← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

وإذا كان متصوّرًا ينعقد اليمين وذلك لأنّ الإيجاب من العبد معتبر بالإيجاب من الله تعالى، واليمين جهة في إيجاب البر والإيجاب من الله تعالى يعتمد التصوّر دون القدرة فيما له خَلَفٌ، ألا ترى أنّ الصّوم واجب على الشّيخ الفاني وإن لم يكن له قدرة، لمكان التصور والخلف؟ فكذلك ههنا حنث عقيب وجوب البر فوجب الكفارة للعجز الثّابت عادة كما وجبت الفدية هناك عقيب وجوب الصّوم كذا في الفوايد الظهيريّة (١). باب اليمين في الكلام لما ذكر بيان أيمان السُّكنَى والدُّخُولِ والخُرُوجِ والأَكلِ والشُّربِ للمعنى الذي ذكرنا. شرع في بيان الفعل الجامع الذي يستتبع الأبواب المتفرّقة، وهو الكلام إذ اليمين في العتق والطّلاق والبيع والشّراء واليمين في الحج والصّوم والصّلاة من أنواع الكلام فذِكرُ الجِنس مقدم على ذكر النوع. قوله: (ومن حلف لا يكلم فلانًا فكلّمه وهو بِحَيثُ يسمع إلا أنّه نائم حنث). اعلم أن التّكليم عبارة عن إسماعه كلامه كما في تكليم نفسه، فإنّه عبارة عن إسماع نفسه إلا أن إسماع الغير أمر باطن لا يوقف عليه، فأقيم السّبب المؤدّي إليه مقامه، وهو أن يكون بحيث لو أصغى إليه إذنه ولم يكن به مانع من السّماع ليسمع ودار الحكم معه وسقط اعتبار حقيقة الإسماع كذا في مبسوط شيخ الإسلام ﵀ (٢). وذكر في الذّخيرة (٣): ولا يحنث حتّى يتكلّم بكلام مستأنف بعد اليمين منقطع عنها، فإن كان موصولًا لم يحنث، نحو أن يقول: إن كلمتكِ فأنتِ طالقٌ فاذهبي أو قومي؛ لأنّ هذا من تمام الكلام الأول، فلا يكون مرادًا باليمين، وكذلك إذا قال: [واذهبي] إلا أن يريد بهذا كلامًا مستأنفًا فعلى هذا لو قال الرجل لغيره: إن ابتدأتك بالكلام فعبدي حرّ فالتقيا وسلّم كلّ واحد منهما صاحبه معًا، لم يحنث الحالف فيه؛ لأنّ شرط الحنث كلام موصوف بصفة البداية والبداية بالسّبق والحالف إن كلمه بالسّلام إلا أنّه لم يسبقه، وتسقط اليمين عن الحالف بهذا الكلام حتّى لا يحنث أبدًا، بحكم هذه اليمين، لوقوع اليأس عن كلامه بصفة البداية؛ لأنّ كلّ كلام يوجد بعد هذا من الحالف إنّما يوجد بعد كلام المحلوف عليه. وعن هذه المسألة قلنا: إن الرّجل إذا قال لامرأته إن ابتدأتك بكلام فأنت طالق، وقالت المرأة له: إن ابتدأتك بكلام فجاريتي حرّة، ثمّ إنّ الزوج كلّمها بعد ذلك، لا يحنث في يمينه؛ لأنّ المرأة كلمته بعد يمينه يحنث، قالت إن ابتدأتك بكلام فلا يكون الزّوج مبتدئاً لها، ثم المرأة بتكلّمها لا تحنث في يمينها أيضاً؛ لأنّها ما ابتدأت بالكلام.

стр. 2207

(فصار كما إذا ناداه وهو بحيث يسمع إلا أنّه لم يفهمه لتغافله) (فإن هناك يحنث لأنّه أوقع صوته في إذنه، وإن لم يفهمه لتغافله. أي لغفلته فيحنث ألا ترى أنّه) (١) لو ناداه وهو بعيد يسمى هاذئًا ولو ناداه وهو قريب/ يسمّى مناديًا). كذا في المبسوط (٢). [٤٣٤/ أ] ولو حلف لا يكلّم فلانًا، فسلّم الحالف على قوم والمحلوف عليه فيهم حنث في يمينّه، قالوا: إلا أن لا يقصده بالسّلام، فيصدّق ديانة ولا يصدق قضاء، ولو قال السّلام عليكم إلا على واحد لا يحنث في يمينه هذا إذا سلّم خارج الصلاة فأمّا إذا سلّم وهما في الصّلاة ففيه تفصيل معروف. ولو حلف لا يكلّم فلانًا، فدق فلان عليه الباب فقال: من هذا؟ حنث في يمينه. وإذا دقّ المحلوف عليه باب الحالف: فقال الحالف بالفارسيّة [كيست] لا يحنث. ولو قال [كي تو] يحنث. ولو ناداه المحلوف عليه، فقال: لبّيك أو لبى يحنث، فلو كلمه الحالف بكلام لم يفهمه المحلوف عليه ففيه اختلاف الروايتين، ولو حلف لا يكلّم فلانًا فمرّ المحلوف عليه بالحالف، فقال الحالف: اصنع كذا يا حايط، لأمر قد وقع ووجد إسماع المحلوف عليه لا يحنث في يمينه. كذا في الذّخيرة (٣). وفي بعض روايات المبسوط (٤) (شرط أن يوقظه (٥) فإنّه روي في رواية فناداه وأيقظه يحنث في يمينه، شرط في هذه الرواية الإيقاظ للحنث، وذكر في بعض الرّوايات فناداه أو أيقظه، فهذا يدلّ على أنّه متى ناداه يحنث لو كان يقظان يسمع صوته يحنث، وإن لم يوقظه كذا في المبسوطين (٦). ثمّ ذكر في مبسوط شمس الأئمة السّرخسي ﵀ (٧) والأظهر أنّه لا يحنث؛ لأنّ النّائم كالغائب. فإذا لم ينتبه كان بمنزلة ما لو ناداه من بعيد بحيث لا يسمع صوته. وقيل: هو على الخلاف عند أبي حنيفة ﵀ يحنث؛ لأنّه يجعل النّائم كالمنتبه وعندهما لا يحنث، بيانهُ فيمن رمى سهمًا إلى صيد فوقع عند نائمٍ حيًّا ثم لم يدرك الرّامي ذكاته حتّى مات). وأنّه (٨) يتمّ بالإذن كالرضاء يعني إذا حلف لا يكلّم إلا برضاه فرضي المحلوف عليه بالاستثناء ولم يعلم الحالف فكلّمه لا يحنث، لما أنّ الرضاء يتمّ بالراضي فكذلك الإذن بالإذن، ولا كذلك الإذن على ما مرّ وهو قوله: لأنّ الإذن مشتق من الآذان الذي هو الإعلام ولا يتحقّق ذلك إلا بالسّماع.

стр. 2208

فإن قيل: إذا أذن المولى لعبده والعبد لا يعلم يصحّ الإذن حتّى إذا علم يصير مأذونًا هذا هو أثر الصّحة والرواية في تتمة الفتاوى علم أنّ الإذن لا يحتاج إلى الإعلام. قلنا: الإذن فك الحجر في حق العبد، والعبد يتصرف بأهلية نفسه ومالكيته، فيثبت بمجرّد الإذن، وأمّا في اليمين فلما حرم كلامه باليمين إلا عند الإذن صار الإذن مثبتًا لإباحة الكلام للحالف، فلابدّ من الإعلام لذلك. (ولو حلف لا يكلمه شهرًا) إلى قوله بخلاف ما إذا قال والله لأصومن شهرًا فالإجارات والآجالُ نظير الكلام والاعتكافُ (١) نظيرُ الصّوم وحقيقة الفرق في هذه المسائل تبتني على شيئين: أحدهما: أنّ الامتناع من كلام فلان يستطاع ليلًا ونهارًا مؤبّدًا ومؤقتًا، والصّيام والاعتكاف ليسا بهذه المثابة، فالأوّل يقع على الأبد نظرًا إلى نفي المسمّى وإمكان العمل بموجب هذا النّفي فيجب إخراج ما وراء الشّهر الذي يليه؛ لأنّ ما يلي اليمين من الزمان في الكلام موجود وما وراء الشّهر الذي يلي اليمين معدوم، ولا تعارض بين الموجود والمعدوم، فتعيّن الموجود مرارًا في حق نفي الكلام وهو الشّهر الذي يلي اليمين، فيبقى ما وراه (٢) على الحل الأصلي، وفي الصّيام والاعتكاف تعذّر إيقاعهما على الأبد؛ نظرًا إلى عدم الإمكان، فإنّ الليالي غير صالحة للصّوم ولاحتمال يمينه هذه أن تكون بعد الزّوال، أو بعدما أكل قبل الزّوال، وفي اللّيل، وذكر الشّهر على وجه التنكير فيقع على شهر لا بعينه، عملًا بالتنكير عند عدم إمكان التّأبيد. والثّاني: أنّ التّأجيل بصفة التّأبيد يبطل البيع والإجارة، وكذلك التّأجيل والإجارة بصفة الإبهام فاسد، فلابدّ من التعيين تحرّزًا عن الفساد، فنقول: تعيين ما كان موجودًا أولى، وهو الزّمان الذي يلي الإجارة والتأجيل لما ذكرنا أنّه لا تعارض بين الموجود والمعدوم إلى هذا أشار في الفوائد الظهيريّة (٣) [٤٣٤/ ب] عملًا بدلالة حاله وهي الغيظ الذي لحقه في الحال؛ لأنّه لو لم يذكر الشّهر لا يتأبد، إمّا لأنّه إثباتي، بخلاف قوله: لا يكلّمه فإنّه عدمي والعدمي يستغرق، بخلاف الإثباتي. ألا ترى أنّه كيف استغرق النّهي في قوله: لا يفعل ولا يستغرق الأمر في قوله افعل؟ وإمّا لأنّ الصّوم غير صالح للتأبيد لتخلّل الأوقات التي لا تصلح أن تكون محلاً/ للصّوم بخلاف الامتناع عن الكلام؛ فإنّ الأوقات كلّها سواء في حقّه، فكان ذِكرُه لتقدير الصّوم؛ فإنّه منكر فلم يتعيّن الشّهر الذي يلي اليمين، وبمثله إن تركت الصّوم شهرًا يتعيّن الشّهر الذي يليه ولو قال صوم شهر لا يتعيّن؛ لأنّ في الأوّل أدخل اللام فيه، فاقتضى ترك صوم العُمر فكان ذكر الشّهر لإخراج ما وراءه عن اليمين.

стр. 2209

وفي الثّاني: أضاف الصّوم إلى الشّهر فصار الشّهر لتقدير الصّوم كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (١). «وإن عني النّهار خاصة دين في القضاء)؛ لأنّه حقيقة مستعملة (ولو قال ليلة أكلم فلانًا فهو على اللّيل خاصة)؛ لأنّ اللّيل ضدّ النّهار قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ (٢) فكما أنّ النّهار مختصّ بزمان الضياء فكذلك الليل مختص بزمان الظُّلمة والسّواد) كذا في المبسوط (٣). وما جاء استعماله في مطلق الوقت، فإن قيل فكيف يقال هذا فقد يذكر اللّيل بمعنى الوقت؟ قال القائل (٤): وكنّا حَسِبنَا كُل سَودَاء تَمرَةً … ليَالي لا قَينَا جُذَامًا وحميرًا والمراد بها الوقت؟ قلنا: هذا القائل ذكر اللّيالي بعبارة الجمع، وذكر أحد العددين بعبارة الجمع يقتضي دخول ما بإزائه من العدد الآخر، وذلك أصل آخر. وإنّما كلامنا الآن في المذكور بعبارة الفرد كذا ذكره الإمام شمس الأئمة السّرخسي ﵀ في الجامع الصّغير (٥). قوله: لأنّه غاية أما في كلمة حتّى فظاهر لأنّها للغاية، قال الله تعالى: (حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٦)، وكذلك "إلا" أن قال الله تعالى: (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ (٧) إلى أن قال: (إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ (٨) معناه والله أعلم حتّى تغمضوا فيه، فإن قيل كلمه إلا أن للشّرط، بدليل أنّه لو قال أنت طالق إلا أن يقدم فلان فهو بمنزلة قوله إن لم يقدم فلان. قلنا: هي للغاية فيما يحتمل التّأقيت والطّلاق مما لا يحتمل التأقيت وما نحن فيه يحتمله، لأنّه يمين، واليمين يحتمل التّأقيت، ألا ترى أنّه لو قال لها أنت طالق إن كلمت فلانًا شهرًا؟ يتوقت وينقضي بانقضاء الشّهر، بخلاف ما لو قال أنت طالق شهرًا كذا في الفوايد الظهيريّة (٩). (وإن مات فلان سقطت اليمين) أي فلأن الذي أسند إليه القدوم في قوله إلا أن يقدم فلان.

стр. 2210

فإن قيل: فلم يسقط اليمين مع إمكان إعادة الحياة؟ قلنا: لو أحياه الله تعالى كانت الحياة الثّانية غير الأولى؛ لأنّها عرض فلا يتصوّر إعادتها حقيقة، والحياة ليست بالرّوح فإنّ الله حي وليس له روح كذا نقل عن فوائد مولانا حميد الدين (١) ﵀. (ومن حلف لا يكلّم عبد فلان ولم ينو عبدًا بعينه) إلى آخره. الأصل في جنس هذه المسائل أن الحالف متى عقد يمينه على فعل في محلّ منسوب إلى الغير بالملك يراعى للحنث وجود النّسبة وقت وجود الفعل المحلوف عليه، ولا معتبر بالنّسبة وقت اليمين إذا لم يوجد وقت وجود الفعل المحلوف عليه، ومتى عقد يمينه على فعل في محلّ منسوب إلى الغير ولكن لا بالملك يراعي وجود النسبة وقت اليمين، ولا معتبر بالنّسبة وقت وجود الفعل المحلوف عليه. مثال الأوّل: إذا حلف لا يدخل دار فلان، فباع فلان داره، ودخلها الحالف لا يحنث في يمينه، ولو اشترى فلان دارًا أخرى ودخلها الحالف يحنث في يمينه، وفلان دارًا أخرى ودخلها اعتبارًا للنّسبة وقت وجود الفعل المحلوف عليه. ومثال الثّاني: إذا حلف لا يكلّم زوجة فلان، فأبان زوجته، وتزوج أخرى، أو حلف لا يكلّم صديق فلان، فعادى صديقه واتّخذ صديقاً آخر، فإن كلم الأوّل يحنث في يمينه وإن كلّم الثّاني لا يحنث في يمينه اعتبارًا للنّسبة وقت اليمين، ووجه الفرق فيه هو أن الحامل على اليمين في الفصل الأوّل معنى في مالك هذه الأشياء لا معنى في هذه الأشياء؛ لأنّ هذه الاشياء ممّا لا يعادي عادة لمعنى فيها. وفي الفصل الثّاني الحامل على اليمين معنى في هؤلاء؛ لأن هؤلاء ممّا يهجر ويعادى عادة لمعنى فيهم، فإن الأذى متصوّر منهم فكانت النّسبة للتّعريف لا للتقييد بها. [٤٣٥/ أ] فإن قيل: يشكل على هذا الفرق ما إذا حلف لا يكلّم عبد فلان فباع عبده واشترى عبدًا آخر، فإن كلّم الحالف العبد الأوّل لا يحنث في يمينه وإن كلّم/ العبد الثّاني يحنث في يمينه، مع أنّ العبد ممّن يقصد هجرانه (٢) لعينه؛ لأنّه آدمي ويتصوّر منه الأذى كما في الزّوجة والصّديق، (قلنا ذكر ابن سماعة (٣) في نوادره أن عند أبي حنيفة ﵀ في العبد يحنث لهذا، ووجه ظاهر الرواية: أن العبد مملوك ساقط المنزلة عند الأحرار فالظّاهر أنّه إذا كان الأذى منه لا يقصد هجرانه باليمين؛ ولا يجعل له هذه المنزلة، ولكن إنّما يحلف إذا كان الأذى من ملكه) كذا في المبسوط (٤)

стр. 2211

فلا يشترط دوامها أي دوام إضافة المرأة إلى الزوج وإضافة العبد إلى الولي ليس بشرط للحنث، بل يحنث بعد زوال الزّوجية، وبعد بيع العبد، وبعد زوال الصّداقة، وتعلّق الحكم بعينه كما في الإشارة، بأن قال: لا أكلّم عبد فلان هذا، أو لا أكلّم زوجة فلان هذه، بحيث إذا وجد الشّرط بعد زوال ملك العبد والزّوجية، وجه ما ذكر ههنا وهو عدم الحنث في العبد والزّوجة والصديق إذا وجد الشّرط بعد زوال الزّوجية، (وإن حلف لا يدخل دار فلان هذه) إلى آخره، وعن محمّد ﵀ لا يدخل دار رجل بعينه مثل دار عمرو بن حريث (١) وغيرها من الدّور المشهودة بأربابها (فباعها مالكها ثم دخل حنث)؛ لأنّ الإضافة لأجل النّسبة لا لأجل الملك، وكذا لا يأكل من طعام فلان وفلان يبيع الطّعام فاشترى منه فأكل يحنث، وفي الكفاية عن أسدٍ لا يتزوّج ابنة فلان، وليس له بنت فولدت له فتزوجها لا يحنث إجماعًا؛ لأنّ قوله ابنة فلان يقتضي ابنة موجودة في الحال كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (٢). فهو على هذا الاختلاف أي لا يحنث في قول أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله-، ويحنث في قول محمّد وزفر -رحمهما الله-، ثم هذا الاختلاف في يمينه هذه فيما إذا لم يكن له نيّة في دوام الإضافة وعدمها، (وأمّا إذا نوى في أنّه لا يدخلها، وإن زالت الإضافة فله ما نوى؛ لأنّه شدد الأمر على نفسه بنيته وكذلك عند محمّد ﵀ لو نوى أن لا يدخلها ما دامت لفلان فله ما نوى؛ لأنّ المنوي من محتملات لفظه) كذا في المبسوط (٣). والإشارة أبلغ منها فيه أي من الإضافة في التّعريف لكونها قاطعة للشّركة؛ لأنّ في الإشارة لا يشاركه فيها غيره، وأمّا الإضافة فيشارك فيها غيره؛ لأنّه يحتمل أن يكون لذلك الفلان عبيد ودور تأخر؛ لأنّ هذه الأعيان وهي الدّابة والعبد والدار (٤)، فإن قيل: يحتمل أن يكون الهجران باعتبار ذات الدّار والدّابة على ما قيل «الشّؤُمُ في الثلاث في الدّار والمرأة والفرس» (٥).

стр. 2212

قلنا: ذاك احتمال لم يقترن به العرف والعادة لما أن هذه الأعيان لا تهجر ولا تعادى عادة لذواتها، وما قلنا: وهو هجران هذه الأعيان بسبب ملاكها مؤيّد بالعرف فكان أولى. بخلاف ما إذا كانت الإضافة إضافة نسبة كالصّديق والمرأة أي وقد انضمّت الإشارة مع الإضافة، فحينئذ يحنث بالاتّفاق إذا تكلّم صديق فلان وإن كان بعد المعاداة وزوجة فلان، وإن كان بعد المفارقة، وأمّا إذا تجرّدت الإضافة عن الإشارة فهي المسألة الأولى، فوجد الشّرط بعد زوال الصّداقة والزّوجيّة لا يحنث عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- على رواية الجامع الصّغير، وقد ذكر [فكان الحنث بالكلام بعد زوال الصّداقة والزّوجية في صورة انعقاد اليمين عند انضمام الإشارة مع الإضافة] قولهم جميعًا، ووجه ذلك أن الحرّ يهجر لعينه، وقد يهجر لغيره، فإذا جمع بين الإضافة والإشارة تعيّن الهجران لعينه، إذ لو كان الهجران لغيره لاقتصر على الإضافة فكان المقصود من الإضافة ما هو المقصود من الإشارة وهو إظهار الغيظ من جهة المشار إليه، لا من جهة المضاف إليه، وإذا اتّحد المقصود اعتبرت الإشارة دون الإضافة؛ لأنّ الإشارة أقوى، على ما قلنا بخلاف المملوك إلى هذا أشار الإمام قاضي خان ﵀ (١)، فصار كما إذا أشار إليه، أي إلى الصّاحب (في قوله لا يكلّم صاحب هذا الطّيلسان) بأن قال: لا يكلّم صاحب هذه الطّيلسان هذا، فإنّه يحنث هناك إذا وجد الشّرط بلا خلاف فكذا هنا ثم (الطّيلسان هو تعريب تالشان وجمعه طيالسة والهاء في الجمع للعجمة لأنّه فارسي معرّب وهو من لباس العجم مدور اسود، ومنه قولهم في الشتم يا ابن الطّيلسان يراد أنك عجمي وفي جمع/ التّفاريق الطّيالسة لحمتها وسداها صوف) (٢) كذا في الصّحاح والمغرب. [٤٣٥/ ب] وهذه الصّفة ليست بداعية إلى اليمين، هذا جواب عن سؤال يرد على ما ذكر قبله وهو أنّه لما قال إذ الصّفة في الحاضر لغو ورد عليه ما إذا حلف بقوله لا يأكل هذا الرّطب، فأكله بعدما صار تمرًا؛ فإنّه لا يحنث مع أنّ هذا الأصل موجود هناك، وهو أن الصّفة في الحاضر لغو، فأجاب عنه بهذا وهذا الجواب هو الفرق بين تلك الصّورة وبين قوله (لا يكلّم هذا الشّاب). وهو أنّه إذا ذكر في اليمين من الصّفة ما يصلح داعيًا إلى اليمين يتقيّد يمينه بتلك الصفة، فسواء كانت تلك الصّفة في الحاضر أو في الغائب، كما في مسألة الرّطب والبسر، فإنّ من النّاس من يخيره الرّطوبة أو الحموضة فيتقيّد لذلك يمنه برطوبة الرّطب وحموضة البسر وإن ذكرنا في الحاضر. بخلاف قوله لا يأكل لحم هذا الحمل ولا يكلّم هذا الشّاب إلى آخره وقد مرّ ذكره (٣).

стр. 2213

فصل ذكر الفصل ولم يذكر الباب؛ لما أنّ الفصل يدل على التبعية بعد دخوله مع ما قبله في الجنسية وهذا كذلك؛ لما أنّ مسائل هذا الفصل في الكلام أيضاً لما قبله إلا أن ما قبله في أيمان يتعلّق بالأعيان وهذا في الأزمان والأعيان قبل الأزمان لما أنّ الأزمان يعرف بالأعيان قال الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ (١) فلذلك أخّر الأزمان عن الأعيان. قوله: (فمن حلف لا يكلّم فلانًا حينًا أو زماناً أو الحين (٢) أو الزمان) يعني ولا نية له على شيء من الوقت ولا يتفاوت بين ذكر الحين أو الزّمان مُعَرَفَاً أو مُنَكَّرَاً في إرادة ستّة أشهر؛ لأنّ ستّة أشهر لما صارت معهودة في الحين والزمان فالمُعَرَّفِ يَنَّصرِفُ إلى المعهودِ؛ (لأن الحين قد يذكر ويراد به الزّمان القليل قال الله تعالى: (حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (٣) والمراد به وقت الصّلاة قال الله تعالى: (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (٤) إنّه ستّة أشهر من حيث يخرج الطلع إلى أن يدرك التمر فعند الإطلاق يحمل على الوسط، من ذلك فإن خير الأمور أوساطها، ولأنا نعلم أنّه لم يرد السّاعة فإنّه إذا قصد المماطلة ساعة واحدة لا يحلف على ذلك) كذا في المبسوط (٥) ولو سكت عنه يتأبد أي لو سكت عن ذكر الحين، وقال لا يكلم فلانًا يكون على الأبد (٦) فلما ذكر حينًا مع ذلك وجب أن يستفاد منه معنى سوى المعنى الذي يستفاد عند عدم ذكره، وإلا لا يكون في ذكره فائدة، ثم تلك الفائدة منه، يجب أن لا يكون الزّمان القليل، لما ذكرنا ويجب أن لا تكون لأبدٍ؛ لأنّه حينئذ يكون ذكره كلها ذكره، ويجب أن لا يكون أربعين سنة؛ لأنّها في معنى الأبد فإن الرّجل لو أراد ذلك يقول أبدًا في المتعارف فلما لم يقل ذلك علم أنّه لم يرد ولا ما في معناه فتعيّن ما قلنا لذلك (وهو ستّة أشهر). (وقال أبو حنيفة ﵀ الدّهر (٧) لا أدري ما هو) أي لا أدري دهراً المُنَّكِر كم مقداره من الزّمان؟ وإنّما توقف فيه أبو حنيفة! لأنّه وجد استعمال النّاس مختلفاً فيه، وقال أنا وجدنا استعمال الدّهر مخالفاً للحين والزّمان، ألا ترى أن مُعَرَّفَهُ (٨) يقع على الأبد، بخلاف الحين والزّمان لأن مُعَرَفَهُمَا و مُنَكَّرُهُمَا (٩) سواء يقال فلانٌ دُهرِي بضم الدّال إذا كان معمرًا ودهري إذا قال بالدَّهرِ، وأَنكَرَ الصَّانِعَ. وقال الله تعالى حكاية عنهم وقال: (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (١٠) وقال ﵇: «لا تسبوا الدّهر فإن الله هو الدّهر» (١١) فهذا اسم مجمل فلم يقف على مراد المتكلم عند الإطلاق، والتوقف عند تعارض الأدلّة وترك التّرجيح من غير دليل لا يكون إلا من كمال العلم والورع.

стр. 2214

(روي أن ابن عمر ﵄ سئل عن شيء فقال: لا أدري ثم قال بعد ذلك: طوبى لابن عمر سئل عن شيء لا يدري فقال: لا أدري (١)، وقيل إنما قال: لا أدري! لأنّه حفظ لسانه عن الكلام في معنى الدّهر فقال جاء في الحديث أنّ النبي ﵇ قال: «لا تسبّوا الدّهر فإن الله هو الدّهر» (٢) معناه أنّه خالق الدّهر. وفي حديثٍ آخر أنّ النبي ﵇ قال فيما يُأثرُ عن ربه: «استقرضت من عبدي فأبى أن يقرضني وهو يسبني ولا يدري، يسب الدّهر ويقول وادهرآه وإنّما أنّا الدّهر» (٣) فلظاهر هذه الآثار حفظ [٤٣٦/ أ] لسانه وقال لا أدري ما الدّهر/ وهو كما روي أنّ النّبي ﵇ سئل عن خير البقاع فقال: «لا أدري حتى أسأل جبريل ﵇» فسأل جبريل فقال: «لا أدري حتى أسأل ربي» فصعد إلى السّماء ثم نزل وقال: «سألت ربي عن ذلك فقال: خير البقاع المساجد وخير أهلها من يكون أوّل النّاس دخولاً وآخرهم خروجًا» (٤) فعرفنا أنّ التوقّف في مثل هذا يكون من الكمال من النّقصان) كذا في المبسوط (٥) والجامع الكبير لفخر الإسلام والجامع الصّغير لقاضي خان -رحمهما الله-.

стр. 2215

وهذا الاختلاف في المنكر هو الصّحيح وهذا احتراز عن رواية بشر (١) عن أبي حنيفة ﵀ أن المعرف والمنكر سواء في جواب التوقف. فإن قلت فقد ذكر في الجامع الكبير وأجمعوا فيمن قال: إن كلمتك دهوراً أو أزمنة وشهوراً وسنين أو جُمعًا أو أيامًا يقع على ثلاثة من هذه المذكورات؛ لأنّها أدنى الجمع المتفق عليه فكان أبو حنيفة ﵀ قائلاً أيضاً في دهور منكرة بثلاثة منها فكلّ دهر ستّة أشهر كما هو قولهما وبهذا نطق نظم الجامع الكبير بقوله: وأطبقوا بثلاث في منكرّها … أنّ الثّلاثة أدنى الجمع في العدد فلمّا درى أبو حنيفة ﵀ معنى الدّهر المنكر في الجمع فكيف لم يدر معناه في المفرد مع أن دراية معنى الاسم في المجموع موقوفه على درايته في الإفراد. قلت: هذا تفريع لمسألة الدّهر على من قول من يعرف معنى الدّهر، فكأنه قال إن وقف إنسان على معنى الدّهر يجب عليه أن يقول في الجمع المنكر منه بثلاثة كما في الأزمنة والشّهور فكان هذا نظير ما فرع من مسائل المزارعة مع أنّه لا يدري جوازها، وكذلك قال بالعشرة إذا كان يمينه بالدّهور على صيغة الجمع محلّى بالألف واللام كما هو أصله في السّنن والشّهور إلى هذا أشار الإمام التمرتاشي ﵀ (٢). ولو حلف لا يكلمه الشّهور إلى آخره، وحاصله أنّه إذا حلف وقال لا يكلّمه الأيّام أو الشّهور أو السّنين فعند أبي حنيفة ﵀ ينصرف يمينه إلى العشرة ممّا سمّى من الأيّام والشّهور والسّنين، وعندهما إلى سبعة أيّام في الأيّام وإلى اثنى عشر شهراً في الشّهور وإلى العمر في السّنين وذلك (لأنّ الألف واللام للمعهود فيما فيه معهود والمعهود في الأيّام السّبعة التي تدور عليها الشّهور والسّنون كلما دارت عادت والمعهود في الشّهور اثنا عشر شهراً، وليس في السّنين معهود فيستغرق العمر وأبو حنيفة ﵀ يقول الألف واللام للكثرة، فكأنّه قال أيامًا كثيرة وأكثر ما تناوله اسم الأيام مقرونًا بالعدد العشرة، لأنّه يقال بعده أحد عشر يومًا وكذلك في الشّهور في السنين فينصرف يمينه إلى العشرة ممّا سمّى) كذا في المبسوط (٣).

стр. 2216

فإن قيل أليس لو حلف لا يتزوّج النّساء لا ينصرف إلى عشرة؟ قلنا لقيام دلالة الإجماع أنّ المراد به الجنس لا معنى الجمع فصار كاسم الإنسِ والماءِ فانصرف إلى أقلّ ما يدخل تحت الاسم بالإجماع. ألا ترى أنّ أبا حنيفة ﵀ إن لم يصرف إلى العشرة فُهِمَا ما صَرفا إلى الكُل، بخلاف السّنين والجمع فعلم أن معنى الجماعة ساقط من النّساء بالإجماع. فإن قيل ما ذكره من التّعليل لا يستقيم في الشّهور؛ فإنّه لا يقال ثلاثة شهور وإنّما يقال ثلاثة أشهر، قلنا بل يقال ثلاثة شهور أيضاً كما قال الله تعالى: (ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) كذا في الأسرار (٢). وذكر في الفوائد الظهيرية (٣) قال ﵁ (٤) ولي في هذه المسألة إشكالات: أحديها: أنّ اسم الجمع قد لا ينتهي بالعشرة، ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ (٥) ولم يقل سبطًا. والثّانية: أن اسم الجمع إنّما ينتهي بالعشرة إذا كان مقرونًا بالعدد كما في عشرة أيّام، وأمّا إذا لم يكن مقرونًا به فلا، ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٦) ولا يراد بها العشرة قصراً عليها إجماعاً. والثّالثة: أجمعنا على أنّه لو قال لا نشتري العبيد أو لا نتزوّج النساء لا ينصرف إلى العشرة وإنّما ينصرف إلى الواحد، وكذلك المساكين ينصرف إلى ستّة في قوله لله عليّ أن أتصدق على المساكين، ثم قال وجواب هذه الإشكالات يأتي في الجامع إن شاء الله تعالى. وقيل لو كان اليمين بالفارسية ينصرف إلى سبعة؛ لأنّه يذكر فيها أي في الفارسيّة بلفظ الفرد دون الجمع بيان هذا فيما ذكره الإمام صدر الإسلام أبو اليسر (٧) في الجامع الصّغير (٨) فقال بعد ذكر الاختلاف المذكور كما هو: وهذا الاختلاف بلسانهم، أمّا بلساننا فلا يجيء بل ينصرف إلى أيّام الجمعة وهي سبعة أيام بلا خلاف، حتّى لو قال لعبده اكر/ خدمتي كني مرار وزهاء بسيار تواذا ادمي إذا خدم سبعة أيّام ينبغي أن يعتق؛ لأنّ في لِساننا يُستعمل في جميع الأعداد لفظة روز فلا يجيء ما قال أبو حنيفة ﵀ في العربية من انتهاء لفظ الجمع إلى العشرة فلذلك أريد في العربية أكثر ما ينطلق عليه اسم الأيّام؛ لأن بعد ذلك لا يقال أيّام بل يقال أحد عشر يومًا ومائة يوم وألف يومٍ والله أعلم.

стр. 2217

[٤٣٦/ ب] باب اليمين في العتق والطّلاق قدّم هذا الباب على غيره؛ لأنّ الطّلاق والعتاق أكثر ما يُحلف بهما فكان معرفة أحكام ما هو أكثر وقوعًا أهم من غيره. ويعتبر ولدًا في الشّرع (١) إلى آخره، ويبعث يوم القيامة ويُرجَى شفاعته قال النّبي ﵇: «إنَّ السَّقطَ (٢) لَيَقُومُ مُحْبَنْطِيًا على باب الجَنَّةِ فَيَقُول لا أدخُلُ حتَّى يَدخُلَ أَبَوَايَ» (٣).

стр. 2218

وقال محبنطياً أي منتفخًا من الغضب والضجر وقد روي مهموزًا وهو من أحبنطيت من حيط إذا انتفخ بطنه كاسلَنقَيَتُ مِن سَلَقَةُ إذا ألقَاهُ على ظَهرِه. (وقالا: لَا يُعْتَقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا) (١)؛ لأن الشّرط قد تحقّق بولادة الميّت فينحل اليمين، وذلك لأنّ الشّرط في اليمين ولادة مطلق الولد وقد وجدت، وانحلال اليمين لا يتوقف على نزول الجزاء أي ينحلّ اليمين وإن لم ينزل الجزاء. ألا ترى أنّه لو قال لامرأته: إن دخلت الدّار فأنتِ طالقٌ فدخلت الدّار بعدما أبانها وانقضت عدتها، تنحل اليمين لا إلى جزاء؛ لأنّ الطّلاق معلّق بمطلق الدّخول وقد وجد، وصار هذا كما إذا كان المعلق به عتق عند آخر ولأبي حنيفة ﵀ أن شرط انحلال اليمين وِلادة ولد حيّ نظراً إلى وصفه إياه بالحرية وبه فارق ما ذكرا من النّظائر لأن الجزاء هنالك ليس وصفاً للشّرط. وفي الإيضاح (٢) لو قال أوّل عبد يدخل عليَّ فهو حرّ فأدخل عليه عبد ميت ثم حي عتق الحي ولم يذكر خلافاً والصّحيح أنّه بالاتفاق؛ لأنّ اسم العبوديّة بعد الموت لا يبقى في التّحقيق؛ لأنّ الرّق يبطل بالموت، ولو قال أول عبد أملكه حرّ فاشترى عبدًا ونصفاً معًا عتق التّام، ولو قال أوّل كُرٍّ (٣) أملِكُهُ هدي فملك كُرَاً ونِصفاً لم يهد شيئاً لأنّ النّصف يُزَاحِمُ كُلَّ نِصفٍ من الكُرِّ؛ لأنّه مع كُلَّ نصف منه كُرٌّ، بخلاف نصف العبد؛ فإنّه متّصل بالنّصف الآخر، فكمل العبد بنصفيه. كذا ذكره الإمام التمرتاشي والمرغيناني -رحمهما الله- (٤). بِخِلَافِ جَزَاءِ الطَّلَاقِ وحُرِّيَّةِ الْأُمِّ (بأن قال: إن ولدت فأنت طالق أو قال لأمته إن ولدت فأنت حرّة)، فقوله: أنت طالق وأنت حرّة لا يصلح أن يكون مقيّدًا لكون الولد حيًّا؛ لأنّ الشّرط إذا كان لتحقيق الجزاء في غيره يشترط وجوده فقط، ألا ترى أنّه لو قال إن هبّت الريح فأنت طالق تطلق بهبوب الرّيح، ولا يتصوّر الحيوة (٥) في الرّيح.

стр. 2219

وأمّا الشّرط: إذا كان لتحقيق الجزاء في نفسه يجب أن يكون هو صالحًا لذلك الجزاء، وذكر شمس الأئمة السّرخسي ﵀ في الجامع الصّغير (١) فكان تقدير كلامه ههنا إذا ولَدَت وَلَدًا حَيًّا؛ لأنّه جازاه بالحرية ولا يجاري به إلا الحي فكانت صفة الحيوة فيه ثابتة بمقتضى كلامه فينزل ذلك بمنزلة الملفوظ، وهذا لأنّ كلام العاقل محمول على الصحّة والفائدة وذلك لا يتحقق بدون إضمار الحيوة في كلامه. ألا ترى أنّه لو قال: إذا ولدت ولدًا ميتًا فهو حرّ كان ذلك لغوًا منه بخلاف ما تقدّم فإنّه لا حاجة إلى إضمار الحيوة هناك، ألا ترى أنّه لو صرّح بالولد الميّت كان التّعليق صحيحًا. فإن قلت: يشكل على هذا ما لو قال إذا اشتريت عبدًا فهو حرّ فاشترى عبدًا لغيره، انحلت اليمين حتّى إذا اشترى بعد ذلك عبدًا لنفسه لم يعتق، مع أنّه جعل اشتراء العبد شرطًا لحريّةِ ذلك العبد المشترى، فلم يقبض ذلك إضمار أن يكون الاشتراء لنفسه حتّى يصلح هو لتحقيق ذلك الجزاء الذي علّقه بالاشتراء وهو الحرية فإنّه كما يشترط للحريّة الحيوة فكذلك يشترط لها الملك. [٤٣٧/ أ] قلت: الفرق بينهما ثابت وهو أنّ الإضمار لتصحيح الكلام ولا حاجة هنا إلى إضمار المِلك حَسب حاجته إلى إضمار الحيوة، لما أن المشتري لغيره محلٌّ لإيجاب العتق له، وإن كان يتوقف نفوذه على إجازة المالك، والإضمَارُ لِتَصحِيحِ الكلام لا لِنُزُولِ الجزاء، فلم يُضمَرُ المِلك لصحّة الجزاء/ بدونه بخلاف الحيوة فإن تحريرا ما لا يتصوّر بدون الحيوة لا بطريق التوقّف ولا بطريق النفوذ فوجب إضمارها لتصحيح الكلام لا محالة إلى هذا أشار شمس الأئمّة السّرخسي ﵀ في الجامع الصّغير (٢). وإن كان (٣) (قال: أوّل عبد أشتريه وحده فهو حرّ عتق الثّالث)، فإن قلت ما الفرق بين قوله وحده وبين قوله واحدًا حيث لا يعتق الثّالث في قوله أول عبدًا ملكه واحدًا فهو حرّ ويعتق الثّالث في قوله وحده مع أن معنى التفرّد فيهما على طريقة واحدة. قلت: لا نُسلِّم كون التفرّد فيهما على طريقةٍ واحدةٍ فإنّ قوله: وحده يقتضي الانفراد في الفعل المقرون به وقوله واحدًا يقتضي الانفراد في الذّات وعن هذا وقع الفرق بينهما بالصّدق والكذب في قول القائل في الدّار رجل واحد وقال في الدّار رجل واحده فإن في قوله في الدّار رجل واحد لو كان معه امرأة أو صبي كان المتكلّم صادق، وفي قوله: في الدّار رجل وحده لو كان معه صبي أو امرأة كان كاذباً، وكذلك لو قال ما في الدار رجل واحد وفيها رجلان كان كاذباً، ولو قال ما فيها رجل وحده وفيها رجلان كان صادقاً وذكر الإمام قاضي خان ﵀ في الجامع الكبير (٤) أنّ قوله وحده يقتضي الانفراد في الفعل المقرون به دون الذّات فلذلك وقع الفرق بالصّدق والكذب فيما أريناك من النظير؛ لأنّ قوله وحده يقتضي نفي المشاركة في الفعل وهو الكينونة في الدّار.

стр. 2220

وقال: واحدًا يقتضي نفي المشاركة في الذّات، فإذا ثبت هذا فنقول ففي قوله واحد أضاف العتق إلى أوّل عبد مطلق فيراعي الأولية في الذّات وذلك بالسّبق والانفراد ولم يوجد. وفي قوله: وحده أضاف العتق إلى أوّل عبد لا يشارك غيره في التملّك والثالث بهذه الصّفة وحقيقة المعنى ما ذكره شمس الأئمة السّرخسي ﵀ في الجامع الكبير (١) وقال فإن قوله وحده ليس بصفة للعبد، ولكنّه بيان للحال وهو أن يكون دخوله في ملكه وحده وقد تحقّق هذا في العبد الثّالث فيعتق كمن يقول أوّل عبد أملكه شراء فهو حرّ فوهب له عبدان ثم اشترى ثالثاً عتق هذا الثّالث وهذا تَفَرَّعَ (٢) إلى مسئلةٍ قالها النّحويون وهي أن من حقّ الحال أن يكون نكره (٣). وقال وحده في قوله مررت به وحده وقع حالاً وإن كان معرفة صوره لإضافته إلى الضّمير لما أنّه قام مقام النكرة، فإنّ معنى قوله مررت به وحده مررتُ بهِ يَحِدُ وَحدَهُ فقوله يَحِدُ جمله في موضع الحال، وقوله: وحده قايم مقام (٤) فأخذ حكمه في التنكير فيرجع معناه إلى قوله منفردًا في وقت المرور، فكذلك ههنا معناه منفردًا وقت التملك. فقوله: وحده بيان هيئه المفعول؛ كما في قوله مررت به وحده والثّالث بهذه الصّفة فيعتق، بخلاف قوله: واحدًا فإنّه صفة للعبد فيقال عبدٌ واحدٌ، وهذا الإفراد ثابت بقوله أول عبد فهذا لا يفيد إلا ما أفاده لفظ الأول، (ويعتبر من جميع المال) أي إذا كان الشراء وقت الصحّة وعندهما على كل حال فكان الشّرط وهو عدم شراء غيره متحقّقًا عند الموت، فصار كأنّه صرّح بذلك وقال للعبد الثّاني إن لم أشتر عليك عبدًا فأنت حر إذ لا فرق بينهما في المعنى فإن صفة الآخرية إنّما يتحقّق فيه إذا لم يشتر غيره، فصار كأنّه صرّح بذلك وثمة يعتق مقصوراً على الموت بالاتفاق، فكذا ههنا لأنه في معناه. [٤٣٧/ ب] وفرق أبو حنيفة ﵀ بين هذه الصورة وبين مسئلة الكتاب فقال: ففي تلك الصّورة جعل شرط العتق عدم الشراء منه في عمره، وذلك لا يتحقّق منه إلا بموته، وههنا جعل الشرط شراء عبد هو آخر شراء وقد وجد ذلك، كما لو اشتراه، وهذا لأنّه لما اشترى الثّاني بعد الأوّل يثبت صفة الآخرية فيه ولكن هذا الوصف يعرض أن يزول عنه بشراء غيره، فلا يحكم بعتقه ما لم يَتَيَقَّن فإذا مات ولم يشتر غير الثّاني لم يبطل صفة الأخرية منه، فيعتق من ذلك الوقت، كما لو قال لأمته إذا حِضتِ فأنتِ حُرَّةٌ فرأت الدّم لا تَعتِق لِجوازِ أن ينقطع الدم فيما دون ثلاثة أيّام، فإن استمرّ بها الدّم ثلاثة أيّام عتقت من حين رأت الدّم؛ لأنّه تبين أن ما رأته كان حيضاً حين رأت الدّم إلى/ هذا أشار الإمام السّرخسي ﵀ (٥).

стр. 2221

وعلى هذا الخِلاف تعليق الطّلقات الثّلاث وفائدته تظهر في جريان الإرث وعدمه فإنّه إذا قال آخر امرأة أتزوّجها فهي طالق ثلاثاً فتزوج امرأة ثم امرأة ثم مات عندهما يقع الطّلاق مقصوراً على الموت حتّى يستحق الميراث وعند أبي حنيفة ﵀ يقع مستندًا إلى وقت التزوّج فلا يستحق فإنّه لما كان وقوع الطّلاق عند أبي حنيفة ﵀ من وقت التزوّج وقد دخل بها كان لها المهر ونصف المهر وعدّتها بالحيض (١) بلا حِداد ولا ترث منه وعندهما تطلق في آخر حياته ولها مهرٌ واحد وعليها عدّة الطّلاق والوفاة وترث منه، وإن كان الطّلاق رجعياً فعليها عدّة الوفاه. ولو قال آخر امرأة أتزوّجها طالق فتزوّج امرأة ثم أخرى ثم طلق الأولى وتزوّجها ثم مات لم تطلق وطلقت التي تزوّجها مرّة؛ لأن التي أعاد عليها التزوّج اتصفت بكونها آخراً كقوله آخر عبد أضربه حرّ فضرب عبدًا ثم آخر ثم أعاد الضّرب على الأوّل ثم مات عتق الذي ضربه مرة كذا ذكره الإمام قاضي خان والإمام التمرتاشي -رحمهما الله- (٢). وتقييد الثّلاث جاز أن يكون لبيان الطّلاق الباين فإن في الطّلاق الباين يكون الزّوج فاراً عندهما فترث المرأة، ويشترط كونه ساراً بالعرف، وإنّما قيّد بالعرف لأنّ البشارة اسم لخبر غاب عن المخبر علمه سميت بذلك؛ لأنّه يتغير بها بشرة الوجه. ألا ترى إلى قوله تعالى: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣) ولكنّ الأوّل وهو كونه اسمًا لخبر سار صدق غاب عن المخبر علمه تعين عرفاً وهو لا يتكرّر فهو على هذا التّفسير وجد من الأوّل دون الثّاني، بخلاف الخبر؛ فإنه لا يشترط فيه أن لا يكون المخبر به عالماً. وأصله ما روي أنّ النبي ﵇ مر بابن مسعود ﵁ وهو يقرأ القرآن فقال: «من أحب أن يقرأ القرآن غضاً طرياً كما أنزل فليقرأه بقراءة ابن أم عبد» فابتدر إليه أبو بكر وعمر ﵄ بالبشارة فسبق أبو بكر عمر بها فكان ابن مسعود ﵁ يقول متى ذكر ذلك بشّرني أبو بكر وأخبرني عمر (٤) كذا في الفوائد الظهيريّة (٥)

стр. 2222

لأنّ الشّرط قران النّية أي شرط الخروج عن عهدة التكفير قران نية التكفير بعلّة العتق وهي اليمين فلم يوجد نية التكفير وقت يمينه «لأنّ الكلام فيه فأمّا الملك عند الشّراء شرط العتق ولا أثر له في استحقاق ذلك العتق فيكون معتقاً بيمينه) (١) ولم تقترن نيّة الكفارة بها حتّى لو اقترنت جاز) كذا في المبسوط (٢). خلافاً لزفر والشّافعي -رحمهما الله- وهو قول أبي حنيفة الأول ﵀. فأمّا العلّة هي القرابة؛ لأنّ العتق في القريب بطريق الصلة والقرابة هي العلة للصّلات كما في النّفقة والتزاور، (وحجّتنا في ذلك ظاهر الآية ففيها أمر بالتحرير وهو تصيير شخص مرقوق حراً كالسويد تصيير المحل أسود وقد وجد ذلك وهذا؛ لأن شراء القريب إعتاق قال النبي ﵇: «لن يجزي ولد والده» (٣) الحديث. وسماه بالشراء مجازياً وإنّما يكون مجازياً بالإعتاق، والدّليل عليه أنّه لو اشترى نصف قريبه يضمن لشريكه إن كان موسراً والضّمان الذي يختلف باليسار والإعسار لا يكون إلا عن إعتاق؛ ولأنّ العتق صلة وللملك تأثير في استحقاق الصّلة شرعًا حتّى تجب الزكاة باعتبار الملك صلة للفقراء؛ كما للقرابة تأثير في استحقاق الصّلة فكان كلّ واحد من الوصفين لكونه مؤثراً علة، ومتى تعلّق الحكم بعلة ذات وصفين يُحال به على آخر الوصفين وجودًا لأن تمام العلّة به وآخر الوصفين هنا الملك فيكون به معتقاً، ولهذا لو ادّعى أحد الشّريكين نسب نصيبه يضمن لشريكه، لأن آخر الوصفين وجود القرابة ههنا فيصير به معتقاً ولا يدخل على هذا شهادة الشّاهد الثّاني فإنّه لا يحال بالإتلاف عليها وإن تمت الحجة بها؛ لأنّ الشّهادة لا توجب شيئاً بدون القضاء والقضاء يكون بها جميعا. وبهذا يتبين فساد قولهم أنّ العتق مستحق بالقرابة لأنّ الاستحقاق لا يثبت قبل كمال العلّة ولا معنى لقولهم أن في هذا صرف منفعة الكفّارة إلى أبيه؛ لأنّه لما جاز صرف هذه المنفعة إلى عبده. [٤٣٨/ أ] بخلاف الإطعام/ والكسوة فصرفه إلى أبيه أولى وكذلك إن وهب له أو تصدّق به عليه أو أوصى له به وهو ينوي عن كفارته فهو على الخلاف الذي قلنا، لأنّ الملك بهذه الأسباب يحصل بصنعه وهو القبول فأمّا إذا ورث أباه ينوي به الكفارة لا يجزيه؛ لأنّ الميراث يدخل في ملكه من غير صنعه وبدون الصّنع لا يصير محرراً والتكفير إنّما يتأدّى بالتّحرير ولهذا لا يضمن لشريكه إذا ورث نصفه قريبه) كذا في المبسوط (٤).

стр. 2223

لأنّ حريتها مستحقّة بالاستيلاد في هذا جواب لسؤال من سأل وهو أن يقال ما الفرق بين شراء القريب وبين شرى أمّ الولد مع أنّ الشرى في الفصلين جميعًا مسبوق بما يوجب العتق من وجه أمّا في شرى القريب؛ فلأنّ القرابة سابقة عليه وهي جهة في العتق وكذلك الاستيلاد سابق على الشّرى أيضاً وقد جاز التكفير في أحد هذين وهو شرى القريب دون الآخر، وهو شرى أمّ الولد مع مساواتهما في علّة عدم الجواز فأجاب عنه بهذا وتحقيق الفرق هو أنّ الاستيلاد ينزل منزلة الإعتاق لقوله ﵇: «أعتقها ولدها» (١) لكنه موقوف على الملك فصار كما لو قال: إن اشتريتك فأنت حر ثم اشتراه ناوياً عن كفارة يمينه لا يجوز وقد ذكرناه ولا كذلك القرابة فإنّها ليست بإعتاق إلى هذا أشار في الفوايد الظهيرية (٢). (ومن قال إن تسرّيتُ جارية فيه حرة) اعلم أن للتَّسَرِّي (٣) معنى لغوياً وشرعيًّا: أمّا اللغة: فإن التَّسَرِّي مأخوذ من السّرية واحدة السراري وهي الأمة التي بَوَّءتَها بيتًا وهي فعلية منسوبة إلى السر وهو الجماع أو الإخفاء؛ لأنّ الإنسان يَسُرُهُ وإنّما ضُمَّت سِيِنُهُ؛ لأنّ الأبنِيَة قد تُغَيّر في النِسبَةَ خَاصَّةً كما قالوا في النِسبَةِ إلى الَدَهرِ دُهرِيٌ وإلى الأرض السهلة سُهلِي. وكان الأخفش (٤) يقول أنّها مشتقة من السرور؛ لأنّه يسر بها يقال تسرّرت جارية وتسرّبت أيضاً كما قالوا تظننت وتظنيت بقلبه إحدى النّونات ياء، (وقيل السّرية مأخوذة من السّرى وهو السيد؛ لأنّه إذا اتّخذها سرية فقد جعلها سيدة الجواري كذا في الصّحاح) (٥) والفوايد الظهيريّة (٦).

стр. 2224

وأمّا معناه شرعًا: فإنّ التَّسَرِّي عبارة عن التحصين، والجماع طلب الولد أو لم يطلب في قول أبي حنيفة ومحمّد -رحمهما الله- وعلى قول أبي يوسف ﵀ لابدّ من طلب الولد مع ذلك حتّى لو وطئها وعزل عنها لا يكون تسرّياً عنده، ولما ثبت هذا قلنا أن التَّسَرِّي على هذا التفسير كما يكون تمليك اليمين يكون تمليك النكاح فكان من ضرورته ملك المتعة لا ملك الرقبة فلا يصير ذاكراً ملك اليمين كما لو قال لجارية الغير إذا جامعتك فأنت حرّ فاشتراها فجامعها لا تعتق لما قلنا كذلك ههنا بخلاف الطّلاق؛ لأنّه لا يملك التّطليق إلا بملك النكاح فيصير ذاكراً ملك النكاح كذا ذكره الإمام قاضي خان ﵀ (١) فإنّه يقول التَّسَرِّي لا يصحّ إلا في الملك فكان ذكره ذكراً للملك، فإن قيل هذا قول بالاقتضاء (٢) وزفر ﵀ لا يقول بالاقتضاء حتّى أن من قال لآخر أعتق عبدك عنّي بألف فأعتقه كان العتق واقعًا عن المأمور في قول لا عن الآمر والمسألة في المنظومة وغيرها. قلنا: إثبات الملك هنا بدلالة اللّفظ لا باقتضاء والفرق بينهما هو أنّ الثّابت دلالة ما يكون مفهومًا من اللّفظ بلا تأمّل واجتهاد كما كان النّهي عن الضرب والشتم وسائر الأفعال المؤذية مفهومًا من النّهي عن التّأفيف ولا كذلك المقتضي لأن المقتضى لا يفهم من ذكر المقتضى ثم إذا قيل فيما نحن فيه عند فلان سريّة يراد بها جارية مملوكة من غير تأمّل فلمّا كان الملك مفهومًا من التَّسَرِّي بلا تأمّل واجتهاد كان الملك ثابتًا بطريق الدّلالة لا بطريق الاقتضاء ولكنّا نقول السّرية فعليه من البسر وهو الوقاع على ما ذكرنا وهو لا يفتقر في التحقّق إلى ملك اليمين فلا ينعقد اليمين كذا في الفوايد الظهيرية (٣). وصَارَ كما إذا قال لأجنَبِيَّةٍ إن طلَّقتُك فَعَبدِي حُرٌّ، فكان تقديره إن تزوّجتك وطلقتك فعبدي حرّ فكذا هنا معناه إن ملكت جارية وتسريتها فهي حرّة، وَلَنَا أنَّ المِلكَ يصيرُ مذكُورًا ضَرُورَةٌ صِحَّةُ التَّسَرِّي بيان هذا أن إيجاب العتق لا يصحّ إلا أن يكون في الملك أو مضافاً إلى الملك أو سببه فواحد [٤٣٨/ ب] منها ليس بموجود ههنا فبطل قوله إن تسرّيت جارية فهي حرّة لانعدام ثبوت الملك من حيث العبارة/ والدّلالة فلو ثبت الملك هنا إنّما يثبت ضرورة صحّة التَّسَرِّي فحينئذ كان الملك ثابتًا بطريق الاقتضاء والثّابت بطريق الاقتضاء ثابت بطريق الضرورة وما كان ثابتًا بطريق الضّرورة يكون ثبوته بقدر الضّرورة ولا يثبت فيما وراء الضّرورة أصله قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤).

стр. 2225

وإذا كان كذلك كان تصحيحه بإدراج الملك؛ إنّما كان في حق نفسه وهو تصحيح الشّرط لا تصحيح الجزاء فلم يظهر الملك في حَقِّ صِحَّةِ الجَزَاءِ وهو حُرِّيَّةُ الجارية التي تسراها، فلما لم يظهر الملك في حق صحّة إضافة العتق إلى التَّسَرِّي لم يكن عتق هذه الأمة في الملك ولا مضافاً إلى سبب الملك فلا يصحّ اليمين في حقها فلا يعتق، فإن قلتَ لِمَ لَمْ يُقَيَّدْ التَّسَرِّي ههنا بِملكِ الرّقبةِ بدلالةِ قوله فهي حرّة كما يقيد الولد بكونه حياً في قوله: إذا ولدت ولدًا بدلالة قوله: فهو حرّ على قول أبي حنيفة ﵀ وما الفرق بينهما؟ قلت: تثبت الحيوة ثمة لأجل صحّة العتق في الولد وهو شرط، فكذلك ههنا أثبتنا الملك لأجل صحّة التَّسَرِّي وهو شرط فلا يظهر في حقّ العتق؛ لأنّ التَّسَرِّي ليس بسبب للملك، فلذلك لا يظهر العتق في الجارية التي اشترى؛ لأنّ قصد الحالف عدم العتق؛ لأنّ مثل هذا الشّرط إنما يذكر في منع نفسه من الإقدام بخلاف قوله: إذا ولدت ولدًا فهو حرّ، فمقصوده إثبات الحريّة؛ لأنّ مثل ذلك الشّرط إنّما يذكر للتّحريض على الولادة غير أنّ الحرية لا تتحقّق إلا في الحي فاشترط الحياة. وكذلك ههنا يشترط الملك لصحّة التَّسَرِّي لا بصحّة الجزاء وهو الحرية؛ لأنّ ثبوت الملك في التَّسَرِّي بطريق الضرورة فلا يتعدّى اشتراط الملك فيه إلى صحة الجزاء. وأمّا قوله لأجنبيّة إن طلقتك فعبدي حر إثبات التزوّج لأجل تصحيح الشّرط وهو قوله إن طلقتك لا لوقوع الجزاء وهو الحريّة فصار كما إذا قال لعبده إذا تزوجت امرأة فأنت حرّ فلم يكن مسألة الطّلاق وزان مسألة التَّسَرِّي؛ لأن الخصم أدرج الملك لأجل تصحيح الجزاء لا لأجل تصحيح الشّرط، ولا وجه لما قاله زفر ﵀ وهو قوله إن تسريت بمنزلة قوله إن ملكتك ثم تسريت؛ لأنّه لو كان كذلك يجب أن لا يعتق الجارية التي كانت مملوكةً له وقت الحلف؛ لأنّه لم يملكها بعد الحلف، وقال: إن ملكت إنّما يتناول لما يملك بعد الحلف. قوله: حتّى لو قال لها إن طلقتك فأنت طالق ثلاثاً فتزوجها وطلّقها لا تطلق ثلاثاً لأنّ الملك الضّروري لم يتعدّ إلى الجزاء، فأمّا العتق فيما ذكره إنّما صحّ لقيام الملك في الحال كذا ذكره فخر الإسلام ﵀ (١). وحاصله أنّ اليمين إنما يعقد باعتبار الملك القائم في الحال، ولا ينصرّف إلى ما سيوجد من الملك إلا بالإضافة إليه أو إلى سببه وكلاهما لم يوجد فيما نحن فيه والملك لو صار مذكوراً إنّما يصير مذكوراً ضرورة صحّة التَّسَرِّي فصار الملك ههنا شرط التَّسَرِّي، والتَّسَرِّي شرط العتق وما كان شرط الشّرط لا يجعل مذكوراً في حق الجزاء المذكور، حتّى لو قال لأجنبيّة إن دخلت الدّار فأنت طالق فتزوّجها ثمّ دخلت لم تطلق فلا يجعل بمعنى إن تزوجتك ودخلت الدّار فأنت طالق.

стр. 2226

فهذه وزان مسألتنا من حيث أن في كل منهما شرط الشّرط لا يكون شرطًا للجزاء المذكور وذلك لأنّ التزوّج شرط صحّة الطّلاق كما أن الملك شرط صحّة التَّسَرِّي فكما لم يجعل التزوّج المدرج شرطًا للجزاء المذكور وهو قوله فأنت طالق ثلاثاً لا يجعل الملك المدرج في قوله إن تسريت شرطًا للجزاء المذكور وهو قوله فهي حرّة، وأمّا وزان مسألة زفر ﵀ فهو أن يقول إن تسرّيت جارية فعبدي حرّ (فاشترى جارية فتسراها) عتق العبد لما أنّ الملك في العبد قائم في الحال فيصحّ تعليق عتقه بشرط سيوجد. [٤٣٩/ أ] (ولو قال كلّ مملوك لي فهو حرّ تعتق أمهات أولاده ومدبّروه)، (ولو قال أردت الرجال بهذا اللفظ دون النساء ديّن فيما بينه وبين الله تعالى دون القضاء لأنّه نوى التخصيص في اللفظ العام وهذا بخلاف ما لو قال نويت السُّود دون البيض فإنّه لا يصدق في القضاء والديانة/ جميعًا؛ لأنّه نوى التّخصيص بوصف ليس في لفظه ولا عموم لما لا لفظ له فلا يعمل فيه نيّة التّخصيص وهنا نوى التخصيص فيما هو في لفظه؛ لأنّ المملوك حقيقة للذكور دون الإناث فإنّ الأنثى يقال لها مملوكة ولكن عند الاختلاط يستعمل عليهم لفظ التذكير عادة فإن نوى الذكور فقد نوى حقيقة كلامه. ولكنّه خلاف المستعمل قيدين فيما بينه وبين الله تعالى دون القضاء، ولهذا قيل لو قال نويت النساء دون الرجال كانت نيته لغوًا، وكذلك لو قال لم أنو المدبرين لم يصدّق في القضاء. وفي كتاب الأيمان يقول إذا قال لم أنو المدبّرين لم يدين فيما بينه وبين الله ولا في القضاء ففيه روايتان) كذا في المبسوط (١) ثم عطف الثّالثة على المطلقة؛ لأنّ العطف للمشاركة في الحكم فَيُختَصُ بِمحل الحكم وهو المطلقة؛ لأنّ الكلام سبق لإيقاع الطّلاق وذكر أيضاً في كتاب الإقرار لو قال لفلان عليّ ألف أو لفلان وفلان كان نصف الألف للثّالث وله الخيار في النّصف الآخر إن شاء جعله للأوّل وإن شاء جعله للثّاني لما ذكرنا أنّ الثّالث معطوف بالواو على من وقع عليه الحكم. فإن قلت: العطف كما يصحّ على من وقع عليه الحكم فيصحّ أيضاً على من لم يقع عليه الحكم والأصل عدم الحكم فيعطف على من لم يقع عليه الحكم، ألا ترى أن من قال والله لا أكلِّم فلانًا أو فلانًا وفلاناً إن كلم الأوّل حنث وإن كلّم أحد الآخرين لا يحنث حتّى يكلّمها ويكون الثّالث معطوفاً على الثّاني الذي لم يقع عليه الحكم منفردًا وهذا لأن الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع فصار كأنّه قال هذه طالق أو هاتان فحينئذ كان هو مجيزًا في الطّلاق والعتاق إن شاء أوقع على الأولى وإن شاء أوقع على الأُخرَتَيَنِ.

стр. 2227

قلت هذا الذي ذكرته هو رواية ابن سماعة عن محمّد ﵀. وأمّا الذي ذكره في الكتاب فهو ظاهر الرواية ثم الفرق بين جواب ظاهر الرواية في الطّلاق والعتاق وبين قوله والله لا أكلم فلانًا أو فلانًا وفلانًا في أنّ الثّالث معطوف على الثّاني الذي لم يقع عليه الحكم، وهو مسألة الجامع وهو أن كلمة أو إذا دخلت بين شيئين يتناول أحدهما نكره، إلا أنّ في الطّلاق والعتاق الموضع موضع الإثبات والنكرة في موضع الإثبات يختص تناول أحدهما فإذا عطف الثّالث على أحدهما صار كأنّه قال إحداكما طالق وهذه ولو نص على هذا كان الحكم ما قلنا. أمّا في مسألة الجامع الموضع موضع النّفي والنكرة في موضع النّفي نعم ويكون كلمة أو بمعنى لا قال الله تعالى: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (١) أي ولا كفورًا، فصار كأنّه قال والله لا أكلّم فلانًا ولا فلانًا فلما ذكر الثّالث بحرف الواو صار كأنّه قال ولا هذين ولو نصّ على هذا كان الحكم هكذا فكذا هنا ذكره الإمام قاضي خان ﵀ (٢). بَابُ اليَمِينِ في الْبَيْعِ والشِّرَاءِ والتَّزَوُّجِ وغيرِ ذلك أي من: الطَّلَاقَ والعَتَاقَ والضَّربَ، وهذه التَّصَرُّفَاتُ في الأَيمَانِ كثير (٣) وقوعًا أيضاً بالنّسبة إلى اليمين في الحج والصّلاة والصّوم؛ فلذلك قدِّمَهُ على باب اليمين في الحج، ثم الضَّابِطُ في هذه التَّصَرُّفَاتِ لأصحابنا ﵏ يَحنَثُ بِفِعلِ المَأمُورِ، وفيما لا يَحنَثُ شَيئَانِ: أحدهما: أَنَّ كُلَّ فِعلٍ تَرْجِعُ الحُقُوقُ فِيهِ إلى المُبَاشِرِ، فالحَالِفُ لا يَحنَثُ بِمُبَاشَرَةِ المَأمُورِ، وإن كانت الحقوق يرجع فيه إلى مَن وَقَعَ حكم الفعل له يحنث. والثّاني: أَنَّ كُلَّ فِعلٍ يَحتَمِلُ حُكمُهُ الانتِقَالَ إلى غيرِهِ، فالحَالِفُ فيه لا يَحنثُ بِمُبَاشَرَةِ المَأمُورِ. وإن كان لا يحتمل الانتقال يحنث، وقيل: كُلُّ ما يَستَغنِي المَأمُورُ في مُبَاشَرَتِهِ عن إضَافَتِهِ إلى الآمِرِ، فالآمِرُ لا يَحنَثُ بِمُبَاشَرَةِ المَأمُورِ، وإن كان لا يَستَغنِي عن هذه الإِضَافَةِ يَحنَثُ، والفِقهُ في ذلك: أنّ العقد متى رجعت حقوقه إلى من وقع العقد له فَمَقصُودُ الحَالِفِ من الحَلِفِ التَّوَقِّي عن حُكمِ العقدِ، وعن حُقُوقِهِ وكِلَاهُمَا يَرجِعَانِ إليهِ، ومتى رَجَعَت حُقُوقُهُ إلى العَاقِدِ لا إلى من وقع حُكْمُ العَقدِ له فَمَقصُودُهُ من الحَلِفِ التَّوَقِّي من رُجُوعِ الحُقُوقِ إليه وهي لا تَرجِعُ إليه فلا يحنثُ.

стр. 2228

[٤٣٩/ ب] ثُمَّ مِما يحنثُ الحَالِفُ بِمُبَاشَرَةِ المَأمُورِ النِّكَاحُ والصُّلحُ عن دمِ العَمدِ والطَّلَاقُ والعَتَاقُ والهِبَةُ والصَّدَقَةُ والقرض (١) والاستِقرَاضُ (٢) / وضَربُ العبدِ والذَّبحُ والإِيدَاعُ وقَبُولُ الوَدِيعَةِ (٣) والإِعَارَةُ والِاستِعَارَةُ وخِيَاطَةُ الثَّوبِ والبِنَاءُ، فإنّ الحالف كما يحنث فيها بفعل نفسه يحنث أيضاً بفعل المأمور. وأمّا ما لا يحنث الحالف بمباشرة المأمور فهو البَيعُ والشِّرَاءُ والإِجَارَةُ والِاستِيجَارُ والصُّلحُ عن المال وكذلك القِسمَةُ (٤). ومن المشايخ من ألحق الخصومة بهذا القسم كذا في الجامع الصّغير لقاضي خان ﵀ والفوايد الظهيرية (٥). إلا أن ينوي ذلك أي إلا أن ينوي أن لا يأمر غيره أيضاً فحينئذ يحنث وهذا الاستثناء متّصل بقوله: (فوكل من فعل ذلك لم يحنث) أي إلا أن ينوي ذلك فحينئذ يحنث أو يكون الحالف ذا سلطان لا يتولى العقد بنفسه فأمر غيره يحنث أي إذا باشره المأمور؛ لأنّه إذا كان الحالف ذا سلطان فمقصود الحالف بالحلف هو منع نفسه عمّا يعتاده وهو الأمر لغيره بالبيع والشراء فلما أمر غيره وفعل المأمور حنث حينئذ؛ لأنّه لما كان مقصود الحالف منع نفسه عن الأمر لغيره بدلالة الحال صار كأنّه قال والله لا آمر أحدًا بالبيع والشراء فلما أمر غيره حنث، ولكن مع ذلك لو فعل بنفسه يحنث أيضاً لوجود البيع منه حقيقة؛ فإن كان رجلاً يباشر ويوكل أخرى يعتبر فيه الغلبة ولو وكل رجلاً بالنكاح أو الطّلاق أو العتاق ثم حلف لا يفعل ثم فعل الوكيل حنث؛ لأنّه صار فاعلاً ذلك بفعل وكيله وهو بعد اليمين كذا في الجامع الصّغير للإمام التمرتاشي ﵀ والفوايد الظهيريّة (٦).

стр. 2229

لأنّ المالك له ولاية ضرب عبده فيملك توليته غيره وبهذا التّعليل وقع الاحتراز عمّن (يحلف على ضرب حر فأمر غيره بذلك فضرب المأمور لا يحنث؛ لأنّه لا ولاية له على الحرّ فلا يعتبر أمره فيه، ألا ترى أنّه لا يثبت في حق الضّارب حل الضّرب باعتبار أمره، بخلاف العبد فإنّه مملوك له وعليه ولاية فأمره غيره بضربه معتبر، ألا ترى أنّ الضّارب يستفيد به حل الضرب) كذا في المبسوط (١). بخلاف ما تقدّم من الطّلاق وغيره كالنكاح فإنّه لا يدين فيه قضاء ولكن يدين ديانة وهذا هو الفرق الذي وعده قبيل هذا بالإشارة إلى الفرق، والفرق هو أن فعل الوكيل في الطّلاق والنكاح وغيرهما مثل فعل الموكّل معنى وإن كان الوكيل فاعلاً صورة والاعتبار للمعنى لا للصّورة. (ولهذا لو حلف لا يُطَلِّق) فجُنَّ فطلق لا يحنث، وإن كان مطلقاً صورة وإذا كان كذلك كان فِعل الوكيل كفِعل المُوِكَّلِ فكان فعل الوكيل حينئذ من أنواع فعل الطّلاق الذي دخل تحت عموم نفي فعل الطّلاق في قوله لا أطلق، فصار كأنّه قال لا أطلق بنفسي، ولا أمرت غيري بالطّلاق، فلما نوى بقوله لا أطلق أن لا أطلق بنفسي كان ناوياً الخصوص في موضع العموم وهو خلاف الأصل؛ لأنّ الأصل أن يجري العموم على عمومه فلم يصدق قضاء لذلك، أمّا الضّرب فَفِعلٌ حِسِّيٌ بأثره وهو الإيلام، فحقيقته عند أسناده إلى نفسه أن يفعله بنفسه وفعل الغير لا يكون حقيقة فعل نفسه ولا نوعًا من أنواع فعل نفسه بل نسبته فعل الفاعل إلى الأمر باعتبار التّسبيب والتّسبيب طريق من طرق المجاز فلو كان فعل غيره من أنواع فعل نفسه مع كونه مجازاً كان جمعًا بين الحقيقة والمجاز في لفظٍ واحدٍ، وهو لا يجوز فإذا نوى فعل نفسه فقد نوى حقيقة كلامه فَيُصَدَّقُ قضاء لما أنّه لما كان يصدق قضاء إذا نوى حقيقة كلامه وإن كان بعيدًا عن الاستعمال في قوله لا أشرب الماء إذا نوى جميع المياه لمصادفة نيته حقيقة كلامه لأن يصدق قضاء إذا صادفت نيته حقيقة كلامه فيما هو كثير استعمال حقيقته أولى وأحرى. [٤٤٠/ أ] وذلك لأنّ الحقيقة لما لم تكن مهجورة تصدّق الحالف في نيّة الحقيقة قضاء وديانة، وإن كان في ذلك تخفيف له؛ لأنّ الكلام يصرف إلى حقيقته، فعند قِران النيّة بإرادة حقيقته أولى وذكر الإمام صدر الإسلام ﵀ (٢) الفرق بينهما بأن المأمور في الطّلاق والعتاق رسول الأمر ولسان الرسول لسان المرسل بالإجماع فيكون التطليق بلسانه كالتّطليق بلسان نفسه فيكون ما عناه خلاف الظّاهر وهو متهم فيه فلا يصدّق، أمّا في مسألة الضرب/ فليس فعل المأمور كفعل الآمر لأنّ المأمور ليس رسول الأمر فيه؛ لأنّ الرسالة تجري في الأقوال لا في الأفعال فلما عنى ضرب نفسه فقد عنى حقيقة كلامه فيصدق؛ لأنّ منفعة ضرب الولد عائدة إليه أي إلى الولد؛ لأنّ الولد إنّما يُضرب ليتأدّب ويتعلّم وينزجر عن القبائح وإن كان فيه منفعة للوالد أيضاً؛ فذاك ليس بمقصود وفعل الإنسان إنّما ينتقل إلى غيره بحكم المنفعة فإذا لم يعد إليه المنفعة المقصودة لم ينتقل الفعل إليه، وأمّا العبد فإنّما يضرب لينقَاد له العبد ويأتمر بأوامره، فإذا كانت المنفعة تعود إليه كان ضرب غيره كضربه فيحنث بالأمر إذا ضربه المأمور كذا ذكره الإمام قاضي خان ﵀ (٣).

стр. 2230

(ومن قال إن بعت لك هذا الثّوب فامرأته طالق فدس (١) المحلوف عليه ثوبه في ثياب الحالف)، أي إذا أخفى المحلوف عليه ثوب نفسه في ثياب الحالف (فباعه الحالف ولم يعلم به لم يحنث)، بخلاف ما إذا قال إن بعت ثوباً لك والمسألة بحالها حيث يحنث. اعلم أن معنى قوله إن بعتُ لك هذا الثّوب بالفارسية اكرفر وشم اذ تواين جامه راو معنى قوله إن بعت ثوباً لك اكرفرو شم جامه راكه ملك تست ثم الفرق بين المسألتين بالحنث وعدمه وكذلك اختلاف المعنى إنما نشاء (٢) من موضع اللام وذلك أنّ اللام للاختصاص في الصورتين، لكن لما دخلَ اللامُ على البيع أي قُرِنَ به وذُكِرَ بَعدهُ اقتضى اختصاصَ البيع بالمحلوف عليه، فاختصاص البيع بالمحلوف عليه من الحالف؛ إنّما يكون أَنْ لو كان ذلك البيعُ مَفعُولاً من جانب الحالف لأجل المحلوف عليه وفعل البيع لأجله؛ إنّما يكون أن لو كان قاصدًا لفعل البيع لأجله؛ وذلك إنّما يكون بالعلم، فلما أخفى ثوب المحلوف عليه في ثياب الحالفِ فباعه الحالف ولم يعلمه لم يكن البيع لأجل المحلوف عليه فلا يحنث، وأمّا إذا باعه لأجله وهو أن يبيعه بأمره فيحنث سواء كان المبيع ملكًا للمحلوف عليه أو لغيره وهذا الذي ذكرته في الفعل الذي يجري فيه النيابة كالبيع. وأمّا إذا كان فعلاً لا يجري فيه النّيابة كالأكل يقتضي اختصاص العين الذي هو محل ذلك الفعل بالمحلوف عليه، فيحنث الحالف فيه بفعله إذا كان كذلك العين مِلكًا له سواء أدخل اللام على الفعل أو على العين وهو معنى قوله: فلا يفترق الحكم فيه في الوجهين ولما دخل اللام على العين أي قرن بذلك العين، وذكر بعده وهي المسألة الثّانية اقتضى اختصاصه ذلك العين بالمحلوف عليه واختصاصه بالمحلوف عليه إنّما يكون أن لو كان ذلك العين مُلكًا للمحلوف عليه، فكان شرط الحنث حينئذ بيع ثوب مملوك للمحلوف عليه، ولا يتوقّف حنثه إلى علمه وأمر المحلوف عليه فيحنث ببيعه سواء علم أن ذلك الثّوب الذي باعه ملك المحلوف عليه أو لم يعلم؛ لأن من فعل المحلوف عليه ناسياً يحنث في يمينه. وذكر الإمام قاضي خان ﵀ (٣) فإن نوى بالثّاني الأوّل أو نوى بالأوّل الثّاني صَحَّت نِيَّتُه؛ لأنّه نوى ما يحتمله لفظهُ بالتّقديم والتّأخير.

стр. 2231

قوله: وضرب الغلام المراد به العبد، وبه صرّح في الجامع الصّغير لقاضي خان ﵀ (١) فقال لو قال إن ضربت لك عبدًا أو ضربت عبدًا لك فهو على ضرب عبد مملوك للمحلوف عليه لمكان العرف؛ ولأن الضرب ممّا لا يملك بالعقد ولا يلزم، ومَحَلُ الضرب يُملَك فانصَرَفَ اللام إلى ما يُملك، ويُؤخر المقدّم، وليس المراد به ضرب الولد لما ذكرنا في تعليل قوله لأنّ المالك له ولاية ضرب عبده وذكر في الفوائد الظهيرية المراد بالغلام الولد (٢). (فباعه على أنّه بالخيار عتق) لوجود الشّرط وهو البيع؛ فإن قلت: هذا البيعُ غيرُ كافٍ! لما أن هذا بيعٌ ليس فيه إلا ذكر إيجاب وقبول من غير إفادة حكم البيع، لما أن خيار البائع يمنع خروج المبيع عن مُلكه فلو كان هذا كافياً في كونه بيعًا يجب أن يكون النكاح الفاسد أيضاً كافياً في كونه نكاحاً، لما أن فيه الإيجاب والقبول أيضاً من غير إفادة الحكم وليس هو بكافٍ بالاتفاق، حتّى لا يحنث به إذا كان العتق معلّقاً به فما الفرق بينهما؟ قلتُ: قد ذكر الفرق بينهما شيخ الإسلام خواهر زاده (٣) فقال إن جواز البيع باعتبار المالية والمالية ليس فيها/ معنى يَنبُوَ عن قبول حكم الإيجاب والقبول وجواز النكاح باعتبار الإنسانيّة. [٤٤٠/ ب] ألا ترى أنّه يختص ببني آدم وفيها ما يَنبُو عن قبول حكم الإيجاب والقبول؛ لأنها تقتضي الحريّة والنكاح رق على ما جاء في الحديث فلا يحنث إلا إذا كان صحيحًا كذا في الفوايد الظهيريّة (٤). يعني لما كان النكاح فاسدًا اعتَضَدَ فَسَادُهُ بما يخالف الدّليل ترجح جانب العدم فصار كأن النكاح لم يوجد أصلاً بخلاف البيع؛ لأنه يوافق الدّليل فكان البيع بيعًا وإن لم يُوجب حكمه بعد أن ورد الإيجاب والقبول في محلّ البيع وهو المال، وهذا على أصلهما ظاهر؛ لأنّ خيار المشتري لا يمنع ثبوت الملك للمشتري عندهما يثبت الملك سابقاً عليه أي على العتق، فإن قلت الفرق ثابت بين التّعليق والتّنجيز ههنا، فإن في التنجيز لو لم ينفسخ الخيار يبطل التنجيز أصلاً وأمّا تعليق العتق بالشّرى ههنا لو لم ينفسخ الخيار في الحال فيقع صحيحًا لثبوت العتق بعد مضي مدّة الخيار، وإذا كان كذلك لم يلزم من صحّة التنجيز صحّة حكم التعليق في الحال بانفساخ الخيار.

стр. 2232

قلت لما أمكن إيقاع العتق في الحال من وجه بفسخ الخيار لم يؤخر إلى مضي مدة الخيار؛ لأنّ العتق ممّا يحتاط في إثباته ومن الاحتياط تعجيله لا تأخيره، فإن قلت ما الفرق بين هذه المسألة على قول أبي حنيفة ﵀ وهي ما إذا (قال: إن اشتريت هذا العبد فهو حرّ ثم اشتراه شرط هو الخيار يعتق) عند أبي حنيفة ﵀ أيضاً وبين ما إذا اشترى قريبه بشرط الخيار حيث لا يعتق عنده ما لم يسقط الخيار. قلت: قد ذكر الفرق الإمام قاضي خان ﵀ فقال إن في شرى القريب لم يوجد كلمة الإعتاق بعد الشّرى حتّى يسقط خياره؛ وإنّما يعتق القريب على القريب بحكم الملك وخيار المشتري عند أبي حنيفة ﵀ يمنع ثبوت الملك للمشتري فلا يعتق قبل سقوط الخيار، وأمّا ههنا فالإيجاب المعلَّق صار مُنَجَّزَاً عند الشّرط، وصار قائلاً أنت حرّ فينفسخ الخيار ضرورة لوجود دليل ما يختص بالملك وهذا بخلاف ما لو اشتراه على أنّ البايع بالخيار حيث لا يحنث المشتري، والفرق فيه هو أن المشتري متى كان الخيار له يتمكّن من إسقاطه، ومتى كان الخيار للبايع لا يتمكّن من إسقاطه، ثم إنّما وضع مسألة تعليق العتق بالبيع فيما إذا باعه على أنّه بالخيار؛ لبيان أنّه يعتق بمجرّد البيع؛ فكان هذا احترازًا عمّا لو باعه بيعًا باتًا حيث لا يعتق، وإن وجد البيع كذا ذكر في شروح الجامع الصّغير (١). وقال الإمام قاضي خان ﵀ (٢): ولو قال إن بعت هذا العبد فهو حرّ فباعه بيعًا باتًا لا يعتق؛ لأنّه كما تمّ البيع زال العبد عن ملكه، والجزاء لا ينزل في غير الملك، قلت: وبهذه المسألة يعرف أن العلّة مع المعلول يقترنان في الوجود، وأمّا الشّرط مع المشروط فإنّهما يتعاقبان في الوجود، حيث يوجد الشّرط أولاً ثم يوجد المشروط؛ فإن البيع ههنا كما هو علّة لثبوت الملك للمشتري فهو شرط أيضاً لثبوت العتق لذلك العبد، فصار المعلول وهو ملك المشتري أسرع ثبوتًا من المشروط الذي هو العتق، حيث وجد ملك المشتري قبل وجود العتق، ثم قال في الجامع الصّغير (٣) ولو باعه بيعًا فاسدًا فإن كان العبد في يد المشتري مضمونًا عليه، بأن كان غصبه لا يعتق كما في البيع الصّحيح الثّابت؛ لأنّه كما تم البيع يزول العبد عن ملكه، وإن كان العبد في يد البائع عتق؛ لأنّه لا يزول ملكه قبل التّسليم، ولو قال إن اشتريته فهو حرّ، فاشتراه شراءً فاسدًا، فإن كان العبد في يد البائع لا يعتق؛ لأنّه ملك البائع بعد البيع فيصير معتقاً ملك الغير، وإن كان العبد في يد المشتري على الوجه الذي ذكرنا يعتق؛ لأنّه صار معتقاً ملك نفسه؛ لأن الشّرط قد تحقق وهو عدم البيع؛ لأنّه كان علق الطّلاق بعدم البيع، فإذا وقع اليأسُ عن البيع لخروجه عن أن يكون محلاً للبيع بالإعتاق والتّدبير تحقق الشرط فتطلق، كما لو مات الحالف أو العبد، فإن قيل هذا الذي ذكره من فوات المَحَلَّيَةُ مُسَلَّمٌ في الإعتاق؛ وأمّا في التّدبير فغير مسلم؛ فإنّه يمكن بيع المدبّر إذا قضى القاضي بجواز بيعه،/ قلنا عند القضاء بجواز بيعه يُفسَخُ التَّدبِيرُ، ويكون البيعُ حينئذٍ بيعَ الْقِنِّ لا بَيعَ المُدَبَّرِ، وَفَوَاتُ الْمَحَلِّيَّةِ؛ إنّما كان باعتبار بقاء التّدبير، وقد قلنا أن بيع المدبّر لا يجوز، فكان الحلُّ فايتًا والحكم لا يُبنَى على ما يظهر عند قضاء القاضي في المجتهدات، إلى هذا أشار الإمام شمس الأئمة السّرخسي ﵀ في الجامع الصّغير (٤).

стр. 2233

[٤٤١/ أ] ولو كان مكان العبد جاريةً، والمسألة بحالها فكذلك الجواب، فإن قيل لا كذلك، فإنّه لم يقع اليأسُ عن بيعها هنا؛ لجواز أن ترتد فَتُسَّبَى بعد اللحاق بدار الحرب. قلنا من مشايخنا من قال: لا تطلق باعتبار هذا الاحتمال والصّحيح أنها تطلق؛ لأنّه إنّما عقد يمينه على البيع باعتبار هذا الملك، وقد انتهى ذلك الملك بالإعتاق والتّدبير، ولو كان العبد ذمياً ينبغي أن يكون الجواب فيه على نحو ما قلنا أي من قول المشايخ ﵏ وصِحَّتِهِ الجواب بخلاف قولهم كذا في الفوايد الظهيرية (١). ووجه الظّاهر عموم الكلام وقد زاد على حرف الجواب؛ لأنّه لو أراد جوابه لكان يكفيه قوله إن فعلت فهي طالق فلما ذكر لفظ العموم صار مُبتَدِيَاً فَيُعمل بعموم اللّفظ، وقال بأن الغرض إرضاؤها وتطييب قلبها، قلنا كما يحتمل ذلك يحتمل أنّه قصد به إِيحَاشَهَا لما اعترضت عليه فيما هو مباح، فلا يترك العمل بعموم اللّفظ. وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في الجامع الصّغير (٢) أن ما ذكره أبو يوسف ﵀ أصحّ عندي؛ لأنّه أخرج كلامه فخرج الجواب، والأصل أنّ ما تقدّم في الخطاب يصير كالمعاد في الجواب، فكأنّه قال كلّ امرأة أتزوّجها ما دامت حيّة فإنّها لا تدخل في لفظه ذلك، فكذلك ههنا والله أعلم بالصّواب.

стр. 2234

[كتاب الجهاد] باب الغنائم وقسمتها ذَكَر باب الغنائم بعد فَصْل الأَمان لأنَّ الإمام بعد المحاصرة إمَّا أَنْ يُؤَمِّنهم، أو يقتلهم ويستَغْنِم أموالهم. فَلمَّا ذَكَر الأمان، بَدأ بِذِكر الغنائم وقِسْمتهالأنَّه أحد وجهَي الاختيار (١). "الغَنيمة" عن أبي عُبيد (٢): ما نِيلَ من أهل الشِّرك عَنوةً والحرب قائمةٌ، وحكمها أنْ يُخمَّس، وسائرها بعد/ الخُمس للغانمين خاصَّة (٣). [تعريف الغنيمة والفيء والنفل] والفَيء: ما نِيل منهم بعد ما تَضَع الحرب أوزارها، وتصير الدَّار دارَ الإسلام (٤)، وحُكمه أنْ يكون لكافَّة المسلمين ولا يُخمَّس، وذلك كالخراج (٥) والجزية (٦). والنَّفْل: ما يُنَفَّل الغازي، أيْ: يُعطاه زائدًا على سَهْمِه، وهو أنْ يقول الإمام: من قتل قتيلا فله سلبه (٧)؛ كذا في المواهب (٨) (٩).

стр. 2235

وذكرفي الذخيرة (١): يَجِب أنْ تَعلَم بأنَّ الأنفالَ: الغنائمُ؛ قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] أيْ: الغنائم. وأصله في اللغة: الزِّيادة؛ ثم سُمِّيتْ الغنيمة نفلًالأنَّها زيادة على محلَّلات هذه الأمَّة، لأنَّ الغنائم لم تَكُنْ حَلالًا للأُمَم الماضية، وَأُحِلَّت لهذه الأمَّة (٢)؛ أو لأنَّها زيادة على ما يحصل للغازي من المقصود الأصلي، وهو الثواب الباقي، إلا أنَّ المراد من استعمال لَفظ الأَنفال في عُرْف لسانِ الفقهاء: ما يُحرِّض الإمام بعض الغانمين بذلك (٣). قوله: (عَنوَةً) (أي: قهرًا). وقوله: "قهرًا" ليس بتفسير له لغةًلأنَّ"عَنا عُنُوّا" بمعنى ذَلَّ وخَضَع، وهو لازم، و"قَهَر" مُتَعَدٍّ، بل يكونهو تفسيره من طريق شُعور الذِّهن؛ لأنَّ من الذِّلَّة يلزم القَهْر، أو أنَّ الفتح بالذِّلة مستلْزِم للقَهْر (٤) كذا وجدتُبخطِّ شيخي ﵀ (٥).

стр. 2236

[قسمة الغنيمة] قوله: (إنْ شاء قَسَمه) أي: قسم البَلْدة؛ على تأويل البَلد. [وهذا الحُكْم في أراضيهم] (١)، وأمَّا الحُكْم في رِقابهم، فهو ما يجيء بعد هذا بقوله: (وهو في الأسارى بالخِيار، وإِنْ شاء أقرَّ أهلَه عليه، وَوَضع على أراضيهم الخراج). وهذا عندنا، وأمَّا عند الشافعي ﵀ فلا يُقِرُّ أهلَه عليه، ولا يضع على أراضيهم الخراج، بل يُقسم أراضيَهم بين الغانمين، ولا يتركها في أيديهم بالخراج (٢) على ما يجيء بعد. (كذلك فعل عمر ﵁ بسواد العراق (٣) (٤). وبعض أصحاب الشافعي يُنكِر فتح السّواد (٥) [عَنوة. قلنا: افتتح عمر السّواد] (٦) عنوةً وقهرًا، وذلك مشهور في كتب المغازي، ثم منَّ عليهم برقابهم وأراضيهم، وجعل عليهم الجزية في رؤوسهم، والخراج في أراضيهم. وإنَّما فعل ذلك بعدما شاور الصحابة ﵃ على ما رُوِيَ أنَّه استشارهم مرارًا، ثم جمعهم فقال: "أما إنِّي تَلَوْتُ آيةً منكتاب الله تعالى استغنيت بها عنكم؛ ثُمّ تلى قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] إلى قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩]. هكذا في قراءة عمر ﵁، إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١] (٧). قال: ثُمَّ أَرَى لِمَن بعدكم في هذا الفيء نصيبًا، ولو قسمتُها بينكم لم يَكن لمن بعدكم نصيب"؛ فمنَّ بها عليهم، وجعل الجزية على رؤوسهم، والخراج على أراضيهمليكون ذلك لهم ولمن يأتي بعدهم من المسلمين؛ ولم يخالفْه على ذلك إلا نَفَر يسير، منهم بلال، ولم يحمدوا على خلافه، حتّى دعا عليهم على المنبر فقال: "اللهم اكفني بلالًا وأصحابه"، فما حال الحَول ومنهم عين تطرف (٨)؛ أي: ماتوا جميعًا (٩)؛ كذا في المبسوط (١٠).

стр. 2237

(وقيل: الأولى هو الأوَّل عند حاجة الغانمين؛ كما فعل النَّبي ﵊ بِخَيبَر (١) فإنَّه كان عند حاجة المسلمين، والثَّاني عند عدم الحاجة؛ كما فعل عمر بسواد العراق. [المن في العقار] (وهذا في العقار (٢) أي: إقرار أهل بَلَد على بَلَدهم بالمنِّ عليهم. (أمَّا في المنقول المجرَّد، لا يجوز المنُّ بالرد عليهم). يقال: "منَّ عليه مَنّا" أي: أنعم. وذَكَر في التَّيسير (٣) في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ [محمد: ٤] أي: فإمَّا أنْتَمنُّوا بعد ذلك بالإطلاق مجانًا. ثم هاهنا معنى المنِّ في المنقول هوأنْ يَدفَع لهم مجانًا، ويُنْعِم به عليهم (٤)؛ وإنَّما قيّد بقوله "المجرَّد" لأنَّه يجوز المنُّ عليهم في المنقول بطريق التَّبعية بالعقار، وذلك في قوله بعد هذا: (وإنْ منَّ عليهم بالرّقاب والأراضي يَدفع إليهم من المنقولات بِقَدر ما يتهيأ لهم العمل). قوله: (وفي العقار خلاف الشافعي ﵀ (٥) لأنَّ في المَنِّ … إلى أنْقال (٦): والحُجَّة عليه) مِن تعليل الشَّافعي. والدَّليل على هذا ما ذَكَره في المبسوطوالإيضاح (٧) بمثل هذا، والتَّعليل في طرف الشافعي، فذكر فيالمبسوط: "فالشافعي يقول: قد تأكَّد حقُّ الغانمين في الأراضي، أَمَّا عندي، فقد ثبت الملك لهم بنفس الإصابة، وعندكم تأكَّد الحقُّ بالإحراز، فَقَد صارت مُحرَزة بفتح البلدة وإجراء أحكام الإسلام فيها، وفي المنِّ إبطال حقِّ الغانمينعما

стр. 2238

تأكَّد حقهم فيه، والإمام لا يملك ذلك؛ كما لو استولى على الأموال بدون الأراضي لم يكن له أن يُبطِل حقَّ الغانمين عنها بالردِّ عليهم، بخلاف الرِّقاب فالحق في رقابهم لم يتأكَّد/ بدليل أنَّ له أنْ يقتلهم، فكذلك يكون له أنْ يمُنَّ على رقابهم بجزية يأخذها. ثُمَّ حقُّ مصارف الخُمس ثابت بالنصّ، وفي المنِّ إبطال ذلك، ولهذا قلت أنا: تُخمَّس الجزية؛ لأنَّ فيالخمس في الرقاب كان حقًا لأرباب الخمس، فيثبت في بَدَل ذلك، وهو الجزية. وعلماؤنا يقولون: تَصرُّف الإمام وقع على وجه النظر، وبيانه: أنَّه لو قسمها بينهم اشتغلوا بالزّراعة وقعدوا عن الجهاد؛ يَكُرّ (١) عليهم العدو، وربما لا يهتدون لذلك العمل أيضًا، فإذا تركها في أيديهم وهم أعرف بذلك العملاشتغلوا بالزراعة، وأدّوا الخراج والجزية، ويصرف ذلك إلى المقاتلة، ويكونون مشغولين بالجهاد. وبهذا يتبين أنَّ فيه توفير المنفعةلأنَّ منفعة القِسمة، وإنْ كانت أعجل، فمنفعة الخراج أدوم" (٢). وذكر في الإيضاح: وقال الشافعي: يقسِم الأراضي، ولا يتركها في أيديهم بالخراجلأنَّ الأراضي أموال، فصارت ملكًا للغانمينبالاستيلاء عليها، فلا يجوز إبطال ملكهم عنها إلا بِبَدَل يَعدِلها، والخراج لا يعدل الملك (٣). قوله (٤): فوجبت القسمة؛ كما في المنقولات، وهذا بخلاف الرّقاب (٥) لأنَّها خُلِقت في الأصل حُرًا، والملك يثبت بعارض، فالإمام إذا استرقّهم، فقد بَدَّل حُكم الأصل، فإذا جعلهم أحرارًافقد بقي حكم الأصل مكانًا حائزًا. ولنا حديث فتح مكَّة (٦)؛ فإنَّها فُتحت عنوة وقهرًا، وتُرِكت في أيديهم، وكذلك سواد العراقلما فُتِح في زمان عثمان (٧) ﵁ تركها في أيدي أهلها، وضرب عليها الخراج، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ﵃. ونستدل بفصل الرقاب، فنقول: بأنه يجوز المنُّ عليهم في رقابهم بضرب الجزية، فكذا يجوز المنُّ عليهم في أراضيهم بضرب الخراج.

стр. 2239

قوله: (لأنَّ في المنّ إبطال حقِّ الغانمين) أي: عندَكُم (أو ملكهم) أي: عندي (والخراج غير معادل) أي: للعقار (بخلاف الرِّقاب) لأنَّ للإمام أنْ يُبطِل حقَّهم رأسًا بالقتل، فكذا له أنْ يُبطِل بالخلف، وهو الجزية. (ما رويناه) أي: من فعل عمر ﵁؛ (ولأنَّ فيه) أي: في إقرار أهله عليه (كالأكرة) أي: المزارعين، (والمؤن مرتفعة) أي: مؤنة الزراعة مرتفعة عن الإمام والمسلمين. (فقد جَلَّ مآلًا) يعني: الخراج، وَإِنْ كان قَليلًا في الحال صورةً، فَهو كثيرٌ من حيث المعنىلدوامه، وهو وجوبه في كل سنة. [قوله: (يخرج عن حد الكراهة)] (١) فقد ذكر الإمام التمرتاشي (٢): "فإنْ مَنَّ عليهم برقابهم وأراضيهم، وقَسَم النِّساء والذُّرية وسائر الأموال جاز، ولكن يُكْرَه؛ لأنَّهم لا ينتفعون بالأراضي بدون المال، ولا بقاء لهم بدون ما يمكن به تزجية العُمر، إلّا أن يَدَعَ لهم ما يمكنهم به العمل في الأراضي" (٣). [الحكم في الأسرى] (وهو في الأسارى بالخيار إن شاء قتلهم) فقد أَطلَق القتل في الأسارى، وهو ليس بمجري على إطلاقهفإنّ اسم الأسير باقٍ في الذي أسلم بعد الأسر، ولا يجوز القتل في حقِّه على ما يجيء. قوله: (لأنَّه ﵊ قد قَتَل) وذكر في الإيضاح: فأمَّا الكلام في جواز القتل بعد حصولهم في أيدي الإمامفما رُوِي عن النَّبي ﵊ أنَّه قتل عُقبة بن أبي مُعَيط (٤)، والنَّضر بن الحارث (٥) بعدما حصلا في يده (٦)، وقتل بني قريظة بعد ثبوت اليد عليهم (٧). فإِنْ أسلموا سقط القتل عنهملأنَّها عقوبة وجبت للبقاء على الكفر، فإذا زال الكفر سقط القتل (٨).

стр. 2240

وحاصله أنَّ الإسلام لا ينافي بقاء حكم الاسترقاقلأنَّ الرقبة ثبتت بطريق التَّبعية، فبقاؤها يكون تَبعًا لما وجد في حقِّه حالة الكفر، ولكنَّ الإسلام ينافي بقاء حكم القتل؛ لأنَّالقتل في هذا جزاء الكفر الحقيقي، لا جزاء أثره؛ ولهذا لا يثبت حكم القتل بطريق التبعية. (وإن شاء تركهم أحرارا) فإنْ قيل: ينبغي أنْ لا يثبت خيار ترك القتل لقوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]، فعلى هذا استقرَّ أمر الجهاد على ما مرَّ ذكره. قلنا: خُصَّمن هذه الآية أهلالذِّمة (١) والمستأمنون (٢) والنِّساء وغير ذلك، فيخصّ المتنازع عنها بفعل عمر ﵁ بمحضر من الصحابة. قوله: (لِما بيَّنَّا) إشارة إلى قوله: (كذلك فعل عمر ﵁ بسواد العراق) إلى آخره. " (وَالْمُفَادَاةُ) بَيْنَ اثْنَيْنِ، يُقَال فَادَاهُ: إذَا أَطْلَقَهُ وَأَخَذَ فِدْيَتَهُ" (٣) كذا في المغرب (٤)، ومنه قوله: (ولا يفادي بالأسارى عند أبي حنيفة)، أي: لا تؤخذ فدية بمقابلة إطلاق الأسارى التي في أيدي المسلمين، يعني: "فداكرفته نشورنه، بمال، ونه أسير مسلم در مقابلة إطلاق أسير/ كافران" (٥). وما ذَكر ههنا موافِق لما ذَكر في الإيضاح، فقال فيه: الأصل عند أبي حنيفة ﵀: لا يجوز مفاداة أساراهم بالأسارى ولا بغيرهم من المال (٦).

стр. 2241

وقال أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله-: يجوز المفاداة بالأسارى، ولا يجوز بالمال (١). وجَعَل في السّير الكبير (٢) ما ذكر من قولهما هنا ظاهرَ روايةِ أصحابنا، فقال: لا بأس بأنْ يُفادى أسرى المسلمين بأسرى المشركين الذين في أيدي المسلمين من الرِّجال والنِّساء، وهذا قول أبي يوسف ومحمد، وهو أظهر الرِّوايتين عند أبي حنيفة ﵀، وعنه في رواية أخرى أنَّه قال: لا يجوز مفاداة الأسير بالأسير. ثم قال: وَجْه ظاهر الرّواية (٣) أنَّ تخليص أسرى المسلمين من أيدي المشركين واجب، ولا يُتَوصَّل إلى ذلك إلا بطريق المفاداة (٤). قوله: (لِمَا بيَّنَّا) إشارة إلى قوله: (أنَّ فيه معونة للكَفَرة؛ لأنَّه يعود حربًا علينا، وفي السّير الكبير أنَّهلا بأس به) أي: بالمفاداة بمال نأخذه منهم (استدلالًا بأسرى بدر) (٥).

стр. 2242

وذكر في الإيضاح: ولا دلالة فيه، فإنَّ سورة براءة آخر ما نزلت، وقد تضمنَّت وجوب القتل على كل حال، بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فكان ناسخًا (١). وقال أبو يوسف ﵀: يجوز المفاداة بالأسرى قبل القسمة، ولا يجوز بعدها. وقال محمد ﵀: يجوز على كل حال (٢). (ولا يجوز المَنُّ عليهم) (أي: على الأسارى). المراد من المنِّ هو: الإنعام عليهم بأنْ يتركهم مجانًا من غير استرقاق ولا ذِمَّة ولا قتل. وعلَّل في السّير الكبير بقوله: "لأنَّ في المنِّ على الأسير تمكينهمن أنْ يعود حربًاللمسلمين بعد الظُّهور عليه، وذلك لا يحِل" (٣)، وقد بيَّنَّا أنَّ حكم المنِّ الثابت بقوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ [محمد: ٤]، قد انتسخ بقوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، والذي رُوي أنَّالنَّبي ﵊ مَنَّعلى أَبي عزة الجمحي (٤) يوم بدر (٥)، فقد كان ذلك قبل انتساخ حكم المنِّ. ألا ترى أنَّه وقع أسيرًا يوم أحد، وطلب من رسول الله ﵊ أن يمُنَّ عليه،

стр. 2243

[قسمة الغنيمة في دار الحرب] فَأبى، وقال: لا تحدّث العرب بأنّي خدعت محمدًا مرّتَين؛ ثم أمر به فقُتِل. (وقال الشافعي لا بأس بذلك (١). وذكر في الإيضاح: وقال أبو يوسف: إنْ قُسِمتْفي دار الحرب (٢) جاز (٣). (ويبتني على هذا الأصل عدَّة من المسائل) وذكر في التحفة (٤): يتعلّق حق التَّملُّك أو حقُّ الملك للغزاة بنفس الأخذ والاستيلاء، ولا يثبت الملك به قبل الإحراز بدار الإسلام عندنا خلافًا للشافعي ﵀، فإنَّ عنده (٥)، في قولٍ، يثبت الملك بنفس الأخذ، وفي قولٍ، بعد الفراغ من القتال وانهزام العدو. ويَبْتني على هذا الأصل فروع؛ منها: أنَّ الإمام إذا باع شيئًا مِن الغنائم لا لحاجة الغزاة، أو باع واحدٌمن الغزاة، فإنَّه لا يصّح عندنا؛ لعَدم الملك؛ وكذا لو أتلف واحدٌ من الغزاة في دار الحرب، فإنَّه لا يضمن؛ ولو مات واحدٌ من الغزاة لا يُورَث سهمُه؛ ولو لحق المددُ الجيشَقبل القسمة في دار الحرب يشاركونهم في القسمة؛ ولو قَسَم الإمام في دار الحرب لا مجتهدًا ولا باعتبار حاجة الغزاة لا تصحُّ القسمة عندنا، وعند الشافعي يصح (٦). وقال: هو بخلاف ما ذكرنا في هذه الفصول، وبيان ثبوت الحقِّ لهم أنَّ الأسير إذا أسلم قبل الإحراز بدار الإسلام، فإنَّه لا يكون حُرًّا، ولو أسلم قبل الأخذ يكون حرًالما أنَّه يتعلّق حقُّالغزاة بالأخذ. وكذا لو أسلم أرباب الأموال قبل الإحراز بدار الإسلام، فإنَّهم لا يختصُّون بأموالهم، بل هم من جملة الغزاة في الاستحقاق بسبب الشّركة في الإحراز بدار الإسلام بمنزلة المدد. وكذا ليس لواحدٍ من الغزاة أنْ يأخذ شيئًا من الغنائم من غير حاجة؛ ولو لم يثبت الحقّ لهم لكانت الغنائم بمنزلة المباح. ثُمَّ بعد الإحراز بدار الإسلام قبل القسمة، فإنَّ حقَّ الملك يتأكَّد ويستقِرُّ، ولكنْ لا يثبت الملك أيضًا. ولهذا قالوا: لو مات واحدٌ منهم يورَث نصيبُه، ولو قسم الإمام أو باع جاز، ولو لحِقَهُم مدد لا يشاركون، ويضمن المتلِف، ولكنَّ الملك لا يثبُت حتَّى لو أَعتَق واحدٌ من الغزاة عبدًا من عَبيد الغَنيمة لا يُعتَق؛ لأنَّه لا يثبت الملك الخاصُّ إلا بالقسمة (٧).

стр. 2244

وهذا الذي ذَكَر في التُّحفة معنى ما ذَكَر في المبسوط، فقال فيه بعدما ذكر قول الشافعي ﵀: "فأمَّا عندنا فالحقُّ يثبت بِنَفس الأخذ، ويتأكَّد بالإحراز/، ويُملَك بالقسمة كحقِّ الشُّفْعة يثبت بالبيع، ويتأكَّد بالطَّلَب، ويتِمُّ الملك بالأخذ. وما دام الحق ضعيفًا لا يجوز القسمةلأنَّه دون الملك الضّعيف في المبيع قبل القبض" (١). (والثَّانيمنعدِم) أَي: إثبات اليدالنَّاقلة إلى دار الإسلام (منعدم لقدرتهم) أي: الكَفَرة (ووجوده ظاهرًا) لكونِ المسلمين في ديارهم فكان قولهم. و"وجوده" بالجر عطفًا على قدرتهم. (ثم قيل: موضع الخلاف تَرتُّب الأحكام على القِسمة إذا قَسَم الإمام لا عن اجتهاد)، أي: أنَّ موضع الخلاف فيما إذا صَدرت القسمة عن الإمام بدون الاجتهاد، فإنَّها هل يثبت حكم الملك لمن وقَعَت القسمة في نَصيبه مِن الأَكل والوَطْءِ وسائر الانتفاع أم لا؟ فَعَلى قَولٍ تَثبُت، وعندنا لا تَثبُت. ثم علَّل بقوله: (لأنَّ حُكم المُلك لا يثبت بدونه) أي: بدون الملك؛ فلمَّاتثبتأحكام الملك عنده في الأكل والوطء وغيرهما بهذه القسمة الصَّادرة لا عن اجتهاد، عَلمنا أنَّ الملك كان ثابتًا له قبل القِسمة؛ كما إذاكانت التَّرِكة بين الورثة، فإنه إنَّما تثبت أحكام الملك في الانتفاعات إذا وقعت القسمة لثبوت نفس الملك قبل القسمة. فكذلك ههنا على قوله: وعندنا لا يَثبتُ بهذه القسمةِالصَّادرةِ لا عن اجتهادٍ في حكمٍ الملكُ؛ لأنَّ الملكَ يثبت قبل هذه القسمة، فلا يثبت حكم الملك من الانتفاع بهذه القسمة شيء، ثم إنَّما قيَّد القِسمة لا عن اجتهاد ليظهر موضِع الخلاف، فإنَّه إذا قسم مجتهدًا جاز بالاتفاق (٢). وذكر في المبسوط: "وإنْ قسمها في دار الحرب جاز؛ لأنَّه أمضى فصلًا مجتهدًا فيه، وقضاء المجتهِد في المجتهَد فيه نافذ" (٣). (وقيل: الكراهة (٤) أي: حكم قسمة الغنائم في دار الحرب على مذهبنا الكراهة، لا عدم الجواز.

стр. 2245

وذكر في المبسوط: "وقيل: من مذهبنا كراهة القسمة في دار الحرب لا بطلان القسمة؛ لما في القِسمة من قطع شركة المدد، فَيقِلُّ بها رغبتهم في اللُّحوق بالجيش؛ ولأنَّه إذا قسم تفرَّقوا؛ فرُبَّما يكثر العدو على بعضهم، وهذا أمر وراءما يتمّ به القسمة، فلا يمنع جوازها" (١). (ووجه الكراهة أنَّ دليل البطلان راجح) بدليل عَدَم الملك بمجرَّد الاستيلاء بالدَّليل الذي ذكرنا، أو أنَّ دليل البطلان محرِّم، والمحرِّم راجح على المبيح. (إلا أنَّه تقاعدعن سلْب الجواز) أي: بالإجماع (٢)، أمَّا الشافعي فقال بالجواز مطلقًا (٣)، ونحن نقول به مع الكراهة. (فلا يتقاعد عن إيراث الكراهة)؛ لأنَّ الدليل المرْجوح لمَّا لم يبطُلْ أصلًا حصل في معارضة الدَّليلين مِن الدَّليل الرَّاجح والمرجوح الكراهة، كما في سُؤر الهرّة. وَهذا الذي ذكره عند عدم الحاجة. أمَّا لو احتاج الغزاة إلى الانتفاع بالمتاع والثياب والدوابّ، قَسمها الإمام بينهم في دار الحرب لتحقُّق حاجتهم عليه شاركوهم فيها؛ خلافًا للشافعي (٤). "وعند الشافعي لا شركة للمدد إذا لحِق الجيشَ بعد الإصابة (٥)؛ بناءً على أصله أنَّ السبب هو الأخذ، والملك يثبت بنفس الأخذ. وَعندنا، السَّببُ هو القهر، وتمام القهر بالإحراز بدار الإسلام، فَإذا شارك المدد الجيش في الإحراز الَّذي به يتِمُّ السَّبب يشاركونهم في تأكُّد الحقِّ به، كما لو التحقوا بهم في حالة القتال" (٦)، كذا في المبسوط. [سهم أهل سوق العسكر] (ولا حقَّ لأهل سوق العسكر (٧) في الغنيمة) وهذا اللَّفظ بإطلاقه يَتناول (٨) نفيَالسَّهم والرَّضْخ (٩).
следующие страницы →