← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

قوله: (وجَوابه ما قُلنا) وهو قوله: (لأنَّ كفرهما قد تغلَّظ). (وإذا ظُهِر عليهم) أي: عَلى مشركي (١) العرب والمرتدِّين. (فنِساؤهم وصبيانهم فُيء) إلَّا أنَّ ذراري المرتدِّين ونسائهم يجبرون على الإسلام، وذراري عَبَدة الأوثان من العَرَب ونساؤهم لا يُجبرون على الإسلام؛ لأنَّ أولئك لم يثبت في حقِّهم حكم الإسلام/؛ والإجبار على الإسلام يكون بعد ثُبوت حكم الإسلام في حقِّه، وذراري المرتدِّين قد ثبت حكم الإسلام في حقِّهم تَبَعًا لآبائهم، فيُجبَرون على الإسلام. وأمَّا المرتدَّاتُ، فقد كُنَّ مقِرّات بالإسلام، والجاحد بعد الإقرار مجبَر على العَود إلى الإقرار، والعربية لم يسبق منها الإقرار بالإسلام، فلا يُجبر على الإسلام بعد الاسترقاق (٢)؛ كذا في الجامع الصَّغير للعلَّامتَين. ويؤخذ الجزية من كل كافر سواء مشركي العرب. وأما الصابئون (٣)، قال أبو حنيفة ﵀: تُؤخَذ منهم الجِزية. وقال صاحباه: لا تُؤخَذ. قالوا: إنَّما قال بذلك أبو حنيفة لأنَّه وقَع في رَأيه أنَّهم مِن أهل الكتاب. وأمَّا الزَّنادقة فأخذ الجِزية منهم بناءً على قبول التَّوبة منهم. قالوا: لو جاء الزِّنديق قبل أَنْ يؤخَذ فأقَرَّ أنَّه زنديق فتاب عن ذلك تُقبَل توبتُه، فإنْ أُخِذ ثم تاب لا تُقبل (٤) توبتهلأنَّهم باطنية يُظهِرون شيئًا ويعتقدون في الباطن خلافَ ذلك، فيُقتلون، ولا تُؤخَذ منهم الجِزية، ولا تُقبل توبتُهم (٥)؛ كذا في سِيَر فتاوى قاضي خان. "حنيفة: أبو حيٍّ مِن العَرب، وهو حَنيفة ابن لُجَيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل" (٦)؛ كذا في الصحاح. وقيل: المراد بِبني حَنيفة رَهْط مسَيلمة الكذَّاب (٧).

стр. 2312

له إطلاق حديث معاذ (١)، وهو قوله ﵊: "خذ من كلّ حالِم وحالِمة" (٢). (لأنَّهم تحمَّلوا الزِّيادة بسبَبِهم) أي: صار مواليهم بسبَبِهم من صِنف الأغنياء أو وسَط الحال، فإنَّ عيسى بن أبان (٣) فسَّر الغَني بأْن كان ما يملكه يكفِيه وعيالَه ويفضُل، فربَّما كان الرَّجل بكثرة غِلمانه وإكسابهم يكُون على هذه الصِّفة فيكون غَنيًا، وجزية الغني على ضِعف (٤) جِزية الفقير، فكان تحمُّل زيادةِ الجزية بسبب الغِلمان؛ ثمَّ لو قلنا بأنَّه يؤدِّي عنهم أيضًا لكان وجوب الجزية مرَّتَين بسبب شيءٍ واحد، وذلك لا يجوز. [إسلام من عليه جزية] (ومن أسلم وعليه جِزية سقطت عنه) سواء كان (٥) قبل استكمالِ السَّنَة أو بعدها، قبل أنْ يُؤخذ منه خَراج رأسِه سقَط عنه ذلك عندنا (٦). وقال الشافعي: إنْ أسلَم بعد كمالِ السَّنة لم تَسقُط، وإنْ أسلَم قبل كمال السَّنة فله فيه وجهَان (٧). وكذلك إذا مات كافرًا، وكذلك إذا عَمِي أو صار مُقعَدًا أو زَمِنًا أو شيخًا كبيرًا لا يستطيع أنْ يعمَل أو صار فقيرًا لا يقدِر على شيء، وبقي عليه من جِزية رأسِه شيءٌ، سقَطَ ذلك البَاقي (٨)؛ كذا في فتاوى قاضي خان.

стр. 2313

(وَجَبت بَدَلًا عن العِصمة أو عَن السُّكنى) وإنَّما ردَّد بينَهما لأنَّ العلماء اختلفوا في أنَّ الجزية وجبت بدلًا عمّاذا؟ قال بعضهم: بدَلًا عن العِصمة الثابتة بِعَقد الذِّمَّة؛ وبه قال الشافعي، فقال: لأنَّ الله تعالى أمر بالقِتال ومدَّهُ إلى غايةٍ، وهي إعطاء الجِزية (١)؛ كذا في الإيضاح. وقال بعضهم: بَدَلًا عَن النُّصْرة الَّتي فَاتَت بإصرارهم على الكُفر لأنَّهم لما صاروا ِمن أهل دارِنا بقَبول الذِّمَّة، ولهذه الدَّار دارٌ معاديةٌ، وَجَبتْ عليهم القيام بنُصرتِها، ولا يصلح أبدانُهم لهذه النُّصرة، فالظَّاهر أنَّهم يميلون إلى أهل الدَّار المعادِية للموافَقة معَهم في الاعتقاد، فأَوجب الشُّرع عليهم الجزيةَ ليُؤخَذ منهم، فيُصرف إلى المقاتَلة، فيكون خَلَفًا عن النُّصرة. وقَال بعضهم: هي بَدَل عن السُّكنى في دار الإسلام لأنَّهم مع الإصرار على الشرك لا يكونون من أهل دارنا باعتبارِ الأَصل، وإِنَّما يصيرون مِن أهلِ دارِنا بما يُؤَدُّون مِن الجزية. واخْتَار شمس الأئمة السرخسي أنَّها بَدَل عَن النُّصرة؛ ذكره في المبسوط، فقال: وهو الأصحُّ. أَلا ترى أنَّ الجزيةَ لا تُؤخذ مِن الأَعمى، والشَّيخ الفاني، والمعْتوه، والمقعَد (٢) مع أنَّهم يشارِكون في السُّكنى، ولكنْ لا يلْزمُهم أَصل النُّصرة بِبَدنهم لو كانوا مسلمِين، وكذلك لا يُؤْخذ منهم ما هو خَلَف عنه (٣). (ولأنَّها وَجَبَت عقوبة على الكُفر … ) إلى آخره. فإنْ قلتَ: الحقُّ ضَرْب الجزية فيما تقدَّم بالاسترقاق بالمعنى الجامع بينهما. فقال: (ولنا أنَّه يجوز استرقاقهم، فيَجوز ضَرْب الجِزية عليهم إذْ كُلُّ واحِدٍ منهما يشتَمِلعلى سلْب النَّفس منهم)؛ ثمَّ كيف افترقا ههنا في البَقاء حيث يبقى العبد رقيقًا بعد الإسلام، ولا تَبقى الجِزية بعد الإسلام معَ أنَّ كلًا منهما في الابتداء ثبت بطريق المجازاة لكفرهم. قلت: الفَرق بينهما ظَاهر، وهو أنَّ الجزيةَ كما تَجِب بطريق المجازاة تجب/ صلةً أيضًا، والصِّلات لا تَتِمُّ إلا بالقبض، وتبْطُل بالموت قبل التَّسليم كالنَّفقات. وكذا إذا أَسلَم فإنَّها تسقُط لما أنَّ وجوب الجِزية بطريق العُقوبة ابتداءً وبقاءً: أمَّا ابتداءً فظاهرٌ لأنَّها وَجَبت عند إصرارهم على الكُفْر؛ وأمَّا بقاءً فإنَّ إعطاءَ الجِزية فالجواب فيه أن يكون على وجه الصَّغار والمذلَّة. قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].

стр. 2314

(وعقوبة الكُفر تَسقُط بالإسلام) لا محالةَ، كالقتل بخلاف الرِّق، فإنَّه في حالة (١) البَقاء مِن الأمور الحُكمية، لا مِن عقوبات الكُفر، حتَّى أنَّه يثبت بطريق التَّبعيَّة بخلاف الجزية، أو أنَّ لازِمَه أداء الجِزية لما كانت هي الصَّغار حتى لا يُقبل (٢) أداؤها لو بعثها بيد نائبِه في أَصَحِّ الرِّوايات، فيُعطي قائمًا، والقَابِض منه يَقبِضه قاعِدًا، على ما يأتي في الكتاب، فانتفى بالإسلام شَرط الأَداء، وهو الأداء على وجه الصَّغار، فيبقى المشْروط، لأنَّ المشروط لا يتحقَّق بدون شرطِه (٣). (والعصمه تَثْبُت بكونه آدميًا) جَوابٌ عن قوله: (أنَّها وَجَبَت بدلًا عن العِصمة) فيَمنع بهذا، ويقول: العِصمة كانت أمرًا أصليًا له، لا أنْ يثبت باعتبار الجزية، لأنَّ الآدمي في أصله خُلِق معصومًا، فلا يصح إضافةُ الأمر الأصلي إلى قبول الجِزية الذي هو طارئ. وذكر شمس الأئمة في المبسوط: وقال: "وقد بيَّنا أنَّ الجزية ليست بدَين، ولا بدَل عن السُّكنى، ولا بَدَل عن حَقْن الدَّم، ولئِن سلَّمنا له ذلك، فإنَّما هي بَدَل عَن الحَقْن في المستقبَل لا في ما مَضَى، وقد استفاد الحَقن بالإسلام، فلا معنى لأخْذ الجزية بعد ذلك" (٤). [اجتماع جزية الحولين] (وإن اجتمعت عليه الحولان تداخلت). ولفظ شرح الأقطع (٥): وإنْ اجتمَع حَولانِ تداخلت الجِزية (٦)، فعلى هذا يجوز أن يكون تأنيث فِعل الحولَين على حذف المضاف، أيْ: إذا اجتَمعت جِزية الحَولين تداخلت. وقيل أَنَّث الحولَ على تأويل السَّنة كقوله: "ما هذه الصوت" على تأويل الصَّيحة. (وقيل: لا تداخُلَ فيه بالاتفاق (٧) والفَرق بينهما على هذه الرِّواية، فإنَّ خراج الأرض وَجَب مُؤْنة الأرض قائمًا مقام العُشر، والعُشر يتضاعَف، فكذلك هَذا؛ ولأنَّه لا عقوبةَ في الخراج بقاءً فاعتبِر، أو مؤنة (٨) لا عقوبة فيها من نَفقة المرأة المفروضة، وصَدقة الفِطر (٩)؛ إلى هذا أشار في الأسرار.

стр. 2315

التَّلبيب -بالفتح-: ما على موضِع اللَّبَب من ثيابه، واللَّبَب موضِع القلادة من الصدر؛ (١) كذا في المغرب. فيتداخل (٢) إلى الجزية. (مجريٌ على حقيقته) أَي: على حقيقة المجيء وهي الدُّخول، (والأصحُّ أنَّ الوجوب عندنا في ابتداء الحَول) (٣) لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فأمر بإسقاط القَتل عنهم بإعطاء الجزية، فدلَّ أنَّها تِجب بإسقاط القَتل، وذلك موجود في أوَّل الحَوْل، ولأنَّه مالٌ يجب بإسقاط القَتل، فكان وجوبُه حال سقوط القَتل كالصُّلح عَن دَم العَمد، فإنْ قاسوا على خراج الأَرَضِينَ قلنا: خراج الأَرَضين في مقابَلة الانتفاع بها، فما لم تُسلَّم (٤) المنفعة لا يجب (٥)؛ كذا في شرح الأقطع. قوله (٦): (ولنا أنَّ ما وجَب (٧) بدَلًا عنه لا يتحَقَّق إلَّا في المستقبَل)؛ وذلك لأنَّ المبدَل هُو القَتل في حقِّهم والنُّصرة في حقِّنا، إنَّما يتحقَّق في المستقبل لا (٨) في الماضي لأنَّ القَتل إنَّما يُستوفى لحِراب قائم في الحال لا لحِراب ماضٍ؛ وكذا النُّصرة إنَّما تتحقَّق في المسقبَل لأنَّ الماضي وقعَتْ عنه الغَنيمة، وهو المراد من قوله: (على ما قرَّرنا). ولما كان كذلك وجب أنْ يكونَ الحكم في بدَله، وَهُو الجزية، كذلك أَيضًا، وهو أنْ لا يجِب لنُصرة ماضية، وهي النُّصرة في السَّنَة الماضية. فلمَّا وجبت لنُصرة مستقبَلة ينبغي أنْ يجِب في أوَّل الحَول لأنَّه أوَّل إمكان الوجوب بَعد تحقُّق السَّبب، وهو وجوب النُّصرة عليهم بالمال لما أنَّهم لا يصلحون للنُّصرة بأنفسهم لأنّ أبدانهم لا تصلُح لذلك [لميلِهم] (٩) إلى الكفَّار المحارِبين ظاهرًا لاتِّحاد اعتقادهم مَع اعتقادهم على ما مرَّ. وأما الجواب عن اعتباره بالزكاة فقلنا: إنَّما وجبتْ الزَّكاة في آخر الحَول لأنَّ الزَّكاة إنَّما تَجب في المال النَّامي، وهو لأنَّ الحول هو الممكَّن مِن الاستنماءِ لاشتماله على الفصول الأربعة على ما مرَّ، فلا بُدَّ مِن اعتبار الحول ليتحقَّق شَرط وجوب الأداء (والله أعلم بالصواب) (١٠).

стр. 2316

فصل لما ذكر أحكام مَا يجب من الجِزى عَلى أهل الرَّدى، ذَكر في هذا الفَصل معاملتَهم في دارِ الهدى. الخِصاء/ -بالكسر والمد-، على فعال، مصدَر خَصاه يَخصِيه أي: نَزَع خِصيَتيه، [والإخصاء في معناه خطأ (١)؛ ذكره في المغرب] (٢). يقال "كنيسة اليهود والنصارى" لمتعبَّدهم (٣)، وكذلك البِيعة مطلقًا في الأَصل، وإنْ غَلَب استعمال الكَنيسة لمتعبَّد (٤) اليهود والبِيعة لمتعبَّد (٥) النصارى. ثم المناسبة في الجمع بين الخصاء والكنيسة في الحديث (٦) هي معنى الضَّعف فيهما، فإنَّ في الخصاء نَوع ضَعف ليس في الفَحْل، وكذلك بناء الكنيسة في دار الإسلام يورِث الضَّعف في الإسلام؛ أو في الخصاء تَغيير عمَّا هو عليه أَصل الخِلقة، فكذلك في إحداث الكَنيسة تغيير عمَّا هو عليه بناءُ دار الإسلام. وذكر في الإيضاح معنى الحديث فقال: وأمَّا الخصاء فمعناه: لا يُخصى الرَّجل، وقيل ذلك في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] إنَّما المراد الخصاء. وقيل: المراد به التبتُّل والامتناع مِن النساء كما يفعله أهل الكتاب حتَّى يصير في ُحْكم [حكم إحداث وبناء الكنائس والبيع] الخَصيّ (٧). (والمُراد إحداثُها) يعني: لا يُحدَث في دار الإسلام كنيسةٌ لم تكن. (والصَومَعة (٨) للمتخلِّي فيها بمنزِلةِ البِيعة) أي: لا يمكَّنون من إحداث الصَّومَعة الَّتي يتخَلَّون فيها أيضًا. وفي الصحاح: يقال: "أتانا بثريدة مُصَمَّعَةٍ، إذا دُقِّقَتْ وحُدِّدَ رأسُها. وصَوْمَعَةُ النَّصارى: فَوْعَلَةٌ مِن هذا، لأنَّها دقيقة الرَّأس" (٩).

стр. 2317

(بخلاف موضِع الصَّلاة) أي: صلاة الذِّمِّي. (في البيت) أي: يمكَّنون مِن اتِّخاذه. (والمروي عن (١) صاحب المذهَب) (٢) أي: عَن (٣) أبي حنيفة، ويحتمل أنَّه إنَّما ذكره بهذا اللَّفظ ههنا دون غيره لأنَّه ذَكر قُرَى الكُوفة، وكونَ (أكثر أهلِها أهل الذِّمَّة) عَقيبه، فتبيَّن (٤) بهذا أنَّه ليس هو كسائر أهل الكوفة، بَل هو وإنْ كان كوفيًا، فهو صاحب المذهَب المقدَّم فيه، إظهارًا لعلوِّ مَرتبتهِ، وإجلالًا لعِظَم منقبته ﵁ وعن مُتَّبعيه، ثم المراد من (المَروي) قَوله: (وهذا في الأمصار دون القُرى) "جَزَرَ الْمَاءُ": إذَا انْفَرَجَ عَنْ الْأَرْضِ أَيْ: انْكَشَفَ حِينَ غَارَ وَنَقَصَ، (وَمِنْهُ الْجَزِيرَةُ)، وَالْجَزَائِرُ، وَيُقَال: جَزِيرَةُ الْعَرَبِ لِأَرْضِهَا وَمَحَلَّتِهَا لِأَنَّ بَحْرَ فَارِسَ وَبَحْرَ الْحَبَشِ وَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتَ قَدْ أَحَاطَتْ بِهَا (٥). (الْكُسْتِيجُ) عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ تَعَالَى: خَيْطٌ غَلِيظٌ بِقَدْرِ الْأُصْبُعِ يَشُدُّهُ الَّذِي فَوْقَ ثِيَابِهِ دُونَ مَا يَتَزَيَّنُونَ بِهِ مِنْ الزَّنَانِيرِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ الْإِبْرَيْسَمِ، (وَمِنْهُ) "أَمَرَ عُمَرُ أَهْلَ الذِّمَّةِ بِإِظْهَارِ الْكُسْتِيجَاتِ (٦) " (٧)؛ هذان من المغرب. [تمييز أهل الذمة عن المسلمين] قوله: (وفي الجامع الصغيرِ [ويؤخذ أهل الذِّمة بإظهار الكستيجات) (٨). وإنَّما ذَكر لفظ الجامع الصَّغير ليُعلم أنَّما ذكره في الجامع الصَّغير تفسير لما ذَكره مِن رواية القدوري بقوله: (ويؤخذ أهل الذِّمة بالتَّميُّز من المسلمين) (٩) أي: كيفية ذلك التميُّز، كما ذَكره في الجامع الصَّغير] (١٠).

стр. 2318

(فلو لم تَكن لَه (١) علامة مميِّزة فلعله الذمي يعامَل معامَلة المسلِمين)، وربَّما يموت منهم أحَد فَجْأة، أي (٢): في الطَّريق، فإذا لم يَكُن معه عَلامة يظنُّونه مسلِمًا فيَصنعون به ما يصنعون بموتى المسلمين، والتَّحرُز عَن ذلك واجب في حقِّ الكفَّار. فإنْ قيل: أليس أنَّالنَّبي ﵊ لم يَأخُذ بذلك يهودَ المدينة ولا نَصارى نجران ولا مجوس هجر؟ قلنا: لأنَّهم في زمن رسول الله ﵊ كانوا معروفِينَ بالمدينة، لا يشتبِه حالُهم، فكان لا تقع (٣) الحاجة إلى ذلك ثُمَّ في زَمَن عمر ﵁ لما كثر [الناس] (٤) ممَّن يُعرف وممَّن لا يُعرَف، ووَقعت (٥) الحاجة إلى ذلك، وكان ذلك صوابًا فيه. وقال رسول الله ﵊: "أينما دار عمر فالحقُّ معه" (٦) (٧) كذا ذكره الإمام شمس الأئمة السرخسي في الجامع الصَّغير. (وصيانة لِضَعَفَةِ المسلمين) المراد مِن الضَّعف، هو الضَّعف في الدِّين لا الضَّعف في البَدَن، أي: إِنَّما أُخذ أهل الذِّمة بما يورِث عليهم الصَّغار والذِّلة بأنْ لا يركبوا الخيل ولا يحمل السَّلاح وبالركوب على الأُكُف دون سروج (٨) الخيل، وتَرْك الابتداء بالسَّلام، وتضييق الطُّرق عليهم، لكي يُروا في أعيُن الَّذين لم يتصلبوا في دين الإسلام على وجه الصَّغار والذِّلة حتَّى لا [يقولوا] (٩) أنَ الكفَّار يتقلبون في النِّعمة والدَّعة، والمؤمنين في المِحنة والضَّعة، وأنْ لا يميلوا إلى الكُفر [بسبَب] (١٠) سعتهم ورونَق

стр. 2319

حالهم، وإليه أشار الله تعالى في قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] / الآية. (والعَلامة يجب أن تكون خيطًا … ) إلى آخره. وذَكر الإمام التمرتاشي ﵀: فيُكتفى في كلِّ بَلد مِن العَلامة بِما تعارَفه أهلُهلأنَّ المقصود يحصُل بهذا، وبهذا يُعلم أنَّ الاقتصار على هذه العَلامة المخصوصة ليس بلازم (١). "الجفاء": هو الغلظ في العشرة والحرف في المعاملة وترك الرفق (٢)، ومنه قوله: (فإنَّه جَفاء في حقِّ أهل الإسلام) أي: تَرك حُسْن العِشرة بأهل الإسلام لأنَّ في الأمر لأهل الذِّمَّة بتميُّزهم بما يوجب إغرارهم مِن اتخاذ الزُّنار (٣) من الإبريسم (٤) إهانة لأهل الإسلام لأنَّ مَن أَعزَّعدوَّ صديقِه فقد أَهان صديقَهمعنىً. (الأحق أنْ لا يُتركوا ليركبوا إلا للضَّرورة) كالخروج إلى الرُّستاق (٥)، وذهاب المريض إلى موضع يحتاج إليه.

стр. 2320

(بالصّفة التي تقدَّمت) وهي قوله: (كهيئة الأُكُف). ولا يركبون على السُّرج لأنَّ ذلك للغُزاة، ولهذا يُكره للنِّساء الرُّكوب عَلى السُّرجلأنَّهنَّ ليس من أهل الجهاد (١)؛ كذا ذَكره الإمام التمرتاشي ﵀. [حكم سب النَّبي ﷺ من أهل الذمة] (لأنَّه ينقُص إيمانُه) يعني: عَلى تقدير أنَّه لو كان مسلمًا. (كان (٢) سبّ النَّبي ﵇ ينقض إيمانه، فكذا (٣) هو ينقض أمانه وذمته وكذا في حكم ما حمله من مال) يعني: أنَّ الذّمي إذا نقض العَهد ولَحق بدار الَحرب وفي يده مالٌ ثُمَّ ظُهِر على دار الحرب يكون فَيئًا، كالمرتدّ إذا لحق بدار الحرب بماله ثُمَّ ظُهِر على الدَّار وماله فَيء. وذكر في الإيضاح: وَلو لَحِق المرتدُّ بشيء مِن مالِه معه بدار الحرب ثُمَّ أُسِر المرتدُّ فمالُه الذي معه فَيء لأنَّه إذا لَحِق بدار الحرب مع نفسه امتَنَع ظُهور ملك الوَرَثة فيه. وأمَّا لو عاد إلى دار الإسلام بعد لِحاقه فأَخَذ طائفةٌ من ماله وأدخَله دار الحرب، ثُمَّ ظَهر عليه المسلمون، فالوَرثة أَحَقُّ به قبل القِسمة مجَّانًا، وبعدَ القِسمة بالقِيمة لأنَّ الملك ثَبَت للوَرَثة حين لَحِق المرتدُّ بدار الحرب، والمال في دار الإسلام، ثُمَّ لما وَقع الاستيلاء على ذلك المال كان واقعًا على ملك الوارِث فصار كمالٍ آخر. فإنْ عاد قَبل الحكم باللِّحاق فَفيه روايتان: في روايةٍ يكون فَيئًا، وفي رواية لا يكون فَيئًا بخلاف المرتدِّ، فإنَّه لا يسترقُّ بل يُقتَل إِنْ أصرَّ على ارتداده (٤)، والله أعلم بالصواب (٥). فصل: ذكر نصارى بني تغلُب بفصل على حِدَة لأنَّ لهم أحكامًا مخصوصة بهم تخالِف أحكام سَائر النَّصارى. (والمرأة من أهل وجوب مثله) أي: وجوب مثل مال وَجَب بالصُّلح. (أَلا ترى (٦) لا يراعى فيه شرائطها) أَي: لا يُراعي في المضاعَفَة مِن الزَّكاة شرائط الجزية مِن وصفِ الصَّغار كعَدَم (٧) القَبول مِن يد النَّائب والإعطاء قائمًا والقَابض قاعدًا (٨)، وأخذ التَلْبيب والهزّ. (ويوضع على مولى التغلُبي) أي: على معتَق التغلُبي.

стр. 2321

(بمنزلة مولى القُرشي (١) أي: لا يُؤخَذ الجزية وخراج الأرض مِن القُرَشي، ويؤخذ من معتَقِه، فكذلك ههنا تؤخذ الجزية من معتق التغلُبي، وإنْ (٢) لم تؤخذ من التغلُبي. (ولنا أنَّ هذا تخفيف) أي: أخْذ مضاعَف الزَّكاة تخفيف لما ذكرنا أنَّه ليس فيه وَصف الصَّغار بخلاف الجِزية فيه أي: في التخفيف. (لأنَّ الغَني من أهلها) أي: من أَهل الصَّدَقة، وَإنْ كان فيه أوساخ الناس، ألا ترى أنَّالغَني إذا كان عاملًا في الزكاة يجوز له أخذ الزكاة. وأما الهاشمي (٣) فليس له أخذها، وإنْ كان عاملًا فيها، وأمَّا قولُالنَّبي ﵊: "فإنَّ مولى القوم منهم" (٤). قلنا: قد تعذَّر إجراء هذا الحديث على عمومه، لانعقاد الإجماععلى أنَّ مولى الهاشمي لا يُنزَّل منزلةَ الهاشمي في الكفاءة، وكذلك مولى القرشي على ما ذكرناه (٥) (٦). وإذا تعذَّر إجراؤه على العموم يجِب تأويلُه على معنى التَّناصر والتَّعاون لأنَّه مِن لوازمه، فإنَّ الرَّجل متى كان مِن القوم يقوم بنُصرتهم. وأمّا حرمان مولى الهاشمي عن الصَّدقات باعتبار الاحترام والاستعظام، وقد ذكرنا أنَّ الحديث مؤوَّل (٧) بمعنى التَّناصُر، ففي التناصُّر استعظام، فلذلك أُلحِق مولى الهاشمي بالهاشمي في ذلك المعنى (٨)؛ كذا في الفوائد الظهيرية.

стр. 2322

وذكر الإمام شمس الأئمة السرخسي: القياس في الكلِّ سواء، وهو أنْ لا يُلحق مولى القوم بهم، إلَّا أنَّ ورود الحديث كان في حُرمة الصَّدقة على مولى بني هاشم وهو ما رويأنَّأبا رافع (١) ﵁ سأل رسول الله ﵊: أتحِلُّ له الصَّدقة؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا، أنت مولانا ومولى القوم من أنفسهم". والمخصوص مِن القياس بالنَّص لا يُلحَق به ما ليس في معناه من كلّ وجْه، وهذا ليس فيما ورد فيه النَّص لأنَّ ذلك كان لإظهار فضيلةِ قرابة رسول الله ﵊ في إلحاق مولاهم بهم، ومولى التغلبي ليس من ذلك في شيء (٢). (ومَن مات في نِصف السَّنة فلا ينْبني له في العطاء) والعَطاء: ما يُكتب للغُزاة في الدِّيوان، ولكلِّ مَن قام بأمرٍ مِن أمور الدِّين، كالقَاضي والمفتي والمدرِّس، وفي الابتداء كان يُعطى لكلِّ مَن كان له ضرب مزيَّة في الإسلام، كأزواج النَّبي ﵊ وأولاد المهاجرين والأنصار ﵃. وكذا لو مات في آخِر السَّنة لا يورَث العطاء، لما قُلنا أنَّه صِلة، فلا يملَك قبل القَبض، كالمرأة إذا ماتت ولها نَفَقة مفروضة في ذمَّة الزَّوج تَسقط، كذا ههنا. وإنَّما وضع المسألة في نصف السَّنة لأنَّه لو مات في آخر السَّنة مستحبٌّ صرفُ ذلك إلى قريبه لأنَّه قد أوفى غناءه، فيُستحبُّ الصَّرف إلى قريبه ليكون أقرب إلى الوفاء. ثُمَّ قيل رزق القاضي يُعطى في آخر السَّنة، ولو أَخَذ في أولها ثم عُزِل قبل مُضيِّها قيل: يجب ردُّ ما بقي من السَّنة، وقيل على قياس نفقة الزَّوجة إذا عَجَل لها ثُمَّ ماتأحدهما قبل مُضيِّ المدة لم يَرجع عليها ولا في تركتها. وقال مُحمَّد: أُحِبُّ ردَّ الباقي لأنَّها أَخَذت المقصود، ولم يحصل ذلك؛ كما لو عَجَّل لها نفقة ليتزوجها فماتت قبل التزوُّج. ولهما أنَّها صِلة مِن وجه فينقطع الاسترداد بالموت كالرُّجوع في الهبة (٣)، كذا ذكره الإمام قاضي خان، والإمام التمرتاشي -رحمهما الله-، والله أعلم.

стр. 2323

باب: أحكام المرتدين . لما ذكر أحكام أهل الكُفر الأصلي ذَكر في هذا الباب أحكامَ أهل الكفر الطَّارئ لِما أنَّ الطارئ بعد الأصلي وجودًا، فكذلك (١) ذكرًا. [ما يفعل بالمرتد] قوله: (إلا أن العَرْض (٢) على ما قالوا غير واجب) هذا هو ظاهر المذهَب (٣). وذكر في الإيضاح: ويُستحبُّ عَرْض الإسلام على المرتدِّين (٤). هكذا روي عن عمر ﵁ (٥)؛ لأنَّ رجاء العَود إلى الإسلام ثابتٌ لاحتمال أنَّ الردة كانت باعتراض شُبهةٍ وتأويل. الأَوَّل، وهو قوله: (ويحبُس ثلاثة أيام) أنَّه يستمهل فيُمهل ثلاثةَ أيَّام. وأمَّا إذا لم يطلُب، فالظَّاهر أنَّه متعنِّت في ذلك، فلا بأس بقتلِه إلا أنَّه يُستحب أن يُستتابلأنَّه بمنزلة كافر بَلَغته الدَّعوة. وإنْ ارتدَّ ثانيًا وثالثًا، فكذلك يُفعَل في كلِّ مرّة، فإذا أسلَم يخلَّى سبيلُه لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]. وكان علي وابن عمر يقولانِ: إذا ارتدَّرابعًا لا (٦) تُقبل توبتُه بعد ذلك، ولكنْ يقتل على كلِّ حال؛ لأنَّه ظَهر أنَّه مستخِفٌّ مستهزئ وليس بتائب، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ [النساء: ١٣٧].

стр. 2324

ولكنَّا نقول: الآية في حقِّ من ازداد كفْرًا لا في حقِّ مَن آمن وأظهر التَّوبة، وإذا أسلم يجب قبولُه، وإن كان في الرَّابعة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ [النساء: ٩٤]. "وعَن أبي يوسف أنَّه لو فعل ذلك مِرارًا يُقتل غِيلةً، وهو أنْ ينتظر فإذا أظهر كلمة الشرك قتل قبل أن يستَتاب لأنَّه ظَهر منه الاستخفاف. وقتل الكافر الَّذي بلَغَته الدَّعوة قبل الاستتابة جائز" (١)؛ كذا في المبسوط. (فيُمهل ثلاثة أيام؛ لأنَّها مدَّة ضُربت لإبلاء (٢) الأعذار). فإنْ قيل: هذا نَصب الحكم بالرَّأي في الموضِع الذي لا مَدخَل للرَّأي فيه لأنَّه مِن المقادير، وفيها لا يجري الرأي. قلنا: هَذا مِن قَبيل إثبات الحكم بدلالة النَّص لأنَّ ورود النَّص في خيار البَيع بثلاثة أيام وَرَد (٣) فيه المعنى الجامع بينهما بعَينه، وذلك لأنَّ التَّقدير هناك بثلاثة أيَّام للتأمُّل، والتقدير بها ههنا أيضًا للتَّأمل. (ولأنَّه كافر حربي)؛ لأنَّه كافر، ولَيس بذمِّي ولا مستأمِن لأنَّه لا يُقبل منه قبول الجزية، وهو لم يطلُب الأمَان، فكان حَربيًا فيُقتل لإطلاق الدَّليل وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله ﵊: "من بدل دينه فاقتلوه" (٤). (وكيفية توبته أن يتبرَّأ عَن الأَديان كلِّها)؛ ولكنْ بَعد الإتيان بكلمة الشَّهادتين (٥)؛ كذا في المبسوط والإيضاح. [ردة المرأة] (وأما المرتدة فلا تُقتل) أمَّا لو قتَلها قاتل، فلَم (٦) يضمَن شيئًا، سواء كانت حرَّة أو أمَة (٧)؛ كذا في المبسوط (وقال الشَّافعي ﵀: تُقتَل (٨) لما روينا) وهو قوله:/ ﵊: "من بدل دينه فاقتلوه" (٩)، وهذه الكَلِمة تعمُّ الرِّجال والنِّساء كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، تبيَّن أنَّ الموجِب للقتل تبديل الدِّين لأنَّ مثل هذا في لسان صاحب الشرع لبيان العلَّة.

стр. 2325

(وردة المرأة تشارِكها فيها) أي: رِدَّة المرأة تشارك رِدَّة الرجال (١) في أنَّها جِناية مغلَّظة، فيَجِب أنْ تشارك رِدة الرَّجل في موجب ردّة الرّجل وهو القتل. (ولأنَّ الأَصل تأخير الأجزية إلى دار الجزاء)، كشف هذا الكلام هُو أنَّ قتل المرتدِّ لا باعتبار الجزاء على الرِّدة لأنَّه مجازى عليها في الآخرة أيضًا بعد القتل على الرِّدّة، بل هو مستحَّقٌّ باعتبار الإصرار على الكُفر. ألا تَرى أنَّه لو أَسلم سقط لانعدام الإصرار، وما كان استحقاقه بطريق الجزاء لا يسقُط بالتَّوبة كالحدود، فإنَّه بعد ما ظهر سببُها عند الإمام لا تسقط بالتَّوبة. وقد أَجَبْنا عَن توبة قُطَّاع الطريق في موضِعه، وإذا ثَبت هذا، فنقول: إنَّ الكفر مِن أعظم الجِنايات، وهو جِناية بَين العبد وبين ربِّه، والجزاء عليه مؤخَّر إلى دار الآخرة، وما عُجِّل في الدُّنيا سياسةٌ مشروعةٌ لمصلحة تعود إلى العِباد، كالقِصاص والحدود. ثم المرتدُّ بالإصرار على الكفر يكون محارِبًا للمسلمين، فيُقتل لدَفع المحارَبة، وإذا كان كذلك فلا تُقتَل المرأة لأنَّ بِنيتَها ليستْ بصالحة للمحاربَة، فلا تُقتَل في الكُفر الأصلي، ولا في الطَّارئ. "وأما قوله ﵊: "من بدّل دينه فاقتلوه" (٢) فليس بمجري على ظاهره لأنَّ التَّبديل يتحقَّق مِن الكَافر إذا أسلَم، فعرَفنا أنَّه عامٌ لَحِقه خصوص فنخصَّه، ونحمله على الرِّجال بدَليل ما ذكرنا" (٣)؛ كذا في المبسوط. وذَكَر في الأسرار: أنّ المرتدَّة تسترقُّ عندنا إذا لَحِقَت بدار الحَرب (٤)، فزالتْ (٥) عِصمة دارنا كالمشركة العَربية، وإنَّما يتغلَّظ حكم قبولِ الإسلام بالالتزام فتُجْبَر عليه، وإنْ استرقَّت بخلاف الحَربية فإنَّها لا تُجبَر على الإسلام بعد الاسترقاق. وقال الشافعي ﵀: لا تملك بالاسترقاق وإن لَحِقتْ بدار الحرب كالرَّجل. ألا ترى أنَّها لا تُسبى ما دامَت في دار الإسلام (٦)، إلا أنَّا نقول إنَّها حَربية دينًا ودارًا فتُسبى كالكَافرة الأَصلية، بخلاف ما إذا دامت في دارنا لأنَّ حكم دارنا قائم فيها. ألا ترى أنَّ الملك لا يزول عنها بسبب عِصمة الدَّار بالإجماع، والأَمة يُجبِرها (٧) مولاها.

стр. 2326

قال أبوحنيفة ﵀: "إذا ارتدَّت الأَمَة واحتاج المولى إلى خِدمتها دُفِعت إليه، وأمره القاضي أنْ يجبِرها على الإسلام (١) وأَرسل إليها القاضي كلَّ أيام يهدِّدها ويضربها أسواطًا، يصنَع بها حتَّى تَموتَ أو تسلِم" (٢) لأنَّ المنافِع للمَولى لا (٣) تسقُط حقُّه بكفرِها، وقَد أمكَن الجمع بين توفير حقِّ المولى والإجبار على الإسلام، فيفعل (٤)؛ كذا في الإيضاح. (بَينَ الحقَّين) أي: الجبر والاستخدام. قوله: (ويُروى: تُضرب في كل أيام) (٥) يعني: "درهر جند كاهي" (٦)، كذا كان (٧) بخطِّ شيخي ﵀. [آثار الردة] (ويزول ملك المرتدِّ عن أمواله بِردَّته زوالًا مراعىً) أي: محفوظًا وموقوفًا زوالُه إلى أنْ يتبيَّن (٨) حاله؛ لأنَّ ردَّته توجِب زوال ملكِه (٩) على قول أبي حنيفة ﵀، ثم لو أسلم فالمال (١٠) على ما كان. (وإن مات أو قتل) فعمل السَّبب المزيل لملكه وقتَ الموت والقتل مستندًا إلى أوَّل السَّبب، وهو الرِّدة كما في البَيع بشرط الخيار، فإنَّه إذا أُجيز يَثبُت الملك مِن وقت العَقد حتَّى يستحقَّ المشتري البيع بزوائده المتَّصلة والمنفصِلة جميعًا. فعلى هذا الطريق يكون التَّوريث فيه توريثَ المسلم من المسلم. فإنْ قيل: زوال ملكِه إمَّا أنْ يكون قبل الرِّدَّة، أو معها، أو بعدها، والحكم (١١) لا يسبِق السَّبب، ولا يقترن به بل يُعقِبه، (١٢) وَ (١٣) بعد الرِّدة هو (١٤) كافر. قلنا: نعَم، المزيل للملك ردَّته كما أنَّ المزيل للملك موتُ المسلم ثُمَّ الموت يزيل الملك عن الحيِّ، لا عن الميِّت، فكذلك الرِّدَّة تزيل الملك عن المسلم. وكما أنَّ الرِّدة تزيل مُلكَه، فكذلك تزيل عِصمة نفسِه، وإنَّما تزيل العِصمة عَن معصوم، لا عن غير معصوم، فعرَفنا أنَّه يتحقَّق بهذا الطَّريق

стр. 2327

توريث المسلم من المسلم، فلهذا لا يرثه ورثتُه الكفَّار لأنَّ التَّوريث من المسلم، والكافر لا يرث المسلم (١)؛ كذا في المبسوط، لأنَّه مكلف، وكونُه/ مكلَّفًا يقتضي عدَم زوال ملكه لأنَّه لا يتمكَّن من إقامة موجِب التَّكليف إلا بالملك. وكونُه مكلَّفًا يُشعر بكمال الأهلية، وكمَال الأهلية لا يقتضي زوال الملك بل يقتضي تقدُّره (٢)، فصار هذا كالمحكوم برهن (٣) حيثُ لا يزول ملكه هناك. قوله: (ومالكيتِه) بالجر للعطف على ملكه. (فتوقَّفنا في أمره) أي: انتظرنا حتَّى (٤) لو نظرنا إلى أنَّه حربي بدليل جواز قَتله لِما أنَّنفس الكُفر لا يجوِّز القتلَ بل الكفر المفضي إلى الحراب يجوِّز القتل. ألا ترى أنَّ الكافر الَّذي لا يقدر على الحواب في [بِنيتِه] (٥) كالأعمى والمقعَد والشَّيخ الهرِم والمرأة مِن الكفَّار لا يجوز قتلُهم لعدم إفضاء كفرهم إلى الحراب؛ وههنا جاز قتلُ المرتدَّ؛ عُلم أنَّه لارتداده صار حربيًا، والحَربي المقهور في أيدينا مملوكٌ لنا، ولَيس بمالك شيئًا ينبغي أنْ يزول ملكُه قطعًا مِن غَير توقُّف، ولو نظَرنا إلى أنَّه يجبَر على الإسلام ينبغي أنْ لا يزول ملكه لأنَه مرجو العود إلى الإسلام، فتوقَّفنا في الزَّوال عملًا بالدَّليلين. (جُعل العارض كأنْ لم يكُن في حقِّ هذا الحكم) أَي: جعل الارتداد كأنْ لم يوجَد في حقِّ بقاء ماله على ملكه، فكان ماله ملكه كما كان. وإنَّما قيَّد بقوله: (في حقِّ هذا الحُكم) لأنَّ في إحباط عملِه مِن الطَّاعات كلِّها، وفي وقوع الفُرقة بينه، وبين امرأته، وفي فرضيته تجديد الإيمان لم يكن ارتداده كأنْ لم يكُن بل عمِل عملَه في حقِّ هذه الأحكام. (ولم يُعمل بالسبب) أي: لم يُعمل السبب المزيل لملكه، وهو كونه حربيًا مقهورًا في أيدينا ونحن أيضًا لم نعمل بذلك السبب فلم نقل بزوال الملك. (ثم هو مالٌ حَربيٍّ لا أمان له فيكون فيئًا) "فيوضَع في بيت المال ليكون للمسلمين باعتبار أنَّه مال ضائع. قلنا: المسلمون يستحقُّون ذلك بالإسلام وورثَتُه ساوَوا المسلمين في الإسلام، وترجَّحوا عليهم بالقرابة لأنَّ ذا السَّببين مقدَّم على ذي سببٍ واحد (٦)، فكان الصَّرف إليهم أولى" (٧)، كذا في المبسوط.

стр. 2328

(على ما بيَّنَّاه) وهو قولُه: (لأنَّه مكلَّف محتاج … ) إلى آخره، لأنَّ ما ذكرناه من المعاني تَجمع الكَسبينِ، وليس في الرِّدة أكثر من أنَّه صار مشرفًا على الهلاك، فيكون كالمريض والمكتسب في مرض الموت، كالمكتسب في الصحة في حكم الإرث. (ويستند إلى ما قُبَيل ردَّته) أي: يستند التَّوريث (١)، وبه صرَّح في المبسوط، فيجعل كأنَّه اكتسبه في حال الإسلام فورثه وارثه منه من وقت الإسلام. (أنَّه يمكن الاستناد (٢) أي: استناد (٣) التَّوريث. (لوجوده قبل الرِّدَّة) أي: لوجود الكسب قبل الرِّدَّة. (لعدمه قبلها) أي: لعدم الكسب قبل الرِّدَّة. (ومن شرطه وجوده قبلَها) أي: ومن شرط إسناده التَّوريث وجود الكسبِ قبل الرِّدَّة ليكون فيه توريث المسلم من المسلم، لأنَّا لو قلنا بالتوريث فيما اكتسبه في حال الرِّدة يلزم توريث المسلم من الكافر، وذلك لا يجوز. (وبقي وارثًا إلى وقت موته) حتَّى لو حَدَث وارثٌ له بعد الرِّدَّة لا يرثه كما إذا أسلم بعض قرابته بعد ردَّته أو وُلِد له من عَلوق (٤) حادِثٍ بعد ردَّته، فإنَّه لا يرثه على هذه الرِّواية لأنَّ سبب التَّوريث الرِّدَّة، فمَن لم يَكُن موجودًا عند ذلك لم ينعقِد له سببُ الاستحقاق؛ ثُمَّ تمام الاستحقاق بالموت فإنَّما يتِمُّ في حقِّ مَن انعقَد له السَّبب، لا في حقِّ مَن لم ينعقِد له السَّبب، ثُمَّ في حقِّ مَن انعقد له السَّبب يُشترط بقاؤه إلى وقت تمام الاستحقاق، فإذا مات قبل ذلك يبطُل السَّبب في حقِّه، كما في البيع الموقوف (٥) يتِمُّ الملك عند الإجازة، ولكنْيشترط قيام المعقود عليه عند الإجازة حتَّى إذا هلك قبل ذلك بطل السبب؛ هذه رواية الحسن عن أبي حنيفة. أمَّا (٦) في رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة ﵀ يُعتَبر وجودُ الوارِث وقتَ الردَّة (٧).

стр. 2329

(ثم لا يبطُل استحقاقه بموته) قبل موت المرتدِّ لأنَّ الرِّدَّة في حكم التوريث كالموت، ومَن مات من الورثة بعد موت المورِّث قبل قِسمة ميراثه لا يبطُل استحقاقه، ولكن يُخلِفه وارثه فيه فهذا مثله. فأمَّا رواية محمد عن أبي حنيفة -وهي الأصح- يُعتبر مَن يكون وارثًا له حين مات أو قُتِل سواءٌ كان موجودًا وقتَ الردَّة أو حدَث بعده لأنّالحادث بعد انعقاد السَّبب قبل إتمامه يُجعل كالموجود عند ابتداء العقد في أنَّه يصير معقودًا عليه بالقبض، ويكون له حصَّة مِن الثَّمن، فههنا أيضًا، مَن يحدُث بعد انعقاد السَّبب يُجعل كالموجود عند ابتداء السَّبب، ولو تصوِّر بعد الموت الحقيقي وَلَدٌ له/ من علوق حادث، لَكُنَّا نجعلُه كذلك أيضًا، إلَّا أنّ ذلك لا يتصوَّر. فأمَّا بعد الهلاك الحكمي فالزِّيادة يُتصوَّر فيُجعَل الحادث كالموجود عند ابتداء السبب (١)؛ كذا في المبسوط. وحاصله أنَّ على رواية الحسن يُشترط الوَصفانِ، وهما كونه وارثًا وقتَ الردَّة، وكونه باقيًا إلى وقت الموت أو القَتل، حتَّى لو كان وارثًا ثُمَّ مات قبل موت المرتدِّ، أو حَدَث وارثٌ بعد الرِّدَّة (٢) فإنَّهما لا يرثان. وعلى رواية أبي يوسف يُشترط الوصف الأوَّل دون الثَّاني وعلى روايةِ محمد يشترط الوصف الثَّاني دون الأول. [الميراث في الردة] قوله: (بل يخلُفه وارثه) أي: يخلف الوارثُ وارثَه. (وترث امرأتُه المسلِمة إذا مات أو قُتِل وهي في العَّدة)؛ "لأنَّ النِّكاح بينهما، وإنْ ارتفع بنفس الرِّدَّة، ولكنَّه فارٌّ عَن ميراثها وامرأة الفارِّ ترثُ (٣)، و (٤) إنْ كانت في العدَّة عند موته. وعلى رواية أبي يوسف ﵀ تَرِث وإنْ كانت منقضيةَ العدَّة عند أبي حنيفة لأنَّ سبب التَّوريث كان موجودًا في حقِّها عند ردَّته، وعلى تلك الرِّواية إنَّما يُعتبر قيام السَّبب عند أوَّل الردَّة" (٥)، كذا في المبسوط. فإن قلت: إسناد التوريث على قول أبي حنيفة ﵀ إلى ما (٦) قبل الرِّدَّة، فعلى ذلك يَجِب أنْ لا [يتَفاوت] (٧) بينَ ما إذا كانتْ المرأةُ مدْخولًا (٨) بها أَو غير مدخولٍ بها لأنَّ الرِّدَّة موتٌ حُكمي، وإذا مات أَحَد الزَّوجين وَرِث البَاقي عن الميِّت، وإنْ كان قَبل الدُّخول. وههنا لم تَرث المرأة إذا كانت قبل الدخول أو بعد انقضاء العدة. قلتُ: جعَل ردَّة الرَّجل كالموت لأنَّه يستحقُّ بها قتله، وليكون توريث المسلم من المسلم، وأمَّا هو حي حقيقة، ألا ترى أنّ امرأتَه تعتدُّ بثلاث حِيض لا بأربعة أشهر وعشر، وإذا كان كذلك فلا ترث المرأة الَّتي لم يدخل بها أو انقضت عدَّتها وقت الموت؛ "لأنَّ حكم التَّوريث إنَّما يتقرَّر بالموت، وإنْ كان يستند إلى أوَّل الردَّة؛ لأنَّه بعد الردَّة حيٌّ حقيقةً. وإنَّما يرث الحيُّ مِن الميت لا من الحيِّ. ولهذا يُعتبر بقاء الوارث وقتَ موتِه حتَّى لو مات ولده، وقبل موته لم يرثه، فكذلك يُعتبر قيام عدَّتها وقتَموتِه، فإذا انعدَم، لم يكن لها ميراث" (٩)؛ إلى هذا أشار في المبسوط.

стр. 2330

فإن قيل: إنَّ أبا حنيفة ﵀ أَسند التَّوريث إلى ما قبل الرِّدة، [وقبل الردة] (١) هو صحيح حقيقةً وحكمًا، فكيف يصير بارتدادِه فارًّا عَن ميراث امرأتِه، وحُكم الفارِّ مخصوص بما إذا كان الطَّلاق في مَرض الموت أو فيما يقوم مقام مَرَض الموت من حيث إنَّه يفضي إلى الهلاك غالبًا. قلنا: قد ذكر في الفوائد الظهيرية بيان أنَّه (٢) [صار فارًّا فقال:] (٣) أمَّا إذا ارتدَّ الزَّوج وهو مريض، فلا إشكال. وإنْ كان صحيحًا فكذلك لأنَّ الردَّة بمنزلة المرض لأنَّها سببٌ للموت فيتعلَّق حقُّها بماله (٤). وهذا يعضِدُ قولُ محمَّد، فإنَّ عنده ينفَّذ تصرُّفه كما ينفَّذ من المريض (٥). وحاصله أنّ الفُرقة حكم الردَّة، وعلى قول بعض المشايخ الحكم يتعقَّب العلَّة، والردَّة مِن حين وُجدَت بمنزلة مَرض الموت لإفضائها إلى الهلاك، فكان هو مُبطلًا حقَّها بالارتداد فاعتُبِر لذلك بالفارّ. (بخلاف المرتدِّ عند أبي حنيفة ﵀ وأشار إلى الفُرق وقال: المرأة لا تُقتَل والرجل يُقتل، ومعنى هذا: أنَّ عصمة المال تَبَع لعصمة النفس، فبالردَّة لا تزول عصمة نفسها حتى لا تُقتل، فكذلك عصمة مالها، بخلاف الرجل فلمّا كانت عصمة مالها باقيةً بعد ردَّتها كان كلُّ واحد من الكَسْبَينِ مِلكها فيكون ميراثًا لورثتها (٦)؛ كذا في المبسوط. (ويرثها زوجُها المسلِم إنْ ارتدَّت، وهي مريضة) يعني: أنَّ المرأة إذا ارتدَّت وهي مريضة ثم ماتت المرأة، أَو لحِقَت بدار الحرب في العدَّة، ورثها زوجُها لقصدِها إبطال حقِّه، فكانت فارَّةً فيُردُّ قصدها عليها كما في جانب الرَّجل. فإنْ قلتَ: إنَّ فرار الزَّوج إنَّما كان يتحقَّق إذا مات الزَّوج وهي في العدَّة، ألا تَرى أنَّه لو طلَّقها قبل الدُّخول في مرَضه لم يكن لها الميراث لأنَّها لَيست في عدَّته، ثُمّ ههنا لا عدَّة على الرجل فينبغي أنْ لا يرثها الزوج، ولأنَّها بنفس الردَّة قد بانت (٧) / منه وهي لا تُقتل؛ فلو قُلنا بالتَّوريث كان فيه توريث المسلم من الكافر.

стр. 2331

قلت: هذا الذي ذكرتَه هو جواب القياس. وأمَّا جواب الاستحسان فله الميراث لأنَّه تعلَّق حقُّه بمالها بمرضها، فكانت بالردَّة قاصدةً إلى إبطال حقِّه فارَّة عن ميراثه، فيُردّ عليه قصدُها كما في جانب الزوج، بخلاف ما إذا كانت صحيحةً حين ارتدَّت لأنَّها بانت بنفس الرِّدة ولم تصر مشرفةً على الهلاك لأنَّها لا تُقتل بخلاف الرَّجل، فلا تَكون في حكم الفارَّة المريضة، فلا يرث زوجُها منها (١). كذا ذكر المسألة في "كتاب الطلاق" والسِّيَر من المبسوط. [لحاق المرتد بدار الحرب] (ولنا أنَّه باللِّحاق صار مِن أهل الحرب) أي: حقيقةً وحكمًا. أمَّا حقيقةً فإنَّه بَين أَظهُرهم واعتقاده كاعتقادهم. وأمَّا حكمًا فإنَّه لما أَبطَل إحرازَه نفسَه بدار الإسلام حين عاد إلى دار الحرب صار حربًا للمسلمين، فأعطي له حكم أهل الحرب، والحربي في دار الحرب كالميت في حقّ المسلمين؛ قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، ولأنَّه قد خرج مِن يد الإمام حقيقةً، ولو كان في يده لموّتَه حقيقةً بأنْ يقتله فيقسم ماله، فإذا عجز عَن ذلك بخروجه مِن يدِه موّتَه حُكْمًا، فيقسِم ماله بَين ورثتِه، وحُكِم بعِتق أمهات أولاده (٢)؛ كذا في المبسوط. (وهي) أي: الأحكام (ما ذَكرناها) وهو قوله (٣): (عتق مدبروه وأمهات أولاده … ) إلى آخره. [قضاء ديون المرتد] هذا (رواية عن أبي حنيفة)، وهي رواية زُفَر عن أبي حنيفة (٤). (وعنه) أي: عن أبي حنيفة ﵀، (أنَّه يبدأ بكَسب الإسلام) وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (٥). (وعنه على عَكسه) بأنْ يبدأَ في قضاء الدَّين بكَسب الرِّدَّة، وهو رواية أَبي يوسف عن أبي حنيفة ﵀ (٦).

стр. 2332

(وَجْه الأَوَّل)، وهو قضاء الدَّين في حال الإسلام مِن كَسْب الإسلام وقضاء الدَّين في حال الرِّدَّة مِن كسب الرِّدَّة، وكذلك غيره في (١) الوجهَينِ. قوله: (إلَّا إذا تعذَّر قضاؤه مِن محلٍّ آخر فحينئذٍ تقضى منه كالذِّمِّي … ) إلى آخره؛ (٢) جواب إشكال (٣) ورَد على قولِه: ليس بمملوك له؛ بأنْ يُقال: لمَّا لم يكن كسب الردَّة مملوكًا له، كيف يؤدِّى دَينه منه وإنْ لم يكن له كسب الإسلام؟ فقال: هذا غير بعيد هو أنْيُصرَف الكَسب إلى الدَّين، وإنْ لم يكن ملكًا له، كالذِّمِّي إذا مات ولا وارثَ له، فلَم يبقَ له ملك فيما اكتسبه، بل يكون ماله لعامَّة المسلمين، ومع ذلك لو كان له دَين يُقضى منه. وذكر في المبسوط: "فعلى هذا لا يُنفَّذ تصرُّفه في الرَّهن وقضاءِ الدَّين مِن كَسب الرِّدَّة إذا كان في كَسب الإسلام وفاءً بذلك" (٤). قوله (وكَسب الرِّدَّة خالصُ حقِّه) فإنْ قيل: هذا مناقِض لما ذَكر قبلَه في مواضع بقوله: (ويزول ملك المرتدِّ عَن أمواله بردَّته)، وقوله: (وهذا يوجِب زوالَ ملكه ومالكيته)، وقوله: (وأما كسب الردة ليس بمملوك له)، وخُلوص الحقِّ في المال إنَّما يُعرف بكونه مملوكًا له. قلنا: المعنى من خلوص الحقِّ هنا: هُو أنْ لا يتعلَّق حقُّ الغَير به، كما يَثبُت التعلُّق في مال المريض، ثمَّ لا يلزم مِن كونه خالص حقِّه كونه ملكًا له. ألا ترى أنَّ كسب المكاتَب للمكاتب خالص حقِّه، وليس بملك له، وكذلك الذِّمِّي إذا مات ولا وارث له، على ما ذكرنا، هو خالص حقِّه ولا ملك له فيه. [أقسام تصرفات المرتد] (يجوّز ما صنع في الوجهين) أحدهما: الإسلام، والثاني: أحد الأوْجه الثلاثة من الموت، والقتل، واللُّحوق. (نافذ بالاتفاق: كالاستيلاء والطلاق) (٥). فإن قيل: بالارتداد وقعتْ الفُرقة بينهما ثُمَّ بعد ذلك كيف يُتصوَّر الطَّلاق من المرتدِّ؟ قلنا: قَد (٦) فصَّلنا في آخر "باب نكاح أهل الشرك" من كتاب النِّكاح الفُرقة التي يَقَع بعدها الطَّلاق، والفُرقة التي لا يقع بعدها الطَّلاق، وقد ذكرنا مِن رواية المحيط أنَّ الفُرقة التي تَقع بالارتداد مِن قَبيل الفُرقة التي يقع بعدها الطَّلاق، فكان طَلاق المرتدِّ واقعًا بعد الفُّرقة بالارتداد، كما لو طلقها بعدما أبانَها بالطَّلاق البائن، على أنَّا نقول: يحتمِل أنْ يُوجَد الارتداد، ولا تقع الفُرقة به كما لو ارتدَّا معًا (٧).

стр. 2333

(لأنَّه لا يفتقر إلى حقيقة الملك وتمام الولاية) هذا نشر لما لَفّ بقوله: (كالاستيلاد (١) والطَّلاق) أي: الاستيلاد لا يفتقِر إلى حقيقةِ الملك حتَّى صحَّ في جارية الابن، والطَّلاق لا يفتقِر إلى تمام الولاية حتَّى صحَّ مِن العبد مَع قصور ولايتِه على نفسه. وذكر في المبسوط: "منها نافذ بالاتِّفاق، وهو الاستيلاد حتَّى إذا جاءت جاريتُه بولَد فادَّعى نسبَه يثبُت النَّسب منه، وورِثه هذا الوَلد مَع ورثتِه/، وكانت الجارية أمَّ ولد له لأنَّ حقَّه في ماله أقوى من حقِّ الأب في جاريةِ ولدِه، واستيلاد الأبِ صحيح، فاستيلاد المرتدِّ أولى؛ ولأنَّها موقوفة على حكم ملكه حتَّى إذا َأسلم كانت مملوكةً له، وحقُّه فيها أقوى مِن حقِّ المولى في كَسب المكاتَب، وهناك يصِحُّمنه دعوة النَّسب، فههنا أولى، إلَّا أنَّ هناك يحتاج إلى تصديق المكاتَب لاختصاصه بملك اليد والتصرُّف، وههنا لا يحتاج إلى تصديق الورثة لأنَّه لم يثبت لهم ملك اليد والتصرُّف في الحال" (٢). (وباطل بالاتفاق: كالنكاح والذبيحة؛ لأنه يعتمد الملة ولا ملة له) (٣). فإن قيل: أيش [تعني] (٤) بـ"الملَّة"؟ إنْ عنيتَ بها ملَّة الإسلام فينتقِض بصحَّة نكاح أهل الكتاب، وإنْ عنَيتَ بها الملَّة السماوية فينتقِض (٥) بصِحَّة نكاح المجوس، وأهل الشِّرك فيما بينَهم، وليس لهم ملَّة سماوية أصلًا، لا مقرَّرة ولا محرَّفة، وَمَع ذلك إنَّ نكاحَهم محكوم بالصَّحة، والدَّليل على صحَّة نكاحِهم وجوبُ الحكم على قاضي أهل الإسلام بالنَّفَقة، والسُّكنى، وجَرَيان التَّوارث بين الزَّوجين ولأنَّهم لو أسلموا على نكاحهم ذلك يقَرُّون عليه إذا لم يَكُن النِّكاح في ذات رحِم محرَّم منهم، وقال النَّبي ﵊: "وُلِدتُ مِن نكاحٍ لا مِن سِفاح" (٦).

стр. 2334

قلنا: قال الإمام ظهير الدِّين في الفوائد: وقَد راجعتُ الفُحول في هذا فلَم أجِد لدَيهم ما يجدي نفعًا، وكنتُ في ذلك متَمَلْملًا حتَّى هَجَس في فؤادي والتاط بصغري … وَذكَر ما هجَس في فؤاده، وهو أنَّ المعني مِن تلك الملَّة هو الملَّة (١) الَّتي يتديَّنون بذلك النِّكاح المتوارث (٢) ويُقرّون على ذلك لأنَّ عند ذلك يحصُل ما هو الغَرَض مِن النِّكاح، وهو التّوالُد والتَّناسُل، وينتظم مصالح النِّكاح، وإذا كان كذلك، فالمرتدُّ والمرتدَّة لَيسا على تلك الملَّة فلا يصِحُّ نكاحُهما، وذلك لأنَّ المرتدَّ يُستتاب بالسَّيف، والمرتدة تستتاب (٣) بالحَبس، فكيف ينتظِم ما هو الغَرض مِن النكاح؟ فلمَّا لم يحصُل لهما هذا الغَرض لا يكون لهما ملَّة يتديَّنون بها التَّوارث فلا يصحُّ نكاحُهما. (٤) فالحاصل أنَّ حِلَّ الذَّبيحة يقتضي ملَّةً تتلقَّى مِن الكتاب، وصحَّة النِّكاح يقتضي (٥) ملَّة لو ماتَ مَن عليها يرِثُه مَنكان عليها بذلك النِّكاح. فلذا (٦) جاز نكاح المجوس، ونكاح سائر المشركين لأنَّهم دانوا دِينًا لو مات مَن عليه يرِثه مَن كان عليه، ويقرُّون على ذلك الدِّين؛ فحينئذٍ ينتظِم مصالح النِّكاح فيصحُّ نكاحُهما بخلاف المرتدِّ والمرتدَّة على ما قلنا، فلا يصح نكاحهما. (وموقوف بالاتفاق: كالمفاوضة) (٧) فإنَّه إذا فَاوَض مسلمًا [توقَف] (٨)، فإنْ أسلَم نُفِّذت المفاوضة، وإنْ مات أو قُتِل أو قضي بلحاقه بدار الحرب بطَلت المفاوضة بالاتفاق. ولكن عند أبي يوسف ومحمدٍ -رحمهما الله- تبقى (٩) عنانًا (١٠)، وهو ما عدَدْناه، وهو قوله: (ما باعه أو اشتراه … ) إلى آخره (١١) على ما قرَّرناه وهو قوله: لأنَّه (مكلَّف محتاج) (١٢).

стр. 2335

(ولهذا لو وُلِد له ولد)، هذا لإيضاح أنَّ الملك للمرتدِّ باقٍ. (ولو مات وَلده) أي: ولد المرتدِّ. (بعد الرِّدَّة قبل الموت لا يرثه) هذا أيضًا لإيضاح أنَّ الردَّة ليست كالموت مِن كلِّ وجه، وأهلية المرتدِّ للملك باقيةٌ. وإنَّما قيّد بالولد المولود بعد الرِّدة، وإنْ كان الحكم في الولد المولود قبل الردَّة كذلك أيضًا، لدَفع شبهةٍ عسى تُرِدُ بأنْ يقال: إنَّما ورث المرتدُّ ولدُه المولود قبل الردَّة لأنَّه انتقل إليه إرثه. (قبل المدَّة إلَّا أنَّ (١) عند أبي يوسف تصحُّ كما تصحُّ من الصحيح)؛ لأنّه متمكِّن من دفع الهلاك عن نفسِه بسبَب مستحقّ عليه مرغوب فيه، فلا تصير في حكم المريض كَمَن قصد أنْ يلقي نفسَه مِن شاهقِ جبلٍ لا يصير به في حكم المريض. يوضِّحه أنَّ المقضي عليه بالرَّجم والقصاص يصير كالمريض ما دام في السِّجن لتمكُّنه مِن دفع الهلاك عَن نفسه بادِّعاء بشبهة، فالمرتدُّ أولى لما أنً دعوى (٢) الشُّبهة هناك متردَّد (٣) في القبول، وههنا تُقبل قطعًا. (وعند محمَّدٍ ﵀ تصحُّ كما تصحُّ مِن المريض) لأنَّه لما أشرَف على الهلاك أعطي له حكم المريض في التصرُّف. ألا ترى أنَّ زوجته ترثه بحكم الفِرار، وذلك لا يتحقَّق إلا في المريض (٤)؛ كذا في المبسوط. (على ما قرَّرنا) وهو قوله: (أنَّه حربي مقهور … ) إلى آخره (٥)، (وصار كالحربي يدخل دارنا) إلى أنْ قال: (بتوقُّف تصرُّفاته لتوقُّف حاله) إلا أنَّ هناك يُتوقَّف حال الحربي بين الاسترقاق والقتل/ والمنِّ، وههنا بين القتل، والإسلام، ثم هناك إنْ استرقّ أو قُتل بطَل، وإنْ ترك نُفِّذ، فكذلك ههنا. يوضِّحُه أنَّ المرتدَّ هالك حكمًا، والهلاك الحقيقي ينافي مالكيته المال، ولا ينافي توقُّف المال على حقِّه كالتَّركة المستغِرقة بالدَّين، فكذا (٦) الهلاك الحكمي (٧). وإذا تُوقِّف الملك توقِّف ما يَبتني عليه مِن التصرُّفات، كما في الحربي الذي ذكرنا، بخلاف المقضي عليه بالقصاص والرَّجم؛ فهناك لم يزَل ما به عِصمة المال والنَّفس، وهو الإسلام، وإنَّما استحق نفَسه بما هو مِن حقوق تلك العِصمة في حقِّ ولي القصاص، حتَّى لو قتله غير ولي (٨) القصاص بغير إذنِه يُقتل القاتِل فيبقى مالكًا حقيقةً لبقاء عصمة ماله، وقد انعدم ههنا ما به كانت العصمة في حقِّ النَّفس في حقِّ الكلِّ، فكذلك في حقِّ المال لأنَّها تابعة للنَّفس في العصمة؛ ولأنَّ تأثير الردَّة في نفي المالكية فوق تأثير الرِّق، وإنَّ الرِّق ينافي مالكية المال، ولا ينافي مالكية النِّكاح والردَّة تنافيهما. فلمَّا لم يعتبر تصرُّف الرَّقيق باعتبار عدم مالكيته المال فههنا أولى (٩)؛ كذا في المبسوطوالجامع الصغير لقاضي خان.

стр. 2336

(لبطلان سبَب العِصمة) وسبب العصمة كونه آدميًا مسلمًا، وقد بطَل ذلك بالكفر فصار كالجماد (في الفصلين) وهما فصل الحربي، وفصل المرتدِّ. وذكر صدر الإسلام في الجامع الصَّغير: إلا أنَّ ما قاله أبو يوسف ومحمَّد أحسن لأنّ المرتدّ لا يقبل الرِّق، والقهر يكون قَهرًا حقيقيًا، ولا يكون حكميًا، والملك يبطُل بالقَهر الحكمي لا بالحقيقي، ولهذا المعنى لا يبطل ملك المقضي عليه بالرَّجم (١). [عود المرتد إلى الإسلام] (وإذا عاد مسلمًا احتاج إليه فيقدَّم عليه) "لأنَّ الوراثة خلافَة والخلَف يسقُط اعتباره إذا ظهر الأصل، ولما جاء تائبًا فقد (٢) صار حيًا حكمًا" (٣) كذا في المبسوط. وقال شمس الأئمة الحلواني في هذا: "و (٤) لو كان هذا بعد موتِه حقيقةً بأنْ أحياه الله تعالى وأعاده إلى الدُّنيا كان الحكم فيه هكذا إلا خلاف العادة" (٥). (بخلاف ما إذا أزاله الوارث عن ملكه) فإنَّه لا سبيل (٦) عليه لأنَّه أزاله في وقت كان سبيل (٧) مِن الإزالة (٨) [الوارث عن ملكه، فإنَّه لا سبيل عليه لأنَّه أزاله في وقت إلى مقدرته الإزالة] (٩)، ولا سبيل له على (أمهَّات أولاده ومدبَّريه) لأنَّ القاضي قَضى بعتقهنَّ عن ولايةٍ لأنَّه لو كان في دار الإسلام، كان له أنْيموّته حقيقةً، فإذا خرج عن ولايتِه كان له أن يموِّته حكمًا، فإذا قضى عَن ولاية ينفَّذ قضاؤه، والعتق بعد وقوعِه لا يحتمل النقض (١٠)، وهذه خلوة (١١) حادثة، كذا (١٢) في الجامع الصَّغير لقاضي خان. (لأنَّ القضاء قد صحَّ بِدليل مصحّح) وهو قضاء القاضي بلحاقه. (فكأنَّه (١٣) لم يزَل مسلمًا) بفتح الزاي أي: كأنَّه لم يرتدَّ في حقِّ عدم زوال ملكه (لِما ذكرنا) إشارةً إلى قوله: (إلَّا أنَّه لا يستقِر لحاقُه إلا بقضاء القاضي) فلا بُدَّ مِن القضاء؛ يعني: إذا جاء مسلمًا قبل القضاء بلحاقه، فأمَّهات أولاده والمدَبَّرون على حالهم، أي: لا يُعتقون بقضاء القَاضي، وما كان عليه مِن الدُّيون فهي إلى أَجَله كما كانت لأنّ موته لا يتقرَّر قبل القضاء (١٤)؛ كذا ذكره الإمام قاضي خان ﵀.

стр. 2337

[حكم المولود في الردة] (وإذا وطئ المرتد … ) إلى قوله (فجاءت بولد لأكثر من ستَة أشهر) (١). وذكر في الجامع الصَّغير لفخر الإسلام، وقاضي خان، والتمرتاشي -رحمهما الله-: فجاءت به لستَّة أشهر؛ فألحقوا ستَّة أشهُر بالأكثر منها (٢). ثم فائدة التقييد لقوله (٣): (لأكثر من ستة أشهر) أنَّها إذا جاءت به لأقلِّ مِن ستة أشهر فالولد يرث من أبيه المرتدِّ، وإنْ كانت أمُه نصرانية؛ لأنَّا تيقنَّا حينئذٍ بوجوده في البطن قبل الردَّة، فيكون مسلِمًا تبَعًا للأب. "وأمَّا إذا جاءت به لستَّة أشهر مِن وقت الرِّدة لم [نتيقن] (٤) بعلوق الولد قبل الردَّة فلا يجعل الولد مسلمًا بإسلام الأب قبل الردَّة" (٥)؛ كذا ذكره الإمام قاضي خان ﵀. (فلِما قُلنا) وهو قوله: (لأنَّه لا يفتقِر إلى حقيقة الملك) فالوَلد تبَع له لقُربه إلى الإسلام. فإن قيل: لِمَ لا يجعل مسلمًا باعتبار دار الإسلام كاللقيط؟ قلنا: لأن تَبعية الدّار عند عدم الأَبوين. فأمّا عند وجودهما فلا يُثبت (٦) ابتداءً الإسلام للولَد باعتبار الدَّار كالصَّغير إذا سُبي ومعه أحد أبويه (٧)؛ كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي، وقاضي خان. [لوح ٥٠٤/ ب] فإنْ قلتَ: يُشكل على هذا الولد/ المولود بَين المسلمين إذا ارتدّ أبواه، فإنَّه يبقى الولد مسلمًا ما دام في دار الإسلام باعتبار الدَّار، فعُلِم بهذا أنَّ تبعية الدَّار معتبرة عند وجود الأبوين أيضًا. قلت: إنَّما كان كذلك لأنَّ هناك قد يثبت للولد حكم الإسلام قبل ارتداد أبويه باعتبار تبعيتهما، فيبقى على ما كان باعتبار بقائِه في دار الإسلام بخلاف ما نحن فيه، فإنَّه لم يكن لهذا الولد حكم الإسلام، فلا يثبت ابتداءً الإسلام باعتباره إذا كان في يد أبوين كافرين، وإذا ثبت أنّه غير مسلم قلنا: المرتدُّ لا يرثه إلا ورثته المسلمون (٨) (٩)؛ كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀ في الجامع الصغير، فعُلم بهذا أنَّ ترجيح تبعية الأبوين على الدَّار إنَّما هو في ابتداء وجود الولد لا في حالة البقاء.

стр. 2338

وأيَّد هذا أيضًا ما ذكره في الإيضاح فقال: وإنْ وُلد وَلَد وهما مسلمان، ثم ارتدَّ لم يُحكم بردته ما دام في دار الإسلام لأنَّ التّبعية قد تجوز (١) أنْ تثبت بحُكم الدَّار إلا أن تبعية الأبوين أولى من تبعية الدار، فلا يثبت حكم الإسلام ابتداءً بتبعية الدَّار ما دامت تبعية الأبوين قائمةً، فإذا حُكِم بإسلامه اعتبر الدَّار لإبقاء حُكم الإسلام دون الإثبات ابتداءً (٢). وذكر في الفوائد الظَّهيرية بعد ذكر ورثة الولد فيما إذا كانت أمُّه مسلمةً، وقال: "وما قال في الكتاب أنَّ الإرث يستنِد إلى حالة الإسلام ليكون فيه توريث المسلم من المسلم فيما اكتسبه في حالة الرِّدَّة يضعُف بهذه المسألة لأنَّ الوَلَد هنا لم يكن موجودًا حال الإسلام، ومع هذا يرث؛ فعُلِم بهذا أنَّ الصحيح هو ما رواه محمد عن أبي حنيفة، فهو ما كان وارثًا عند موته سواءٌ كان موجودًا وقت الردة أو حدث بعد ذلك" (٣). [حكم المال في الردة] (ثم ظُهِر على ذلك المال فهو فَيء) [أي: فذلك المال فَيء] (٤) دون نفس المرتدِّ. ويجوز أن يكون (٥) فيئًا، ولا يكون نفسه فيئًا كمشركي العرب. (فوجدته الورثة قبل القسمة رٌدَّ عليهم) وهذا إذا قضى القاضي بلحاقه، وقُسِم ماله بين ورثته، فيكون المرتدُّ في هذه الصُّورة آخذًا مال الوَرَثة لا مالَ نفسِه، والحربي إذا استولى على مال المسلمين، وأحرزه بدار الحرب، ثم وقع المال في الغنيمة كان للمالك القديم أنْ يأخذه قبل القِسمة بِغير شيء، كذلك ههنا. فإن كان القاضي لم يقضِ بلحاقه حتَّى عاد، وأخذ المال، وأحرزه بدار الحرب، ثم وقع في الغنيمة، "في ظاهر الرِّواية، وهو جواب هذا الكتاب، يُرَدُّ على الورثة أيضًالأنَّه متى لَحِق بدار الحرب فالظَّاهر أنَّه لا يعود، فكان ميِّتًا ظاهرًا" (٦). وفي بعض روايات السِّيَر يكون فيئًا لا حقَّ للورثة فيه لأنَّ الحقَّ لا يثبت للورَثَة إلا بالقضاء (٧)، كذا في الجامع الصغير لقاضي خان. (والولاء للمرتد الذي أسلم) بخلاف ما إذا رجع بعدما عتق المكاتَب، فإنَّ الولاءَ فيه للابن ليقودها بدليل متعدٍّ (٨)، وهو قضاء القاضي باللُّحوق.

стр. 2339

وذكر الإمام شمس الأئمة السرخسي: وإنَّما صار الولاء للمرتدِّ الَّذي أسلَم في مسألة الكتاب لأنَّ ملك الوارث خَلَف عن ملك المُوَرِّث، وبالكتابة لا يزول ملك الرَّقبة، والأصل أنَّ المرتدَّ إذا جاء مسلمًا يُعاد إليه ما كان من ملكه لأنَّ الخلَف يسقط اعتباره إذا ظهر الأصل، ولكن لا تبطُل (١) الكتابة لأنَّه تصرُّف نفِّذ من الابن في حال قيام ولايته، فإذا عاد إلى المرتدِّ، وهو مكاتَب على حاله كان الابن كالثابت (٢) عنه في الكتابة، فيستوفي المرتدّ مكاتبته، ويعتق على ملكه، فيكون الولاء له؛ بخلاف ما إذا رَجَع بعدما عتق المكاتب لأنَّ الملك الذي كان له غير قائم بعد أداء الكتابة؛ وبخلاف ما لو باعه الابن مِن غيره لأنَّ الملك الذي كان له ينقطع بالبيع، ويثبت ملك حادث للمشتري بسبَب متجدِّد. ولا يُقال: المكاتب لا يحتمِل النَّقل مِن ملك إلى ملك فكيف ينتقِل هنا مِن الإرث (٣) إلى الأَب إذا رجع مسلمًا، لأنَّا نقول أنَّ هذا ليس بانتقال، بل هذا سُقوط ولاية الخلَف عند ظهور ولاية الأصل، فلا يكون ذلك انتقالًا من الخلَف إلى الأصل (٤). (لأنَّ العواقل لا تعقل المرتدّ لانعدام النُّصرة) أي: التعاقُل إنَّما يكون باعتبار التناصُر واحد (٥)، لا ينصر المرتد (٦)، وتَكون (٧) الدِّية في ماله كسائر ديونه. قوله: (ماله فيء (٨). (وعنده ماله) مبتدأ، المكتسب خبرُه لا صفتُه؛ لأنَّه لا يستقيم المعنى/ على تقدير الصِّفة. [المرتدّ الذي قطعت يده] (وإذا قُطعت يد المسلِم) أي: إحدى يديه، (أمَّا الأوَّل) وهو ما إذا مات على ردّته (فأُهدرت) أي: أُهدرت السِّراية لأنَّها لو لم تُهدر لَوجَب القصاص في العَمد، والدِّية الكاملة في الخطأ؛ لأنَّ قطع اليد صار نفسًا. (بخلاف ما إذا قطع يد المرتدّ، ثم أسلَم فمات من ذلك) حيث لا يضمن القاطع شيئًا، وإنْ كان هو معصومًا وقتَ السراية.

стр. 2340

(لأنَّ الإهدار لا يلْحقه الاعتبار) أي: إذا لَم يَقع معتبرًا لا يكون معتبرًا أبدًا لأنَّ غير الموجِب لا ينقلِب موجِبًا. (أما المعتبر قد يهدر بالإبراء) وكذلك بالإعتاق وكذلك بالبيع. وقد ذَكر في الفؤائد الظهيرية: رجل قطع يدَ عبدِ إنسانٍ ثُمَّ باعه مولاه، ثُمَّ رُدَّ عليه بالعيب، ثُمَّ مات العَبد مِن القطع، فإنَّ الجاني لا يضمَن للبائع ضمانَ النَّفس (١) لأنَّه لما باعه قَد أَبرأَه عَن ضمَان السِّراية مِن حيث المعنى. (ومعناه إذا قُضي بلحاقه). وأمَّا إذا لم يقضِ القاضي بلحاقه حتَّى عاد مسلمًا، فالصَّحيح أنَّه على الخلاف لأنَّ قضاء القاضي إذا لم يتَّصل بلحاقِه فهو بمنزلةِالغَيبة في بقاء أملاكه، وحقوقه إنْ كان مسلمًا (٢)؛ كذا ذكره الإمام شمس الأئمة السرخسي. (فإنْ لم يلحق، وأسلم) أي: قطع يد المسلم، ثم ارتدّ ولم يلحق بدار الحرب، ثم أسلم (ثم مات … ) إلى آخره (٣). (لأنَّ اعتراض الردَّة أَهدر السِّراية فلا ينقلِب إلى الإسلام بالضَّمان) لأنَّ الردَّة معنى لو مات عليه لم يجب بالسِّراية شيء، وكذلك إذا لم يمت عليه كعبد قُطِعت يدُه ثُمَّ باعه المولى ثم اشتراه، أو تناقضا البيع ثم مات لم تَجب إلا دية اليد، كما لو مات على البيع؛ لأنَّ البيع معنى لو مات عليه لم يجب بالسِّراية شيء؛ ولأنَّ البيع معنى يقطع ملكه في النفس مع قيام النفس محترمة، والردَّة تبطل حقُّ النَّفس أصلًا؛ إلا أنَّا نقول: "إنَّ الردَّة لَيست بإبراء عن ضمان الجناية وضعًا ولا شرعًا، بل هي لتبديل الدَّين. ألا ترى أنَّها تصحُّ من غير إبراء إلَّا أنَّه إذا مات على ذلك لم يجب الضَّمان لهدر دمِه بالرِّدة بخلاف ما إذا باع العبد المجني عليه؛ لأنَّ البيع وضع لقطع ملكه، والضَّمان بدَل ملكه، فإذا قطع الأصل قصدًا فُقد قطع البدل أيضًا فصار كالإبراء" (٤)؛ كذا في الأسرار. (وحالة البَقاء بمعزِل من ذلك) أَي: مِن انعقاد السَّبب و [ثبوت] (٥) الحكم، فلا يُعتبر بقاء العِصمة في هذه الحالة، كما لا يُعتبر في باب الزَّكاة نقصانُ النِّصاب في خلال الحول، وصار كقيام الملك في حال بقاء اليمين، فإنَّه إذا قال لعبده: إنْ دخلتَ الدَّار فأنتَ حرٌّ؛ ثُمَّباعه، ثُمَّ اشتراه، ثُمَّ دخل الدَّار عَتَق. أمَّا لو عدم الملك عند اليمين، أو عند الحنث لم يعتق. هذا هو الحكم في المقطوعة يده.

стр. 2341

"وإنْ كان القاطع هو الذي ارتدَّ فقُتل، ومات المقطوعة يده من قطع اليد مسلمًا، فإنْ كان عمدًا فلا شيء له؛ لأنَّ الواجب في العمد القَوَد (١)، وقد فات محلُّه حين قُتِل على ردَّته أو مات. وإنْ كان خطأ فعلى عاقلة (٢) القاطع دِيَة النَّفس؛ لأنَّه عند الجناية كان مسلمًا، وجناية المسلم، إذا كانت خطًا، على عاقلته، وتبيَّن بالسِّراية أنَّ جنايته كانت قتلًا، فلهذا كان على عاقلته دية النَّفس. وإنْ كانت الجناية منه في حال ردَّته كانت الدِّية في الخطأ في ماله لما بيَّنا أنَّ المرتد لا يعقل جنايته أحد" (٣)؛ كذا في المبسوط. (وهذا على أصلهما ظاهر) لأنّ كسب الردّة ملك المرتدّ، بمنزلة كسب الإسلام، وإنَّما يُشكل على قول أبي حنيفة لأنّ عنده كسب الردَّة لا يكون ملكًا للمرتدّ إذا كان حرّا، وجعله ملكًا إذا كان مكاتَبًا. وَوَجْهُه أنّ المكاتب إنّما اختصّ بإكسابه بعقد الكتابة، وعقد الكتابه لا يبطل بالردّة لأنّه لا يبطُل بحقيقة الموت، فلا يبطل باللِّحاق الذي هو شبهة الموت، وحاصله كونه في دار الحرب ككونه في دار الإسلام لأنّ قيام ملك المولى في رقبته يَمنع صيرورته حربيًا، ويجعله في حكم المتردِّد في دار الإسلام (٤)؛ كذا في الجامع الصّغير لشمس الأئمة، وقاضي خان. فإنْ قلتَ: سلَّمنا أنّ المكاتب يملك إكسابه وإنْ كان مرتدًّا، لكنْ لما قُتل عن وفاء كان حرًّا في آخِر جُزْء مِن أجزاء حياته، كما هو مذهبنا ثم تستنِد حريته إلى ما قبل الموت حتّى يحكم بِحُريّة أولاده الموجودين في حال كتابته، فيحينئذٍ كان ما اكتسبه في حال الارتداد كسب الحرّ المرتدّ، فيجب أنْ يكون فَيئًا (٥) على قول أبي حنيفة. قلتُ: ذلك جواب القياس، وأمّا جواب الاستحسان فهو ميراث لورثته لأنَّا حكمنا بِحُريته بالأداء/ بعد الموت في الحقوق المستحقَّة بالكتابة، وذلك حرِّيته، وحرية أولاده، وحقيقة الملك له في المكاسب، وفيما عدا ذلك يعتبر (٦) ميتًا عبدًا. ألا ترى أنّه لا تُنفَّذ وصيتُه وإنْ مات عن وفاء لأنَّها ليست من الحقوق المستَحقَّة بالكتابة، وإذا كان كذلك فنقول في حقّ عدم صيرورته فَيئًا يجعل كأنّه مات عبدًا، وكسب العبد المرتدّ لا يكون فيئًا (٧)؛ كذا في الفوائد الظهيرية.

стр. 2342

(فكذا بالأَدنى) وهو الردّة يعني: أنّ الرِّقّ أقوى مِن الردّة في المانعية من التصرُّف لأنّ بعض تصرُّفات المرتدِّ نافذة بالإجماع (١) كالاستيلاء. وعندهما عامّة تصرُّفاته نافذةكالبيع والشراء وغيرهما (٢). وأمّا العبد فممنوع عن التصرّفات كلِّها، ثُمّ لما لم يَتوقَّف تصرُّف المكاتب مع أنَّه رقيق لم يَتوقَّف تصرُّفه أيضًا مع أنَّه مرتدٌّ (بالطريق الأولى) (٣). قلت لشيخي في هذا: لا يلزَم مِن عدم منع الرِّقّ المكاتب عَن التصرُّف عدم منع الردَّة عنه لأنَّه إذا لم يمنعه كلُ واحدٍ منهما عند الانفراد جاز أنْ يمنعاه عند الاجتماع لأنَّ للاجتماع تأثيرًا كما في الشَّاهدين؛ ثُمَّ اجتمع ههنا للمكاتب هذا ثلاثةُ أوصاف: كونه مكاتبًا ورقيقًا ومرتدًا، فَجاز أنْ يكون ممنوعًا عند اجتماع هذه الأوصاف. قال: أمَّا الكتابة فهي مطلَقة للتصرُف لا مانعة، وأمّا الرقُّ والردّة فكلُّ واحدٍ منهما علَّة في المنع عن التصرُّف بانفراده، فلا يثبت الرِّجحان بزيادة العلّة كما إذا [أقام] (٤) أحد المدَّعيين أربعةً من الشهود، بَل الرِّجحان إنّما يثبت بوصفٍ في العلَّة لا بالعلَّة نفسِها لِما عرف (٥).

стр. 2343

[ردة الرجل وامرأته] (وإذا ارتدّ الرّجل وامرأته، والعياذ بالله، ولحقا بدار الحرب فحبلت المرأة في دار الحرب … ) إلى آخره. قيل: ذِكر دار الحرب وقع اتفاقًا، فإنَّها إذا حبَلت في دارنا ثم لحِقت به بدار الحرب فالجواب كذلك. ولعلَّه يشتمل على فائده، وهي أنّ العلوق متى كان في دار الحرب كان أبعَد عن الإسلام، ومتى كان في دار الإسلام كان أقرب إلى الإسلام باعتبار الدّار لكون الدّار جهة في الاستتباع فالجبر هناك يكون جبرًا (١) هنا بالطريق الأولى، وهذا هو الحكم في الحبل. وأمّا إذا ارتدّ الزّوجان ولهما أولاد صغار فلحِقا بدار الحرب مع أولادهم الصِّغار فولد لأولادهما أولاد ثم ظهر عليهم، ذكر الكرخي في مختصره (٢) أنّ على قول أبي حنيفة يُجَبر الأولاد الذين خرجا بهم مِن دار الإسلام. وأمَّا أولاد الأولاد، فإنْ أسلموا وإلَّا حبسوا. أّما الأولاد الذين لحق بهم لأنَّا حكمنا بإسلامهم إمَّا تبعًا للدّار [أو] (٣) للأبوين فيُجبرون على الإسلام ولا يُقتلون لأنَّا حكَمنا بإسلامهم في حال لا تَلْحَقهم (٤) العقوبة لضَعف حالهم، فيَمتنِع القتل، ولا يمتنع الجبر على الإسلام كالمرأة. وأمّا أولاد هؤلاء يُجبرون على الإسلام لأنَّهم أولاد من حكم بإسلامهم. وقال أبو يوسف: لا يُجبر أولاد الأولاد على الإسلام لأنّه لو ثبت الجبر لَثبَت تَبَعًا للجَدّ، وذلك ممتنِع، والموجود في البطن حالةَ اللحوقِ بدار الحرب بمنزلةِ المولود في دار الإسلام لثبوت الإسلام له في البَطن (٥). قوله: (ولا يُجبَر ولد الولد) وهو ظاهر الرِّواية. ووجهه أنّه لو كان مسلمًا تبعًا للجَدّ كان تَبَعًا لجدّ جدِّه، فحينئذٍ يكون (٦) النَّاس كلُّهم مسلمِين بإسلام آدم، فلا يجبر على الإسلام تَبَعًا للجد. ولا يجبر أيضًا تَبَعًا لأبيه، وَهو الولد الأوَّل، لأنَّ التَّبع لا يَستتبِع غيرَه، والولدان فَيء. أمّا وَلد الولد فلأنَّه كافر أصلي، وأمَّا الولد الأوّل فلأنّه وَلد المرتدَّة، وولد المرتدَّة يُسبى تبعًا للأم لأنّ الولد يتْبَع الأم في الرِّقِّ والحرِّية (٧).

стр. 2344

(وروى الحسن عن أبي حنيفة أنّه يُجبَر تبعًا للجدّ) لأنّ التّبعية في حقّ الأب للتفرُّع، والتفرُّع ثابت في حقِّ الجدّ، ولهذا كان بمنزلة الأب في النِّكاح وبيع مال الصَّغير (١) (٢). قوله: (كلُّها على الرِّوايتين) أي: في ظاهر الرِّواية لم يجعل الجدَّ بمنزلة الأب في تلك المسائل، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀ جَعَل الجد فيها بمنزلة الأب. أمّا صورة صيرورة الولد مسلمًا بإسلام جدِّه فهي ما ذكرناه (٣). وأمَّا صورة (صدقة الفطر) فهي أنّ الأب إذا كان فقيرًا أو عبدًا والجدّ موسِر هل يجب فطرة الحافد عليه؟ وصورة (جرِّ الولاء) أنّه إذا أعتق الجدّ، والحافد حرٌ والأب رقيق، هل/ يكون ولاء الحافد لموالي الجدّ أم لا؟ وصورة (الوَصية للقرابة) [إذا] (٤) أوصى رجلٌ لذي قرابته لا يدخل الوِالدان فيها، وهل يدخل الجد أم لا؟ ففي ظاهر الرِّواية يدخل، وفي رواية الحسن لا يدخل (٥)؛ هذا كله من الجامع الصَّغير لقاضي خان والفوائد الظهيرية. [ارتداد الصبي] (ارتداد الصَّبي الذي يعقل ارتداد عند أبي حنيفة ومحمد (٦) حتَّى يبطل نكاحه ويُحرم عن الميراث. (ويُجبر على الإسلام) ولا يُقتَل وإنْ أدرك كافرًا، ولكنَّه يُحبَس (٧)؛ كذا ذكره الإمام التمرتاشي. "وذكر ابن أبي مالك عن أبي يوسف أنّ أبا حنيفة ﵀ رجع عن قوله في ردّة المراهِق، وقال: ردّته لا تكون ردّة، وهو قول أبي يوسف" (٨)؛ كذا في المحيط. (في الإسلام أنّه تبَع لأبويه فيه فلا يجعل أصلًا) أي: يصحُّ إسلامه بطريق التَبَعية للأبوين فلا يصح بطرق الأصالة، إذ التبعية دليل العجز، والأصالة دليل القدرة، وبين القدرة والعجز تضادٌّ وتنافٍ. ثُمَّ إنَّ إسلامه يصح بطريق التَّبعية (٩) بالإجماع (١٠)، فيجب أنْ لا يصح بطريق الأصالة (١١).

стр. 2345

(وافتخاره بذلك مشهور) فإنَّ عليًا ﵁ أَسلم وهو صَبي (١)، وحسُن إسلامه حتَّى افتخر به في شعره حتى قال: سبقتكم إلى الإسلام طُرًا … غلامًا ما بلغت أوان حلمي (٢) و [اختلفت] (٣) الرِّواية في سِنّه حين أسلم وحين مات. قال جعفر بن محمد: أسلم وهو ابن خمس سنين، ومات وهو ابن ثمانٍ وخمسين سنة لأنَّالنَّبي ﵇ دعاه إلى الإسلام في أوَّل مَبعثه، ومدّة البَعث ثلاثٌ وعشرون سنة، والخلافة بعده ثلاثون سنة، انتهت بموت علي ﵁. فَإذا ضَمَمْت خمسًا إلى ثلاث وخمسين يكون ثمانيًا وخمسين. وقال القتبي (٤): أسلم وهو ابن سبع سنين ومات وهو ابن ستين بهذا الطريق أيضًا (٥)؛ ولأنَّه مع الصِّبا أهلٌ للرسالة. قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، فعُلم ضرورةً أنّه أهل الإسلام؛ ثم بعد وجود الشيء حقيقةً إمّا أنْ يسقط اعتباره بحجْر شرعي، ولا يُظن ذلك ههنا إذ الحجر عن الإسلام كُفر، ولا يُحكم بصحته لضرر يلحقه، ولا تصوُّر لذلك في الإسلام؛ فإنَّه سبب الفوز (٦) والسعادة الأبدية، فيكون محضُ منفعة في الدُّنيا والآخرة.

стр. 2346

فإنْ قيل: لو صحّ إسلامه بنفسه كان ذلك منه فرضًا لاستحالة القول لكونه متنفلًا في الإسلام، ومِن ضرورة كونه فرضًا أنْ يكون مخاطبًا به، وهو غير مخاطَب بالاتفاق، فإذا لم يمكن تصحيحه فرضًا لم يصح بخلاف سائر العبادات، فإنَّه يَتردد بين الفرض والنفل (١)، وبخلاف ما إذا جُعل مسلمًا تبعًا لغيره لأنّ صفة الفرضية في الأصل مغنية عن اعتباره في التبع؛ ولأنَّه لو لم يصف الإسلام بعدما عقل لا تقع (٢) الفرقة بينه وبين امرأته، ولو صار عقله معتبرًا في الدِّين لوقعت الفُرقة إذا لم يحسن أن يصف كما بعد البلوغ. قلنا: إنَّما لم يكن مخاطَبًا بالأداء لدفع الحرج عنه إذا امتنَع، وهذا يدلُّ على أنَّه يحكم بصحَّته إذا (٣) أدَّى باعتبار أنّ عند الأداء يُجعل الخطاب كالسَّابق للتَّحصيل (٤) المقصود، و (٥) كالمسافر لا يخاطب بأداء الجمعة، وإذا (٦) أدَّى يقع ذلك منه فرضًا بهذا الطَّريق؛ وهذا لأنَّ عدم توجُّه الخطاب بالإسلام لدفع الضَّرر، ولا ضرر عليه إذا أدرج الخطاب بهذا الطريق، بل تتوفَّر عليه المنفعة مع أنَّه يحكم بإسلامه لوجود حقيقته مِن غير أنْ يتعرَّض لصفته وإنَّما لا تبين زوجته منه إذا لم يحسن أنْ يصف بعدما عقل لبقاء معنى التبَعية ولتوفير معنى المنفعة عليه. و (٧) أمَّا قوله: (أنّه تبَع لأبويه فيه فلا يجوز أصلًا) قُلنا: إنَّما جُعِل تبعًا لتوفير المنفعة عليه "وفي اعتبار معرفته بنفسه بطريق الأصالة مع إبقاء التَّبعية معنى توفير المنفعة؛ لأنَّه ينفتح عليه باب تحصيل هذه المنفعة بطريقين، فكان ذلك أنفع له. وإنَّما يمتنع الجمع بين معنى التَّبعية والأصالة إذا كان بينهما مضادة، فأمّا إذا تأيَّد أحدُهما بالآخر فذلك مستقيم، كالمرأة إذا سافرت مع زوجها ونَوَتْ السَّفر، فهي مسافرة بنيتها مقصودة، وتبعًا لزوجها أيضًا" (٨)؛ هذا كلُّه في المبسوط. ولا مردَّ للحقيقة (كما قُلنا في الإسلام). فإنْ قلتَ: هذا قياس عند عدم شرط صحَّة القياس، فلا يصح. وذلك لأنّ الردّة ليست نظيرة الإسلام، وهو ظاهر، لأنّ الإسلام منفعة مَحضَة، والردَّة مضرَّة محضة، ولا يلزم مِن تحقُّق ما هو منفعة محضة تحقُّق ما هو مضرَّة محضة، وإنْ كان بعد وجود حقيقته ألا ترى أنّ قبول

стр. 2347

الِهبة منه/ صحيح؛ لأنّه منفعة محضة وردُّها باطل لأنَّه مضرَّة فكيف يُقاس الردّة على الإسلام. قلت: نَحكم بصحَّة ردَّته استحسانًا لِعلَّتها لا لحكمها، فإنَّ من ضرورة اعتبار منفعة الإسلام والحكم بصحته اعتبارَ ردَّته بناء عليه، وهذا منا اعتبار للشيء بعد وجود حقيقته، فبعد ذلك لا يُعتبر أنَّه منفعة للصَّبي أو مضرَّة. وهذا لأنّ الردَّة منه جهل بخالقه، وجهله في سائر الأشياء معتبَر حتَّى لا يُجعل عارفًا، فإذا علم جهله به، فكذلك جهله بربِّه؛ فبهذا يُعلم أنَّ قياس الردَّة بالإسلام صحيح مِن حيث أنّ في كلٍّ (١) منهما اعتبارًا للشيء بعد وجود حقيقته، وبعُذْر الصَّبى لا يجعل ما وجد منه حقيقةً أنَّه غير موجود. أَلا ترى أنَّ الصَّبي إذا صام ثم أَكل عَمدًا ينعدم الصَّوم لوجود حقيقة الأكل، ولا يعذر بعُذر الصّبا، ولأن مِن ضرورة كونه أهلًا للعقد أهلًا لرفعه، كما أنَّه لما صار (٢) أهلًا بعقد الإحرام والصّلاة كان (٣) أهلًا للخروج منه، وإنما لم يصحَّ منه ردُّ الهبة لِما فيه مِن نقل الملك إلى غيره. ألا ترى أنَّ ضرر الردَّة يَلْحقه بطريق التَبَعية إذا ارتدَّ أبواه ولَحِقا به (٤) بدار الحرب، وضرَر ردِّ الهبة لا يلحقه مِن جهة أبيه، فيجب أنْ لا يلحَقه أيضًا من جهة نفسه (٥) أيضًا، فبهذا يتضِّح الفرق بينهما (٦). (إلا أنَّه يُجبَر على الإسلام ولا يُقتل) هذا جواب الاستحسان. وفي القياس يُقتَل لارتدادِه بعد إسلامه. جِنس هذه المسألة في أربعة مواضع: أحدها: في الّذي أسلم تبَعًا لأبويه إذا بلغ مرتدًّا، ففي القياس يُقتل لما ذكرنا، وفي الاستحسان لا يُقتل لأنَّه ما كان مسلمًا مقصودًا بنفسه، وإنما يثبت له حكم الإسلام تبعًا لغيره، فيصير ذلك شبهةً في إسقاط القَتل عنه، وإنْ بلغ مرتدًّا. والثاني: إذا أسلم في صِغَره ثم بلغ مرتدًّا فهو على هذا القياس والاستحسان لقيام الشبهة بسبب اختلاف العلماء في صحَّة إسلامه في الصِّغَر. والثالث: إذا ارتدّ في صِغَره. والرابع: المكرَه على الإسلام إذا ارتدَّ، فإنَّه لا يُقتل استحسانًا لأنّا حَكَمنا بإسلامه باعتبار الظَّاهر، وهو أنّ الإسلام مما يَجِب اعتقاده، ولكن قيام السّيف على رأسه دليلٌ على أنَّه غير معتقد، فيصير ذلك شبهة في إسقاط القَتل عنه، وفي جميع ذلك يجبر على الإسلام، ولو قتله قاتل قبل أنْ يسلم لا يلزمه شيء (٧)؛ هذا كله من المبسوط.

стр. 2348

(ولا يُقتل؛ لأنَّه عقوبة والعقوبات موضوعة عن الصِّبيان مرحَمةً عليهم) "وفي هذا التّعليل نوع نظر وذلكلأنَّه أسقط عقوبة القتل عن الصَّبي المرتدّ باعتبار الرَّحمة لصباه، والله تعالى أرحَم الراحمين، وهو تعالى لم يرحم عليه حتى عاقبه في النار مخلدًا كسائر الكفار، وذلك منصوص عليه في الأسرار والجامع الصَّغير للإمام التمرتاشي ﵇ ومشار إليه في المبسوط (١) " (٢). أمَّا في الأسرار فقال في هذه المسألة: وأمَّا حكم سعادة الآخرة فمِمّا لا يُتصوّر بلا إيمان حقيقة، وقد زال الإيمان بالردَّة حقيقة (٣). وأمّا رواية التمرتاشي: وإذا كمل عقل الصغير والصغيرة وتمكّن ثم مات قبل أنْ يستدلّ فيعرف ربَّه يعاقَب يوم القيامةلأنَّه كلّف المعرفة ومات مفرّطًا، فقد استحق النار أبدًا؛ وأحال هذه الرّواية إلى التبصرة (٤) (٥)، وصرَّح فيها بالتأبيد في النَّار لمن (٦) كفر من الصّغير والصّغيرة من غير ارتداد، فأولى أنْ يخلد في النّار المرتد منهما لأنّ كفر المرتدّ أغلظ (٧). وقال في المبسوط: ولكنّه لا يُقتل استحسانًا لأنّ القتل عقوبة، وهو ليس من أهل أنْتلزمه العقوبة في الدنيا بمباشرة سببها (٨)، فتخصيصه بالدُّنيا إشارة إلى أنّه مِن أهل العقوبة في الآخرة، فأولى ما يعلَّل به في عدَم قَتل الصبي المرتدّ ما ذكرنا من تعليل المبسوط وهو قوله: "لا يقتل لقيام الشبهة لسبب اختلاف العلماء في صحَّة اسلامه في الصغر" (٩)، والله أعلم. باب: البغاة (١٠).

стр. 2349

أخَّر هذا الباب عن باب المرتدّ لقلّة وجوده؛ فالبغاة: جمع الباغي كالقضاة، والغزاة في جمع القاضي والغازي، وهذا قياس مطّرِد في جمع اسم الفاعل من المعتلِّ الَّلام/. [دعوة البغاة وقتالهم] ذكر في الصِّحاح يقال: "تغلب على بلد كذا: استولى عليه قهرًا" (١). (وإذا تغلَّب قوم من المسلمين على بلد وخرجوا عَن (٢) طاعة الإمام، دعاهم إلى العَوْدِ إلى الجماعة). ولكنْ هذا ليس بأمرٍ واجب فإنّ أهل العدل إذا لم يفْعلوا ذلك بل [قاتلوهم] (٣) فلا شيء عليهملأنَّهم قد عِلموا ما يقاتلون عليه، فحالهم في ذلك كحال المرتدِّين وأهل الحرب الذين بلغتهم الدَّعوة. ولهذا يجوز قتالهم بكلِّ ما يجوز به قِتال أهل الحرب كالرَّمي بالنبل والمنجنيق وإرسال الماء والنار عليهم والبيات بالليل لأنّ قتالهم فرض كقتال أهل الحرب والمرتدّين (٤)، كذا في المبسوط. (لأنَّ عليًا ﵁ فعل كذلك) (٥) فإنَّه أنفذ ابن عباس ﵁، فدعا أهل حروراء (٦) وناظرهم قبل قتالهم، فلذلك كان [ … ] (٧) الأحسن أنْ يقدِّم ذلك على القتال لأنّ الكي آخِر الدَّواء (٨)؛ كذا في المبسوط والإيضاح.

стр. 2350

قيل: في سبب خروجهم أنَّ عليًا ﵁ لما حكَّم أبا موسى الأشعري (١) بينه وبين معاوية، خَرجت طائفة مِن المسلمين على علي ﵁ وقالوا: القتال واجِبٌ بالنص، وعلي تَركَ القتال بالتّحكيم، فأرسَل علي عبدالله بن عباس ليكشِف شبهَتهم، فلمَّا ذكروا شبهتهم قال ابن عباس: هذه الحادثة ليست بأدنى من بَيض الحمام، وفيه التحكيم بقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، فكان تحكيمُ عليٍّ موافقًا للنصّ، فألزمهم الحجة عليهم، فتاب البعض وأصرَّ قوم على ذلك. "حروراء"، بفَتح الحاء المهملة يُمد وُيقصر: قرية بالكوفة كان بها أوّل تحكيم الخوارج واجتماعهم (٢)؛ كذا في الصّحاح والمغرب. قوله: (المعروف بخواهر زاده) وهو خواهر زاده القاضي الإمام أبي ثابت. [اعتزال الفتنة] " والمروي عن أبي حنيفة هو ما رَوى الحسن عَن أبي حنيفة أنّ الفتنة إذا وَقَعت بين المسلمين، فالواجب على كلِّ مسلم أنْ يعتزِل الفتنةَ، ويقعد في بيتِه لقوله ﵊: "من فرّ من الفتنة أعتق الله رقبته من النار" (٣)، وقال ﵊ لواحد من الصحابة (٤) في الفتنة: "كُنْ حِلْسًا مِن أحلاس بيتك، فإنْ دخل عليك فكُن عبدالله المقتول أو عندالله" (٥) معناه: كُن ساكنًا إلى بيتك لا قاصدًا، فإنْ كان المسلمون (٦) مجتمعين على إمام، وكانوا آمنين به والسُّبل آمنة فخرج عليه طائفة مِن المؤمنين فحينئذٍ يجب على كل من يقوى على القتال أنْ يقاتل مَع إمام المسلمين الخارجين لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحُجُرات: ٩]. والأمر حقيقة للوجوب؛ ولأنّ الخارجين قصدوا أذى المسلمين، وإماطة الأذى مِن أبواب الدِّين؛ وخروجهم معصية ففي القيام بقتالهم نَهيٌ عن المنكر وإنَّه فَرض" (٧)، كذا في المبسوط.
следующие страницы →