← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

[ضابط في الإنفاق] (لأن القضاء حينئذ يكون إعانةً) لا إلزامًا؛ لأنّ اللُّزوم ثابت قبل القضاء فيكون القضاء إعانةً. (فمِن الأوَّل) وهم الذين يستحقُّون النَّفَقَة بغير قضاء القاضي. (ومِن الثَّاني) وهم الذين لا يستحقُّون النَّفقة بدون قضاء القاضي. (الأخ والأخت والخال) فإنّه لا يجب عليه نَفَقتهم إلا بقضاء أو رضا؛ لأنَّه مجتهَد فيه، ولهذا لم يكُن لهم الأخذ من غير قضاء أو رضا (١)؛ كذا في نفقات الذخيرة. (لأنَّه يصلح) أي: لأنالتِّبْر (٢) يصلح. (وهذا إذا كانت) أي: الدّراهم والدّنانير. (وهذا إذا لَم يكونا ظاهرَين) أي: الدَّين والوديعة والنِّكاح والنَّسب. جَعَل (٣) الدَّين والوديعةَ شيئًا واحدًا، والنِّكاح والنَّسب شيئًا واحدًا، فلذلك ذكرَهما بلفظ التثنية. والدَّليل على هذا ما ذكره بعده بقوله: (وإنْ كان أحدهما ظاهِر (٤): الوديعة والدَّيْن أو (٥) النِّكاح والنَّسب يشترَط الإقرار بما ليس بظاهر) أي: إقرار المُودَع بأنَّ هذا وديعةُ فلان إذا لم تكُن الوديعة ظاهرةً عند القاضي أو إقرار المُودَع بأنَّ هذه زوجة ذلك الغائب، إذا لم تكن الزوجية ظاهرة عند القاضي. (هذا هو الصحيح) هذا احتراز عن جوابِ القياس وهو قول زُفَرَ ﵀. وذكر في المبسوط: "وقَال زُفَر: لا يُنفِق منها عَليهم، لأنَّ إقرار المُودَع ليس بحجَّة على الغيب، وهو ليس بخصم على الغائب، ولا يُقضى على الغائب إذا لم يكُن عنه خصمٌ حاضر. ولكنَّا نقول: المُودَعُ مقِرّبأنَّ ما في يده ملك الغائب وأنَّ للزَّوجة والولد حقُّ الإنفاق منه، وإقرار الإنسان فيما في يدِه مُعتبر فينتصب هو خصمًا باعتبار ما في يده ثم يتعدَّى القضاء منه إلى المفقود] (٦). [حكم المفقود مع زوجته] (لأنَّ عمر ﵁ هكذا قضى في الذي استهوته الجن) (٧) أي: جرَّته إلى المهاوي، وهي: المساقِط والمهالك، كما يقال: استغوَته أَي: جرَّتْه إلى الغواية (٨)؛ كذا في التيسير.

стр. 2382

وقصّته ما ذكر في المبسوط عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أَنا لقيت المفقود فحدَّثني حديثَه قال: أَكلتُحريرًا (١) في أهلي ثم خرجتُ، فأخذني نفَر مِن الجنّ، فمكثتُ فيهم ثم بدا لهم في عِتقي فأَعتقوني، ثم أَتوا بي قريبًا مِن المدينة، فقالوا: أتعرِف النَّخيل، فقلت: نَعَم. فخلَّوا عنِّي فجئتُ، فإذا عمر بن الخطاب ﵁ قد أبان امرأتي بعد أربعِ سنين، وحاضَت وانقضَت عدتُّها وتزوّجَتْ، فخيَّرني عمر بين أنْ يردها عليَّ (٢) وبين المهْر. وأهل الحديث يروُون في هذا الحديث أنَّ عمر همَّ بتأديبِه حين رآه وجعل يقول: يغيب أحدُكم عَن زوجته هذه المدَّة الطويلة، ولا يبعث بخبره! فقال: لا تعجَل عليَّ يا أمير المؤمنين، وَذَكر له قصّتَه. وفي هذا الحديث دليلٌ لمذهب أهل السنة والجماعة في أنَّ الجن قد يتسلطون على بني آدم (٣)، وأهل الزَّيغ ينكرون ذلك على اختلاف بينَهم، فمنهم من يقول المستنكَر دخولهم في الآدمي لأنّ اجتماع رُوحَين في شخص واحد لا يتحقَّق، وقد يُتصوَّر تسلُّطهم على الآدمي مِن غير أنْ يدخلوا فيه. ومنهم مَن قال: هُم أجسام لطيفة فلا يُتصوَّر أن يحملوا جسمًا كثيفًا مِن موضِع إلى موضع. ولكنَّا نأخذ بما ورد به الآثار قال النَّبي ﵊: "إنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" (٤).

стр. 2383

وقال ﵊: "إنَّه يدخل في رأس الإنسان فيكون على قافية رأسه" (١) فنتبع الآثار ولا نشتغَل بكيفية ذلك (٢). (اعتبارًا بالإيلاء (٣) والعُنَّة (٤) والجامع بينهما مَنع الزَّوج حقَّ المرأةِ ودفع الضَّرر عنها؛ فإنَّ العنِّين يفرَّق بينه وبين امرأته بعد مضيِّ سنةٍ لدفع الضَّرر عنها. وبَين المولي وامراتِه بعد أربعة أشهُر لدَفْع الضَّرر عنها، ولكنَّ عذر المفقود أظهَر مِن عذر المولي والعنِّين فيعتبر في حقِّه المدتان في التربُّص، وذلك في أنْ يُجعل مكان الشُّهور سِنينَ، فلهذا يتربَّص بأربع سنين. (خرج بيانًا (٥) للبيان المذكور في المرفوع) أَي: إلى النَّبي ﵊ وهو قوله ﵊: "حتَّى يأتيها البيان" (٦) وهذا مُجمَل في أنَّ إتيان البيان بأي طريق يكون فبيَّن علي ﵁ ذلك المجمل بقوله: "حتى يستبين موت أو طلاق" (٧).

стр. 2384

(ورجع عمر ﵁ إلى قول علي ﵁ (١) وذكر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنَّ عمر رجع عن ثلاثِ قضيات إلى قول علي: عن امرأة أبي كنف، والمفقود، والمرأة تزوجت في عدتِها (٢)، فمسألة المفقود هي التي ذكرتُ، وأمَّا غيرها فمذكور في المبسوط. (والعُنَّة قلَّما تَنحلّ) فلذلك أوجبت الفُرقة لأنّ الانحلال قليل بخلاف الغَيبة. [المدة في الحكم بموت المفقود] (فإذا (٣) تم له مائة وعشرون سنة من يوم وُلِد: حكمنا بموته) وهذا يرجع إلى قول أهل الطبائع والنجوم، فإنّهم يقولون: لا يجوز أنْ يعيش أحدٌ أكثر من هذه المدّة لأنّ اجتماع النَّحسين يحصل بالطبائع الأربعة في هذه المدَّة، ولا بدَّ مِن أَنْ يضاد واحد مِن ذلك طبعه في هذه المدَّة فيموت (٤). ولكن خطأهم في ذلك قد تبيَّن للمسلمين بالنُّصوص الواردة في طُول عُمُر بعض مَن كان قبلنا كنوح -صلوات الله عليه- وغيره، فلا يُعتمَد على هذا القول. (وفي ظاهر الرواية يقدَّر بموت الأقران) (٥) فإنّه إذا لم يبقَ أحدٌ مِن أقرانه حيًّا يُحكم بموته لأنَّ ما يقع الحاجة إلى معرفته فطريقه في الشَّرع الرُّجوع إلى أمثاله كقيَم المتلفات ومهر مُثُل النِّساء، وبقاؤه بعد موتِ جميع أقرانه نادر، وبناء الأحكام الشرعية على الظّاهر دون النّادر. (وفي المروي عن أبي يوسف ﵀ بمائة سنة)؛ لأنّ الظّاهر أنَّ أحدًا لا يعيش في زماننا أكثرَ من مائة سنة، ويُحكى أنَّه لما سُئِل عن معنى هذا قال: أُبينه لكم بطريق محسوس، فإنَّ المولود إذا كان ابن عَشر سنين يدور حول أبويه هكذا، وعقد عشرًا، فإذا كان ابن عشرين فهو بين الصِّبا والشباب هكذا، وعقد عشرين، فإذا كان ابن ثلاثين يستوي بكرًا (٦)، وعقد ثلاثين، فإذا كان ابن أربعين يحمل عليها (٧) الأثقال، هكذا وعقد أربعين، فإذا كان ابن خمسين ينحني مِن كثرة الأثقال والأشغال هكذا، وعقد خمسين، فإذا كان ابن ستين ينقبض للشيخوخة هكذا، وعقد ستين، فإذا كان ابن سبعين يتوكَّأ على عصا هكذا، وعقد سبعين، وإذا (٨) كان ابن ثمانين يستلقي هكذا/، وعقد ثمانين، فإذا كان ابن تسعين ينضمّ أمعاؤه هكذا وعقد تسعين، وإذا (٩) كان ابن مائة سنة يتحوَّل مِن الدُّنيا إلى العقبى كما يتحوَّل الحساب من اليمنى إلى اليسرى. وهذا يُحمل من أبي يوسف على سبيل المطايبة، لا أنْ يكون يُعرَف الحكم بمثل هذا، وهو نظير ما نقل عن أبي يوسف أنَّه سُئِل عن بنات العَشر مِن النساء فقال: لهو الَّلاهين، فسُئِل عن بنات العشرين، فقال: لذَّة المعانقين، فسئِل عَن بنات الثلاثين، فقال: تنزو وتلين، فسئل عن بنات الأربعين فقال: ذات مال وبنين، فسُئل عَن بنات الخمسين، فقال: عَجوز في الغابرين، فسئِل عن بنات الستين فقال: لعنة اللاعنين.

стр. 2385

وكان محمد بن سلمة يفتي في المفقود بقول أبي يوسف حتى تبيَّن له خطؤه في نفسه، فإنه عاش مائةً وسبع سنين، فالأليق بطريق الفقه أنْ لا يقدَّر بشيء لأنَّ نصب المقادير بالرأي لا يكون ولا نصَّ فيه، ولكنْنقول: إذا لم يبقَ أحد من أقرانه يُحكَم بموته اعتبارًا لحاله بحال نظائره (١)، هذا كلُّه في المبسوط. (والأقيس) تفضيل المقيس كالأشهر في تفضيل المشهور (٢)، هكذا (٣) كان بخطِّ شيخي: لا يُفضَّل عَلى المفعول إلا على طريق الشُّذوذ كقولهم: أشغَل مِن ذات النّحيين وهذا من تلك الشُّذوذ. (والأقيس أنْ لا يقدَّر بشيء) أي: بشيء من المقدرات كالمائة والتِّسعين، ولكن يقدَّر بموت الأقران لأنَّه لو لم يقدَّر بشيء أصلًا يتعطَّل حكم المفقود. (منْ ذلك الوقت) أي: من ذلك الوقت الَّذي يحكُم (٤) القاضي بموته. [حكم إرث المفقود وتوريثه] (ومن مات قبل ذلك لم يرِث منه) أي: لم يرِث منه (٥) الّذي مات قبل ذلك الحكم بموته مِن المفقود؛ لأنَّ المفقود (٦) قبل الحكْم بموته حيٌ حكمًا فلا يَرِث أحد من الحيِّ الحكمي، كما لايرث مِن الحي الحقيقي. (ولا يرث المفقود أحدًا مات في حال فقده) ولكن يُوقَف نصيبُه على ما يجيء عَلى ذلك مِن المسائل وذلك لأنَّ المفقود حيٌّ في مال نفسِه موقوفٌ على الحكم في حقِّ غيره. [الوصية للمفقود] (وكذلك لو أوصى للمفقود ومات الموصي) أي: لا يصحُّ الوصية بل يوقَف. وذكر في الذخيرة: وإذا أوصى رجل للمفقود بشيء فإنّي لا أقضي بها ولا أبطلها حتَّى يظهر حال المفقود لأنّ الوصية أُخت الميراث، وفي الميراث يُحبَس حصَّة المفقود إلى أنْ يظهر حاله، فكذا في الوصية والمال في يد أجنبي (٧). (وتصادقوا على فقد الابن) أي: تصادَق الورثة المذكورون والأجنبي. وإنَّما قيّد التصادُق (٨)؛ لأنَّه إذا قال الأجنبي الذي في يده المال: قد مات المفقود قبل ابنه (٩) فإنَّه يجبَر على دفع الثُّلثَين إلى الابنتَين؛ لأنَّ إقرار ذي اليد فيما في يده معتبَر، وقد أقرَّ بأنّ ثلثَي ما في يده للابنتَين، فيُجبر على تسليم ذلك إليهما. ولا يمتنِع صحّة إقراره بقول أولاد الابن: أبونا مفقود لأنَّهم لا يدَّعون لأنفِسهم بهذا القول شيئًا، ويوقَف الباقي على يد ذي اليد حتّى يظهر مستحِقُّه. هذا إذا أقرَّ مَن في يده المال، أمَّا لو جحَد أنْ يكون للميِّت المال في يده، فأقامت الابنتانِ البيّنة أنَّ أباهم مات وترك هذا المال مِيراثًا لهما ولأخيهما المفقود، فإنْ كان حيًّا فهو الوارث معهما، وإنْ كان ميتًا فولده الوارث معهما، فإنَّه يدفع إلى الابنتين النِّصف؛ لأنَّهما بهذه البينة تثبتان الملك، لأنَّهما في هذا المال، والأب ميِّت، واحدُ الورثة ينتصب خصمًا عن الميت، و (١٠) إثبات الملك له بالبيِّنة، وإذا ثَبت ذلك يدفع (١١) إليهما المتيقَن وهو النِّصف، ويوقف النِّصف الباقي على يدي عدل؛ لأنَّ الذي في يديه جحد، فهو غير مؤتَمن عليه. هذا إذا كان المال في يدي أجنبي، وأمَّا لو كان في يدِ الابنتين والمسألة بحالها فإنَّ القاضي لا ينبغي له أنْ يحوِّل المال مِن موضعه ولا يقف منه شيئًا للمفقود.

стр. 2386

ومراده بهذا اللفظ أنَّه لا يخرج شيئًا من أيديهما لأنّ النِّصف صار بينهما بيقين والنِّصف الباقي للمفقود مِن وجه. ويريد بقوله: ولا يقِف منه شيئًا للمفقود أي: لا يجعَل شيئًا مما في يد الابنتين ملكًا للمفقود على الحقيقة. وكذلك لو كان المال في يدِ ولدَي الابن المفقود، وطَلَبت الابنتان ميراثهما، واتّفقوا أنّ الابن مفقود، فإنّه يعطى للابنتين النِّصف، وهو أدنى ما يصيبهما، ويترك الباقي في يد ولدَي الابن المفقود من غير أنْ يقضي به/ لهما ولا لأبيهما لأنَّه لا يدرى من المستحقّ لهذا الباقي (١)؛ كذا في المبسوط والذخيرة. (تُعطيان النصف؛ لأنَّه متيقن به) لأنّا لوقدَّرنا الابن المفقود ميِّتًا كان نصيبهما الثلثَين فكان (٢) النّصف متيقنا به. (ونظير هذا الحمل) أي: في حقِّ وقف النّصيب. (على ما عليه الفتوى) هذا احتراز عمّا روي عَن أبي حنيفة أنَّه يوقف للحمل ميراث أربع بنتين (٣)، واحتراز [عمّا روي] (٤) عَن محمد، فإنَّه رُوِي عنه في ذلك روايتان: في رواية يوقَف نصيب ثلاثة بَنين، وفي رواية يوقَف نصيب ابنين، وهو إحدى الرِّوايتين عن أبي يوسف. وفي رواية أخرى عَن أبي يوسف أنَّه يوقف نصيبُ ابنٍ واحدٍ، وعليه الفتوى (٥)؛ كذا في التتمة (٦). (ولو كان معه وارث) أي: مع الحمل. (ولا يتغيَّر بالحَمل يُعطى كلٌّ نصيبه) حتَّى إذا تَرك امرأةً حاملًا وجدّة فللجدّة السُّدس لأنَّه لا يتغيَّر فريضتها بالحمْل، وكذلك إذا ترك ابنًا وامرأة حاملًا، فإنّه تعطى المرأة الثُّمن لأنَّه لا يتغيَّر فريضتها. (وإنْ كان ممَّن يسقط بالحمْل لا يُعطى) وذلك كابن الابن أو الأخ أو العمّ حتّى أنّه لو ترك امرأةً حاملًا أو أخًا أو عمًّا لا يُعطى الأخ والعمّ شيئًا لأنّ مِن الجائز أنْ يكون الحمْل ابنًا فيسقط معَه الأخ والعمّ. فلمّا كان ممّن يسقط بحال كان أصل الاستحقاق له مشكوكًا، ولا (٧) يعطى شيئًا لذلك.

стр. 2387

(وإنْ كان ممَّن يتغيَّر به يعطى الأقلُّ للتيقُّن به) كالزوجة والأم، فإنّه إنْ كان الحمل حيًّا يرِث الزّوجة الثُّمن والأمّ السُّدس، وإنْ لم يكُن حيًّا فهما ترثان الرُّبع والثُّلث فيُعطيان الثُّمن والسُّدس للتيقُّن. (كما في المفقود)، وهو أنَّه إذا مات الرَّجل وترك جدَّة وابنًا مفقودًا فللجدَّة السُّدس كما ذكرنا في الحمل لأنّه لا يتغيَّر نصيبها. وكذلك لو ترك أخًا وابنًا مفقودًا لا يُعطى للأخ شيءٌ. وكذلك لو تَرك أُمَّا وابنًا مفقودًا، فإنَّه، إنْ كان المفقود حيًّا تستحقُّالأم (١)، وإن كان ميتًا يستحق (٢) الثلث، كما في الحمل، والله أعلم بالصواب (٣). كتاب الشَّرِكة (٤) للشَّرِكة مناسبة للُّقطة والإباق والمفقود من حيث إنَّ المال أمانة في يد الشَّريك، كما أنَّ اللُّقطة والعبد الآبق أمانةٌ في يد الآخذ عند الإشهاد، ومال المفقود أمانة في يد من كان المال في يده. ولكن للشَّركة مناسبة خاصة للمفقود من حيث إنَّ قريب المفقود لو مات كان فيه اختلاط مال المفقود الحاصل من الإرث بمال غيره من الوارث على تقدير الحياة؛ وفي الشَّركة اختلاط المالين، فلذلك ذكرها عقيب المفقود دون غيره. وقدَّم المفقود عليها لأنّ للمفقود مناسِبة خاصّة للإباق مِن حيث شمول عرضية الفوت فيهما على ما ذكرنا، ثُم محاسن الشَّركة ما هو محاسن البيوع فنذكرها فيها، إن شاء الله تعالى. اعلم أنَّ الشّركة: عبارة عن اختلاط النَّصيبين فصاعدًا بحيث لا يُعرَف أحَد النَّصيبين من الآخر، ومنها "الشَّرَك" -بالتحريك-: حبالة الصائد؛ لأنَّ فيه اختلاط بعض حبله بالبعض، ثُمَّ يطلق اسم الشِّركة على العقد، وهو عقد الشِّركة وإنْ لم يوجَد اختلاط النَّصيبين؛ لأنَّ العقد سبب له. وركنها في شركة الملك اجتماع النَّصيبين، وذكر في العقد ركن شركة العُقود وشرطها. وأمَّا حكمها فهو الشّركة في الربح [مع الشركة في رأس المال فيما كان بناؤها على المال، وبهذا يقع الاحتراز عن حكم المضاربة] (٥). [حكم الشركة] قوله (الشَّرِكة جائزة). وذكر في المبسوط: الأصل في جواز الشّركة ما روى السَّائب بن شريك أنَّه جاء إلىرسول الله ﵊ فقال (٦): أتعرفني؟ فقال: "فكيف لا أعرفك وكنت شريكي وكنت خير شريك، لا تداري ولا تماري" (٧)، أي: لا تلاجّ ولا تخاصِم.

стр. 2388

وبُعِث رسول الله ﵊ والنَّاس يفعلون فأقرَّهم عليه، وقد تعاملها الناس من لدُن رسول الله ﵊ إلى يومنا هذا من غير نكير منكِر (١). (وهذه الشَّركة) أي: شركة الأملاك (تتحقَّق في غير المذكور في الكتاب) فإنَّ المذكور في الكتاب شيئانْ لا غير، أحدهما: العَين يرثها رجلانِ، والثَّاني: العين يشتريها الرَّجلان (٢). [خلط المال] (أو يخلطهما خَلطًا يمنع التمييز رأسًا) أي: أصلًا كخَلْط الحِنطة بالحنطة أو إلا بحرجٍ كخلط الحنطة بالشَّعير في جميع الصُّور مِن إرث الرَّجلين واشترائهما، وإثباتهما، واختلاط مالَيهما، وخلطهما ماليهما. (إلَّا في صورة الخَلط والاختلاط فإنَّه لا يجوز إلا بإذنِه) أَي: لا يجوز البيع من الأَجنبي إلَّا بإذن شريكه. (وقد بيَّنَّا الفَرق في كفاية/ المنتهى (٣). "والفَرق هو أنَّ خَلط الجنس بالجنس على سبيل التَّعدّي سبب لزوال الملك من المَخْلُوط إلى الخالِط، فإذا حصل بغير تعدٍّ يكون سبب الزَّوال ثابتًا مِنوجه [دون وجه] (٤) فاعتُبر نصيب كلِّ واحدٍ زائلًا إلى الشّريك في حقّ البَيع مِن الأجنبي، غير زائلٍ في حقِّه البيع مِن الشريك، كأنّه يَبيع ملك نفسه عملًا بالشَّبَهين" (٥)؛ كذا في مبسوط شيخ الإسلام؛ ولأنَّ الشّركة إذا كانت من الابتداء بينهما بأنْ اشترَيا حِنطة أو ورثاها، كان كلُّ حبة يشار إليها مشترَكة بينهما، فبيع أحدِهما نصيبَه منها بيع نصيبه منها مشاعًا، فهو جائز، سواء كان بيعه مِن صاحبه أو مِن الأجنبي. أمَّا إذا كانت الشركة بينهما بسبب الخلْط أو الاختلاط، وكلُّ حبة يشار إليها ليست بمشتركة بينهما؛ لأنّ تلك الحبة بجميع أجزائها تَكون لأحدهما (٦) لا محالة مِن غير اشتراك فيها، فلا يجوز البَيع في هذه الصُّورة مِن الأجنبيلأنَّه لا يقدِر على تسليم نصيبه منها لا جزءًا ولا كلًا لما أنَّ كلَّ حبَّة ليست بمشتركةٍ بينهما، فيَتوقف جواز بيعه من الأجنبي إلى إذن شريكه لاختلاط المبيع (٧) مع غيره. و (٨) أمَّا إذا كان بيعه من صاحبه فيمكن

стр. 2389

[شركة العقود] التَّسليم؛ فيجوز (١) إلى هذا أشار في الفوائد الظهيرية في "كتاب القضاء". (شاركتك في كذا وكذا) أي: في البزازي (٢) أو في البقالي (٣) أو في عموم التّجارات. (وشرطه: أن يكون التصرُّف المعقود عليه عقد الشّركة قابلًا للوكالة). وقوله: (المعقود عليه): صفة التّصرُّف. (وعَقدَ) نُصِب على المصدر، و (قابلًا) نُصِب على أنَّه خبر كانَ؛ ثُمّ في قوله: (قابلًاللوكالة) احتراز عن الشّركة في التكدّيوالاحتشاش والاحتطاب والاصطياد؛ فإنَّ الملك في هذه الصُّورة يقع لمن باشَر سببَه خاصًّا، لا على وجه الاشتراك؛ أي: شركة العقود كلُّها متضمنة لعقد الوكالة، ثُم شركة المفاوضة مِن بينهما مخصوصة يتضمّن (٤) عقد الكفالة. ثم علَّل تضمُّن هذه العقود الوكالة بقوله: (ليكون ما يُستفاد بالتّصرف مشتركًا بينهما فيتحقّق حكمه المطلوب منه) أي: مِن عقد الشّركة. وشرح هذا لأنّ (٥) هذه العقود إنّما تضمنَّت الوكالةلأنّ مِن حكم الشّركة ثبوت الشّركة في المستفاد بالتّجارة، ولا يصير المستفاد بالتّجارة مشتركًا بينهما إلّا وأنْ يكون كلُ واحدٍ منهما وكيلًا عَن (٦) صاحبه [في النّصف] (٧)، وفي النّصف عامِلٌ لنفسه حتّى يصير المستفاد مشتركًا بينهما. فصار كلّ واحد وكيلًا عن صاحبه بمقتضى عقد الشّركة، وإنّما اختصّت المفاوضة من بينهما (٨) بتضمّن الكفالةلأنَّها تقتضي المساواة فيما يتّصِل بالتّجارات مِن الضّرر والنّفع، وإنّما يستويان في الضرر أنْ لو صار (٩) كلُّ واحدٍ منهما مطالبًا بسبب تجارة الآخر إذ لو طولب الذي باشر العقد دون الآخر لَفات المساواة (١٠)، كذا في

стр. 2390

مبسوط شيخ الإسلام. [أنواع شركة العقود] (ثم هي أربعة أَوْجه) فوجه الانحصار فيها هو أنَّه: إمَّا أنْ يذكر المال في عقد الشركة أم لا. فإنْ ذكرا، فلا يخلو إمَّا أن يلزم اشتراط المساواة في ذلك المال في رأسه وربحه أم لا. فإنْ لزم فالمفاوضة، وإلا فالعِنان، وإنْ لم يذكر المال فلا يخلو إمَّا أنْ يشترطا العمَل فيما بينهما في مال الغير أم لا. (فالأوّل الصنائِع، والثّاني الوجوه). قال قائلهم: لا يصلح النَّاس … البيت فالقائل به: الأفوَهُ الأودي (١)، وهو اسم شاعر وبعده شعر (٢): تُهدَى الأمور بأهل الرأي ما صلحت … فإن تولت فبالجهال تنقاد (٣) يقال: النَّاس فوضى في هذا الأمر، أي: سواءٌ لا تبايُن بينهم، و"السَّراة" جمع السَّريِّ لا يُعرف غيره، وهو جمع غير (٤) أن يجمع فعيل على فعلة. "والسرو: سخاء في مروءةٍ. يقَال: سَرا يَسْرو، وسَرْيَ - بالكسر - يَسْرى سَرْوًا فيهما. وسرو يسرو سراوة، أي: صار سَرِيَّا. وقال: وتَرى السَرِيَّ من الرّجال بنَفْسه … وابنُ السَرِيِّ إذا سَرى أَسْراهُما" (٥) كذا في الصحاح. وجعل في المفصَّل (٦) السّراة اسم جمع للسريِّ، كرَكب في راكب وسفْر في مسافر (٧). ومعنى البيت: لا تصلُح (٨) أمور النّاس حال كونهم متساوين إذا لم يكن لها أمراء وسادات، فإنّهم إذا كانوا مُتَساوين تتحقَّق المنازعة بينهملأنَّه إذا لم يكُن فيهم أمير يطاع في أمره ونهيه كان كلُّ واحدٍ منهم مستقلًّا برأيه، فتتحقَّق المنازعة، فكان معنى البيت إشارة إلى دلالة التوحيد/ المستفادة من قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ [الأنبياء: ٢٢].

стр. 2391

[شركة المفاوضة] وذكر في المبسوط: "وأمّا المفاوضة فقد قيل: اشتقاقها مِن التّفويض فإنَّ كلّ واحد منهما يفوِّض التَّصرُّف إلى صاحبه في جميع مال التِّجارة" (١). (ولا بدَّ من تحقيق المساواة ابتداءً وانتهاءً) لأنَّ المفاوضة مِن العقود الجائزةفإنَّ لكلِّ واحدٍ منهما ولايةَ الامتناع بعد عقد الشّركة، فكان لدوامها حكم الابتداء، وفي ابتداء عقد المفاوضة اشتُرِطت المساواة، فكذا في الانتهاء. فقال في الإيضاح: وإذا زاد أحد المالَين على الآخر قبلَ الشّراء، يجوز أنْ يكون مال أحدهما دراهم والآخر دنانير، فازداد قيمة أحدهما بعد عقد المفاوضة قبل الشراء، والمفاوضة منتقضةلأنّ عقد الشّركة عقد جائز، وليس بلازم، وما كان جائزًا فلِبَقائه حكم الابتداء ما لم يتِمّ المقصود، والمقصود إنّما يتِمُّ بالشِّراء فإذا زال التّساوي قبل الشِّراء انتقض العقد (٢). (وذلك) أَي: تحقيق المساواة. (في المال) [أي: في المال] (٣)، وفي التَّصرف، وفي الدّين على ما يأتي. (والمراد به) أي: بالمال الذي يشترط في المساواة. (ما تصحُّ الشّركة فيه) أي: ما يصحُّ لرأس مال الشّركة كالدّراهم والدّنانير. (ولا يعتبر التفاضُل فيما لا تصحُّ فيه الشركة) كالعُروض والدُّيون. وذكر في الإيضاح: ولا بدَّ من المساواة في المال الّذي يصلُح لانعقاد الشَّركة عليه؛ لأنّ أحدهما إذا انفرد بمال يصِحُّ فيه الشّركة زال معنى المساواة. أمَّا لو تفاضلا في الأموال التي لا يصحُّ الشركة فيها كالعُروض والعقار والدّيون جازت شركة المفاوضة؛ لأنّ الانفراد بذلك لا يبطِل التّساوي في عقد المفاوضة (٤). وذكر في الذخيرة: "حتّى لو كان لأحدهما عروض أو ديون على النّاس لا يبطل المفاوضة ما لم تقبض الدّيون" (٥)؛ لأنَّه لو ملك أحدهما تصرُّفًا لا يملكه الآخر لفات التّساوي، فلذلك لم ينعقِد بين الحُرِّ والمملوك، وكذلك لم ينعقِد بين الصَّبي والبالغ لتفاوتهما في التّصرّف على ما يجيء.

стр. 2392

[حكم كفالة المجهول] (والكفالة لمجهول) باللام، الكفالة (١) بمجهول لمعلوم جائِزٌ كما في قوله: ما ذاب عليك فعليَّ، وإنما لا يجوز الكفالة للمجهول. (وكلُّ ذلك بانفراده فاسد) أي: كلُّ ذلك مِن الوكالة والكفالة في المجهول فاسد حتَّى لو وكَّل رجلًا وقال: وكَّلتك بالشِّراء أو بشراء الثّوب فهو فاسد، وكذلك الكفالة للمجهول بالمعلوم باطِل، فالكفالة للمجهول بالمجهول أولى أنْ يكون باطلًا. فإنْ قيل: الوكالة العامّة جائزة كما إذا قال لآخر: فوكّلتك في مالي اصنع ما شئت، يجوز له أنْ (٢) يتصرَّف (٣) في ماله. قلنا: العموم ليس بمراد ههنا، فإنَّه لا تثبت الوكالة في حقّ شراء الطّعام والكسوة لأهله، فإذا لم يكن عامًّا يكون توكيلًا لمجهول الجنس، فلا يجوز. (والجهالة متحملةٌ تَبَعًا كما في المضارَبة) يعني: الوكالة لمجهول الجنس موجودة في المضارَبة وهي جائزة هناك تبعًا، فكذا ههنا. وذكر في المبسوط: فإنَّ التَّوكيل بشراء شيء مجهول الجنس لا يصحُّ مقصودًا، وأمَّا ضمنًا فيصحُّ حتّى صحّت شركة العِنان، وإنْ تضمَّنت ذلكلأنّ ما يشتريه كلُّ واحد منهما غير مسمّى عند العقد فكذلك المفاوضة (٤). (لأنَّ المعتبر هو المعنى) دون اللفظ. ألا ترى أنَّ الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، والحوالة بشرط ضمان الأصيل كفالة. (لما قلنا) وهو قوله: (لتحقق التساوي) أي: في كونهما ذميينِ. (ولا تجوز) أي: المفاوضة (بين الحر والمملوك ولا بين الصبي والبالغ) وكذلك لا يصحّ بين العبدين والمكاتبين والصَّبِيَّينِ على ما ذكر في الكتاب بعد هذا (٥). (كالمفاوضة بين الشافعي) (٦) المذهب (والحنفي) (٧)، وهو منسوب إلى أبي حنيفة ﵀ فالنِّسبة إلى فَعيْلَة فعَلي، بحذف ياء فعيلة، كمدني، وأما النسبة إلى الفَعيل (٨) بدون الهاء كالحنيف فلا يغيَّر، يقال: حنيفي (٩)؛ كذا في ذيل المغرب. (ويتفاوتان في التصرّف في متروك التسمية) أي: عمدًا، فإنَّ الشافعي المذهب يعتقِد المالية في متروك التّسمية عمدًا (١٠)، والحنفي لا يعتقد (١١)، ومع ذلك يجوز المفاوضة بينهما.

стр. 2393

(إلا أنَّه يُكره) أي: مشاركة المسلِم الذِّمِّيَلأنّ الذِّمِّي لا يتوقَّى العقود الفاسدة فلا يؤْمَن أنْ يؤكِّله حرامًا (١)، كذا في الإيضاح. [التساوي في التصرف] (ولهما أنه لا تَساوي (٢) في التصرَّف … ) إلى آخره (٣). فإنْ قيل: المفاوضة تصحُّ بين الكتابي والمجوسي/ مع أنَّهما لا يتساويانِ في التّصرُّف، فإنَّ المجوسي يتصرَّف في الموقوذةلأنَّه يعتقد فيها المالية، والكتابي لا يتصرَّف، وكذلك الكتابي يؤاجِر نفسه للذَّبح، والمجوسي لا يؤاجِر نفسه لذلكلأنّ ذبيحتَه لا تحلُّ، وكذلك شافعي المذهب مع الحنفي، مع أنَّهما متفاوتان على ما مرَّ. قلنا: أمّا مسألة الموقوذة فإنَّ مَن يجعَل الموقوذة مالًا متقوِّمًا في حقِّهم لا يفصل فيه بين الكتابي والمجوسي فيتحقّق المساواة في التصرُّف، وأمَّا مسألة مؤاجَرة نفسه للذّبح فإنَّ المساواة بينهما ثابتة في ذلك معنىًلأنَّ كلَّ واحدٍ مِن الكتابي والمجوسي من أهل أن يَتَقبّل ذلك العمل على أنْ يقيمه بنفسه أو نيابةً (٤)، أو (٥) إجارة المجوسي نفسَه للذَّبح صحيحة يستوجِب بها الأجر، وإنْ كان لا تحلُّ ذبيحته. وأمّا مسألة الحنفي والشافعي فإنَّ المساواة بينهما ثابتةلأنّ الدّلالة قامت على أنَّ متروك التّسمية عمدًا ليس بمال متقوِّم، ولا يجوز التصرُّف فيه بين الحنفي والشافعي جميعًا لثبوت ولاية الإلزام بالمحاجّة، فيتحقَّق المساواة بينهما في المال والتصرُّف (٦)؛ كذا في المبسوط. وأمّا المسلم مع المرتدِّ، فلا يجوز الشّركة بينهما في قولهم. هكذا ذكَر أبو الحسن وذكَر في الأصل قياسُ قولِ أبي يوسف أنَّه يجوز (٧)؛ كذا في الإيضاح. قوله: (ولا بين الصّبيَّينِ) أي: وإنْ أذِن لهما أبوهمالأنَّ مبنى المفاوضة على الكفالة، وهما ليسا مِن أهل ذلك (٨)؛ كذا في المبسوط. (إذ هو) أي: العِنان. وبه صرَّح في المبسوط فقال: "إنَّ العِنان قد يكون عامًّا، وقد يكون خاصًا" (٩) بخلاف المفاوضة فإنَّها عام لا غير.

стр. 2394

وقال في الإيضاح: وكلُّ موضِع فقد شرط مِن شروط المفاوضة، وذلك ليس بشرط في العنان، كانت (١) الشركة عنان؛ لأنَّ شركة المفاوضة أعمُّ، أي: في الشروط من شركة العنان، فوقع التَّفاوت بينهما من حيث العموم والخصوص، فإذا بطل معنى العموم بقي معنى الخصوص فجاز إثبات العِنان بلفظ (٢) العموم (٣). [انعقاد المفاوضة] وقوله: (ولا يشترط ذلك في العنان) من صوَر المسألة. قوله: (وتنعقد على الوكالة والكفالة) أي: المفاوضة تنعقِد عليهما؛ ثمَّ اختصاص المفاوضة ههنا إنَّما كان بالكفالة لا غير. وأمَّا الوكالة فعامَّة في جميع شركة العقود. ومعنى الكفالة ههنا: هو أنْ يطالب كلُّ واحد من شريكَي المفاوضة بما باشر به الآخر. وأما إذا كفل أحدهما عَن أجنبي بمال هَل يلزم الشريك الآخر؟ فهو مختلف فيه ويجيء ذلك بُعَيْدَ هذا. وذكر في الإيضاح: أنَّ الوكالة ثابتة في كلِّ شركة، وإنّما اختصَّ هذا العقد، أي: عقد المفاوَضَة، بمعنىً وهو الكفالة، فإنَّ كل واحدٍ منهما يصير كفيلًا عن صاحبه بما يلزمه مِن الحقوق بما يَتّجِران فيهلأنَّ معنى العموم لا يظهر لأجل الوكالة؛ فإنَّ عقد العِنان يجوز أنْ ينعقد على كلِّ التِّجارات، وإنَّما يظهر معنى العموم [بالكفالة حتّى يؤاخِذ كلُّ واحدٍ منهما بما يعقِد صاحبه فيتحقَّق معنى العموم] (٤). (على ما بيَّنَّا) أراد به قوله: (ليكون ما يستفاد بالتصرُّف مشتركًا لإطعام أهله وكسوتهم، وكذلك الإدام)، وكذلك (٥) الخادمة التي يطؤها، فإنِّي أجعل ذلك لمن كان في يدِه، ولا أجعله في الشّركة استحسانًا. وفي القياس يدخُل هذا في الشَّركةلأنَّه مالٌ في يدِ أحدِهما، وهو حاصل بالتصرُّف، وكلُّ واحدٍ منهما في التّصرُّف قائم مقامَ صاحبه. وجه الاستحسان أنَّ هذه الأشياء مستثناة مِن عقد الشّركة لعِلْمِنا بوقوع الحاجة لكل واحدٍ من المتفاوضَين (٦) إليها مدَّة المفاوضة، ولهذا لو عاينّاه اشترى ذلك جعلناه مشتريًا لنفسه، وإذا صار مستثنىً لم يتناولْه مطلَق المفاوضة، فيبقى ظاهر الدّعوى والإنكار، ويجعل القول قول ذي اليد لإنكاره. وكذلك الخادم يطؤهالأنَّ فعله محمول على ما يحِل شرعًا، ولا يحِلُّ له الإقدام على وطئها إلَّا إذا كان مختصًا بملكها (٧)؛ كذا في المبسوط.

стр. 2395

وقوله: (لأنَّ مقتضى العقد) تعليل المستثنى منه، وهو قوله: (يكون على الشّركة لما بينا). أراد به قوله: (لأنَّ مقتضى العقد المساواة … ) إلى آخره (١). (وللبائع) أي: ولبائع الطعام والكسوة. (أن يأخذ بثمَن الطعام والكسوة) أَي الشّريكين شاء، وإن لم يقع الطعام والكسوة على الشركة؛ لأنّ/ المشتري باشَر سببَ الالتزام، والآخر كَفيل عَنه ما لزِمَه بالشراء لسبب (٢) شركة المفاوضة، وكان سببَ توجُّه المطالبة عَلى كلُّ واحِدٍ منهما موجودًا لسبب على حِدَة فيطالبه لذلك؛ ولأنَّ في عدم وقوع الطّعام والكسوة على الشّركة ضرورة، ولا ضرورة في أنْ لا يقع عقد أحد الشّريكين متضمِّنًا للكفالة، فتثبت الكفالة. فإذا أدَّاه أحدهما من مال الشّركة رجع المؤدّي على المشتري بقَدر حصَّته مِن ذلكلأنّ الثَّمن كان على المشتري خاصّة، وقد قضى من مال الشّركة (٣)؛ إلى هذا أشار في المبسوط. [ما يصح فيه الإشتراك] (فمِّما يصحُّ فيه الاشتراك: الشّراء، والبيع، والاستئجار) هذا هو الصّحيح من النُّسَخ، فصورة الاستئجار غير مخصوصة في حقِّ ضمان الآخر (٤) بأنْ يكون الاستئجار واقعًا على الشركة، بل إذا كان الاستئجار لحاجَة نفس المستأجِر خاصَّة يطالب الآخر بأداء أجرته أيضًا. فقال في المبسوط: فصورة الاستئجار هي أنْ يستأجر أحد المتفاوضين أجيرًا في تجارتهما أو دابّة أو شيئًا من الأشياء، فللمؤاجِر أنْ يأخُذ بالأجر أيّهما شاء؛ لأنَّ الإجارة مِن عقود التِّجارة، وكل واحد منهما كفيل عَن صاحبه بما يلزمه مِن التِّجارة (٥). وكذلك إذا استأجر (٦) لحاجة نفسه أو استأجر إبلًا إلى مكَّة يحجُّ عليها فَلِلْمُكاري أنْ يأخذ أيّتهما (٧) شاء، إنْ شاء أخذ المستأجر لالتزامه (٨) بالعقد، وإنْ شاء أخذ شريكه بكفالته عنه، إلا أنَّ شريكه إذا أدَّى مِن (٩) خالص مالِه رجعَ به عليهلأنَّه أدَّى ما كفل عنه بأمره. وإنْ أدَّى مِن مال الشركة يرجع عليه بنصيبِه مِن المؤدَّى، وهو النصف. وأمّا في شركة العِنان فلا يؤاخَذ به غير الذي استأجرهلأنَّه هو الملتزم بالعقد، وصاحبه ليس بكفيل عنه (١٠).

стр. 2396

(ومن القسم الآخر: الجناية) أي: الجنَاية على بني آدم. وأمّا ضمان الغصب والاستهلاك فالآخر مطالَب به عند أبي حنيفة ومحمد على ما يجيء. وذكر في المبسوط: "وإذا ادَّعى رجل على أحد المتفاوضَين جراحة خطًا لها أرش مقدَّر واستحلفه البيِّنة، فحلَف له، ثُمَّ أراد أنْ يستحلف شريكَهلم يكن له ذلك، ولا خصومة له مع شريكهلأنَّ كلَّ واحدٍ منهما كفيل عَن صاحبه فيما لزِمه بسبب التجارة، فأمَّا ما يلزم بسبب الجناية فلا يكون الآخر كفيلًا به. ألا ترى أنَّه لو ثبت الجناية بالبينة أو بمعاينة (١) السَّبب لم يكُن على الشَّريك شيء مِن موجبها، ولا خصومة للمجني عليه معه، فكذلك لا يُحلَّف عليه لأنَّ الاستحلاف لرجاء النُّكول، وإقراره بالجناية على شريكه باطل. وكذلك المهر والخلع والصلح مِن جناية العمد إذا ادَّعاه على أحدهما وحلَّفه عليه ليس له أن يحلِّف الآخر لما بيَّنَّا" (٢). بخلاف ما إذا ادَّعى على أحد المتفاوضين بَيع خادم فجحَد ذلك المتفاوضان فللمدَّعي أنْ يحلِّف المدَّعى عليه البيع على البتات وشريكه على العلملأنَّ كلَّ واحد منهما لو أقرَّ بما ادَّعاه المدَّعي كان إقراره ملزِمًا إياهما، فإذا أنكر استُحلِف كلُّ واحد منهما لرجاء نكوله. قوله: (والخلع) فصورته ما إذا كانت المرأة عقَدت عقدَ المفاوضة ثُم خالعت مع زوجها، فما لزِم عليها مِن بَدَل الخلع لا يلزم شريكها، وكذلك لو أقرَّت بِبَدل الخلع لا يلزم على شريكها. [الكفالة من المريض] (ولو صدر مِن المريض) أي: الكفالة على تأويل عقد الكفالة. وإنما قيِّد بصدور الكفالة حالة المرضلأنَّ المريض لو أقرَّ بالكفالة السّابقة في حالة الصّحة يعتبر ذلك من جميع المال بالإجماع (٣) لأنَّ الإقرار بها يلاقي حال بقائها، وفي حال البقاء الكفالة مفاوضة على ما يجيء. والمسألة في الأسرار، وصار كالإقراض، ومسألة الإقراض مختلف فيها أيضًا، ذكرها في الإيضاح فقال: وقال أبو حنيفة: لو أقرض أحد المتفاوضين مالًا أوأعطاه رجلًا ثُمَّ أخذ سفتجة (٤) كان جائزًا عليهما، ولا يضمَن؛ توِي (٥) المال أو لم يَتْوَ. وفي قياس قول أبي يوسف أنَّ الذي أقرض وأخذ السّفتجة يضمَن حصّة شريكه، قال: وهذا فرع اختلافهم في ضمان الكفالة (٦)، فمن مذهب أبي يوسف أنَّ ضمان الكفالة ضمان تبرُّع ولا يلزم الشريك، فكذا (٧) القرض. ومِن مذهب أبي حنيفة أنَّ ضمان الكفالة يلزم الشّريك، والكفيل في حكم المقرِض. ولأبي حنيفة أنَّه تبرُّع ابتداءً ومفاوضة بقاءً كالهبة بشرط العِوَض، فإنَّه تبرُّع في الابتداء ثم إذا اتَّصل بها القَبض مِن الجانبين كان مفاوضة.

стр. 2397

وذكر في المبسوط: أنَّ إقراض أحَد المتفاوضين يلزم شريكه عند أبي حنيفةلأنَّه مفاوضة، وعندهما لا يلزم شريكهلأنَّه تبرُّع، ثُمَّ قال: وإذا أقرض أحد المتفاوضَين فهو ضامِن نصفَ/ ما أقرض لشريكهلأنَّه متعدٍّ في نصيب شريكه بتصرُّفه في المال على غير ما هو مقتضى الشّركة (١)، ذكره في أول "باب بضاعة المفاوض". (ولو سُلِّمَ فهو إعارة) أي: ولئن سلَّمنا أنَّ إقراض أحد المتفاوضين لا يلزم صاحبه قلنا: إنّما لا يلزمهلأنَّ الإقراض إعارةٌ لا معاوَضة بدليل جوازه، إذ لو كان معاوَضة لكان فيه بيع النّقد بالنسيئة في الأموال الرِّبوية، فعُلِم بهذا أنَّ لما يأخذه المقرِض بعد الإقراض حكم عَين ما أقرضه، لا حكم بدَلِه كما في الإعارة الحقيقية. وقوله: (حتَّى لايصحُّ فيه الأجل) أي: لا يلزملأنَّ تأجيل الإقراض والعارية جائز، ولكن لا يلزم المُضي على ذلك التَّأجيل. (ومطلق الجواب في الكتاب) أَي: قوله (ولو كفل أحدهما بمال عن أجنبي لزم صاحبه عند أبي حنيفة ﵀ محمول على المقيَّد، وهو الكفالة بأمْر المكفول عنه وهو المدْيُونلأنَّه حينئذ يكون معاوَضة انتهاءً وإلَّا فهو تبرُّعٌ ابتداءً وانتهاءً، فلا يلزم شريكه؛ وضمان الغصب والاستهلاك، وكذلك ضمان الخلاف في الوديعة أو العارية والإقرار بهذه الأشياء أيضًا يلزم شريكه (٢)؛ كذا في المبسوط والإيضاح. ثم تخصيص قول أبي حنيفة في قوله: بمنزلة الكفالة عند أبي حنيفة ﵀ إنَّما يصحّ في حقِّ الكفالة لا في حقِّ ضمان الغصْب والاستهلاك، فإنَّ في ضمان الغَصْب والاستهلاك محمدًا مع أبي حنيفة في أنَّه يلزم شريكَه، وفي الكفالة مع أبي يوسف كما ذكر في الكتاب لأبي يوسف ﵀ في ضمان الغَصب والاستهلاك، وأنَّ هذا الضمان واجب لسبب (٣) ليس هو تجارة، فلا يلزم شريكه كأرش الجناية؛ ولأنَّه بدَل المستهلَك والمستهلك لا يحتمل الشَّركة؛ وهما يقولان: إنَّ ضمان الغَصْب والاستهلاك ضمان تجارة بدليل صحّة إقرار المأذون به، وكونه مؤاخذًا به في الحال. وكذلك يصح إقرار الصّبي المأذون والمكاتَب به، وهذالأنَّه بدل مال محتمِل للشركةلأنَّه إنَّما يجِب بأصل التسبُّب (٤) وعند ذلك المحلِّ قابل للملك (٥)، ولهذا ملك المغصوب والمستهلَك بالضمان. ولما كان كذلك كان كلُّ واحد من شريكَي المفاوضة ملتزِمًا

стр. 2398

[المال الذي تصح به الشركة] له، فيجب عليه (١)؛ كذا في المبسوط والإيضاح. (وإن ورث أحدهما مالًا) -بالتنوين- أي: المال الذي يصحُّ فيه الشركة كالدراهم والدنانير والفلوس النّافقة، بطَلت المفاوضة، ولدوامِه حكم الابتداء لكونه غير لازم، فإنَّ أحد الشريكين إذا امتنع عن المضيِّ على موجِب العقد لا يجبِره القاضي على ذلك. فإنْ قلت: التَّعليل بعدم اللُّزوم في إثبات حُكم الابتداء لدوامه منقوض بمسائل الإجارات، فإنَّ الإجارة عقد لازم عند عامَّة العلماء خلافًا لشُريح (٢) حتَّى لا يتفرَّد (٣) كلُّ واحدٍ مِن المتعاقدين بالفسخ. ولو امتنع عن المضي على موجِب العقد يُجبره القاضي على المضيِّ على موجِب العقد، ومع ذلك إنَّ لدوامها حكمَ الابتداء حتَّى أنَّها لا تبقى بموت أحد المتعاقدين. وذكر في المبسوط: "قال مشايخنا: إنَّ الإجارة عقود متفرِّقة يتجدَّد انعقادها بحسب ما يحدث من المنفعة" (٤)، على ما يجيء، إنْ شاء الله تعالى. فعُلِم بهذا أنَّ كون العَقد لازمًا لا يمنع أنْ يكون لدَوام ذلك العَقد حكم الابتداء، فحينئذ كيف يصحُّ التعليل بعدم اللزوم بإثبات (٥) مدَّعاه، وهو أن يكون لدوامه حكم الابتداء؟ قلت: القياس في الإجارة أنْ لا تكون لازمة كما هو مذهب شُريح لكون المعقود عليه معدومًا في الحال، فكانت بمنزلة العارية، إلا أنَّ عقد الإجارة عقد معاوضة، واللزوم أصل في المعاوضات تحقيقًا للنَّظر من الجانبين كما في البيع. وأما انتقاض عقد الإجارة بموت أحد المتعاقدَين، وإنْ كان لازمًا، لِما أنَّ المستحَق بالعقد المنافعُ التي يحدث (٦) على ملك الآجر، وقد فات ذلك بموت الآجر، فيبطل الإجارة لفوات المعقود عليه؛ لأنَّ رقبة الدَّار ينتقل إلى الوارث، وكذا في موت المستأجرلأنَّه لو بقي بعد موته إنَّما يبقى ملك المنفعة لوارثه، والمنفعة المجردة لا تورث؛ ثم البطلان والانتقاض بالموتلأنَّه (٧) لا يدلُّ على أنه لم يكن لازمًا. ألا ترى أنَّ الموصى له بالخدمة إذا مات تبطُل الوصيةلأنَّ المنفعة لا تورَث ولكن حال حياة الموصى له فالوصية (٨) لازمة. فلمّا كان/ الأمر هكذا، كان تمكُّن انفراد أحد الشّريكين بالفَسخ دليلًا على أنَّ لدوام عقد الشركة حكم الابتداء؛ و (٩) لأنَّه لما لم يُفسَخ في الزّمان الثاني مع تمكُّنه مِن الفَسخ صار كأنه عَقَد ثانيًا وثالثًا إلى أن يوجَد الفَسخ منهما أو مِن أحدهما فصحَّ التَّعليل به لكون ذلك هُو الأصل في العقود التي هي غير لازمة كما في الوكالة والعارية والمضاربة.

стр. 2399

(وإن ورث أحدهما عرضًا لا تفسد به المفاوضة) وكذا لو ورِث دَينًا، وهو دراهم أو دنانير، لا تفسد به المفاوضة مالم يقبض الدُّيون؛ لأنَّ هذه المفاوضَة لا تمنع ابتداءً فكذا لا تفسد بقاء ذلك (١)؛ كذا في الإيضاح، [والله أعلم بالصواب] (٢). فصلٌ: لما ذكر اشتراط المساواة في شركة المفاوضة في رأس المال وربحه، احتاج إلى بيان ما يصلح مِن الأموال لرأس مال الشّركة، فبيَّنه في هذا الفصل فقال: (ولا تنعقد الشركة إلا بالدراهم والدنانير والفلوس النافقة). [ما تنعقد به الشركة] فإنْ قلت: فقد ذكر في المبسوطأنَّ شركة الوجوه وشركة التقبُّل كلُّ واحد منهما يكون مفاوضة وعِنانًا (٣) وأشار إلى ذلك في الكتاب أيضًا (٤)، فبعْد ذلك كان ورود الشُّبهة من وجهين: أحدهما: أنَّ هذا اللّفظ يقتضي أنْ لا تنعقِد (٥) المفاوضة والعِنان بدون الدَّراهم والدّنانير؛ لأنَّهما مِن شركة العقود، فلمَّا جوّز المفاوضة والعِنان في المبسوط في شركة الوجوه والتقبُّل كان مجوِّزًا للمفاوضة والعِنان بدون الماللأنَّه لا يُشترط المال في شركة الوجوه والتقبُّل. والثاني: أنَّ هذا اللَّفظ يقتضي أنْ لا يجوز شركة الوجوه، والتقبُّل بدون الماللأنَّهما من الشركة، وهذا اللفظ يقتضي استغراق عدَم الجواز في الشركات كلِّها بدون هذه الأموال المعينة. ولا يجوز العناية؛ بأنَّ المراد بقوله: (ولا تنعقد الشركة) أي: شركة المفاوضة وحرف التَّعريف للعهد لما أنّ السّباق والسّياق في ذكر المفاوضةلأنَّا نقول المفاوضة تجّوز في شركة الوجوه والتقبَّل، ولا يُشترط فيهما المال فضلًا عن الأموال المعينة، فلا فائدة إذًا في تعيين المفاوضة بهذا اللفظ. قلتُ: المراد من قوله: (ولا تنعقد الشركة) أي: شركة المفاوضة؛ لأنَّ الكلام إلى هذا الفصل كان في أحكام المفاوَضة، ثُمَّ بدأ بعد هذا أيضًا ببيان شركة العِنان بقوله: (وأما شركة العِنان … ) إلى آخره. وذكر بعده (ولا يصحُّ) أي: شركة العِنان (إلا بما بينا) أنَّ المفاوضة تَصحُّ به، وهذا نصفي الباب على أنَّ المراد بقوله: (ولا تنعقد الشركة) شركة المفاوضة. فبعد ذلك معنى قوله: (ولا تنعقد الشركة) أي: شركة المفاوضة، إذا ذكر فيها المال لا تنعقد إلا بهذه الأموال، وهي الدَّراهم والدنانير، لا أنْ يكون ذكر المال مشروطًا فيها لا محالة، بل معناه: إذا (٦) ذكر فيها المال يجِب أنْ يكون ذلك المال مِن الدَّراهم والدَّنانير. فكان هذا نظير قوله ﵊: "لا مهر أقلّ من عشرة دراهم" (٧) أي: لو ذكر المهر في النِّكاح يجب أنْ لا يذكر أقلّ مِن عشرة دراهم، لا أن يكون انعقاد النكاح موقوفًا إلى ذكر عشرة دراهم مِن المهر، بل معناه: لو ذكر المهر في النكاح.

стр. 2400

وكذلك قول أهل النحو: لا يجوز الاقتصار على أحد المفعولين في أفعال الشَّك واليقين (١) معناه: لو ذكر مفعولها لا يجوز الاقتصار على أحَد المفعولَين، وأمَّا لو لم يذكر مفعولاها جميعًا فيجوز كما في قولهم: من يسمع يخَل (٢). ثم الشرط هو أنْ يكون رأس المال حاضرًا في المجلِس أو غائبًا لكنْ يحضر عند الشِّراء ولا يصلح أنْ يكون رأس المال دَينًا (٣)؛ كذا في فتاوى قاضي خان. وذكر في الإيضاح: والشّركة بالأموال لا تَكون (٤) إلّا بمال حاضر، عِنانًاكان أو مفاوضة، ولا يصحُّ بمال غائب ولا دَين. ثمَّ قال: وتأويله أنَّه لا بدَّ من وجود المال عند الشراء، ولا يُعتبر عند العقد. ألا تَرى أنَّه لو دفع إلى رجل ألفًا وقال: أخرِجْ مثلها واشترِ بهما (٥) وبِع، فما ربحتَ فهو بيننا؛ فأقام المأمور البيِّنة أنَّه فعل جاز، وإن لم يكن المال موجودًا عند العقد، وإنّما وجد عند الشراء (٦). (بخلاف المضاربة) يعني: أنَّ المضاربة مختصّة بالدّراهم والدّنانيرلأنَّ القياس يأبى جوازَ المضاربة لما فيها مِن ربح ما لم يضمَن، فإنَّ المال غير مضمون على المضارِب، فكان ما حصل من الرّبح ربح مالٍ غير مضمون، ولا يستحِقُّه ربُّ الماللأنَّه لم يعمل في ذلك الرِّبح، فلا يصحّ إلا فيما ورد الشَّرع به وهو الدّراهم والدّنانير. وأمّا في الشّركة فإنَّ كلَّ واحدٍ مِن الشّريكين/ يعمَل في ذلك المال فيستوي فيه العُروض والنقود، كما لو عمل كلُّ واحدٍ منهما في مالِ نفسِه مِن غير شركة فيصحُّ. وذكر في المبسوط: "وعلى قول ابن أَبي ليلى ومالكٍ هي (٧) صحيحة للتَّعامل وحاجة النّاس إلى ذلك ولاعتبار شركة العقد شركة الملك" (٨).

стр. 2401

[ربح ما لم يضمن وما لم يملك] (ولنا: أنّه يؤدّي إلى ربح ما لم يضمن؛ لأنَّه إذا باع … ) إلى آخره (١). بيان هذا أنَّ الرّجلين لو عقدا عقدَ الشّركة في العروض، ثُمّ باع أحدهما رأس ماله بأضعاف قيمتِه، وباع الآخَر بمثل قيمته، فلو صحت الشركة كانا شريكَينِ في الرّبح الذي حصل في بيع أحدِهما، فحينئذ يأخذُ الذي باع رأس ماله بمثل قيمته من مال صاحبه. فيكون ذلك المال له رِبحٌ لم يضمن ولم يملك، وذلك لا يجوز بخلاف الأثمان؛ لأنَّ ما يشتري كلُّ واحدٍ منهما برأس المال لا يتعلّق به البّيع، بل يثبت وجوب الثّمن في الذِّمّة إذ الأثمان لا تتعيَّن بالتّعيين، فلما كان الثمن واجبًا عليهما في ذمِّتهما كان المثمَن والرِّبح الحاصل منه بينهما ضرورة، فكان الرِّبح ربح ما ضمن. وذكر في الإيضاح: ولأنَّ الرّبح إنّما يطيب بالضمان، والضَّمان إنَّما يتحقَّق فيما لا يتعيَّن بالتَّعيين، فإنَّ الوكيل إذا اشترى بالدّراهم والدّنانير كان الثّمن مضمونًا عليه يطالَب بالإيفاء. فأمّا ما يتعيَّن بالتَّعيين، كالعبد وغير ذلك، فلا يكون مضمونًا على الوكيل؛ فإنَّه لو هلك لم يلزمه ضمان و (٢) الربح لا (٣) يطيب إلا بضمان، ولهذا المعنى اختصَّ عقد الشّركة بالدّراهم والدّنانير (٤). (وتفاضُل الثمنان) أي: فضل أحد الثَّمنين على الآخر كما ذكرنا. وأمّا تفاضلهما معًا فمحال. [حكم الشركة والمضاربة بالفلوس] (وبيع أحدهما مالَه على أنْ يكون الآخر شريكًا في ثمنِه لا يجوز)؛ لأنَّ صحّة الشّركة باعتبار الوَكالة، ففي كلِّ موضِع لا تجوز الوكالة بتلك الصّفة، فكذلك الشّركة. ومعنى هذا أنَّ الوكيل بالبيع يكون أمينًا، وإذا (٥) شرط له جزء من الرِّبح كان هذا ربح ما لم يضمن. وأمَّا (٦) الوكيل بالشِّراء فهو ضامن للثَّمن في ذمَّته، فإذا شُرِط له بعض الرِّبح كان ذلك ربح ما قد ضمِن؛ ولأنَّ الشّركة في العروض تؤدِّي إلى جهالة الرّبح عندالقِسمة، فإنَّ الرِّبح لا يظهر إلا بعد سلامة رأس المال، والقيمة لا تُعرف إلا بالحزر والظّن (٧)؛ كذا في المبسوط والإيضاح. (قالوا: هذا قول محمّد) وذكر في الإيضاح: وأمَّا الفلوس فالمشهور عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- أنَّ الشّركة والمضاربة بها لا تجوز، وعند محمد ﵀ تجوز (٨).

стр. 2402

(ولا يجوز بيع اثنين بواحدٍ بأعيانها) أَي: عند محمدٍ؛ لأنَّ مِن أصل محمّد أنَّ الثَّمنية تثبت باصطلاح الكلّ، فلا يبطل باصطلاحهما، وإذا بقي معنى الثَّمنية لم يتعيَّن (١) بالتّعيين فصلُحت رأس المال في الشّركات والمضاربات كالدّراهم والدّنانير. وعندهما أنَّ الثّمنية لَيست بلازمة لها وأنَّها تبطل باصطلاحهما، وإذا بطَلت بقيت عروضًا (٢)؛ كذا في الإيضاح. وقوله: (بأعيانها) إنّما قيِّد (٣) ليظهِر ثمرة الاختلاف، لأنَّه لوباع فِلسَينِ بواحد من الفلوس نسيئةً لا يجوز بالاتفاق (٤) فعندهما لوجود النّسيئة في الجنس الواحد، وعند محمد لهذا ولمعنى الثمنية. أمَّا (٥) إذا كانت بأعيانها فعندهما يجوز، وعند محمد ﵀ لا يجوز لما ذكرنا (٦). (والأوَّل أقيس) وهو كون أَبي يوسف مع أبي حنيفةلأنَّهما لما اتّفقا في جواز بيع فِلس [بعينه] (٧) بفلسين بعينهما كانا متّفقينِ أيضًا في عدم جواز الشّركة بالفلوس، وإن كانت نافقة؛ لأنَّ هذه المسألة مَبنية على تلك المسألة؛ لأنَّه لما جاز بَيع الواحد بالاثنين في الفلوس عندهما كان للفلوس حكم العروض، والعروض لا تصلح لرأس مال الشّركة فيهما أي: في الشّركة والمضاربة. [حكم الشركة بمثاقيل الذهب والفضة] (إلَّا أنَّ الأوّل أصحُّ) وهو رواية الجامع الصّغير بأنَّه لا يجوز الشّركة بالمثاقيل، وجعل ذلك في المبسوط ظاهرَ الرّواية (٨). (لأنَّها) أي: لأنَّ مثاقيل ذهب أو (٩) الفضّة. (إلا أنْ يجري التّعامل باستعمالها ثمنًا) أي: باستعمال المثاقيل هذا استثناء عن قوله: (إلا أنَّ الأوّل أصحّ) يعني: أنَّ عدم جواز الشّركة بمثاقيل الذّهب والفضّة أصحّ إلّا أنَّ عند جريانِ التّعامل باستعمالها فحينئذ تجوز الشّركة بها. وذكر في المبسوطـ، بعد ما ذكر ظاهر الرّواية، بأنَّ الشركة لا يجوز بالتِّبر فقال: فقد جعل التِّبر في "كتاب الصَّرف" كالنُّقود حتّى قال: لا يتعيَّن بالتّعيين/ ثُمَّ قال: فالحاصل أنَّ هذا يختلف باختلاف العُرف في كلِّ موضِع، فإنْ كانت المبايَعة بين النّاس في بلدة بالتِّبر فهو كالنُّقود ولا يتعيَّن بالتّعيين، وتجوز الشّركة به، وإن لم يكن في ذلك عُرف ظاهر فهو كالعروض، لا تجوز الشّركة به (١٠).

стр. 2403

(ولا خلاف فيه بيننا قبل الخلط) أي: لا خلاف في عدم جواز الشّركة بالمكيل والموزون قبل الخلط. (وثمرة الاختلاف تظهر عند التّساوي في المالَينِ، واشتراط التّفاضل في الرّبح) فعند أبي يوسف لا يستحِقّ زيادة الرّبح بَل لكلِّ واحِدٍ منهما مِن الرِّبح بقدر ملكه، وعند محمِّد الرّبح بينهما على ما شرطا، فوجه قول أبي يوسف أنَّ ما يصلح أنْ يكون رأسَ مالٍ في الشّركة لا يختلف الحكم فيه بالخلط وعدم الخلط كالنّقود، وكذلك ما لا يصلح أنْ يكون رأس مال في الشّركة لا يختلف بالخلط وعدم الخلط. وهذا لأنَّ قبل الخلط إنّما لا تجوز شركة العقد بها؛ لأنَّها متعيِّنة فتعيين رأس المال لا بدَّ منه في عقد الشّركة وأعيانها مبيعة، وأوَّل التّصرف بها يكون بيعًا، وهذا المعنى موجود بعد الخلط، بل يزداد تقررًا بالخلط؛ لأنَّ الخلط لا يتقرَّر إلا في معيَّن والمخلوط المشترَك لا يكون إلّا معيَّنًا فتقرُّر المعنى المفسِد لا يكون مصحِّحًا للعقد. ووَجْه قول محمّد أنَّ المكيل والموزون عَرض مِن وجه، ثمن من وجه. ألا ترى أنَّ الشّراء بها دينًا في الذّمة صحيح، فكان ثمنًا وأنَّ بيع عينها صحيح، فكانت مبيعةً وما تردَّد بين الأصلين يوفَّر حظّه عليهما فلشبهها بالعروض. قلنا: لا تجوز الشركة بها قَبل الخلط ولشبهِها بالأثمان. قلنا: تجوز الشّركة بها بعد الخلط، وهذالأنَّ باعتبار الشّبَهَينِ تضعُف إضافة عقد الشّركة إليها (١)، فيتوقّف ثبوتها على ما يقوِّيها، وَهُو الخلط؛ لأنَّ بالخلط يثبت شركة الملك لا محالة، فيتأكّد به شركة العقد لا محالة، ومن جِنسَينِ مِن ذوات القيم. ألا ترى أنَّ من أتلف هذا المخلوط كان عليه قيمته، وإذا لم يَكن من ذوات الأمثال كان بمنزلة العروض. وأمّا إذا كان الجنس واحدًا فالمخلوط مِن ذوات الأمثال حتّى أنَّ من أتلف يضمَن مثلَه، فيمكن تحصيل رأس مال لكلِّ (٢) واحدٍ منهما وقتَ القِسمة باعتبار المِثل (٣)؛ وهذا كله من المبسوط. [ربح مال مضمون] (وإذا أراد الشَّركة بالعروض: باع كلُّ واحد منهما نصف ماله بنصف مال الآخر) وإنَّما يتبايعان على هذا الوجه احترازًا عن الفساد الذي ذكر في عقد الشّركة بالعروض، وهو أداؤه إلى ربح ما لم يضمنلأنَّ مالَ كلِّ واحد منهما عند صاحبه في العروض غير مضمون، وما استحقّه أحدُهما فضل ربح مال صاحبه كان ربح ما لم يضمن على ما ذكرنا، فلا يجوز. وأمَّا إذا باع كلُّ واحدٍ منهما نصف عرضه مِن صاحبه كان نصف مال كل واحد منهما على صاحبه مضمونًا بالثمن، فكان الرِّبح الحاصل من ماليهما ربح مال مضمون عليهما، فيجوز.

стр. 2404

وذكر في الذّخيرة: ثم الحيلة في تجويز الشّركة بما يتعيَّن في العقود و (١) أن يبيع كلُّ واحد منهما نصف عرضه بنصف عرض صاحبه حتَّى صار مال كل واحد منهما مشتركًا بينهما شركة ملك، ثم يعقدان بعد ذلك عقد الشّركة، إن شاء مفاوضة، وإن شاء عنانًا. وكذلك لو باع [صاحب العرض] (٢) نصفَ عرضه بنصف دراهم صاحبه، وتقابضا ثم (٣) عقد الشركة مفاوضة وعِنانًا (٤)، ويصير العروض رأس مال الشّركة والعروض بعد ما صار مشتركًا بينهما يصلح رأس مال الشركة. وإنْ كان قبل ذلك لا يجوز، ذكره الإمام خواهر زاده على هذا الوجه (٥). (وتأويله: إذا كانت قيمة متاعيهما على السواء) وهذا التّأويل والّذي ذكر بعده إنّما يحتاج إليه ليكون كلُّ ما يجعلان رأس المال مضمونًا عليهما. (ولو كان بينهما تفاوت يبيع صاحب الأقلِّ بقدر ما يثبت به الشركة) بيان ذلك: هو أنْ يكون قيمة عرض أحدهما أربعمائة، وقيمة عرض الآخر مائة، يبيع صاحب الأقلِّ أربعة أخماس عرضه بخمس عرض الآخر، فيصير المتاع كلُّه أخماسًا، ويكون الرِّبح بينهما على قدر رأس ماليهما. [شركة العنان] و (٦) العِنان مشتقٌّ من قول القائل (٧): (عنَّ لي كذا، أي: عرض) قال امرؤ (٨): فعنَّ لنا سِربٌ كأنَّ نعاجَهُ … عذارى دواري في مُلاءٍ مُذيلِ (٩) "السِرب": القطع من الظباء والبقر، والجمع:/ أسراب. و"النِعاج": جمع نَعجة، وهي أنثى من (١٠) الوحش.

стр. 2405

و"العذارى": جمع العذراء من النّساء. و"الدّوار" -بفتح الدال وضمها-: صنم كانت العرب تنصبه وتدور حوله. و"المُلاء": جمع المُلاءة (١). و"المذيل": الطويل الذّيل، وإنّما ذكَّره حملًا على اللَّفظ. تقول: فظهر لنا قطيع من بقر الوحش، كأن إناث ذلك القطيع نساءً عذارى يطفنَ حولَ حجر منصوب في مُلاء طول ذيولها. شبَّه المهاء (٢) في بياض ألوانها بالعذارى؛ لأنَّه لا يغير ألوانهن حرّ الشّمس وغيره، وشبَّه طول أذيالها (٣) وسبوغ شعرها بالملاء المذيَّل، وشبَّه حسن ميلها بحسن تبختر العذارى في مِشيتهن (٤). وزعم بعض أهل اللغة: أنَّ هذا شيء أحدثه أهل الكوفة، ولم يتكلَّم (٥) به العرب وليس، كذلك فقد قال النابغة (٦): وشاركنا قريشًا في تُقاها … وفي أحسابها شرك العنان (٧) وقيل: هو مأخوذ من عِنان الدّابة على معنى أنَّ راكب الدّابة يمسك العِنان بإحدى يديه، ويعمل بالأخرى، وكلُّ واحِد مِن الشّريكَينِ يجعل عِنان التصرُّف في بعض المال إلى صاحبه دون البَعض الآخر (٨)؛ أو على معنى أنَّ (٩) للدّابة عنانين أحدهما أطول والآخر أقصر؛ أو من قولهم: عنَّ له إذا ظهر، سُمي عنانا؛ لأنَّ الشركة لا يثبت (١٠) على وصف العموم، وإنَّما تثبت في هذا القدر الذي يظهر لها (١١)، كذا في المبسوط والإيضاح والمغرب.

стр. 2406

(ويصح أن يتساويا في المال ويتفاضلا في الربح). [اشتراط الربح] وذكر في فتاوى قاضي خان: "فإن شرطا المساواة في الربح أو اشترطا لأحدهما فضل ربح، إن شرطا العمل عليهما، كان الرّبح بينهما على ما شرطا عمِلا جميعًا أو عمل أحدهما دون الآخر. وإنْ شرطا العمل على المشروط له فضل الربح جاز أيضًا، وإنْ شرطا العمل على أقلِّهما ربحا لايجوز" (١). وفي الذَّخيرة: والحاصل أنَّ (٢) في هذه الشّركة حقوق العقد ترجع إلى العاقد لا غير، [و] (٣) إذا شرطا في هذه الشّركة العمل عليهما، وشرطا التّفاوت في الرِّبح مع التّساوي في رأس المال جاز عند علمائنا الثلاثة، ويكون الرِّبح بينهما على ما شرطا، وإنْ عمل أحدهما دون الآخر. وأمَّا إذا شرط العمل على أحدهما إنْ شرط الرّبح بينهما على قدر رأس مالهما جاز، ويكون مال الذي لا عمل عليه بضاعة عند العامل، له ربحه وعليه وضيعته. وإن شرطا الرِّبح للعامل أكثر مِن رأس ماله يجوز أيضًا على الشرط، ويكون مال الدافع عند العامل مضاربة. ولو شرطا الربح للدافع (٤) أكثر من رأس ماله لا يصحُّ الشرط، ويكون مال الدّافع عند العامل بضاعة، لكل واحد منهما ربح ماله والوضيعة بينهما على قدر رأس ماليهما (٥) أبدًا. والرّبح إنَّما يستحقّ بأحد معانٍ ثلاثة، ولا يستحق بغير ذلك (٦). والمعاني الثلاثة: العمل، والمال، والضّمان. ولهذا لو قال لغيره: تصدَّق (٧) في ذلك (٨) على أنَّ بعض الرّبح لي لم يَجُز لانعدام أحد هذه المعاني الثلاثة، ألا (٩) ترى أنَّ المضارِب يستحق الرّبح بالعمل وربُ المال بالمال، والأستاذ إذا تقبَّل العمل وألقى على تلميذه بأقلّ مِن ذلك الأجر الذي أخذ يطيب له الفضل، وإنَّما يستحقّ ذلك بالضمان. (ولأنَّ الشّركة عندهما في الرّبح للشّركة في الأصل) أي: في أصل المال. فلذلك يشترط الخلط عندهما. وعندنا: الشّركة في الرِّبح للشّركة في العقد، ولهذا قلنا: تثبت الشركة بعد العقد قبل الخلط (١٠). قوله: (كما في المضارَبة). فإنْ قيل: إذا ألحقتُم هذا العقد بالمضاربة صار تقديره كأنَّه قال: اعمل في مالك وربحه لك، واعمل في مالي وربحه بيننا. وفي المضاربة إذا شرط عمل ربِّ المال فيها بطل العقد، وقد جوَّزتم هذه الشركة، وإن شرط عملهما.

стр. 2407

قلنا: المضارَبة أمانة، وتمام الأمانةتقف على التّخلية بين الأمين والوديعة. فإذا شرط عمل ربّ المال لم يوجد التّخلية، فأمّا في الشّركة فكلُّ واحد منهما كالأجير في مال الآخر، فشرط عمل ربّ المال معه لا يبطل العقد، فإنَّ مَن استأجر أجيرًا ليعينه على العمل كان جائزًا (١)؛ كذا في الإيضاح. [اشتراط جميع الربح] (بخلاف اشتراط جميع الرّبح لأحدهمالأنَّه يخرج العقد به من الشّركة) لأنَّ الشّركة هي أنْ يكون الرّبح مشتركًا بينهما. (ومِن المضارَبة أيضًا إلى قَرض) أي: يخرج العقدية مِن عقد المضارَبة أيضًالأنَّ المضاربة هي الشّركة في الرّبح، ثُمّ لو شرط جميع الرّبح لأحدهما بعد ذلك لا يخلو إمّاأنْ شَرط للعامل فاسمه القَرض، وإمّا إنْ شَرط لربّ المال فاسمه البضاعة. والضمير/ في "باشتراطه" في الموضِعَين راجع إلى الرّبح. (وهذا العقد) أي: عقد شركة العِنان. (ويشبه الشركة) أي: شركة المفاوضة. (وقلنا: يصحُّ اشتراط الرّبح مِن غير ضمان) هذا جوابٌ عن قول الخصْم، [و] (٢) هو أنَّ اشتراط زيادة الرّبح لأحدهما يؤدّي إلى ربح ما لم يضمَن. وقلنا: اشتراط زيادة الرّبح موجود في المضاربة، وهو جائز مَع ذلك بالإجماع (٣). قوله: (ويشبه الشركة) أي: وعملنا يشبه الشركة فقلنا: بأنَّه لا يبطل هذا العقد باشتراط العمل عليهما. (إذ اللّفظ لا يقتضيه) أي: لفظ العِنان لا يقتضي المساواة بتأويل الاستواء بخلاف لفظ المفاوضة. (ومن الآخر سُود) أي: دراهم سُود، وهِي مِن النّقرة أيضًا. [ما تبطل به الشركة] (وإذا هلك مال الشركة أو أحد المالين … ) إلى آخره (٤). وذكر في الذّخيرة: وإذا اشتركا شركة عِنان ثُمَّ هلك أحد المالَين قبل الشّراء، وقبل الخلط هلك مِن مال صاحبه سواء هلك في يَد المالك أو هلك في يد صاحبه أو هلك في أيديهما؛ لأنَّ رأس مال كُلِّ واحدٍ منهما قبل الشّراء، وقبل الخلط باقٍ على ملكه، ويبطل الشّركة (٥). (بخلاف المضاربة والوكالة المفردة) حيث لا يبطل عقد المضاربة وعقد الوكالة بهلاك الدّراهم على ما يجيء، إنْ شاء الله تعالى.

стр. 2408

واحترز بقوله: (والوكالة المفرَدة) عَن الوكالة الثّابتة في ضمن عقد الشّركة وفي ضمن عقد الرهن، فإنَّ الوكالة فيهما يبطل ببطلان ما تضمُّنها مِن الشّركة والرّهن؛ لأنَّ المتضمَّن يبطل (١) ببطلان المتضمِّن تبعًا، وإنَّما يبطل (٢) المتضمن، وهو الشركة ههنا، بهلاك المال قَبل الشّراء به؛ لأنَّ المال هو المعقود عليه، فيبطل العقد بهلاك المعقود عليه إذا كان قبل التّمام، كما إذا هلك المبيع في يد البائع؛ بخلاف الوكالة المفردة، فإنَّ الدّراهم لا تتعيَّن فيها، فلا تبطل الوكالة بهلاك الدّراهم حتّى لو وكَّل رجلًا بشراء العبد ودفعه دراهم، فهَلَكت الدّراهم لا تبطل الوكالة لما قلنا. (لأنَّه ما رضي بشركة صاحبه) أي: الشَّريك الّذي لم يهلك ماله ما رضي بشركة صاحبه الّذي هلك ماله إلّا على تقدير بقاء ماله ليشركه في ماله كما يشرك هو في مال هذا. (فالمشتري بينهما) وإنْ لم يصرِّحا بالوكالة في العَقد؛ لأنَّه حين وَقَع، وَقَع مشتركًا بينهما (٣)؛ كذا في الإيضاح. " (ثم الشّركة شركة عقدعند محمّد) حتّى إذا باعه أحدهما نفّذ بيعه في الكلِّ. وعند الحسن هِي شركة ملك حتّى لا ينفذ بيع أحدِهما إلا في حصّته؛ لأنَّ شركة العقد قد بطَلت بهلاك الدّنانير، كما لو هلكت قبل الشّراء بالدّراهم، وإنّما بقي ما هو حكم الشّراء -وهو الملك- فكانت شركتهما في المتاع شركةَملك. وجه قول محمد أنَّ هلاك الدّنانير كان بعد حصول ما هو المقصود بالدّراهم -وهو الشّراء بها-؛ فلا يكون مبطلًا شركة العقد بينهما في ذلك كما لوكان الهلاك بعد الشّراء بالمالين جميعًا" (٤) كذا في المبسوط. ووضع المسألة في أنَّ الدّنانير (٥) مِن أحد الجانبين والدّراهم (٦) من الجانب الآخر. (وقد بيَّنَّاه) وهو قوله: (معناه إذا أدَّى من مال نفسه … ) إلى آخره. و (٧) إن صرَّحا بالوكالة في عقد الشّركة. وذكر في المبسوط: "ذكر في بعض المواضع: المشتري بالمال الباقي بعد ذلك يكون لصاحبِه خاصة، وذكر في بعض المواضع: إذا اشترى الآخر بماله بعد ذلك يكون المشترى بينهما نِصفين. وإنّما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع، فحيث قال: يكون الثّاني مشتريًا لنفسه خاصّة وضع المسألة فيما إذا أطلقا الشّركة فيكون المشترى بمال أحدِهما مشتركًا بينهما عند الإطلاق مِن قضية عقد الشّركة، وقد بطلت بهلاك مال أحدهما، فيكون الآخر مشتريًا لنفسه. وحيث قال المشتري بمال آخر بينهما وضع (٨) المسألة فيما إذا صرَّحا عند عقد الشركة على أنَّ ما اشتراه كلُّ واحد منهما بماله هذا يكون مشتركًا بينهما، وعند هذا التصريح الشركة في المشترى [مِن قضية الوكالة لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما قَد وكَّل صاحبه بالشّراء بماله نصًّا على أنْ يكون نصف المشترى له. والشركة وإن بطلت بهلاك أحد المالين فالوكالة باقية، فلهذا كان المشترى] (٩) بينهما نصفين (١٠)، ويرجع المشتري على صاحبه بنصف الثَّمن؛ لأنَّه اشترى له النِّصف بحكم الوكالة، ونقد الثّمن مِن مال نفسه فيرجع به عليه" (١١).

стр. 2409

[جواز الشركة إن لم يخلطا المال] قوله: (لما بيَّنَّاه): إشارة إلى قوله: (لأنَّه وكيل من جهته). (وإنَّه بالخلْط) أي: وإنَّ الشّركة في الأصل، على تأويل الاشتراك، إنَّما تكون بالخلط وذلك؛ لأنَّ الشّركة عبارة عن الاختلاط، وذلك/ إنَّما يتحقّق في الملك. والمعتبر في كلِّ عقد ما هو قضية اسم ذلك العقد كالحوالة والكفالة والصّرف. فإذا خلطا المالَينِ على وَجه لا يمكِن تمييز أحدِهما عَن الآخر، فقَد ثبتت الشّركة في الملك، فيَبْتَني عليها شّركة العقد (١)؛ كذا في المبسوط. (ولهذا يضاف إليه) يقال: عقد شركة المال. (ويشترط تعيين رأس المال) وما اعتبر التّعيين إلا لتكون (٢) الشّركة في الثّمرة مسندة إلى المال (٣)؛ كذا في الإيضاح. (بخلاف المضاربة) يعني: أنَّ المضاربة تصح بدون الخلط حتّى يعتبر اتّحاد الجنس، حتّى لو كان رأس مال أحدهما دراهم، والآخر دنانير تنعقد الشركة بينهما صحيحة عندنا (٤)، خلافًا لزُفَر والشّافعي (٥)، وكذلك إنْ كان رأس مال أحدهما بيضاء، والآخر سوداء. (ولا تجوز شركة التقبُّل) أي: على قول زُفَر والشّافعي: (إنَّ الشّركة في الربح مسندة إلى العقد دون المال)؛ لأنَّ موجِب هذا العقد الوكالة، فكان كلُّ واحد منهما موكِّلًا للآخر في نصيبه، فيتصرَّف كلُّ واحدٍ منهما في مال الشّركة كلِّه، في بعضهِ بطريق الأصالة، وفي بعضه بطريق الوكالة، وبتصرف (٦) كل واحد منهما يحصُل الرّبح المشترك بهذا الطّريق، وهذه الوكالة إنَّما تثبت في ضمن عقد الشّركة، فلذلك يضاف الرّبح الحاصل إلى العقد؛ لأنَّ الحكم كما يضاف إلى العلّة، كذلك يضاف إلى علّة العلّة، وهذا كذلك؛ لأنَّ الرّبح حصل بتصرُّفهما على وجهِ الوكالة في نصيب الآخر، والوكالة تثبت بعقد الشّركة، فكان الرِّبح المشترك موجَب موجِب عقد الشّركة، فلذلك أضيفت الشّركة في الرّبح إلى العقد دون المال، ولمَّا كان كذلك كان الرِّبح فرع العقد لا فرع المال.

стр. 2410

فإنْ قلت: فعلى قود هذا التَّقدير ينبغي أنْ لا (١) يبطل الشّركة بهلاك المال قبل أنْ يشتريا به شيئًا لما أنَّ الأصل هو العَقد دون المال عَلى ما ذكرت فكان بقاء المال وهلاكه بمنزلة، فإنَّ عقد الشّركة قد وُجِد والمال موجود فلا يبالى بعد ذلك ببقائه لانحطاط رتبته عن رتبة العقد. قلت: العقد ركن في شركة العقود على ما مرَّ، والمال محلّ العقد فكان شرطًا؛ لأنَّ المحالَّ شروط لتوقُّف (٢) صحة الرُّكن أي: وجودها؛ لكنّ الركن يبطل إذا هلك المحلّ قبل اتِّصال المقصود بذلك المحلِّ كالمبيع إذا هلك في يد البائع، فإنَّ لفظ البيع والشراء ركن عقد البيع، والمبيع شرط لصحَّة ذلك الرُّكن ثمَّ ذلك الرُّكن يبطل بهلاك المبيع قبل قبض المشتري لما أنَّ المقصود مِن البيع ثبوت الملك للمشتري على وجه ينتفع هو به، والانتفاع إنَّما يحصل عند اتِّصال القبض، ولما هلك قبل هذا المقصود بطل الركن، فكذلك هنا المقصود مِن عقد الشّركة الاستنماء والاسترباح مِن رأس ماليهما، وذلك إنَّما يكون بتصرُّف الشّراء بهما، فلمّا هلك رأس المال قبل هذا المقصود بطَل الركن كما في البيع، والجامع بينهما عدم إفادة الركن فائدته. قوله: (في المستفاد به): أي: بالتصرُّف. (بدونه) أي: بدون خلط المال. (وصار كالمضارَبة) فإنَّ الشركة ثابتة في الرّبح في المضاربة، وإنْ لم توجَد الشّركة في أصل المال لا بالخلط ولا بغيره بل بالعقد، فكذا ههنا، ولما كان الأَصل هو العقد لا المال لم يشترط اتِّحاد الجنس ولا التّساوي في رأس المال، وصحّ شركة التقبُّل إذ المال ليس بأصل. (ونظيره في المزارعة) وهو أنْ يشترطا أنْ يكون لأحدهما قفزان مسمّاة فهو باطل؛ لأنَّ به تنقطع (٣) الشركة ومن شرط المزارعة أنْ يكون الخارج بينهما شائعًا. قوله: (والتَّحصيل) بالرّفع؛ فإنَّه مبتدأ. وقوله: (دونه) خبره. (دونه) أي: الإبضاع أدنى من الاستئجار، وأقلُّ حالًا منه، لعدم المؤنة في الإبضاع أي: وتحصيل العمل الذي يحصل منه الرِّبح بغير عوض، وهو الإبضاع أدنى حالًا مِن استئجار الأجير على العَمَل فإنَّه أعلى مِن الإبضاع لوجوب الأُجرة على المستأجِر فلمّا ملك الأعلى كان أولى أن يملك الأدنى. وذكر في المبسوط: "ولأنَّه لو استأجر من يتصرَّف في مال الشّركة جاز ذلك منه على شريكه، فإذا وجد من يتصرَّف بغير أجر كان له أَن يبضعه بالطريق الأولى" (٤).

стр. 2411

[دفع المال بضاعة ومضاربة] (لأنَّها دون الشّركة) أي: المضارَبة دون الشّركة. ألا ترى أنَّه ليس على المضارِب شيء من الوضيعة، وأنَّ المضارَبة لو فسدت لم يكن للمضارِب شيء مِن الرِّبح، فيمكن جعل المضاربة مستفادة بعقد الشركة/ لأنَّها دونها. (فيتضمنَّها) أي: فتتضمن (١) الشركة المضاربة. (لأنَّه نوع شركة) أي: لأنَّ عقد المضارَبة نوع شركةلأنَّه إيجاب الشّركة للمضارب في الرّبح فيكون بمنزلة عقد الشّركة، وليس لأحدِ الشّريكين أنْ يشارِك مع غيره بمال الشّركة، فكذلك لا يدفعه مضاربة. (لأنَّ الشركة غير مقصودة) أي: في المضاربة. (لأنَّه تحصيل بدون ضمان في ذمته) أي: لأنَّ عقد المضاربة سبب تحصيل الرِّبح بدون ضمان في ذمّة ربّ المال، فكان أولى أنْ يجوز. وفي المبسوط: "وله أنْ يدفع من مال الشّركة مضاربةلأنَّ له أنْ يستأجِر من يتصرَّف في مال الشّركة بأجر مضمون في الذِّمة فلأنْ (٢) يكون له أنْ يستأجر مَن يتصرف ببعض ما يحصل بعمله مِن غير أنْ يكون ذلك مضمونًا في الذِّمة أولىلأنَّ هذا أنفع لهما" (٣). قوله: (لأنَّ الشيء لا يستتبع مثله). فإن قلت: يشكِل على هذا مسائل فإنَّ للمكاتب أنْ يكاتِب عبده، وللمأذون أن يأذن عبده، والرِّواية في شرح الطحاوي وغيره، وكذا يجوز اقتداء المفتِرض بالمفترِض الذي يصلّي ذلك الفرض، وكذا يجوز اقتداء المتنفِّل بالمتنفِّل، وكلُّ واحدٍ منهما مثل الآخَر. والإمام يستتبِع قومَه في حقِّ جواز الصلاة وفسادها، فعُلم بهذه المسائل أنَّ المِثلية غير مانعة (٤) للاستتباع؛ ولأنَّ مثل الشّيء يرفع المثل كالنّصِّ النّاسخ يرفع النّص المنسوخ، وهما مثلان (٥)؛ فأولى (٦) أن يستتبع مثله (٧). قلت: أما المكاتَب والمأذون فإنَّهما لما أطلقا في اكتساب المال ملكا اكتساب المال من غير ضرَر يلزمهما بأيِّ وجه كان، والضّرر فيما إذا كان التّابع فوق المتبوع. ألا ترى أنَّ للمكاتب أن يبيع عبده، وقد يكون كتابة عبده أنفع له (٨) من البيع؛ لأنَّه لا يزول الملك في الكتابة إلّا بعد وصول البَدَل إليه، والبيع يزيله قبله، ولهذا يملكه الأب والوصي. وكذلك المأذون يتصرَّف بأهلية نفسِه في اكتساب المال بعد فكِّ الحجر عنه، فعُلم بهذا أنَّ استتباع المثل في هذين الموضعين لم يكُن مقصودًا، بل يثبت (٩)، ذلك لهما من ضرورة إطلاق الاكتساب، وفتح باب التجارة. أمَّا ههنا، لو (١٠) قلنابجواز الشّركة لأحد الشّريكين يلزم استتباع المثل مقصودًا، وذلك لا يجوز كما في التَّوكيل؛ فإنّه لا يجوز للوكيل أنْ يوكِّل غيره بمطلق التّوكيل؛ لأنَّ الثّاني مثل الأوَّل، فلا ينتظمه مقصودًا، ولكنْ ينتظمه ضِمنًا كالوكالة الثّابتة في ضمن الشّركة، فإنَّ لكلِّ واحدٍ مِن الشّريكين أنْ يوكِّل آخر في التصرُّف بمال الشّركة.

стр. 2412

وذكر في المبسوط: "ولكن هذا كلّه في حقّ الغير، أي: عدم جواز استتباع الشّيء مثله كما في الشركة والمضاربة، فأمّا في حقّ نفسه فيجوز أنْ يوجِب لغيره مثل ماله، ولهذا كان للمكاتب أنْ يكاتب وللمأذون أنْ يأذن لعبده؛ لأنَّه متصرِّف بنفسه بفكّ الحجر عنه" (١). وأمّا اقتداء المفترِض بالمفترِض فجوازه ثبت بالإجماع (٢)، وبقوله ﵊: "الإمام ضامِن" (٣)؛ ولأنَّ صلاة المقتدي مبنية على صلاة الإمام في حقّ الجواز والفساد بالحديث، لا أنْ تكون صلاة الإمام مستتبعة لصلاة المقتدي. وأمّا النّاسخ فهو رافع صورة، ولكنْ هو في الحقيقة مبيِّن انتهاء حكم المنسوخ في أنَّ شرعيتَه كانت إلى هذا الوقت، فلم يكن رفعًا في الحقيقة فلا يرد نقضًا. قوله (ويوكل من يتصرف فيه). فإنْ قلت: لا شكّ أنَّ الحكم الثّابت مقصودًا أعلى حالًا مِن الحكم الثّابت ضِمنًا لشيء آخر وتبَعًا له، ولهذا تُرجَّح العبارة على الإشارة وغيرها، وكذلك النّهي الثّابت في ضِمن الأمر يوجب الكَراهة دون الحُرمة، والأَمر الثّابت في ضِمن النّهي يوجِب السُّنة دون الوجوب بخلاف الأمر والنهي المقصودين، فإنهما يثبتان الوجوب والحرمة؛ ثُمَّ ههنا وكالة كلُّ واحد مِن الشريكين من صاحبه ثابتة في ضمن عقد الشّركة، وليس للوكيل الثّابتوكالةً مقصودةً توكيل الآخر، مع علو رتبته لما ذكرنا، فكيف تثبت هذه الولاية للوكيل الثابتة (٤) وكالته في ضمن عقد الشّركة. قلت: قد قُرِع سمعُك مرارًا بقولهم: كم من شيء يثبت ضمنًا ولا يثبت قصدًا، كبيع الشرب وغيره، فلم يلزم من عدم ثبوته في الوكالة المقصودة عدم ثبوته في الوكالة الضّمنية، بل قد ثَبت لوجود الدليل. وقد دلَّ الدّليل على جواز توكيل الآخر ههنا (٥) وهو أنَّ الوكالة الّتي تتضمنّها الشّركة بمنزلة الوكالة العامّة، ولهذا صحّت مِن غير بيان/ جنس المشترى وصفته، وفي الوكالة العامة للوكيل أنْ يوكِّل غيره، فإنَّه لو قال لوكيله: اعمل برأيك؛ كان له أنْ يوكِّل غيره به، وإنَّما قلنا: إنَّ الوكالة الثَّابتة هنا بمنزلة الوكالة العامّة؛ لأنَّ عقد الشّركة لتحصيل الرّبح، ولا يحصل (٦) إلا بالتّجارة الحاضرة والغائبة، وكلُّ واحد منهما عاجِز عن مباشرة النّوعين بنفسه ولا يجد بُدًّا من أنْ يوكِّل غيره بأحد النّوعين ليحصل مقصودهما، وهو الرّبح، فيصير كلُّ واحد منهما كالإذن لصاحبه في ذلك دلالة. وهذا الذي ذكرنا مِن جواز التّوكيل لغيرهما جواب الاستحسان، وما ذكره من الشّبهة دليل القياس في عدم جواز توكيل الآخَر، كما في الوكالة المقصودة (٧)؛ إلى هذا أشار في المبسوط.

стр. 2413

قوله: (لا على وجه البَدل) احتراز عن المقبوض على سوم الشّراء؛ لأنَّ المقبوض على سوم الشّراء قبض لأجل أنْ يدفع الثّمن. وقوله: (والوثيقة) احتراز عن الرّهن؛ فإنَّ المرهون مقبوض لأجل الوثيقة لا يفيد (١) مقصودهما، وهذا ظاهر. وفي بعض النُّسخ: "مقصودها"، أضاف المقصود إلى الشّركة لتلبُّسها بمقصود الشّريكين إذ مقصود الشريكين، وهو تثمير مال الشّركة، إنّما يحصل بسبب عقد الشّركة، فكانت الشّركة سببًا لحصول هذا المقصود، فأضيف المسبب إلى سببه. [شركة الصنائع] (لأنَّ المقصود منه التحصيل) أي: تحصيل الرّبح، يعني: أن تحصيل الرّبح ليس منحصر بالمال، بل قد يكون ذلك بعمل التّوكيل بدون المال، وقد يكون بالمال وفي هذه الشركة لو لم يكن المال فالتّوكيل موجود فيحصل المقصود. وفي المبسوط: ثم استحقاق الرّبح في طريق الشّركة يكون بالمال تارةً وبالعمل أخرى، بدليل المضارِب؛ فإنَّ ربّ المال يستحقُّ نصيبَه مِن الرّبح بماله، والمضارب بعمله. وذلك العقد شركة الإجارة بدليل أنَّها لا تلزم؛ وأنّه لا يحتاج فيها إلى بيان المدّة، فإذا صحَّ عقد الشّركة بين اثنين بالمال، فكذلك يصحُّ باعتبار العَمل؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يستحقّ به الرّبح، ولا يشترط فيه اتّحاد العمل والمكان، خلافًا لمالك (٢) وزُفَر، فإنّهما يقولان: إنْ اتّفقت الأعمال كالقصَّارين والصبَّاغين إذا اشتركا يجوز، وإنْ اختلفتْ بأنْ اشترك صبَّاغ وقصَّار لا يجوز؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما عاجز عن العمل الذي يتقبَّله صاحبه، فإنَّ ذلك ليس مِن صنعه، فلا يتحقّق ما هو مقصود الشّركة عند اختلاف الأعمال. ولكنّا نقول جواز هذه الشّركة باعتبار الوكالة، والتّوكيل بتقبُّل العمل صحيح ممّن يحسِن مباشرة ذلك العمل وممن لا يحسن؛ لأنَّه لا يتعيَّن على المتقبِّل إقامة العمل بيده، بل له أنْ يقيم بأعوانه وأجزائه، وكل واحد منهما غير عاجز عن ذلك، فكان (٣) العقد صحيحًا (٤)؛ كذا في المبسوط، إلا أنَّه لم يُذكَر فيه خلاف مالك. فإن قلت: كيف يُتصوّر ههنا (٥) قول زُفَرفي جواز الشّركة عند اتّحاد العمل، وقد ذكر قبل (٦): ويجوز الشّركة (٧) وإنْ لم يخلطا المال.

стр. 2414

(وقال زفر والشافعي ﵀: لا يجوز) (١) لأنَّ الرّبح فرع المال؛ إلى أنْ قال: (ولا تجوز شركة التقبُّل والأعمال) أي: على قول زُفَر والشّافعي، ثم زُفر لما لم يجوِّز الشّركة بدون المال، كما هو قول الشّافعي، كيف يُتصوّرقولهبالجواز في شركة التقبُّل عند اتّحاد العمل معَ صريح قوله، ولا يجوز شركة التقبُّل والأعمال. قلت: عن زفر روايتان في اشتراط خلط المالَين في الشركة (٢) ذكرهما في المبسوط. ذكر في الكتاب في تلك المسألة حكم الرّواية التي تشترِط (٣) خلط المالين (٤)، وذكر ههنا حُكم الرّواية الّتي لا يُشترَط (٥) ولكن أطلق في اللفظ، ولم يذكر اختلاف الروايتين عنه فعن هذا تراآى مناقضةً. قوله: (فيهما) أَي: في اتّحاد العَمل واتّحاد المكان. أمّا اتّحاد العمل فقد ذكرناه، وأمّا اتّحاد المكان فإنَّه لو عمل أحد الشّريكين في دكّان، والآخر في دكان آخر، يجوز عندنا (٦)، خلافًا لهما. (وهو ما ذكرناه) (٧) وهو قوله: (أنَّ المقصود منه التّحصيل) وهو ممكن بالتّوكيل ففي حقّ صحّة التّوكيل لا يتفاوت اتّحاد العمل والمكان واختلافهما. [حكم اشتراط العمل نصفين والمال أثلاثاً] (ولو شرطا العمل نصفين) أي، في شركة التَّقبُّل. (والمال) بالنّصب، وهو الرّبح أي: لو شرطا في شركة التّقبّل الرّبح أثلاثًا مع المساواة في العمل يجوز، وهذا الّذي ذكره فيما إذا (٨) كانت شركة التقبل بينهما شركة عنان. وأمّا إذ (٩) كانت تلك الشّركة بينهما شركة مفاوضة، فلا يجوز التّفاوت بينهما فيما يحصل من الرّبح، وفي/ العِنان لا يجوز ذلك في شركة الوجوه إلّا أنْ يشترطا التّفاوت في ملك المشتري، وفي التّقبّل يصحّ منهما اشتراط التّفاوت في الرّبح مع المساواة في العمل، وقد بيَّنَّا أنَّ المفاوضة والعِنان يجريانِ في شركة التّقبّل والوجوه كما يجريان في الأموال (١٠)؛ إلى هذا أشار في المبسوط.

стр. 2415

(لأنَّ الضّمان بقدر العمل) أي: بقدر ما شرط عليه من العمل. (فالزّيادة عليه ربح ما لم يُضمَن) وهو لا يجوز، وذلك لأنَّ الرّبح في الشّركة إنّما يُستحقّ إمّا بالمال أو بالعمل أو بالضّمان، ولا يُستحَقّ بغير ذلك. ألا ترى أنَّ من قال لغيره: تصرَّف في مالِكَ على أنَّ لي بعض الرِّبح لم يَجُز، وإنَّما يُستحقّ بالمال والعمل. ألا ترى أنَّ في باب المضاربة يستحِقُّه (١) ربُّ المال بسبب المال، ويستحقُّه (٢) المضارِب بسبب العمل، وكذا يستحقه (٣) بالضَّمان؛ لأنَّ الأستاذ إذا تقبّل وألقى على تلميذه بأقلّ منه طاب له الفضل؛ وإنّما يطيب بسبب الضّمان (٤)؛ كذا في الإيضاح. ثُمّ ههنا الزِّيادة على العمل ليست من هذه الأوجه الثلاثة فكانت ربح ما لم يضمن. (لتأديته إليه) أي: لتأدية هذا العقد إلى ربح ما لم يُضمَن. (وصار كشركة الوجوه) يعني: أنَّ التّفاوت في الرِّبح لا يجوز في شركة الوجوه، لكن هذا إذا كان المشترى بينهما على السواء، وأمَّا إذا اشترطا التّفاوت في ملك المشتري فيجوز التَّفاوت حينئذ في الرِّبح في شركة الوجوه أيضًا (٥)؛ وقد ذكرناه من المبسوط. (لأنَّ الرّبح عند اتّحاد الجنس) أي: الرّبح لا يظهر إلا عند اتّحاد الجنس، وعن هذا جعل رأس (٦) مال الشّركة الدّراهم والدّنانير. (فكان بدل العمل) أي: فكان ما يأخذه بَدَل العمل لا الرِّبح، فلا يلزم حينئذ كونه ربح ما لم يضمن. [الفرق بن شركة التقبل والوجوه] وذكر في المبسوط: "الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أنَّ في التقبُّلهما تابعان للعمل، وقد يكون بينهما في العمل تفاوت فيصحُّ منهما اشتراط التّفاوت في الرّبح، فأمّا في شركة الوجوه فهما مشتريان بثمن في ذمّتهما، فمع المساواة في ملك المشتري لا يصحُّ شرط التّفاوت في الرِّبح. توضِّح الفرق، وهو الوجه الثاني: أنَّ المنافع إنّما يتقوّم (٧) بالعقد، فمنْفعة كلِّ واحد منهما يتقوّم (٨) بقدر ما شرط لنفسه من الرِّبح بخلاف عين المشتري، فإنَّه يتقوّم بنفسه، فلا يصحُّ مِن أحدهما اشتراط شيء من ربح مال صاحبه من غير رأس مال ولا ضمان" (٩).

стр. 2416

قوله: (لأنَّ جنس المال متّفق) أي: في شركة الوجوه، وهو الثّمن الواجب في ذمّتهما، وهو الدّراهم أوالدّنانير، فكان الجنس متّفقًا فيظهر الرّبح، ثُمَّ لو جاز اشتراط زيادة في الرِّبح كان ذلك ربح ما لم يضمَن، وذلك لا يكون إلّا في المضارَبة، ولكن كان جواز ذلك فيها أيضًا لوقوعه بمقابلة العمَل في جانِب المضارب، ولوقوعه بمقابلة المال في جانب ربّ المال، وليس واحد منهما في شركة الوجوه، ولا الضّمان بمقابلة زيادة الرّبح فيلزم فيها ربح ما لم يضمَن مِن كلِّ وجه، فلا يجوز لذلك، وما يتقبّله كل واحد منهما من العمل يلزمه ويلزم شريكه. وفي المبسوط: "وإذا تقبَّل العمل أحدهما، فإنْ كانا متفاوضين فلا إشكال أنَّ الآخر مطالَب بذلك، فأمَّا إذا كانت الشّركة بينهما مطلَقة؛ فقد ذكر في النوادر (١) - قياسًا واستحسانًا- في هذا الفصل: في القياس لا يطالَب به إلّا مَن يقبل (٢)؛ لأنَّ الشركة بينهما عنان؛ وذلك لا يضمن الكفالة. ألا ترى أنَّه لو أقرَّ أحدهما بدَين لإنسان لا يطالب به الآخر، فكذلك إذا تقبَّل العمل. وفي الاستحسان أنْ يكون الآخر مطالبًا به؛ لأنَّ هذا التَّقبُّل مقصود بالشّركة، ففيما هو المقصود يقوم كلُّ واحد منهما مقامَ صاحبه، فيكونان فيه بمنزلة المتفاوضين. وعلى هذا: إذا عمل أحدهما كان للآخر أنْ يُطالِب بالأجر - استحسانًا -؛ لأنَّه هو المقصود بعقدهما، وبيان كونه مقصودًا أنَّ الشركة الّتي بينهما لا تنفكّ عن هذا، بخلاف الإقرار بالدين" (٣). [البراءة بالدفع] قوله: (ويبرأ الدافع بالدفع إليه) يجوز أنْ يراد بـ "الدَّافع" دافع الأجرة إليه، أي: إلى كلِّ واحدٍ منهما، وهو الظاهر. ويجوز أنْ يراد بالدّافع كلُّ واحد منهما إليه، أي: إلى صاحب الثّوب مثلًا يعني: لو أخذ أحد الشّريكين الثّوب للصبغ، ثم دفع الثّوب المصبوغ إلى صاحب الثَّوب غير الذي أخذه من صاحبه يبرأ من الضّمان. (فجرى مجرى المفاوضة في ضمان العمل واقتضاء البدل) وإنَّما قيد جريانه مجرى المفاوضة بهذين الشَّيئين؛ لأنَّ فيما عدا ذلك لم يجرِ هذا، العقد مجرى المفاوضة حتّى قالوا إذا أقرَّ أحدهما/ بدَين مِن ثمن صابون أو اثنان أو عمل مِن أعمال الفعلة أو أجر أجير، أو أجرة بَيت لمدة مضَت، لم يُصدَّق على صاحبه إلا ببيِّنة ويلزمه خاصَّة لأنَّ التنصيص على المفاوضة لم يوجد، ونفاذ الإقرار موجَب المفاوضة (٤)؛ كذا في الإيضاح.

стр. 2417

[شركة الوجوه] (وأنَّها تصحُّ مفاوضة) فالمفاوضة منها أنْ يكون الرّجلان من أهل الكفالة، وأنْ يكون ثمن المشترى على كلّ واحد منهما نصفه، وأنْ يكون المشترى بينهما نصفين، وأنْ يتلفَّظا بلفظ المفاوضة. وأمّا العنانمنهما: فهو أنْ يجوز التّفاضل في ضمان ثمن المشترى بينهما، وينبغي أنْ يشترطا الرّبح بينهما على قدر الضّمان، وإنْ اشترطا الرّبح بخلاف الضّمان بينهما فالشّرط باطل، ويكون الرّبح بينهما على قدر ضمانهما (١)؛ كذا في شرح الطحاوي. (في الأبدال) وهي الثّمن والمثمَن؛ لأنَّ مطلقه ينصرِف إليه؛ لأنَّ المعتاد فيما بين النّاس شركة العِنان فالمطلق ينصرِف إلى المعتاد كما إذا اشترى بدراهم مطلقة. (والأستاذ الّذي يُلقي العمل على التّلميذ بالنِّصف) وذُكر النِّصف اتفاقي، فإنّه يجوز له أنْ يلقي بأقلّ من النصف، وقد ذكرناه. (بالضّمان) أي: يطالب الأستاذ بتحصيل ذلك العمل، فكان العمل مضمونًا على الأستاذ. (والوجوه ليست في معناها) أي: شركة الوجوه ليست في معنى المضاربة؛ لأنَّ في شركة الوجوه كلَّ واحد من الشّريكين مضمون عليه العمل، وأمّا المال فليس بمضمون على المضارب، وكذلك العمل ليس بمضمون على ربِّ المال بخلاف العنان؛ لأنَّه في معنى المضاربة مِن حيث إنَّ كل واحد من شريكي العِنان [يعمل في مال صاحبه كالمضارب] (٢)، يعمل في مال صاحبه كالمضارب يعمل في مال ربّ المال، فجاز اشتراط زيادة الرِّبح في العنان، كما جاز في المضاربة، والله أعلم. فصل في الشركة الفاسدة: قدَّم الصّحيح على الفاسد؛ لما أنّ الصحيح موجود شرعا مِن كلّ وجه، وأمّا الفاسد فهو فائت لوصف الصحّة، فلم يكن موجودًا شرعًا مِن كلِّ وجه، فانحطّ من الصّحيح ذكرًا لانحطاط درجته شرعا. (وعلى هذا الاشتراك في أخذ كلِّ شيء مباح) نحو احتشاش الحشيش، واجتناء الثّمار مِن الجبال والبراري مِن الجوز والفستق وغيرهما، فإنْ عملا ذلك، وخلطاه ثُم باعاه قسم الثّمن على كيل، وَوَزن ما كان لكلّ واحد منهما إنْ كان كيليًا أو وزنيًا؛ لأنّ كلّ واحد منهما كان مالكًا لما أصابه، والثّمن في البيع إنّما (٣) يقسم على مالية المعقود عليه، ومالية المكيل والموزون تُعتبر بالكيل والوزن، فلهذا قسم الثّمن بينهما على ذلك. وإن لم يكن كيليًا أو وزنيا يقسم الثّمن على قيمة ما كان لكلّ واحد منهما؛ لأنّ معرفة المالية فيما لا يكال ولا يوزن بمعرفة القِيمة، وإنْ لم يعرف مقدار ما كان لكل واحد منهما صدَق كلُّ واحد منهما إلى النِّصف؛ لأنَّهما استويا في الاكتساب، وقد كان المكتسب في أيديهما، فكلُّ واحد منهما في دعواه إلى النِّصف إنَّما يدَّعي ما كان في يديه، والظاهر يشهد له في ذلك، فيُقبل قولُه ولايُصدَّق في الزِّيادة على النِّصف إلا ببيّنة؛ لأنَّه يدعي خلاف مايشهد الظّاهر له، وكذلك الشركة بنقل الطين وبيعه من أرض لايملكانها أو الجصّ أو الملح أو الكحل أو ما أشبه ذلك (٤)؛ كذا في المبسوط.

стр. 2418

(والوكيل يملكه بدون أمره فلا يصلح نائبًا عنه) من قبل أن التّوكيل إثبات ولاية التّصرف فيما هو ثابت للموكِّل، وليس بثابت للوكيل، وهذا المعنى لايمكن تحقيقه هاهنا فَلم تثبت الشّركة (١)، كذا في الإيضاح. فإن قيل: يُشكِل هذا بالتوكيل بشراء عبدٍ غير معيَّن، فإنّه يجوز مع أنَّ الوكيل كان يملك شراءه لنفسه قبل التّوكيل وبعده، فعُلِم بهذا أنّه لايشترط لصحّة التّوكيل أنْ لا يملك الوكيل [الفرق بين التوكيل بالشراء والتوكيل بالاحتطاب] ذلك التصرُّف قبل التّوكيل بل يجوز التّوكيل فيما يملكه الوكيل قبل التّوكيل. قلنا: لا يشكل لما أنّ التّوكيل بالشّراء يخالف التّوكيل بالاحتطاب بوجهين: أحدهما: أنّ في العبد المعيَّن لا يملك الوكيل أنْ يشتريه لنفسه بعد التّوكيل، وإنْ كان يملكه قبله، والتّوكيل بالاحتطاب في الحطب المعيَّن وغير المعيَّن سواء في أنّه لا يصحّ لوقوع التّوكيل في أمر مباح لهما. والثاني: أن بالتّوكيل يلزم الثّمن في ذمّة الموكِّل، ولا يلزم قبله (٢)، فلم يَكن (٣) الوكيل قادرًا هناك على إلزام الثّمن في ذمّة الموكِّل قبل التّوكيل وبعده (٤) فصحّ ما/ قلنا إنّ التّوكيل إنّما يصحّ فيما لا يملكه الوكيل قبل التّوكيل، ولكن الأوجه في التّعليل ماذكره الإمام المحقِّق شمس الأئمة السّرخسي في المبسوط، فإنّه أمتن تمشيةً وأقوى استقامةً، فقال: "لأنً الاحتطاب اكتساب، والاكتساب في المحلّ المباح يوجِب الملك للمكتسب، فحينئذ كان كلُّ واحدٍ منهما يشترط لنفسه بعض كسب صاحبه مِن غير رأس مال ولا ضمان له فيه، أو يصير كلُّ واحدٍ منهما كالمفاوض مع صاحبِه بنصف ما يكتسِب صاحبه، وهذا مفاوضة في المجهول فلا تكون صحيحة" (٥). (فللمعيّن أجر مثله بالغًا ما بلغ عند محمد (٦) لأنّ المسمّى مجهول الجنس والقدر فإنّه لايُدْرَى أَيّ نوع من الحطب يصيبان، وهل يصيبان شيئًا أم لا، والرّضا بالمجهول لا يصحُّ فإذا سقط اعتبار رضاه بَقِيَت منافعه مستوفاة بعقد فاسد، فله أجر مثلِه بالغًا مابلغ. ألا ترى أنّه إنْ (٧) أعانه عليه فلَم يصيبا شيئًا استحقّ أَجر مثله بالغًا مابلغ، فإذا أصابا شيئًا أولى، بخلاف حمل الحنطة، فإنَّ القَفيز منها معلوم، فاعتبر رضاه في المعلوم، فلهذا لا يجاوِز به المسمّى.

стр. 2419

(وعند أبي يوسف لا يجاوز به نصف ثمن ذلك) لأنَّه قد رضي بنصف المسمّى فيعتبر رضاه في إسقاطه (١) حقّه في المطالبة بالزيادة على ذلك، ألا ترى أنه لو استأجر حمالا ليحمل له حنطة إلى موضع كذا بقفيز منها فحملها كان له أجر مثله، لا يجاوز به ما سمي، وهذا لأنّ تقوّم المنفعة باعتبار العقد والتّسمية إذ المنافع تتقوّم بنفسها بغير العقد، وفيما زاد على المسمّى لم توجد التّسمية (٢)؛ كذا في المبسوط، ولكن أخّر دليل محمّد عن دليل أبي يوسف فيه، فتقديم قول محمّد في الكتاب على قول أبي يوسف وتأخير دليل محمد في المبسوط مع جوابه عمّا قاس عليه أبو يوسف، كما ذكرت، دليل على أنّ المختار قول محمد. وقوله: (لا يجاوَز به) بفتح الواو على بناء المفعول. وقوله: (نصف ثمن): بالرّفع لأنَّه قائم مقام الفاعل لقوله: (لا يجاوَز) لأنَّه مسند إلى قوله: (نصف ثمن) لأنّ الفعل إذا بُني للمفعول كان للمفعول به المتعدّى إليه بغير حرف مِن الفصل (٣) على سائر ما بُني لهالرّاوية المزادة من ثلاثة جلود، وأصلها بعير السقاء لأنَّه يروي الماء، أي: يحمله. (استوفى منافع ملك الغير وهو البغل) أي: إنْ كان المستقي صاحب الرّاوية (٤) وكان متملكًا منفعة البغل فتجب الأجرةلأنّ الفاسد ملحَق بالصحيح، ففي الصّحيح يجب الأجر، فكذا في الفاسد. (والرّاوية) (٥) أي: إن كان المستقي صاحب البغل كان متملكًا منفعة الرّاوية (٦) فيجب الأجرويبطل شرط التفاضللأنّ العقد صار مستحق النقض، وفي إبقاء شرط شُرِط في العقد تقرير له، وهو واجب الدفع دون التقدير. [بطلان الشركة بموت أحد الشريكين] " (الرَّيْعُ): الزِّيَادَةُ وَيُقَالُ هَذَا طَعَامٌ كَثِيرُ الرَّيْعِ وَقَوْلُهُ: إذَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ الْمَرْهُونَةُ رَيْعًا أَيْ: غَلَّةً لأنَّها زِيَادَةٌ" (٧) كذا في المغرب. (لأنَّه بمنزلة الموت على ما بينّاه من قبل) وهو ما ذكره في "باب أحكام المرتدين" في قوله: (وإن لحق بدار الحرب مرتدًا وحكم الحاكم بلحاقه) إلى قوله: (ولناأنّه باللّحاق صار من أهل الحرب، وهم أموات في حقّ أحكام الإسلام … ) إلى آخره.

стр. 2420

(لأنَّه عزل حكمي) "لأنّ موت الموكِّل موجِب عزل الوكيل حكمًا لتحوُّل ملكه إلى وارثه، فلا يتوقّف ثبوت حكمه على العلم به. ألا ترى أنّ الوكيل ينعزل بموت الموكِّل، وإن لم يعلم به بخلاف ما إذا عزله قصدًا" (١)؛ كذا في المبسوط. (وإذا بطلت الوكالة بطلت الشّركة). فإنْ قلتَ: فقد ذكر قُبيل هذا (لأنَّها) أي: لأنّ الشركة تتضمّن الوكالة فلمّا ثبت الوكالة في ضمن الشّركة كانت الوكالة تبعًا فيها، فلم يلزَم مِن بطلان التَّبَع بطلان الأصل، فكيف لزِم هنا بطلان الأصل، وهو الشّركة، ببطلان التَّبَع وهو الوكالة. قلت: عنه جوابان: أحدهما: أنّ لدوام عقد الشّركة حكمَ الابتداء لكونه غَير لازم على ما ذكر في الكتاب قُبيل الفصل الأول مِن "كتاب الشركة". ثم لو كان ابتداء عقد الشركة في شخصين لا يجوز التّوكيل بينهما، كالمجنونين، أو أحدهما، وكالصَّبِيَينِ اللّذَينِ لا يعقلان البيع والشراء أو أحدهما لا يجوز، فكذا بقاء لما قلنا. وهذا لأنّ صلاحية التّوكيل شرط صحّة الشركة ليفيد عقد الشّركة فائدته كصلاحية المعقود عليه عقد الشّركة قابلًا للوكالة شرط لصحة/ عقد الشّركة، فلذلك لم تصحّ (٢) الشّركة في الاحتطاب والاحتشاش لعدم صلاحيتهما للوكالة. فلمّا كانت الوكالة شرط صحّته لم تبقَ الشركة عند فوات الوكالةلأنّ المشروط يفوت بفوت الشّرط. والثاني: أنّ (٣) الوكالة ثابتةٌ فيها ضِمنًا واقتضاءً فيبطل المقتضى عند بطلان المقتضي حتّى أنّ قوله: أعتِق عبدَك عني بألف درهم؛ لا يصحّ إذا كان الخطاب لغير مالك العَبد كما في العكس؛ لأنّ المقتضى شرط لصحّة المقتضي، فلمّا بطل المقتضى بطل المصحّح فبطل المقتضى لذلك ضرورة فكذلك هنا (٤)؛ والله أعلم. فصلٌ لما كانت أحكام هذا الفصل أبعد عن مسائل الشّركة مِن قِبَل أنّها ليست من مسائل التِّجارة أُخِّر ذكرُها عن ذكر أحكام سائر الفصول. (أما إذا أدّيا معًا ضمِن كلُّ واحدٍ منهما نصيب صاحبه) أي: عند أبي حنيفة. وعندهما لا يضمَن (٥)؛ كذا في الزيادات للإمام العتابي (٦).
следующие страницы →