← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

وقال أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله-: يجوز المفاداة بالأسارى، ولا يجوز بالمال (١). وجَعَل في السّير الكبير (٢) ما ذكر من قولهما هنا ظاهرَ روايةِ أصحابنا، فقال: لا بأس بأنْ يُفادى أسرى المسلمين بأسرى المشركين الذين في أيدي المسلمين من الرِّجال والنِّساء، وهذا قول أبي يوسف ومحمد، وهو أظهر الرِّوايتين عند أبي حنيفة ﵀، وعنه في رواية أخرى أنَّه قال: لا يجوز مفاداة الأسير بالأسير. ثم قال: وَجْه ظاهر الرّواية (٣) أنَّ تخليص أسرى المسلمين من أيدي المشركين واجب، ولا يُتَوصَّل إلى ذلك إلا بطريق المفاداة (٤). قوله: (لِمَا بيَّنَّا) إشارة إلى قوله: (أنَّ فيه معونة للكَفَرة؛ لأنَّه يعود حربًا علينا، وفي السّير الكبير أنَّهلا بأس به) أي: بالمفاداة بمال نأخذه منهم (استدلالًا بأسرى بدر) (٥).

стр. 2242

وذكر في الإيضاح: ولا دلالة فيه، فإنَّ سورة براءة آخر ما نزلت، وقد تضمنَّت وجوب القتل على كل حال، بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فكان ناسخًا (١). وقال أبو يوسف ﵀: يجوز المفاداة بالأسرى قبل القسمة، ولا يجوز بعدها. وقال محمد ﵀: يجوز على كل حال (٢). (ولا يجوز المَنُّ عليهم) (أي: على الأسارى). المراد من المنِّ هو: الإنعام عليهم بأنْ يتركهم مجانًا من غير استرقاق ولا ذِمَّة ولا قتل. وعلَّل في السّير الكبير بقوله: "لأنَّ في المنِّ على الأسير تمكينهمن أنْ يعود حربًاللمسلمين بعد الظُّهور عليه، وذلك لا يحِل" (٣)، وقد بيَّنَّا أنَّ حكم المنِّ الثابت بقوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ [محمد: ٤]، قد انتسخ بقوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، والذي رُوي أنَّالنَّبي ﵊ مَنَّعلى أَبي عزة الجمحي (٤) يوم بدر (٥)، فقد كان ذلك قبل انتساخ حكم المنِّ. ألا ترى أنَّه وقع أسيرًا يوم أحد، وطلب من رسول الله ﵊ أن يمُنَّ عليه،

стр. 2243

[قسمة الغنيمة في دار الحرب] فَأبى، وقال: لا تحدّث العرب بأنّي خدعت محمدًا مرّتَين؛ ثم أمر به فقُتِل. (وقال الشافعي لا بأس بذلك (١). وذكر في الإيضاح: وقال أبو يوسف: إنْ قُسِمتْفي دار الحرب (٢) جاز (٣). (ويبتني على هذا الأصل عدَّة من المسائل) وذكر في التحفة (٤): يتعلّق حق التَّملُّك أو حقُّ الملك للغزاة بنفس الأخذ والاستيلاء، ولا يثبت الملك به قبل الإحراز بدار الإسلام عندنا خلافًا للشافعي ﵀، فإنَّ عنده (٥)، في قولٍ، يثبت الملك بنفس الأخذ، وفي قولٍ، بعد الفراغ من القتال وانهزام العدو. ويَبْتني على هذا الأصل فروع؛ منها: أنَّ الإمام إذا باع شيئًا مِن الغنائم لا لحاجة الغزاة، أو باع واحدٌمن الغزاة، فإنَّه لا يصّح عندنا؛ لعَدم الملك؛ وكذا لو أتلف واحدٌ من الغزاة في دار الحرب، فإنَّه لا يضمن؛ ولو مات واحدٌ من الغزاة لا يُورَث سهمُه؛ ولو لحق المددُ الجيشَقبل القسمة في دار الحرب يشاركونهم في القسمة؛ ولو قَسَم الإمام في دار الحرب لا مجتهدًا ولا باعتبار حاجة الغزاة لا تصحُّ القسمة عندنا، وعند الشافعي يصح (٦). وقال: هو بخلاف ما ذكرنا في هذه الفصول، وبيان ثبوت الحقِّ لهم أنَّ الأسير إذا أسلم قبل الإحراز بدار الإسلام، فإنَّه لا يكون حُرًّا، ولو أسلم قبل الأخذ يكون حرًالما أنَّه يتعلّق حقُّالغزاة بالأخذ. وكذا لو أسلم أرباب الأموال قبل الإحراز بدار الإسلام، فإنَّهم لا يختصُّون بأموالهم، بل هم من جملة الغزاة في الاستحقاق بسبب الشّركة في الإحراز بدار الإسلام بمنزلة المدد. وكذا ليس لواحدٍ من الغزاة أنْ يأخذ شيئًا من الغنائم من غير حاجة؛ ولو لم يثبت الحقّ لهم لكانت الغنائم بمنزلة المباح. ثُمَّ بعد الإحراز بدار الإسلام قبل القسمة، فإنَّ حقَّ الملك يتأكَّد ويستقِرُّ، ولكنْ لا يثبت الملك أيضًا. ولهذا قالوا: لو مات واحدٌ منهم يورَث نصيبُه، ولو قسم الإمام أو باع جاز، ولو لحِقَهُم مدد لا يشاركون، ويضمن المتلِف، ولكنَّ الملك لا يثبُت حتَّى لو أَعتَق واحدٌ من الغزاة عبدًا من عَبيد الغَنيمة لا يُعتَق؛ لأنَّه لا يثبت الملك الخاصُّ إلا بالقسمة (٧).

стр. 2244

وهذا الذي ذَكَر في التُّحفة معنى ما ذَكَر في المبسوط، فقال فيه بعدما ذكر قول الشافعي ﵀: "فأمَّا عندنا فالحقُّ يثبت بِنَفس الأخذ، ويتأكَّد بالإحراز/، ويُملَك بالقسمة كحقِّ الشُّفْعة يثبت بالبيع، ويتأكَّد بالطَّلَب، ويتِمُّ الملك بالأخذ. وما دام الحق ضعيفًا لا يجوز القسمةلأنَّه دون الملك الضّعيف في المبيع قبل القبض" (١). (والثَّانيمنعدِم) أَي: إثبات اليدالنَّاقلة إلى دار الإسلام (منعدم لقدرتهم) أي: الكَفَرة (ووجوده ظاهرًا) لكونِ المسلمين في ديارهم فكان قولهم. و"وجوده" بالجر عطفًا على قدرتهم. (ثم قيل: موضع الخلاف تَرتُّب الأحكام على القِسمة إذا قَسَم الإمام لا عن اجتهاد)، أي: أنَّ موضع الخلاف فيما إذا صَدرت القسمة عن الإمام بدون الاجتهاد، فإنَّها هل يثبت حكم الملك لمن وقَعَت القسمة في نَصيبه مِن الأَكل والوَطْءِ وسائر الانتفاع أم لا؟ فَعَلى قَولٍ تَثبُت، وعندنا لا تَثبُت. ثم علَّل بقوله: (لأنَّ حُكم المُلك لا يثبت بدونه) أي: بدون الملك؛ فلمَّاتثبتأحكام الملك عنده في الأكل والوطء وغيرهما بهذه القسمة الصَّادرة لا عن اجتهاد، عَلمنا أنَّ الملك كان ثابتًا له قبل القِسمة؛ كما إذاكانت التَّرِكة بين الورثة، فإنه إنَّما تثبت أحكام الملك في الانتفاعات إذا وقعت القسمة لثبوت نفس الملك قبل القسمة. فكذلك ههنا على قوله: وعندنا لا يَثبتُ بهذه القسمةِالصَّادرةِ لا عن اجتهادٍ في حكمٍ الملكُ؛ لأنَّ الملكَ يثبت قبل هذه القسمة، فلا يثبت حكم الملك من الانتفاع بهذه القسمة شيء، ثم إنَّما قيَّد القِسمة لا عن اجتهاد ليظهر موضِع الخلاف، فإنَّه إذا قسم مجتهدًا جاز بالاتفاق (٢). وذكر في المبسوط: "وإنْ قسمها في دار الحرب جاز؛ لأنَّه أمضى فصلًا مجتهدًا فيه، وقضاء المجتهِد في المجتهَد فيه نافذ" (٣). (وقيل: الكراهة (٤) أي: حكم قسمة الغنائم في دار الحرب على مذهبنا الكراهة، لا عدم الجواز.

стр. 2245

وذكر في المبسوط: "وقيل: من مذهبنا كراهة القسمة في دار الحرب لا بطلان القسمة؛ لما في القِسمة من قطع شركة المدد، فَيقِلُّ بها رغبتهم في اللُّحوق بالجيش؛ ولأنَّه إذا قسم تفرَّقوا؛ فرُبَّما يكثر العدو على بعضهم، وهذا أمر وراءما يتمّ به القسمة، فلا يمنع جوازها" (١). (ووجه الكراهة أنَّ دليل البطلان راجح) بدليل عَدَم الملك بمجرَّد الاستيلاء بالدَّليل الذي ذكرنا، أو أنَّ دليل البطلان محرِّم، والمحرِّم راجح على المبيح. (إلا أنَّه تقاعدعن سلْب الجواز) أي: بالإجماع (٢)، أمَّا الشافعي فقال بالجواز مطلقًا (٣)، ونحن نقول به مع الكراهة. (فلا يتقاعد عن إيراث الكراهة)؛ لأنَّ الدليل المرْجوح لمَّا لم يبطُلْ أصلًا حصل في معارضة الدَّليلين مِن الدَّليل الرَّاجح والمرجوح الكراهة، كما في سُؤر الهرّة. وَهذا الذي ذكره عند عدم الحاجة. أمَّا لو احتاج الغزاة إلى الانتفاع بالمتاع والثياب والدوابّ، قَسمها الإمام بينهم في دار الحرب لتحقُّق حاجتهم عليه شاركوهم فيها؛ خلافًا للشافعي (٤). "وعند الشافعي لا شركة للمدد إذا لحِق الجيشَ بعد الإصابة (٥)؛ بناءً على أصله أنَّ السبب هو الأخذ، والملك يثبت بنفس الأخذ. وَعندنا، السَّببُ هو القهر، وتمام القهر بالإحراز بدار الإسلام، فَإذا شارك المدد الجيش في الإحراز الَّذي به يتِمُّ السَّبب يشاركونهم في تأكُّد الحقِّ به، كما لو التحقوا بهم في حالة القتال" (٦)، كذا في المبسوط. [سهم أهل سوق العسكر] (ولا حقَّ لأهل سوق العسكر (٧) في الغنيمة) وهذا اللَّفظ بإطلاقه يَتناول (٨) نفيَالسَّهم والرَّضْخ (٩).

стр. 2246

وذكر في المبسوط: "وأَهْل سُوق العَسكر، إنْ لم يُقاتِلوا، فَلا سَهْم لهم ولا رَضخ؛ لأنَّ قصدَهم التِّجارة لا إرهاب العدو وإعزاز الدّين" (١). (فانعدم السَّبب الظَّاهر) وهو مجاوَزة الدَّرب على قصد القتال. (وما رواه موقوف على عمر ﵁ (٢) وذلك ليس بحجَّة عند بعض مشايخنا؛ خصوصًا على أصل (٣) الشَّافعي؛ فإنَّ عنده لا يُقلَّد الصَّحابي. (٤)

стр. 2247

(وتأويله أنْ يشهدها على قصد القتال)، أي: يشهد الوَقْعة، وهي القتال (على قصد القتال) أي: قاصدًا لقتال الكفار. أَلا ترى أنَّ الكفّار قد شهدوها أَيضًا للقتال، وليس لهم حقٌلأنَّهم لم يحضروها لقتال الكفار. (وإن لم يكن للإمام حمولة) -بفتح الحاء- مَا يُحمَل عليه من بعير أو فرس أو بغل أو حمار. قوله: (لأنَّه ابتداء إجارة) أي: مِن كلِّ وجه. هذا احتراز عن إجارةٍ مستأنفةٍ في حالة البقاء؛ فإنَّه يجبر على الإجارة بالاتفاق (١)؛ كما في مسألة السَّفينة. فإنْ استأجرسفينةً شهرًا، فمضت المدّة في وسط البحر، فإنَّهينعقد عليها إجارة أخرى بأجر المثل بغير رِضا المالك (٢)، كذا في المحيط. (ويجبرهم في رواية السير الكبير). وَذَكَر في أواخِر الدَّفتر الأوَّل من السّير الكبير في "باب ما يحمل عليه الفيء وما يركبه الرجل من الدواب": "وإنْ رأى الإمام/ أنْ يستأجر الحمولة من أصحابها بأجرٍ معلوم؛ فذلك صحيح، ويكون الأجر من الغنائم، يبدأ به قبل الخمس، لأنَّ في هذا الاستئجار منفعة للغانمين؛ فهو كالاستئجار لسوق الغنم والرّمَك (٣). وحقُّ أصحاب الحمولة في ذلك لا يمنع صحّة الاستئجار؛ لأنَّه لا ملك لهم فيها قَبل الإحراز والقِسمة، وشركة الملكهي التي تمنع من صحّة الاستئجار لا شركة الحقّ؛ كما في مال بيت المال. ويستوي في ذلك إِنْ رضي به أصحابُ الحمولة، أو أبَوا، إذا كان بِهم غِنى عن تلك الحمولة؛ لأنَّهم بهذا الإباء قصدوا التعنُّت، فإنَّ في هذا الاستئجار منفعةً لهم من حيث أنَّه تحصل لهم الأجرة بمقابلة منفعة لا يبقى لهم بدون هذا الاستئجار، وفيه منفعة للغانمين أيضًا، فكانوا مُتَعنِّتين في الإباء، والقاضي لا يلتفت إلى إباء المتعنِّت. ولأنَّ ابتداء الاستئجار وبقاء الإجارة عند تحقُّق الحاجة صحيح من غير الأمير، فَمِن الأمير أولى، وبيانه في استئجار السّفينة على ما ذكرنا؛ وكذلك استئجار الأوعية لحَمْل المائع فيها مُدَّةً معلومةً إذا انتهت المدّة، وهم في المفازة، وكذلك إذا استأجر دابَّة لحمْل الأمتعة من موضِع إلى موضِع مدَّةً معلومةً، فانتهت المدّة، وهم في المفازة، أو مات صاحب الدَّابة، فإنَّه يبدأ العَقد بعد انتهاء المدَّة، ويبقى بعد الموت في هذه المواضع بأجْر المثْلِ، وبالمسمى في حالة البقاء، وكان ذلك لأجل الحاجة، فكذلك في الغنائم إذا تحقّقت الحاجة إلى حملها" (٤) هكذا قرأتُشرح السير الكبير المنسوب إلى الشيخ الإمام (٥) شمس الأئمة السَّرخسي (٦) على شيخي.

стр. 2248

[حكم تناول الطعام والعلف أخذ السلاح] " عَلَفَ الدَّابَّةَ فِي الْمِعْلَفِ -بِكَسْرِ الْمِيمِ- عَلْفًا أَطْعَمَهَا الْعَلَفَ، وَأَعْلَفَهَا لُغَةٌ" (١)، كذا في المغرب. فعلى هذا كان المفعول بهما محذوفين في قوله: (ولا بأس بأن يعلف العسكر في دار الحرب) أي: دوابهم العَلَف. (وقد شرطها في رواية، ولم يشرطها في أخرى) (٢). ذَكر في المبسوطإباحة الطَّعام والعَلَف من غير أنْ يحتاج إليه، فقال: "وإذا كان في الغنيمة طعام أو عَلَففاحتاج إليه رجلتناولبقدر حاجته". ثم قال: "وقوله: "فاحتاج" مذكور على وجه العادة دون الشرط، فللمحتاج وغيره أنْ يتناول من ذلك". ثم قال: "وهذا لأنَّهم لا يمكنهم مِن الطَّعام والعَلَف مقدار حاجتهم للذهاب والرجوع، ولا يجدون في دار الحرب من يشترونهامنه، وما يأخذونها يكون غنيمة، فللعلم بوقوع الحاجة إليه يصير مُستثنىً من شركة الغنيمة، فتبقى على أصل الإباحة، ولهذا أُحِلَّ للمحتاج وغير المحتاج ما لم يخرجوا إلى دار الإسلام" (٣). وذَكَر في المحيط: فقد قيَّد محمَّدٌ في السّير الصّغير (٤) الإباحة بطعام الغنيمة وعَلَفها بالحاجة (٥)، وفي الكبير (٦) أباح الانتفاع بحاجة وبغير حاجة (٧)، فصار في المسألة روايتان. فيما ذكره في السّير الصغير جواب القياس، وما ذكره في السّير الكبير جواب الاستحسان (٨)، حتَّى أنَّ على رواية السّير الكبير يستوي فيه الغني والفقير في حِلِّ الانتفاع (٩).

стр. 2249

ثم قال: وكما يجوز للغازي أنْ يأخذ من طعام الغَنيمة وعَلَفها بمقدار كفايتِه، يجوز له أنْ يأخذَ منها مقدار ما يكفي عَبيدَه الّذين دخلوا معه، ويقومون على دوابِّهم وحفظ رِحالهم، وكذلك يأخذون لنِسائهم وصبيانهم الّذين دخلوا معهم. ولو كان رجل دخل دار الحرب ليخدم بعض الجندي بأَجْر فلا يباح له أنْ يتناول شيئًا من الغنيمة، وكذلك من دخل دار الحرب للتِّجارة (١). قوله: (وعَلَف ظَهْرِه) أي: دابّته، ولفظ الظَّهر مُستعار لها. "الميرةالطعام" (٢). وهذان في المغرب، فيُعتبر حقيقتها إلى حقيقة الحاجة في السلاح. (والدابَّة مثل السِّلاح) أي: يُعتبر فيهما حقيقة الحاجة، لكن هذا إذا اعتبر في الدابة الركوب، وأمَّا إذا اعتبر فيها الأكل، فكانت هي كالطعام على ما يجيء في رواية السّير الكبير، والإيضاح، والمحيط. (والطَّعام كالخُبز) وفي المحيط: وإنْ وجدوا غَنَمًا فلا بأس بأنْ يذبحوها ويأكلوها ويرُدُّ جلودها في الغنيمة، وذكر هذا الحكم في السّير الكبير في الجزور (٣)، وفي الإيضاح في البقر (٤). فعُلِم بهذا أنَّ المراد مِن الطَّعام ما هو مُهَيأ للأكلوما هو غير مهيأ لهسواءٌ في إباحة التناول للغازي. وإنْ أصابوا سمسمًا أو زيتًا أو دُهن سمسم أو فاكهة يابسة أو رطبة أو سكّرًا أو بصلًا أو غير ذلك من الأشياء التي تُؤكل عادة للتّعيُّش؛ لا بأس بالتناول منها قبل القِسمة. ولا يجوز أنْ يتناول شيئًا من الأدوية/ والطيب (٥) ودُهن البنفسج (٦) أو دهن الخِيرِي (٧) (٨).

стр. 2250

وذكر في الإيضاح: إنَّما لا يجوز التَّناول منها؛ لأنَّ هذه الأدهان لا تؤكل ولا تستعمل للحاجة الأصلية، بل تستعمل للزِّينة، وكلُّ ما لا يؤكل ولا يشرب، فلا ينبغي أنْ ينتفع منه بشيء قلَّ أو كثُر (١)؛ لقوله ﵊: "أدّوا الخيط والمخيط" (٢). ثم قال فيه: وما استهلكه في دار الحرب فما له قيمة، أو ليس له قيمة، فذلك هَدر (٣)، لأنَّ الحقَّ، وإنْ كان ثابتًا، ولكنَّه ليس بمستقر. ألا ترى أنَّ المدَد يشاركونهم فيه، وإذ لم يكن مستقرًا لم يجب الضَّمان. (ويرقحوا به الدابة). تَوْقِيحُ الدَّابَّةِ: تَصْلِيبُ حَافِرِهَا بِالشَّحْمِ الْمُذَابِ إذَا حَفِيَ، أَيْ: رَقَّ مِنْ كَثْرَةِ الْمَشْيِ وَالرَّاءُ خَطَأٌ (٤)، [كذا في المغرب] (٥). ولكنْصحَّح شيخي"ويُرقحوا" -بالراء (٦) - من التَّرقيح (٧) وهو الإصلاح، هكذا (٨) نقل عن النّصِّ (٩) أنَّه قال: هكذا قرأنا على المشايخ (١٠). قوله (وتأويله إذا احتاج إليه بأنْ لم يكن له سلاح) وإنَّما احتاج النَّص (١١) إلى هذا التأويللأنَّه إذا احتاج الغازي إلى استعمال سلاح الغنيمة بسبب صيانة سلاحه، لا يجوز. وذكرفي الإيضاح: ولا شَيئًا من السّلاح والدوابّ لِيبقى بذلك سلاحه ودوابّهلأنَّ الإطلاق كان باعتبار الحاجة، ولا حاجة مع وجود الملك (١٢). (وقد بَيَّنَّاه) إشارة إلى قوله: (بخلاف السّلاح لأنَّه يستصحبه) (١٣) إلى آخره.

стр. 2251

[حكم من أسلم في دار الحرب] (يُباح له الانتفاع في الفَصلين)، أي: في فَصْل السِّلاح وفَصْل الثِّياب والدَّواب والمتاع. قوله (ومن أسلم منهم) (معناه في دار الحرب) إلى آخره. وإنّما احتاج في تأويل المسألة إلى هذا المعنى ليقع الاحتراز به عن مستأمن دخل دار الإسلام فأسلم في دار الإسلام، ثم ظَهَر المسلمون على دار الحرب، كان أولاد هذا المستأمن وأمواله كلّها فَيئًا. وذكر في الفوائد الظهيرية (١): وهنا مسائل أربع: إحداها: إذا أسلم الحربي في دار الحرب، ولم يخرج حتَّى ظُهِر على الدَّار؛ والحكم فيها ما ذكر بأنّه لا يُغنم نفسه وأولادُه الصغار، وما كان في يده من المنقولات … إلى آخره. والمسألة الثانية: الحربي إذا دخل دارنا بأمانٍ وأَسلم، ثُمَّ ظَهر المسلمون على داره وأهله وماله وجميع ما خَلَّفه في دار الحرب من أولاده الصغار فيء. والثالثة: إذا أسلم الحربي في دار الحرب، ثم دخل دار الإسلام، ثم ظهر المسلمون على داره فجميع ماله هناك فيء إلّا أولاده الصغار. والرابعة: إذا دخل المسلم دار الحرب بأمانٍ، واشترى منهم أموالًا وأولادًا استصحبهم مع نفسه في دار الحرب، ثم ظَهر المسلمون على الدّار، فالجواب فيه على نحو ما بَيَّنَّا في حربي أسلم في دار الحرب، ثُمَّ وقع الظُّهور على الدَّار إلا في فصلين: أحدهما: أنَّ أولاده الكبار هنا لا يصيرون فيئًا لأنَّهم مسلمون. والثاني: أَنَّ (٢) ما كان وديعةً (٣) له عند حربي لا يصير فَيئًا على رواية أبي سُليمان (٤) لأنَّه بَدَلما كان معصومًا على (٥) رواية أبي حفص (٦) يصير فيئًا (٧).

стр. 2252

(لأنَّ الإسلام ينافي ابتداء الاسترقاق) لأنَّ ابتداء الاسترقاق يقع جزاءً لكفره مِن حيثأنَّهلمَّا استَنْكَف عن صيرورته عبدًا لله جازاه الله بأنْ صيَّره عبدَ عَبيده (١)، فلمَّا كان مسلِمًا وقتَ الاستيلاءلم يوجَد شرط الاسترقاق، وهو الاستنكاف (٢)، فلا يوجد المشروط، وهو الاسترقاق. وقيّد بمنافاة الإسلام ابتداءَ الاسترقاق للاحتراز في (٣) حالة البقاء (٤) لأنَّ الاسترقاق قد يَثْبُت بطريق التّبعية كما في ولد الأمَة من غير المولى، فيعتبر في حالة البقاء معنى التبعية. [حكم أولاد ومال من أسلم في دار الحرب] قوله: (وأولاده الصغار). وقوله: (وكلُّ مال)، كلاهما بالنَّصب للعطف على قوله "بنفسه". قوله: (لأنَّه في يد صحيحة) احتراز عَن يد الغاصب. وقوله: (مُحترَمة) احترازعَن يد الحربي. (وقيل: هذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر). وذكر شمس الأئمة السرخسي (٥) ﵀ في المبسوط، والجامع الصغير (٦): فما كان في يده من المال فهو لهإلَّا العقار، "فإنَّه في قول أبي حنيفة ومحمَّد. وقال أبو يوسف: أَستحسِنفي العقار أنْ أجعلَه لهلأنَّه ملك محترَم له كالمنقول، ولكنَّا نقول: هذه (٧) بقعة من بقاع دار الحرب، فتصيرغنيمةً للمسلمين كسائر البِقاع، وهذا لأنَّ اليد على البقاع إنَّما تثبت حكمًا، ودار الحرب ليس بدار الأحكام، فلا مُعتبر بيده فيها قبل ظهور المسلمين عليها، وبعد الظُّهور

стр. 2253

[حكم ما في بطن الحمل] يد الغانمين فيها أقوى من يده" (١) لغلبتهم، لا تَتبعه في الإسلاملأنَّ المسلم يتزوج الكتابية، وتبقى كتابيةً ولم تَصِر مسلمةً تَبَعًا لزوجهاإذ هو من باب الاعتقاد. (خلافًا للشافعي) ﵀ أي في الحمل لا غير، "فإنَّ ما في بطنها فَيء عندنا. وقال الشافعي: لا يكون فيئًا (٢)؛ وقال: لأنَّما في بطنها/ مسلمٌ بإسلام أَبيه، والمسلم لا يُسترقُّ أبدًاكالولد المنفصِل. ولكنَّا نقول: الجنين في حكم جُزْء من أجزاء الأمِّ، وهي قد صارت فيئًا بجميعأجزائها. ألا ترى أنَّه لا يجوز أنْ يُستثنى الجنين في إعتاق الأمِّ كما لا يُستثنى سائر أجزائها؛ فكما أنَّ في الإعتاق لا يصير الجنين مستثنىً عند إعتاق الأمِّ بحال، فكذلك في الاسترقاق لا يصير الجنين مستثنىً بعدما ثبت الرِّق في الأم، وهذا لأنَّ الحكم في التّبع. قوله (٣): لا يثبت ابتداء، بل بثبوته في الأصل يظهر في التَّبَع، فيكون هذا في حقِّ التَّبع بمنزلة (٤) بقاء الحكم، والإسلام لا يمنع بقاء الرِّق"، (٥) كذا في المبسوط. (والمسلم محلٌّ للتَّملُّك تبعًا لغيره) كما إذا تزوَّج المسلم أَمةَ الغير يكون الولد رقيقًا بتبعية الأمِّ، وإنْ كان الولد مسلمًا بإسلام أَبيه. [ما يكون فيئا ومالا يكون فيئا] (ومن قاتل من عبيده فيء). ومن لم يقاتِلْنا من عبيده ليس بفيءٍلأنَّهم أتباعه (٦). كذا ذكره الإمام قاضي خان (٧). (وما كان من ماله في يد حربي فهو فيء) (غصبًا كان أو وديعةً لأنَّ يدَه ليست بمُحترَمة). فإنْ قُلتَ: أين ذهب قولكم: وما قام مقام غيرِه، يعمل هو بوصف الأصْل لا بوصف نفسه، كالتُّراب لمَّا قام مقامَ الماء عَمِلَ عَمَلالماء في التَّطهير، لا عمل نفسه التّلويث؛ فهاهنا أَيضًا لمَّا كان الحربي مُودَع المسلم كان قائمًا مقامه لما أنْ يد المُودَع كيد المُودِع، فيجب على هذا أنْ لا يُعتبر عدم احترام يد الحربي؛ بل الواجب أنْ يُعتبر يد مَن هو أصل له، وهو المودِع المسلم، كما لو كان المودَع مسلمًا أو ذميًا.

стр. 2254

قلت: العصمة في المال إنما تَثبتُ تبعًا لعصمة المالك، وأمَّا بالنّظر إلى نفسه فلا عِصمة فيه لما أنَّ المال في أصله كان على صفة الإباحة؛ ثُمَّ بِتَبَعيَّة المال للمالك في العصمة إنَّما يثبت أنْ لَو ثبت يد المالك المعصوم له حقيقةًأو حكمًا مع الاحترام؛ لما أنَّ في ثبوت يده حكمًا بدون الاحترام معارضة جهة الإباحة الأصلية، فلم يثبت العصمة؛ لأنَّ العصمة أمر عارض فلا يثبت عند معارضة الدليلين؛ ولأنَّ قيام يد المودَع في الوديعة حقيقي، وقيام يد المالك عليها (١) حُكمي، فاعتبار الحُكم إنْ أَوجب العِصمة واعتبار الحقيقة يمنع، والعصمة لم تكن ثابتة، فلا تثبت بالشّك (٢). إلى هذا أشار الإمام قاضي خان والإمام ظهير الدين (٣). (وما كان غصبًا في يد مسلم أو ذمي فهو فيء عند أبي حنيفة، وقالا: لا يكون فيئًا). (قال العبد الضعيف: كذا ذَكر الاختلاف في السّير الكبير، وذكروا في شرح الجامع الصَّغير قولَ أبي يوسف مَع قول محمد). قلت: هكذا وقع لفظ الهداية في بعض النُّسَخ، وهو هكذا لا يَصِحُّ أصلًا؛ لأنَّه لو كان الاختلاف هكذا في ذينك الكتابينِلقال: كذا ذكر الاختلاف في السّير الكبير والجامع الصغير، ولما احتاج إلى ذكر قوله: (وذكروا في شرح الجامع الصغير قول أبي يوسف مع محمد)؛ لأنَّه حينئذ يكون تكرارًا محضًا مع تطويل بغير فائدة. وَوَقع في بعض نُسَخ الهداية: "وذَكروا في شرح الجامع الصَّغير قول أبي يوسف مع (٤) أبي حنيفة"، ووقع في بعضِها: "وقال محمد: لا يكون فيئًا"، فكان قوله: (وقالا)، ومع قول أبي حنيفة فكان قوله (مع محمد)، ولكنِّي تَتَبَّعتُ بتوفيق الله تعالى الأقوال، فوجدتُّها (٥) كما هو حقُّها في الكُتب، ثم وضعتُها كما يوضع الهِناء مواضع النُّقْب (٦). قلت: والصَّحيح من النُّسخ هو أنْ يقال: (وما كان غصبًا في يد مسلم أو ذمّي فهو فيء عند أبي حنيفة، وقال محمد: لا يكون فيئًا) (٧)؛ لأنَّ رواية السّير الكبير هكذا. كذا ذكره الإمام الأجلّ شمس الأئمة السرخسي ﵀ في الدّفتر الثّاني من السِّير الكبير في "باب مالا يكون فيئًا وإن أُحرِز في دار الحرب" (٨)، وهكذا أيضًافي المحيط، ولم يذكر فيها قول أبي يوسف (٩).

стр. 2255

والصّحيح أيضًا في الثّاني هو أنْ يقال: (وذكروا في شرح الجامع الصغير قول أبي يوسف مع محمد)؛ لأنَّ الإمام فخر الإسلام البزدوي (١) ذكر في الجامع الصغير: ولو كان وديعةً عند حربي، أو غصبًا عند مسلم أو ذمّي أو ضائعًا، فهو فيء؛ وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكون فيئًا. وهكذا ذَكر أيضًا في الجامع الصغير لقاضي خان والتمرتاشي (٢)، وغيرهما (٣). (ألا ترى (٤) أنَّها ليست بمتقوِّمة) حتَّى لم يجب القصاص والدِّية على قاتلها في دار الحرب. (إلَّا أنَّها محرَّم التّعرض في الأصل) هذا الاستثناء للفَرق (٥) بين النَّفس والمال، هذا صفة النفس/. وأمَّا المال ليس بمحرَّم التَّعرُّض في الأصل لكونه مُهانًا، وأمَّا النّفس فهي محلُّ التَّكليف، وهو يقتضي حُرمة التَّعرض ليقوم على ما كُلِّف به، وذلك إنَّما يكون أنْ لَو كان معصومًا عن التَّعرُّض. (وليست في يده حكمًا) أَنّث ضمير المال على تأويل الأمواللأنَّ قولَه: (وما كان غصبًا في يد مسلم) لفظٌ عامٌّ صالح لإرادة الأموال. يحترز بهذا (٦) عمّا إذا كانت الأموال في يد مسلم أو ذِمّي وديعةًلأنَّ يد المُودِع بمنزلة يد المُودَعحكمًا، فكانت معصومةً بعصمة المالك، وأمّا يد الغاصب فليست بثابتة عن يد المغصوب منه، فلا يكون ما في يد الغاصب في يد المغصوب منه حكمًا؛ فيُجعَل كأنَّه ليس في يد أحد، فكان فيئًا. [لاتعلف الدواب من الغنيمة بعد الخروج من دار الحرب] (معناه: إذا لم تُقسَم)، أي: إذا لم تقسَم الغنيمة (اعتبارًا المتَلَصّص) (٧) فَإنَّه إذا دخل الواحد أو الاثنانِ دارَ الحرب مُغِيرين بغير إذنِ الإمام، فأخذوا شيئًا فهو لهم، ولا يخمَّس؛ لأنَّه ليس بغنيمة؛ لأنَّ الغنيمة هو المأخوذ قهرًا بإذن الإمام، بل هو مباح سبقت أيديهم إليه.

стр. 2256

(وبعد القسمة تصدَّقوا به) أي: [إذا جاءوا بما فضل من طعام أو عَلَف أخذوا من الغنيمة بعد قسمة الإمام الغنيمة في دار الإسلام تَّصدقوا به] (١) بعينه، وإن كان قائمًا، أو بثمنه إذا (٢) كانوا باعوه (٣)؛ كذا في المبسوط. فقال: حاج يَحوج حوجا، إذا احتاج، وأَحوجَه إليه غيرُه، وأَحوج أيضًا بمعنى احتاج ورجل مُحوِج، وقوم مَحاويج (٤)؛ كذا بخطِّ الإمام الزرنوجيّ، وذكر في المغرب: "الْمَحَاوِيجُ الْمُحْتَاجُونَ عَامِّيٌّ" (٥). لتعذُّر الرَّدّعلى الغانمين لتفرُّقهم (وإنْ كانوا انتفعوا به بعد الإحراز) أي: وإن كانوا انتفعوا بما فضل من الغنيمة الذي معه بعد خروجهم إلى دار الإسلام بأكل أو شرب أو غيرهما في الاستهلاك (لقيام القيمة مقام الأصل فأخذ حكمه) أي: أَخذت القيمة حكمَ الأصل. ذَكَّر ضمير القيمة على تأويل ما يقوم، أي: لو كان فَاضل الغنيمة الذي كان معه، لو كان قائمًابعينه وهو فقير، كان يطلق له التّناول منه، فكذا يطلق له التّناول من قيمته لأنَّالقيمة تقوم مقام الأصل وتسميتها بالقيمة متأدية له، [والله أعلم] (٦). فصل: في كيفية القسمة: لما بيَّن أحكام الغنائم، لا بُدَّ من بيان كيفية قسمتها. ذكر في الإيضاح: "القسمة عبارة عن جمع النّصيب الشّايع في مكان معين" (٧). (استَثْنى الخُمس) أَي: أخرج الخُمس مِن أنْ يثبُتَ حقُّ الغانمين فيه، فكان استثناءً معنىً لا لفظًا، فأطلَق لفظ الاستثناء لوجود معنى الإخراج فيه، كما في الاستثناء اللفظي. ويحتمل أنْ يكون هذا مِن: استثنيتُ الشيء أي زَويته (٨) لنفسي، وهو مِن ثَني العُود إذا حناه وعطفه، أي: استبقى الله تعالى الخمس لنفسه بقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. (الغناء) -بالفتح والمد-: الإجزاء والكفاية. (الكَرّ) (٩): الصَّولة والجولة. (والفَرّ): بمعنى الفِرار [منه، والفرار] (١٠) إذا كان لأجل أنْ يكون الكَرُّ أشدَّ كان هو من الجهاد، والفِرار في موضِع الفرار محمودٌ لئلا يرتكِب النّهي المذكور في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].

стр. 2257

[سهم الفرسان] (وإذا تعارَضت روايتاه) أي: روايتا ابن عمر ﵄، وهي روايتهما عنه على وفق مذهبهما (١)، ورواية أبي حنيفة أيضًا على وفق مذهبه (٢). (ترجَّح رواية غيره) وهو ابن عبَّاس ﵄، بقوله "أنَّ النَّبي ﵊ أعطى الفارس سَهْمين" (٣). ومعنى قول (ترجَّح) أي: سَلِم رواية ابن عبَّاس (٤) عن المعارضة فيُعمَل (٥) بها؛ لأنَّللمترجِّح لا بدَّ من المرجِّح، وروايتا ابن عمر بعد التَّساقط بالتعارُض لا يصلح مرجِّحًا، والدَّليل على هذا ما ذكره في الأسرار بقوله: أو يحمل أخبار الفعل على التّعارض، فيبقى لنا قوله ﵊: "للرّاجل سهم وللفارس سَهمانِ" (٦) من غير معارض (٧).

стр. 2258

(ولأنَّ الكَرَّ والفَرَّ مِن جنس واحد)؛ لأنَّ نفس الفِرار ليس بمستحسَن، بل الفَرَّ إنَّما حسُن إذا فُعِل لأجل الكَرِّ، فحينئذ يكونانِ مِن جنس واحدٍ (١) إذ الكلام فيه؛ كذا في طريقةِبعض المشايِخ (٢). (ولأنَّه تعذَّر اعتبار مقدار الزيادة) أي: قد يَزيد الفَارس على فارس آخَر في الغناء والكفاية، وكذلك الرَّاجل على رَاجلٍ آخر، فلَم تُعتبر تلك الزِّيادة (لتعذُّر) الوقوف؛ لأنَّ تلك إنَّما تظهَر عند المسابقة والمقاتلة عند الْتقاء الصَّفَينِ، فكُلٌّ (٣) منهم مشغول بشأن في ذلك الوقت، فيتعذَّر الوقوف عليه، فأُدير حُكم زيادة الغناء على السَّبب الظَّاهر، وهو مجرد كونه فارسًا وكونه راجلًا. وذكر في الأسرار: والزِّيادة لا تتعلّق بزيادة الغناءإذ بعضهم لا بدّ أنْ يكون أغنى من بعض، والشاكي (٤) في السلاح أغنى من الأعزل (٥)، يعني:/ مع أنَّ كلَّ واحدٍ منهما فارس، فلم يَفضُل أحد منهما على الآخر بزيادة الغنىاء، فَعُلِم أنَّ الحكم متعلِّق بالسَّبب الظاهر، لا بزيادة الغناء التي لا يُوقف عليها (٦). (فلا يكون السَّبب الظاهر مُفضيًا إلى القتال عليهما) أي: فلا يكون مجاوزة الدَّرب بفَرَسينِ مفضيًا إلى القِتال على فَرَسين، فَلَم يُعتبر الفرس الآخر لذلك. وقال في الأسرار: فالمبْتَدَأ (٧) معتبَر على مآل الآخِر من القتال، فإنَّ الإرهاب إنَّما يحصل لخوفهم عاقبةَ أمرهم من القتال معهم على الأفراس، والقتال لا يُتصوَّر إلا على فرس واحد، فإذا عُلِم ذلك حقيقةًلم تقع زيادة إرهاب بزيادة الفرس (٨). " (كما أعطى سَلَمة بن الأكوع (٩) ﵁ سَهمَين وهو راجل)؛ لأنَّه أعطاه أحد السَّهمين على سبيل التنفيل لجِدِّه في القتال، فإنَّه قال: "خير رجالتنا سلمة بن الأكوع، وخير فرساننا أبوقتادة (١٠) " (١١).

стр. 2259

وهذه المسألة نظير ما بيَّنَّا في النِّكاح أنَّ المرأةَ لا تستحقُّ النفَقة إلا لخادم واحدٍ عند أبي حنيفة ومحمَّد، وقال أبو يوسف: تستحقُّ النفقة لخادمَين" (١) كذا في المبسوط. [حكم البراذين والعتاق] البِرذَون: فرس العجم، والجمع: البَراذين، وخلافها العِراب، يقال: فرس عتيق، أي: رافع، والجمع: العِتاق ويقال: عِتاق الطَّير والخيل كرائمها. والهجين: ما يكون أبوه من الكوادِن، وأمّه من العربي، والمقرِف ما يكون أبوه عربيًا وأمّه من الكوادن، فالكودن: البرذون، ويوكف ويُشبَّه به البليد، ثم قوله: (والبَراذينوالعتاق سواء) إنَّما ذكر هذا "لأنَّ أهل الشّام يقولون: لا يُسهم للبراذين، ورَوَوا فيه حديثًا عن رسولالله ﵊ شاذًا" (٢) (٣)، وَحجَّتُنا فيه ما ذكر في الكتاب (٤)؛ كذا في المبسوط وغيره. ورُوِي قوله: (وأَلْيَن عطفًا) -بفتح العين وكسرها- بمعنى الفتح: الإمالة، ومعنى الكَسْر: الجانب. وهكذا روى ابن المبارك عن أبي حنيفة في الفَصل الثَّاني، وهو ما إذا دَخَل دارَ الحرب رَاجلًا ثم اشترى فرسًا وقاتَل فارسًا، روى ابن المبارك عن أبي حنيفة أنَّ له سَهمَ فارسٍ (٥). وفي ظاهر الرِّواية: لا يستحِقُّ سَهم الفُرسان (٦)، كذا في المحيط؛ فعلى هذا كان قوله: (وهكذا)

стр. 2260

معطوفًا على قوله: (وجواب الشافعي (١). (أنَّ المعتبر عندنا حالة المجاوزة) أي: مجاوزة الدّرب (٢)، وبه صرَّح في المبسوط؛ ولكنْ لما كثُر لفظ مجاوزة الدَّرب في استعمال أهل النَّظر حققُّوه بحذف المضاف إليه اكتفاءً بالشُّهرة، وسبْق أفهام السامعين إليه. ثم تفسير الدَّرب: "وَقال الْخَلِيلِ: الدَّرْبُ الْبَابُ الْوَاسِعُ عَلَى رَأْسِ السِّكَّةِ، وَعَلَى كُلِّ مَدْخَلٍ مِنْ مَدَاخِلِ الرُّومِ وَدَرْبٌ مِنْ دُرُوبِهَا" (٣) كذا في المغرب. لكنَّ المراد من الدَّرب ههنا هو البَرزخ الحاِجز بين الدَّارين أَي: دار الإسلام ودار الحرب، حتَّى لو جاوزت الَّدرب دخلتَ في حدِّ دار الحرب، ولو جاوز أهل دار الحرب الدَّرب دخلوا في حدِّ دار الإسلام. (وعنده حال انقضاء الحرب) وَهو عام الحرب. وهذا رواية عن الشافعي، والظاهر من مذهبه أنَّه يُعتبر مجرَّد شُهود الوقعة (٤). (له أنَّ السبب) أي: سبَبُ استحقاق الغنيمة هو الأخذ، وإذا كان عند الأخذ راجلًا يستحقُّ سهْمَ الرَّجَّالة. (فَيعتبِر حال الشَّخص عنده) أي: فَيُعتبر حال الغازي عند القتال. (كالخروج من البيت) أي: الخروج من البيت للقتال. (وَسِيلة إلى السَّبب) كالمجاوزة ثم عند تلك الوسيلة، وهي الخروج لأجْلِ القتال لا يُعتبر حالة (٥) الغازي من كونه فارسًا وراجلًا، فكذا في هذه الوسيلة. (وتعليق الأَحكام بالقتال) … إلى آخره. هذا جواب عن قولِنا الذي نقوله في تعليلنا بقولنا (ولأنَّ الوقوفَ على حقيقة القِتال متعسِّر) … إلى آخره. فقال: ولو كان وقوف حالِ الغازي متعسِّرًا وقتَ شهود الوَقْعة، لما تعلَّقتْ الأحكام بوجود القتال في تلك الحالة. ومن الأحكام هيأنَّ الصَّبي إذا قاتل يُرضَخ لَه، وإنْ لم يقاتِل لا يُرْضخ، وكذا المرأة، والعبد، والذِّمي، فَعُلِم بهذا أنَّ القتال في تلك الحالة مما يمكن الوقوفُ عليه؛ هذا الجواب منه على طريق المنْع لوجودِ التعسُّر.

стр. 2261

وقوله: (ولو تعذَّر أو تعسَّر إلى) … آخره، هذا جواب منه على طريق التَّسليم بأنَّالوقوف متعسِّر على حقيقة القتال في تلك الحالة فقال: فلمَّا تعسَّر وَجب أنْ يعلَّق حكم كونِه فارسًا أو راجلًا بحاله، وهي (١) أقرب إلى القِتال، وهي شهود الوَقْعة لا مجاوزة الدَّرب. (وَلنا أنَّ المجاوَزةَ نفسَها قِتالٌ) / وهذا لأنَّ القتال اسمٌ لفِعل يقع به غَيظ العَدو، والخوف، ودخول دارِهِم عن شَوكة، وقوَّة سبب لإرهابهم وغيظهم وقهرهم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وقال: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ [التوبة: ١٢٠]. فثبت (أنَّ المجاوزة قِتال) فَمَتَى وُجِد أصلُ القتال فارسًا لم يتغيَّر حكُمه بتغيُّرِ أحوالهم بعد ذلك؛ لأنَّ ذلك حالة دوامِ القتال، والمنظور إليه أَصل القتال لا دوامه؛ "لأنَّه لا يمكن تعليق الحكم بدوامِه؛ لأنَّ الفارس لا يمكنه أنْ يقاتِل فارسًا دائمًا؛ لأنَّه لا بد له من أنْ ينزِل في بعض المضايق خصوصًا في المَشجَرة أو في الحِصن أو في البحر"، (٢) كذا في مبسوط فخر الإسلام (٣). ثم ما ذكر من تعليق الأحكام، قلنا ذلك في حكم الرضخ، و"الرضخ ليس نظير السهم، ألا ترى أنه غير مقدَّر بشيء فلا يستقيم اعتبار السّهم بما هو دونه" (٤) كذا في المبسوط. (وَلا مُعتبَر بها) أي بحالة الدَّوام بالإجماع (٥)، فإنَّه يُعتبر الشُّهود فحسب. وذكر في الأسرار في تعليل الشَّافعي: إلّا أنَّا لم نشترط قيام الفرس حال القتال والوغى؛ لأنَّ فعل القتال بعد الشُّهود ليس بشرط، ولو تركه استحقَّ السَّهم أي: بمجرَّد شهود الوَقْعة، فكذا إذا فات بِفَوت الفَرَس؛ فَأمَّا قبل الشُّهود لو تَرَك القتال، ولم يشهَد المعركة لم يستحقَّ السَّهم، فكذلك إذا فات بفَوتِ الفرس قبل الشهود. (لَم يسقط سهم الفرسان) أَي: بالإجماع (٦). وذكر في المحيط: ومن جاوز الدَّرب بفرس لا يستطيع القتالَ عليه، إمَّا لكِبَر ذلك الفرس أو لصِغَره بأنْ كان مُهرًا لم يركب عليه، لا يستحقُّ سَهم الفرسان، وإنْ كان مريضًا فهو على التفصيل المذكور فيه (٧).

стр. 2262

(وتوهّم عجزه) أي: يحتمِل أنْ المكاتب يعجز عن أداء بَدَل الكتابة فيعود إلى الرِّقّ، فحينئذٍ يكون للمَولى ولاية المنع، فيمنع في الحال لوجود التوهُّم. قوله: (لأنَّها عاجزة عن حقيقة القتال) فإنْ قيل: كيف تكون عاجزةً عنه مع أنَّه يصح أمانُها، والأمان إنَّما يصِحُّ ممَّن يُخاف عنه القتال لقدرته على القتال؟ قلنا: في لفظ الكتاب جوابٌ عن هذا، فإنَّها عاجزة عن حقيقة القتال، وليست بعاجِزة عن شبهة القتال بمالها وعَبيدها (١) والأمان ممَّا (٢) يثبت بالشُّبهة، فيثبت أمَّانها لذلك. وأمَّا استحقاق السَّهم من الغنيمة فمتوقِّف على القدرة على حقيقة القتال أصالةً، وهي عاجزة عنها، فلا تستحقُّ السَّهم لذلك. (ولا يبلغ به السَّهم) أي: لا يبلغ برضْخه سَهْم المسلم. وقوله: (السَّهمُ) بالرفع؛ لأنَّك تقول: بلغ بعطائك خمسُ مائة، برفع "خمس مائة" لا بالنصب؛ إذ لو نَصَبتَ خرجت من كلام العرب، والأصل أنَّ المفعول به المتعدَّى إليه بغير حرف فضلًا على سائر المفاعيل في إسناد الفعل إليه. (والأوَّل ليس من عَمَله) أي: الدِّلالة ليست من عمل الجهاد، ولما كان كذلك كانت الدِّلالة عَمَلًا كسائر الأعمال، فيبلغ أَجره بالغًا ما بلغ. [تقسيم خمس الغنيمة] (يدخل فقراء ذوي القربى فيهم) أي: في هذه الأصناف الثلاثةومعنى هذا القول، أي: أيتام ذوي القربى يدخلون في سهم اليتامى، ومساكين ذوي القربى يدخلون في سهم المساكين، وأبناء السّبيل من ذوي القربى يدخلون في سهم ابن السبيل، وسبب الاستحقاق في هذه الأصناف الثَّلاثة الاحتياج؛ غير أنَّ سببَه مختلف في نفسه من اليتيم والمسكين وكونه ابن سبيل؛ كذا قال الإمام بدر الدّين الكردري (٣). ثم هذه الثلاثة مصارف الخُمس على قولنا، لا على سبيل الاستحقاق، حتَّى لو صُرِف إلى صِنف واحدٍ منهم جاز، كما في الصدقات (٤)؛ كذا في التحفة. (وقال الشَّافعي ﵀: لهم خُمس الخُمس). وحاصله أنَّ الغنيمة إذا قُسمت أُفرز أولًا الخٌمس على ما قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١].

стр. 2263

واختلفوا في الخمس كيف يُقسم. قال علماؤنا: على ثلاثة أسهم: لليتامى، والمساكين، وأبناء السبيل. وقال الشافعي: على خَمسة أسهم: سهمٌ للإمام يصرِفه على مصالح الدّين على ما يرى، وسهم لذوي القربى، ثم الثلاثة (١)؛ لأنَّ الله تعالى قسمها على خمسةَ أسهُم في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية؛ إلا أنَّ سَهم الله وسهم رسوله واحد، والله تعالى ذُكِر تبركًا به، كذا جاء في التفسير، فما كان لرسول الله ﵊ كان بحقِّ الإمامة للأمَّة، فاستحقَّها من خلفه في الإمامة،/ وقال ﵊: "يا بني هاشِم إنَّ الله تعالى قَد حرَّم عليكم غُسالة الناسوأَوساخهم، وعوَّضكم منها بخُمس الخمس" (٢)، فتبيَّن أنَّ سهم ذوي القربى ثابت، وإنَّ خمس الخمس وإنما يكون كذلك إذا قسم على خمسة أسهم (٣)، كذا في الأسرار. (لقوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] من غير فصل بين الغني والفقير). فإنْ قلتَ: كما أنَّ الله تعالى لم يفصل بين الغني والفقير في ذوي القربى، فكذلك لم يفصل في ذِكر اليتامى بين الغني والفقير، فبالاتفاق يشترط الفقر في اليتامى في استحقاق الخُمس، فيجب أنْ يكون في ذوي القربىكذلك، قلتُ: فرَّق الشافعي بينهما وقال: فاسم اليَتيم ما ينبئ عن الحاجة حتَّى لو أوصى ليتامى بني فلان، وهم لا يُحصَون فالوصية لفقرائهم، بخلاف ما إذا أَوصى لأقرباء فلان. وقد كان رسول الله ﵊ يعطي الأغنياء منهم، فإنَّه أعطى العباس، وقد كَان له عشرون عبدًا، كلُّ عبدٍ يتَّجر في عشرين ألف (٤). "وعوضكم منها بخمس الخمس" (٥)، (والعِوض إنَّما يَثبت في حقِّ من ثَبَت في حقِّه المعوَّض، وَهم الفُقراء) يعني: أنَّ المعوَّض، وهو الزكاة، لا يجوز في حقِّ الأغنياء، فكذلك يجب أنْ يكون عِوَض الزكاة، وهو الخُمس من الغنائم، أنْ لا يجوز على الأغنياء مِن ذوي القربىلأنَّ العِوض إنَّما َيثبت في حقِّ من فات عنه المعوَّض، وإلَّا لا يكون عِوضًا لذلك المعوَّض.

стр. 2264

فإنْ قيل: إنَّكم ما عمِلتم بموجِب هذا الحديث حَيثُ لم تَجعلوا الخُمس على خَمسة أسهُم، بَل جَعلْتُم عَلى ثَلاثةِ أسهُم، فكيف تتمسَّكون بهذا الحديث؟ قلنا: للحديث دلالتان: إحداهما: إِثباتُ العِوض في المحلِّ الَّذي فَات عنه المعوَّض على ما ذكرنا. والثانية: جعْلُه على خَمسة أسُهم، ولكنْ قام الدَّليل لنا على انعدام حُكم جعل الخُمس على خمسة أسهُم، وهو فعل الخلفاء الراشدين ﵃ على ثلاثة أسهم (١). وَلم يَقُم الدليل على تغيُّر العِوَض، فمَنْ مات في حقِّه المعوَّض فَقُلنا به، ونظير هذا ما تمسَّك به الخَصم في تكرار صلاة الجنازة بحديث (٢) أنَّالنَّبي ﵊ صلّى على حمزة سبعين صلاةً (٣) وَهُو لا يَقُل بالصَّلاة على الشهيد، ولكن يقول: للحديث دلالتانِ: فإحداهما باقيةٌ، وَإِن انتسخت الأُخرى (٤)؛ فَعُلِم بهذا أنَّ الخَصم عَمِل هناك بمثل ما عملنا ههنا.

стр. 2265

فإن قيل: لا نَسْخ بعد رسول الله ﵊، قلنا: نعم كذلك، ولكنْ لا بقاء للحكم بعد ذهاب العلَّة، فإنْ نُصْرةَالنَّبي ﵊ أَينما ذَهب كانتْ فَرضًا حال حياته، وسقطت بعده لذهاب العلَّة، وهو رسول الله ﵊ (١)؛ كذا في الأسرار. "الشَّبك: الخلط والتَّداخل، ومنه تشبيك الأصابع" (٢)؛ كذا في الصحاح. (ودَلَّ أنَّ المراد من النَّص قُرْب النُّصرة لا قُرْب القرابة). وبهذا التقرير يندفع سؤال من سأل بأنْ قال: قال الله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١]؛ رتَّب الاستحقاق على لفظ مشتقٍّ، فكان موضِع الاشتقاق، وهو القرابة، عِلَّة لذلك الحكم، كما في الزاني والسارق، ثمَّ كلُّ مالٍ يُستحقّ بالقرابة يُقسَم قِسمة الميراث، كالتركات، فحينئذٍ يشترك فيه الغني والفقير. فأجاب عنه بهذا وقال: نَعم، إن الحكم مرتب على لفظ مشتق وهو ذو القربى، لكن المراد منه قُرب النُّصرة لاقُرب القَرابة بدليل تعليل النَّبي ﵊ ذلك بقوله: "أنَّهم لم يزالوا معي في الجاهلية والإسلام" (٣). فإنْ قيل: الاستحقاق كان بالقرابة، ولكنْ بنو المطلِّب حُرِموا لسبَب خذلانهم رسول الله ﵊ في الجاهلية، ويجوز أنْ يتعلَّق الحرمان بالخذلان كما أنً صلة الإرث يحرُم بالقتل الذي هو جناية في حق المورّث. قلنا: لو كان علَّة الاستحقاق القرابة لما شارك غير القريبِ القريبَ (٤) بالاشتباك على وَجه المساواة في الاستحقاق؛ ألا تَرى أنَّ الحليف (٥) مع القريب لا يتساويان في استحقاق الإرث.

стр. 2266

فإن قيل: لا يجوز أنْ يكون الحكم بِعين النُّصرة لثبوت الاستحقاق للنِّساء والذَّراري وهم ليسوا بأَهل النُّصرة. قلنا: ما كانت هذه نُصرةَ قتال، وإنَّما كان هذا نصرة اجتماع، ومثل هذا يكون من النِّساء والولدان على أنَّ النساء والذراري تَبَع للرِّجال؛ أَلا ترى أنَّ أهل الذِّمَّة صاروا كالمسلمين في أحكام الدُّنيا بِبَذل الجزية، وثبت الحُكم للنِّساء والذراري تبعًا لهم مع أنَّه لا جزية عليهم (١)؛ إلى هذا أشار في الأسرار. مثل (دِرع أو سَيف أو جارية) كما رُوي أنَّ ىالنَّبي ﵊ اصطفى ذا (٢) الفقار من غنائم بدر (٣)، واصطفى صفية من غنائم خيبر (٤)، وسقط/ ذلك بوفاته ﵊ بالإجماع (٥). (والحُجَّة عليه ما قدَّمناه) وهو قوله: (لأنَّه (٦) ﵊ كان يستحقُّ برسالته) … إلى آخره. (بالنصرة لما رويناه)، أراد به قوله: (والنَّبي ﵊ أَعطاهم للنُّصرة) … إلى آخره. قال ﵀: (هذا الذي ذَكَره قولُ الكرخي (٧) وهو قوله: (يدخل فقراء ذوي القربى فيهم). وقوله: (لما رُوِّينا مِن الإجماع) إشارةً إلى قوله: (ولنا أنَّ الخلفاء الأربعة الرَّاشدين قَسَموه على ثَلاثة)، وجه الأوَّل، وهو قول الكرخي: وقيل: هو الأَصحُّ، وإنَّما لم يَقُل: وهو الأصح؛ لأنَّ في المبسوط اختار قولَ أبي بكر الرَّازي (٨) على ما نَذكر، إنْ شاء الله تعالى، فكان الصَّحيح قول الكرخي قولًا قيل فيه، لا قولًا مُتَّفقًا على صحَّته.

стр. 2267

وذكر في المبسوط: "فأمَّا سَهم ذوي القربى فقد كان رسول الله ﵊ يصرفه إليهم في حياته، وهم صلبية بني هاشم وبني المطلب، ولم يبقَ لهم ذلك بعده عندنا. وقال الشَّافعي: هو مستحَقٌّ لهم، يُجمعون من أقطار الأرض، فَيُقسم بين ذكورهم وإناثهم بالتسوية (١). وكان الكرخي يقول: إنَّما سقط بموته هذا السَّهم في حقِّ الأغنياء منهم دون الفقراء. والطحاوي (٢) كان يقول: سَقط في حقِّ الفقراء والأغنياء منهم جميعًا. وكان أبو بكر الرَّازي يقول: لم يكُنْ لهم هذا السَّهم مستحقًا بالقرابة، بل كان لرسول الله ﵊ يصرفه إليهم مجازاةً على النُّصرة التي كانت منهم، ولم يبقَ ذلك المعنى بعد رسول الله ﵇؛ قال: والاعتماد على هذا" (٣). ثم قال: "ومِن مشايخنا مَن قال: إنَّ الاستحقاق للفقراء منهم دون الأغنياء، واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]؛ فبيَّن مصارِف الخُمس، ثمَّ بيَّن المعنى فيه، وهو أنْ لا يكون شيء فيه دُولةً بين الأغنياء تتداوله أيديهم، واسم ذوي القربى عام يتناول الأغنياء والفقراء، فيخصُّه، فَنحمله على الفقراء بهذا الدَّليل. ومَن قال: لا حقَّ للفقراء والأغنياء منهم جميعًا قال (٤): المراد بالآية بيان جواز الصَّرف إليهم، لا بيان وجوب الصّرف إليهم؛ وكان هذا مشكلًا، فإنَّ الصدقة لا تَحلُّ لهم، فكان يُشكل أنَّه هل يجوز صرف شيئًا مِن الخُمُس إليهم؟ ولم يزُلْ هذا الإشكال بِبَيان سَهم رسول الله ﵊ لأنَّه ما كان يصرِف ما كان يأخُذ إلى حاجة نفسه، فأزال الله تعالى هذا الإشكال بقوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: ٧]. وإنَّما حملنا على هذا لِإجماع الخلفاء الرَّاشدين (٥) ﵃ على قِسمة الخُمُس على ثلاثة أسهُم، ولا يُظَنّ بهم أنَّه خَفي عليهم هذا النَّصّ، ولا أنَّهم منعوا حقَّ ذوي القربى؛ فعرفنا بإجماعهم أنَّه لم يبقَ استحقاق لأغنيائهم وفقرائهم.

стр. 2268

والشَّافعي ﵀ يقول: لا إجماع. ويستدلُّ بالحديث الذي ذُكِر عن أبي جعفر محمد بن علي قال: "كان رَأي علي ﵁ في الخُمُس رأي أهل بيته، ولكنْ كَرِه أن يخالف أَبا بكر وعمر ﵄ ". قال: والإجماع بدون أهل البيت لا ينعقِد، ولكنَّا نقول: ليس في هذا الحديث بيان مَن كان يرى ذلك من أهل البيت، وقد كان فيهم مَنْ لا يكون قولُه حجَّة، وإنما كره عليٌّ هذه المخالفةلأَّنَّه رأى الحجَّة معهما، فقد خالفهما في كثير من المسائل حين ظَهر الدَّليل عنده، وهذا لأنَّه كان مجتهدًا، ولا يحلُّ للمجتهد أنْ يدع رأي نفسِه برأي مجتهدٍآخر احتشاما له" (١). ثم وجدتُ بخطِّ شيخي في تحقيق قولنا: (وسهم ذوي القربى كانوا يستحقونه في زمن النَّبي ﷺ بالنصرة) "أن النَّبي ﵊ أعطى بني المطلب وحرم بني أمية" (٢)، وهم إليه أقرب لأنَّ أمية أخو هاشم لأبِيه وأمِّه، والمطلِّب أخوه لأبيه، ولو كان الاستحقاق بالقرابة لكان بنو أمية أولى. [ما لا يخمس] (في الأصناف الثلاثة) أي: في اليتامى والمساكين وأَبناء السَّبيل. (وإذا دخل الواحد أو الاثنان دار الحرب مُغِيرِينَ). ولفظ "مغيرين" على لفظ الجمع بِدليل قوله: (فأخذوا)، مكان هذا نظير قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥] في ردِّ الضَّمير إلى المعطوف والمعطوف عليه جميعًا في كلمة "أو"، وإِنْ كانت هي مقتضى أَحد الشيئين. (إذ لو خَذَلهمكان فيه وَهَن المسلِمين) يقال: خَذَله خَذْلًا وخِذلانًا أَي: تَرك عونَه ونصرتَه من حدِّ نَصَر، والله أعلم. فصل في التنفيل: التَّنفيل نوع من أنواعِ قسمة الغَنائم، فلذلك أَلحقَهُ بها؛ يقال: نفّل الإمام الغازي، أي: أعطاه زائدًا على سِهمه بقوله: (من قتل قتيلا فله سلبه). وذكر في السِّيَر الكبير: النَّفْل في أصل الوَضع الغنيمة، ومنه/ قول القائل: إنَّ تقوى ربنا خَير نفل (٣) وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]، أي: الغنائم (٤).

стр. 2269

قوله: (ولا بأس بأن ينفل الإمام … ) إلى آخره (١). فَبهذا اللَّفظ يُعلم أنَّ ما قال البَعض: "وكلِمة "لا بأس" لنفي الشِّدة، واستعمالها إنَّما يكون فيما كان تركُه أولى" ليس بمجري على عمومه، بل قد تُستعمل هي في موضِع كان الإتيان به مستحبًّا؛ لأنَّ التنفيل قبل إحراز الغنيمة مستحبٌّ. وذَكَر في المبسوط: "ويُستحب للإمام أنْ ينفِّل قبل الإصابة بحسب ما يَرى الصواب فيه للتَّحريض على القتال، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] " (٢). وقوله: (من قتل قتيلًا) فيه تسميته الشيء باسم ما يؤوُل إليه، فكان هذا نظير قوله: تعالى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]؛ لأنَّ قتل المقتول لا يُتصوَّر، فكان معناه: مَن قَتل رجلًا يؤول أمره إلى القتل؛ والفاء في (فيقول) للتفسير. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، فإن قيل: لِمَ لَم يكن التحريض واجبًا مع وجود الأمر، ومطلقُه منصرف إلى الوجوب؟ قلنا: في التَنْفيل ترجُّح بعض الغازي مع توهِين بعض الغازي الآخَر، فتوهِين المسلم حَرام خصوصًا في مثل هذا الوقت؛ ولأنَّ التَّحريض شيء مُبهَم، قد يكون ذلك بالتَّنفيل، وقد يكون ذلك بذكر ثَواب الآخرة، فَلو كان التَّحريض نفسُه واجبًا، لا يَلزم أنْ يكون التحريض المعيِّن للتنفيل واجبًا. (ثم قد يكون التَّنفيل بما ذكر) وهو التنفيل بالسَلَب، (وقد يكون بغيره) نحو الذَّهب والفضة. وفي الإيضاح: ويجوز التَّنفيل في سائر الأموال مِن الذَّهب وَالفِضَّة وغير ذلك. وكذلك يجوز في السَّلب، وغير ذلك نحو أنْ يقول الإمام: من قتل قتيلا فله سلبه، ومن أصاب شيئًا فهو له، أو قال: ما أَصبتُم فَلَكُم منه الرُّبع أو النِّصف (٣). (إلَّا أنه لا ينبغي للإمام أن ينفّل لكل (٤) المأخوذ). وذكر في السِّيَر الكبير: وإذا قال الإمام لأهل العسكر جميعًا: ما َأصبتُم فهو لكم نفْلًا بالسَّوية بعد الخُمس، فهذا لا يجوز؛ لأنَّ المقصود من التَّنفيل التَّحريض على القتال، وإنَّما يحصل ذلك إذا خَصَّ البعض بالتَّنفيل، وأمَّا إذا عمَّهم فلا يحصل به ما هو المقصود بالتَّنفيل، وإنما في هذا إبطال السُّهمان التي أوجبها رسول الله ﵊، وإبطالُ تفضيل الفارس على الرَّاجل، وذلك لا يجوز. وكذلك [إذا كان] (٥) قال: مَا أَصبتُم فَلَكُم، ولم يَقُل بعد الخُمس فهذا لا يجوز؛ [لأنَّ] (٦) فيه إبطال الخُمُس الذي أوجبه الله تعالى في الغَنيمة، وإبطالًا لحقِّ ضعفاء المسلمين، وذلك لا يجوز، فقال ﵊: "وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم" (٧) (٨).

стр. 2270

(فإنْ فعَله مع السَّرية جاز). وفي المبسوط: "فالسَّرية عدد قليل يَسيِرون باللَّيل، ويكمنون بالنهار، فالجيش هو الجمع العظيم الَّذي يَجيش بعضهم في بعض؛ قَال ﵊: "خير الأصحاب أربعة وخير السرايا أربع مائة، وخير الجيوش أربعة آلآف" (١) " (٢)، فكان التنفيل للسَّرية تنفيلًا لبعض الجيش، فيجوز. (إلا من الخُمُس) (لأنَّه لا حقَّ للغانِمين في الخُمُس). فإنْ قلتَ: إِنْ لم يكن فيه حقُّ الغانمين، وَلكن فيه حقّ الأصناف الثلاثة، فكان فيه إبطال لحقوق الأصناف الثلاثة، وَإِنْ لم يَكُن فيه إبطال حقِّ الغانمين، وذلك لا يجوز أيضًا على ما ذكرتَ من رواية السِّيَر الكبير. قلت: "إنَّما جاز هذا باعتبار أَنَّ المنفَّل له جُعِل واحدًا من الأصناف الثلاثة، فَلَمْ يكن فيه حينئذٍ إبطال حقِّ الأصناف الثلاثة؛ إذ يجوز صرف الخُمُس على أَحَد الأصناف الثلاثة" (٣) على ما ذكرنا من رواية التُّحفة (٤)، وكذا أيضًا في المبسوط (٥). والدَّليل على صحَّة هذا القول ما ذَكره الإمام شمس الأئمة السرخسي في السِّيَر الكبير: "لا بأس بأنْ يُعطي الإمام الرَّجلَ المحتاج، إذا أبلى، مِن الخُمُس ما يُعينه ويجعله نفلًا له بعد الغنيمةلأنَّه مأمور بصرف الخُمُس إلى المحتاجين، وهذا محتاج، وإذا جاز صرفه إلى محتاج لم يقاتِل، فَلَأَنْ يجوز صرفُه إلى محتاج قاتَل وأبلى بلاءً حسنًا كان أولى؛ وهو نظير مَن وَجد ركازًا (٦) فرآه الإمام محتاجًا، وصَرف الخُمس إليه، فإنَّ ذلك يجوز" (٧). قلت: فعلى هذا ينبغي أنْ لا يجوز التَّنفيل بالخُمس للأغنياء، وبه صرَّح في الذخيرة، فقال: ولا ينبغي للإمام أنْ يضَع ذلك في الغَني، ويجعل نفلًا له بعد الإصابة؛ لأنَّ/ الخُمسَ حقُّ المحتاجين، لا حقَّ الأغنياء، فجَعْله للغني إبطال حقِّ المحتاجين (٨).

стр. 2271

[بيان حكم السلب] (وقال الشافعي: السَّلَب للقاتل). وحاصله أنَّ القاتل لا يستحقُّ السلب بالقَتل عندنا مِن غير تنفيل الإمام. وقال الشافعي: إذا قتله مقْبِلًا بين الصَّفَين على وجه المبارَزَة استحق سلَبَه. احتجَّ بقوله ﵊ يوم بدر: "من قتل قتيلا فله سلبه" (١). ومثل هذا اللفظ في لسان صاحب الشَّرع لبيان السَّبب كقوله ﵊: "من بدل دينه فاقتلوه" (٢). (فظاهِره لنَصْب الشَّرع فإنَّه بُعِث لذلك). وما رواه، وهُو قولُه ﵊: "من قتل قتيلا فله سلبه"، يحتمل التنفيل، وهو الظاهر لأنَّ مثل ذلك إنَّما يكون لنَصب الشرع إذا قاله بالمدينة في مسجده. وَلم يُنقَل أنَّه قال ذلك إلَّا يوم بدر عند القتال للحاجة إلى التَّحريض، وقد كانوا أذلة، ويوم حنين (٣) حين ولَّوا مُنهَزِمين للحاجة إلى التَّحريض. و [كما كان] (٤) رسول الله ﵊ قال ذلك يوم بدر، قال أيضًا: "من أخذ أسيرًا فهو له" (٥)، ثُمَّ كان ذلك منه على وجه التنفيل، فكذلك في السَّلب (٦)؛ كذا في المبسوط.

стр. 2272

(فنَحمِله على الثَّاني) أَي: فيحمَل ما رواه على التنفيل. (لِما رُويِّناه) وهو قوله ﵊ لحبيب بنمسلمة (١): "ليس لك … " الحديث (٢)؛ ولو حملنا (ما رواه على نَصب الشَّرع) يلزم التَّناقض. قوله: (كما ذكرناه) إشارة إلى قوله: (ولأنَّه تعذَّر اعتبارُ مقدار الزِّيادة) أو إلى قوله: (ولأنَّ الكَرَّ والفَرَّ جِنس واحد) في فصل كيفية القِسمة؛ وذلك لأنَّه كَم مِن فارسٍ يترجَّح غناءً على فُرسان كثيرة، وكذلك الرَّاجل قد يزيد غناؤه على رَجَّالة كثيرة، فلا يُعتبر ذلك في زيادة استحقاق السَّهم لما أنَّ تلك الزيادة في جنس واحد. قوله: (لِما مرَّ مِن قبل) إشارة إلى ما ذَكر في باب الغنائم وقسمتها بقوله: (ولأنَّ الاستيلاء إثبات اليد الحافظة والناقلة) فلمَّا لم يثبت الإحراز بدار الإسلام، لم يثبت الناقلة، فلا يثبت الاستيلاء؛ ولما لم يثبت الاستيلاء لم يثبت الملك.

стр. 2273

قوله: (وَوُجوب الضَّمان بالإتلاف) بالرَّفع معطوف على قوله: (الملكُ عنده) أي: يثبت وُجوب الضَّمان بالإتلاف عند محمدٍ؛ يعني: إذا أَتلف غير المنفَّل له من الغزاة السلب الذي أصابه المنفَّل له يَضمن عند محمد، وعندهما لا يَضمن بناءً على أنَّ الملك يثبت له بنفس التَّنفيل عند محمدٍ، وعندهما لا يَثبت بدون الإحراز بدار الإسلام. فوجهُ قولِ محمَّدٍ أنَّه اختصَّ بملكها، فيحلُّ له وَطؤُها بَعد الاستبراء، كالمسلِم يشتري جاريةً في دار الحرب، يحِلُّ له وطؤها بعد الاستبراء، وهذا لأنَّ ملك المتعة سببه ملك الرَّقبة، وقد تحقَّق هذا السَّبب في حقِّه حتَّى اختصَّ بملكها بتنفيل الإمام؛ وهذا بخلاف اللِّصِّ في دار الحرب إذا أَخذ جاريةً فَاستبرأَها، فإنَّه لا يحلُّ له وَطؤُها؛ لأنَّه ما اختصَّ بملكها. أَلا ترى أنَّه لو التحق بجيش المسلمين في دار الحرب شاركوه فيها. وأَبو حنيفة وأبو يوسف قالا: سبب الملك في المنفَّل هو القَهر فلا يتمُّ إلا بالإحراز بدار الإسلام، كما في الغنيمة في حقِّ الجيش؛ وهذا لأنَّه [قبل] (١) الإحراز قاهر (٢) يدًا، مقهورٌ دارًا، فيكون السَّبب ثابتًا مِن وجه دون وجه، ولا أثر للتَّنفيل في إتمام القهر. إنَّما تأثير التَّنفيل في قطع شركة الجيش مع المنفَّل له، فأمَّا سبب الملك للمنفَّل له، ما هو السَّبب لولا التنفيل، وهو القهر؛ فأشبه مِن هذا الوجه ما أخذه اللِّصُّ في دار الحرب بخلاف المشتراة، فسبب الملك فيها تمَّ بالعَقد والقَبض. وعلى هذا الخلاف، لو قسَم الإمام الغنائم في دار الحرب فأصاب رجلٌ جاريةً فاستبرأها؛ لأنَّ بِقسمةِ الإمام لا ينعدم المانع من تمام القهر، وهو كونهم مقهورين دارًا، ومن أصحابنا من يقول: لما نُفِّذَت القِسمة من الإمام تصير هي بمنزلة المشتراة؛ لأنَّ مَن وَقَعت في سَهمه إنَّما يملك بالقِسمة، وقد تمَّت، فينبغي أنْ يحل الوطء عندهم جميعًا. والأوَّل أظهر (٣)؛ كذا في المبسوط في "باب ما أصيب في الغنيمة". فعلى هذا كان في مسألة القسمة في دار الحرب اختلاف أيضًا، كما في الضمان. (وقد قيل: هذا) (٤) أي: وجوب الضَّمان، وفي نسخة بدون الواو [والله أعلم] (٥).

стр. 2274

باب: استيلاء الكفار: لما ذكر استيلاءَنا على الكفَّار ذَكر في هذا الباب عكسَه؛ لأنَّ له أحكامًا مختلِفة أيضًا، فكان قوله: (استيلاء الكفار) من قَبيل إضافة المصدر إلى الفاعل، لكنْ بدأ الباب بذكر/ استيلاء الكفارُ الكفارَ فقال: (وإذا غلب الترك على الروم). فالتُّرك: جَمع التركي، والرُّوم: جمع الرُّومي، فالمراد منه كفَّار الترك ونصارى الروم، فكلاهما كَافران (١). (حَلَّ لنا ما نَجِده من ذلك) أي: ما نجِدُه من الذي أخذه التُّرك من أهل الرُّوم، لأنَّ ذلك المأخوذ صار ملكًا للتُّرك كسائر أملاكهم. (لأنَّ الاستيلاء محظور ابتداءً) أي: في دار الإسلام (وانتهاءً) أي: في دار الحرب عند الإِحراز بها، وجاز أنْ يكون قوله: (انتهاءً) احترازًا عمَّن رمى إلى مسلم، وارتد قبل الإصابة؛ فإنَّه لم يبق معصومًا. (والمحظور لا يَنْتَهِض سَبَبًا للملك على ما عُرف [من قاعدة الخصم] (٢) وتقيُّده بقاعدة الخصم إنَّما يصِحُّ في المحظور الذي هو محظور مِن وجه دون وجه، كما في البيع الفاسد. وأمَّا المحظور مِن كلِّ وجه بأنْ يكون محظورًا بأصْله ووَصْفه، كما في البيع البَاطل بأنْ باع شيئًا بمَيْتة أو دَم أو استولى المسلم على مالِ مسلمٍ، فإنَّه غير موجِب للملك بالاتِّفاق (٣). ولنَا (أنَّ الاستيلاء وَرَد على مال مباحٍ فينعقِد سَببًا للملك) كما في الاصطياد والاحتطاب. وإنّما قلنا: أنَّ استيلاء الكفار ورد على مال مباح؛ لأنَّاستيلاءهم على أموالنا إنَّما يثبت الملك لهم إذا أحرزوها بدارهم، والكلام فيه، فبَعد الإحراز بدارهم يزول عصمة صاحِبها، ويصير مباح التَّملُّك، فلا يكون أخذُهم ذلك المال عدوانًا (٤)؛ كذا في الأسرار.

стр. 2275

(وهذا لأنَّ العصمة (١) تثبت على مُنافاة الدليل) أي: هذا المدعَّى. وهو [أن] (٢) استيلاءَهم ورد على مال مباح، إنما هو كذلك لأنَّ العصمة في المال لِكلِّ مَن يثبت مِن المسلم والكافر، إنَّما يثبت على خلاف الدليل؛ فإنَّ الدليل يقتضي أنْ لا يكون المال معصومًا لأحَدٍ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] إلا أنَّ العصمة إنَّما تثبت لمن اختصَّ هو به لسَبَبٍ مِن الأسباب، من شِرىً أو إرث أو غيرهما، ليتمكن من الانتفاع به؛ إذ لو لم يكن مخصوصًا هو به بالعصمة نازعه آخر في الانتفاع به، فأثبت الشارع العصمة للمالك قطعًا للمنازعة وتمكينًا للمالك من الانتفاع؛ فلما زال تمكُّنه من الانتفاع بِسبب إحرازهم بدار الحرب لم يبقَ ما يوجب عصمتَه، وهو تمكين المالك من الانتفاع، عاد المال مباحًا، كما يقتضيه الدليل، فصار بمنزلة الصَّيد والحشيش. ثم لما وقع استيلاؤهم إياه في هذه الحالة، كان استيلاءً مباحًا، فأوجَب الملك لهم، وعن هذا وقع الفَرق بين أموالنا ورقابنا، فإن الرِّقاب كلها لم تخلق محلًا للتملُّك في الأصل؛ وإنما تثبت المحلية بعارض الكفر، وليس في رقابنا ذلك، فلذلك لا يملكون إحرازنا، وإن أحرزوها بدارهم، فكانت صِفة الأموال مَع الرقاب على طرفي نقيض. (لأنَّه) أي: لأن الإحراز بالدار، (عبارة عن الاقتدار على المحلِّ حالًا ومآلًا). يعني: أنَّ الكفار إذا استوَلوا أموال المسلمين فهم (٣)، ما داموا في دار الإسلام، لم يكن لهم الاستيلاء من كل وجه حيث لم يوجد استيلاؤهم مآلًا، لما أنَّ الظاهر أنَّ المسلمين يغلبون عليهم ويأخذون الأموال. وأما إذا أحرزوها بدار الحرب فلا يغلب المسلمون على الكافرين لانقطاع الولاية فلا يُؤخَذ منهم الأموال فيقتدرون حينئذٍ على الأموال حالًا ومآلًا. (والمحظور لغيره إذا صلُح سببًا) … إلى آخره. جواب عن قول الخصم أنَّه محظور قلنا: نعم، هو محظور إلا أنَّه محظور لغيره، و (٤) مباح في نفسه، لكونه سببًا لإقامة المصالح على ما ذكرنا، والمحظور لغيره لا يَمنع السبب عن كونه سببًا للملك، كالبيع وقت النداء، دل (٥) عليه أن المحظور لغيره، وهو الصلاة في الأرض المغصوبة، تصلح سببًا لاستحقاق أعلى النِّعم، وهو الثواب في الآخرة، فلأنْ يصلح سببًا للملك في الدُّنيا أولى (٦)؛ كذا في الطريقة العلانية (٧).

стр. 2276

فإنْ قلتَ: لو ثبت الملك في مال المسلم للكافر بالاستيلاء عند الإحراز بدار الحرب، لما ثَبتتْ ولاية الاسترداد للمالِك القديم من الغازي الذي وقع في قسمتها، ومن المشتري الذي اشتراه من أهل الحرب، بدون رضا الغازي والمشتري بالقيمة أو الثَّمن، كما لا يثبت للمالك القديم ولايةَ الاسترداد فيما إذا اشتراه المستأمن مِن أهل الحرب، وأدخَله في دار الحرب، ثم وقع في قسمة الغازي أو اشتراه المسلم. قلت:/ إنَّ بقاء حقِّ الاسترداد بحقِّ (١) المالِك القديمِ لا يدُلُّ على قيام الملك للمالِك القديم. أَلا ترى أنَّ الواهب يَرجع في الهبة ويعيدها إلى قَديم ملْكِه بدون رضا الموهوب له مَع زوال مُلْك الواهب للحال (٢)؛ كذا في الأسرار. وكذا الشفيع يأخُذ الدَّار من المشتري بحقِّ الشُّفعة بدون رضا المشتري مع ثبوت الملك له. وذكر في الإيضاح: ثم الملك، وإنْ زال عندنا، فللمالك القديم حقُّ إعادةِ الملك؛ لأنَّ الملك زال بدون رِضاه، فأوجب الشَّرع له حقَّ الإعادة نظرًا له، لكن مِن شرط النَّظَر له أنْ لا يؤدي إلى إلحاق الضَّرر بالغير، فيقول: إن وجده قبل القسمة أخذه بغير شيء، وإن وجده بَعد القسمة أخذه بالقِيمة (٣) على ما يجيء. (فَإن ظَهر عليها المسلمون) أي: على الأموال التي أخذها الكافرون منَّا، (فوجدها المَالكون قبل القسمة فهي لهم بِغير شيء) أي: وإنْ أحْرزها الغانمون بدار الإسلام. وذكر في الإيضاح: فأمَّا إذا وَجَد قبل القسمة، فكان ينبغي أنْ يَأخُذ بالقيمة أيضًا (٤) لأنَّ حقَّ الجماعة متعلِّق به، وقَد استحكم هذا بالإحراز بدار الإسلام. ألا ترى أنَّه لو أَتلف إنسان شيئًا من الغنيمة قبل القِسمة يضمن إلَّا أنَّا تركنا هذا الأصل بحديث عبد الله بن عباس ﵄ فإنَّه روى عنه أنَّ المشركين غلبوا على بَعير لرجلٍ ثم ظهر المسلمون عليه، فسأل النَّبي ﵊ عن ذلك فقال: "إن وجدته قبل القسمة" (٥) الحديث؛ إلَّا أنَّ في الأخذ بعد القِسمة ضَرَرًا بالمأخوذ منه؛ لأنَّه (٦) إذا كان بعد القسمة فَقَد تعلَّق به حقُّ مالك معيَّن، وإنَّما تعيَّن له هذا الحقُّ بإزاء ما انقطع مِن حقِّه عمَّا في أيدي الباقين، فإذا قطع حقّه عن هذا المعيَّن مجَّانًا أدَّى إلى الإضرار به؛ وقَد ذكرنا أنَّ النظر واجِب على وجه لا يضُرُّ بالغير، ولو اشتراه بعَرض أخذه بقيمة العَرض. أمَّا لو اشترى مسلمٌ من أهل الحرب عبدًا لمسلم بخَمر أو خِنزير أخذه صاحبه بقيمة العبد لأنَّه يأخذ بطِيبة نفسٍ منه لا بالبيع فصار كالهبة (٧)؛ كذا في الإيضاح، لأنَّه ثبت له ملك خاص، فلا يزال إلا بالقيمة.

стр. 2277

فإنْ قيل: هذا الملك ثبت للموهوب له بغير عِوض، بخلاف ما لو ثبت لأَحد الغزاة بالقسمة، لأنَّ هذا الحقَّ إنَّما تعيَّن له بإزاء ما انقطع من حقِّه عمَّا في أيدي الباقين على ما ذكرنا. قلنا: ههنا أيضًا ثَبت له هذا الملك بالعِوض معنىً، لما أنَّ المكافأة مقصودةٌ في الهبة، وإنْ لم [تكن مشروطة] (١)، فجعل ذلك المعنى معتبرًا في إثبات حقِّه في القيمة (٢)؛ إلى هذا أشار في المبسوط. (ولو كان مغنومًا (٣)، وهو مثلي) كالدراهم والدنانير والحنطة والشعير، أي: ولو كان الذي أخذه الكفار من المسلمين مِثليًا كما ذكرنا، ثُمَّ وقع ذلك المثلي في الغنيمة فلصاحبه القديم أنْ يأخذ قَبل القسمة بغير شيء، وإن كان بعد القسمة لم يأخذه؛ لأنَّه لا فائدة في أخذه لما ذكر في الكتاب (٤). (لما بيَّنَّا) إشارة إلى قوله: (لأنَّ الأخذ بالمثل غير مفيد، وكذا إذا كان مشترىً بمثلِه [ما وجد قبل القسمة وبعدها] قدرًاووصفًا) أي: إذا كان الذي أخذَه الكفار من المسلمين شيئًا مثليًا (٥) فاشتراه منهم مسلم بمثله قدرًا ووصفًا، ثم جاء صاحبه القديم ليس له أن يأخذه منهلأنَّه غير مفيد، وإنّما قيد بقوله: (قدرًا ووصفًا) احتراز عمّا لو اشتراه المسلم بأقلّ قدرًا منه، أو بجنس آخر، أو بجنسه، ولكن أردى منه وصفًا، فله أن يأخذه بمثل ما أعطاه المشتري. وقال في الإيضاح: إلَّا أنْ يكونَ اشتراه منهم بخلاف جنسه، فيكون الأخذ مفيدًا، وكذلك لو اشتراه بجنسه بأقَلّ منه، فله أنْ يأخذ بمثل ما اشتراه، ولا يكون هذا ربًا؛ لأنَّه إنَّما فدى ليستخلِص ملكَه ويعيدَه إلى قديم ملكه (٦). (وأمَّا الأَخْذ بالثمن فلِما قلنا) وهو قوله: (لأنَّه يتضرر بالأخذ مجانًا)؛ (لأنَّ الملك فيه صحيح) احتراز عن المشتري شراءً فاسدًا، فإنَّ الأوصاف هناك مضمونة على ما ذكر في الكتاب (٧).

стр. 2278

(لأنَّ الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن). قيل: فيه نظر؛ لأنَّ الوصف إنَّما لا يقابل شيء من الثمن إذا لم يصِر مقصودًا بالتناول. ألا ترى أنْلو اشترى عبدًا ففقئت عينه ثم باعه مرابحة (١)؛ فإنَّه يحطُّ مِن الثمن ما يخصُّ العَين؛ لأنَّها صارت مقصودة بالتَّناول (٢)؛ كذافي الفوائد الظهيرية. (بخلاف الشُّفعة (٣)؛ فإنَّ الأوصاف يقابلها شيء من الثَّمن في الشفعة، حتَّى لو استهلك المشتري من الدَّار شيئًا يُسقط حصتَّه من الثمن؛ لأنَّ المشتري في الذي وجبت (٤) الشفعة (بمنزلة المشتري شراءً فاسدًا)، مِن حيث إِنَّ كلَّ واحد منهما/ واجب الرَّدِّ، والأوصاف تُضمن في المشترى شراءً فاسدًا؛ كما في الغصب بأنَّ غصب جارية، فذهبت إحدى عينيها يضمن نصف قيمتها. أمَّا الجواب عن مسألة المرابحة المذكورة في الفوائد، قلنا: الشُّبهة في المرابحة ملحَقة بالحقيقة، وأمَّا ههنا فإلحاق الأطراف بالعَين شُبْهة، فلا يُعتبر، فلذلك لا يأخذ المالك القديم الأرش (٥).

стр. 2279

فإن قيل: شراءُ التَّاجر هنا أيضًا بمنزلة شراء المشتري شراءً فاسدًا مِن حيث وجوب الرَّد. قلنا: إلحاق مسألة الشُّفعة بالمشتري شراءً فَاسدًا أولى مِن شراء التَّاجر مِن الكافر، من حيث أنَّ شراء المشتري بدون رضا الشَّفيع مكروه، بخلاف شراء التَّاجر بدون رضا المالك. ثم اعلم أنَّ قوله: (بخلاف الشُّفعة) إنَّما يستقيم فيما إذا كان فوات الأوصاف في الشُّفعة بفعل قصدي، فحينئذٍ يقابل الأوصاف شيءٌ مِن الثَّمن في الشفعة، بخلاف مسألتنا، حيث لا يقابلها شيء من الثمن، وإن كان فواتها بفعل قصدي. وأمَّا إذا كان فوات الأوصاف بآفة سماوية في الشُّفعة بأنْ [جفّ] (١) شجرة البستان، فلا تقابل الأوصاف شيئًا من الثَّمن، فحينئذٍ لا تخالِف مسألةُ الشفعة لمسألتنا. [شراء العبد المأسور] (وللمشتري الأول أن يأخذه من الثاني بالثمن). فإن قيل: لو أَثبتنا حقَّ الأخذ للَّذي اشتراه مِن العدو أولًا، لأضررنا بالمالك القديم؛ لأنَّه حينئذٍ يأخذ بالثَمَنَينِ. قلنا: "رعاية حقِّ من اشتراه من العدو أولًا أَولى؛ لأنَّ حقَّه يعود في الأَلف التي نقدها بلا عِوض يقابلها، والمالك القديم يلحقه الضرر، لكن بِعوض يقابله، وهو العبد، فكان ما قلناه أولى" (٢)؛ كذا في الفوائد الظهيرية. (وكذا إذا كان المأسور منه الثاني غائبًا) وهو المشتري الأوَّل، (وكذا من سواه)، أي: مَن سوى الحرّ، وهو المدبَّر (٣) والمكاتَب وأمُّ الولد (٤)، (بخلاف رقابهم) أي: رقاب أَحرار الكفّار، ومدبَّريهم، وأمهات أولادهم. (ولا جناية من هؤلاء) أي: من مدبَّرينا وأمَّهات أولادنا، ومكاتَبينا وأحرارنا، فلا يملكهم الكفار، وإنْ استولوا عليهم. وإذا لم يملكهم الكفَّار لم يملكهم الغزاة، حتَّى لو كان أهل الحرب أخذوا من دار الإسلام مدبَّرًا لرجل وأمّ ولده أو مكاتبه، ثمَّ ظُهِر عليهم فهم لمالكهم، قَبل القِسمة وبعد القِسمةبِغير شيء، لأنَّ هذه المعاني تمنع التملُّك لمكان التشبيه (٥) بالأحرار، والكفّار لا يملكونهم، فكذلك ههنا (٦)؛ كذا في الإيضاح.

стр. 2280

[العبد الآبق] (وإذا أبق عبد لمسلم … ) إلى آخره. والعبد، بأنْ كان العبد لمسلمٍآبقًا فَيء، فإنَّه إذا كان لذمِّي فالحكم كذلك، فإنَّه ذكر الإمام أبو اليُسر في غنى الفقهاء (١): العبد المسلم لمسلم أو لذمِّي إذا أبق إلى دار الحرب وأخذه الكفار (٢)، لم يملكوه عند أبي حنيفة، حتى أنَّ مولاه متى وجد في يد إنسان بعد ذلك يأخذه بغير شيء. وقال أبو يوسف ومحمد: يملكونه (٣)؛ حتَّى لو وجَدَه المسلِم في يَد مَن استولى عليه بعدما أَسلم أو صَار ذمِّيًا، لا يأخذه منه؛ ولو وَجدُوه في يدِ غانم أو متملِّك بغير عوض يأخُذه بالقيمة. لأبي حنيفة أنَّه آدمي ذو يد معتبرة بالإجماع حتَّى إذا أُودِع العبدُ وديعةً لم يكن لمولاه حقُّ القبض. فإنْ قالوا: الخلاف في عبد مسلم آبِق، أو في عبد مسلم ارتدَّ ولَحِق بدار الحرب، وفي عبد كافر لمسلم آبق خلاف واحدً، [فنقول] (٤): لا كذلك، بل المرتدّ يملكه الكفّار. وأمّا العبد الكافر، فهو ذمي تَبَعًا لمولاه وما بطلت الذِّمة باللُّحوق بدار الحرب، فلا يملكه الكفار. هكذا كان مكتوبًا بخطّ شيخي مُحال إلى غنى الفقهاء. وذكر في طريقة مجد الأئمة السرخكي (٥): العبد إذا كان ذميًا ففيه قولان، وأمَّا إذا كان مرتدًا فأبق ولَحِق بدار الحرب يملكه الكفار بالإجماع (٦). (لأنَّ سقوط اعتباره) أي: اعتبار يد العبد. (فظهرت يده على نَفسه) لأنَّه حين دخل دار الحرب، فقد زالت يد المولى عنه، لا إلى من يخلفه، فيصير في يد نفسه وهي يد محترمةلأنَّه مسلم، يمنع ذلك إحرازًا لمشركين إياه وبدون الإحراز لا يملكونه. فإن قيل: كيف تَظْهر يَد العَبد عَلى نفسِه، وقَد خلف يد المولى يد الكفرة بدون واسطة فور فوت يد المولى لأنَّ دار الحرب في أيديهم؟ قلنا: "لأنَّ بين الدَّارين حدًّا لا يكون في يد أَحَد، وعند ذلك تظهر يد العبد على نفسه؛ ولأنّ يد الدار/ يد حُكمية، ويد العبد يد حقيقية، فلا تندفع بيد الدار" (٧)؛ إلى هذا أشار فخر الإسلام.
следующие страницы →