: لما وقع التعارض في السؤر وللماء خَلَفَ وجب أن يصار إلى الخلف ويسقط استعمال الماء كمن له إناءان أحدهما طاهر والآخر نجس فاشتبه الطاهر عليه فإنه يسقط استعمال الماء ويجب التيمم فكذا هنا. قلنا: الماء فيما نحن فيه طاهر لما ذكرنا أن قضية الشك أن يبقى كل واحد من الأصول على الصفة التي كانت قبل التعارض ولم يزل الحدث؛ لأنه كان ثابتًا قبل هذا [فيبقى إلى أن يوجد المزيل بيقين] (٦)، فلما كان الماء طاهرًا [و] (٧) وقع الشك في طهوريته لا يسقط عنه استعماله بالشك بخلاف الإناءين؛ لأن أحدهما نجس يقينًا والآخر وإن كان طاهرًا يقينًا، لكن عجز عن استعماله لعدم علمه به، وله خلف فيصار إليه. والثالث: هو أن يقال: التعارض في الماء لا يوجب شكًّا فيه كما إذا أخبره عدل بطهارة الماء وعدل آخر بنجاسته فإنه يتوضأ به من غير ضم التيمم إليه.

стр. 284

قلنا: عند تعارض الخبرين هناك وجب تساقطهما فصارا كأنهما لم يخبرا فرجحنا كون الماء مطهرًا باستصحاب الحال (١)؛ لأن الحال تصلح للترجيح والماء كان مطهرًا قبل التعارض فيبقى كذلك بعد التعارض لانعدام الخبرين حكما بسبب التعارض، وها هنا إنما جاء التعارض من جانب الضرورة على معنى أن فيه ضرورة من وجه دون وجه فلو ثبتت الضرورة من كل وجه لقلنا بالطهارة، ولو لم تثبت من كل وجه لقلنا بالنجاسة على ما ذكرنا، فلما تعارضت جهتا الضرورة [تساقطنا] (٢) للتعارض فأبقينا ما كان على ما كان أيضًا، ثم ما كان ثابتًا على حاله قبل التعارض شيئان جانب الماء وجانب اللعاب، وليس أحدهما بأولى من الآخر فوجب الشك. والرابع: هو أن يقال: في استعمال الماء ترك العمل بالاحتياط من وجه آخر؛ لأنه إن كان نجسًا ففيه يتنجس العضو. قلنا: إن معنى الشك في كونه مطهرًا لا في كونه طاهرًا وهو الصحيح فعلى هذه الرواية لا يرد السؤال، وعلى الرواية الأخرى: بأن كان الشك في طهارته. قلنا: الاحتياط في استعماله لأن العضو طاهر بيقين فلا يتنجس بالشك والحدث ثابت بيقين فلا يزول بالشك، ويشترط اليقين في الطهارة ولا تيقن فيها إلا بضم التيمم إليه، وهذا البيان الواضح والكشف اللائح مقتبس من تلويحات شيخ الإسلام ﵀ في «مبسوطه» (٣) [بتقريره] (٤)، ومن المسموعات من [في] (٥) الأستاذ الشفيق ﵀. وَلَنَا أَنَّ الْمُطَهِّرَ أَحَدُهُمَا فَيُفِيدُ الْجَمْعُ دُونَ التَّرْتِيبِ. -قوله ﵀: (فيفيد [الجمع] (٦) دون الترتيب) المراد أن لا تخلو الصلاة الواحدة عنهما وإن لم يوجد الجمع في حالة واحدة حتى أنه إذا توضأ بسؤر الحمار وصلى ثم أحدث وتيمم وصلى تلك الصلاة أيضًا جاز؛ لأنه جمع الوضوء به والتيمم في حق صلاة واحدة. وفي «الجامع الصغير» (٧) للإمام المحبوبي ﵀: وعن [نصر] (٨) بن يحيى في رجل لم يجد إلا سؤر حمار قال: يهريق ذلك السؤر حتى يصير عادمًا للماء ثم يتيمم فعرض قوله هذا على

стр. 285

أبي القاسم الصفار (١) فقال: هو قول جيد. وفيه أيضًا ذكر محمد ﵀ في «نوادر الصلاة» (٢): لو توضأ بسؤر حمار وتيمم ثم أصاب ماءً نظيفًا ولم يتوضأ به حتى ذهب الماء ومعه سؤر الحمار فعليه إعادة [التيمم] (٣)، وليس عليه إعادة الوضوء بسؤر الحمار؛ لأنه إن كان مطهرًا فقد توضأ به، وإن كان نجسًا فليس عليه الوضوء [و] (٤) لا في المرة الأولى ولا في المرة الثانية. (وَسُؤْرُ الْفَرَسِ طَاهِرٌ عِنْدَهُمَا) لأنَّ لَحْمَهُ مَأْكُولٌ (وَكَذَا عِنْدَهُ فِي الصَّحِيحِ) لأنَّ الْكَرَاهَةَ لِإِظْهَارِ شَرَفِهِ. قوله ﵀: (وكذا عنده في الصحيح) (٥) احتراز عن سائر الروايات. وفي «المحيط»: ففي سؤر الفَرَس عند أبي حنيفة أربع روايات [قال] (٦) في رواية [واحدة] (٧): أحب إلي أن يتوضأ بغيره. وهو رواية البلخي [عنه] (٨). وفي رواية الحسن عنه: أنه مكروه كلحمه، وفي رواية قال: هو مشكوك كسؤر الحمار. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا نَبِيذَ التَّمْرِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ تَعَالَى: يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ) وفي رواية كتاب الصلاة قال: «هو طاهر. وهو الصحيح من مذهبه» (٩). -قوله: (فإن لم يجد إلا نبيذ التمر) إلى آخره، إنما ذكر هذه المسألة في فصل الآسآر؛ لأنه لما ذكر سؤر الحمار والبغل باعتبار أنه سؤر ولنبيذ التمر مناسبة بسؤر الحمار خصوصًا على أصل محمد-﵀ (١٠) فإنه لما وقع الإشكال في أن خبر النبيذ مقدم أم لا وقع الشك فيه كما في سؤر الحمار فإنه لو كان مقدمًا على آية التيمم لكان منسوخًا بها، ولو كان متأخرًا وإنه من المشاهير كان زيادة على الكتاب والتاريخ مجهول فأوجب ذلك شكًّا فيه فوجب ضم التيمم إليه كما في سؤر الحمار، ثم الكلام في نبيذ التمر في ثلاثة مواضع:
следующие страницы →