← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

فإنْ قلتَ: لو ثبت الملك في مال المسلم للكافر بالاستيلاء عند الإحراز بدار الحرب، لما ثَبتتْ ولاية الاسترداد للمالِك القديم من الغازي الذي وقع في قسمتها، ومن المشتري الذي اشتراه من أهل الحرب، بدون رضا الغازي والمشتري بالقيمة أو الثَّمن، كما لا يثبت للمالك القديم ولايةَ الاسترداد فيما إذا اشتراه المستأمن مِن أهل الحرب، وأدخَله في دار الحرب، ثم وقع في قسمة الغازي أو اشتراه المسلم. قلت:/ إنَّ بقاء حقِّ الاسترداد بحقِّ (١) المالِك القديمِ لا يدُلُّ على قيام الملك للمالِك القديم. أَلا ترى أنَّ الواهب يَرجع في الهبة ويعيدها إلى قَديم ملْكِه بدون رضا الموهوب له مَع زوال مُلْك الواهب للحال (٢)؛ كذا في الأسرار. وكذا الشفيع يأخُذ الدَّار من المشتري بحقِّ الشُّفعة بدون رضا المشتري مع ثبوت الملك له. وذكر في الإيضاح: ثم الملك، وإنْ زال عندنا، فللمالك القديم حقُّ إعادةِ الملك؛ لأنَّ الملك زال بدون رِضاه، فأوجب الشَّرع له حقَّ الإعادة نظرًا له، لكن مِن شرط النَّظَر له أنْ لا يؤدي إلى إلحاق الضَّرر بالغير، فيقول: إن وجده قبل القسمة أخذه بغير شيء، وإن وجده بَعد القسمة أخذه بالقِيمة (٣) على ما يجيء. (فَإن ظَهر عليها المسلمون) أي: على الأموال التي أخذها الكافرون منَّا، (فوجدها المَالكون قبل القسمة فهي لهم بِغير شيء) أي: وإنْ أحْرزها الغانمون بدار الإسلام. وذكر في الإيضاح: فأمَّا إذا وَجَد قبل القسمة، فكان ينبغي أنْ يَأخُذ بالقيمة أيضًا (٤) لأنَّ حقَّ الجماعة متعلِّق به، وقَد استحكم هذا بالإحراز بدار الإسلام. ألا ترى أنَّه لو أَتلف إنسان شيئًا من الغنيمة قبل القِسمة يضمن إلَّا أنَّا تركنا هذا الأصل بحديث عبد الله بن عباس ﵄ فإنَّه روى عنه أنَّ المشركين غلبوا على بَعير لرجلٍ ثم ظهر المسلمون عليه، فسأل النَّبي ﵊ عن ذلك فقال: "إن وجدته قبل القسمة" (٥) الحديث؛ إلَّا أنَّ في الأخذ بعد القِسمة ضَرَرًا بالمأخوذ منه؛ لأنَّه (٦) إذا كان بعد القسمة فَقَد تعلَّق به حقُّ مالك معيَّن، وإنَّما تعيَّن له هذا الحقُّ بإزاء ما انقطع مِن حقِّه عمَّا في أيدي الباقين، فإذا قطع حقّه عن هذا المعيَّن مجَّانًا أدَّى إلى الإضرار به؛ وقَد ذكرنا أنَّ النظر واجِب على وجه لا يضُرُّ بالغير، ولو اشتراه بعَرض أخذه بقيمة العَرض. أمَّا لو اشترى مسلمٌ من أهل الحرب عبدًا لمسلم بخَمر أو خِنزير أخذه صاحبه بقيمة العبد لأنَّه يأخذ بطِيبة نفسٍ منه لا بالبيع فصار كالهبة (٧)؛ كذا في الإيضاح، لأنَّه ثبت له ملك خاص، فلا يزال إلا بالقيمة.

стр. 2277

فإنْ قيل: هذا الملك ثبت للموهوب له بغير عِوض، بخلاف ما لو ثبت لأَحد الغزاة بالقسمة، لأنَّ هذا الحقَّ إنَّما تعيَّن له بإزاء ما انقطع من حقِّه عمَّا في أيدي الباقين على ما ذكرنا. قلنا: ههنا أيضًا ثَبت له هذا الملك بالعِوض معنىً، لما أنَّ المكافأة مقصودةٌ في الهبة، وإنْ لم [تكن مشروطة] (١)، فجعل ذلك المعنى معتبرًا في إثبات حقِّه في القيمة (٢)؛ إلى هذا أشار في المبسوط. (ولو كان مغنومًا (٣)، وهو مثلي) كالدراهم والدنانير والحنطة والشعير، أي: ولو كان الذي أخذه الكفار من المسلمين مِثليًا كما ذكرنا، ثُمَّ وقع ذلك المثلي في الغنيمة فلصاحبه القديم أنْ يأخذ قَبل القسمة بغير شيء، وإن كان بعد القسمة لم يأخذه؛ لأنَّه لا فائدة في أخذه لما ذكر في الكتاب (٤). (لما بيَّنَّا) إشارة إلى قوله: (لأنَّ الأخذ بالمثل غير مفيد، وكذا إذا كان مشترىً بمثلِه [ما وجد قبل القسمة وبعدها] قدرًاووصفًا) أي: إذا كان الذي أخذَه الكفار من المسلمين شيئًا مثليًا (٥) فاشتراه منهم مسلم بمثله قدرًا ووصفًا، ثم جاء صاحبه القديم ليس له أن يأخذه منهلأنَّه غير مفيد، وإنّما قيد بقوله: (قدرًا ووصفًا) احتراز عمّا لو اشتراه المسلم بأقلّ قدرًا منه، أو بجنس آخر، أو بجنسه، ولكن أردى منه وصفًا، فله أن يأخذه بمثل ما أعطاه المشتري. وقال في الإيضاح: إلَّا أنْ يكونَ اشتراه منهم بخلاف جنسه، فيكون الأخذ مفيدًا، وكذلك لو اشتراه بجنسه بأقَلّ منه، فله أنْ يأخذ بمثل ما اشتراه، ولا يكون هذا ربًا؛ لأنَّه إنَّما فدى ليستخلِص ملكَه ويعيدَه إلى قديم ملكه (٦). (وأمَّا الأَخْذ بالثمن فلِما قلنا) وهو قوله: (لأنَّه يتضرر بالأخذ مجانًا)؛ (لأنَّ الملك فيه صحيح) احتراز عن المشتري شراءً فاسدًا، فإنَّ الأوصاف هناك مضمونة على ما ذكر في الكتاب (٧).

стр. 2278

(لأنَّ الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن). قيل: فيه نظر؛ لأنَّ الوصف إنَّما لا يقابل شيء من الثمن إذا لم يصِر مقصودًا بالتناول. ألا ترى أنْلو اشترى عبدًا ففقئت عينه ثم باعه مرابحة (١)؛ فإنَّه يحطُّ مِن الثمن ما يخصُّ العَين؛ لأنَّها صارت مقصودة بالتَّناول (٢)؛ كذافي الفوائد الظهيرية. (بخلاف الشُّفعة (٣)؛ فإنَّ الأوصاف يقابلها شيء من الثَّمن في الشفعة، حتَّى لو استهلك المشتري من الدَّار شيئًا يُسقط حصتَّه من الثمن؛ لأنَّ المشتري في الذي وجبت (٤) الشفعة (بمنزلة المشتري شراءً فاسدًا)، مِن حيث إِنَّ كلَّ واحد منهما/ واجب الرَّدِّ، والأوصاف تُضمن في المشترى شراءً فاسدًا؛ كما في الغصب بأنَّ غصب جارية، فذهبت إحدى عينيها يضمن نصف قيمتها. أمَّا الجواب عن مسألة المرابحة المذكورة في الفوائد، قلنا: الشُّبهة في المرابحة ملحَقة بالحقيقة، وأمَّا ههنا فإلحاق الأطراف بالعَين شُبْهة، فلا يُعتبر، فلذلك لا يأخذ المالك القديم الأرش (٥).

стр. 2279

فإن قيل: شراءُ التَّاجر هنا أيضًا بمنزلة شراء المشتري شراءً فاسدًا مِن حيث وجوب الرَّد. قلنا: إلحاق مسألة الشُّفعة بالمشتري شراءً فَاسدًا أولى مِن شراء التَّاجر مِن الكافر، من حيث أنَّ شراء المشتري بدون رضا الشَّفيع مكروه، بخلاف شراء التَّاجر بدون رضا المالك. ثم اعلم أنَّ قوله: (بخلاف الشُّفعة) إنَّما يستقيم فيما إذا كان فوات الأوصاف في الشُّفعة بفعل قصدي، فحينئذٍ يقابل الأوصاف شيءٌ مِن الثَّمن في الشفعة، بخلاف مسألتنا، حيث لا يقابلها شيء من الثمن، وإن كان فواتها بفعل قصدي. وأمَّا إذا كان فوات الأوصاف بآفة سماوية في الشُّفعة بأنْ [جفّ] (١) شجرة البستان، فلا تقابل الأوصاف شيئًا من الثَّمن، فحينئذٍ لا تخالِف مسألةُ الشفعة لمسألتنا. [شراء العبد المأسور] (وللمشتري الأول أن يأخذه من الثاني بالثمن). فإن قيل: لو أَثبتنا حقَّ الأخذ للَّذي اشتراه مِن العدو أولًا، لأضررنا بالمالك القديم؛ لأنَّه حينئذٍ يأخذ بالثَمَنَينِ. قلنا: "رعاية حقِّ من اشتراه من العدو أولًا أَولى؛ لأنَّ حقَّه يعود في الأَلف التي نقدها بلا عِوض يقابلها، والمالك القديم يلحقه الضرر، لكن بِعوض يقابله، وهو العبد، فكان ما قلناه أولى" (٢)؛ كذا في الفوائد الظهيرية. (وكذا إذا كان المأسور منه الثاني غائبًا) وهو المشتري الأوَّل، (وكذا من سواه)، أي: مَن سوى الحرّ، وهو المدبَّر (٣) والمكاتَب وأمُّ الولد (٤)، (بخلاف رقابهم) أي: رقاب أَحرار الكفّار، ومدبَّريهم، وأمهات أولادهم. (ولا جناية من هؤلاء) أي: من مدبَّرينا وأمَّهات أولادنا، ومكاتَبينا وأحرارنا، فلا يملكهم الكفار، وإنْ استولوا عليهم. وإذا لم يملكهم الكفَّار لم يملكهم الغزاة، حتَّى لو كان أهل الحرب أخذوا من دار الإسلام مدبَّرًا لرجل وأمّ ولده أو مكاتبه، ثمَّ ظُهِر عليهم فهم لمالكهم، قَبل القِسمة وبعد القِسمةبِغير شيء، لأنَّ هذه المعاني تمنع التملُّك لمكان التشبيه (٥) بالأحرار، والكفّار لا يملكونهم، فكذلك ههنا (٦)؛ كذا في الإيضاح.

стр. 2280

[العبد الآبق] (وإذا أبق عبد لمسلم … ) إلى آخره. والعبد، بأنْ كان العبد لمسلمٍآبقًا فَيء، فإنَّه إذا كان لذمِّي فالحكم كذلك، فإنَّه ذكر الإمام أبو اليُسر في غنى الفقهاء (١): العبد المسلم لمسلم أو لذمِّي إذا أبق إلى دار الحرب وأخذه الكفار (٢)، لم يملكوه عند أبي حنيفة، حتى أنَّ مولاه متى وجد في يد إنسان بعد ذلك يأخذه بغير شيء. وقال أبو يوسف ومحمد: يملكونه (٣)؛ حتَّى لو وجَدَه المسلِم في يَد مَن استولى عليه بعدما أَسلم أو صَار ذمِّيًا، لا يأخذه منه؛ ولو وَجدُوه في يدِ غانم أو متملِّك بغير عوض يأخُذه بالقيمة. لأبي حنيفة أنَّه آدمي ذو يد معتبرة بالإجماع حتَّى إذا أُودِع العبدُ وديعةً لم يكن لمولاه حقُّ القبض. فإنْ قالوا: الخلاف في عبد مسلم آبِق، أو في عبد مسلم ارتدَّ ولَحِق بدار الحرب، وفي عبد كافر لمسلم آبق خلاف واحدً، [فنقول] (٤): لا كذلك، بل المرتدّ يملكه الكفّار. وأمّا العبد الكافر، فهو ذمي تَبَعًا لمولاه وما بطلت الذِّمة باللُّحوق بدار الحرب، فلا يملكه الكفار. هكذا كان مكتوبًا بخطّ شيخي مُحال إلى غنى الفقهاء. وذكر في طريقة مجد الأئمة السرخكي (٥): العبد إذا كان ذميًا ففيه قولان، وأمَّا إذا كان مرتدًا فأبق ولَحِق بدار الحرب يملكه الكفار بالإجماع (٦). (لأنَّ سقوط اعتباره) أي: اعتبار يد العبد. (فظهرت يده على نَفسه) لأنَّه حين دخل دار الحرب، فقد زالت يد المولى عنه، لا إلى من يخلفه، فيصير في يد نفسه وهي يد محترمةلأنَّه مسلم، يمنع ذلك إحرازًا لمشركين إياه وبدون الإحراز لا يملكونه. فإن قيل: كيف تَظْهر يَد العَبد عَلى نفسِه، وقَد خلف يد المولى يد الكفرة بدون واسطة فور فوت يد المولى لأنَّ دار الحرب في أيديهم؟ قلنا: "لأنَّ بين الدَّارين حدًّا لا يكون في يد أَحَد، وعند ذلك تظهر يد العبد على نفسه؛ ولأنّ يد الدار/ يد حُكمية، ويد العبد يد حقيقية، فلا تندفع بيد الدار" (٧)؛ إلى هذا أشار فخر الإسلام.

стр. 2281

(بخلاف [المتردِّد] (١) أي: في دار الإسلام؛ لأنَّ يد المولى باقية في حقِّه حكمًا، "ولهذا لو وَهَبه لابنه الصّغير صار قابضًا له، فبقاء المانع حكمًا يمنع ثبوت اليد له في نفسه فيتم إحراز المشركين إياه. وأمَّا الآبق إلى دار الحرب، فلا يكون في يد مولاه حكمًا حتى لو وهبه لابنه الصغير لا يجوز؛ هكذا ذكره أبو الحسين قاضي الحرمين (٢) عن أبي حنيفة" (٣)، كذا في المبسوط والأسرار. قوله: (يؤدِّي عِوَضه) أَي: فيما إذا وَجده المالك في يدِ مَن وقع في سهمه في الغنيمة بعد القسمة يؤدِّي الإمام عوضه إلى من أخذ منه المالك من بيت المال. وأمَّا في الصُّور الثلاث، وهي ما إذا كان موهوبًا أو مشترىً أو مغنومًا قبل القسمة، فلا يؤدِّي عوضه. وأمَّا في الشِّراء، فإنَّما لا يغرم للمشتري شيئًا مما قد أدَّى لأنَّه فَدى ملكه بغير أمره، إلا أن يكون أمره بالفداء، فحينئذٍ يرجع عليه بما (٤) أدَّى. وعندهما يأخذه منه بالثمن، إنْ شاء، كما في العبد المأسور بالاتفاق، ثم إنّما يعوِّضه مِن بيت المال في المغنوم بعد القسمة لأنَّ نصيبه استُحِقَّ، فله أن يرجع على شركائه في الغنيمة، وقد تعذّر ذلك لتفرقهم، فيعوِّضه من بيت المال لأنَّ هذه من نوائب المسلمين، ومال بيت المال معدٌّ لذلك؛ ولأنَّه لو فضل من الغنيمة شيئًا يتعذّر قسمته كالجوهرة ونحوها، يوضع في بيت المال، فكذلك إذا لَحِق غُرم يجعل ذلك فيء (٥) على بيت المال لأنَّ الغُرم يقابَل بالغُنم. وهكذا على أصل الكلِّ إذا كان المأسور مدبرًا أو أم مكاتبًا أو أم ولد، فإنَّ المالك القَديم يأخذُه بِغَير شَيءٍ بَعد القسمة، ويعوِّض الإمام لمن وَقع في سهمه قيمته من بيت المال لما قُلنا (٦)؛ كذا في المبسوط. (وليس له) أي: للغَازي أو للتَّاجر (لأنَّه عامل لنفسه)، والجُعل (٧) إنَّما يجب إذا أخذه الآخِذ على قصد الرَّد إلى مالكِه.

стр. 2282

(اعتبارًا لحالة الاجتماع بحالة الانفراد) يعني: إذا أَبَق العبد بِدون البَعير لا يملكونه عند أبي حنيفة (١). (وإذا نَدَّ بعير إليهم) بدون العبد يملكونه، فكذا إذا أَبَق العبد مَع البَعير أو مع شيء آخَر مِن المال، فيأخُذ المولى العبدَ بغَير شيء، ويأخذ المال بالثَّمن لما أنَّ الملك ثَبَت للكفار في المال دون العبد. فإنْ قيل: على قول أَبي حنيفة ينبغي أنْ يأخذ المالك المتاع أيضًا بِغير شيء؛ لأنَّه لما ظَهر يد العبد على نفسه ظهرت على المال أيضًا، لانقطاع يد المولى َعن المال؛ لأنَّه في دار الحرب، ويد العبد أَسبق من يدِ الكفّار عليه فلا يصير ملكًا لهم. [شراء العبد المسلم وإدخاله دار الحرب] قلنا: ظَهَرت يد العَبد على نفسِه مع المنافي وهو الرقِّ، فكانت ظاهرة من وجه دون وجه، فجعلناها ظاهرة في حقِّ نفسه غير ظاهرة في حقّ المال. (وإذا دخل الحربي دارنا بأمان فاشترى عبدًا مسلمًا وأدخله دار الحرب عتق عند أبي حنيفة، وقالا: لا يعتق). وعلى هذا الاختلاف إذا كان العبد ذمّيًا؛ لأنَّه يجبر على بيعه ولا يمكَّن من الذَّهاب به إلى دار الحرب؛ كذا في (٢) الإيضاح. وأصل المسألة ما ذكره في المبسوط: "وإذا اشترى الحربي المستأمن في دار الإسلام عبدًا مسلمًا أو ذمّيًا أو أسلم بعض عَبيده الذين أدخلهم لم يُترك ليردَّه إلى دار الحربلأنَّه مسلم، ولا يُترك في ملك الكافر ليستذلَّه، ولكن يُجبر على بيعه من المسلمين بمنزلة الذِّمي يسلم عبده. فإنْ قيل: الذِّمي مُلتزِم أحكامَ الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات، والمستأمَن غير ملتزِم لذلك. قلنا: المستأمن ملتزِم ترك الاستخفاف بالمسلمين، فإنّا ما أعطينا الأمان ليستذل المسلم؛ إذ لا يجوز إعطاء الأمان على هذا، فلهذا يجبُر على بيعه" (٣). (لأنَّ الإزالةَ كانتْ مستحقةً بطريق معيَّن، وهو البيع) يعني: لا بالعِتق؛ لأنَّ مال المستأمن محترَم (٤)؛ كذا ذكره صدر الإسلام. (ولأبي حنيفة ﵀ أنَّ تخليص المسلم عن ذُلِّ الكافر واجب). ولكنَّ ذلك الكافرَ ما دام مستأمنًا في دار الإسلام يُزال بالعِوَض، وهو الإزالة بالبيع، ولا يزال بالعتق؛ لأنَّ مال المستأمن محترَم ما دام في الإسلام، فإذا أدخله دارَ الحرب انتهت الحرمَة بانتهاء الأمان، فاستحقَّ الإزالة بالعتق؛ لأنَّه لما انتهى أمانه بالعود إلى دار الحرب سقطتْ عصمة مالِه، فتعيَّن العِتق مخلِّصًا للعبد؛ أي: لو كان الإمام قادرًا على إزالة العبد هناك/ عن استيلائه، كان الواجب على الإمام، أنْ يجبره على الإعتاق لا على البيع لانعدام عصمة مالِه، فلَم يستحقّ الحربي العِوَض مقابلةَ إزالة مُلكه لسقوط حرمة ملكه، بخلاف ما إذا كان في دار الإسلام. ثُمَّ لما قَصُرت ولاية القاضي عن إزالة ملكه بالإعتاق، وهي العلَّة في زوال ملكه، فقام شَرط زوال عصمة مال المستأمن، الذي هو دخول دار الحرب مقام علَّة الزَّوال، وهي إعتاق الإمام عليه لما أنَّه قد يقام الشرط (مقام العلة) عند عَدَم إمكان إضافة الحكم إلى العلَّة؛ كما في حفر البئر على قارعة الطريق. وذكر الإمام الإسبيجابي (٥): وهذا بخلاف أمِّ ولد النَّصراني إذا أسلمت؛ حيث يقتضي (٦) بالسِّعاية عليها، وتُعتق، وههنا يعتق مجانًا؛ لأنَّ ملك الذِّمي محترم، وملك الحربي غير محترم، ولا قيمة له (٧). ولا يقال: الإحراز بدار الحرب سبب لإثبات الملك فيما لم يكن مالكًا له. ألا ترى أنَّهم إذا أسروا عبدًا مسلمًا في دارنا ملكوه إذا أحرزوه بدارهم. فيستحيل أنْ يزول ملكه بالإحرازلأنَّ الإحراز لما صار سببًا لإثبات الملك ابتداءً، فأولى أنْ يبقي الملك الثابت كما كان وإلا يَلْزم أنْ يكونَ ما هو المثبِت للملك مزيلًا له، وهو مدفوع بمدةٍ.

стр. 2283

قلنا: ليس هذا كما أخذوا عبدًا في دارنا؛ لأنَّهم لا يملكونه بالأخذ حتَّى يستحق عليهم الإزالة بسبب الاستيلاء؛ وإنَّما يملكونه بالإحراز بخلاف ما نحن فيه؛ فإنَّهم ملكوه بالشراء، فاستحقّ عليهم الإزالة بالبيع ما داموا في دارنا. ولما أدخلوه في دارهم استحق الإزالة أيضًا بإقامة شرط الزوال مقام الإزالة على ما ذكرنا من انتهاءِ عصمة ماله بالإحراز بدار الحرب. وذكر في المبسوط: "فإنْ قيل: بارتفاع الأمان زال صفة الحظْر لا أصل الملك؛ كمن أباح لغيره شيئًا لا يزول أصل ملكه به، فملكه المباح في دار الحرب إبقاءُ ما كان من الملك له لا إثبات ملك له فيه ابتداء. قلنا: ما كان ملكه بعد إسلام العبد في دار الإسلام إلا باعتبار صفة الحَظر، فإنَّه لو لم يكن مستأمنًا لكان العبد المسلم قاهرًا له وكان حرًّا، فإذا زال الحظْر بزوال الأمان زال أصل الملك، أَلا ترى أنَّه في دار الحرب لو قَتَل مولاه، وأخذَ ماله، وخرج إلينا؛ كان حُرًّا، وكان ما خرج به من المال له" (١). قوله: (ولأنَّه أَحرز نفسه بالخروج إلينا) يتَّصل بقوله: (ثمُّ خرج إلينا). وقوله: (أو بالالتحاق) يتَّصِل بقوله: (أو ظُهِر على الدار). وقيَّد بقوله: بالخروج إلينا (مُراغمًا (٢) لمولاه)؛ لأنَّه إذا خرج إلينا غير مراغِم، فهو عبدٌ لمولاه يبيعه الإمام، ويقِف ثمنه للمولى؛ لأنَّه لم يخرج على سبيل التغلُّب، فصار كمال الحربي الذي دخل به مستأمنًا إلى دارنا (٣)؛ كذا في الإيضاح. والله أعلم (٤). باب: المستأمن (٥). لما ذكر مسائل الاستيلاء، والذي هو عبارة عن القَهر والغَلَبة؛ أعقبه باب المستأمِن؛ لأنَّ الاستئمان إنَّما يُحتاج إليه بعد تحقق القَهر والغلبة، فقدَّم استئمان المسلم على استئمان الكافر؛ لأنَّ المسلم هو المقدَّم فكذا ما يتعلق به.

стр. 2284

(والغدر حرام) قال النَّبي ﵊: "لكلّ غادر لواء يركز عند باب استه يوم القيامة يعرف به غدرته" (١). (بخلاف الأسير) فإنَّ الأسرى إذا تمكَّنوا مِن قتل قوم من أَهل الحرب غِيلة (٢)، وأخذ أموالهم من ذلك، "فإنْ فعلوا ذلك، ثم خرجوا إلى دارنا ولا مَنَعة لهم، فكلُّ مَن أخذ شيئًا، فهو له خاصة" (٣)؛ كذا في السِّيَر الكبير في "باب ما يصيبه الأسرى". (فيُباح له التعرُّض، وإنْ أطلقوه طوعًا) لما أنَّه لم يستأمِن صريحًا حتى يكون غادرًا بأخذ أموالهم. (ملكه ملكًا محظورًا) "وإن كانت جارية كرهت للمشتري أَن يطأها؛ لأنَّه قائم فيها مقام البائع، وكان يكره للبائع وطؤُها، فكذلك للمشتري. وهذا بخلاف المشتراة شراءً فاسدًا إذا باعها المشتري جاز للثاني وطؤها بعد الاستبراء؛ لأنَّ الكراهة في حقِّ الأوَّل لبقاء حقِّ البائع في الاسترداد، وقد زال ذلك بالبيع الثاني. وههنا الكراهة لمعنى الغَدر وكونه مأمورًا بردّها عليهم دينًا، وهذا المعنى في حقِّ الثاني كهو في حقِّ الأول" (٤)؛ كذا في المبسوط قبيل "باب المرتدِّين". قوله: (على ما/ بيَّنّاه) إشارة إلى قوله في أوائل "باب استيلاء الكفار": (والمحظور لغيره إذا صلُح سببًا (٥) لكرامة تفوق الملك … ) إلى آخره. [قضاء الدين والغصب بين الحربي والمسلم] (فأدانه حربي أو أدان حربيًا) الإدانة: البيع بالدين، [و] (٦) الاستدانة: الابتياع بالدَّين، وقولهم: ادَّان بتشديد الدال من باب الافتعال، أي: قَبِل الدَّين. والجواب في مسألة الإدانة قول أبي حنيفة ومحمدٍ؛ وعلى قول أبي يوسف القاضي يقضي على المسلم بالدَّين، وقولهما في المسألة مشكِل لالتزام المسلِم أحكامَ الإسلام مطلقًا، فصار (٧) كما لو خَرجا (٨) إلينا مسلمَينِ، غير أنَّ أباحنيفة اعتبر ديانةَ كلِّ واحد منهما عند القَضاء (٩)؛ هذا كلُّه من الفوائد الظهيرية.

стр. 2285

(فلأنَّ القضاء) أي: حكم القاضي. (ولا وقت القضاء على المستأمن؛ لأنَّه ما التزم أحكامَ الإسلام فيما مضى من أفعاله) وكما لا يُقضَى على الحربي، لا يُقضَى على المسلم أيضًا تحقيقًا للتَّسوية. (وأما الغَصْب) فلأنَّ مال كلِّ واحدٍ منهما كان مباحًا وقتَ الغَصْب في حقِّه، فملكُه بالأخذ إلا أنَّ الغاصب إنْ كان هو المسلِم يُفتَى برَدِّ المغصوب على المالك، ولا يُقضَى عليه؛ لأنَّه لما دخَل دارهم بأَمان التزم أنْ لا يغدِر بهم، وفي أخذ مالهم على هذا الوجه غَدر وخيانة، فيُؤمَر بالردِّ ديانةً. وكذلك لو فعلا ذلك وهما حَربيانِ ثُمَّ خرجا مسلمَين أو مستأمِنَينِ، فهذا والفصل الأَّول سواء (١)؛ كذا ذَكَره الإمام قاضي خان. (صار ملكًا للذي غَصَبه) أي (٢): سواء كان الغاصب كافرًا في دار الحرب أو مسلِمًا مستأمنًا فيها. (على ما بيَّنَّاه)، أمَّا غصب الكافر فقد ذكر في مسألة الاستيلاء بقوله: (وَلنا أنَّ الاستيلاء ورد على مال مباح … ) إلى آخره. وأمَّا غصب المسلم ففيما إذا دخل الواحد أو الاثنان مُغيرين بغير إذن الإمام، فأخذوا شيئًا، فإنَّهم يملكونه. (المداينة) (جيزي (٣) بفام بكسي فروختن (٤)، فلمَّا كانت المداينة بمعنى الإدانة التي ذكرنا، ذكر المداينة مقامَ الإدانة، إذ هذه تتميم تلك المسألة. (فغصب حربيًا) أي: مال حربي (ثم خرجا (٥) مسلمَين أمر بردِّ الغصب، ولم يقض عليه)، وهذا الجواب غير مختصّ بخروجهما مسلمَين، فإنَّ الحربي إذا خرج مستأمنًا فغَصب (٦) مع المسلم الذي دخل دار الحرب مستأمِنًا، وقد كان غَصَب المسلم في دار الحرب، فالحكم كذلك على ما ذكرنا من رواية الإمام قاضي خان. [قتل المسلم صاحبه في دار الحرب] (وإذا دخل مسلمانِ … ) إلى أنْ قال (فعلى القاتل الدية في ماله) (٧)؛ أَي: في العمد والخطأ. هكذا ذكر من غير خلاف في عامّة النُّسخ من شروح الجامع الصغير. وذَكَر الإمام قاضي خان هذه المسألة في الجامع الصغير، وجعَل هذا الحكم قول أبي حنيفة ثم قال (٨): وقال أبو يوسف ومحمد: عليه القصاص في العَمد. لهما أنَّه قَتَل شخصًا معصومًا ليس من أهل دار الحرب، فيجِب ما يجب بقَتله في دار الإسلام. ولأبي حنيفة أنَّه تكثير سوادهم من وجه، ولو كان مكثِرًا سوادَهم مِن كل وجه بأنْ كان متوطِّنًا هناك لا يكون معصومًا. فإذا كان مكثَّرًا من وجه تمكنت الشُّبهة في قيام العِصمة، فلا يجب القصاص (٩).

стр. 2286

وذكر الإمام الأجلُّ شمس الأئمة السرخسي هذه المسألة في الجامع الصغير، ثم قال: ورَوى أصحابُ الإملاء عن أبي يوسف قال: القِصاص في العمد (١) لأنَّ بدخول المسلم في دار الحرب لا ينتقِض إحرازه نفسه بدار الإسلام، فالمسلم من أهل دار الإسلام حيث ما يكون، والقصاص مَحض حق الولي ينفرد باستيفائه من غير حاجة فيه إلى ولاية الإمام، فلا فرق حينئذٍ بين الدارين. وَجْه ظاهر الرِّواية أنَّ الإحراز باقٍ، ولكن دار الحرب دار إباحة الدم، فيصير ذلك شبهة مُسقِطة للعقوبة (٢)؛ لأنَّ مجرَّد صورة الإباحة تَكفي لإسقاط العقوبة، وإنْ لم تَثبت حقيقةً كمَن يقول لغيره: اقتلني فيقتله. (أما الكفارة فلإطلاق الكتاب (٣) وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. (على ما بيَّنَّاه) وهو قوله: (لأنَّ العصمة الثَّابتة بالإحراز بدار الإسلام لا تبطل بعارض الدخول بالأمان)، لما قلنا، وهو قوله: (لأنَّ العواقل (٤) لا تعقل العمد؛ ولأبي حنيفة أنَّ بالأسر صار تبعًا لهم) فكان أهل الحرب الأصول، والأصول غير معصومين، فكذلك ما كان تبعًا لهم. (وصار كالمسلم الذي لم يهاجِر إلينا)، فليس في قتله إلا الكفَّارة (٥)، وفي الخطأ، فكذلك ههنا بجامع أنَّ كلَّ واحدٍ منهما تَبَع لأهل الدَّار بالتوطُّن، وبكونهما مقهورَينِ لهم بخلاف المستأمن؛ لأنَّه تمكَّن (٦) من الخروج إلى دار الإسلام، ولا يكون تبعًا لهم، فلا يبطل العصمة (٧)؛ إلى هذا أشار الإمام قاضي/ خان، والله أعلم.

стр. 2287

فصل: " والعَيْنُ: الديدبان، والجاسوس" (١) "والعَوْنُ: الظهيرة على الأمر، والجمع الأعْوانُ" (٢). "الميرَةُ: الطّعام يَمْتارهُ الإنسان؛ وقد مارَ أهلَه يَميرُهُمْ مَيْرًا" (٣). "والجَلَبُ والأجلاب: الذين يجلبون الإبل والغَنَم للبيع" (٤)؛ كذا في الصِّحاح. وذكر في المغرب"جَلَبَ الشَّيْءَ: جَاءَ بِهِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ لِلتِّجَارَةِ جَلْبًا؛ وَالْجَلَبُ الْمَجْلُوبُ؛ وَمِنْهُ: "نَهَى عَنْ تَلَقِّي الْجَلَبِ" " (٥). (بعد تقدُّم الإمام إليه) "يُقَالُ تَقَدَّمَ إلَيْهِ الْأَمِيرُ بِكَذَا أَوْ فِي كَذَا إذَا أَمَرَهُ بِهِ" (٦)؛ كذا في المغرب. [حكم الحربي المستأمن في دار الإسلام] قوله: (لأنَّه لما أَقام (٧) سَنَة بعد تقدُّم الإمام إليه، صار ملتزمًا الجزية فيصير ذِمِّيًا)، ولفظ المبسوط يدُلُّ على أنَّ تقدُّم الإمام ليس بشرط لصيرورة الحربي المستأمن ذمِّيًا عند إقامتِه تمام السنة في دار الإسلام، بل يصير ذمِّيًا إذا أقام سَنَة فيها، وإنْ لم يتقدَّم إليه الإمام بقوله: إنْ أقمتَ تمَام السَّنة وضعتُ عليكَ الجزية؛ فإنه قال في المبسوط: "وينبغي للإمام أنْ يتقدَّم إليه ويأمُرَه بالخروج إلى دار الحرب على سبيل الإنذار والإعذار. وفي التقدُّم إليه إنْ بيَّن مدة فقال: إنْ خرجتَ إلى وقتِ كذا … وإلَّا جعلتُك ذِمِّيا، فإنْ خَرجَ إلى ذلك الوقت ترَكَه ليذهب. وإنْ لم يخرُج لم يمكِّنه من الخروج بعد ذلك وجعَلَه ذمِّيًالأنَّ مقامَه بعد التقدُّم إليه حتَّى مضَت المدَّة رضا مِنه بالمقام في دارنا على التأبيد. وإنْلم يقدِّر له مُدَّة فالمعتبر هو الحول، فإذا أقام في دارنا بعد ذلك حولًا لا يمكِّنه من الخروج؛ لأنَّ هذا لإبلاء العذر، والحَول لذلك حَسَن، كما في أجل العِنّين" (٨). ولم يقدِّر الإمام قاضي خان بشيء من المدَّة وقال: ينبغي للإمام أنْ يتقدَّم إليه في أوانِ ما دخل، ويضرب له مدَّةً على قَدر ما يرى (٩).

стр. 2288

(لِما قُلْنا) وهو قوله: (لأنَّه لمَّا أقام سَنَة بعد تقدُّم الإمام إليه صار ملتزمًا الجزية). وَذكر الإمام قاضي خان ﵀: فإذا مَضت سَنَة بعد مُضيِّ المدّة المضروبة كان عليه الخراجلأنَّه إنَّما صار ذمِّيًا بمجاوزة المدّة المضروبة، فيُعتبر الحول بعدما صار ذميًا إلا أنْ يكونَ شَرَط عليه أنَّه إذا جاوز السَّنة يأخذ منه الخراج، فحينئذٍ يأخذه منه، وَإذا (١) وضع عليه الخراج فهو ذمي. وكذلك لو لَزِمه عَشْرٌ في قياس قول محمد بأن اشترى أرضًا عشرية (٢) لأنَّهما جميعًا من مُؤَن الأرض (٣)؛ كذا ذكره فخر الإسلام. (لأنَّ خراج الأرض بمنزلة خراج الرَّأس) لأنَّ كلًّا منهما مِن أحكام دارنا، فلمَّا رَضِي بوجوب الخراج عليه رضي بأنْ يكونَ من أهل ديارنا (٤). (فتعتبر المُدَّة مِن وَقت وجوبه) أَي: وجوب الخراج. وقوله: (في الكتاب: فإذا وضع عليه الخراج فهو ذِمي، تصريح بشرط الوضع (٥) أي: في جَعلِه ذمِّيًا، ومن المشايخ من قال: يصير ذمِّيًا بنفس الشِّراءلأنَّه لما اشترى أرض خراجٍ، وحكم الشَّرع فيها وجوب الخراج، صار ملتزِمًا حكمًا من أحكام الإسلام؛ كذا ذكره الإمام قاضي خان (٦). وذكر في الفوائد الظّهيرية: والمراد مِن وضْع الخراج: التزام خَراج الأرض بمباشرة سَبَبه، وهو الزِّراعة، أو تعطيلها عنها مَع التمكُّن منها، وهو الصَّحيح. فدلَّت (٧) المسألة على أنَّه لا يصير ذمِّيًا بنفس الشراء (٨).

стр. 2289

وذكر في المبسوط: "وإنْ اشترى الحربي المستأمِن أرضَ خراج فزرعها، يوضَع عليه خراج الأرض والرَّأس. أمَّا خراج الأرض فإنَّه مُؤْنة الأرض النَّامية، وقد تقرَّر ذلك في حقِّه حين استَغَلَّ الأرض، ثم بالْتزام خراج الأرض صار راضيًا بالتزام أحكام دار الإسلام، فيكون بمنزلة الذِّمِّي؛ لأنَّ الذمِّي ملتزِم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات، والالتزام تارة يكون نصًا وتارة يكون دلالة" (١). (فيَتخرَّج عليه) على بناء الفاعل (أحكامٌ جمَّة)، وهي المنع من الخروج إلى دار الحرب، وجَريانُ القِصاص بينه وبين المسلم، ووجوبُ الضَّمان في إتلاف خَمْرِه وخنزيره، ووجوب الدِّية لقتْله خطًا. وهذه الأحكام إنَّما (٢) تثبُت بَعد كونِه ذمِّيًا لا قبله، وبوضْع الخراج يكون ذمِّيًا، فكذلك يجب أنْ لا يُغفل عن شرط الوضع. [زواج الحربية من الذمي] والضمير في (عنه) في قوله (فلا يغفل عنه (٣) راجع إلى شرط الوضع. (فَتزوَّجت ذمِّيًا صارت ذمية) فيُجرى عليها أحكام أهل الذِّمَّة من وضع الخراج في أرضها، ومنع الخروج إلى دار الحرْب وغيرهما. (لأنَّ حكم الأمان باقٍ في ماله (٤) فيُردُّ عليه أو على (٥) وَرَثتِه) لأنَّ يدَالْمُودِعِ كيد الْمُودَعِ، فلمَّا لم يصِرْ/ نفس المودَع وماله مغنومًا ما لم تصِر وديعته مغنومة أيضًا تبعًا للمودَع لِما أنَّ يد الْمُودِعِ كيده. فإنْ قيل: ينبغي أنْ يصير فَيئًا كما إذا أسلم الحربي في دار الإسلام وله وديعةٌ عند مسلم في دار الحرب، ثم ظُهِر على دار الحرب يكون فيئًا، فلا يكون يد المُودَع كيد المُودِع في تلك المسألة. قلنا: يد المُودَع كيد المالك من وجه دون وجه، والعصمة ما كانت ثابتة في تلك المسألة لِما أنَّ دار الحرب لَيست بدار عصمة؛ فلا (٦) تصير معصومةً بالشَّك. وأمّا ههنا العصمة كانت ثابتة وقت الإيداع، ولم يُظهَر على دار الحرب، فكانت العصمة باقيةً كما كانت إذ دار الإسلام دار العصمة (٧)؛ إلى هذا أشار الإمام قاضي خان.

стр. 2290

[ما أخذ من أموال أهل الحرب بدون قتال] وجَفَ (١) الفرس أو البعير: غدا، وجيفًا، وأوجَفَه صاحبه إيجافًا. وقوله: (وما أوجف المسلمون عليه) أي: أعملوا خيلهم وركابهم في تحصيله، " (وَالْجَلَاءُ) بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ، الْخُرُوجُ عَنْ الْوَطَنِ وَالْإِخْرَاجُ، يُقَالُ: جَلَا السُّلْطَانُ الْقَوْمَ عَنْ أَوْطَانِهِمْ وَأَجَلَاهُمْ فَجَلَوْا وَأَجْلَوْا أَيْ: أَخْرَجَهُمْ فَخَرَجُوا، كِلَاهُمَا يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى"؛ (٢) كذا في المغرب. قوله: (والجزيةِ) بالجرِّ عطفًا على قوله: (الأراضي) (أي: هو مثل الأراضي التي أجلوا أهلها)، ومثل الجزية. (وقال الشّافعي فيهما (٣) أي: في الأراضي التي أَجلوا أهلَها عنها وفي الجزية. وفي بعض النُّسخ "فيها" أَي: في الثَّلاثة وهي الأراضي؛ والجزية؛ والخراج. (ولأنَّه مال مأخوذٌ) أَي: ولأنَّ ما أَوْجف المسلمون عليه مِن المالِ مالٌ مأخوذٌ بقوَّة المسلمين، (مِن غير قتالٍ) بل بوقوعِ الرُّعب في قلوب الكفَّار من قوَّة المسلمين. (بخلاف الغَنيمة) فإنَّها مأخوذةٌ بِسبَبَينِ وهما: (مباشرة الغازي) القَتْل (٤) (وقوَّة المسلمين). فلمَّا استُحِقَّ ما أَوجف المسلمون عليه بسبِبٍ واحد، وهو الرُّعب بقوة المسلمين، كانت جهته واحدةً، ولم يتبعَّض استحقاقُه لذلك، كما في مال الزكاة والعُشر، فلم يصِحَّ حينئذٍ اعتباره بالغنيمة. (فاستحق الخُمُس بمعنىً)، وهو الرُّعب بقوَّة المسلمين، (واستحقَّه الغانمون بمعنىً) وهو مباشرة القتال. (وفي هذا) أي: فيما أَوجَف المسلمون عليه (السَّبب) بالرفعُ على الابتداء واحدٌخبرُهُ (٥) وهو الرُّعب من قوَّة المسلمين.

стр. 2291

(وهو ما ذكرنا) وهو قوله: (ولأنَّه مالٌ مأخوذٌ بقوَّة المسلمين لما قلنا من قَبْل) أي: في "باب الغنائم وقسمتها" وهو قوله: (وزوجتُه فَيء لأنَّها كافرةٌ حَربية لا تَتْبعه في الإسلام) وكذا حَمْلها فَيء؛ لأنَّه جزؤُها منها فيُرَقّ بِرقِّها. (وما كان من مال أودَعَه مسلمًا أو ذمّيًا: فهو له) وإنَّما قيّد بالإيداعلأنَّه إذا كان غَصبًا في أيديهما يكون فَيئًا لعَدَم النِّيابة. وعند أبي يوسف ومحمدٍ يجب أنْ لا يكون فيئًا إلَّا ما كان غَصبًا عند حَربي على قياس الفَصل الثالث، وهو أنْ يُسلِم الحربي في دار الحرب فَلَم يخرج حتَّى ظُهِر على الدَّار؛ فالجواب (١) أنَّما كان وديعةً عند حربي أو غصبًا عند مسلم أو ذمِّي أو ضائعًا، فهو فَيء عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يكون فَيئًا (٢)؛ كذا في الجامع الصَّغير لفخر الإسلام، وقد ذكرناه بـ"باب (٣) الغنائم". (لكونه مستجْلَبًا للكَرامة) لأنَّ العصمة تَثبتُ نعمةً وكرامةً، فيتعلَّق بماله أَثَر في استحقاق الكرامات، وهو الإسلام، إذ به يحصل السَّعادة الأبديَّة، لا بالدَّار التي هي جماد، فلا أَثَر لها في استحقاق الكَرامة. (لِحصول أصلِ الزَّجر بها (٤) أَي: لوجوب الزَّجر الَّذي هو الكفَّارة بالعصمة المؤثِّمة بالاتِّفاق (٥). (والمقوّمة كمال (٦) فيه) أي: في أصل العصمة، وذلك لأنَّه إذا وَجَب الإثم والمال كان ذلك أكملَ وأتمَّ مِن الذي وَجَب فيه الإثمُ دون المال، فكانت العصمة المقوَّمة وصفًا زائدًا على أصل العِصمة الَّتي هي المؤثمة. (فتتعلَّق بما علّق به الأصل) أي: تُعلّق العِصمة المقوّمة كما (٧) عُلّق به العصمة المؤثِّمة، وهو الإسلام. فلمَّا عُلِّقت المؤثِّمة بالإسلام، فينبغي أْن تُعلَّق العِصمة المقوّمة أيضًا بالإسلام، فيجب الدِّية والكفارة في قَتل الحربي الذي أَسلم في دار الحرب، ولَم يهاِجر إلينا لذلك. (رجوعًا إلى حَرف الفاء) يعني: أنَّ الفاء دخَلت في جزاء الشَّرط، ثمَّ الجزاء إنَّما يكون جزاء للشَّرط أنْ لَو كان كُلُّ الجزاءِ مذكورًالأنَّه لا يكون غير المذكور جزاءً له حتَّى أنَّ الرَّجُل إذا قال لامراته: إنْ دخلتِ الدَّار فَأَنتِ طالق، وعَبدي حُرٌّ كان الجزاء طلاقها، وعِتق عَبده. ولَو لم يَقُل قولَه: وعبدي حُرٌ، لا يكون عِتق العبد الَّذي هو غير مذكور جزاءً له، بل الجزاء ينحصِر على طلاق المرأة، فإنَّ الشرط يعلَّق به الموجود لا المعدوم، كما في التعليق الحسي. فكذلك ههنا/ يتعلَّق بقتل هذا المؤمن الذي لم يهاجِر إلينا ما هو المذكور، والمذكور هو تَحرير الرقبة لا غير، فَيجب أنْ يكون كلُّ الجزاء ذلك أَو رجوعًا إلى (كل المذكور (٨)، ههنا التّحرير لا غير. والموضع موضع الحاجة إلى البيانلأنَّه شرع في بيان الواجِب واقتصر بذكر التّحرير، فعُلِم به أنَّ الواجب هو التَّحرير لا غير، إذ السُّكوت في موضِع الحاجة إلى البيان بيانٌ؛ فإنَّما هو المذكور كلُّ الواجب وإلا يلزم الإخلال في بيان صاحب الشرع، وهو لا يجوز. وكان شيخي يقول: "بيان الشّارع على نوعين: بيان كفاية وبيان نهاية، فاختار ههنا بيان النهاية (٩) لأنَّه ذكر أولًا حُكم قتل المؤمن الذي في دار الإسلام خطًا بأنَّه الكفارة والدِّية، ثمَّ قتل المؤمن الذي لم يهاجِر إلينا كحُكْمِهما، فَذكر فيه الكفارة دون الدِّية، ثم ذَكَر قَتل الذِّمي، وأوجب فيه الكفارة والدِّية فلو كان حكم المؤمن الذي لم يهاجر إلينا كحُكْمهما (١٠) لما ذَكَر حكمَه على خلاف حكمِهما في الموضع الذي اختار بيان النهاية".

стр. 2292

إلى هذا أشار أيضًا في الإيضاح، وقال: فهذه (١) الآية سيقت (٢) لبيان أنواع القتل وموجباته، فذكر قتل المسلم في دار الإسلام وأَوجب بقتله الدِّية والكفَّارة، وذكر قتل الذِّمي وأوجب فيه الدِّية والكفَّارة، وذَكر المسلم الذي لم يهاجِر إلينا وأوجَب بقتله الكفَّارة، ولم يوجِب الدَّية، فدَلَّ على انعدام الوجوب؛ لأنَّ الآية سيقت (٣) لبيان الحكم الواجب؛ فمتى جعلنا الدِّية واجبةولا ذِكر لها في الكتاب، كَان قاصرًا في البيان، وإنَّه لا يجوز. والفقه فيه أنَّ الأصل في التقوُّم غير الآدمي، والآدمي في هذا المعنى ملحَق بالأموال بخلاف العصمة؛ فإنَّ العصمة إنَّما تثبت للآدمي بطريق الأصالة، والأموال تابعةٌ لهلأنَّ معنى الجَبر يتحقَّق في الأموال دون النُّفوس، فصارت النُّفوس ملحَقةً بها في التقوُّم. وإذا كان كذلك، والتقوُّم للأموال إنَّما يثبت بالإحراز لأنَّ التقوُّم يبنى عن خطر المحل والخطر إنما يثبت إذا كان ممنوعًا عن الأخذ، فأمَّا إذا كانت الأيدي تصِل إليه مِن غير منازعة لم يكن خطيرًا كالماء والتراب، فعلَّقنا التقوُّم بالإحراز بمنعه، وأسقطْنا حكم الإحراز بمنعِه أهل الحرب بالشرعلأن الشَّرع سلَّطَنا على إبطالها، فلم (٤) يَثبت التقوُّم بالإحراز (٥)، قلنا: الإحراز لم يوجد ههنا فلا يثبت التقوُّم. فأمَّا الإسلام فلا يؤثِّر في إفادة العِصمة المقوِّمةلأنَّ الدِّين ما وضع لاكتساب الدُّنيا وإنَّما وضع لاكتساب الآخرة، وأمَّا الكفارة فتَجِب بالنصَّ (٦). قوله: (والقيامبها) أَي: بأعباء التَّكاليف (٧) أي: بأثقاله (٨) جمع عِبء، بالكسر، وهو الحَمل. فهذا يقتضي (٩) أنْ يكون الآدمي مُحَرَّم التعرُّض إذ لو لم يكن مُحَرَّم التَّعرض لا يتمَكَّن من إقامة التّكليف، (والأموال تابعة لها) أي: للنَّفس الَّتي تثبت العِصمة المؤثمة فيها.

стр. 2293

(لأن التَّقَوُّمَ يُؤذِن بجبر الفائت) لأنَّ الفائت في ذوات الأمثال يُجبر بالصُّورة والمعنى، وفي ذوات القِيَم يُجبَر بالمعنى، وهو القيمة، وذلك لا يكون إلا في المال، فكان التَّقَوُّمَ في المال أصلًا، والعصمة المقَوَّمة في الأموال تثبت بالدار، وكذلك في النفوس والمرتدّ، والمستأمِن. هذا جواب شُبهةٍ تَرِدُ على قوله: (ثم العصمة المُقَوَّمة بالإحراز بالدَّار … ) إلى آخره، بأنْ يقال: إنّهما مُحرزان بدار الإسلام ذاتًا، فينبغي أنْ يجِب لهما التَّقَوُّمَ ولم يجب حتَّى أنَّ في قتلهما لا يجب الدِّية مع أنَّهما في دار الإسلام. (ومعنى قوله: للإمام أنّ حقّ الأخذ له) لا أَنْ تكون الدِّية ملكًا له، بل نأخُذها ونضعها في بيت المال. [قتل المسلم عمدًا] (وإنْ كان عمدًا فإنْ شاء الإمام قتلَه) وأَمَّا إذا كان المقْتول لَقيطًا، كان لِلإمام أنْيقتُل قاتلَه في قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف ﵀: ليس له ذلك (١) لأنَّ المولود في دار الإسلام لا يخلو عن الوارث، فَلَو أثبتنا الولايةَ للإمام كان فيه احتمال إثبات الحقِّ لغير صاحب الحقِّ، والقِصاص يمتنع بالشّبهات. ولهما أنَّ الحقَّ إنَّما يثبت للولي بطريق القيام مقامَ الميت نظرًا للميت، والمجهول الذي لا يمكِن الوصول إليه لا يُنتفع به الميت فلا يصلحوليًا (٢)، فكان وجودُه بمنزلة العدم (٣)؛ كذا ذكره الإمام قاضي خان ﵀. قوله: (وهو العامَّة أو السُّلطان). فإنْ قيل: تردُّد من له ولاية القصاصِ يوجب/ سقوط القصاص كما في المكاتَب إذا قُتِل عن وفاء وله وارث. قُلنا: الإمام ههنا نائبٌ عن العامّة فصار كأن (٤) الولي واحدٌ بخلاف مسألة المكاتب، والله أعلم بالصواب (٥). باب: العشر والخراج: لما ذَكر فيما قبل ما يصير الكافر به (٦) ذمِّيًا، ذكر في هذا الباب ما يجِب على الذِّمي من الوظائف المالية، وهو الخراج؛ لكنْ لما ذكر الخراج استدعى ذلك ذِكر العُشر لأنَّ سببها الأرض النَّامية، فكان ذِكر الخراج هو الأصل إلَّا أَنَّه قدَّم ذكر العُشر عليه لأنَّ فيه معنى القُربة، وهو أيضًا من وظائف المسلمين، فكان هو بالتَّقديم (٧) أحقَّ على الخراج.

стр. 2294

اعلم أن العُشر، بضَّم العَين، لغةً: أحد أجزاء العَشَرة. والخراج: اسم لما يَخرج من غلَّة الأرض أو الغلام، ثم سُمي ما يأخذه السلطان خراجًا فيقال: أدَّى فلانٌ خراج أرضه، وأدَّى أهل الذِّمة خراج رؤوسهم، يعني: الجزية (١)؛ كذا في المغرب. وذكر في المبسوط: "والخراج اسم لما هو صِلة قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ [الكهف: ٩٤]، ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [المؤمنون: ٧٢] " (٢). [أرض العشر] (أرض العَرب كلُّها أرض عشر) لا أرض خَراج، وهذا لأنَّ (من شرط الخَراج أن يُقَرّ أهلها على الكفر، ومشركو العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السَّيف) (٣) لقوله ﵊: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" (٤)؛ فلمَّا لم يجُز وضعُ الخراج على أراضيهم كان ما وضع عليها العُشر. وفي كتاب العُشر والخراج ذَكَر أبو يوسف في الأمالي (٥): حدود أرض العَرب ما وراء حدود الكوفة إلى أقصى صخر (٦) باليمن (٧)، وهو مهرة (٨).

стр. 2295

وفي شرح القدوري قال الكرخي: أَرض العَرب كلُّها عُشرية، وهي أَرض الحِجاز وتُهامة واليمن ومكَّة والطائف (١) والبرية: يعني البادية، وقد ظَهر أنَّ من روى إلى أقصى حجْر باليمن، بسكون الجيم، وفسره بالجانب، فقد حرَّف لوقوع صخر موقعه. [أرض الخراج] " (والسواد) أي: أراضي سواد العراق" (٢)، وبه صرَّح الإمام التمرتاشي. يقال: سواد الكوفة والبصرة أي: قُراهما. "وَسُمِّيَ (سَوَادَ الْعِرَاقِ) لِخُضْرَةِ أَشْجَارِهِ وَزُرُوعِهِ" (٣). " (العذيب): ماء لتميم" (٤). (وحلوان) اسم بلد. " (وَالثَّعْلَبِيَّةُ) مِنْ مَنَازِلِ الْبَادِيَةِ وَوَضْعُهَا مَوْضِعَ الْعَلْثِ فِي حُدُود السَّوَاد خَطَأٌ" (٥). " (الْعَلْثُ) -بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُون اللَّام-: قَرْيَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْعَلَوِيَّة وَهِيَ أَوَّلُ الْعِرَاقِ شَرْقِيَّ دِجْلَةَ" (٦). " (عَبَّادَانُ) حِصْنٌ صَغِيرٌ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ" (٧)؛ كذا في الصحاح والمغرب. وقوله: (ما بين العذيب إلى عقبة حلوان) هذا عرضه، وقوله: (ومن الثعلبية إلى عبادان) (٨) هذا طوله؛ إلى هذا أشار الإمام التمرتاشي. والخراج أليَق به، لأنَّ في الخراج معنى العقوبة، ولأنَّ فيه تغليظًا حتَّى أنَّه يجب وإنْ لم يزرع، والكافر أليَق بالعقوبة، ومكَّة مخصوصة من هذا. "وكان ينبغي في القياس أن تكون أرض مكَّة أرض خراج؛ لأن رسول الله ﷺ فتحها عنوة وقهرًا (٩)، ولكنَّه لم يوظِّف عليها الخراج، فكما لا رقَّ على العَرب لا خَراج على أرضهم" (١٠)؛ كذا في "زكاة" المبسوط. (وفي الجامع الصَّغير (١١) … ) إلى قوله: (فهي أرض خراج) (١٢) أي: سواءً قُسّم بين الغانمين أو أُقِرَّ أهلها.

стр. 2296

ثم اعلم أنَّ خراج الأراضي على نوعين: خراج مُقَاسمة: وهو أنْ يكونَ الواجب شيئًا من الخارج نحو الخُمُس والسُّدُسوما أشبه ذلك. وخراج وظيفة: وهو أنْ يكون الوَاجب شيئًا في الذِّمة يتعلَّق بالتمكُّن من الانتفاع (١) بالأرض في كلِّ جَريب (٢) يصلح للزِّراعة في كل سنة قفيز (٣) من الحنطة (٤) أو الشّعير (٥) ودرهم (٦)؛ كذا في فتاوى قاضي خان. [حكم ما أُحييَ من أرض الموات عشرا أو خراجا] (ومن أحيى مواتًا فهي عند أبي يوسف معتبرة بحيزها). هذا الإطلاق محمُولٌ على المقيَّد وهو ما إذا كان المحيي مسلِمًا، وأمَّا إذا كان المحيي ذمِّيًا فعليه الخراج. (وإن كانت من حيز أرض العُشر) (٧) إلى هذا أشار في "زكاة" المبسوط. وذكر الإمام قاضي خان في الجامع الصغير: وليس على المجوس في داره شيئًا؛ عليه إجماع الصحابة. فإنْ جعَلَها بستانًا ففيه الخراج سواء سقاها بماء العُشر أو بماء الخراج، لأنَّ في (٨) العُشر معنى العِبادة فلا يمكن إيجابها على الكافر (٩). قوله: (وإن كانت من حيز أرض الخراج فهي خَراجية). [لوح ٤٩٦/ ب] فإنْ قيل: هذه المسألة موضوعة في المسلِم، وقد ذكر محمد في سِيَر الزيادات (١٠) أنَّ المسلِملا يبتدئُ بتوظيف الخراج (١١)؛ فإنَّما (١٢) قال شمس الأئمة السرخسي: معنى هذا أنَّه لا يبتدئ بتوظيف الخراج عليه إنْ (١٣) لم يكن منه صنيع (١٤) يستدعي ذلك، وهو السَّقي من ماء الخراج، إذ الخراج/ يجب جزاءً للمقاتَلة، فيختصُّ وجوب الخراج بما يُسقى بماء حَمَتْه المقاتلة، والماء الذي حَمَته المقاتلة ماء الخراج، فلهذا يجب الخراج إذا سقاه بماء الخراج (١٥)؛ كذا في الفوائد الظهيرية.

стр. 2297

(والبصرة (١) عنده عشرية) هذا جواب لإشكال يرِدُ على مذهب أبي يوسف، وهو أنّ ما يكون (٢) مِن حَيِّز الأرض الخراجية فهو خراجي، وَالبصرة من حَيِّز الأرض الخراجية، ومع ذلك إنَّها عُشرية، فقال: ذلك حكم يثبت بإجماع الصَّحابة (٣) بخلاف القياس (٤). (كفناء الدَّار يعطى له حكم الدار) في حقِّ الانتفاع؛ يعني: وإنْ كان ذلك الفناء غَير مملوك له يجوز له الانتفاع به، لاتصاله بملكِه أُعطي له حكم الملك في حقِّ لانتفاع، فكذلك ههنا أعطي لهذه الأرض المحياة حكم جوازها لاتصالها به. وذَكر في باب ما يُحدثه الرَّجل في الطريق من "كتاب الجنايات" من الكتاب، "إذا قال المستأجِر للأُجراء: هذا فنائي، وليس له فيه حقُّ الحفر فحفَروا، فمات فيه إنسان فالضَّمان على الأُجراء قياسًالأنَّهم علموا بفساد الأمر فما غرَّهم. وفي الاستحسان الضَّمان على المستأجرلأنَّ كونَه فناءً له بمنزلةِ كونه مملوكًا له لانطلاق يده في التّصرف فيه من إلقاء الطِّين، والحطب، وربط الدابة، والركوب، وبناء الدكّان" (٥). وبهذا يُعلم أنَّ فِناء الدَّار في إطلاق التصرُّف لصاحب الدَّار، وإنْ لم يكن الفِناء ملكًا له بمنزلة الملك فيه. وذكر في المبسوط: أَلا ترى أنَّ ما يقرُب من القرية في حقِّ الانتفاع، ومَنْع الإحياء بمنزلة فِناء الدَّار (٦)، ولفظ المنع مِن الإحياء إنَّما يُذكر فيما إذا كان يصلُح للإنتفاع للعامة، وهو ليس مملوكًا لأحدٍ. وأمَّا في حقِّ المملوك فلا يستقيم ذكر المنع من الإحياء لأنَّ المنع إنَّما يتحقَّق فيما يتصوَّر فيه الإحياء لكن مَنَع لمانع.

стр. 2298

وقوله: (وكذا لا يجوز أخذ ما قرُب) وفي نسخة "إحياءُ ما قرُب" كما هو لفظ المبسوط، والمراد من الأخذ الإحياء أيضًا. نَهر الملك (١): على طريق الكوفة من بغداد. يزدجرد (٢): ملك من ملوك العجم. الجريب (٣): أرض طولها ستون ذراعًا، وعرضها ستون ذراعًا، بذراع الملك كسرى، يزيد هو على ذراع العامَّة بقبضة (٤)؛ كذا ذكره الإمام التمرتاشي في "زكاة" الجامع الصغير. وذكر في المغرب: "الذِّرَاعُ الْمُكَسَّرَةُ سِتُّ قَبَضَاتٍ وَهِيَ ذِرَاعُ الْعَامَّةِ وَإِنَّمَا وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا نَقَصَتْ عَنْ ذِرَاعِ الْمَلِكِ بِقَبْضَةٍ وَكَانَتْ ذِرَاعُهُ سَبْعَ قَبَضَاتٍ" (٥)، وقفيز هاشمي، وقد ذكرناه من فتاوى قاضي خان: إنَّه حنطة أو شعير، ولكنْ ذكر في شرح الطحاوي قفيز مما يزرع فيها (٦). "الرطبة: الإسفست (٧) ومنه حديث حذيفة وابن حنيف (٨) … " إلى آخره (٩) كذا في المغرب.

стр. 2299

(فالكرم (١) أخفُّها مؤنة) وأكثرها ريعًالأنَّه يبقى على الأبد بلا مُؤنة، والمزارع أقلُّها ريعًا وأكثرها مؤنةلأنَّها تحتاج إلى الزِّراعة وإلقاء البَذر في كلِّ عام. (والرُّطاب (٢) بينهما) لأنَّها تبقى أعواما، ولا تدوم دوام الكروم، فكانت مُؤنتها فوق مُؤنة الكرم، ودون مُؤنة المزارع. والوظيفة تتفاوت بتفاوت المؤَن لقوله ﵊: "ما سقته السَّماء ففيه العشر وما سُقي بغَرْب أو دالية ففيه نصف العشر" (٣). (كالزَّعفران والبستان وغيرِه يوضع عليها بحسب الطاقة) أي: أرض الزَّعفران تُلحق بأرض الزَّرع أو الرَّطبة أو الكَرم، وبأيِّها كانت أشبهَ في قَدر الغَلَّة، فهو مبلَغ الطَّاقة كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٤). الاصطلام: الاستئصال؛ أزبن بركردن (٥).

стр. 2300

[الأسباب التي توجب سقوط الخراج] (أو اصطلم الزَّرع آفة فلا خراج عليه) لأنَّه مصاب فيستحقُّ المؤنَة، ولو أخذنا (١) بالخراج كان به استئصاله. وممَّا حمد من سِيَر الأكاسرة (٢) أنَّهم كانوا إذا اصطلَم الزَّرع آفة يردُّون على الدَّهاقين (٣) من خزائنهم ما أنفقوا في الأرض، و [يقولون] (٤) التَّاجر شريك في الخسران كما هو شريك في الربح. فإن لم [نردّ] (٥) عليه شيئًا فلا أقلّ من أن لا [آخذ] (٦) منه الخراج. وهذا بخلاف الأجر، فإنَّه يجب بقَدْر ما كانت الأرض مشغولة بالزَّرع؛ لأنَّ الأجر عِوَض [لوح ٤٩٧/ أ] المنفعة، فبِقَدر ما استوفى من المنفعة يصير الأجر دينًا في ذمّته. فأمَّا الخَراج فصِلَة واجبة بقدر ريع الأراضي، فلا يمكن/ إيجابه بعدما اصطلم الزرع آفةههنا أعطي لهذه الأرض المحياة حكم جوازها لاتصالها به. لأنَّه ظَهَر أنَّه لم يمكن من استغلال الأرض. "فإذا عطَّل أرضه لم يسقُط عنه خراجها لأنَّه هو الذي اختار ترك الاستغلال والانتفاع بها، وقصد بذلك إسقاط حقِّمصارف الخراج، فرُدَّ عليه قصدُهبخلاف العُشر، فالواجب هناك جُزء مِن الخراج. والإيجاب بدون المحلِّ لا يتحقَّق، وههنا الواجب مال في ذمَّته باعتبار تمكُّنه من الانتفاع بالأرض، فلَم ينعدِم ذلك بتعطيله الأرض" (٧)؛ كذا في المبسوط. وذكر في الفوائد الظهيرية الفَرْق بين الأَجر والخراج مع أنَّ وجوب كلِّ واحدٍ منهما متعلِّق بالتمكُّن، هو أنَّ الأجر يجب شيئًا فشيئًا بمقابلة استيفاء المنفَعة، ولا كذلك الخراج؛ لأنَّه لا يجب شيئًا فشيئًا، فيُعتبَر المُكنة في المدَّة التي يحصل فيها الريع. ثم قال: هذا إذا ذهب كلُّ الخارج، أمَّا إذا ذهب بعضُه، فإنْ بقي مقدار الخراج ومثله، بأنْ بقي مقدار دِرهمين وقفيزين يجب الخراجلأنَّه لا يزيد على نِصف الخارج، وإن بقي أقلُّمن مقدار الخراج يجب نِصفه (٨). "قال مشايخنا: ما ذكر في الكتاب أنَّ الخراج يسقط بالاصطلام (٩) محمولٌ على ما إذا لم يبقَ مِن السَّنة مقدار ما يمكن أنْ يُزرع الأرض ثانيًا. أمَّا إذا بقي فلا يسقُط الخراج" (١٠).

стр. 2301

(وإن عطّلها صاحبها فعليه الخَراج) (لأنَّ التمكُّن كان ثابتًا، وهو الذي فوّته)؛ هذا إذا كانت الأرض صالحةً للمزارعة (١)، والمالك مُمَكَّن (٢) مِن الزِّراعة، فلَم يزرَعْها. أمَّا إذا عَجَز المالك عن الزِّراعة باعتبار عَدَم قوته وأسبابه فللإمام أنْ يدفعها إلى غيره مزارعةً (٣)، ويأخذ الخراج من نَصيب المالك، ويمسك البَاقي له، وإنْ شاء آجَرها وأخَذَ ذلك من الأُجرة، وإنْ شاء زرعها بنفقة من بيت المال، فإن لم يتمكَّن ولم يجد مَن يقبل ذلك باعَها وأخذ من ثمنها الخراج، وهذا بلا خلاف (٤). وإن كان هذا نوع حَجر وفيه ضرر، ولكن هذا إلحاق ضرر بواحد للعامة. "وعن أبي يوسف: تُدفع إلى العاجز كفايتُه من بيت المال ليعمل فيها قرضًا، وفي جمع الشَّهيد (٥) باع أرضًا خراجية، فإنْ بقي من السَّنة مقدار ما [يتمكَّن] (٦) المشتري من الزراعة والخراج عليه وإلا فعلى البائع" (٧)؛ كذا ذكره الإمام التمرتاشي. (قالوا من انتقل إلى أخسِّ الأمرين … ) إلى آخره (٨)؛ بأنْ كانتْ الأرض صالحةًللأعلى، وهو الزعفران (٩)، فزَرَع الشَّعير، يجب الزعفران إلَّا أنَّ هذا [مما يُعلم] (١٠) ولا يفتى به.

стр. 2302

قوله: (كيلا (١) يتجرأ الظَّلمة على أخذ أموال النَّاس). فإنْ قيل: كيف يجوز هذا، وهُم، لو أخذوا، كان أخذهم في موضعه لكونه واجبًا؟ قلنا: المعنى من ذلك أنَّا لو أفتينا بذلك يدَّعي كلُّ ظالِم في أرض ليس هذا شأنها، كانت هي قبل هذا يُزرع الزعفران والزّراجين (٢) فيؤخذ منها خَراج الزعفران أو الزّراجين، وهذا منهم طَمَع في غير مطمَع، فيكون هذا ظُلمًا وعدوانًا (٣)؛ كذا في الفوائد الظهيرية. (ومن أسلم من أهل الخراج أخذ منه الخراج على حاله) بخلاف الجزية على ما يجيء. وقال مالك: يسقُط ذلك أيضًا (٤). وكذلك إذا باعها من مسلم، واعتبر خراج الأرض بخراج الرَّأس، فكَما لا يجب على المسلم بعد إسلامه ذلك، فكذلك خراج الأرض. ولكنَّا نقول: الخراج مُؤنة الأرض النَّامية كالعُشر، والمسلم من أهل التزام المؤنَة، وهذا لأنَّه بعد الإسلام لا تُخلَّى أرضُه عن مؤنَة، فإبقاء ما تقدَّر واجبًا أولى لأنَّاإنْ أسقطنا ذلكاحتجْنا إلى إيجاب العُشر بخلاف خراج الرَّأس، وإنَّا لو أسقَطنا ذلك عنه بعد إسلامه لا يحتاج إلى إيجاب مؤنة أخرى عليه.

стр. 2303

قوله: (مِن غير كراهية) احتراز عمَّا يقولهالمتقَشِّفة (١)، فإنَّهم يكرهونه، ويستدلُّون بما رُوي أنَّالنَّبي ﵊ رَأى شيئًا مِن آلات الحراثة فقال: "ما دخل هذا بيت قوم إلا ذلوا" (٢)؛ ظنوا أن المراد الذّل بالتزام الخراج، وليس كذلك، بل المراد أنَّ المسلمين إذا اشتغلوا بالزِّراعة، واتبعوا أذناب البَقَر وقعدوا عن الجهاد كَرَّ (٣) عليهم عدوُّهم فجعلوهم أذلةً. ولكنَّا نستدِلُّ بحديث ابن مسعود (٤) -رحمه الله تعالى- أنَّه كان له أرض خراج بالسَّواد، فكان يؤدِّي فيها الخراج، وكذلك رُوي عن الحسن بن علي (٥)، وأبي هريرة (٦) -رحمهما الله تعالى- (٧).

стр. 2304

ثم معنى الصَّغار في ابتداء وَضْع الخراج دون البقاء، كما أنَّ معنى العُقود في ابتداء الاسترقاق دون البقاء حتَّى إذا أسلم الرَّقيق يبقى رقيقًا بخلاف خراج الرؤوس، فإنّه ذلّ ابتداءً وبقاءً، فلهذا لا يبقى بعد الإسلام (١)؛ كذا في المبسوط. (في محلين بِسبَبَين مختلفَينِ) أي: في مَحلّين مختلفين بِسببَين مختلفين، وكذلك بمصرفَين مختلفين. أمَّا اختلاف المحلَّ، فإنَّ الخراج في ذمَّة المالك، والعُشر في الخارج. وأمَّا اختلاف السَّبب، فإنَّ سبب الخراج الأرض النَّامية تقديرًا، وسبب العُشر الأرض النَّامية تحقيقًا. وأمَّا اختلاف المصرِف، فإنَّ الخراج مصروف إلى المُقَاتِلَة، والعُشر مصروف إلى الفقراء. (والوصفان لا يجتمعان) فإنَّ بينهما تنافيًالأنَّ الطَّوع ضِدّ الكُره الحاصل مِن القهر، فلمَّا لم يجتمِع السَّببان لم يثبت الحُكمان، ولهذا يُضافان إلى الأرض، فيقال: عُشر الأرض وخراج الأرض. (وعلىهذا الخلاف الزَّكاة مع أحدِهما) أي: يجب العُّشر أو الخراج عندنا، ولا يجب الزَّكاة، صورته: "وإذا اشترى أرضَ عُشر أو خراج للتِّجارة لم يكن عليه زكاةُ التِّجارة عندنا. وعند محمدٍ -رحمه الله تعالى- أنَّ عليه زكاة التِّجارة مع العُشر والخراج، وهو قول الشَّافعي (٢) -رحمه الله تعالى-. ووجهه: أنَّ العُشر محلُّه الخارج، والزَّكاة محلُّها عَين مال التجارة، وهو الأرض فلَم يجتمعا في محلٍّ واحد، فوجوب أحدهما لا يمنع وجوب الآخر، كالدَّين مع العشر. وجه ظَّاهر الرِّواية أنَّ العُشر والخراج مُؤنَة الأرض النَّامية. ألا ترى أنَّه يقال: عُشر الأرض وخراج الأرض، وكذلك الَّزكاة وظيفة المال النَّامي وهي الأرض، فكُلُّ واحد منهما يجب حقًّا لله تعالى، فلا يجب بسبب ملك مالٍ واحدٍ حقَّانِ لله تعالى، كما لا تَجب زكاة السَّائمة، وزكاة التِّجارة باعتبار مالٍ واحد. وإذا ثبت أنَّه لا وجه للجمْع بينهماقلنا: العُشر والخراج صار وظيفةً لازمةً لهذه الأرض لا يسقط بإسقاط المالك، وهو أَسبق ثبوتا من زكاة التِّجارة التي كان وجوبها بِنِيتِه، فلهذا بَقِيَت عُشرية وخراجية كما كانت" (٣)؛ كذا في المبسوط. وقوله (٤) في المبسوط: وكلُّ واحدٍ منهما يجِب حقًا لله تعالى؛ خرج الجواب عن وجوب الدَّين مع العُشر، فإنَّ الدَّين يجب للعَبد، والعُشر لله تعالى، فلا تنافي بينهما فيجبانِ، وإنْ كان بسبب ملك واحدٍ (لأنَّ عمر ﵁ لم يوظِّفه مكرَّرًا)، ولأنَّ ريع عامَّة الأراضي في السَّنة يكون مرَّة واحدةً؛ وإنَّما يُبنى الحكم على العامِّ الغالب (٥)؛ كذا في المبسوط، والله أعلم بالصواب (٦).

стр. 2305

باب: الجزية (١): لما ذكر خراج الأراضي ذكر في هذا الباب خراج الرؤوس، وهو الجزية، إلا أنَّه قد قدَّم الأوَّل لأنَّ العُشر يشاركه في سببه، وفي العشر معنى القُربة، وبيان القُرُبات مقدَّم. الجزية: اسم لما يؤخذ من أهل الذمة، والجمع: الِجزَى (٢)، مثل اللِّحية واللِّحَى. وإنَّما سميت بها لأنَّها تُجزيء عن الذِّمِّي أي: تَقضي (٣) وتكفي عن القتل، فإنَّه إذا قَبِلها يسقط عنه القتل. "أما خراج الرؤوس ثابت بالكتاب والسنة. أمَّا الكتاب: فقوله : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. وأمَّا السُّنة: ما روي "أنَّ النَّبي ﷺ أَخَذ الجِزية مِن مجوس هَجَر (٤) "، (٥) "وأخذ الحُلل من نصارى نجران" (٦)، وكانت جزية، وقال: "سُنُّوا بالمجوس سُنَّة أهل الكتاب" (٧)؛ يعني في أخذ الجزية منهم.

стр. 2306

وقد طعن بعض الملحدين وقالوا: كيف يجوز تقرير الكافر على الشِّرك الَّذي هو أعظم الجرائم بمالٍ يُؤخذ منه؟ ولو جاز ذلك جاز تَقرير الزَّاني على الزِّنى بمالٍ يُؤخذ منه. [لوح ٤٩٨/ أ] والكلام في هذا يرجع إلى الكلام في إثبات الصَّانع، وأنَّه حكيم وإثبات النُّبوة، ثُمَّ نقول: المقصود ليس هو المال، بل الدُّعاء إلى الدِّين بأحسَن الوجوه؛ لأنَّه بعقْد الذِّمة يُترك القِتال أصلًا، ولا يقاتَل من لا يقاتِل ثُمَّ يَسكُن بين المسلمين فَيرى محاسِن الدِّين، ويعِظُه واعِظ، فربّما يُسلم، إلَّا أنَّه إذا سَكَن دارالإسلام، فما دام مُصِرًّا على كُفره لا يخلَّى عن صَغار وعقوبة، وذلك بالجزية الَّتي تُؤخذ منه ليكون ذلك دليلًا على ذلِّ الكافر، وعزِّ المؤمِن. ثُمَّ يأخذ المسلمون/ الجزية منه خَلَفًا عن النُّصرة التي فاتت بإصراره على الكفر لأنَّ مَن هو مِن أهل دار الإسلام فَعَلَيه القيام بنُصرة الدَّار، وأبدانُهم لا تصلُح لهذه النُّصرة؛ لأنَّهم يميلون إلى أهل الدَّار المعادية، فيشوِّشون علينا أهل الحرب، فيؤخذ منهم المال ليصرف إلى الغزاة الذين يقومون بنصرة الدّار. ولهذا يختلف باختلاف حالِه في الغنى والفقر، فإنَّه معتبَر بأصل النُّصرة، والفقير، لو كان مسلمًا، كان ينصُر الدَّار رَاجِلًا، ووسَط الحال كان ينصُر الدار راكبًا، والفائق في الغنى يرْكَب ويُركِب غلامًا، فما كان خَلَفًا عن النُّصرة يتفاوت بتفاوُت الحال أيضًا" (١)؛ كذا في المبسوط. وذكر في الفوائد الظهيرية: اعلم أنَّ أهل الذِّمَّة في حقِّ ما (٢) يجب عليهم أنواعٌ ثلاثة: التَّغلُبي، والنَّجراني مِن النصارى، وسائر أهل الذِّمة. فالتَّغلُبي تؤخذ منه الصَّدقة مضاعفةً اتِّباعًا لعمر ﵁، والنَّجراني تُؤخذ (٣) منه الحُلل اتِّباعًا لرسول الله ﵊. وسائر أهل الذمَّة يؤخذ منهم الِجزى (٤) على المقادير التي ذكرنا (٥) في الكتاب (٦).

стр. 2307

وذكر في الصحاح والمغرب: " (ونجران) بلاد وأهلها نصارى" (١)، "والحلَّة إزار ورِداء، هذا هو المختار، ولا يُسمَّى حلَّة حتَّى يكون ثوبَينِ، وهي مِن الحُلول أو الحَلّ لما بينهما من الفرجة" (٢). (ولأنَّ الموجب هو التراضي) فالموجب لوجوب الجزية في الأصل هو اختيارهم البَقاء على الكُفْر بعد أنْ غُلِبوا، لا التَّراضي، وإنَّما التَّراضي لتعيين ما رَضَوا عليه مِن الأَموال بَعد أنْ وَجبَ عليهم أصل الجزية بِسبَب الذي قُلنا، فصار هذا كوجوب الدِّية بالتَّراضي في القَتل العَمد، فإنَّ القتل عَمدًا غير موجِب للدِّية في أَصلِه، بل هو موجِب للقصاص، لكن للتَّراضي تأثير في العُدول عن القِصاص إلى الدِّية، فكذلك ههنا للتَّراضي تأثير في العدول عن مطلَق وجوبِ الجزية التي يختارها الإمام إلى ما عيَّنوه من المال بالتَّراضي. (وعلى الفقير المعتمل) وَإنَّما قيّد بالاعتمال، وهو الاضطراب في العمل، أي: الاكتساب، لما أنَّه لو لم يعمَل بسبب المرَض لا يجب عليه الجِزية على ما يجيء. وذكر في الإيضاح: ولو مَرِض الذِّمي السَنة كلَّها فلَم يقدِر أنْ يعمَل، وهو موسِر، أنَّه لا يجب عليه خراج رأسِه لما ذكرنا أنَّه يجب على الصَّحيح المعتمل. وكذا إن مرض نِصف السَّنة أو أكثرها، وإنْ صحَّ أكثر السَّنة فعليه خراج رأسه لأنَّ للأكثر حكم الكلِّ. وأمَّا لو ترك العمَل مَع القدرة عليه صار كالمعتمِل (٣)، كمَن قدر على الزِّراعة فلَم يزرَع، يجب عليه الخراج. (من كلّ حالم وحالمة) أي: من كل بالغ وبالغة أو (عدلَه مَعَافرَ) أي: أُوخذ مثل دينار بُردًا مِن هذا الجنس. (ويقال: ثَوْبٌ مَعَافِرِيٌّ) مَنْسُوبٌ إلَى مَعَافِرِ بْنِ مُرٍّ أَخِي تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ ثُمَّ صَارَ لَهُ اسْمًا بِغَيْرِ نِسْبَة (٤)؛ كذا في المغرب. "وذكر في الفوائد الظهيرية: معافر حيٌّ من هَمْدان يُنسب إليه هذا النَّوع من الثياب. وعَدل الشيء -بالفتح-: مثله من خلاف جنسه و-بالكسر- مثله من جنسه" (٥). وهذا لأنَّه وجَب بَدَلًا عن النُّصرة بالنَّفس والمال، ولهذا صُرِفت الجزية إلى أهل الجهاد دون الفقراء والمساكين، ولهذا ضُرِبت الجزية على الصَّالحين للقتال الذين يَلزمهم القتال في سبيل الله لو كانوا مسلمين.

стр. 2308

فإن قيل: هذا لا يجوزلأنَّ القتال فَرض كفاية والجزية فَرض عين. قلنا: إنَّ القتال في الأصل واجب على كلِّ إنسانٍ منَّا لكنَّه وَجَب للذَّب عَن الدَّار وكسر شوكة الكفَّار، فإذا حَصَل ذلك بالبَعْض سقط عن الآخرين، وهذا كالسعي، واجبٌ على كل مسلم إلى صلاة الجمعة، فإنْ حمله إنسانٌ كرهًا إلى المسجد سقط عنه ذلك؛ لأنَّه وَجب لإمكان الجمعة، وقد حصل بدون فِعله، فكذلك الجهاد حتَّى إذا لم يحصل ذلك لزِم على كلِّ إنسان ذلك. "فإن قيل: النُّصرة طاعة لله تعالى، وهذه عُقوبة فَكيف تكون العُقوبة خَلَفًا عن الطاعة؟ قلنا: إنَّ الخَلَفية عن النُّصرة في حقِّ المسلمين لما فيه من زيادة القوَّة للمسلمين، وهم يُثابون على تلك الزِّيادة الحاصلة بسبب أموالهم بمنزلة ما لَو أعاروا دوابَّهم للمسلمين" (١)؛ كذا في الأسرار. [بيان من تؤخذ منهم الجزية] (وما رواه محمول على أنَّه كان صُلحًا) والدَّليل على ذلك أنَّه أمر بالأخذ من النِّساء، والجزية لا تَجب على النساء (٢)؛ كذا في المبسوط. (وتُوضع الجزية على أهل الكتاب) أطلق أهل الكتاب ولم يقيِّد بأنَّهم من الَعجم أو من العَرب ليتناول الفَريقين كلَّهم، فإنَّ وضع الجزية على أهل الكتاب من العرب جائز بخلاف المشركين/ مِن العرب على ما يجيء بيانه، إِنْ شاء الله تعالى. (وعبدة الأوثان من العجم) بالجَرِّ عطفًا (٣) على أهل الكتاب؛ وإنما قيَّد بقوله: (من العجم) احترازًا (٤) عن عبَدة الأوثان من العَرب، فإنَّه لا يوضع عليهم الجزية على (٥) ما ذكر في الكتاب، ثُمَّ قيَّد فيه بأنْ لا يوضع على عَبَدة الأوثان مِن العرب احترازًا (٦) عن أهل الكتاب من العَرَب، فإنَّه يوضع عليهم. (وفيه خلاف الشافعي)، وخلافه فيمن يُوضع عليه الجزية، وفيمَن يسترقّ، فكان خلافُه ههنا في موضِعَينِ. أمَّا فيمن يُوضع ففي عَبَدة الأوثان مِن العَجَم، فعندنا يوضع عليهم الجزية، وعنده لا يوضَع عليهم الجزية، بل يسترقَّون (٧). وأمَّا فيمن يسترقُّ فعندنا لا يسترقُّ مشركوا العرب وعنده يسترقون (٨).

стр. 2309

وفي الأسرار: وقال الشافعي ﵀ لا تُقبل الجزية إلَّا من أهل الكتاب، ويسترقُّ مشركوا العَرب والعَجم جميعًا (١). (إذ كلُّ واحدٍ منهما) أي: مِن الإسترقاق وضرب الجزية؛ فإنَّهما يتساويان فيجريان مجرىً واحدًا، فإنَّ الاسترقاق سَلْب النَّفس معنىً، وكذا أخذ الجزية؛ لأنَّه يعمل (٢) ويؤدِّي ما يكتسِب إلى المسلمين، فكلُّ مَن (٣) جاز إبقاؤه للاسترقاق، جاز إبقاؤه لأخْذ الجِزية (٤)؛ كذا في الإيضاح. ولا يلزم على هذا استرقاق الصِّبيان؛ لأنَّهم صاروا أتباعًا لأصولهم في الكْفر فلزمهم حكم الأصول أيضًا (٥)؛ كذا في الأسرار. فإن قيل: الجزية ليست بمساوية للاسترقاق، ألا ترى أنَّ المرأة تُسترقُّ، ولا يجوز ضرب الجزية عليها؟ قلنا: امتناع ضرب الجزية عليها لمانع لا يدلُّ على عَدم مساواتهما (٦). والجزية مشروعة لإسقاط القَتل، فكلُّ مَن يُقتل مِن الكفَّار باعتبار صلاحيتهم القتال يُؤخذ منهم الجزية، والمرأة لا تُقْتَل فلا يُؤخذ منها الجزية لذلك. وأمَّا المساواة بين ضَرب الجزية والاسترقاق فثابتةٌ لما ذكرنا، وبدليل ثبوت الخيار للإمام عند الظهور عليهم في رقابهم بين الاسترقاق وبين ضَرب الجزية على رقابهم. (وإن ظهر عليهم) أي: على أهل الكتاب والمجوس وعبدة الأوثان من العجم. (قبل ذلك) أي: قبل وضع الجزية، أي: الحُكم فيهم لو (٧) لم توضَع الجزية عليهم، فهم بأجمعهم مِن الرِّجال والنساء والصِّبيان غنيمة للمسلمين. [من لاتؤخذ منهم الجزية] (ولا توضع على عبدة الأوثان من العرب) وإنَّما قيَّد بعبَدَة الأوثان مِن العرب لأنَّ وضع الجزية على أهل الكتاب من العرَب جائز، فإنَّه ذكر في شرح الجامع الصغير للإمامين العَلَمين في الإتقان الجبَلَينِ في التِّبيان، أعني: شمس الأئمة وفخر الإسلام: محمدٌ عن يعقوب عن أبي حنيفة في قومٍ عَرَب من أهل الكتاب أرادوا منَّا أنْ نأخذ منهم الخراج فيكونون ذمَّةً لنا، قال [نفعله] (٨) ولا بأس به، وإنْ ظهَرنا عليهم قبل أنْ [يعطيَهم] (٩) من ذلك شيئًا فهم رجالهم ونسائهم فيء (١٠).

стр. 2310

وأصله قول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، ولم يُفصِّل، بل الظَّاهر أنَّها نزلَت في العَرَب؛ وأنَّ (١) النَّبي ﵊ صالح أهل نَجران، وهم نصارى من العرب، على ألف ومائتي حلَّة (٢)، "وأن عمر ﵁ طَلَب الجِزية من بني تغلُب" (٣) وهم نصارى العرب؛ ولأنَّ في كفرهم ضَرب خفّة (٤) بسبب الكتاب، فصحَّ تقريرهم على كفرهم بالجزية. فإنْ (٥) ظَهرنا عَليهم كانوا فَيئًا لأنَّه لما صحَّ تقريرُهم على كفرهم بالجزية صحَّ تقريرهم لضرب الرِّق لأنَّ في (٦) كلِّ واحدٍ من الموضِعين إحياؤه بطريق فيه منفعة للمسلمين. وأمَّا عَبَدة الأوثان مِن (٧) العَرب، لا يجوز أخذ الجزية منهم، فلا يجوز استرقاقهم أيضًا. فإنْ قيل: أليس أنَّالنَّبي ﵊ قال يوم أَوطاس (٨): "لو جرى رِقٌّ على عربي لجرى اليوم" (٩) من غير تفصيلٍ بين عَبدة الأوثان منهم وبين أهل الكتاب؟ قلنا: مراده عربيُّالأصل، وأهل الكتاب، وإنْ سكنوا فيما بَين العَرب وتوالدوا، فهم ليسوا بعَرب في الأصل، وإنَّما العَرب في الأصل عَبَدة الأوثان، فإنّهم أُمِّيّون كما وصفهم الله تعالى به.

стр. 2311

قوله: (وجَوابه ما قُلنا) وهو قوله: (لأنَّ كفرهما قد تغلَّظ). (وإذا ظُهِر عليهم) أي: عَلى مشركي (١) العرب والمرتدِّين. (فنِساؤهم وصبيانهم فُيء) إلَّا أنَّ ذراري المرتدِّين ونسائهم يجبرون على الإسلام، وذراري عَبَدة الأوثان من العَرَب ونساؤهم لا يُجبرون على الإسلام؛ لأنَّ أولئك لم يثبت في حقِّهم حكم الإسلام/؛ والإجبار على الإسلام يكون بعد ثُبوت حكم الإسلام في حقِّه، وذراري المرتدِّين قد ثبت حكم الإسلام في حقِّهم تَبَعًا لآبائهم، فيُجبَرون على الإسلام. وأمَّا المرتدَّاتُ، فقد كُنَّ مقِرّات بالإسلام، والجاحد بعد الإقرار مجبَر على العَود إلى الإقرار، والعربية لم يسبق منها الإقرار بالإسلام، فلا يُجبر على الإسلام بعد الاسترقاق (٢)؛ كذا في الجامع الصَّغير للعلَّامتَين. ويؤخذ الجزية من كل كافر سواء مشركي العرب. وأما الصابئون (٣)، قال أبو حنيفة ﵀: تُؤخَذ منهم الجِزية. وقال صاحباه: لا تُؤخَذ. قالوا: إنَّما قال بذلك أبو حنيفة لأنَّه وقَع في رَأيه أنَّهم مِن أهل الكتاب. وأمَّا الزَّنادقة فأخذ الجِزية منهم بناءً على قبول التَّوبة منهم. قالوا: لو جاء الزِّنديق قبل أَنْ يؤخَذ فأقَرَّ أنَّه زنديق فتاب عن ذلك تُقبَل توبتُه، فإنْ أُخِذ ثم تاب لا تُقبل (٤) توبتهلأنَّهم باطنية يُظهِرون شيئًا ويعتقدون في الباطن خلافَ ذلك، فيُقتلون، ولا تُؤخَذ منهم الجِزية، ولا تُقبل توبتُهم (٥)؛ كذا في سِيَر فتاوى قاضي خان. "حنيفة: أبو حيٍّ مِن العَرب، وهو حَنيفة ابن لُجَيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل" (٦)؛ كذا في الصحاح. وقيل: المراد بِبني حَنيفة رَهْط مسَيلمة الكذَّاب (٧).

стр. 2312

له إطلاق حديث معاذ (١)، وهو قوله ﵊: "خذ من كلّ حالِم وحالِمة" (٢). (لأنَّهم تحمَّلوا الزِّيادة بسبَبِهم) أي: صار مواليهم بسبَبِهم من صِنف الأغنياء أو وسَط الحال، فإنَّ عيسى بن أبان (٣) فسَّر الغَني بأْن كان ما يملكه يكفِيه وعيالَه ويفضُل، فربَّما كان الرَّجل بكثرة غِلمانه وإكسابهم يكُون على هذه الصِّفة فيكون غَنيًا، وجزية الغني على ضِعف (٤) جِزية الفقير، فكان تحمُّل زيادةِ الجزية بسبب الغِلمان؛ ثمَّ لو قلنا بأنَّه يؤدِّي عنهم أيضًا لكان وجوب الجزية مرَّتَين بسبب شيءٍ واحد، وذلك لا يجوز. [إسلام من عليه جزية] (ومن أسلم وعليه جِزية سقطت عنه) سواء كان (٥) قبل استكمالِ السَّنَة أو بعدها، قبل أنْ يُؤخذ منه خَراج رأسِه سقَط عنه ذلك عندنا (٦). وقال الشافعي: إنْ أسلَم بعد كمالِ السَّنة لم تَسقُط، وإنْ أسلَم قبل كمال السَّنة فله فيه وجهَان (٧). وكذلك إذا مات كافرًا، وكذلك إذا عَمِي أو صار مُقعَدًا أو زَمِنًا أو شيخًا كبيرًا لا يستطيع أنْ يعمَل أو صار فقيرًا لا يقدِر على شيء، وبقي عليه من جِزية رأسِه شيءٌ، سقَطَ ذلك البَاقي (٨)؛ كذا في فتاوى قاضي خان.

стр. 2313

(وَجَبت بَدَلًا عن العِصمة أو عَن السُّكنى) وإنَّما ردَّد بينَهما لأنَّ العلماء اختلفوا في أنَّ الجزية وجبت بدلًا عمّاذا؟ قال بعضهم: بدَلًا عن العِصمة الثابتة بِعَقد الذِّمَّة؛ وبه قال الشافعي، فقال: لأنَّ الله تعالى أمر بالقِتال ومدَّهُ إلى غايةٍ، وهي إعطاء الجِزية (١)؛ كذا في الإيضاح. وقال بعضهم: بَدَلًا عَن النُّصْرة الَّتي فَاتَت بإصرارهم على الكُفر لأنَّهم لما صاروا ِمن أهل دارِنا بقَبول الذِّمَّة، ولهذه الدَّار دارٌ معاديةٌ، وَجَبتْ عليهم القيام بنُصرتِها، ولا يصلح أبدانُهم لهذه النُّصرة، فالظَّاهر أنَّهم يميلون إلى أهل الدَّار المعادِية للموافَقة معَهم في الاعتقاد، فأَوجب الشُّرع عليهم الجزيةَ ليُؤخَذ منهم، فيُصرف إلى المقاتَلة، فيكون خَلَفًا عن النُّصرة. وقَال بعضهم: هي بَدَل عن السُّكنى في دار الإسلام لأنَّهم مع الإصرار على الشرك لا يكونون من أهل دارنا باعتبارِ الأَصل، وإِنَّما يصيرون مِن أهلِ دارِنا بما يُؤَدُّون مِن الجزية. واخْتَار شمس الأئمة السرخسي أنَّها بَدَل عَن النُّصرة؛ ذكره في المبسوط، فقال: وهو الأصحُّ. أَلا ترى أنَّ الجزيةَ لا تُؤخذ مِن الأَعمى، والشَّيخ الفاني، والمعْتوه، والمقعَد (٢) مع أنَّهم يشارِكون في السُّكنى، ولكنْ لا يلْزمُهم أَصل النُّصرة بِبَدنهم لو كانوا مسلمِين، وكذلك لا يُؤْخذ منهم ما هو خَلَف عنه (٣). (ولأنَّها وَجَبَت عقوبة على الكُفر … ) إلى آخره. فإنْ قلتَ: الحقُّ ضَرْب الجزية فيما تقدَّم بالاسترقاق بالمعنى الجامع بينهما. فقال: (ولنا أنَّه يجوز استرقاقهم، فيَجوز ضَرْب الجِزية عليهم إذْ كُلُّ واحِدٍ منهما يشتَمِلعلى سلْب النَّفس منهم)؛ ثمَّ كيف افترقا ههنا في البَقاء حيث يبقى العبد رقيقًا بعد الإسلام، ولا تَبقى الجِزية بعد الإسلام معَ أنَّ كلًا منهما في الابتداء ثبت بطريق المجازاة لكفرهم. قلت: الفَرق بينهما ظَاهر، وهو أنَّ الجزيةَ كما تَجِب بطريق المجازاة تجب/ صلةً أيضًا، والصِّلات لا تَتِمُّ إلا بالقبض، وتبْطُل بالموت قبل التَّسليم كالنَّفقات. وكذا إذا أَسلَم فإنَّها تسقُط لما أنَّ وجوب الجِزية بطريق العُقوبة ابتداءً وبقاءً: أمَّا ابتداءً فظاهرٌ لأنَّها وَجَبت عند إصرارهم على الكُفْر؛ وأمَّا بقاءً فإنَّ إعطاءَ الجِزية فالجواب فيه أن يكون على وجه الصَّغار والمذلَّة. قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].

стр. 2314

(وعقوبة الكُفر تَسقُط بالإسلام) لا محالةَ، كالقتل بخلاف الرِّق، فإنَّه في حالة (١) البَقاء مِن الأمور الحُكمية، لا مِن عقوبات الكُفر، حتَّى أنَّه يثبت بطريق التَّبعيَّة بخلاف الجزية، أو أنَّ لازِمَه أداء الجِزية لما كانت هي الصَّغار حتى لا يُقبل (٢) أداؤها لو بعثها بيد نائبِه في أَصَحِّ الرِّوايات، فيُعطي قائمًا، والقَابِض منه يَقبِضه قاعِدًا، على ما يأتي في الكتاب، فانتفى بالإسلام شَرط الأَداء، وهو الأداء على وجه الصَّغار، فيبقى المشْروط، لأنَّ المشروط لا يتحقَّق بدون شرطِه (٣). (والعصمه تَثْبُت بكونه آدميًا) جَوابٌ عن قوله: (أنَّها وَجَبَت بدلًا عن العِصمة) فيَمنع بهذا، ويقول: العِصمة كانت أمرًا أصليًا له، لا أنْ يثبت باعتبار الجزية، لأنَّ الآدمي في أصله خُلِق معصومًا، فلا يصح إضافةُ الأمر الأصلي إلى قبول الجِزية الذي هو طارئ. وذكر شمس الأئمة في المبسوط: وقال: "وقد بيَّنا أنَّ الجزية ليست بدَين، ولا بدَل عن السُّكنى، ولا بَدَل عن حَقْن الدَّم، ولئِن سلَّمنا له ذلك، فإنَّما هي بَدَل عَن الحَقْن في المستقبَل لا في ما مَضَى، وقد استفاد الحَقن بالإسلام، فلا معنى لأخْذ الجزية بعد ذلك" (٤). [اجتماع جزية الحولين] (وإن اجتمعت عليه الحولان تداخلت). ولفظ شرح الأقطع (٥): وإنْ اجتمَع حَولانِ تداخلت الجِزية (٦)، فعلى هذا يجوز أن يكون تأنيث فِعل الحولَين على حذف المضاف، أيْ: إذا اجتَمعت جِزية الحَولين تداخلت. وقيل أَنَّث الحولَ على تأويل السَّنة كقوله: "ما هذه الصوت" على تأويل الصَّيحة. (وقيل: لا تداخُلَ فيه بالاتفاق (٧) والفَرق بينهما على هذه الرِّواية، فإنَّ خراج الأرض وَجَب مُؤْنة الأرض قائمًا مقام العُشر، والعُشر يتضاعَف، فكذلك هَذا؛ ولأنَّه لا عقوبةَ في الخراج بقاءً فاعتبِر، أو مؤنة (٨) لا عقوبة فيها من نَفقة المرأة المفروضة، وصَدقة الفِطر (٩)؛ إلى هذا أشار في الأسرار.

стр. 2315

التَّلبيب -بالفتح-: ما على موضِع اللَّبَب من ثيابه، واللَّبَب موضِع القلادة من الصدر؛ (١) كذا في المغرب. فيتداخل (٢) إلى الجزية. (مجريٌ على حقيقته) أَي: على حقيقة المجيء وهي الدُّخول، (والأصحُّ أنَّ الوجوب عندنا في ابتداء الحَول) (٣) لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فأمر بإسقاط القَتل عنهم بإعطاء الجزية، فدلَّ أنَّها تِجب بإسقاط القَتل، وذلك موجود في أوَّل الحَوْل، ولأنَّه مالٌ يجب بإسقاط القَتل، فكان وجوبُه حال سقوط القَتل كالصُّلح عَن دَم العَمد، فإنْ قاسوا على خراج الأَرَضِينَ قلنا: خراج الأَرَضين في مقابَلة الانتفاع بها، فما لم تُسلَّم (٤) المنفعة لا يجب (٥)؛ كذا في شرح الأقطع. قوله (٦): (ولنا أنَّ ما وجَب (٧) بدَلًا عنه لا يتحَقَّق إلَّا في المستقبَل)؛ وذلك لأنَّ المبدَل هُو القَتل في حقِّهم والنُّصرة في حقِّنا، إنَّما يتحقَّق في المستقبل لا (٨) في الماضي لأنَّ القَتل إنَّما يُستوفى لحِراب قائم في الحال لا لحِراب ماضٍ؛ وكذا النُّصرة إنَّما تتحقَّق في المسقبَل لأنَّ الماضي وقعَتْ عنه الغَنيمة، وهو المراد من قوله: (على ما قرَّرنا). ولما كان كذلك وجب أنْ يكونَ الحكم في بدَله، وَهُو الجزية، كذلك أَيضًا، وهو أنْ لا يجِب لنُصرة ماضية، وهي النُّصرة في السَّنَة الماضية. فلمَّا وجبت لنُصرة مستقبَلة ينبغي أنْ يجِب في أوَّل الحَول لأنَّه أوَّل إمكان الوجوب بَعد تحقُّق السَّبب، وهو وجوب النُّصرة عليهم بالمال لما أنَّهم لا يصلحون للنُّصرة بأنفسهم لأنّ أبدانهم لا تصلُح لذلك [لميلِهم] (٩) إلى الكفَّار المحارِبين ظاهرًا لاتِّحاد اعتقادهم مَع اعتقادهم على ما مرَّ. وأما الجواب عن اعتباره بالزكاة فقلنا: إنَّما وجبتْ الزَّكاة في آخر الحَول لأنَّ الزَّكاة إنَّما تَجب في المال النَّامي، وهو لأنَّ الحول هو الممكَّن مِن الاستنماءِ لاشتماله على الفصول الأربعة على ما مرَّ، فلا بُدَّ مِن اعتبار الحول ليتحقَّق شَرط وجوب الأداء (والله أعلم بالصواب) (١٠).
следующие страницы →