← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

فإنْ قيل: لو صحّ إسلامه بنفسه كان ذلك منه فرضًا لاستحالة القول لكونه متنفلًا في الإسلام، ومِن ضرورة كونه فرضًا أنْ يكون مخاطبًا به، وهو غير مخاطَب بالاتفاق، فإذا لم يمكن تصحيحه فرضًا لم يصح بخلاف سائر العبادات، فإنَّه يَتردد بين الفرض والنفل (١)، وبخلاف ما إذا جُعل مسلمًا تبعًا لغيره لأنّ صفة الفرضية في الأصل مغنية عن اعتباره في التبع؛ ولأنَّه لو لم يصف الإسلام بعدما عقل لا تقع (٢) الفرقة بينه وبين امرأته، ولو صار عقله معتبرًا في الدِّين لوقعت الفُرقة إذا لم يحسن أن يصف كما بعد البلوغ. قلنا: إنَّما لم يكن مخاطَبًا بالأداء لدفع الحرج عنه إذا امتنَع، وهذا يدلُّ على أنَّه يحكم بصحَّته إذا (٣) أدَّى باعتبار أنّ عند الأداء يُجعل الخطاب كالسَّابق للتَّحصيل (٤) المقصود، و (٥) كالمسافر لا يخاطب بأداء الجمعة، وإذا (٦) أدَّى يقع ذلك منه فرضًا بهذا الطَّريق؛ وهذا لأنَّ عدم توجُّه الخطاب بالإسلام لدفع الضَّرر، ولا ضرر عليه إذا أدرج الخطاب بهذا الطريق، بل تتوفَّر عليه المنفعة مع أنَّه يحكم بإسلامه لوجود حقيقته مِن غير أنْ يتعرَّض لصفته وإنَّما لا تبين زوجته منه إذا لم يحسن أنْ يصف بعدما عقل لبقاء معنى التبَعية ولتوفير معنى المنفعة عليه. و (٧) أمَّا قوله: (أنّه تبَع لأبويه فيه فلا يجوز أصلًا) قُلنا: إنَّما جُعِل تبعًا لتوفير المنفعة عليه "وفي اعتبار معرفته بنفسه بطريق الأصالة مع إبقاء التَّبعية معنى توفير المنفعة؛ لأنَّه ينفتح عليه باب تحصيل هذه المنفعة بطريقين، فكان ذلك أنفع له. وإنَّما يمتنع الجمع بين معنى التَّبعية والأصالة إذا كان بينهما مضادة، فأمّا إذا تأيَّد أحدُهما بالآخر فذلك مستقيم، كالمرأة إذا سافرت مع زوجها ونَوَتْ السَّفر، فهي مسافرة بنيتها مقصودة، وتبعًا لزوجها أيضًا" (٨)؛ هذا كلُّه في المبسوط. ولا مردَّ للحقيقة (كما قُلنا في الإسلام). فإنْ قلتَ: هذا قياس عند عدم شرط صحَّة القياس، فلا يصح. وذلك لأنّ الردّة ليست نظيرة الإسلام، وهو ظاهر، لأنّ الإسلام منفعة مَحضَة، والردَّة مضرَّة محضة، ولا يلزم مِن تحقُّق ما هو منفعة محضة تحقُّق ما هو مضرَّة محضة، وإنْ كان بعد وجود حقيقته ألا ترى أنّ قبول

стр. 2347

الِهبة منه/ صحيح؛ لأنّه منفعة محضة وردُّها باطل لأنَّه مضرَّة فكيف يُقاس الردّة على الإسلام. قلت: نَحكم بصحَّة ردَّته استحسانًا لِعلَّتها لا لحكمها، فإنَّ من ضرورة اعتبار منفعة الإسلام والحكم بصحته اعتبارَ ردَّته بناء عليه، وهذا منا اعتبار للشيء بعد وجود حقيقته، فبعد ذلك لا يُعتبر أنَّه منفعة للصَّبي أو مضرَّة. وهذا لأنّ الردَّة منه جهل بخالقه، وجهله في سائر الأشياء معتبَر حتَّى لا يُجعل عارفًا، فإذا علم جهله به، فكذلك جهله بربِّه؛ فبهذا يُعلم أنَّ قياس الردَّة بالإسلام صحيح مِن حيث أنّ في كلٍّ (١) منهما اعتبارًا للشيء بعد وجود حقيقته، وبعُذْر الصَّبى لا يجعل ما وجد منه حقيقةً أنَّه غير موجود. أَلا ترى أنَّ الصَّبي إذا صام ثم أَكل عَمدًا ينعدم الصَّوم لوجود حقيقة الأكل، ولا يعذر بعُذر الصّبا، ولأن مِن ضرورة كونه أهلًا للعقد أهلًا لرفعه، كما أنَّه لما صار (٢) أهلًا بعقد الإحرام والصّلاة كان (٣) أهلًا للخروج منه، وإنما لم يصحَّ منه ردُّ الهبة لِما فيه مِن نقل الملك إلى غيره. ألا ترى أنَّ ضرر الردَّة يَلْحقه بطريق التَبَعية إذا ارتدَّ أبواه ولَحِقا به (٤) بدار الحرب، وضرَر ردِّ الهبة لا يلحقه مِن جهة أبيه، فيجب أنْ لا يلحَقه أيضًا من جهة نفسه (٥) أيضًا، فبهذا يتضِّح الفرق بينهما (٦). (إلا أنَّه يُجبَر على الإسلام ولا يُقتل) هذا جواب الاستحسان. وفي القياس يُقتَل لارتدادِه بعد إسلامه. جِنس هذه المسألة في أربعة مواضع: أحدها: في الّذي أسلم تبَعًا لأبويه إذا بلغ مرتدًّا، ففي القياس يُقتل لما ذكرنا، وفي الاستحسان لا يُقتل لأنَّه ما كان مسلمًا مقصودًا بنفسه، وإنما يثبت له حكم الإسلام تبعًا لغيره، فيصير ذلك شبهةً في إسقاط القَتل عنه، وإنْ بلغ مرتدًّا. والثاني: إذا أسلم في صِغَره ثم بلغ مرتدًّا فهو على هذا القياس والاستحسان لقيام الشبهة بسبب اختلاف العلماء في صحَّة إسلامه في الصِّغَر. والثالث: إذا ارتدّ في صِغَره. والرابع: المكرَه على الإسلام إذا ارتدَّ، فإنَّه لا يُقتل استحسانًا لأنّا حَكَمنا بإسلامه باعتبار الظَّاهر، وهو أنّ الإسلام مما يَجِب اعتقاده، ولكن قيام السّيف على رأسه دليلٌ على أنَّه غير معتقد، فيصير ذلك شبهة في إسقاط القَتل عنه، وفي جميع ذلك يجبر على الإسلام، ولو قتله قاتل قبل أنْ يسلم لا يلزمه شيء (٧)؛ هذا كله من المبسوط.

стр. 2348

(ولا يُقتل؛ لأنَّه عقوبة والعقوبات موضوعة عن الصِّبيان مرحَمةً عليهم) "وفي هذا التّعليل نوع نظر وذلكلأنَّه أسقط عقوبة القتل عن الصَّبي المرتدّ باعتبار الرَّحمة لصباه، والله تعالى أرحَم الراحمين، وهو تعالى لم يرحم عليه حتى عاقبه في النار مخلدًا كسائر الكفار، وذلك منصوص عليه في الأسرار والجامع الصَّغير للإمام التمرتاشي ﵇ ومشار إليه في المبسوط (١) " (٢). أمَّا في الأسرار فقال في هذه المسألة: وأمَّا حكم سعادة الآخرة فمِمّا لا يُتصوّر بلا إيمان حقيقة، وقد زال الإيمان بالردَّة حقيقة (٣). وأمّا رواية التمرتاشي: وإذا كمل عقل الصغير والصغيرة وتمكّن ثم مات قبل أنْ يستدلّ فيعرف ربَّه يعاقَب يوم القيامةلأنَّه كلّف المعرفة ومات مفرّطًا، فقد استحق النار أبدًا؛ وأحال هذه الرّواية إلى التبصرة (٤) (٥)، وصرَّح فيها بالتأبيد في النَّار لمن (٦) كفر من الصّغير والصّغيرة من غير ارتداد، فأولى أنْ يخلد في النّار المرتد منهما لأنّ كفر المرتدّ أغلظ (٧). وقال في المبسوط: ولكنّه لا يُقتل استحسانًا لأنّ القتل عقوبة، وهو ليس من أهل أنْتلزمه العقوبة في الدنيا بمباشرة سببها (٨)، فتخصيصه بالدُّنيا إشارة إلى أنّه مِن أهل العقوبة في الآخرة، فأولى ما يعلَّل به في عدَم قَتل الصبي المرتدّ ما ذكرنا من تعليل المبسوط وهو قوله: "لا يقتل لقيام الشبهة لسبب اختلاف العلماء في صحَّة اسلامه في الصغر" (٩)، والله أعلم. باب: البغاة (١٠).

стр. 2349

أخَّر هذا الباب عن باب المرتدّ لقلّة وجوده؛ فالبغاة: جمع الباغي كالقضاة، والغزاة في جمع القاضي والغازي، وهذا قياس مطّرِد في جمع اسم الفاعل من المعتلِّ الَّلام/. [دعوة البغاة وقتالهم] ذكر في الصِّحاح يقال: "تغلب على بلد كذا: استولى عليه قهرًا" (١). (وإذا تغلَّب قوم من المسلمين على بلد وخرجوا عَن (٢) طاعة الإمام، دعاهم إلى العَوْدِ إلى الجماعة). ولكنْ هذا ليس بأمرٍ واجب فإنّ أهل العدل إذا لم يفْعلوا ذلك بل [قاتلوهم] (٣) فلا شيء عليهملأنَّهم قد عِلموا ما يقاتلون عليه، فحالهم في ذلك كحال المرتدِّين وأهل الحرب الذين بلغتهم الدَّعوة. ولهذا يجوز قتالهم بكلِّ ما يجوز به قِتال أهل الحرب كالرَّمي بالنبل والمنجنيق وإرسال الماء والنار عليهم والبيات بالليل لأنّ قتالهم فرض كقتال أهل الحرب والمرتدّين (٤)، كذا في المبسوط. (لأنَّ عليًا ﵁ فعل كذلك) (٥) فإنَّه أنفذ ابن عباس ﵁، فدعا أهل حروراء (٦) وناظرهم قبل قتالهم، فلذلك كان [ … ] (٧) الأحسن أنْ يقدِّم ذلك على القتال لأنّ الكي آخِر الدَّواء (٨)؛ كذا في المبسوط والإيضاح.

стр. 2350

قيل: في سبب خروجهم أنَّ عليًا ﵁ لما حكَّم أبا موسى الأشعري (١) بينه وبين معاوية، خَرجت طائفة مِن المسلمين على علي ﵁ وقالوا: القتال واجِبٌ بالنص، وعلي تَركَ القتال بالتّحكيم، فأرسَل علي عبدالله بن عباس ليكشِف شبهَتهم، فلمَّا ذكروا شبهتهم قال ابن عباس: هذه الحادثة ليست بأدنى من بَيض الحمام، وفيه التحكيم بقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، فكان تحكيمُ عليٍّ موافقًا للنصّ، فألزمهم الحجة عليهم، فتاب البعض وأصرَّ قوم على ذلك. "حروراء"، بفَتح الحاء المهملة يُمد وُيقصر: قرية بالكوفة كان بها أوّل تحكيم الخوارج واجتماعهم (٢)؛ كذا في الصّحاح والمغرب. قوله: (المعروف بخواهر زاده) وهو خواهر زاده القاضي الإمام أبي ثابت. [اعتزال الفتنة] " والمروي عن أبي حنيفة هو ما رَوى الحسن عَن أبي حنيفة أنّ الفتنة إذا وَقَعت بين المسلمين، فالواجب على كلِّ مسلم أنْ يعتزِل الفتنةَ، ويقعد في بيتِه لقوله ﵊: "من فرّ من الفتنة أعتق الله رقبته من النار" (٣)، وقال ﵊ لواحد من الصحابة (٤) في الفتنة: "كُنْ حِلْسًا مِن أحلاس بيتك، فإنْ دخل عليك فكُن عبدالله المقتول أو عندالله" (٥) معناه: كُن ساكنًا إلى بيتك لا قاصدًا، فإنْ كان المسلمون (٦) مجتمعين على إمام، وكانوا آمنين به والسُّبل آمنة فخرج عليه طائفة مِن المؤمنين فحينئذٍ يجب على كل من يقوى على القتال أنْ يقاتل مَع إمام المسلمين الخارجين لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحُجُرات: ٩]. والأمر حقيقة للوجوب؛ ولأنّ الخارجين قصدوا أذى المسلمين، وإماطة الأذى مِن أبواب الدِّين؛ وخروجهم معصية ففي القيام بقتالهم نَهيٌ عن المنكر وإنَّه فَرض" (٧)، كذا في المبسوط.

стр. 2351

"الغناء" -بالفتح والمد-: الإجزاء والكفاية وقد ذكرناه لقول (١) "أَجْهَزْتُ على الجريح، إذا أسرعتُ قتلَه، وقد تَمَّمْتَ عليه" (٢) كذا في الصحاح. "أُجهِز" و"أُتبع" كلاهما على بناء المفعول، وكذلك "لم يجهَز" و"لا (٣) يُتبَع". "وَيَوْمُ (الْجَمَلِ) وَقْعَةُ عَائِشَةَ ﵂ بِالْبَصْرَةِ مَعَ عَلِيٍّ ﵁ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأنَّها كَانَتْ عَلَى جَمَلٍ اسْمُهُ عَسْكَرٌ" (٤)؛ كذا في المغرب. [التعامل مع البغاة] قوله: (ولا يُقتَل أسير) هو متّصل بقوله: (لقول عليٍّ) (٥)، فإنَّ هذا مَقول علي ﵁. (ولا يُكشف سِتر) أي: لا يسبي نساءهم. أَلا ترى أنَّ أصحاب عليٍّ سألوه قِسمة ذلك، فقال: "إذا قَسمت فلمن تكون عائشة ﵂ ". (القدوة) اسم للاقتداء، كالأُسوة اسم للاتِّساء (٦) ثُمَّ يقال: فلان قُدوة أي: يُقتدى به. (وقوله في الأسير) أَي: قول عليٍّ في عدم قتلِ الأسير لقوله (٧): (ولا يُقتل أسير) إنَّما كان فيما إذا لم يكن لأهل البغي جماعة كثيرة، وأمَّا إذا تجمَّعوا يُقتل الأسير منهم. (وإنْ شاء حبَسه لِما ذكرنا) وهو قوله: (ويحبسهم) إلى قوله: (دفعًا للشّرّ). أمَّا عدم القِسمة فلِما بينَّاه وهو قَول عليٍّ ﵁ ولا يُؤخذ مال. وقوله: (ولأنَّهم مسلمون) (وإن لم يكونوا صرفوه في حقِّه فعلى أهله) أي: فعلى أهل الحقِّ، وهم الذين وَجَب عليهم الحقُّ (لأنَّه يحميهم فيه) أي: في المستقبل مِن الزَّمان. (وأزعجوا) أَي: إذا أُقلِع أهل البغي مِن المِصر قبل أن تجري أحكامهم.

стр. 2352

وفي المبسوط: "وإذا تاب أهل البغي ودخلوا مع أهل العدل لم يُؤخذوا بشيء مما أصابوا بحال يعني: بضمان (١) ما أتلفوا مِن النُّفوس والأموال، ومراده بذلك إذا أصابوا بعدما تجمَّعوا وصاروا أهل مَنَعة. فأمَّا ما أصابوا قبل ذلك فهم ضامنون لذلك لأنَّا أُمِرنا في حقِّهم بالمحاجّة والإلزام بالدَّليل، فلا يُعتبر تأويلهم البَاطل في إسقاط الضَّمان قبل أنْ يصيروا أهل مَنَعة. فأما بعدما صارت لهم منعة فقد انقطع ولاية/ الإلزام بالدَّليل حِسًّا، فيُعتبر تأويلُهم، وإنْ كان باطلًا في إسقاط الضَّمان عنهم كتأويل أهل الحرب بعد ما أسلموا. والأصل فيه حديث الزهري قَال: وقع الفتنة وأصحاب رسول الله ﵊ كانوا (٢) متوافرين، فاتّفقوا على أن ّكلَّ دم أُريق بتأويل القرآن فهو موضوع، وكلُّ فرج استحِلّ بتأويل القرآن فهو موضوع، وكلُّ مالٍ أُتلف بتأويل القرآن فهو موضوع (٣) " (٤). [الميراث في قتال البغاة] (لا يرث في الوجهين) أي: في الوجه الذي قال: أنا على الحق، وفي الوجه الثاني (٥) قال: أنا على الباطللأنَّه قُتِل بغير حقٍّ فيحرم الميراث اعتبارًا بالخاطئ، وليس (٦) الحقّ بالتّأويل الصَّحيح في حقّ دفع الضَّمان بقول الصَّحابة لا يجِب إلحاقُه بالصَّحيح في حقِّ استحقاق الميراث، وكَم مِن شيء يكفي للدَّفع ولا يكفي للاستحقاق، وهما يقولان إنّ تأويله معتبَر لدَفع الحِرمان الذي ثبَت جزاءً على الفعل ثُمَّ استحقاق الميراث يكون بالقرابة، ولكن إنَّما يرث إذا كان مُصِرًّا على تأويله الفاسد، فإنَّ ذلك التَّأويل عنده صحيح بخلاف الخاطئ، فإنَّ هناك تلزمه الكفَّارة والدِّية، والباغي لا تلزمه كفَّارة ولا دية، فعُلم بهذا أنَّه أُلحق بالصحيح كما إذا قتل العادل الباغي.

стр. 2353

وحاصله أنّ أصحابنا أجمعوا على أنَّ العادل إذا أَتلف مال الباغي أو الباغي إذا أتلف مال العادل لا يضمَن (١). وقال الشافعي ﵀: يضمن الباغي (٢)؛ كذا ذكره الإمام قاضي خان والإمام ظهير الدين -رحمهما الله- (٣). (ولا التزام لاعتقاد الإباحة) أي: الباغي اعتقد إباحة أموال العادل بأنَّ العادل عصى الله ورسوله ولم يعمَل بموجِب الكتاب. (ولهما فيه) أي: في قتل الباغي (فيعتبر الفاسد فيه) أي: في دفع الحرمان (لم يوجَد الدّافع) أي: التَّأويل الدَّافع للضَّمان. (وليس بِبيعه بالكوفة من أهل الكوفة) إلى أنْ قال: (بأس) (٤). والحكم في غير الكوفة أيضًاكذلك إلَّا أنَّتقيّد الكوفة باعتبار أنّ البغاة خرجوا فيها أولًا. (لا بَيع ما لا يقاتل به إلا بصنعة) كالحديد؛ لأنَّه إنَّما يصير سلاحًا بفعل غيره، فلا ينسب إليه. (وعَلى هذا الخَمر مَع العنب) أي: لا يجوز بيع الخمر، ويجوز بيع العنب، ثُم الفرق لأبي حنيفة بَين مسألتنا هذه، وهي كراهة بيع السلاح مِن أهل الفتنة وَعَدم كَراهة بيع العَصير ممن اتَّخذه خمرًا، أنَّالمعصية هناك لم تقع بعين العَصير، وههنا [تقع] (٥) بعَين السِّلاح. وقيل: الفَرق الصَّحيح بينهما أنَّ الضَّرر هنا يرجِع إلى العامة، وهناك يرجِع إلى الخاصّة (٦)؛ كذا في الفوائد الظهيرية وغيرها (٧). كتاب اللقيط (٨): ذَكَرَ اللَّقيط واللُقَطَة بعد ذكر الجهاد لأنَّ الأنْفُس والأموال عَلى عَرضية الفوات في الجهاد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١]، فكذلك (٩) في اللَّقيط واللُقَطَة، إلَّا أنَّ ذِكر النَّفس مقدَّم، فلذلك قدَّم اللَّقيط على اللُّقَطَة، كما قدِّم في الآية؛ و (١٠) لأنّ الْتِقاط اللَّقيط واجبٌ عند خوف الضَّياع كوجوب الجهاد، فكان في إِقدام كُلِّ واحدٍ مِن الفِعلين، أعني: الجهاد والالْتقاط، مَنع لجنس بني آدم عن الهلاك؛ إِذ في الكُفر هلاكٌ أيَّ هلاك، والجهاد يمحو (١١) ذلك الهلاك، أوْ لأنَّ كلّ واحدٍ منهما فرض من فروض الكفاية.

стр. 2354

ذكر في التُّحفة: أنّ اللَّقيط يساوي الصَّبي الَّذي لَيس بلَقيط في عامَّة الأحكام، ولَه أحكام أُخَر عَلى الخصوص منها أنَّ التقاطه واجِب على من وجده لأنَّ في تركه ضياعه، فتجب عليه صيانته، ومنها أنَّه إذا التقطَه فإنْ شاء تبرَّع بتربيته والإنفاق عليه، وإنْ شاء رفع الأمر إلى السُّلطان ليأمُر بتربيته أحدًا بمال بيت المال وأحكامٍ أُخر (١). [تعريف اللقيط] وذكر في المبسوط: "اللقيط لغةً: اسمٌ لشيء منبوذ، فعيل بمعنى مفعول كالقتيل والجريح. وفي الشريعة: اسم لحيٍّ مولود طَرَحه أهلُه خوفًا من العَيْلَةِ أو فرارًا من تُهمة الزّنية، مُضَيّعُةُآثِم، ومُحرِزه غانِم لِما في إحرازه مِن إحياء النّفس، فإنّه على شرف الهلاك، فإحياء الحيِّ بدفع سبب الهلاك عنه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، ولهذا كان رفعه (٢) أفضل من تركِه لما في تركه مِن ترْك التَّرحُم على الصِّغار، وقال النَّبي ﵊:/ "من لم يرحَم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا فليس منَّا" (٣). وفي رفعه إظهار الشّفقة على الأطفال، وهو أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله تعالى على ما قيل: "أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله تعالى التعظيم لأمر الله، والشَّفقة على خلق الله" (٤) " (٥). (اللقيط حرٌّ) أي: في جميع أحكامه حتّى أنّ قاذفه يُحدُّ وقاذف أمِّه لا يحَدُّ؛ كذا في شرح الطحاوي (٦). (لأنَّ الأصل في بني آدم هو الحرِّية) لأنَّهم مِن آدم وحواء، فكانوا أحرارًا لحرِّيتهما (٧) إلّا أنّ الرقّ بعارِض الكُفر على ما ذكرنا والأصل عَدم العارض.

стр. 2355

(هو المروي عن عُمَر (١) وعلي (٢) وروي عن علي ﵁ أنَه قال: "اللَّقيط حُرٌّ وعقله وولاؤه للمسلمين"، وعن عمر مثله. (والخراج بالضّمان) أي: له غُنمه وعليه غُرمه، أي: غلّة العبد المعيب للمشتري قبل الرَّدّلأنَّه قبل الردّ في ضمانه، يقال: خارَجَ غلامه إذا اتّفقا على ضريبة يؤديها إليه في وقت معلوم. (فيه) أي: في بيت المال. يقال: بَرع الرَّجل وبُرع (٣) بالضَّم إذا فضُل على أقرانه، ومنه يقال للمتفضِّل: المتبرِّع. (إلَّا أنْ يأمره القاضي به)؛ "وقد قال بعض أصحابنا: مجرَّد أمر القاضي [بالإنفاق عليه] (٤) يكفي، ولا يشترط أنْ يقول: على أن يكون لك دَينًا عليه؛ لأنّ أمر القاضي نافذ عليه كأمره بنفسه أنْ لو كان مِن أهله، ولو أمَره غيره بالإنفاق عليه كان ما ينفِق دَينًا عليه، فكذلك إذا أمَر القاضي به. والأصحُّ ما ذكره في الكتاب، وهو: أنْ يأمُره على أنْ يكون دَينًا عليه (٥)؛ لأنَّ مطلقه محتمل، [قد يكون] (٦) للحثِّ والترغيب في إتمام ما شرع فيه من التبرُّع. وإنَّما يزول هذا الاحتمال إذا شرط أنْ يكون دَينًا عليه" (٧)، كذا في المبسوط. معناه: إذا لم يدَّعِ الملتقط نسبه؛ أمّا إذا ادَّعاه الملتقط، ورجلٌ آخر فالملتقِط أولىلأنَّهما استويا في الدَّعوى (٨)، ولأحدهما يد، وكان صاحب اليد أولى. وكذلك لو كان صاحب اليد وهو الملتقِط إذا كان مِن أهل الذمَّة، فهو أولى به من المسلم الخارج، حتّى أنّصبيًا لو كان في يد ذمِّي يدَّعي أنَّه ابنُه، وَأقام الذي في يديه بينةً مِن المسلمين أنَّه ابنُه قضى للذِّمي وترجّح الذِّمي على المسلِم بحكْم يدِه، وأمَّا إذا كان المدَّعى للصبي خارجَين أحدهما مسلم والآخر ذمِّي، وأقام كلُّ واحدٍ منهما بينةً (٩) مِن المسلمين قضى للمسلم. فالحاصل أنَّ الترجيح في باب النَّسب (١٠) أولًا باليد؛ كذا في الإيضاح والذخيرة (١١).

стр. 2356

(وجه الاستحسان أنّه إقرار للصَّبي بما ينفعه … ) إلى آخره؛ وكان دعواه كدعوى الملتقِط نَسَبه، ثُمّ يترجَّح هو على الملتقِط في الحفظ حكمًا لثبوت نسَبه منه. ومثل هذا يجوز أنْ يثبت حكمًا، وإن لم يثبت قصدًا، كما أنَّ النّسب (١) والميراث يثبت بشهادة القابلة على الولادة حكمًا، وإن كان لا يثبت المال بشهادتها قصدًا. (ثم قيل: يصحُّ في حقِّه) أَي: في حقِّ النَّسب. (وقيل: يُبنى عليه بطلان يده) لأنَّ مِن ضرورة ثبوت النَّسب له أنْ يكون هو أحقُّ بحفظ ولده من الأجنبي. (ولو ادعاه الملتقِط) أي: ولو ادَّعى الملتقِط نسب اللَّقيط وقال: هو ابني بعد ما قال: إنَّه لقيط. (والأصحُّ أنّه على القياس والاستحسان) أي: على اختلاف حكم القياس مع حكم الاستحسان، يعني: في القياس لا يصحُّ، وفي الاستحسان يصحُّ، كما في دعوى غير الملتقط؛ لكن وجه القياس ههنا غير وجه القياس في دعوى غير الملتقِط، فوجه القياس في دعوى غير الملتقِط هو تضمُّن إبطال حقِّ الملتقط، فلذلك لم تصحَّ (٢) دعواه، ووجه القياس في دعوى الملتقط هو تناقُض كلامه؛ لأنَّه لما زَعَم أنَّه لقيط كان نافيًا نسبَه لأنَّ ابنَه لا يكون لقيطًا في يده، ثُمَّ ادَّعى أنّه ابنُه فكان مناقِضًا؛ ولأنَّ هذا إقرار على اللَّقيط وأنَّه (٣) يلزمه أحكام النِّسبة، والإقرار على الغير لا يصح. وفي الاستحسان تصحُّ دعواه (٤) لأنّ هذا إقرار على نفسه من وجهٍ مِن حيث إنَّه يلزمه نَفَقته، ويجب عليه أنْ يحفظه، فهو في هذا الإقرار يكتسِب له ما ينفعه، وبالالتقاط تثبت له هذه الولاية. وما قال: إنّه متناقِض؛ قلنا: نعَم، ولكنْ فيما طريقُه طريق الخَفاء، فقد يشتَبِه على النَّاس حال ولَدِه الصَّغير، ويظُنّ أنّه لقيط ثم يَتبيَّن بعد ذلك أنّه ولده. والتّناقض لا يمنع ثُبوت النّسب كالملاعِن إذا أكذَب نفسه (٥). "فإذا مات اللّقيط وترك ميراثًا، أو لم يترك وادَّعى رجل أنّه ابنه لا تصح دعوته. فعلى هذا جواب الاستحسان/ فَرق بين حالة الحياة وبين حالة الموت لأنّ في حالة الحياة إنَّما صحَّت دعوته لأنَّه أقرَّ بما ينفع اللَّقيط مِن كلِّ وجهٍ، وهو النَّسب، وبالموت استغنى عَن النَّسب، بقي كلامه في دعوى الميراث فلا يُصدَّق فيه إلا بحجّة" (٦)؛ كذا في المبسوط والذخيرة.

стр. 2357

[الأولى باللقيط عند الإدعاء] (وإن ادَّعاه اثنانِ ووَصَف أحدُهما علامةً في جسَده فهو أولى به) أي: يجب على الملتقِط أنْ يدفَع اللّقيط إلى الذي وَصَف علامةً في جسَدِه وأصاب في وصفه لأنّ ذلك الواصف أولى بذلك اللقيط. فإنْ قلت: ما الفَرق بين هذا وبين اللُّقطة، فإنّ في اللُّقطة إذا تنازَع فيها (١) اثنانِ ووَصَف أحدهما وأصاب ولم يصِف الآخر، فإنَّه لا يقضى لصاحب الوصف بل إذا تفرَّد الواصف يحِلّ للملتقِط أنْ يدفعها إليه ولا يلزم، وههنا يلزم. قلتُ: الفرق بينهما هو أنّ إصابة الوصف أمر محتمِل يحتمِل أنّه إنّما أصاب لأنّه له، ويحتمِل أنّه إنّما أصاب لأنَّهرَأَى في يد غيره. والمحتمِل لا يصلُح سببَ الاستحقاق على الغير أما يصلح ترجيحًا لما هو سبب الاستحقاق، كاليد في دعوى النِّتاج. إذا ثبت هذا، فنقول: في فصل اللَّقيط قد وُجِد ما هو سبب الاستحقاق وهو الدعوة؛ لأنَّ الدَّعوة (٢) سَبب الاستحقاق في حقِّ اللّقيط. ألا ترى أنّه لو تفرَّد بدعوى اللّقيط قضى له به كما لو أقام البيِّنة فيُعتبر الوصف لترجيح سبب الاستحقاق. وأمّا في اللُّقطة فالدّعوى ليست بسببٍ للاستحقاق حتّى يترجّح بالوصف، فلو اعتبِر الوصف اعتبِر لأصل الاستحقاق، والوصف لا يصلح سببًا للاستحقاق، فافترقا (٣)؛ كذا في الذخيرة؛ ولأنّ العلامة مما يُرجع إليه عند الاشتباه كما في قصّة يوسف ﵊ في قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦]، وشريعة مَن قبلنا تلزَمنا إذا لم يلحقها التّنكير (٤). وذكر في الإيضاح: قال أبو الحسن: إنْ وافق بعضَ العلامة وخالف البعضَ سقَط التّرجيح (٥) لأنَّه ليس الرُّجوع إلى الموافقة أولى من المخالفة. [أماكن وجود اللقيط] (وإذا وجد في مِصر من أمصار المسلمين) "والمسألة في الحاصل على أربعة أوجه: أحدها: أنْ يجدَه مسلمٌ في مكان المسلمين كالمسجد ونحوه، فيكون محكومًا له بالإسلام. والثاني: أنْ يجدَه كافرٌ في مكان أهل الكفر كالبِيعة والكَنِيسة فيكون محكومًا به بالكفر لا يُصلَّى عليه إذا مات. والثالث: أنْ يجده كافِر في مكان المسلمين.

стр. 2358

والرابع: أنْ يجدَه مسلم في مكان الكافرين ففي هذين الفصلين. ([اختلفت] (١) الرِّواية ففي كتاب اللَّقيط) يقول: العِبرة للمكان في الفصلين جميعًا، وفي رواية (ابن سماعة (٢) عن محمد) العِبرة للواجد في الفصلين جميعًا" (٣)، كذا في المبسوط. (في بعض النسخ) أي: نُسخ دعوى المبسوط (ومَن ادَّعى أنّ اللقيط عبده) (٤) وهذا اللَّفظ المطلَق يجب أنْ يُقيَّد بقَيدَينِ أي: ادَّعى المسلم الحرّ أو العبد، لكن لم يُضِف ولادة اللَّقيط إلى امرأته الَّتي هي الأمة … أمّا قيد المسلم فإنّه إذا كان المدّعي ذمِّيًا (٥) ففي قبول بينتِه تفصيل: إنْ كان شهوده مسلمِين يُقبل ببيِّنة، ويُجعل اللَّقيط حرًّا مسلمًا، وإنْ كانوا كافرين لا يُقبل. ولهذا كان لفظ المبسوط هكذا حيث قال: "وإن ادَّعى مسلم". وأمّا قيد الحرِّ فإنّه إذا كان المدَّعي عبدًا وأضاف ولادته إلى امرأته الأمة، فإنَّ فيه خلافًا بَين أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- فإنَّه ذكر في الذّخيرة: وإذا ادَّعى اللَّقيط عبدٌ أنَّه ابنه مِن امرأته هذه، وهي أَمَة، ثبت النّسب استحسانًا، وكان الوَلَد حرًّا عند محمدٍ وعبدًا عند أبي يوسف (٦)؛ فمحمّد يقول: تحت دعوةِ العبد شيئانِ: أحدهما للَّقيط، وهو النسب، والآخر عليه، وهو الرِّق، وأحدُهما ينفصِل عَن الآخر في الجملة، فيُعتبر دعواه فيما له، ولا يُعتبر دعواه فيما عليه، كما إذا ادَّعاه ذمِّي، وقد وُجِد في مصر المسلِمين. [و] (٧) وَجه قول أبي يوسف أنّ المدَّعي صدِّق في حقّ ثبات النّسب فيصدَّق فيما كان من ضروراته تبعًا، ومِن ضرورة ثُبوت نسَب الوَلَد المولود بين رقِيقَين أنْ يكونَ رقيقًا، فيُحكم برقِّه تبعًا بخلاف مسألة الذِّمي لأنَّه ليس مِن ضرورة ثبوت النّسب

стр. 2359

مِن الذِّمي أن يكون ذميًا بأنْ/ أسلمت امرأته. (إلا أن يقيم البَيِّنة أنّه عبده) فحينئذ يُقضى له بأنّ اللّقيط عبده لأنَّه أثبت دعواه بالحجّة، وثبوت حريته كان باعتبار الظّاهر، والظاهر لا يعارِض البينة. فإن قيل: كيف تُقبل (١) هذه البيّنة ولا خصْم عن اللقيط لأنّ الملتقِط ليس بوليٍّ فلا يكون خصْمًا عنه فيما يضرُّه والبيِّنة إنّما تقام على خصْمٍ منكِر. قلنا: الملتقِط خصم له باعتبار يده لأنَّه يمنَعه عنه ويزعُم أنّه أحقُّ بحفظه فلا يَتوصل المدعي إلى استحقاق يده عليه إلا بإقامة البيِّنة على رقِّه، فلهذا كان خصمًا عنه. [الأولى في دعوى اللقيط] وإنْ أقام الذِّمي البينة مِن أهل الذِّمة أنه ابنه لم تَجُز شهادتهم على المسلِمين، ومراده أنّه إذا ادَّعى الذِّمِّي ابتداءً أنَّه ابنه، وأَقام بينةً مِن أهل الذّمَّة فإنَّ النَّسب يثبت منه بالدّعوة، ولكنّه يُحكم له بالإسلام، فلا يبطل ذلك بهذه البيِّنة لأنّ هذه الشَّهادة في حُكم الدِّين، إنَّما تقوم على المسلم، وشهادة أهل الذِّمة بالكفر على المسلم لا تُقبَل، وإنْ كان شهوده مسلمِين قُضِي له به لأنَّه أثبت نسَبه فيه (٢)، بما هو حجَّة على المسلم، فيصير تَبَعًا له في الدِّين (٣)، كذا في المبسوط. (والحرُّ في دعواه اللقيطَ أولى مِن العبد والمسلم أولى من الذمِّي) هذا إذا لم تَقع المنازَعة بين الملتقِط والخارج، فإنْ كانت هناك فلا يترجّح بالإسلام، بل باليد فإنَّ الملتقِط إذا كان ذمّيًا فهو أولى من المسلم الخارج، وقد ذكرناه. وكذا إذا كانتْ بينة الذمِّي أكثر إثباتًا فهو أولى من المسلم على ما نذكر. وكذا إذا ادَّعى النّصراني أنّه ابنه، وادَّعى المسلم أنّه عبدُه، فهو ابن النّصراني، فيرجّح دعوى النَّصراني لأنّ فيه إثبات الحرّية، ولا يُرجّح دعوى المسلم باعتبار الإسلام لأنّ تحصيل الإسلام في يده، ولا كذلك الحرّية (٤)؛ كذا في فتاوى قاضي خان. ففي هذه الصُّور الثَّلاث لم يُرجّح دعوى المسلم بالإسلام، فعُلِم بهذا أنّ المذكور في الكتاب غير مجري على عمُومه، فبعد هذا نقول: إنَّ إطلاق إثبات أوْلَوية دعوى الحرِّ على العبد، وإثبات أَوْلَوية دعوى المسلم على الكافر في الدّعوى المجرَّدة عن إقامة البينة، وفي الدّعوى (٥) المقرونة بالبيِّنة سواءٌ؛ حتّى أنّ المسلم والذمّي لو ادّعيا اللّقيط فهو ابن المسلم، وكذلك عند إقامة البيّنة، ولو شهِد للمسلِم ذمّيانِ وللذمِّي مسلمانِ قُضِيتْ للمسلم لأنّ بينة كلِّ واحدٍ منهما حجَّة في حقِّ الآخَر فاستويا، فكان المسلم أولى (٦)؛ كذا في الإيضاح.

стр. 2360

وذكر في الذَّخيرة: هذا إذا استويا في الإثبات. أمّا إذا كانت بيِّنة الكافر أكثر إثباتًا لا يُعتبر التّرجيح بالإسلام، حتّى أنّ ذمِّيًا لو ادّعى صبيًّا في يديْ رجُل أنّه ابنه وُلِد على فراشه، وأقَام على ذلك شاهدَينِ مسلمَينِ، وأقام عبدٌ بيّنة أنّ هذا الصَّبي ابنُه وُلِد على فراشه من هذه الأمَة قُضي الصَّبي للذِّمي، ولم يترجّح العبد بحكْم الإسلام، وإن كان خارجَين لأنّ بينة الذِّمي أكثر إثباتًالأنَّها تُثبِت النَّسب بجميع أحكامه (١). (فهو له) (اعتبارًا للظاهر) فإنْ قيل: الظَّاهر يكفي للدَّفع لا للاستحقاق فلو ثبت الملك للقيط بهذا الظّاهر كان الظّاهرمُثبِت للاستحقاق وليس له ذلك. قلنا: بهذا الظّاهر تُدفع (٢) دعوى الغَير، ثمّ الظَّاهر أنْ يكون الأملاك في يد الملاك، وكذا الظّاهر يدلُّ على أنّ مَن وضعه ومعه المال، إنَّما وضعه لينفَق عليه منه. (وكذا إذا كان مشدودًا) أي: إذا كان المال مشدودًا على الدَّابة. (لِما ذكرنا) وهو قوله: (اعتبارًا للظّاهر) وكذا تكون الدّابة له، فقال في المبسوط: "وإذا وجد اللَّقيط على دابَّة فالدَّابة له لسَبق يدِه إليه، فإنَّ المركوب تَبَع لراكبِه، وهو كمالٍ آخر معه" (٣). [حكم التصرف في مال اللقيط] (ولاتَصَرّفه) أي: ولا يجوز تصرُّف الملتقِط في مالِ اللّقيط. (والموجود في كلٍّ منهما، أحدهما) لأنّ الملتقِط له رأي كاملٌ، ولكنْ لا شَفَقة له، وللأم شفقة كاملة ولا رأي لها، بخلاف الأب لأنَّ له كِلَيهما جمعًا. "التثقيف" (٤): تقويم المعوج بالثقاف، وهو ما يسوى به الرِّماح، ويُستعار للتّأديب والتَّهذيب. (بخلاف الأم)؛ فإنّها تَملك استخدام ولَدِها وإجارته، والله أعلم بالصواب (٥). [المال مع اللقيط] كتاب اللقطة (٦) تناسُب اللّقيط واللُّقطة ظاهرٌ، كأنّهما/ أَخَوان لأبٍ وأمّ لرجوعهما إلى أصل واحٍد في اللَّفظ والمعنى، فإنّ لفظ اللّقط مع معناه اللُّغوي، وهو الرَّفع، يجمعهما، وليس بِبِدَع أنْ يُتجاوز الأخوان لأب وأم، إلا أنَّ المنبوذ إذا كان من بني آدم خُصّ باللّقيط، وإذا كان مِن غيره خُصّ باللُقطة للفَرق بينهما.

стр. 2361

فإن قلت: ما وجه التّخصيص بكلِّ واحدٍ منهما بذلك الاسم الذي له، ولِمَ لم يُعكَسْ مع حصول الفرق فيه أيضًا؟ قلت: الفُعَلَة -بضمِّ الفاء وفتْح العين-: نعْت المبالغة في الفاعل كالضُحَكَة واللُّعَنة (١)؛ كذا ذكره في التيسير في سورة الهمزة. واللَّقيط بمعنى: المفعول بدَليل تفسيرهم إياه بالمنبوذ من بني آدم. ولمَّا كان كذلك كان تخصيص المال باللُّقطة (٢) الدّال على الفاعلية أولى، لأنَّه لِزيادةِ مَيل الإنسان إلى رفعها، كأنّها تأمُر كلَّ مَن رآها بأنْ يرفَعها، وبهذا الأمر كانت هي رافعة نفسَها عَلى الإسناد المجازي كناقة حَلوب، ودابَّة رَكوب، كأنّها تحلِب نفسها وتركَب على نفسِها على وجه المبالغة لزيادة رغبة من رآها في الحَلب والركوب. وأمَّا الطفل المنبوذ، الذي هو اللقيط، ففيه ضَرر حاضِر بخلاف اللُقَطة، فإنَّ فيها نفعًا ظاهرًا لأنَّ في اللَّقيط الظَّاهر أنَّ أمَّه هي التي نبذَته قصدًا فِرارًا عن موته أو فرارًا عما يُتولَّد مِن إمساكه ما تكْرَهه كتُهمةِ الزّنى وغيرها، فكان في طبع الإنسان إباءٌ عن قبوله (٣)، ورفعه فسُمي به على طريق التفاؤل ليؤول أمره إليه كالتّسليم والمفازة والقافلة للديغ والمهلكة والعير، فصارت التّسمية له بهذا الاسم، كأنها دعاء من الله تعالى أنْ يرزقه من يرفعه، وقد استجيب دعاؤه تفاؤلًا فيرفع لا محالة. وذكر في المبسوط: "وإنّما سمُي لقيطًا باعتبار مآله وتفاؤلًا لاستصلاح حاله" (٤)؛ وهذا المعنى إنَّما يستقيم بلفظ اللَّقيط، فلذلك اختُصّ هو به. [حكم إلتقاط اللقطة] قوله: (اللُّقطة أمانة) ذكر في المغرب: " (اللُّقَطَةُ) الشَّيْءُ الَّذِي تَجِدُهُ مُلْقًى فَتَأْخُذُهُ" (٥). وذكر في المبسوط: اختلف النّاس فيمَن وجَد لُقَطة، فالمتقشِّفة (٦) يقولون: لا يحلُّ له أنْ يرفعها لأنَّه أَخْذ مال الغير بغيرِ إذنِ صاحبه، وذلك حرام شرعًا، فكما لا يحلُّ له تناول مالِ الغير بغيرِ إذنه لا يحلُّ له إثباتُ اليدِ عليه بغَير إذنه. وبعض المتقدِّمين مِن أئمة التَّابعين كان يقول: يحل له أَنْ يرفعها (٧) والترك أفضل له لأنّ صاحبَها إنَّما يطلُبها في الموضِع الذي سقطتْ منه، فإذا تَرَكها وجدَها صاحبُها في ذلك الموضع.

стр. 2362

والمذهب عند علمائنا وعامَّة الفقهاء أنَّ رفعها أفضل مِن تركهالأنَّه لو تركها لا يأمَن أنْ يصل إليها يدٌ خائنة فتكتُمها عَن مالكها، وإذا أخذَها هو عرَّفها حتّى يوِصلها إلى مالكها؛ ولأنَّه يلتزم الأمانةَ في رفعها والتزام أداء الأمَانة تعرُّض لنَيل الثَّواب لأنَّه يُثاب على أداء ما يلتزِمه مِن الأمانة، فإنّه يمتثل فيه الأمر. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وامتثال الأمر سبب لنيل الثواب (١). وذكر في الذخيرة أنّ اللقطة على نوعين: نَوع مِن ذلك يُفترض أخذُها، وهو ما إذا خاف ضياعَها؛ ونوعٌ مِن ذلك لا يُفترض، وهو ما إذا لم يخَف ضياعَها؛ ولكن يُباح أخذها، أجمع عليه العلماء، ثُمَّ اختلفوا فيما بينهم أنّ الأخذ أفضل أو التّرك (٢)؛ ثُمَّ ذكر ما ذكره في المبسوط. (وكذلك إذا تصادقا) أي: المالك والملتقِط (وصار كالبيِّنة) أي: يصير كأنَّ الملتقِط أقام البيِّنة على أنّه أخذها ليوصِلها إلى مالكها. (ولو أقرَّ) أي: الملتقِط؛ لأنّ الظَّاهر شاهد لهلأنّ مطلق فعل المسلم محمولٌ على ما يحلُّ شرعًا، قال ﵊: "لا تَظننَّ بكلمة خرَجَتْ من في أَخيك سُوءًا وأنْت تَجد لها في الخير محمَلًا" (٣). والذي يحلُّ له شرعًا الأخذ للردِّ لا لنفسه، فيُحمل مطلق فِعل المسلم (٤) عليه، وهذا الدّليل الشرعي قائم مقام الإشهاد منه. والثاني: أنَّ صاحبها يدّعي عليه سبب الضّمان ووجوب القيمة في ذمَّته، وهو منكِر لذلك، فالقول قولُه، كما لو ادَّعى عليه الغصْب وهما يقولان: كلُ حرٍّ عامِل لنفسه ما لم يظهر منه ما يدُلُّ على أنَّه عامِل لغيره، ودليل كونه (٥) لغيره الإشهاد (٦)، فإذا تركَه كان آخذًالنفسه باعتبار [الظاهر] (٧).

стр. 2363

والثاني: أنَّ أخذ مال الغير بغير إذنه سبب للضمان إلا عند وجود الإذن شرعًا والإذن شرعًا مقيد بشرط الإشهاد، وإذا (١) ترك كان أخذه سببًا للضّمان عليه شرعًا، فلا يُصدّق/ في دعوى المسقِط بعد ظهور سبب الضّمان كمن أخذ مالَ الغير وهلك في يده ثم ادَّعى أنّ صاحبه أودَعه لم يصدَّق في ذلك إلا بحجّة (٢)؛ كذا في المبسوط. وذكر في فتاوى قاضي خان هذا الاختلاف [في الإشهاد] (٣) فيما إذا أمكنه أنْ يشهِد. أمَّا إذا لم يجد أحدًا يشهده عند الرَّفع أو خاف أنَّه لو أشهد عند الرَّفع فأخذ (٤) منه الظَّالم فيترك (٥) الإشهاد، لا يكون ضامنًا، وإنْ وجد مَن يشهده [فلم يشهده] (٦) حتَّى جاوزه ضَمِن لأنَّه ترك الإشهاد مع القدرة عليه (٧). [الانتفاع باللقطة] (كالنواة وقشور الرُّمان) أي: في مواضِع مختلفة، فوَجَد مِن ذلك شيئًا كثيرًا فجمعها وصار بحكم الكثرة لها قيمة، فلا بأس بالانتفاع بها لأنّ كلَّ واحد منها (٨) لا قيمة له؛ وإنَّما ظهرت القِيمة بالاجتماع، والاجتماع حصل بجمعِه، فالقيمة إنَّما ظهرت بصُنعه فجاز الانتفاع بها، إلّا أنّ صاحبها إذا وجدَها في يدِه بعد ما جمَعها فله أنْ يأخذها ولا يصير ملكًا للآخذ. وَوَجه ذلك أنّ إلقاء هذه الأشياء في الطُّرق قصدًا إذنٌ بالأخذ وإباحة الانتفاع بها عادةً. وليس بتمليك (لأنّ التمليك من المجهول) لا يكون، والإباحة لا تُزيل ملك المبيح، والمباح له ينتفع به على حُكم ملكه، فإذا وجَدها صاحبها في يده فقد وجَد عين ملكه فكان له الأخذ. وذكر شيخ الإسلام (٩) في شرح "كتاب الذبائح" أنّه ليس للمالك أنْ يأخذَها مِن يده بعد ما جمَعها وأخذها، ويصير ملكًا للآخذ، وكذلك الجواب في الْتقاط السَّنابل (١٠)، وبه كان يفتي الصّدر الشهيد كذا في الذخيرة.

стр. 2364

وذكر في المحيط: إذا وَجَد النّواة وقشورَ الرّمان في مواضع متفرِّقة فالحكم هكذا. وأمّا إذا كانت مجتمِعةً في موضِع، فلا يجوز الانتفاع بها لأنّ صاحبها لما جمَعها فالظَّاهر أنه ما ألقاها بل إنَّما سقطت منه (١). وفي المبسوط: "وروى بشر عن أبي يوسف أنّ مَن ألقى شاة مَيتة له فجاء آخر وجزَّ صوفها كان له أنْ ينتفع به، ولو وجدَه صاحب الشاة في يده كان له أنْ يأخذ (٢) منه، ولو سلَخها ودَبَغ جلدَها كان لصاحبها أنْ يأخذ الجِلد منه بعد ما يُعطيه ما زاد الدِّباغ فيهلأنّ ملكه لم يزُل بالإلقاء، والصُّوف مالٌ متقوّم مِن غير اتصال شيء آخر به، فله أنْ يأخذه مجانًا. وأمَّا الجلد فلا يَصير مالًا متقوّمًا إلا بالدباغ، فإذا أراد أخذه كان عليه أنْ يعطيه ما زاد الدباغ فيه" (٣). [مجيء صاحب اللقطة بعدالتصدق بها] (والملك يثبت للفقير قبل الإجازة)؛ لأنّ الملتقِط لما كان مأذونًا في التصدُّق شرعًا يملك الفقير بنفس الأخذ لأنّ الفقير يأخُذ الصّدقة مِن الله تعالى لما روي عن النَّبي ﵊ أنّه قال: "الصّدقة تقع في كفّ الرّحمن قبل أن تقع في كفّ الفقير" (٤). (فلا يتوقّف) أي: ثبوت الملك للفقير عند إجازة المالك. (على قيام المحلّ) أي: قيام المال الذي تصدّق به على الفقير يعني: إذا اجاز المالك بعد هلاك اللقطة في يد الفَقير تجوز الإجازة، وقد ثَبَت الملك للفقير قبْل هذه الإجازة؛ لأنّ التصدُّق مِن أسباب الملك، فإذا تصدَّق الملتقِط بإذن الشَّرع ثبَت ما هو حكم التصدُّق، وهو ثبوت الملك للفقير.

стр. 2365

فإنْ قيل: لوثبت الملك للفقير قَبل الإجازة لما ثبَت للمالك حقُّ الأخذ إذا كان قائمًا في يد الفقير. قلنا: ثبوت الملك لا يمنع صحة الاسترداد كالواهب يملك الرُّجوع بعد ثبوت الملك للموهوب له، وكالمرتدِّ إذا عاد مِن دار الحرب مسلمًا بعد ما قُسمت أمواله بين ورثته فإنَّه يأخذ ما كان قائمًا منها بعد ثبوت الملك لهم. (بخلاف بيع الفُضولي (١) بضَمّ الفاء. فإنّ الملك فيه للمشتري إنَّما يثبت بعد إجازة المالك بيعَ الفضولي؛ ونفاذ الإجازة (٢) إنَّما يكون فيما إذا كان المحلُّ باقيًا وقت الإجازة (٣). فلذلك اشترط قيام المحلّ لنفوذ الإجازة (٤) في بَيع الفضول. وذكر في الفصول للإمام الأسروشني (٥): يشترط لصحَّة الإجازة (٦) في بيع الفُضولي قيام أربعة أشياء وهي: البايع، والمشتري، والمالك، والمبيع، ولا يشترط قيام الثَّمن في يد البايع، فإنْهلك واحد من الأربعة لا تجوز الإجازة (٧)، ويجيء تمامه في "البيوع" إنْ شاء الله تعالى. (وإن شاء ضمن الملتقِط) وحاصله أنَّ المالك إذا لم يُجِز التصدُّق فلا يخلو إمَّا أنْ كانت اللُقطة قائمةً في يد الفقير أو هالكة؛ فإنْ كانت قائمة يأخذها مِن الفقير، وإن كانت هالكة فله الخيار إنْ شاء ضمَّن الفقير، وإنْ شاء ضمَّن الملتقِط، وأيهما ضمَّن لا يرجع على صاحبه بشيء، فإنْ ضمَّن الملتقِط ملكها الملتقط مِن وقت الأَخذ فيكون الثَّواب له/. وحُكي عَن القاضي الإمام أبي جعفر (٨) أنَّه كان يقول: "ما ذكر في الكتاب محمول على ما إذا تصدّق بغير أمر القاضي، فأمَّا إذا تصدَّق بأمر القاضي فليس للمالك أنْ يضمَن الملتقِط" (٩)، ولكن هذا ليس بصواب؛ لأنَّ تصدُّق الملتقط بأمر القاضي لا يكون أعلى حالًا من تصدُّق القاضي بنفسه، وهناك يضمَن القاضي فههنا أولى (١٠)؛ كذا في الذخيرة، وفتاوى قاضي خان.

стр. 2366

(إلا أنَّه بإباحة من جهة الشرع وهذا لا ينافي الضمان) وهذا لجواب سؤال يرد على دليل الضَّمان، وذكر السُّؤال والجواب في المبسوط وقال: "فإن قيل: كيف يضمنها له وقد تصدق بها بإذن الشرع؟ قلنا: الشَّرع أباح التصدُّق بها، وما التزَمَه (١) ذلك، ومثل ذلك الإذنُ مسقطٌ للإثم عنه غَير مسقِطٍ لحقٍّ محترَم للغير، كالإذن في الرَّمي إلى الصيد، والإذن في المشي في الطريق، فإنّه يتقيَّد بشرط السَّلامة، وحقُّ صاحب المال في هذا المال مرعيّ محتَرم، فلا يسقط حقُّه عن هذا العَين بهذا الإذن، فله أنْ يُضَمِّنه إنْ شاء، والإذن ههنا دون الإذن لمن أصابته المخْمَصة في تناول مال الغير، وذلك غير مسقِط للضّمان الواجب لحقِّ المال" (٢). (وإن شاء ضمَّن المسكين) قال في السِّير الكبير: والحكم الأصلي في اللُقَطة يجدها إنسان أو يجدها القاضي أنْ يمسكها على صاحبها، فيضَعها الإمام في بيت المال إلى أنْ يجيء صاحبها، وبعد ما تمَّمدة التَّعريف فالتصدُّق بها رخصةٌ إذا مالَ القاضي إلى التصدُّق وتصدَّق، كان في ذلك كواحِدٍ مِن الرعايا (٣)، وهذا لأنّ التصدُّق بها غير داخل تحت ولايةِ الإمام؛ لأنَّه تصدُقٌ بمال الغير بغير إذنه، وهو ليس بداخل تَحت ولاية الإمام، وفي مثل ذلك (٤)، فالإمام بمنزلة واحدٍ من الرعايا. وإن كانت اللُقطَة شيئًا يُخاف عليها الفَساد فالقاضي فيها بالخيار؛ إنْ شاء تصدَّق بها على المساكين، وإنْ شاء باعها. فإن (٥) حضر صاحبُها بعد ما باعها القاضي أخَذ الثَّمن، ولم يكُن له أنْ يضمِّن القاضي لأنَّ بيعه كان على وجه الحكم لأنَّه خاف الفساد على مال الغائب، وحفظ مال الغائب داخل تَحت ولاية القاضي بطريق النَّظر. وكلُّ تصرُّف في مال الغائب دخل تحت ولاية القاضي صار القاضي فيه كالنائب عن الغائب، وهناك لا ضمان على القاضي كذا ههنا، وبعد ما باع القاضي اللُّقطة وأخَذ الثَّمن كان حكم الثَّمن حكم المبيع يمسكُه القاضي إلى أنْ يجيء صاحبه، وإن رأى التصدُّق به فعل، وإنْ جاء صاحبه، ولم يُجِز صدقتَه كان له أنْ يضمِّنه على ما ذكرنا (٦)؛ كذا في الذخيرة.

стр. 2367

[حكم إلتقاط الأنعام] (والإباحة) أي: إباحة الأخذ (وإذا كان معها) أي: مع اللُّقطة (ما يدفع به عن نفسها) كالقَرن في حقِّ البقر، وزيادة القوَّة في حقِّ البَعير بكَدمه (١) ونفحه (٢) (فيقضي بالكراهة) أي: بكراهة الأخذ. [الإنفاق على اللقطة] (وإنْ كان للبهيمة منفعة) أي: البهيمة صالحة للإجارة والاستعمال. ([وفي هذا نظرمِن الجانبَين) أي: مِن جانب المالك بإبقاء عَين مالِه، ومِن جانب الملتقِط بالرّجوع على المالك بما أنْفق على اللُّقطة] (٣). (فإذا لم يظهر يأمر ببيعها) "وإذا (٤) باعها أعطاه القاضي مِن ذلك الثَّمن ما أنفَق بأمره في اليومَين والثَّلاثة لأنّ الثّمن مالُ صاحبها، والنّفقة دَينٌ واجب للملتقِط على صاحبها، وهو معلوم للقاضي فيقضي دَينه بماله لأنّ صاحب الدّين لو ظفَر بجنس حقِّه كان له أنْ يأخذه، فكذلك القاضي بعينه على ذلك، وإنْ لم يبِعها حتّى جاء صاحبها وأقام البيِّنة أنّها له قَضى له بها القاضي، وقضى عليه بنفَقة الملتقِط" (٥)؛ كذا في المبسوط (٦). (وفي الأصل شرط إقامة البيِّنة) أي: يقيم الملتقِط البيِّنة على أنَّ هذه الدابّة لُقَطة عندي. (وليْست تقام للقضاء) أي: البيِّنة لا تقام ههنا للقضاء؛ هذا لجواب سؤال يرد على قوله: (في الأصل شرط إقامة البينة) بأنْ يقال: إنَّ البينة إنَّما ُتقام على المدَّعى عليه المنكِر، وليس ههنا مدَّعىً عليه، فعلى مَن يقيم البيِّنة؟ فقال: هذه البينة تقام لاستكشاف الحال بأنَّه لُقطة لا للقضاء على المدَّعى عليه. وذكر في الذخيرة: ثُمَّ هذه البيِّنة مقبولة، وإنْ قامت قبل حضور صاحبها، ولا بدَّ لقبول البيِّنة مِن الخصم، فطريق قبولها أنَّ الإمام خَصم فيها عَن صاحبها. ألا ترى أنّ في الابتداء لو أقام بينةً عند القاضي أنَّه وجَد هذه الدَّابة ولا يدري لمن هي، وطلب مِن القاضي أنْ يأمره بالإنفاق، فالقاضي/ يقبَل هذه البيِّنة. وطريق قبولها أن ينتصب القاضي خصمًا عن صاحبها (٧) كذا ههنا.

стр. 2368

(وإنْ قال) أي: الملتقِط (لا بينة لي) على أنَّها لُقطة عندي، ولكن هي لُقَطة (يقول القاضي) للملتقِط (أنفِق عليه إنْ كنت صادقًا). إنَّما يقول بهذا الترديد احترازًا عن ما يحتمِل أحد الضّررين، إذ لو أمر بتضرٌّر المالك بسقوط الضَّمان على تقدير الغَصب، ولو لم يأمُر بتضرَّر الملتقِط على تقدير أنّها لقطة، وقد أنفق عليها. وقال في الذَّخيرة: فلو أنَّ هذا الرَّجل حين جاء بالدَّابة إلى القاضي، قال للقاضي: وجدتُ هذه الدَّابّة، ولا أدري لمن هي إلّا أنّه لا بيِّنة لي على ذلك؛ فالقاضي لا يأمره بالإنفاق ولا بالبيع مرسلًا لجواز أنَّ الدَّابة غَصب عنده، وقد احتال بهذه الحيلة لتصير النّفقة دَينًا على المالك، وليُبَرِئَ نفسه عَن الضّمان بالبيع، فإنّ الغاصب إذا باع المغصوب بأمر القاضي يَبرأ عَن الضَّمان، كما لو باع بأمر المالك، ويجوز أن يكون الأمر كما قال هو. وعلى هذا التّقدير، لو لم يأمره القاضي بالإنفاق أو البيع، وهو لا يُنفق بغير أمر القاضي فخاف ضَياع مالِه، ولا يبيع بغير أمر القاضي مخافةَ لزوم الضَّمان، وإذا كان كذلك، فيأمره القاضي بالبيع أَو بالإنفاق مقيَّدًا، وصورة ذلك أنْ يقول القاضي بين يدي الثقات: أَمرتُه بالإنفاق عليها، أو بالبيع إنْ كان الأمر كما قال، وإن كان الأمر على خلاف ذلك فلا آمره بشيء (١). وهذا احتياط من الجانبَين لأنَّه إذا (٢) كان الأمر كما قال لا يضيع مال المالك، وإنْ كان الأمر بخلافه لا يَبرأ عن الضَّمان. وهذا كرجُل اشترى عبدًا، وغاب غَيبة قبل نقد الثَّمن، ولا يُدرى أين هو، فجاء البائع بالعبد إلى القَاضي وأخبره بالقصَّة، فإنَّ القاضي يأمره (٣) بالبيع مقيَّدًا [فيقول] (٤): إنْ كان الأمر كما قلتَ أمرتُك بالبيع، وإنْ كان بخلافه فلا آمرك بشيء. قوله: (إذا شرط) متَّصِل بقوله: (إنَّما يرجع) أي: إنَّما يرجع الملتِقط على المالك إذا شرط القاضي الرُّجوع على المالك، "وهذه هي الرواية الَّتي ذكرناها في مسائل اللَّقيط بقوله: والأصحُّ أنْ يأمُر القاضي الملتَقِط بالإنفاق على أنْ تكون (٥) دَينًا على اللَّقيط، فحينئذ يرجع على اللقيط وإلا فلا، وهذا احتراز عن قول بعض أصحابنا فإنّهم يقولون: إنّ مجرَّد أمر القاضي بالإنفاق عليه يكفي للرجوع" (٦).

стр. 2369

قوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى قوله: (لأنَّه جيء بنفقته) يقال: "نَشَدْتُ الضالَّة أنْشُدُها نَشْدَةً ونِشْدانًا، أي طلبْتُها. وأنْشَدْتُها، أَي عرَّفتها" (١) كذا في الصحاح. [حكم لقطة مكة] ثم معنى الحديث الذي ذكره الشافعي ﵀ (ولا تحلُّ لُقَطتها) (٢) أي: لُقَطة مكَّة (إلا لمنشدها) أي: لطالبها، وهو المالك عند الشافعي (٣)، وعندنا المراد من المنشد المعرِّف (٤). العِفَاصُ: الوعاء الذي تكون فيه النّفقة مِن جلد، أو خِرقة، أو غير ذلك، يقال: أوكى السِّقاء، شدَّه بالوكاء، وهو الرِّباط الذي يُشدُّ به. (والتخصيص بالحرَم لبيان أنَّه لا يَسقط التَّعريف فيه لمكان أنَّه للغرباء ظاهرًا) ومعنى هذا: أنَّ هذا المال الملقى في الحرم لمَّا كان للغرباء ظاهرًا، وَهُم تفرَّقوا شرقًا، وغربًا، وقد ذكر فيما إذا كانت اللُّقطة عشرة دراهم، أَو أكثر عرَّفها حولًا فلا فائدة في التَّعريف ههنا حولًا، ينبغي أن يَسقُط التَّعريف فالنَّبي ﵊ أزال هذا الوهم بقوله: "إلا لمنشدها"، أي: لمعرِّفها أي: لا يدفعها إلا من يعرِّفها، ثم يفعل بها ما يفعل بسائر اللُّقطات لعدم الدَّليل بالفصل، ولا يجبُر ذلك على الدَّفع إلى الذي أعطى علامتها.

стр. 2370

[ادعاء اللقطة] (ولنا أنّ اليد حقٌّ مقصود كالملك) بدليل أنَّه يجب الضّمان في غصب المدبَّر باعتبار إزالة اليد لما أنَّ المدبَّر غير قابل للنَّقل ملكًا. (وهذا للإباحة عملًا بالمشهور). وقوله: (عملًا) تعليل قوله: (للإباحة) أي: لم يكن الأمر في قوله ﵊ "فادفعها" (١) للإيجاب، بل هو للإباحة عملًا بالحديث المشهور (٢)؛ إذ لو كان ذلك للوجوب يلزم التّعارض بين موجبَي الحديثين، والأصل عدم التّعارض، فلذلك قلنا بإباحة الدّفع، ويأخذ منه كفيلًا. ذكر في المبسوط: وله أنَّ يتوسَّع فيدفع إليه باعتبار الظّاهر، فإنْ دفعها إليهأخَذ منه بها كفيلانظرًا لنفسه، فلعلّه يأتي مستحقُّها فيضمِّنها إياه، ولا يتمكَّن مِن الرُّجوع إلى هذا الأخذ منه لأنَّه يخفي شخصهن، فيحتاط بأخذ الكفيل منه، فإنْ (٣) صدَّقه فدفعها إليه، ثُمَّ أقام الآخَر البيِّنة أنَّها له، فله أنْ يضمِّن الملتقِط. أمَّا بعد التّصديق يؤمَر بالدّفع إليهلأنّ الإقرار/ حجَّة في حقِّ المقرِّ، ولكنّ (٤) الإقرار لا يعارض ببيِّنة الآخر [لأن البينة] (٥) حجةٌ متعدِّية إلى النَّاس كافّة، فيثبت الاستحقاق بها للَّذي أقام البيِّنة. ويتبيَّن أنّ الملتقِط دفع ملكه إلى غيره بغير أمره فله الخيار، إنْ شاء ضمَّن القابض بقبضه، وإنْ شاء ضمَّن الملتقِط بدفعه، فإنْ ضمَّن الملتقط يرجِع على (٦) المدفوع إليه لأنَّه، وإنْ صدَّقه بإصابته العلامة، فقد كان ذلك منه اعتمادًا على الظَّاهر، ولا بقاءَ له بعد الحكم بخلافه. والمقِرّ إذا صار مكذبًا في إقراره سقط اعتبار إقراره، كالمشتري إذا أقرَّ بالملك للبائع ثُمَّ استحقه إنسان مِن يده رجع على البائع بالثَّمن" (٧).

стр. 2371

وذكر في فتاوى قاضي خان: فلو دفعها إليه بالحلية أي: بسبب ذكر العلامة، ثُم جاء آخر، وأقام البيِّنة أنَّها له، فإنْ كانت اللُّقطة قائمة في يد الأوَّل يأخذها صاحبها منه إذا قدِر، وَلاشيء على الآخذ، وإنْ كانت هالكة، أو لم يقدِر على أخذها، فصاحبُها بالخيار إنْ شاء ضمَّن الآخذ، وإن شاء ضمَّن الدَّافع. وإنْ كان الملتقِط دفع بقضاء قاضٍ لا ضمان عليه، وإنْ كان الدّفع (١) بغير قضاء ضمن (٢). (وهذا بلا خلاف) هذا احتراز عن أخذ القاضي الكفيل مِن الوارث أو الغريم، وهو قوله: (بخلاف الوكيل لوارث غائب عنده) أي: عند أَبي حنيفة. وردّ الضمير إليه وإن لم يسبق ذكره لشُهرة حكم تلك المسألة (٣)، على ما ذكر من الاختلاف. فصورة ذلك: ميراث قُسِم بين الغرماء، أو بين الورَثة، لا يُؤخذ من الغريم، ولا مِن الوارث كفيل عند أبي حنيفة. وعندهما يُؤخذ (٤)، والفرق لأبي حنيفة لأنَّ (٥) حقُّ الحاضر ههنا ليس بثابت، ولهذا كان له أنْ لا (٦) يدفع إليه المال؛ لأنَّ الكلام في الدَّفع إليه بذكر العلامة. وأمّا في مسألة الوارث فحقُّ الحاضر معلوم، وحقُّ الآخر موهوم عسى يكون، وعسى لا يكون، فلا يجوز تأخير حقِّ الحاضر إلى وقت التّكفيل لأمر محتمَل لا أمارة عليه. هذا إذا دفع اللُّقطة (٧) بذكر العلامة، وأمَّا إذا دفع اللُّقطة (٨) بحكم أنَّ الحاضر أقام البيِّنة على أنَّها له ففي أخذ الكفيل روايتان عن أبي حنيفة (٩)، والصَّحيح أنّه لا يأخذ كفيلًا (١٠)؛ كذا ذكره الإمام قاضي خان في "كتاب القضاء" من الجامع الصَّغير. (وإذا صدَّقه قيل: لا يجبر على الدَّفع كالوكيل يقبِض الوديعة) بخلاف ما إذا [صدَّق] (١١) المدْيون وكيلَ ربّ الدّين بقبض دينه حيث يُجبر على دفع الدين لأنّ المديون إنَّما يقضي الدَّين بملك نفسه، وإقراره في ملك نفسه ملزِم. وأمّا المُودِعُ يُقرُّ له بحق القبض في ملك الغير، وإقراره في ملك الغير ليس بملزم.

стр. 2372

(وقيل: يُجبَرلأنّ المالك ههنا غير ظاهر) فلمّا لم يكن ظاهرًا جاز أنْ يكون المالك هو الذي حضر. فلمَّا أقرَّ الملتقِط بأنَّه هو المالك كان إقراره ملزِمًا إياه الدّفعَ إليه، ثم في الوديعة إذا دفع إليه بعد ما صدَّقه، وهلَك في يده ثُمّ حضر المُودِعُ، وأنكر الوكالة وضمن المُودَعَ، ليس له أنْ يرجع على الوكيل بشيء. وههنا الملتقِط له أنْ يرجع على القابض لأنَّ هناك في زعم المُودَعِ أنَّ الوكيل عاملٌ للمُودِعِ في قبضه له بأمره، وأنَّه ليس بضامِن بَل المودع ظالم في تضمينه إياه، ومَن ظُلِم فليس له أنْ يظلم غيره، وههنا في زعمه أنَّ القابض عامل لنفسه وأنّه ضامن بعد ما ثبت الملك لغيره بالبيِّنة، فكان له أنْ يرجع عليه بما ضمن لهذا (١)؛ كذا في المبسوط. [التصدق باللقطة] (وكان من المياسير) أي: الأغنياء جمع الميسور ضدّ المعسور، وهما صفَتان عند سيبويه، ومصدران عند غيره (٢). (حَملًا له على رفعها) (٣) أي: ليكون حاملًا وباعثًا على رفعها إلا برضاه لإطلاق النُّصوص، لقوله (٤) تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧]، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. (والإباحة للفقير بما رويناه) وهو قوله ﵊: "فليتصدّق به" (٥).

стр. 2373

(جائز (١) بإذنه) أي: بإذن الإمام لأنَّه في محلّ مجتهد فيه، فإنَّ عند الشافعي يحلُّ الانتفاع للغني (٢). وذكر في المبسوط، والأسرار في تأويل حديث أُبيّ (٣): يحتمِل أنَّالنَّبي ﵊ علِم فقرَه، وحاجته لديون عليه فأذِن له في الانتفاع بها، ويحتمل أنَّ ذلك المال كان لِحربي لا أمَان له (٤)، وذلك لأن دار الإسلام يومئذ/ لم يكن بها سعة، وقد عرَّف بها ثلاث سنين، فكان الظّاهر أنَّها لو كانت لمسلم لظَهر. فلمَّا لم يظهر علِم أنَّها كانت لكافر، وقد سبقتْ يدُه إليه فجعله أحقَّ به لهذا. وإليه أشار رسول الله ﵊ بقوله: "فإنّه رزق ساقه الله إليك" (٥)، ولكن مع هذا أمره بأنْ يعرِّف عددها، ووكاءَها حتّى لو جاء صاحبها يمكَّن (٦) مِن الخروج مما عليه بدفع مثلها إليه لما فيه مِن تحقيق النَّظر مِن الجانبَين، وهو نظر الثواب للمالك، ونظر الانتفاع للملتقِط.

стр. 2374

(لما ذكرنا) وهو قوله: (لِمَا فيه من تحقيق النَّظر في الجانِبَين، والله أعلم بالصواب) (١). كتاب الإباق (٢): هذه الكُتُب أعني: اللَّقيط، واللُّقطة، والإباق، والمفقود كُتُب، متجانس بعضها بعضًا من حيث إنّ في كلٍّ منها عُرضة (٣) الزّوال والهلاك. وفي المبسوط: اعلم بأنَّ الإباق تمرُّد في الانطلاق، وهو مِن (٤) سوء الأخلاق ورداءة الأعراق، يظهر العبد عن نفسه فرارًا ليصير ماليته فيه ضمارًا، فردَّه إلى مولاه إحسان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان (٥). [رد الآبق] " الإباق": هو الهرب من بابي ضرَبَ ونصَرَ. (من يقوى عليه) أي: يقدِر (لِما فيه مِن إحيائه) (٦) لأنَّ الآبِق هالِك في حقِّ المولى فيكون الرَّد إحياءً له. ثُمَّ الفَرق بين الآبق، والضَّال: قيل الآبق هو المملوك الذي فرَّ من صاحبه قصدًا، والضال: هو الذي ضلَّ الطريق إلى منزله، وهو في ذلك غير قاصد. (ثم آخذُ الآبق يأتي به إلى السلطان) هذا اختيار شمس الأئمة السرخسي (٧). و (٨) أمّا اختيار شمس الأئمة الحلواني أنَّ الرادَّ بالخيار، إنْ شاء حفظ بنفسه، وإنْ شاء رفعه (٩) إلى الإمام. وكذلك الضَّال والضَّالة، [الواجد] (١٠) فيهما بالخيار (١١)؛ كذا في الذخيرة. [ما يجب للراد] (والقياس أن لا يكون له شيء) فوجه القياس ظاهر، وهو أنّه تبرُّع بمنافعه في ردِّه على مولاه، ولو تبرَّع عليه بعين من أعيان ماله لم يستوجِب عليه عِوضًا بمقابلته، فكذلك (١٢) إذا تبرَّع بمنافعه؛ ولأنَّ ردَّ الآبق نهيٌ عن المنكر لأنَّ الإباق منكر، والنَّهي عن المنكر فَرض على كل مسلم فلا يستوجِب بإقامة الفرض جُعلًا. (إلا أنَّ منهم مَنأوجب الأربعين، ومنهم مَن أوجب ما دونها، فأوجبْنا الأربعين). فإنْ قيل: كان ينبغي أنْ يؤخذ بالأقل في المقدار؛ لأنَّه متيقَّن به. قلنا: إنّما لم نَأخذ (١٣) بالأقلَّ لأنّ التّوفيق بين أقاويلهم (١٤) ممكِن بأنْ يُحمل قول َمن أفتى بالأقلِّ على ما إذا رده بما دونه (١٥) مسيرة سفر. وقول مَن أفتى بالأكثر على ما إذا ردَّه مِن مسيرة سفر. وإذا أتى رجلٌ بعبد آبق فأخذه السُّلطان فحبسه فجاء رجلٌ، وأقام البيِّنة أنَّه عبده، فإنَّه يستحلفه بالله ما بِعته، ولا وهبتُه، ثُمَّ يدفعه إليه. وذلك لأنَّه لما أقام البيِّنة فقد أثبت مُلكَه فيه بالحجة إلا أنّه يحتمل أنْ يكون باعه، أو وَهَبه، ولا يعرف الشُّهود ذلك، فيستحلِفه على ذلك.

стр. 2375

فإن قيل: كيف يستحلفه، ولَيس ههنا خَصم يدَّعى عليه ذلك؟ قُلنا: يستحلِفه صيانةً لقضاء نفسه، والقَاضي مأمورٌ بأنْ يصون قضاءَه عَن أسباب الخطأ بحسب الإمكان، أو يستحلِفه نظرًا لمن هُو عاجز عَن النَّظر لنفسه من مشترٍ، أو موهوب له، فإذا حَلَف دفعه إليه. وفي أخذ الكفيل منه الأصحُّ أنّ فيه روايتين، وإنْ لم يكن للمدِّعي بينة، ولكن أقرَّ العبد أنَّه عبده، فإنَّه يدفعه إليه، ويأخذ منه كفيلًا. أمَّا الدَّفع إليه فلأنَّ العبد في يد نفسه، وقد أقرَّ بأنّه مملوك له، ولو ادَّعى أنّه حرٌّ كان قوله مقبولًا، فكذلك إذا أقرَّ أنه مملوك له. وأمّا أخذ الكفيل، فإنَّ الدَّفع إليه بما لَيس بحجَّة على القاضي، فلا يلزَمه ذلك بدون التَّكفيل بخلاف الأوَّل، فالدفع هناك بحجّة ثابتة في حقِّ القاضي (١)؛ كذا في المبسوط. التّلفيق بهم أورده (٢) (دونها إلى صيانة الآبق) أي: دون الحاجَة أي: الحاجة في صيانة الضّال أقلُّ بالنسبة إلى الحاجة في صيانة الآبق (٣) لما ذكر في الكتاب. (وبقدَر الرضخ … ) إلى آخره (٤). وهذه الأوجه الثّلاثة تفصيل لما ذكر قبلهبقوله: (وإنْ ردّه لأقلّ مِن ذلك فبحسابه) يعني: أنَّ ذلك الحساب قد يكون باصطلاح الرّاد والمالك، وقد يكون برأي القاضي، وقَد يكون بقِسمة الأربعين على الأيام الثلاثة. وتفسير ذلك ما ذكره في الذخيرة فقال: فيجب للرادِّ في مسيرة ثلاثة أيام أربعون درهمًا، فيكون بإزاء كل يوم ثلاثةَ عشرَ درهمًا وثُلث درهم، فيقضي بذلك إن ردّه مِن مسيرة يوم (٥). والأشبه هو الذي يفوّض إلى رأي الإمام، وبهذا التّقرير يندفع ما يتراءى في لفظ الكتاب من صورة التِّكرار، فإنّ الثّاني لما كان التّفصيل ما ذكره أولًا لا يلزم التِّكرار. وإذا كان الآبق بين رَجُلين فالجُعل عليهما على قَدر أنصبائهما، فإنْ كان أحد المولَيين حاضرًا، والآخر غائبًا فليس للحاضر أنْ يأخذه (٦) حتّى يعطيه الجُعل كلَّه. وإذا أعطاه لم يكُن متطوِّعًا، ثُمَّ ذكر فيها مسألة عجيبة، وقال: وإذا قال الرَّجل لغيره: إنَّ عبدي قد أَبق فإنْ وجدتَه فخُذْه، فقال المأمور: نَعم. ثُم إنَّ المأمور وجدَه على مسيرة ثلاثة أيام، فأخذه وردَّه على المولى فلا جُعْل له لأن المولى قد استعان منه في ردّ الآبق، وقد وعد له الإعانة، والمعِين لا يستحقُّ شيئًا.

стр. 2376

[حكم أم الولد والمدبر] (وأم الولد، والمدبَّر في هذا بمنزلة القنِّ (١) لأنَّهما مملوكانِ للمولى، وهو يستكسِبهما بمنزلة القنِّ. فإنْ قيل: فأين ذهب قولكم إنّه يستوجِب الجُعل بإحياء المالية، ولا مالية في أمِّ الولد خصوصًا عند أبي حنيفة ﵀. قلنا: نعم، ليس له فيها مالية باعتبار الرَّقَبة، ولكن له مالية فيها باعتبار كسْبها لأنَّه أحقُّ بكسبها، وقَد أَحيا الرَّادَّ ذلك بردِّه، فيستوجب الجُعل عليه بخلاف المكاتَب، فإنَّه أحقُّ بمكاسبته، فلا يكون رادُّه محييًا للمولى ماليته باعتبار الرَّقبة، ولا باعتبار الكَسب (٢)، كذا في المبسوط. (لأنَّهما يعتقان (٣) بالموت) هذا التَّعليل بإطلاقه ظاهر في حقِّ أمِّ الولد وفي حقِّ المدبَّر الذي لا سعاية عليه. وأمَّا إذا كان على المدبَّر سِعاية بأنْ لم يَكن للمولى مالٌ سواه، فكذلك لا يستوجِب الجُعل على الورثة لأنَّ المستسعى بمنزلة المكاتَب عند أبي حنيفة ﵀، وحرٌّ عندهما عليه دَين، ولا جُعل لرادِّ المكاتب أو الحرِّ؛ فأمَّا إذا أوصلهما إلى المولى فقد تقرَّر حقُّه في الجُعل فلا يسقط بموت المولى وعتقهما بعد ذلك (٤)؛ كذا في المبسوط. [حكم الراد إن كان أبا أو ابنا] (ولو كان الرَّاد أبا المولى أو ابنه وهو في عياله). وقوله: وهو راجع إلى الرّادّ، والجملة في ذلك أنَّ الرادّ إذا كان في عيال مالك العبد، أي: في مؤنته ونَفقته، لا جُعل له، سواء كان ذلك الرادّ أبًا للمالك أو ابنًا له. وأمَّا إذا لم يَكُن في عياله فعلى التّفصيل: إنْ كان الرادُّ ابنَ المالك فلا جُعل له أيضًا، وإنْ كان أباه فلَه الجُعل (٥)؛ إلى هذا أشار في الذَّخيرة وشرح الطحاوي. وذكر في المبسوط: جواب القياس بأنَّ الرَّاد الذي هو ذو رحِم محرَّم من المالك، يستحقُّالجعل في جميع ذلك إذا لم يكُن في عياله، ثُمّ قال: ولكنَّه استحسن فقال: إذا وجد عبد أبيه (٦) و ليس في عياله فلا جعل له؛ لأن رد الآبق على أبيه مِن جملة خدمته، وخدمة الأب مستحقَّة على الابن (٧). فأمّا (٨) إذا وجد الأب عبد ابنِه، فإنْ كان في عيال ابنِه فلا جعل له؛ [لأنّ] (٩) آبق الرّجل إنَّما يطلبه مَن في عياله عادةً، ولهذا ينفِق عليهم، فلا يستوجِب مع ذلك جُعلًا آخَر. وإنْ لم يكُن الأب في عياله فله الجُعل لأنَّ خدمة الابن غير مستحقَّة على الأب، فعلى هذا التَّقرير الذي ذكرنا (١٠) يحتاج ما ذكره في الكتاب مطلقًا إلى التَّقييد فكان قوله: (وهو في عياله) أي: اشتراط العِيال في حقِّ عدم وجوب الجُعل فيما إذا كان الرادُّ أبًا، لا (١١) ابنًا، فإنَّ الجُعل لا يجب للابن سواء كان في عيال الأب أو لم يكن.

стр. 2377

(فلا يتناولهم إطلاق الكتاب) أي: لفظ الكتاب وهو قوله: (ومن ردّ الآبق على مولاه مِن مسيرة ثلاثة أيام). (لكنْ هذا إذا أشهد) وإنْ ادَّعى أنّه أخذه للردِّ، ولكنْ ترك الإشهاد مع الإمكان فهو على الخلاف المذكور في اللقطة. "هذا إذا علم أنّه كان آبقًا فإنْ أنكَر المولى أنْ يكون (١) العبد آبقًا فالقول قوله لأنَّالسَّبب الموجِب للضَّمان قد ظهر مِن الأخذ، وهو أخذ مال الغير بغير إذنه، فهو يدَّعي ما يسقطِه، وهو الإذن شرعًا لكون العبد آبقًا، ولو ادّعى الإذن من المالك له في أخذه وأنكَره المالك كان القول قوله، فكذلك ههنا. وعلى هذا لو ردَّه فأنكر المولى أنْ يكون عبده آبقًا فلا جُعل له إلا أنْ/ يشهِد الشّهود بأنّه أبق مِن مولاه أو [أن] (٢) مولاه أقرَّ بإباقه، فحينئذ يجب له الجُعل" (٣)؛ كذا في المبسوط. (وفي بعض النُّسخ) أي نُسخ المختصر للقدوري. [حكم إعتاق الآبق أو بيعه] (وَلو أعتقه المولى كما لقيه) أي: أَعتقه قبل أنْ يقبِضه وقتَ لقائِه (صار) بإعتاقه (قابضًا) له حتَّى يجِب الجُعل على المولى للرادِّ. وإنَّما قيَّدنا (٤) (بالإعتاق) لأنَّه لو دبَّر مكان الإعتاق لا يصير قابضًا. والفَرق بينهما هو أنّ الإعتاق إتلاف للمالية فيصير به قابضًا، كما لو أعتق المشتري العبد المشترَى قبل القَبض يصير به قابضًا. وأمَّا التدبير فلا يتلف (٥) به المالية، فلا يصير المولى قابضًا له إلا أنْ يصل إلى يده. (وكذا إذا باعه من الرَّاد) أي: يصير قابضًا بالبيع مِن الرَّادِّ، وإنْ لم يصل إلى يده؛ وإنَّما قيِّد بالبيع لأنَّ الحكم في الهبة بخلاف ذلك حيث لا يصير بها قابضًا قبل الوصول إلى يده لأنّ في الهبة قبل القبض لم يصل العبد إلى يد المولى، ولا يد له، فلا يكون لها حكم القبض بخلاف البيع (٦)؛ والمسائل في الذخيرة. (والردّ وإنْ كان له حكم البيع … ) إلى آخره (٧)، هذا جوابٌ لإشكالٍ يرِدُ على ما ذكر قبله بقوله: (لأنَّه في معنى البائع مِن المالك) (٨) فإنَّه لما جَعل المالك بمنزلةِ المشتري في تلك المسألة، ثُمَّ لو باع المالك ههنا مِن الرَّاد قبل أنْ يقبضه كان داخلًا تحت النَّهي الوارد في (٩) الحديث: "نهى عن بيع ما لم يقبض" (١٠) فأجاب عنه بهذا، وقال: ذلك النَّهي فيما إذا كان البيع الأوَّل بيعًا مِن كل وجه، وههنا بَيع الرادِّ من المالك هو بَيع من وجه لا مِن كلِّ

стр. 2378

وجه، فلا يدخل المالك ببيعه مِن الرَّاد تحت النَّهي، فيصح بيع المالك من الرَّاد قبل أنْ يقبضه. [حكم الأبق إن كان رهنا أو مديونا أو موهوبا] (وهي حقّه) أي: وماليَّة العبد حقّ المرتِهن. ألا ترى أنَّه لو لم يردَّه رادٌّ حتى يحقق (١) التَّوَى (٢) سقط دَين المرتهِن إذا كانت قيمته مثل الدَّين أو أكثر. (إذ الاستيفاء منها) أي: استيفاء المرتهن دينَه مِن ماليَّة العبد المرهون لأنّ موجِب عقد الرَّهن ثبوت يد الاستيفاء للمرتِهن، فعرفنا أنَّه في الردّ عمل له، فكان الجُعل عليه، وهو نظير تخلِيصه مِن الجناية بالفداء، وذلك على المرتهن بالقدر المضمون منه، فكذلك الجُعل فكذلك (٣) ثمن الدَّواء، فإنّه أيضًا ينقسِم على الرَّاهن والمرتِهن فيما كان زائدًا على قدر الدَّين فهو عَلى الرَّاهن وبقدر الدَّين على المرتهِن. (وإنْ كان مديونًا) أي: العَبد الآبق إذا كان مديونًا بأنْ كان مأذونًا فلحِقَه الدَّين في التِّجارة أو استهلك مال الغير وأقرَّ به مولاه. (وإن كان موهوبًا فعلى الموهوب له، وإنْ رجع الواهب) و"إنْ" هذه للوصل أي: يجب الجُعل على الموهوب له. (وإنْ رجع الواهب في هِبته بعد الردّ) وإنَّما ذكر هذا الوصل لدفع شبهةٍ تَرِدُ على ما ذكر قبله بقوله: (فيجِب على مَن يستقِرُّ الملك له) وبقوله: (فعلى المولى إنْ اختار الفِداء لعود المنفَعة إليه) فعلى كلا التّقديرَينِ كان ينبغي أنْ يجب الجُعل على الواهب لوجود هذين المعنيين في حقِّه، فأجاب عنه بقوله: (لأنَّ المنفعة للواهب ما حصلت (٤) بالردِّ) أي: برد الآبق. (بل بترك الموهوب له التصرُّف فيما بعد الرَّد) مِن الهبة والبيع وغيرهما مِن التَّصرُف الذي يمنع الواهب عَن الرجوع في هبته، فلا يجِب الجُعل على الواهب لذلك. فإن قيل: المنفعة حصلت للواهب بالمجموع، وهو ترك الموهوب له بالفعل وردِّ الرَّاد. قلنا: نعم ولكنَّ تَرْكَ الموهوبِ له الفعلَ آخرُهما وجودًا فيضافُ الحكم إليه، كما في القرابة (٥) مع الملك فيضافُ العِتق إلى آخرهما وجودًا، كذا ههنا. وذكر في المبسوط: فزوال ملكه بعد ذلك برجوع (٦) الواهِب كزوال ملكه بموت العَبد، ولو مات بعدَ الرّدِّ لم يبطُل حقُّه في الجُعل الذي وجَبَ على الموهوب له، فكذلك إذا رجع فيه الواهب (٧).

стр. 2379

(لأنَّه هو الذي يتولَّى الردَّ) وكذلك إنْ كان اليتيم في حِجر رجلٍ، لقوله (١): فجاء به ذلك الرجل فلا جعل له؛ لأنَّه هو الذي يطلُبه عادةً، وكذلك لا جُعل للسلطان إذا ردّ آبقًا، وكذلكرآه بان (٢) وشَحْنَهُ (٣) كاروان (٤)، لا جعل لهما إذا ردّا المال مِن أيدي القُطَّاع (٥)، كذا في المبسوط والذخيرة (٦). كتاب المفقود (٧): اعلم أنَّ المفقود "اسم لموجود هو حيٌّ باعتبار أوّل حاله، ولكنَّه خَفِيُ الأثرِ كالميت باعتبار مآله، أهله في طلبه يجدُّون، ولخفاء مستقَرِّه لا يجدونه، قد انقطع عنهم خبُره واستتر عليهم أثره، فبالجدِّ ربما يصلون إلى المراد، وربَّما يتأخَّر اللِّقاء إلى يوم التناد. والاسم في اللغة من الأضداد يقول الرَّجل: فقَدت الشَّيء أي: أضللته، وفقدته أي: طلبته، وكلا المعنيين متحقِّق في المفقود، فقد ضلَّ عن أهله وهم في طلبه. وحكمه في الشَّرع: أنّه حيٌّ في نفسه حتّى لا يُقسم ماله بين ورثته، ميِّت في حقِّ غيره حتّى لا يرِث هو إذا مَات أحد مِن أقربائه؛ لأنَّ ثبوت حياته باستصحاب الحال، فإنّه عُلِم حياته فيستصحب ذلك مالم يظهَر خلافَه، واستصحاب الحال معتبَر في إبقاء ما كان على ما كان" (٨)؛ كذا في المبسوط. وذكر في الذخيرة: ولا يُحكم القاضي في شيء مِن أمره حتَّى يثبت موته أو قتله، وإنَّما يثبت موته إمَّا (٩) بالبيِّنة أو بموت أقرانِه، وطريق قبول هذه البيِّنة أنْ يَجعل القاضي مَن في يده المال خَصمًا عنه أو ينصِب عنه قيّمًا فيقبَل عليه البيِّنة (١٠). (والمفقود بهذه الصِّفة) أي: عاجز عَن إقامة مصالحه. (ويخاصِم في دَين وجب بعقده) أي: ويخاصِم من نصَبَه القاضي في حفظ مال المفقود بعقده، أي: بعقدِ منصوب القاضي.

стр. 2380

(ولا في نصيب له في عقار) بأنْ كان الشّيء مشتركًا بين المفقود وغيره، لا يكون هو خصْمًا، أي: منصوب القاضي لا يكون خصمًا. (إنَّما الخلاف في الوكيل بالقَبض مِن جهة المَالك في الدَّين) يعني: عند أبي حنيفة يملك الخصومة، وعند أبي يوسف ومحمد لا يملك الخصومة (١). (وإذا كان كذلك) يعني: وكيل القاضي لمَّا لم يملك الخصومة كان حكم القاضي بتنفيذ الخصومة قضاءً بالدّين للغائب، والقضاء على الغائب (٢) وللغائب (٣) لا يجوز عندنا (٤) لأنَّ القضاء لقطْع الخصومة، والخصومة مِن الغائب غير ممكِن، فكيف يُتصوَّر القطع. (إلا إذا رآه القاضي) أي: مصلحةً وقضى به فحينئذٍ يجوز لأنّ القاضي إذا قضى في فصْل مجتهَد فيه نفِّذ قضاؤه. فإنْ قيل: المجتهَد فيه نَفس القضاء، فينبغي أنْ يتوقف نفاذُه على إمضاء قاضٍ آخَر، كما لو كان القَاضي محدودًا في قَذف (٥)، قلنا: لا كذلك، بل المجتهَد فيه سبب القَضاء، وهو أنّ البيِّنة هل تكون حجَّةً مِن غير خصم حاضر؟ فإذا رآها القاضي حجَّةً، وقضى بها نُفِّذ قضاؤه كما لو قضَى بشهادة المحدود في القذف (٦)؛ كذا في الذخيرة. (ثم ما كان يُخاف عليه الفساد) كالثِّمار ونحوها (٧)؛ كذا في شروح (٨) الطحاوي. (ومعناه) وهو المالية فيحصُل ماليته في ثمنه، فلذلك يأمر بحفظ ثمنه. (وهو ممكن) أي: (حفظ الصورة). (وينفِق على زوجته وأولاده). [النفقه على أقارب المفقود] وفي المبسوط: "ومَن كان مِن ورثة المفقود غنيًا فلا نفقة له في ماله ما خلا الزوجة لأنَّ حياته كانت معلومةً، ولا يستحِقُّ أحدٌ مِن الأغنياء النَّفقة في مال الحي سوى الزَّوجة لأنَّ (٩) استحقاق الزَّوجة بالعقد، فلا يختلِف باليَسار والعُسرة أَو بكونها محبوسةً لحقِّه، وذلك موجود في حقِّ المفقود. فأمّا استحقاق مَن سواها فباعتبار الحاجَة، وذلك ينعدِم بغناء المستحقّ" (١٠).

стр. 2381

[ضابط في الإنفاق] (لأن القضاء حينئذ يكون إعانةً) لا إلزامًا؛ لأنّ اللُّزوم ثابت قبل القضاء فيكون القضاء إعانةً. (فمِن الأوَّل) وهم الذين يستحقُّون النَّفَقَة بغير قضاء القاضي. (ومِن الثَّاني) وهم الذين لا يستحقُّون النَّفقة بدون قضاء القاضي. (الأخ والأخت والخال) فإنّه لا يجب عليه نَفَقتهم إلا بقضاء أو رضا؛ لأنَّه مجتهَد فيه، ولهذا لم يكُن لهم الأخذ من غير قضاء أو رضا (١)؛ كذا في نفقات الذخيرة. (لأنَّه يصلح) أي: لأنالتِّبْر (٢) يصلح. (وهذا إذا كانت) أي: الدّراهم والدّنانير. (وهذا إذا لَم يكونا ظاهرَين) أي: الدَّين والوديعة والنِّكاح والنَّسب. جَعَل (٣) الدَّين والوديعةَ شيئًا واحدًا، والنِّكاح والنَّسب شيئًا واحدًا، فلذلك ذكرَهما بلفظ التثنية. والدَّليل على هذا ما ذكره بعده بقوله: (وإنْ كان أحدهما ظاهِر (٤): الوديعة والدَّيْن أو (٥) النِّكاح والنَّسب يشترَط الإقرار بما ليس بظاهر) أي: إقرار المُودَع بأنَّ هذا وديعةُ فلان إذا لم تكُن الوديعة ظاهرةً عند القاضي أو إقرار المُودَع بأنَّ هذه زوجة ذلك الغائب، إذا لم تكن الزوجية ظاهرة عند القاضي. (هذا هو الصحيح) هذا احتراز عن جوابِ القياس وهو قول زُفَرَ ﵀. وذكر في المبسوط: "وقَال زُفَر: لا يُنفِق منها عَليهم، لأنَّ إقرار المُودَع ليس بحجَّة على الغيب، وهو ليس بخصم على الغائب، ولا يُقضى على الغائب إذا لم يكُن عنه خصمٌ حاضر. ولكنَّا نقول: المُودَعُ مقِرّبأنَّ ما في يده ملك الغائب وأنَّ للزَّوجة والولد حقُّ الإنفاق منه، وإقرار الإنسان فيما في يدِه مُعتبر فينتصب هو خصمًا باعتبار ما في يده ثم يتعدَّى القضاء منه إلى المفقود] (٦). [حكم المفقود مع زوجته] (لأنَّ عمر ﵁ هكذا قضى في الذي استهوته الجن) (٧) أي: جرَّته إلى المهاوي، وهي: المساقِط والمهالك، كما يقال: استغوَته أَي: جرَّتْه إلى الغواية (٨)؛ كذا في التيسير.

стр. 2382

وقصّته ما ذكر في المبسوط عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أَنا لقيت المفقود فحدَّثني حديثَه قال: أَكلتُحريرًا (١) في أهلي ثم خرجتُ، فأخذني نفَر مِن الجنّ، فمكثتُ فيهم ثم بدا لهم في عِتقي فأَعتقوني، ثم أَتوا بي قريبًا مِن المدينة، فقالوا: أتعرِف النَّخيل، فقلت: نَعَم. فخلَّوا عنِّي فجئتُ، فإذا عمر بن الخطاب ﵁ قد أبان امرأتي بعد أربعِ سنين، وحاضَت وانقضَت عدتُّها وتزوّجَتْ، فخيَّرني عمر بين أنْ يردها عليَّ (٢) وبين المهْر. وأهل الحديث يروُون في هذا الحديث أنَّ عمر همَّ بتأديبِه حين رآه وجعل يقول: يغيب أحدُكم عَن زوجته هذه المدَّة الطويلة، ولا يبعث بخبره! فقال: لا تعجَل عليَّ يا أمير المؤمنين، وَذَكر له قصّتَه. وفي هذا الحديث دليلٌ لمذهب أهل السنة والجماعة في أنَّ الجن قد يتسلطون على بني آدم (٣)، وأهل الزَّيغ ينكرون ذلك على اختلاف بينَهم، فمنهم من يقول المستنكَر دخولهم في الآدمي لأنّ اجتماع رُوحَين في شخص واحد لا يتحقَّق، وقد يُتصوَّر تسلُّطهم على الآدمي مِن غير أنْ يدخلوا فيه. ومنهم مَن قال: هُم أجسام لطيفة فلا يُتصوَّر أن يحملوا جسمًا كثيفًا مِن موضِع إلى موضع. ولكنَّا نأخذ بما ورد به الآثار قال النَّبي ﵊: "إنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" (٤).

стр. 2383

وقال ﵊: "إنَّه يدخل في رأس الإنسان فيكون على قافية رأسه" (١) فنتبع الآثار ولا نشتغَل بكيفية ذلك (٢). (اعتبارًا بالإيلاء (٣) والعُنَّة (٤) والجامع بينهما مَنع الزَّوج حقَّ المرأةِ ودفع الضَّرر عنها؛ فإنَّ العنِّين يفرَّق بينه وبين امرأته بعد مضيِّ سنةٍ لدفع الضَّرر عنها. وبَين المولي وامراتِه بعد أربعة أشهُر لدَفْع الضَّرر عنها، ولكنَّ عذر المفقود أظهَر مِن عذر المولي والعنِّين فيعتبر في حقِّه المدتان في التربُّص، وذلك في أنْ يُجعل مكان الشُّهور سِنينَ، فلهذا يتربَّص بأربع سنين. (خرج بيانًا (٥) للبيان المذكور في المرفوع) أَي: إلى النَّبي ﵊ وهو قوله ﵊: "حتَّى يأتيها البيان" (٦) وهذا مُجمَل في أنَّ إتيان البيان بأي طريق يكون فبيَّن علي ﵁ ذلك المجمل بقوله: "حتى يستبين موت أو طلاق" (٧).

стр. 2384

(ورجع عمر ﵁ إلى قول علي ﵁ (١) وذكر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنَّ عمر رجع عن ثلاثِ قضيات إلى قول علي: عن امرأة أبي كنف، والمفقود، والمرأة تزوجت في عدتِها (٢)، فمسألة المفقود هي التي ذكرتُ، وأمَّا غيرها فمذكور في المبسوط. (والعُنَّة قلَّما تَنحلّ) فلذلك أوجبت الفُرقة لأنّ الانحلال قليل بخلاف الغَيبة. [المدة في الحكم بموت المفقود] (فإذا (٣) تم له مائة وعشرون سنة من يوم وُلِد: حكمنا بموته) وهذا يرجع إلى قول أهل الطبائع والنجوم، فإنّهم يقولون: لا يجوز أنْ يعيش أحدٌ أكثر من هذه المدّة لأنّ اجتماع النَّحسين يحصل بالطبائع الأربعة في هذه المدَّة، ولا بدَّ مِن أَنْ يضاد واحد مِن ذلك طبعه في هذه المدَّة فيموت (٤). ولكن خطأهم في ذلك قد تبيَّن للمسلمين بالنُّصوص الواردة في طُول عُمُر بعض مَن كان قبلنا كنوح -صلوات الله عليه- وغيره، فلا يُعتمَد على هذا القول. (وفي ظاهر الرواية يقدَّر بموت الأقران) (٥) فإنّه إذا لم يبقَ أحدٌ مِن أقرانه حيًّا يُحكم بموته لأنَّ ما يقع الحاجة إلى معرفته فطريقه في الشَّرع الرُّجوع إلى أمثاله كقيَم المتلفات ومهر مُثُل النِّساء، وبقاؤه بعد موتِ جميع أقرانه نادر، وبناء الأحكام الشرعية على الظّاهر دون النّادر. (وفي المروي عن أبي يوسف ﵀ بمائة سنة)؛ لأنّ الظّاهر أنَّ أحدًا لا يعيش في زماننا أكثرَ من مائة سنة، ويُحكى أنَّه لما سُئِل عن معنى هذا قال: أُبينه لكم بطريق محسوس، فإنَّ المولود إذا كان ابن عَشر سنين يدور حول أبويه هكذا، وعقد عشرًا، فإذا كان ابن عشرين فهو بين الصِّبا والشباب هكذا، وعقد عشرين، فإذا كان ابن ثلاثين يستوي بكرًا (٦)، وعقد ثلاثين، فإذا كان ابن أربعين يحمل عليها (٧) الأثقال، هكذا وعقد أربعين، فإذا كان ابن خمسين ينحني مِن كثرة الأثقال والأشغال هكذا، وعقد خمسين، فإذا كان ابن ستين ينقبض للشيخوخة هكذا، وعقد ستين، فإذا كان ابن سبعين يتوكَّأ على عصا هكذا، وعقد سبعين، وإذا (٨) كان ابن ثمانين يستلقي هكذا/، وعقد ثمانين، فإذا كان ابن تسعين ينضمّ أمعاؤه هكذا وعقد تسعين، وإذا (٩) كان ابن مائة سنة يتحوَّل مِن الدُّنيا إلى العقبى كما يتحوَّل الحساب من اليمنى إلى اليسرى. وهذا يُحمل من أبي يوسف على سبيل المطايبة، لا أنْ يكون يُعرَف الحكم بمثل هذا، وهو نظير ما نقل عن أبي يوسف أنَّه سُئِل عن بنات العَشر مِن النساء فقال: لهو الَّلاهين، فسُئِل عن بنات العشرين، فقال: لذَّة المعانقين، فسئِل عَن بنات الثلاثين، فقال: تنزو وتلين، فسئل عن بنات الأربعين فقال: ذات مال وبنين، فسُئل عَن بنات الخمسين، فقال: عَجوز في الغابرين، فسئِل عن بنات الستين فقال: لعنة اللاعنين.

стр. 2385

وكان محمد بن سلمة يفتي في المفقود بقول أبي يوسف حتى تبيَّن له خطؤه في نفسه، فإنه عاش مائةً وسبع سنين، فالأليق بطريق الفقه أنْ لا يقدَّر بشيء لأنَّ نصب المقادير بالرأي لا يكون ولا نصَّ فيه، ولكنْنقول: إذا لم يبقَ أحد من أقرانه يُحكَم بموته اعتبارًا لحاله بحال نظائره (١)، هذا كلُّه في المبسوط. (والأقيس) تفضيل المقيس كالأشهر في تفضيل المشهور (٢)، هكذا (٣) كان بخطِّ شيخي: لا يُفضَّل عَلى المفعول إلا على طريق الشُّذوذ كقولهم: أشغَل مِن ذات النّحيين وهذا من تلك الشُّذوذ. (والأقيس أنْ لا يقدَّر بشيء) أي: بشيء من المقدرات كالمائة والتِّسعين، ولكن يقدَّر بموت الأقران لأنَّه لو لم يقدَّر بشيء أصلًا يتعطَّل حكم المفقود. (منْ ذلك الوقت) أي: من ذلك الوقت الَّذي يحكُم (٤) القاضي بموته. [حكم إرث المفقود وتوريثه] (ومن مات قبل ذلك لم يرِث منه) أي: لم يرِث منه (٥) الّذي مات قبل ذلك الحكم بموته مِن المفقود؛ لأنَّ المفقود (٦) قبل الحكْم بموته حيٌ حكمًا فلا يَرِث أحد من الحيِّ الحكمي، كما لايرث مِن الحي الحقيقي. (ولا يرث المفقود أحدًا مات في حال فقده) ولكن يُوقَف نصيبُه على ما يجيء عَلى ذلك مِن المسائل وذلك لأنَّ المفقود حيٌّ في مال نفسِه موقوفٌ على الحكم في حقِّ غيره. [الوصية للمفقود] (وكذلك لو أوصى للمفقود ومات الموصي) أي: لا يصحُّ الوصية بل يوقَف. وذكر في الذخيرة: وإذا أوصى رجل للمفقود بشيء فإنّي لا أقضي بها ولا أبطلها حتَّى يظهر حال المفقود لأنّ الوصية أُخت الميراث، وفي الميراث يُحبَس حصَّة المفقود إلى أنْ يظهر حاله، فكذا في الوصية والمال في يد أجنبي (٧). (وتصادقوا على فقد الابن) أي: تصادَق الورثة المذكورون والأجنبي. وإنَّما قيّد التصادُق (٨)؛ لأنَّه إذا قال الأجنبي الذي في يده المال: قد مات المفقود قبل ابنه (٩) فإنَّه يجبَر على دفع الثُّلثَين إلى الابنتَين؛ لأنَّ إقرار ذي اليد فيما في يده معتبَر، وقد أقرَّ بأنّ ثلثَي ما في يده للابنتَين، فيُجبر على تسليم ذلك إليهما. ولا يمتنِع صحّة إقراره بقول أولاد الابن: أبونا مفقود لأنَّهم لا يدَّعون لأنفِسهم بهذا القول شيئًا، ويوقَف الباقي على يد ذي اليد حتّى يظهر مستحِقُّه. هذا إذا أقرَّ مَن في يده المال، أمَّا لو جحَد أنْ يكون للميِّت المال في يده، فأقامت الابنتانِ البيّنة أنَّ أباهم مات وترك هذا المال مِيراثًا لهما ولأخيهما المفقود، فإنْ كان حيًّا فهو الوارث معهما، وإنْ كان ميتًا فولده الوارث معهما، فإنَّه يدفع إلى الابنتين النِّصف؛ لأنَّهما بهذه البينة تثبتان الملك، لأنَّهما في هذا المال، والأب ميِّت، واحدُ الورثة ينتصب خصمًا عن الميت، و (١٠) إثبات الملك له بالبيِّنة، وإذا ثَبت ذلك يدفع (١١) إليهما المتيقَن وهو النِّصف، ويوقف النِّصف الباقي على يدي عدل؛ لأنَّ الذي في يديه جحد، فهو غير مؤتَمن عليه. هذا إذا كان المال في يدي أجنبي، وأمَّا لو كان في يدِ الابنتين والمسألة بحالها فإنَّ القاضي لا ينبغي له أنْ يحوِّل المال مِن موضعه ولا يقف منه شيئًا للمفقود.
следующие страницы →