← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

قوله: (لأنَّ جنس المال متّفق) أي: في شركة الوجوه، وهو الثّمن الواجب في ذمّتهما، وهو الدّراهم أوالدّنانير، فكان الجنس متّفقًا فيظهر الرّبح، ثُمَّ لو جاز اشتراط زيادة في الرِّبح كان ذلك ربح ما لم يضمَن، وذلك لا يكون إلّا في المضارَبة، ولكن كان جواز ذلك فيها أيضًا لوقوعه بمقابلة العمَل في جانِب المضارب، ولوقوعه بمقابلة المال في جانب ربّ المال، وليس واحد منهما في شركة الوجوه، ولا الضّمان بمقابلة زيادة الرّبح فيلزم فيها ربح ما لم يضمَن مِن كلِّ وجه، فلا يجوز لذلك، وما يتقبّله كل واحد منهما من العمل يلزمه ويلزم شريكه. وفي المبسوط: "وإذا تقبَّل العمل أحدهما، فإنْ كانا متفاوضين فلا إشكال أنَّ الآخر مطالَب بذلك، فأمَّا إذا كانت الشّركة بينهما مطلَقة؛ فقد ذكر في النوادر (١) - قياسًا واستحسانًا- في هذا الفصل: في القياس لا يطالَب به إلّا مَن يقبل (٢)؛ لأنَّ الشركة بينهما عنان؛ وذلك لا يضمن الكفالة. ألا ترى أنَّه لو أقرَّ أحدهما بدَين لإنسان لا يطالب به الآخر، فكذلك إذا تقبَّل العمل. وفي الاستحسان أنْ يكون الآخر مطالبًا به؛ لأنَّ هذا التَّقبُّل مقصود بالشّركة، ففيما هو المقصود يقوم كلُّ واحد منهما مقامَ صاحبه، فيكونان فيه بمنزلة المتفاوضين. وعلى هذا: إذا عمل أحدهما كان للآخر أنْ يُطالِب بالأجر - استحسانًا -؛ لأنَّه هو المقصود بعقدهما، وبيان كونه مقصودًا أنَّ الشركة الّتي بينهما لا تنفكّ عن هذا، بخلاف الإقرار بالدين" (٣). [البراءة بالدفع] قوله: (ويبرأ الدافع بالدفع إليه) يجوز أنْ يراد بـ "الدَّافع" دافع الأجرة إليه، أي: إلى كلِّ واحدٍ منهما، وهو الظاهر. ويجوز أنْ يراد بالدّافع كلُّ واحد منهما إليه، أي: إلى صاحب الثّوب مثلًا يعني: لو أخذ أحد الشّريكين الثّوب للصبغ، ثم دفع الثّوب المصبوغ إلى صاحب الثَّوب غير الذي أخذه من صاحبه يبرأ من الضّمان. (فجرى مجرى المفاوضة في ضمان العمل واقتضاء البدل) وإنَّما قيد جريانه مجرى المفاوضة بهذين الشَّيئين؛ لأنَّ فيما عدا ذلك لم يجرِ هذا، العقد مجرى المفاوضة حتّى قالوا إذا أقرَّ أحدهما/ بدَين مِن ثمن صابون أو اثنان أو عمل مِن أعمال الفعلة أو أجر أجير، أو أجرة بَيت لمدة مضَت، لم يُصدَّق على صاحبه إلا ببيِّنة ويلزمه خاصَّة لأنَّ التنصيص على المفاوضة لم يوجد، ونفاذ الإقرار موجَب المفاوضة (٤)؛ كذا في الإيضاح.

стр. 2417

[شركة الوجوه] (وأنَّها تصحُّ مفاوضة) فالمفاوضة منها أنْ يكون الرّجلان من أهل الكفالة، وأنْ يكون ثمن المشترى على كلّ واحد منهما نصفه، وأنْ يكون المشترى بينهما نصفين، وأنْ يتلفَّظا بلفظ المفاوضة. وأمّا العنانمنهما: فهو أنْ يجوز التّفاضل في ضمان ثمن المشترى بينهما، وينبغي أنْ يشترطا الرّبح بينهما على قدر الضّمان، وإنْ اشترطا الرّبح بخلاف الضّمان بينهما فالشّرط باطل، ويكون الرّبح بينهما على قدر ضمانهما (١)؛ كذا في شرح الطحاوي. (في الأبدال) وهي الثّمن والمثمَن؛ لأنَّ مطلقه ينصرِف إليه؛ لأنَّ المعتاد فيما بين النّاس شركة العِنان فالمطلق ينصرِف إلى المعتاد كما إذا اشترى بدراهم مطلقة. (والأستاذ الّذي يُلقي العمل على التّلميذ بالنِّصف) وذُكر النِّصف اتفاقي، فإنّه يجوز له أنْ يلقي بأقلّ من النصف، وقد ذكرناه. (بالضّمان) أي: يطالب الأستاذ بتحصيل ذلك العمل، فكان العمل مضمونًا على الأستاذ. (والوجوه ليست في معناها) أي: شركة الوجوه ليست في معنى المضاربة؛ لأنَّ في شركة الوجوه كلَّ واحد من الشّريكين مضمون عليه العمل، وأمّا المال فليس بمضمون على المضارب، وكذلك العمل ليس بمضمون على ربِّ المال بخلاف العنان؛ لأنَّه في معنى المضاربة مِن حيث إنَّ كل واحد من شريكي العِنان [يعمل في مال صاحبه كالمضارب] (٢)، يعمل في مال صاحبه كالمضارب يعمل في مال ربّ المال، فجاز اشتراط زيادة الرِّبح في العنان، كما جاز في المضاربة، والله أعلم. فصل في الشركة الفاسدة: قدَّم الصّحيح على الفاسد؛ لما أنّ الصحيح موجود شرعا مِن كلّ وجه، وأمّا الفاسد فهو فائت لوصف الصحّة، فلم يكن موجودًا شرعًا مِن كلِّ وجه، فانحطّ من الصّحيح ذكرًا لانحطاط درجته شرعا. (وعلى هذا الاشتراك في أخذ كلِّ شيء مباح) نحو احتشاش الحشيش، واجتناء الثّمار مِن الجبال والبراري مِن الجوز والفستق وغيرهما، فإنْ عملا ذلك، وخلطاه ثُم باعاه قسم الثّمن على كيل، وَوَزن ما كان لكلّ واحد منهما إنْ كان كيليًا أو وزنيًا؛ لأنّ كلّ واحد منهما كان مالكًا لما أصابه، والثّمن في البيع إنّما (٣) يقسم على مالية المعقود عليه، ومالية المكيل والموزون تُعتبر بالكيل والوزن، فلهذا قسم الثّمن بينهما على ذلك. وإن لم يكن كيليًا أو وزنيا يقسم الثّمن على قيمة ما كان لكلّ واحد منهما؛ لأنّ معرفة المالية فيما لا يكال ولا يوزن بمعرفة القِيمة، وإنْ لم يعرف مقدار ما كان لكل واحد منهما صدَق كلُّ واحد منهما إلى النِّصف؛ لأنَّهما استويا في الاكتساب، وقد كان المكتسب في أيديهما، فكلُّ واحد منهما في دعواه إلى النِّصف إنَّما يدَّعي ما كان في يديه، والظاهر يشهد له في ذلك، فيُقبل قولُه ولايُصدَّق في الزِّيادة على النِّصف إلا ببيّنة؛ لأنَّه يدعي خلاف مايشهد الظّاهر له، وكذلك الشركة بنقل الطين وبيعه من أرض لايملكانها أو الجصّ أو الملح أو الكحل أو ما أشبه ذلك (٤)؛ كذا في المبسوط.

стр. 2418

(والوكيل يملكه بدون أمره فلا يصلح نائبًا عنه) من قبل أن التّوكيل إثبات ولاية التّصرف فيما هو ثابت للموكِّل، وليس بثابت للوكيل، وهذا المعنى لايمكن تحقيقه هاهنا فَلم تثبت الشّركة (١)، كذا في الإيضاح. فإن قيل: يُشكِل هذا بالتوكيل بشراء عبدٍ غير معيَّن، فإنّه يجوز مع أنَّ الوكيل كان يملك شراءه لنفسه قبل التّوكيل وبعده، فعُلِم بهذا أنّه لايشترط لصحّة التّوكيل أنْ لا يملك الوكيل [الفرق بين التوكيل بالشراء والتوكيل بالاحتطاب] ذلك التصرُّف قبل التّوكيل بل يجوز التّوكيل فيما يملكه الوكيل قبل التّوكيل. قلنا: لا يشكل لما أنّ التّوكيل بالشّراء يخالف التّوكيل بالاحتطاب بوجهين: أحدهما: أنّ في العبد المعيَّن لا يملك الوكيل أنْ يشتريه لنفسه بعد التّوكيل، وإنْ كان يملكه قبله، والتّوكيل بالاحتطاب في الحطب المعيَّن وغير المعيَّن سواء في أنّه لا يصحّ لوقوع التّوكيل في أمر مباح لهما. والثاني: أن بالتّوكيل يلزم الثّمن في ذمّة الموكِّل، ولا يلزم قبله (٢)، فلم يَكن (٣) الوكيل قادرًا هناك على إلزام الثّمن في ذمّة الموكِّل قبل التّوكيل وبعده (٤) فصحّ ما/ قلنا إنّ التّوكيل إنّما يصحّ فيما لا يملكه الوكيل قبل التّوكيل، ولكن الأوجه في التّعليل ماذكره الإمام المحقِّق شمس الأئمة السّرخسي في المبسوط، فإنّه أمتن تمشيةً وأقوى استقامةً، فقال: "لأنً الاحتطاب اكتساب، والاكتساب في المحلّ المباح يوجِب الملك للمكتسب، فحينئذ كان كلُّ واحدٍ منهما يشترط لنفسه بعض كسب صاحبه مِن غير رأس مال ولا ضمان له فيه، أو يصير كلُّ واحدٍ منهما كالمفاوض مع صاحبِه بنصف ما يكتسِب صاحبه، وهذا مفاوضة في المجهول فلا تكون صحيحة" (٥). (فللمعيّن أجر مثله بالغًا ما بلغ عند محمد (٦) لأنّ المسمّى مجهول الجنس والقدر فإنّه لايُدْرَى أَيّ نوع من الحطب يصيبان، وهل يصيبان شيئًا أم لا، والرّضا بالمجهول لا يصحُّ فإذا سقط اعتبار رضاه بَقِيَت منافعه مستوفاة بعقد فاسد، فله أجر مثلِه بالغًا مابلغ. ألا ترى أنّه إنْ (٧) أعانه عليه فلَم يصيبا شيئًا استحقّ أَجر مثله بالغًا مابلغ، فإذا أصابا شيئًا أولى، بخلاف حمل الحنطة، فإنَّ القَفيز منها معلوم، فاعتبر رضاه في المعلوم، فلهذا لا يجاوِز به المسمّى.

стр. 2419

(وعند أبي يوسف لا يجاوز به نصف ثمن ذلك) لأنَّه قد رضي بنصف المسمّى فيعتبر رضاه في إسقاطه (١) حقّه في المطالبة بالزيادة على ذلك، ألا ترى أنه لو استأجر حمالا ليحمل له حنطة إلى موضع كذا بقفيز منها فحملها كان له أجر مثله، لا يجاوز به ما سمي، وهذا لأنّ تقوّم المنفعة باعتبار العقد والتّسمية إذ المنافع تتقوّم بنفسها بغير العقد، وفيما زاد على المسمّى لم توجد التّسمية (٢)؛ كذا في المبسوط، ولكن أخّر دليل محمّد عن دليل أبي يوسف فيه، فتقديم قول محمّد في الكتاب على قول أبي يوسف وتأخير دليل محمد في المبسوط مع جوابه عمّا قاس عليه أبو يوسف، كما ذكرت، دليل على أنّ المختار قول محمد. وقوله: (لا يجاوَز به) بفتح الواو على بناء المفعول. وقوله: (نصف ثمن): بالرّفع لأنَّه قائم مقام الفاعل لقوله: (لا يجاوَز) لأنَّه مسند إلى قوله: (نصف ثمن) لأنّ الفعل إذا بُني للمفعول كان للمفعول به المتعدّى إليه بغير حرف مِن الفصل (٣) على سائر ما بُني لهالرّاوية المزادة من ثلاثة جلود، وأصلها بعير السقاء لأنَّه يروي الماء، أي: يحمله. (استوفى منافع ملك الغير وهو البغل) أي: إنْ كان المستقي صاحب الرّاوية (٤) وكان متملكًا منفعة البغل فتجب الأجرةلأنّ الفاسد ملحَق بالصحيح، ففي الصّحيح يجب الأجر، فكذا في الفاسد. (والرّاوية) (٥) أي: إن كان المستقي صاحب البغل كان متملكًا منفعة الرّاوية (٦) فيجب الأجرويبطل شرط التفاضللأنّ العقد صار مستحق النقض، وفي إبقاء شرط شُرِط في العقد تقرير له، وهو واجب الدفع دون التقدير. [بطلان الشركة بموت أحد الشريكين] " (الرَّيْعُ): الزِّيَادَةُ وَيُقَالُ هَذَا طَعَامٌ كَثِيرُ الرَّيْعِ وَقَوْلُهُ: إذَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ الْمَرْهُونَةُ رَيْعًا أَيْ: غَلَّةً لأنَّها زِيَادَةٌ" (٧) كذا في المغرب. (لأنَّه بمنزلة الموت على ما بينّاه من قبل) وهو ما ذكره في "باب أحكام المرتدين" في قوله: (وإن لحق بدار الحرب مرتدًا وحكم الحاكم بلحاقه) إلى قوله: (ولناأنّه باللّحاق صار من أهل الحرب، وهم أموات في حقّ أحكام الإسلام … ) إلى آخره.

стр. 2420

(لأنَّه عزل حكمي) "لأنّ موت الموكِّل موجِب عزل الوكيل حكمًا لتحوُّل ملكه إلى وارثه، فلا يتوقّف ثبوت حكمه على العلم به. ألا ترى أنّ الوكيل ينعزل بموت الموكِّل، وإن لم يعلم به بخلاف ما إذا عزله قصدًا" (١)؛ كذا في المبسوط. (وإذا بطلت الوكالة بطلت الشّركة). فإنْ قلتَ: فقد ذكر قُبيل هذا (لأنَّها) أي: لأنّ الشركة تتضمّن الوكالة فلمّا ثبت الوكالة في ضمن الشّركة كانت الوكالة تبعًا فيها، فلم يلزَم مِن بطلان التَّبَع بطلان الأصل، فكيف لزِم هنا بطلان الأصل، وهو الشّركة، ببطلان التَّبَع وهو الوكالة. قلت: عنه جوابان: أحدهما: أنّ لدوام عقد الشّركة حكمَ الابتداء لكونه غَير لازم على ما ذكر في الكتاب قُبيل الفصل الأول مِن "كتاب الشركة". ثم لو كان ابتداء عقد الشركة في شخصين لا يجوز التّوكيل بينهما، كالمجنونين، أو أحدهما، وكالصَّبِيَينِ اللّذَينِ لا يعقلان البيع والشراء أو أحدهما لا يجوز، فكذا بقاء لما قلنا. وهذا لأنّ صلاحية التّوكيل شرط صحّة الشركة ليفيد عقد الشّركة فائدته كصلاحية المعقود عليه عقد الشّركة قابلًا للوكالة شرط لصحة/ عقد الشّركة، فلذلك لم تصحّ (٢) الشّركة في الاحتطاب والاحتشاش لعدم صلاحيتهما للوكالة. فلمّا كانت الوكالة شرط صحّته لم تبقَ الشركة عند فوات الوكالةلأنّ المشروط يفوت بفوت الشّرط. والثاني: أنّ (٣) الوكالة ثابتةٌ فيها ضِمنًا واقتضاءً فيبطل المقتضى عند بطلان المقتضي حتّى أنّ قوله: أعتِق عبدَك عني بألف درهم؛ لا يصحّ إذا كان الخطاب لغير مالك العَبد كما في العكس؛ لأنّ المقتضى شرط لصحّة المقتضي، فلمّا بطل المقتضى بطل المصحّح فبطل المقتضى لذلك ضرورة فكذلك هنا (٤)؛ والله أعلم. فصلٌ لما كانت أحكام هذا الفصل أبعد عن مسائل الشّركة مِن قِبَل أنّها ليست من مسائل التِّجارة أُخِّر ذكرُها عن ذكر أحكام سائر الفصول. (أما إذا أدّيا معًا ضمِن كلُّ واحدٍ منهما نصيب صاحبه) أي: عند أبي حنيفة. وعندهما لا يضمَن (٥)؛ كذا في الزيادات للإمام العتابي (٦).

стр. 2421

[زكاة الشركين] وذكر في زكاة المبسوطـ: و (١) إذا حالَ الحَول على مال الشّريكين المتفاوضين فأدَّى كلُّ واحدٍ منهما زكاةَ جميع المال، فإنْ أدَّى كلُّ واحد منهما بغير أَمر صاحبه ضمن لصاحبهلأنّ كلَّ واحدٍ منهما بسبب الشّركة صار نائبًا عن صاحبه في التِّجارات دون إقامة العبادات، وإنْ كان كلُّ واحد منهما قد أمِر بأداء الزكاة فهو على وجهين: إما أنْ يؤدِّيا معًا أو على التَّعاقب. فإنْ أدّيا معًا ضَمِن كلُّ واحدٍ منهما لصاحبه حصَّته مما أدَّى في قول أبي حنيفة ﵀ ولم يضمَن عندهما. وإِنْ أدّيا على التّعاقب فلا ضَمان على المؤدِّي أولًا منهما لصاحبه، ويضمَن المؤدِّي آخرًا لصاحبه حصّته مما أدّى في قول أبي حنيفة، سواءٌ علم بأدائه أو لم يعلم. وعندهما: إنْ علِم بأداء صاحبه ضمِن وإلّا فلا؛ هكذا أشار إليه في "كتاب الزكاة". وفي الزِّيادات يقول: لا ضمان عليه سواءٌ علم بأداء شريكه أو لم يعلم، وهو الصّحيح عندهما، وكذلك الخلاف في الوكيل بأداء الزّكاة إذا أدّى بعد أداء الموكِّل بنفسه، وكذلك الخلاف في الوكيل بعتق العبد عَن الظهار إذا أعتقه بعد ما كفّر الموكِّل بنفسه أو بعد ما عَمِي العبد عند أبي حنيفة لا ينفَّذ عتقه، وعندهما ينفَّذ سواء علِم بتكفير الموكِّل أو لم يعلَم على ما ذكره في الزِّيادات. وجه قولهما أنّ أداء الزَّكاة بنفسه يتضمَّن عزل الوكيل فلا يثبت حكمه في حقِّه قبل العلم به. وأمَّا رواية الزِّيادات فقالا: هو مأمور بدفع المال إلى الفقير على وجه يكون صدقةٌ وقُربة، وأداء الموكِّل بنفسه لا ينفي هذا المعنى، فلا يوجِب عزل الوكيل، وكان هذا في الأداء ممتثلًا أمره، فلا ضمان عليه، سواءٌ علِم بأدائه أو لم يعلَم (٢)، فصار معزولًا علِم أو لم يعلَم؛ لأنَّه عزل حكمي. فإن قلتَ: يُشكل على هذا الوكيل بقضاء الدّين، فإنَّ هناك إذا قضى الموكِّل بنفسه ثُمَّ قضى الوكيل فإنْ علم بأداء الموكِّل فهو ضامِن وإلا لم يضمَن شيئًا، فقد فرَّق هناك بين العلم وعدمه مع أنَّه حصل (٣) العزل الحكمي هناك أيضًا بأداء الموكِّل. قلت: "الوكيل بقضاء الدّين مأمور بأنْ يجعل المؤدّى مضمونًا على القابض على ما هو الأصل؛ لأنَّ الدُّيون تُقضى بأمثالها، وذلك يُتصوَّر بعد أداء الموكِّل فلم يكن أداؤه موجبًا عَزل الوكيل حكمًا. يوضِّح الفرق أنَّ هناك لو لم يوجِب الضَّمان على الوكيل لجهله بأداء الموكِّل لا يلحق الموكِّل فيه ضررلأنَّه يتمكّن من استرداد المقبوض مِن القابض وتضمينه إنْ كان هالكًا، وهاهنا لو لم يوجب الضّمان أدَّى إلى إلحاق الضّرر بالموكِّللأنَّه لا يتمكَّن من استرداد الصَّدقة من الفقير ولا تضمينه، والضَّرر مدفوع، فلهذا أوجب الضّمان بكل حال" (٤) كذا في المبسوط.

стр. 2422

"وذكر الإمام المعروف بالقاضي الغني فيما إذا (١) أدّيا معًا حيث يضمَن الوكيل عند أبي حنيفة، فوجهه أنَّ أداء الموكِّل سابق على أدائه، وإنْ أدَّيا معًا مِن حيث الحكم والاعتبارلأنّالموكِّل بالأداء متصرِّف على نفسه، وتصرُّف الوكيل على الموكِّل، وتصرُّف الموكِّل على نفسه أقرب من تصرُّف الوكيل عليه فيصير سابقًا معنى كالوكيل بالبيع إذا باع وباع الموكِّل، وخرج الكلامان معًا ينفذ بيع الموكل" (٢). [حكم الجارية في عقد الشركة] (وقالا يرجع عليه) أي: على المأمور (لأنَّه أدّى دَينًا عليه) أَي: لأنّ المأمور أدّى دَينًا على نفسه وهذا لأنّالملك واقع له خاصّة، والدّليل على وقوع ملك الجارية له خاصَّة حل له وطؤها (٣). وذكر في الإيضاح: هما يقولان بأنّه لمّا اشتراها بإذنه لنفسه/ خاصَّة صارت ملحَقة بما لا بدَّ منه مِن الطّعام والكسوة، وهذا لأنّ الحاجة ماسّة لكنّها ليست بلازمة، فإذا أذِن له في ذلك فقد ألحقاه بالطّعام والكسوة، فوقع للمشتري خاصَّة، فصارت (٤) مستثناة عن عقد الشّركة، وقد نفد من مال مشترك فيرجع عليه بالنِّصف (٥). (وله أنّ الجارية دخلت في الشركة على البنات). "فإن قيل: أليس يحلُّ له وطء هذه الجارية فكيف تكون على الشركة. قلنا: كما يَحِلُّ له وطؤها إذا وهب له نصيبه بعد الشِّراء بلا أمر. فإنْ قيل: فأَين الهبة ههنا؟ قلت: إنَّه لما قال له: اشترِ لنفسك لتطأها، ولا يملك الإخلاص له إلا مِن حيث إخراج هذا الشراء وحدَه عن الشركة، وإنَّما يملكه من حيث تضمين الهبة بعد الشِّراء ضمنًا للهبة في الأمر بالقبض لنفسه بعد الشراء. ولو اشتريا جاريةً بينهما ثم قال أحدهما للآخر: اقبضها لنفسك كانت هبة، وكما إذا كان له على آخر دَين، فقال للآخر: اقبِض الدّين منه لنفسك، كانت هبة، وإذا قال لآخر: أدِّ عني زكاة مالي، فأدّى صار واهبًا للآمر ثُمَّ مؤدِّيًا عنه، وتثبت الهبة في ضمن قبض الفقير لنفسهلأنَّه أمَره بالتّسليم إليه زكاة عنه، ولا يصلح زكاة عنه إلّا أنْ يكون ملكًا للآمر، فأثبت الملك هبة في ضمن قبض الفقير، فلأنْ تثبت الهبة للمأمور ههنا في ضمن قبضه لنفسه ليطأها أولى". (٦) كذا في الأسرار.

стр. 2423

(فأثبتناه) أي: أثبتنا ملك الجارية بالهبة الثّابتة في ضمن الإذن. فإنْ قلت: يُشكل على هذا ما ذكره في أصول الفقه، وهو أنَّ الرّجل إذا قال لغيره: أعتِق عبدك عنّي بغير شيء، فأعتقه يقع العِتق عَن المأمور عند أبي حنيفة، ومحمّد خلافًا لأبي يوسف. هما يقولان: المقتضى تَبَع للمقتضي، والقبض فِعل ليس من جنس القَول فلا يثبت في ضمنه، ولا وجه لإسقاط القبض بطريق الاقتضاءلأنّ العمل بالمقتضى إنَّما يكون في إسقاط ما يحتمل السُّقوط دون ما لا يحتمِل، وشرط القبض بوقوع الملك في الهبة لا يحتمِل السّقوط بحالٍ بخلاف القبول في البيع فإنّه يحتمل السُّقوط بالتعاطي، وهنا أيضًا كذلك يجب أنْ لا تثبت الهبة في ضمن الإذن على قولهما أيضًا؛ لأنّ جميع ما ذكرا هناك موجود ههنا. قلت: ذكر في الإيضاح: أبو حنيفة يقول بأنَّ القياس أنّ كلَّ ما يتصور أنْ يكون على الشّركة أنْ يقع مشتركًا بينهما إلّا فيما تمسّ الضرورة إليه مما لا بدّ منه، والجارية ليست من ذلك القَبيلفَوقع على الشركة، فوقوعه على الشّركة لايستدعي إذنًا جديدًا، فلم يبقَ لهذا الإذن تأثير إلّا في التّمليك، كأنّه قال: اشترِ جاريةً بينَنَا وقد وهَبْتُ لك نصيبي منها، فإذا اشترى وقَبَض صحّت الهبة فلا يرجع بشيء من الثّمن؛ لأنَّه نَقَد المال المشترَك فيما هو واقع للشّركة. وبهذا التّقرير يُعلم أنّ الهبة ههنا إنّما كانت بعد ثبوت الملك بينهما مشتركًا، وبعد القبض، وهبة المشاع فيما لا يحتمِل القِسمة جائزة سواء كانت للشّريك أو لغيره (١). وذكر في الفوائد الظّهرية بعد تقرير كلام موافق لهذا التّقرير، فقال: بقي هاهنا إشكالٌهائل، وهو أنّ الملك يثبت في نصيب الشّريك بالهبة حكمًا للإذن بالوطء، فإنَّ أصل المسألة هو أنْ يأذن أحد المتفاوِضين لصاحبه أن يشتري جاريةً فيطأها، ففعل فهي له، ولا يثبت الملك في الجارية بالهبة حكمًا للإحلال، فإنَّ الرَّجل إذا قال لغيره: أحللت لك وطء هذه الجارية فالجارية لا تصير ملكًا للمخاطَب حكمًا للهبة بالإحلال. وعلى قياسُ هذا وجب أنْيثبُت، ثُمّ قال: ولا وجه يُتراءى في التّقصّي عَن هذا الإشكال سوى أنّ نصيب الشّريك مِن الجارية المشتركة أقبل للتملُّك مِن جارية لم يكن للمخاطَب في شقص منها ملك، بدليل أنّ أحد الشّريكين يملك الجارية المشتركة بالاستيلاد، ومَن لم يكُن له ملك في شقص منها لا يملكها بالاستيلاد إذا لم يكُن له حقُّ التملُّك، ومن له حقُّ التملُّك كالأب والجدّ، فالرِّواية غير محفوظة أنَّه لا يثبت الملك له حكمًا للهبة بالإحلال (٢)، ثُمّ قال: ويتحايل ههنا فرق آخر وهو أنّ قوله: أحلَلْتُك وطء هذه الجارية لا يمكن إثبات موجِبه على تقدير ثبوت الملك لوجوب الاستبراء على تقدير ثبوت الملك، وقولهفيما نحن فيه: "فيطأها"، يمكِن حمله (٣) على

стр. 2424

الاستقبال لأنّ اللّفظ يحتمِله، ويمكن أنْ يجعَل الفاء للعطف (١)؛ ذكر هذه المسألة في الجامع الصَّغير المرتّب قبيل "كتاب الوكالة"، والله أعلم بالصواب (٢) /. كتاب الوقف (٣): مناسة ذكر الوَقف بعد الشّركة من حيث إنَّ المقصود في كلًّ منهما الانتفاع بما يزيد على أصل المال لإزاحة البَلبال (٤)، إذ المقصود مِن الشركةالانتفاع بربح زَيد على رأس المال ذي القرار، ومن الوقف أيضًا الانتفاع بالرّيع الزّائد على العقار، ثُمَّ محاسن الوقف ظاهرة، وهي المنفعة الدّارة على طبقات الإنس، وإفناء الخلق، وصرف الفوائد إلى رأب (٥) بال (٦) النِّكس (٧) ورَفْو (٨) الخرق، ثُمّ نحتاج ههنا إلى تفسير الوقف لغةً وشرعًا، وسببه وشرطه وركنه وحكمه. [تعريف الوقف] أما تفسيره لغةً فيقال: وقفتُ الدّابة، تقف وقوفًا، ووقفتها أَنا وقفًا، يتعدّىولا يتعدّى، ووقفت الدَّار للمساكين وقفًا، وأوقفتها بالألف لغةٌ رديئة، ثَّم قيل للموقوف "وقف" تسميةً بالمصدر، فلذا (٩) يجمَع (١٠) على أوقاف، كوقْت وأوقات (١١)؛ كذا في الصحاح والمغرب. وأمّا تفسيره شرعًا فقد ذكره شمس الأئمة السّرخسي: "هو في الشّريعة عبارةٌ عن حبس المملوك عَن التّمليك مِن الغير" (١٢). وأما سببه: فما هو السّبب في نوافل العبادات، وهو طلب زيادة الزُّلفى في العقبى عند ربِّه الأعلى.

стр. 2425

وأمَّا شرطه: فما هو الشّرط في سائر التَّبرُّعات المطلقة مِن كونه حُرًا عاقلًا بالغًا، وهذا شرط عام. وأمّا شرطهالخاصّ فعند أبي حنيفة: الإضافة إلى ما بعد الموت أَو الوصية (١)، خلافًا لهما. وعند محمّد التّسليم إلى المتولّي، وعدم الشُّيوع فيما يحتمِل القِسمة (٢) خلافًا لأبي يوسف فيهما، وعند أبي يوسف يُكتفى بالإشهاد (٣). ومِن شرطه الخاصّ أيضًا أنْ يكون المحلّ عقارًا أو دارًا، ولا يصح وقْف المنقول إلا في الكراع والسلاح (٤). وأمّا ركنه: فالألفاظ (٥) يثبت بها الوقف كقوله: أرضي هذه صدقة، موقوفة، مؤبدة، على المساكين، يصير وقفًا بالإجماع (٦). وأمّا إذا لم يقُل مؤبّدة، فإنّه يصير وقفًا في قول عامّة مَن يجيز الوقف (٧) (٨)؛ كذا في الأسرار والذخيرة. وأمّا حكمه: فإنّه إذا صحّ يخرُج الوقف مِن ملك الواقف، ولا يدخل في ملك الموقوف عليه. [زوال الملك بالقول] قوله: (وقال أبو يوسف) (يزول ملكه بمجرد القول (٩) يعني: يجوز الوقف بمجرّد قوله: وقفتُ، سواء كان مشاعًا، أو مَقسومًا، سلَّمه إلى المتولّي، أو لم يسلِّمه (١٠)، اشترط التأبيد فيه، أو لم يشترط. وقال محمّد ﵀: لا يجوز إلا باستجماع شرائطه، وشرائطه ثلاث: أنْ يكون مقسومًا، مُخرَجًا عن يده ومسلَّمًا إلى المتولي، وأنْ يشترِط فيه التّأبيد، وهو أنْ يجعَل آخره إلى سبيل خير (١١) لا ينقطع أبدًا، فحينئذ يجوز (١٢)؛ كذا في شرح الطحاوي.

стр. 2426

[حكم الوقف] قوله: (وهو الملفوظ في الأصل) أي: وهو المذكور في المبسوط، فقوله: (وهو راجع) إلى قوله: (فلا يجوز الوقف أصلًا عنده)، ولكِن لفظ المبسوط ليس بعَين ذلك اللّفظ، بل لفظه: فأمّا أبو حنيفة ﵀ فكان لا يجيز ذلك، ثم قال: فمراده أنّه لا يجعله لازمًا، فأمّا أصل الجواز فثابت عنده (١). وكذا ذكر في فتاوى قاضي خان فقال: وذكر في الأصل: كان أبو حنيفة لا يجيز الوقف (٢)، وبظاهر هذا اللفظ أخذ بعض النَّاس فقال: عند أبي حنيفة لا يجوز الوقف، وليس كما ظُنّ، بل هو جائز عند الكل إلّا أنَّ عند أبي يوسف ومحّمد إذا صح الوقف يزول عن ملك الواقف لا إلى مالك (٣)، وعند أبي حنيفة ﵀ يجوز الوقف جواز الإعارة تُصرَف المنفعة إلى جهة الوقف، وتبقى العين على ملك الواقف، فله أنْ يرجع، ويجوز بيعه ويورث عنه، ولا يلزم إلا بطريقين: أحدهما: قضاء القاضي بلزومه لأنَّه مجتهد فيه. والثاني: أن يخرج مخرج الوصية، فيقول أوصيتُ بِغَلَّة داري هذه، فحينئذ يلزم الوقف. وعندهما الوقف لازم بغير هذه التّكلُّفات، والنّاس لم يأخذوا بقول أبي حنيفة في هذا للآثار المشهورة عن رسول الله ﵊ والصحابة ﵃، وتعامُل النّاس باتخاذ الرّباطات (٤) والخانات، و (٥) أوّلها وقف الخليل صلوات الله عليه (٦). (إلا أنّه غير لازم بمنزلة العارية) فإنّ العارية جائزةٌ غير لازمة، فكذا الوقف، ولهذا قال: لو أوصى به بعد موته يكون لازمًا بمنزلة الوصية بالمنفعة بعد الموت. [التحرز عن بطلان الوقف] قال الإمام شمس الأئمة السرخسي: إذا خاف الواقف أنْ يبطل وقفه بعض القضاة فللتَّحرُّز عن ذلك طريقان: أحدهما: أنْ يحكم القاضي بلزومه، وذلك أنّ الواقف بعد الوقف والتّسليم/ إلى المتولِّي يخاصِمه إلى قاضٍ يرى لزوم الوقف، فإذا قضى نفذ قضاؤه لأنَّه صدر عن اجتهاد في محلِّ الاجتهاد. والثاني: أنْ يذكر الواقف بعد الوقف والتّسليم: فإن أبطله (٧) القاضي أو غيره بوجه من الوجوه، فهذه الأرض بأصلها وجميع ما فيها وصيةٌ من فلان الواقف، يباع فيُتصدّق بثمنها على الفقراء والمساكين؛ لأن القاضي إنّما يبطل الوقف بعد موت الواقف عند خصومة الوارث أو الغريم ليصِل منفعة الوقف إليهم، وبما ذكر الواقف هذا وكتب ينعدم ذلك، فلا يشتغل أحد بإبطاله لعدم الفائدة، والوصية مما يحتمِل التّعليق بالشرط، وإذا (٨) أبطله قاضٍ مِن القضاة ليصير وصيةً يعتبر من جميع ماله (٩) كذا في فتاوى قاضي خان ﵀.

стр. 2427

(واللفظ ينتظمهما) أي: لفظ الوقف يتناول ما قاله أبو حنيفة وهو قوله: (إنّ الوقف حَبس العَين على ملك الواقف) ويتناول أيضًا ما قالاه (وهو أنّ الوقف حبس العَين على حكم ملك الله تعالى (١). ولما كان كذلك لم يمكِن ترجيح أحد المذْهبَين بلفظ الوَقف إذا تناولهإياهما على السّواء، فلا بدّ في ترجيح أحد المذهبَين على الآخر بدليل آخر. [دليل الوقف] ثم ابتدأ ببيان دليلهما بقوله: (ولهما قوله ﵊ لعمر ﵁ … ) إلىآخره (٢). روى صخر بن جويرة عن نافع أنّ عمر بن الخطاب كانت له أرض تُدعى ثمغ (٣)، وكانت نخلًا نفيسًا، فقال عمر: يارسول الله، إنّي استفدتُ مالًا، وهو عندي نفيس، أَمَا أتصدَّق (٤) به. قال: تصدَّق بأصله لا يُباع، ولا يوهَب، ولا يورَث، ولكن ليُنفَقْ مِن ثمرته. فتصدَّق به عمر ﵁ في سبيل الله، وفي الرِّقاب، والضّيف، والمساكين، وابن السّبيل، ولذي القربى (٥)، ولاجناح على من وليه أنْ يأكل بالمعروف أو يؤكِّل صديقًا له غير متموِّل عنه. وهذه الأرض سَهم عمر بخيبر حين قسم رسول الله ﵊ خيبر (٦) بين أصحابه.

стр. 2428

و"ثَمْغ": لقب لها، وقد كانت لأملاكهم ألقاب حتّى كان لرسول الله ﵊ ناقةٌ يقال لها: عضباء (١)، وبغلة يقال لها: دُلدُل، وفرَس يقال لها: السَّكْب وحمار يقال له: يعفور وعمامة (٢) تسمّى السحابة (٣).

стр. 2429

وفي هذا دليل على أنّ من قصد التَّقرب إلى الله فينبغي أنْ يختار لذلك أنفس أمواله وأطيبها (١)؛ كذا في المبسوط. وذكر في المغرب ثَمْغ، بفتح الثاء وسكون الميم، بالغين المنقوطة: أرض لعُمر (٢)، وكانت هي مقيدة بغير تنوين في نسخةِ شيخي. (إذ له نظير في الشرع وهو المسجد)، فقالا: اتّخاذ المسجد يلزم بالاتّفاق (٣)، وهو إخراج لتلك البُقعة عَن ملكه من غير أنْ يدخل في ملك أحد، ولكنها تصير محبوسة لنوع قُربة قصدها، فكذلك في الوقف. وبهذا تبيَّن أنّه ليس من ضرورة الحبس عَن الدُّخول في ملك الغير امتناع خروجه مِن ملكه، ثم للّناس حاجة إلى ما يرجع إلى مصالح معاشهم ومعادهم، فإذا جاز هذا النّوع من الإخراج والحبس بمصلحة المعاد، فكذلك لمصلحة المعاش كبناء الخانات والرّباطات، واتخاذ المقابر. ويستدلُّون بالعِتق أيضًا، فإنّه إزالة الملك الثّابت في العبد من غير تمليك، وصحّ ذلك على قصد التَّقرب، فكذلك في الوقف (٤)؛ كذا في المبسوط. [الحبس عن الميراث] (لا حبس عن فرائض الله تعالى (٥) والمراد من فرائض الله تعالى الميراث "أي: لا مال يُحبس بعد موت صاحبه عن القِسمة بين ورثته" (٦) كذا في الطلبة بخط شيخي ﵀. وذكر في المبسوط: وقال ابن مسعود وابن عباس ﵃: "لا حبس عن فرائض الله تعالى"، ولكنّهم يحملون هذا الأثر على ما كان أنّ (٧) أهل الجاهلية يصنعونه منالبحيرة، والسّائبة، والوصيلة، والحامي، ويقولون: الشّرع أبطل ذلك كله. لكنّا نقول: النّكرة في موضع النّفي تعمّ فيتناول كلّ طريق يكون فيه حبس عن الميراث إلّا ما قام عليه دليل جاء محمد ﵊ بِبَيع الحبس، فهذا بيان أنّ لزوم الوقف كان في شريعة مَن قبلنا وأنّ شريعتنا ناسخة لذلك (٨).

стр. 2430

"السّائبة": هي النّاقة التي تُسيَّب لنذر، وكان الرّجل يقول: إذا قدِمت من سفري، أو برئتُ من مرضي فناقتي سائبة، وجعلها كالبَحيرة في تحريم الانتفاع، يعني: أنّ الوقف بمنزلة تسييب أهل (١) الجاهلية، مِن حيث إنّه لا يخرج به العَين مِن أنْ تكون مملوكةً منتفعًا بها، ولو سيّب دابَّته لم يخرج من ملكه، فكذلك إذا وقف أرضه، أو داره. وقد استبعد محمّد قول أبي حنيفة في الكتاب، ولهذا سمّاه تحكُّمًا على النَّاس من غير حجَّة فقال: ما أخذ النّاس بقول أبي حنيفة سوى (٢) أصحابه (٣) إلا بتركهم التحكُّم على النّاس، فإذا كانوا/ هم الّذين يتحكَّمون على النَّاس بغير أثرولا قياس لم يقلدوا هذه الأشياء، ولم يحمد على ما قال. وقيل بسبب ذلك انقطع خاطره ولم (٤) يتمكّن من تفريع مسائل الوقف، واستكثر أصحابه بعده من تفريع مسائل الوقف، كالخصاف (٥)، وهلال، ولو كان أبو حنيفة في الأحياء حين قال ما قال (٦) لدمّر عليه كما قال مالك: لرأيت (٧) رجلًا لو قال: هذه الاسطوانة من ذهب لدل عليه، ولكن (٨) كلُّمجرٍ بالخلاء يُسَر (٩)؛ كذا في المبسوط. وقوله: في لفظ المبسوط: كلُّ مُجْرٍ بالخلاء يُسَرّ، يقال: جرى العرس، وأجراه صاحبه، وتُروى كل مُجيد أي: صاحب جواد، وهذا مثَل يضرب لمن يفرح بماله من محمدة تُرى له عند عدم المعارض. قوله: (إلّا أنْ يحكم به الحاكم) وصورة حكم الحاكم ما ذكر في فتاوى قاضي خان وهي: إنْ سلّم (١٠) الواقف ما وقفه إلى المتولّي ثم يريد أنْ يرجع عنه فينازعه بعلّة عدم اللُّزوم فيختصمان إلى القاضي، فيقضي القاضي بلزومه، وإنْ (١١) حكَّما رجلًا فحكم بينهما بلزوم الوقف اختلفوا فيه، والصَّحيح أنّبحكم الحاكم لا يرتفِع الخلاف وللقاضي أن يبطِله (١٢).

стр. 2431

(والمراد بالحاكم المولى) أي: الّذي ولّاه الخليفة عمل قضاء، وأمّا المحكَم، وهو الذي فُوّض إليه الحكم في حادثةٍ معينة باتفاق المتخاصمينلأنّ التمليك من الله تعالى، وهو مالك الأشياء لا يتحقّق مقصودًا، إنّما يتحقَّق ضِمنًا، كما في الزكاة تكون تملّكًا (١) لله تعالى بواسطة كون المال ملكًا للفقير. (وإذا صح الوقف على اختلافهم) أمّا عند أبي حنيفة فإنّه جائز غير لازم إلّا عند حُكم الحاكم أو تعليقه بالموت، وعند أبي يوسف بمجرّد القول، وعند محمّد بالقول والتّسليم إلى المتولِّي أو بشروط ثلاثة على ما ذكرنا من رواية شرح الطحاوي (٢). (خرج من ملك الواقف ولم يدخل في ملك الموقوف عليه) كإمام المسجد وغيره. (بل ينفّذ بيعه) أي: بيع الموقوف عليه. أي: لو دخل في ملكه لنفذ بيعه، فلا ينفذ بالاتفاق فيما إذا ثبت خروج الوقف عن مُلك الواقف بالاتّفاق (٣)، وذلك عند حكم الحاكم؛ ولأنَّه لو ملكه لما انتقل عنه إلى قوله: (كسائر أملاكه) أي: كسائر أملاك (٤) الموقوف (٥) عليه. تفسير هذا الكلام أي: لو ملك الموقوف عليه يجب أنْ لا ينتقِل عنه إلى الفقراء بشرط المالك الأوّل، وهو الواقف بقوله: وهذا الوقف بعد هذا الموقوف عليه للفقراء، فإن شرطه هكذا يصحُّ بالاتِّفاق (٦) على ما يجيء في قوله: (ولو وقف وشرَط البعض) إلى أنْ قال: (فإذا ماتوا فهو للفقراء). وقوله: (خرج عن ملك الواقف) "فإنْ قيل: الوقف تصدُق بالغَلّة، لا خروج أصله عن ملك الواقف، فإنّه لو خرج أصله لما صح شرْطه في صرف الغَلَّة كما إذا أعتق (٧) عبده بشرط أنْ يصرِف غَلَّته إلى كذا، أو جعل أرضه مسجدًا بشرط أنْ يصلي فيه فلان دون فلان، أو وَهَب بشرط أنْ لا يباع، والتصدُّق بالغَلَّة المعدومة لا يجوز إلَّا أْن تكون (٨) وصيةً، وهو دليل على بقاء أصل الغَلّة وهو الأرض على ملك الموصي، فكذا هنا. قلنا: إنّا وجدنا القربان يصير لله تعالى بالإراقة، ثُم صاحبه يتصرَّف فيه بالأكل، والإطعام، والتَّصدُّق به بتولية الشّرع لكونه هو المتقرَّب به، فكان جائزًا أنْ يكون إلى الواقف، ولأنَّه بيان المصارف لكونه هو الواقف لا لبقاء أصلِه على مُلكه بخلاف العتق؛ لأنّ العبد يصير مستحقًا بنفسه، ومالكًا لمنافعه، فلا يعمل فيه تصرُّف غيره وكذلك الهبة. وأمَّا المسجد فالأصل فيه الكَعبة والمسجد الحرام، وفيه سواء العاكف فيه والبادي، فعلمنا أنّ الله تعالى لم يُوَلّ التّخصيص إلى الّذي جعله مسجدًا وألحَقَه بالمسجد الحرام والكعبة" (٩)؛ كذا في الأسرار.

стр. 2432

وقوله: (خرج عن ملك الواقف يجب أنْ يكون قولهما … ) إلى آخره (١). فإنْ قلت: ذكر قبل هذا: لا يزول ملك الواقف إلّا أنْ يحكم به الحاكم، وهذا الاستثناء إنّما يحتاج إليه على قول أبي حنيفة في حقّ زوال الملك عن ملك الواقف مع أنّه صرَّح بأنّه قول أبي حنيفة ﵀ في أوّل الكتاب. وأمّا على قولهما فيزول ملك الواقف بدون حكم الحاكم على ما ذكر، ثم هاهنا كيف يصحّ دعوى التّخصيص بقوله: (يجب أن يكون خروج الوقف عن ملك الواقف قولهما). قلت: الّذي ذكرته في اللُّزوم، وما ذكره في الكتاب بقوله (وإذا صح الوقف على اختلافهم) في الصحّة (٢) غير اللزوم، فلا يلزم من وجود/ الصّحّة وجود اللُّزوم كالعقود الصَّحيحة غير اللّازمة ِمن العارية والمضارَبة والشّركة، فإنّها صحيحة غير لازم، ة فكان القول بخروج الوقف عن ملك الواقف إذا صحّ الوقف قولهما لا قول أبي حنيفة ﵀ إلا إذا حكم به الحاكم، حينئذ كان خروج الوقف عن ملك الواقف قول الكلّ (٣). [وقف المشاع] " (لأنّ القسمة من تمام القبض) فإنَّ القبض للحيازة، وتمام الحيازة فيما يقسم بالقسمة" (٤)؛ كذا في المبسوط. (والقبض عنده ليس بشرط فكذا تَتِمتُه (٥) وهي القسمة. وأمّا فيما لايحتمِل القسمة فيجوز مَع الشيوع. ألا ترى أنّه لو وقف نصف الحمام يجوز، وإنْ كان مشاعًا؛ لأنَّه لا يحتمِل القسمة فصار كهبة المشاع فيما لا يحتمِل القسمة، ثم الاختلاف بينهما في أنّ الشيوع فيما يحتمِل القسمة هل هو مانع لصحّة الوق، أمْ بناء (٦) على أن القسمة فيما يحتمل القسمة من تمام القبض بالاتفاق؟ لكن أصل القبض فيما يحتمل القسمة ليس بشرط عند أبي يوسف فكذا إتمامه (٧) لا يكون شرطًا، وعند محمد أصل القبض فيما يحتمل القسمة شرط (٨)، فكذا ما يتِم به القبض. ولو وقف جميع أرضه أو داره ثم استحقّ نصفه أو ربعه أو ما أشبهه شائعًا بطل الوقف فيما بقي عند محمدلأنّ بالاستحقاق تبيَّن أنّ ما وقفه الواقف كان مشاعًا، ووقف المشاع فيما يحتمِل القسمة باطل عنده، وهذا بخلاف ما إذا (٩) استحقّ شيء منه بعينه حيث لا يبطُل الوقف في الباقيلأنّ هناك لا يتبين الشُّيوع في الباقيلأنّ المستحق مميَّز فيما بقي فهو بمنزلة ما لو وقف دارَينِ فاستحقّ أحديهما، ومشايخ بلخ (١٠) أخذوا بقول أبي يوسف في وقف المشاع، ومشايخ بخارى (١١) أخذوا بقول محمد (١٢)؛ كذا في الذخيرة.

стр. 2433

(لأنَّه يعتبره بالهبة والصّدقة المنفذة) أي: الصّدقة الخاصّة المسلّمة إلى الفقير. هذا احتراز عن الصّدقة الموقوفة، وهي التي نحن فيها، فإنَّ الوقف صدقة أيضًا لكن ليس بخاصّة لعدم التّمليك من الفقراء ولصحّة تصرُّف الواقف فيه بعد الوقف. ولفظ الأسرار يدلُّ على هذا، وكذلك (١) لفظ الكتاب بقوله: "والصّدقة المملوكة" (٢) تدلُّ على هذا يعني: لا تجوز الصّدقة الخاصة في الشائع الّذي يحتمل القسمة فكذا الوقف. وذكر في الأسرار"واحتجّ محمد بأنّ الوقف صحته بلفظ الصحّة (٣)، إمّا اقتضاء أو إفصاحًا، وتمام الصدقة بالقبض. دلّ عليهأنّ الصّدقة الخاصّة مجمع عليها، وهذا، أيْ: الوقف، فيه اختلاف، فلمّا لم يصح المجَمع عليه إلا بالقبض، فهذا أولى. ولأبي يوسف أنّ هذه الصّدقة لما تمّت بالإبطال دون التّمليك فارقت الصّدقة الخاصّة وأشبهت الطلاق والعتاق والإبراء عن الدَّين" (٤). وقوله: (إلا في المسجد والمقبرة) استثناء من قوله: (ووقف المشاع جائز عند أبي يوسف (٥) فإنّه لا يتمُّ مع الشيوع فيما لا (٦) يحتمل القسمة، بأنْ كان الموضِع صغيرًا لا يصلح لما أراده الواقف مِن اتّخاذ المسجد، واتّخاذ المقبرة على تقدير القسمة. وكتب شيخي ﵀ بالفَارسية في هذا الموضع "بان كه صالح نماند مر نماز كردن رامرده را" (٧) وحاصل ذلك أنَّ جعل المسجدوالمقبرة في المشاع الّذي لا يحتمِل القسمة لا يجوز أصلًا لا قبل القِسمة، وهو حال كونه مشاعًا، ولا بعد القسمة. أمّا قبل القسمة فلأنَّ (٨) بقاء الشّركة يمنع الخلوص على ما يجيء في مسألة مَن جعل (٩) مسجدًا تحته سرداب … إلى آخره، فلا يكون مسجدًا. وأمّا بعد القسمة، فلأنَّه لا يصلح لما أريد منه من اتّخاذ المسجد والمقبرة بعد القسمة لصغرهلأنّ الكلام فيه، فلا يكون مسجدًا، ولا مقبرة، فأمّا الوقف في الشّائع الّذي لا يحتمِل القسمة فيجوز بالاتّفاق. أمّا عند أبي يوسف ﵀ فالشُّيوع غير مانع أصلًا، وأمّا عند محمّد ﵀ فيجوز فيما لا يحتمِل القسمة لصلاحيته لما أراده الواقف، فإنّ الانتفاع بالشائع (١٠) ممكن إمّا (١١) بطريق المهايأة (١٢) أو بطريق الاستغلال وقسمة الغَلَّة. وأما المسجد والمقبرة في مثل هذا الموضِع يؤدِّي إلى أمر قبيح، وذلك لأنَّا لو جوَّزناه وقعت الحاجة إلى المهايأة لعدم جواز الانتفاع بالاستغلال، وفي القول بالمهايأة يلْزم أنْ يقال نقبر (١٣) فيه الموتى في سنة ثم ينبش في السَّنة الثانية ويزرع لمراعاة حق المالك.

стр. 2434

(ويصلِّي الناس في المسجد في وقت ويتّخذ اصطبلًا في وقت أخرى) (١) بحكم المهايأة لما قلنا، وذلك ممتنع (٢)؛ إلى هذا أشار في المبسوط. (وعلى هذا الهبة والصدقة المملوكة) / أي: المسلمة إلى الفقراء [فصارت مملوكة لهم. (ولا يتم الوقف عند أبي حنيفة ومحمّد حتى يجعل آخر لجهة لا تنقطع أبدًا]) (٣). وقال أبو يوسف (إذا سمَّى فيه جهة تنقطع جاز). [اشتراط التأبيد في الوقف] وفي المبسوط: "فالحاصل أنّ أبا يوسف ﵀ توسَّع في أمر الصّدقة الموقوفة في قوله الآخر غاية التّوسع حتّى جوّزها غير مقبوض، فكذلك غير مقسوم. وفي قوله الأول ضيّق فيها غاية التَّضييق، كما هو قول أبي حنيفة، وقال لا يلزم في الحياة أصلًا. وتوسّط قول محمد في ذلك، ولهذا (٤) أفتى عامّة المشايخ فيها بقول محمد ثُمّ قال: ومما توسّع فيه أبو يوسف أنّه لا يشترط التّأبيد فيه حتّى لو وقفها على جهة يُتوهّم انقطاعها يصحّ عنده، وإن لم يجعل آخرها للمساكين؛ ومحمد يشترط التأبيد فيها" (٥) ثُمَّ قال: بعد أوراق: وإذا وَقَفها على أمَّهات أولاده جاز، وإنْ لم يحتجّ مَن بقي منهنّ (٦) كان ميراثًا على فرائض الله تعالى. وهذا الشرط يجوز عند أبي يوسف في الحياة والموت لما بينّا أنّه يتوسّع في أمر الوقف فلا يشترط التّأبيد، واشتراط العود إلى الورثة عند زوال حاجة الموقوف عليه لا يفوِّت موجِب العقد عنده (٧). (فأمَّا عند محمد ﵀ فالتَّأبيد شرط للزوم) الوقف في الحياة. واشتراط العود إلى الورثة يُعدم هذا الشّرط، فيكون مبطلًا للوقف، فعلى هذا ما ذكره في الكتاب. (وقيل: إن التَّأبيد شرط [بالإجماع … ) إلى آخره؛ لا يصح، ولكنْ ذكر في الذّخيرة والتَّتمّة ما يوافِق المذكور في الكتَاب. وقال: والتّأبيد شرط] (٨) عند محمّد حتّى لو وَقَف على جهة يُتوهّم انقطاعها بأنْ وقف على أولاده وأولاد أولاده، ولم يجعَل آخره للفقراء. لا يصحُّ الوقف. وعلى قول أبي يوسف ﵀ التّأبيد ليس بشرط، حتّى أن في هذه المسألة يصحُّ الوقف عند أبي يوسف، وإذا ماتوا أو انقرضوا يعود إلى ملكه إنْ كان حيًّا، وإلى ملك ورثته إنْ كان ميِّتًا، والخلاف على هذا الوجه مذكور في شرح الطّحاوي وفي شرح شمس الأئمة السرخسي (٩).

стр. 2435

وقد ذكر محمّد ﵀ في آخر "كتاب الوقف" أنّ الوقف المؤقَّت باطل، ولم يذكر فيه خلافًا، فيحمَل ذلك على أنّه قول محمّد. وإنْ كان على الوفاق، فهو إحدى الرّوايتين عن أبي يوسف ﵀، فقد روى الحسن بن أبي مالك عَن أبي يوسف أنَّ الوقف المؤقَّت باطل. وبعض مشايخنا قالوا: لا خلاف في أنَّ التّأبيد شرط صحّة الوقف وإنّما الخلاف في تلك المسألة في شيء آخَر أنّ عند أبي يوسف يثبت التَّأبيد بنفس الوقف مِن غير اقتران شيء آخر به، وعند محمد ﵀ لا يثبت التَّأبيد بنفس الوقف ما لم يجعل آخره للمساكين والفقراء، ولما كان من مذهب أبي يوسف أن التَّأبيد يثبت بنفس الوقف، فإذا مات أولاده وانقرضوا حينئذ تصرَف (١) الغَلَّة إلى الفقراء. وهذا القائل يقول ما ذكر في شرح الطحاوي وفي شرح شمس الأئمّة أنّه إذا مات أولاده يعود إلى ملكه خَطأ، وفي المنتقى: بِشر عن أبي يوسف: إذا وقف أرضه على ذي الحاجة مِن وَلَده ووَلَد ولَدِه ما تناسلوا أبدًا فذلك جائز، ولو وقفها على فقراء ولَده، ولم يجعلها لفقراء النَّسل منهم لم يجز. قال: لا يجوز من الوقف إلا الوقف المؤبّد، فإذا كان الوقف لقوم خاصٍّ لا يجوز الوقف عليهم؛ لأنَّه ينقطع (٢)، فهذا تنصيص من أبي يوسف أنَّ التأبيد شرط؛ لأنّ الوقف على الولد ليس بوقف على الأبد، وإذا ذكر النَّسل فهو وقف أبدًا. قوله: (لهما: أنّ موجب الوقف زوال الملك). فإنْ قلت: يتناقض هذا الكلام بما قبله على قول أبي حنيفة ﵀ فإنّه ذكر في أوّل "كتاب الوقف" من الكتاب، وهو في الشّرع عند أبي حنيفة: حبس العين على ملك الواقف، فلمّا كان موجِب الوقف عند أبي حنيفة ﵀ عدم زوال [الوقف عن] (٣) مُلك الواقف كيف يكون موجبُه عنده زوال [الملك عن] (٤) ملك الواقف. قلت: جعل في المبسوط والذخيرة والتَّتمة وغيرها هذا القول، وهو زوال الملك عن ملك الواقف بشرط التأبيد، قول محمد خاصَّة، لا قول أبي حنيفة (٥)، فعلى ما ذكره في الكتاب جاز أنْ يكون عنه روايتان، فوقع التَّعليل في الموضِعين على حسب تينك الرِّوايتين، أو أراد ههنا ما إذا حكم الحاكم بصحّة الوقف ولزومه، فحينئذ يخرج الوقف عن ملك الواقف بالاتّفاق، لما ذكرنا أو فرع هذا الحكم على قول مَن يرى خروجه عن ملكه وهو/ قولهما كما في مسائل المزارعة.

стр. 2436

(وهو مُوَفرٌ عليه) أي: المقصود وهو التّقرب إلى الله تعالى موفِّر على جعل الوقف إلى جهة تنقطع أيضًا كما هو موفر على جعله إلى جهة لا تنقطع. [وقف المنقول] (وهذا على الإرسال) أي: على الإطلاق، أي: قوله في الكتاب: (ولا يجوز وقف ما ينقل ويحوَّل مطلقًا) مِن غير ذكر الخلاف محمولٌ على قول أبي حنيفة. وأمّا على قول أبي يوسف، إنْ كان تبعًا لغير المنقول فجائز، وعلى قول محمّد فجائز كيف ما كان بعد أن كان متَعارفًا، والدليل عليه ما ذكر في "وصايا" المبسوط: إذا أوصى بظهر دابّته للمساكين كان باطلًا في قول أبي حنيفةلأنّ مِن أصله أنّ وقف المنقول لا يجوز، وإنْ أضيف إلى ما بعد الموت، وهو قول أبي يوسف. وأمّا عند محمّد فوقف المنقول جائز فيما هو متعارَف (١). وأما إذا أوصى بظهر دابّته لإنسانٍ معلوم يركبها في حاجته، فهو جائز بالاتّفاق (٢) لأنَّه وصية بالإعارة منه. "الأكرة": جمع أَكّار، وهو الزّارع، كأنّه (٣) جمع آكِر (٤) في التَّقدير. (كالشّرب في البيع) أي: يجوز بيع الشّرب تبعًا للأرض، فكذلك ههنا يجوز وقف المنقول تبعًا لغير المنقول، وهو كثير النّظير، كالأضحية، والإقامة من الجندي أو العبد أو المرأة وهم في المفازة والأمير والمولى والزوج في المصر فَنَووا الإقامة، وكذلك البناء، وهو منقول يدخل في وقف الأرض الّتي عليها ذلك البِناء كوقف الرِّباطات والخانات. (لأنَّه لما جاز إفراد بعض المنقول) أي: مِن غير أنْ يجعل تبعًا لشيء كما في المتعارَف كالفأس والقَدوم والمد عند محمّد، فكان أولى أنْ يجوِّز وقف المنقول عنده تبعًا لشيء آخر (٥). (والقياس أن لا يجوز لما بينَّا) أي: من شرط التَّأبيد، والتّأبيد لا يتحقّق في المنقول. "الكُراع": اسم لجمع الخيل، والكُراع في الغنموالبَقر بمنزلة الوَظيف في الفرس والبعير، وهو مستدَقُّ السّاقِ، يذكَّر ويؤنَّث، والجمع أكْرُعٌ ثمَّ أكارِعُ (٦)؛ كذا في الصّحاح، ولكن المراد هنا [الأوّل، وهو] (٧) الخيل. ""الْقَدُومُ" مِنْ آلَاتِ النَّجَّار، فَالتَّشْدِيدُ فِيهِ لُغَةٌ" (٨)؛ وكذلك "المنشار" (٩) للقَطع مِن نشرتُ الخشبة، أنشرها، إذا قطعتها بالمنشار (١٠)؛ كذا في المغرب والصّحاح.

стр. 2437

(إلحاقًا لها بالمصحف) أي: إلحاقًا للكُتب بالمصحف، والمصحف جائز فيه الوقف، فكذا يجوز في الكتب. وفي فتاوى قاضي خان: "اختلف المشايخ في وقف الكتب، جوَّزه الفقيه أبو الليث وعليه الفتوى" (١). (وقال الشَّافعي ﵀: كلُّ ما يمكِن الانتفاع به مع بقاء أصله (٢) هذا احتراز عن الدَّراهم، والدَّنانير، فإنَّ الانتفاع الذي خُلِقت الدَّراهموالدَّنانير لأجله هو الثّمنية، لا يمكن الانتفاع (٣) بهما مع بقاء أصله في ملكه. وقوله: (ويجوز بيعه) معطوف على قوله: (يمكن الانتفاع) أي: كلُّ ما كان متَّصفًا بهذين الوصفين، وهما إمكان الانتفاع به، وجَواز البيع إيّاهيجوز وقفه، فكان قوله: (ويجوز بيعه) احترازًا عمَّا لا يجوز بيعه كحمْل الجارية ونتاج النّاقة، فإنّه لا يجوز بيعه فلا يجوز وقفه. (ولا معارض من حيث السّمعولا من حيث التّعامل فبقي على أصل القياس) شرح هذا أنّ الوقف في المنقولات كلِّها ينبغي أنْ لا يجوز، وهو القياس لما أنَّ مِن شرط صحّة الوقف التّأبيد، والتّأبيد في المنقولات كلِّها لا يتحقّق، فكان دليل عدم الجواز شاملًا في الكلِّ إلّا أنَّ السّمع ورد في الكُراع، والسِّلاح، والتّعامل ورَدَ (٤) في الفأس والمدّ والقدوم على ما ذكر، فكانت الكُراع، والسِّلاح بسبب السّمع، والفأس، والمدّ، والقدوم بسبب التّعامل مخصوصة (٥) عن ذلك الدّليل الّذي يقتضي عدم الجواز في المنقولات كلِّها فبقي ما وراء الكُراع والسّلاح والفأس والمدّ والقدوم مِن المنقولات، كالعبيد والإماء مِن غير أنْ يكون تَبَعًا لشيء، والثِّياب والبسط وغيرها مِن المنقولات الّتي لم يرد السَّمع في حقِّها، ولم يَجُر التّعامل فيما بَين النّاس بالوقف بها على أصْل القياس مِن عدم الجواز فكان قوله: (ولا معارِض من حيث السّمع) احترازًا عن الكُراع والسِّلاح، وقوله: (ولامن حيث التَّعامل) احترازًا عن المدّ والفأس والقدوم. (فبقي على أصل القياس) أي: فبقي وقف المنقول الذي تنازعنا فيه كالثِّياب والبسط وغيرهما مِن المنقولات الّتي لم يرِد السّمع ولم يجرِ التعامل على أصل القياس من عدم الجواز.

стр. 2438

(فكان معنى القُربة فيهما) أي: في العقار والجهاد أقوى للتَّأبيد/ في العقار ولكونِ الجهاد سنام الدّين، فلا يُلحَق بهما غيرهما، وهو القياس إلّا أنّ التّعارف أقوى مِن القياس، فيُترك به القياس، كالاستصناع فيما فيه تعامل لقوله ﵊: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن" (١) فلذلك ترك القياس في المدّ والقدوم وفيما فيه تعامل. [بيع الوقف] قوله: (إلا أن يكون مشاعًا) استثناء من قوله: (لم يجُز بيعه) على طريق التجوُّز والاتّساع؛ لأنّ القسمة ليست من أنواع البَيع، ولكنْ معنى المبادَلة راجح في العروض للتّفاوت بخلاف المكيلات والموزونات، فإنّ معنى الإفراز والتّمييز راجح فيها، ولما كان معنى المبادلة راجحًا في قسمة العَقار جوّز ذلك استثناؤها مِن البيع لوجود معنى البيع من وجْه. (أمّا امتناع التّمليك فلما بيَّنا) وهو ما ذكر: ما قاله النَّبي ﵊ لعمر ﵁: "تصدق بأصلها لا تباع ولا توهب" (٢) وما ذكر من المعنى بقوله: (ولأنّ الحاجة ماسّة … ) إلى آخره. (فهو الذي يقاسم) أي الواقف يقاسم شريكه لا القاضي. (وإنْ وقف نِصف عقار خالص له)، وقوله (خالص) صفة عقار، أي: لو كان له عقار مائة ذراع مثلًا فوقف نصفه خمسين ذراعًا يجِب أن يكون المقاسم ههنا غير الواقف، إذ لو كان هو مقاسمًا يلزم أنْ يكون الواحد مطالِبًا، ومطالَبًا في حقّ شيء واحدلأنّ مقاسم النّصف الّذي هو الوقف مطالب له من مالك النّصف الذي هو غير وقف، فكان مالك ذلك النّصف مطالَبًا عنه بذلك النّصف الذي هو وقف، وهو الواقف فعند كون الواقف مقاسمًا لذلك النِّصف الذي هو وقف يلزم أن يكون مطالِبًا ومطالَبًا في حقّه لا محالة.

стр. 2439

(ولو كان في القِسمة فضل دراهم) اعلم أنّ إدخال الدّراهم في القسمة لا يجوز إلا بتراضيهم أو وقعت الضّرورة إلى إدخالها بأنْ وقع البناء في أحد النّصيبَين أو كان أحد النّصيبين أجود، فحينئذ يجوز أنْ يعطي الدّراهم مَن وقع البناء في نصيبه أو وقع نصيبُه أجودَ لمن لم يقع البناء في نصيبه فيما روي عن أبي حنيفة، على ما يجيء في "كتاب القسمة"، إنْ شاء الله تعالى. وقوله: (إنْ أعطى الواقف) هذا على إعرابين: بلفظ أعطى، على بناء الفاعل ونصْب الواقف، أو بلفظ أُعطي على بناء المفعول ورفع الواقف. ومعنى هذا الكلام: إنْ أعطى المشتري فضل الدّراهم الواقفَ لا يجوزلأن المشتري يأخذ بمقابلة الدّراهم شيئًا من الوقف، فيصير الواقف بائعًا للوقف في ذلك القدر، فلا يجوز. (وأمّا إذا أعطى الواقف فضل الدّراهم المشتريَ جاز لأنّ الواقف حينئذ يصير مشتريًا شيئًا بمقابلة الدّراهم) وواقفًا لذلك الشّيء الذي اشتراه فيجوز. (ولأنّالخراج بالضّمان) (١)، وهذا في الأصل لفظ الحديث وهو من جوامع الكلم، وفي معناه الغُرم بإزاء الغُنم، [من تولّى جارها تولّى نارها، فلاستجراره] (٢) معاني جمة جرى لفظ الحديث مجرى المثَل، واستعمِل في كلِّ مضرّة بمقابلة منفعة، ثم المراد مِن الخراج ما يخرج النفع من ملك إنسان كغَلَّة الأرض والغلام، والمراد من الضّمان المؤنة: أي كلُّ مَن كان له منفعة شيء كان عليه مضرّته، فكان معنى قوله: (الخراج بالضمان) أي: منفعة الغَلَّة لك بسبب أنْ ضمِنته. وقيل: معناه أن يشتري العبد فيستغلَّه، ثم يجد به عَيبًا، فإنّه يردُّه والغَلَّة لهلأنَّه لو مات كان في ضمانِه؛ ولأجل هذا الخبَر نقض عمر بن عبد العزيز قضاءَه حين قضى بالغَلَّة للبائع. (ثم إنْ كان الوقف على الفقراء لا يظفر بهم) أي: لا يُؤخذ الفقراء بعمارته لعدم تعنُّتهم وعسرتهم. (وإنّما يستحقّ (٣) العمارة عليه (٤) بقَدْر ما يبقى الموقوف على الصّفة التي وقفه) ولا يستحقُّ زيادةَ العمارة على تلك الصّفة الّتي هي كانت في ابتداء الوقف. (فأمّا الزِّيادة على ذلك فليست بمستحقَّة) أي: زيادة العِمارة ليست بمستحقَّة عليه.

стр. 2440

[إصلاح الوقف من غلته] (والغَلّة مستحقة له) فلذلك يصرف على الموقوف عليه ما فضل من الغَلَّة الَّتي صُرفت على العمارة المستحقّة عليه، وهي مثل العمارة التي كانت هي وقت ابتداء الوقف، ولا يصرف إلى زيادة العمارة التي لم تكن وقفًا (١) ابتداء الوقف. (ولو كان الوقف على الفقراء إلّا (٢) على رَجُل بعينه فكذلك عند البعض) أي: لا يصرَف غَلَّة الوقف إلى زيادة عِمارة لم تكن وقت الوَقف بل تُصرَف إلى الفقراء. (والأوّل أصّح) وهو أن يكون البناء/ الثّاني مثل الأوَّل لا زائدًا على الأوّل. وَذكر في الذّخيرة: رَجُل وقف أَرضًا له على المساكين وقفًا صحيحًا، ولم يذكر عمارتَها، فإنّ عمارتها في غَلّة (٣) هذه الأرض يبدأ القيم أو لا من الغَلَّة (٤) بعمارتها، وما يصلحها وما فضل من ذلك يقسم على الفُقراء، وهذا لأنّ العمارة وإنْ لم تَكُن مشروطة في الوقف نصًّا فهي مشروطة اقتضاءًلأنّ مقصود الواقف إدرار الغَلّة مؤبَّدًا على المساكين، وهذا المقصود إنَّما يحصل بإصلاحها وعمارته، ا والثّابت اقتضاءً ثابت بطريق الضرورة والضرورة تندفع بهذا الذي ذكرنا (٥). (الأوَّل (٦) أولى) وهو إجارة الحاكم وعمارتها بأُجرتها ثُم ردّها إلى مَن له السُّكنى. والثاني: وهو ترك العمارة، واستفيد الثّاني هذا من قوله لأنَّه لو لم يعمرها ولا يكون امتناعه رضا منه ببطلان حقّه لتردده، فإنّ الامتناع يحتمل أن يكون [لبطلان حقّه، ويحتمل أنْ يكون] (٧) لنقصان ماله في الحال، ولرجائه إصلاح القاضي وعمارته ثم ردّه إليه. (ولا تصحُّ (٨) إجارة مَن له السُّكنى) هذا مِن قَبيل إضافة المصدر إلى الفاعل. (لأنَّه غير مالك) أَي (٩): لأنّ مَن له السُّكنى غير مالك للدّار، والإجارة تمليك المنافع بالعِوض والتّمليك لا يتحقَّق مِن غير المالك. فإنْ قيل: إنَّ المستأجر لا يملك الدّار، ومع ذلك كان له أنْ يؤاجِرها مِن آخر للسُّكنى، وكذلك في كلِّ عملٍ لا تختلف العين باختلاف المستعمل. قلنا: هناك ملك المستأجِر المنفعة وهنا أُبيحت المنفعة للموقوف عليه ليكون ثواب إباحةِ المنفعة راجعًا إلى الواقف حتّى لم يقُم ههنا عَين الوقف مقامَ المنفعة في ابتداء الوقف، لأنَّه لا يلْزم تمليك المنافع المعدومة، بخلاف الإجارة حيث أُقيمت الدّار مقام المنفعة وقتَ الإجارة، لئلا يلزم تمليك المنافع (١٠) المعدومة، فلمّا ملكها في الإجارة ملك أيضًا تمليكها من غيره.

стр. 2441

[حكم ما انهدم من الوقف] (وما (١) انهدم من بناء الوقف وآلته). وقوله: (وآلته) يحتمِل أن تكون (٢) مجرورة بالعطف على البناء يعني: ما انهدم من آلة الوقف بأن بَليَ (٣) خشب الوقف وفسدت؛ ويحتمِل أنْ تكون مرفوعة بالعطف على ما الموصولة، وهو المنقول عن الثِّقاتلأنَّهلا يُقال انهدمت الآلة. ""النَّقْضُ": الْبِنَاءُ الْمَنْقُوضُ وَالْجَمْعُ نُقُوضٌ، وَعَنْ الْغُورِيِّ فِي "النِّقْضِ" بِالْكَسْرِ لَا غَيْرُ" (٤) كذا في المغرب، وفي الصِّحاح، ذكره بالكسر لا غير (٥). [حكم جعل الواقف الغلة أو الولاية لنفسه] (ولا يجوز على قياس قول محمد (٦) لأنّ التّسليم إلى المتولِّي عنده شرط، وقد عدم ههنا. وذكر في فتاوى قاضي خان وذكر الصّدر الشّهيد أنَّ الفتوى على قول أبي يوسف ترغيبًا للنّاس في الوقف. وقال الفقيه أبو جعفر: وليس في (٧) هذا عن محمَّد رواية ظاهرة إلّا شيء ذكَره في "كتاب الوقف" وقال: إذا وقف على أمّهات أولاده جاز. قال الفقيه أبو جعفر: الوَقف على أمهات أولاده بمنزلة الوقف على نفسهلأنّ ما يكون لأم الولد في حال حياة المولى يكون للمولى (٨). وقوله: (وهو قول هلال الرّازي (٩) هكذا وقع في نسخ الفقه من المبسوط (١٠)، والذّخيرة وغيرهما (١١). وذكر في المغرب"هِلَالُ الرَّأْيِ بْنُ يَحْيَى الْبَصْرِيُّ صَاحِبُ الْوَقْفِ، وَالرَّازِيُّ تَحْرِيفٌ؛ هَكَذَا صَحَّ فِي مُسْنَدِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَمَنَاقِبِ الصَّيْمَرِيِّ (١٢)، وَهَكَذَا صَحَّحَهُ الْإِمَامُ عَبْدُ الْغَنِيِّ" (١٣).

стр. 2442

قوله: (وهو الصّحيح) احتراز عن القول الأوّل، وهو القول بالجواز اتّفاقًا، ولكن هذا (١) الّذي ذكره من القَول الصَّحيح مخالِف لرواية المبسوط، والذّخيرة والتتمّة وفتاوى قاضي خان، فإنّ في تلك الرّوايات جعل جواز الوقف على أمّهات أولاده بالاتّفاق (٢). وقال في المبسوط: "وإذا وقفها على أمهات أولاده في حال وقفِه، ومن يحدث منهن بعد ذلك، وسمَّى لكلِّ واحدة منهن كلّ سنة شيئًا معلومًا في حياة فلان وبعد وفاته، ما لم يتزوَّجن فهو جائز. وهذا على أصل أبي يوسف ظاهر فإنّ عنده لو شرط بعض (٣) الغَلَّة أو كلَّها لنفسِه في حياته جاز، فلأمّهات أولاده أولى. وإنَّما الإشكال على قول محمد فإنَّه لا يجوز أنْ يشترط ذلك لنفسه (٤)، واشتراطه لأمّهات أولاده في حياته بمنزلة الاشتراط لنفسه، ولكنّه جوّز ذلك استحسانًا للعُرف؛ ولأنَّه لابد (٥) مِن تصحيح هذا الشّرط لهنَّلأنَّهن يعتُقْن بموته، فاشتراطه لهنّ كاشتراطه لسائر الأجانب، فيجوز ذلك في حياته أيضًا تبعًا لما بعد الوفاة، كما قال أبو حنيفة ﵀ في أصل الوقف/ إذا قال: في حياتي وبعد مماتي، يتعلّق به اللُّزوم، وكذلك إن سمَّى ذلك لمدبَّريه لأنَّهم يعتقون بموته كأمّهات أولاده، بخلاف العبيد والإماء على قول محمّد؛ وأبو يوسف ﵀ يجوِّز ذلك" (٦). (لأنّ اشتراطه لهم) أي: لأنَّ (٧) اشتراط صرف غَلّة الوقف لأمّهات أولاده ومدَبّريه، فذكر بلفظ (٨) ضمير جمع الذُّكور تغليبًا للمدبّرين على أمّهات الأولاد. (كاشتراطه لنفسه) أي: كاشتراط صرف الغلّة إلى نفسه، ثم اشتراط صرف الغلّة لنفسه في ابتداء الوَقف جائز بدون واسطة عند أبي يوسف، فكذا يجوز اشتراط صرف الغلّة إلى نفسه انتهاء بواسطة اشتراط صرف الغلّة إلى أمّهات أولاده ومدبَّريه. وذكر في المبسوط: "ولو وقف وجعل مصرِف الغلَّة نفسه مادام حيًّاجاز عند أبي يوسف اعتبارًا للابتداء بالانتهاءلأنَّه يجوز الوقف على جهة يتوَّهم انقطاعها، وإذا انقطعت عادت الغَلَّة إليه في الانتهاء، كما يجوز ذلك في الانتهاء، فكذلك في الابتداء يجوز أنْ يقدِّم نفسه على غيره في الغَلَّة، وهذا لأنَّ معنى التقرُّب لا ينعدِم بهذا [لأنَّ معنى التَّقرُّب لا ينعدم] (٩). قال ﵊: "نفقة الرَّجل على نفسه صدقة" (١٠)، وقال: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" (١١).

стр. 2443

أمّا عند محمد، إذا جعله وقفًا على نفسه أو جعل شيئًا من الغَلَّة لنفسه مادام حيًّا فالوقف باطل، وهو مذهب أهل البصرة لأنّ التّقرُّب بإزالة الملك واشتراط الغَلّة أو بعضها لنفسه يمنع زوال ملكه، فلا يكون صحيحًا، وكذلك لو شرط الغلَّة لإمائه فهو كاشتراطه لنفسه" (١). (فصار كما في الصّدقة المنفذّة) أي: سلَّم قدرًا من ماله للفقير على وجه الصّدقة بشرط أنْ يكون بعضه لي، فإن الصّدقة بهذا الشّرط لا تجوز، هكذا كان بخطِّ شَيخي. [الإشتراط في الوقف] (وشرطِ) بالجر، بأنْ جَعَل بعض المسجِد لنفسه، فهو مانعٌ للجواز في الكُلِّ فقد جَعل ما صار مملوكًا لله تعالى لنفسِه كما في الصّيد والحشيش وسائر المباحات. (وشرط أنْ يَنزله) بفتح الياء، من النُّزول على بناء الفاعل، (أو يُدفَن) على بناء المفعول. (وعند محمّد الوقف جائز والشّرط باطل (٢) لأنّ هذا الشّرط لا يؤثّر في المنع من زواله، والوقف يتم بذلك، ولاينعدم به معنى التّأبيد في أصل الوقف، فيتمُّ الوقف بشروطه، ويبقى الاستبدال شرطًا فاسدًا، فيكون باطلًا في نفسه كالمسجِد إذا شرط الاستبدال به أو (٣) شرط أنْ يصلي فيه قوم دون قومٍ، فالشرط باطل واتّخاذ المسجد صحيح فهذا مثله. (ولو شرط الخيار لنفسه في الوقف ثلاثة أيام جاز الوقف والشرط عند أبي يوسف (٤) (٥) وإنّما قيد بقوله: "ثلاثة أيام" لتكون مدّة الخيار معلومة، حتّى لو كانت مجهولة لا يجوز الوقف على قول أبي يوسف أيضًالأنَّه ذكر في فتاوى قاضي خان: ولو شرط الخيار لنفسه في الوقف (٦) قال أبو يوسف: إنْ عيَّن للخيار وقتًا معلومًا يجوز الوقف والشرط، كما في البيع، وإن كان الوقت مجهولًا لايجوز الوقف (٧). وقال الفقيه أبو جعفر: ينبغي أنْ يجوز الوقف ويبطل الشرط. وذكر في المبسوط: ولو شرط الخيار لنفسه في الوقف ثلاثة أيام فعلى قول أبي يوسف الوقف والشرط جائز كما هو مذهبه في التّوسع في الوقف، وقال هلال بن يحيى: الوقف باطل وهو قول محمد. وقال يوسف بن خالد السّمتي (٨): الوقف جائز والشرط باطل؛ لأنَّه إزالة ملك لا إلى مالك فيكون بمنزلة الإعتاق واشتراط الخيار في العتق باطل والعتق صحيح، وكذلك في المسجد اشتراط الخيار باطل واتخاذ المسجد صحيح، فكذلك في الوقف. ومحمّد يقول: إنَّ تمام الوقف يعتمِد تمام الرّضا ومع اشتراط الخيار لا يتمّ الرّضا فيكون ذلك مبطلًا للوقف بمنزلة الإكراه على الوقف، ثُمّ تمام الوقف على مذهبه بالقبض، وشرط الخيار يمنع تمام القبض. ألا ترى أنّ في الصّرف والسَّلَم لا يتِم القبض مع شرط الخيار وبه فارق المسجد، فالقبض هناك ليس بشرط. إنَّما الشّرط إقامة الصّلاة فيه بالجماعة، وقد وجد ذلك مع شرط الخيار، فلهذا كان مسجدًا.

стр. 2444

وأبو يوسف يقول: الوقف يتعلّق به اللُّزوم، ويحتمِل الفَسخ ببعض الأسباب، واشتراط الخيار للفسخ، فيكون بمنزلة البيع في أنّه يجوز اشتراط الخيار فيه، وهذا/ في الحقيقة بناء على الأصل الّذي ذكرنا له فإنّه يجوز أنْ يستثني الواقف الغَلّة لنفسه مادام حيًّا، فكذلك يجوز أنْ يشترط الخيار لنفسه ثلاثة أيام ليروي النّظر فيه (١). وقوله: (وهذا بناء على ما ذكرنا) إشارة إلى أنْ جعل الواقف غَلّة الوقف لنفسه جائز عند أبي يوسف خلافًا لمحمد، وبهذا البناء صرَّح في المبسوط على ما بيَّنا، ثم لما لم يصحّ الوقف بشرط الخيار عند محمد لم ينقلب الوقف جائزًا بإبطال الخيار بعد ذلك بخلاف البيع إذا شرط فيه الخيار أكثر من ثلاثة أيام، ثم أبطل الخيار قبل الأيام الثلاثة ينقلب البيع جائزًا؛ لأنّالوقف لا يجوز إلا مؤبَّدًاو شرط الخيار يمنع التأبيد، فكان شرط الخيار شرطًا فاسدًا في نفس العقد. أمّا الخيار فلا يمنع جواز البيع وإنّما يفسد البيع إذا شرط الخيار أكثر من ثلاثة أيام لامتناع لزوم العقد بعد الأيام الثلاثة، فلَم يَكُن الفساد في صُلْب العقد؛ كذا في فتاوى قاضي خان (٢). (وأمَّا فصل الولاية: فقد نصّ فيه (٣) على قول أبي يوسف وهو قول هلال) أي: فقد نصّ في فصل الولاية بالجواز على قول أبي يوسف في الكتاب بقوله: (وإذا جعل الواقف) إلى قوله: (جاز عند أبي يوسف) (٤). وذكر في الذّخيرة والتتمة "ذكر هلال: إذا وقف الرّجل أرضه، ولم يشترِط الولاية لنفسه ولا لغيره أنَّ الوقف جائز والولاية للواقف" (٥). وقوله: (وقال أقوام) أي: بعض المشايخ (٦): (إنْ شرط الواقف الولاية لنفسه كانت له، وإن لم يشترط لم يكن له ولاية)، قال مشايخنا: الأشبه أنْ يكون هذا قول محمد. فإنْ قلت (٧): كيف يصحّ نسبة هذا القول إلى محمد، ومن مذهبه أنّ التسليم إلى المتولي شرط صحّة الوقف، فعلى هذا لايجوز أنْ يشترط (٨) الواقف الولاية لنفسه على قولهلأنَّ هذا يمنع التّسليم إلى المتولي فكان على مذهبه يجب أنْ لا تكون له الولاية، شرط ذلك، أولم يشترط (٩)؟

стр. 2445

قلتُ: نعم كذلك إلّا أنَّ تأويل هذا فيما إذا سلَّمه إلى المتولّي، وقد كان شرط الولاية لنفسه حين وقفه كان له (١) الولاية بعد ما سلَّمه إلى المتولّي؛ فإنّه ذكر في فتاوى قاضي خان بعد ما ذكر مذهب هلال كما ذكرنا فقال: وذكر محمد في السِّيَر أنّه إذا وقف ضيعة وأخرجها إلى القيّم لا يكون له الولاية بعد ذلك إلّا أنْ يشترط الولاية لنفسه. وأمّا إذا لم يشترط في ابتداء الوقف فليس له ولاية بعد التّسليم … [إلى أنْ قال: وهذه المسألة بناء على أنّ عند محمد التّسليم إلى المتولّي شرط لصّحّة الوقف فلا يبقى له ولاية بعد التسليم] (٢) إلّا أنْ يشترط الولاية لنفسه، فأمّا على قول أبي يوسف فالتّسليم إلى المتولّي ليس بشرط، فكانت الولاية للواقف وإن لم يشترط الولاية لنفسه (٣)، ومثل هذا الّذي ذكره في الكتاب مذكور في الذّخيرة والتّتمة (٤). ويحتمل أنْ يكون معنى قوله: (إنْ شرط الواقف الولاية لنفسه كانت له) فيما إذا شرط الولاية لنفسه يعني: إذا شرط الولاية لنفسه يسقُط اشتراط التّسليم إلى المتولّي عنده أيضًالأنّ شرائط الواقف تراعى إذا شرطها، فمِن ضرورة رعاية شرطه كان سقوط اشتراط التّسليم، كذا وجدتُ في موضع ثقة (٥). وذكر في فتاوى قاضي خان: لو قال: أرضي موقوفة إنْ شئت أو أحببتَ؛ كان الوقف باطلًا في قولهملأنّ هذا تعليق، وتعليق الوقف بالشّرط باطل في قولهم. ولو قال أرضي صدقة موقوفة إنْ شئتَ؛ ثُمَّ قال: شئتُ؛ كان الوقف باطلًا لما قلنا إنّه تعليق، ولو قال: شئت، وجعلها (٦) صدقة موقوفة صحّ (٧) لأنَّه ابتداء وقف (٨) (٩). فصل: لما كانت أحكام هذا الفصل مخالِفة لأحكام مسائل الوقف الّتي قبله في الشّروط، وعدم اشتراط التّسليم إلى المتولّي عند محمد، ومنع الشّيوع عند أبي يوسف، وخروجه عن ملك الواقف عند أبي حنيفة، وإنْ لم يحكم به الحاكم ذكرها بفصل على حِدة حتّى أَّن مَن اتّخذ مسجدًا لا يشترط تسليمه إلى المتولِّي بل الصّلاة فيه بمنزلة التّسليم والشّيوع مانع من اتّخاذ المسجد خلافًا لأبي يوسف في غير المسجد، ويخرج المسجد عن ملك من اتّخذه مسجدًا، وإنْ لم يحكُم به الحاكم عند أبي حنيفة.

стр. 2446

[وقف المسجد] (فإذا صلى فيه واحد زال عند أبي حنيفة عن ملكه (١) فرَّق أبو حنيفة بين الوقف والمسجد، فإنَّ الوقف إذا لم يكُن موصىً به، ولامضافًا إلى ما بعد الموت، ولم يجعله القاضي لازمًا كان له أنْ يرجع/ فيه، وأمّا في المسجد فليس له أنْ يرجع فيه ولا يبيعه ولا يورث منه. والفرق أنّ في الوقف اجتمع لفظان: أحدهماالوقف، والآخرالصّدقة؛ لأنّ الوقف يُنْبئ عَن الحبس؛ كأنّه قال: حَبَست العين على ملكي، وتصدّقتُ بالغَلَّة على المساكين، ولو صرَّح بذلك لا يصح ما لم يوصِ بذلكلأنّ التصدُّق بالغَلَّة المعدومة لا يصح، فإذا أوصى به أو أضافه إلى ما بعد الموت يكون لازمًا بعد موته. وأمَّا قوله: جعلتُ أرضي مسجدًا فليس فيه ما يوجب البقاء على ملكه، فإذا أزاله إلى الله تعالى لا يكون له أنْ يرجع كما لو زال بالإعتاق (٢)؛ كذا في الجامع الصغير لقاضي خان. (وعن محمّد أنّه يشترط الصلاة بالجماعة) وكذا عن أبي حنيفة (٣)؛ ويشترط مع ذلك أنْ تكون الصّلاة بأذان وإقامة جهرًا لا سرًّا حتّى لو صّلى جماعة بغير أذان ولا إقامة سرًّا لا جهرًا، لا يصير مسجدًا عند أبي حنيفة ومحمد، فإنْ جعل للمسجد مؤذنًا وإمامًا وهو رجل واحد، فأذّن وأقام وصلّى وحده صار مسجدًا بالاتفاقلأنّ أداء صلاته على هذا الوصف كالجماعة. ألا ترى أنّ أصحابنا قالوا: مؤذّن مسجد إذا أذَّن وأقام وصلَّى وحده ليس لمن يجيء بعد ذلك (٤) أنْ يصلي بالجماعة في ذلك المسجد، وبقبض (٥) المتولِّي هل يصير مسجدًا مِن غير أنْ يصلَّى فيه، فقد اختلف المشايخ فيه (٦)؛ كذا في الذخيرة. (ويشترط تسليم نوعه) أي: يُشترط تسليم كلِّ شيء على ما يليق هو به، وما يليق لتسليم المسجد هو الصّلاة فيه. (أولأنَّه لمّا تعذّر القبض) باعتبار أنّه إسقاط لملكه بالاتّفاق تعذّر القبض كما في سائر الإسقاطات من الطّلاق والعتاقولأنّ القبض إنّما يتحقّق بالغَلَّة (٧) لا في الأوقاف الّتي هي لازمة كالإعتاق.

стр. 2447

[حكم السرداب تحت المسجد] (ومن جعل مسجدًا تحته سِرداب) بكسر السين، وهو معرَّب من "سَرداب"، وهو بيت يتّخذ تحت الأرض للتّبريد. (فله أن يبيعه) أي: لا يكون مسجدًا، وهو ظاهر الرّواية (١) لأنّ المسجد ما يكون خالصًا لله تعالى ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]. أضاف المساجد إلى ذاته مع أنّ جميع الأماكن له، فاقتضى ذلك خلوصُ المساجد لله تعالى، ومع بقاء حقّ العباد في أسفله أوفي أعلاه لا يتحقّق الخلوص. أمّا إذا كان السّفل مسجدًافلأنّ لصاحب العلو [حقًا] (٢) في السفل حتّى لا يكون لصاحب السّفل أنْ يحدث فيه بناء مِن غير رضا صاحب العلو. وأمّا إذا جعل العلو مسجدًافلأنّأرض العلو ملك لصاحب السّفل بخلاف مسجد بيت المقدس؛ لأن ثَمّة السرداب ليس بمملوك لأحد بل هو للعامّة، وما يكون للعامّة يكون لله تعالى ليس لغيره اختصاص به. أمّا إذا كان السّرداب مملوكًا لا يتحقّق الخلوص، وإذا لم يصِر مسجدًا كان له أنْ يبيعه. وعن بعضهم: إن كان العلو مسجدًا والسّفل حوانيت موقوفة على المسجد أو على القلب لا بأس بهلأنّ الكلّ منقطع عن حقوق العباد. واختلف في اتّخاذ المسجد وتحته حوض للعامة على قول من يجوِّز اتخاذ العلو مسجدًا فلم يجوِّزه بعضهم قياسًا على الحوض الخاصّ، وجوَّزه بعضهم كما لوحفر في المسجد (٣) بئرًا للاستقاء. والصحيح أنّه يجوز ذلك إلا أنه إنْ سبق اتّخاذ المسجد، فهو مسجد؛ وإن سبق اتّخاذ الحوض فالمسجد مستعار (٤)؛ كذا في الجامع الصغير لقاضي خان والتمرتاشي. (وعلى ظهره مسكن) أي: على سطحه بدليل تعليل هذه المسألة، وتعليل ما يقابِلها حيث علّل بالسّفل والعلو والفَوق، وذلك إنّما يتحقّق في السّطح لا في جانب الظهر بمعنى الخلف. (وعن محمّد على عكس هذا) أي: إذا جعل العلو مسجدًا صحّ، وإذا (٥) جعل السّفل مسجدًا … (٦) (٧). قوله: (وعن أبي يوسف جوّز في الوجْهين وعن محمّد أجاز ذلك كلّه (٨)، وإنّما أعاد ذكر قول محمّد بهذا الطّريق ولم يقُلْ: وعن أبي يوسف ومحمد … مع أنّ هذين القولين منهما لم يصحّ سواء، ليتهيّأ له ما ذَكر لكلِّ واحد منهما مِن دخول مخصوص في مصر مخصوص، إذ في الحكْم (٩) في غير الدُّخول (١٠) هذا اللفظ يلتبس (١١) الدّخول بالإسناد (١٢) ولأنَّه ذكر زيادة التّعميم بلفظ الكلّ في قول محمّد.

стр. 2448

(لما قُلْنا) أَي: مِن الضّرورة. (وكذلك إن اتّخذ وسْط داره مسجدًا) بالسُّكون، هكذا كان مقيدًا بقيد شَيخي، ولأنّ هذا اسم مبهم لداخل صحن الدّار لا لشيء معيّن بين طَرفي الصّحن فكان ساكنًا. (ولأنَّه أبقى الطّريق لنفسه فلَم يخلص لله تعالى) حتّى لو عزل بابه إلى الطّريق الأعظم يصير/ مسجدًا (١)؛ كذا ذكره الإمام قاضي خان. [خراب ما حول المسجد] (ولو خرب ما حول المسجد واستغني عنه) على بناء المفعول (يبقى مسجدًا عند أبي يوسف) إلى أنْ قال: (وعند محمّد يعود إلى ملك الباني (٢). وفي الحقيقة هذه المسألة مبنية على ما بيَّنّا، فإنَّ أبا يوسف لا يشترِط في الابتداء إقامة الصّلاة فيه ليصير مسجدًا، فلذلك (٣) في الانتهاء، وإنْ ترك النّاس الصّلاة فيه لا يخرُج مِن أنْ يكون مسجدًا، ومحمّد ﵀ يشترط في الابتداء إقامة الصّلاة فيه بالجماعة ليصير مسجدًا، فكذلك في الانتهاء إذا ترَك النّاس الصّلاة فيه بالجماعة يخرج مِن أنْ يكون مسجدًا. وحُكي أنَّ محمدًا مرَّ بمزبلة فقال: هذا مسجد أبي يوسف؛ يريد به أنه لما لم يقل: يعود (٤) إلى ملك الباني يصير مزبلة عند تطاوُل المدّة؛ ومرَّ أبو يوسف باصطبل فقال هذا مسجد محمّد، يعني أنه لما قال: يعود ملكًا فربما يجعله المالك اصطبلًا بعد أن كان مسجدًا، فكلُّ واحدٍ منهما استبعد مذهب صاحبه بما أشار إليه. فمحمد (٥) يقول: إنّه جعل هذا الجزء مِن ملكه مصروفًا إلى قُربة بعينها، فإذا انقطع ذلك عاد إلى ملكه، كالمحصَر إذا بعث بالهدي ثُمَّ زال الإحصارفأدرك الحجّ كان له أنْ يصنع بهديه ما شاء، وكذلك لو كفَّن ميتًا ثم افترسه السَّبع عاد الكفن إلى ملك صاحبه، وكذا إذا علَّق قنديلًا أو بسط حصيرًا في المسجد ثم خرب المسجد. وأبو يوسف يقول: بلى أزال ملكه بجهة ولكن لم تبطُل (٦) تلك الجهةلأنَّه ما جعله مسجدًا ليصلِّي فيه أهل المحلّة لا غير، وإنّما جعله مسجدًا ليصلِّي فيه العامةلأن للعامّة حق إقامة الصلاة في المساجد. واستدلّ أبو يوسف بالكعبةفإنّ زمان الفترة قد كان حول الكعبة عبدة الأصنام، ثُمَّ لم يخرج موضع الكعبة به مِن أنْ يكون موضِع الطّاعة والقُربة خالصًا لله تعالى، فكذلك في سائر المساجد.

стр. 2449

وأمَّا هدي الإحصار فهو لم يزُل عن ملكه (١) قبل الذّبح، وكلامنا فيما إذا زال عن ملكه، وكذلك الكفن ليس بإزالة العَين عن ملكه، بل هو تبرُّع بالمنفعة لحاجة الميّت وكان بمنزلة العارية حالة الحياة، وقد وقع الاستغناء للمستعير فيعود إلى المعير. وأمّا الحصير فالصحيح من مذهب أبي يوسف أنه لا يعود إلى ملك متّخذه بخراب المسجد بل يحوّل (٢) إلى مسجد آخر أو (٣) يبيعه قيم المسجد للمسجد (٤)؛ كذا في المبسوط والذخيرة. [وقف السقاية] (بخلاف المسجد) أي: حكم الحاكم، والإضافة ليسا بشرط في المسجد (في هذه الوجوه) أي: في السِّقاية والخان والرّباط والمقبرة. "الكَنس": من حدّ ضرب. "الحاج" اسم جمع بمعنى: الحُجَّاج كالسّامر بمعنى السّمّار في قوله تعالى: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]. "الثغر": موضِع المخافة من فروج البلدان يقال: " (رابط الجيش) أقام في الثغر بإزاء العدو مرابطة ورباطا" (٥)؛ كذا في الصحاح (٦) (٧) والله أعلم. قد انتهى بعون الله، جلّ ثناؤه وعزّ كبرياؤه، ما هويتُإلى منصف المشروح بالمعاني الموثّقة (٨) الوضوح مبيِّنًا لما استبهم وأعضل، ومفتقًا لما قنع (٩) من أفنان البيان، واعبل (١٠) ومرعبلًا أبهر الآتي بالخنفقيق (١١) فيما سأل وملهزمًا (١٢) تفيهق (١٣) العفنقس (١٤) الصعندد فيما لج وختل (١٥) بأجوبة تتعاتق في الإيضاح تزايدًا وتتأنق في البيان ترافدًا (١٦) مؤسسة على قواعد أصول الفقه وفروعه ومنشقّة من شروق ضياء الشّرع وسطوعه، وها أنا أثني القَلم إلى شرح النِّصف الثاني من الكتاب، رافعًا للحجاب، وكاشفًا للنِّقاب، حامدًا على توفيق الملك الوهاب، ومصليًا على نبيه المصطفى سابق أولي الألباب راجيًا مِن الله الغفور البرّ الشكور أنْ يوفقني لإتمامه ويكرمني باختتامه إنّه على ما (١٧) يشاء قدير وبالإجابة جدير.

стр. 2450

[قد وقع الفراغ من تنميق هذا الكتاب بعون الله الملك العزيز الوهاب في نصف شهر جماد الأول في يوم الأحد وقت الضّحى من شهور سنة تسع وأربعين وتسع مائة في شهر قسطنطنية -حماها الله عن الآفات والفترات- على يد العبد الضعيف المحتاج إلى رحمة ربّه اللّطيف محمد بن حاجي توشة وارداري عفى عنهما الباري عزّ اسمه] (١).

стр. 2451

بسم الله الرحمن الرحيم (١) كتاب البيوع قد ذكرنا في صدر الكتاب أن مشروعات الشارع على أربعة أنواع، حقوق الله تعالى خالصة، وحقوق العباد خالصة، وما اجتمع فيه الحقان وحق الله تعالى فيه غالب (٢)، وما اجتمع فيه الحقان وحق العبد فيه غالب (٣).

стр. 2452

[أحكام الشارع] ثم لما (١) ذكر حقوق الله تعالى الخالصة، وما غلب فيه حق الله تعالى وما يلحقهما، بدأ (٢) بذكر حقوق العباد خالصة (٣)، وهي البيوع والكفالة (٤) والحوالة (٥) وغيرها.

стр. 2453

والمناسبة الخاصة (١) بين البيع والوقف (٢) هي أن الوقف إزالة الموقوف عن ملك الواقف، أما على قولهما فظاهر (٣)، وأما على قول أبي حنيفة ﵀ (٤)، بعد حكم الحاكم (٥). وفي البيع إزالة المبيع عن ملك البائع مع إدخاله في ملك المشتري، فكان البيع مشتملاً على ما اشتمل عليه الوقف، وعلى شيء آخر معه (٦)، وكان مركباً منهما (٧)، والوقف مشتمل على شيء واحد منهما، فكان مفرداً، والمركب أبداً (٨) بعد المفرد، فلذلك ذكر بعده.

стр. 2454

[الحكمة من البيع] ثم محاسن البيوع كثيرة؛ إذ هي سبب بقاء المحتاجين بأحسن وجوه المعاملة؛ إذ كل من الرجال والنساء محتاج إلى الأخذ والإعطاء (١)، ولا يتيسر الإعطاء بلا (٢) عوض إلا لمن هو الغني مطلقاً، ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ (٣)، وفي عقد المعاوضة (٤) صيانة عن تحمل أعباء منَّة (٥) الغير (٦)؛ إذ في الإعطاء بلا عوض إدخال حرِّ (٧) مثله تحت رق (٨) إحسانه. كما قيل (٩): الإنسان عبيد الإحسان (١٠).

стр. 2455

ومن أراد الإحسان فهو يتحقق في ضمن عقد المعاوضة بأحسن وجوهه أيضاً، كما حكي عن أبي العباس (١) ﵀ أنه كان يتاجر الفقراء، وكان يشتري منهم بما يساوي درهماً بعشرة وزيادة؛ كيلا يرى الفقير نفسه تحت منَّته التي يوجب الرق. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢). فمن أخفى الصدقة فهو خفي على غير الفقير، ظاهر (على الفقير، ومن أخفاها في المعاوضة فقد) (٣) أخفاها على الفقير أيضاً، فكان هو أحسن وجوه الإحسان، مع كونه معاوضة، ولو لم يكن في المعاوضة إلا إطفاء ثائرة المنازعة والاختطاف (٤) بالمسارعة لكان كافياً، فإن المحتاج إلى ما في يد غيره إذا لم يجد سبيلاً بالمعاوضة (٥) لتسارع الناس (٦) إلى السلب وما في يده يميل إلى الدفع والذب، فيقتتلان ويظهر في الأرض الفساد، فكان في البياعات (٧) إطفاء ثائرة النِّزاع، وتسكين هيجان النفس بالابتياع. [تعريف البيع] ثم يحتاج هنا إلى معرفة ثمانية أشياء: [معرفة معنى البيع لغةً] (٨) وشرعاً، ودليل جوازه، وسببه، وركنه، وشرعه، وحكمه، وأنواعه. أما اللغة فالبيع عبارة عن تمليك المال (٩) بالمال (١٠). وكذا في الشرع، لكن لا (١١) بد (١٢) فيه قيد التراضي، فقيل: هو عبارة في الشرع عن مبادلة المال/ بالمال على وجه التراضي (١٣)، ثم هو من الأضداد (١٤). يقال: باع الشئ إذا شراه أو اشتراه، ويعدَّى إلى المفعول الثاني بنفسه وحرف (١٥) الجر نقول: باع الشيء وباعه (١٦) منه، فجمعه بلفظ البيوع على تأويل الأنواع.
следующие страницы →