← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

بسم الله الرحمن الرحيم (١) كتاب البيوع قد ذكرنا في صدر الكتاب أن مشروعات الشارع على أربعة أنواع، حقوق الله تعالى خالصة، وحقوق العباد خالصة، وما اجتمع فيه الحقان وحق الله تعالى فيه غالب (٢)، وما اجتمع فيه الحقان وحق العبد فيه غالب (٣).

стр. 2452

[أحكام الشارع] ثم لما (١) ذكر حقوق الله تعالى الخالصة، وما غلب فيه حق الله تعالى وما يلحقهما، بدأ (٢) بذكر حقوق العباد خالصة (٣)، وهي البيوع والكفالة (٤) والحوالة (٥) وغيرها.

стр. 2453

والمناسبة الخاصة (١) بين البيع والوقف (٢) هي أن الوقف إزالة الموقوف عن ملك الواقف، أما على قولهما فظاهر (٣)، وأما على قول أبي حنيفة ﵀ (٤)، بعد حكم الحاكم (٥). وفي البيع إزالة المبيع عن ملك البائع مع إدخاله في ملك المشتري، فكان البيع مشتملاً على ما اشتمل عليه الوقف، وعلى شيء آخر معه (٦)، وكان مركباً منهما (٧)، والوقف مشتمل على شيء واحد منهما، فكان مفرداً، والمركب أبداً (٨) بعد المفرد، فلذلك ذكر بعده.

стр. 2454

[الحكمة من البيع] ثم محاسن البيوع كثيرة؛ إذ هي سبب بقاء المحتاجين بأحسن وجوه المعاملة؛ إذ كل من الرجال والنساء محتاج إلى الأخذ والإعطاء (١)، ولا يتيسر الإعطاء بلا (٢) عوض إلا لمن هو الغني مطلقاً، ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ (٣)، وفي عقد المعاوضة (٤) صيانة عن تحمل أعباء منَّة (٥) الغير (٦)؛ إذ في الإعطاء بلا عوض إدخال حرِّ (٧) مثله تحت رق (٨) إحسانه. كما قيل (٩): الإنسان عبيد الإحسان (١٠).

стр. 2455

ومن أراد الإحسان فهو يتحقق في ضمن عقد المعاوضة بأحسن وجوهه أيضاً، كما حكي عن أبي العباس (١) ﵀ أنه كان يتاجر الفقراء، وكان يشتري منهم بما يساوي درهماً بعشرة وزيادة؛ كيلا يرى الفقير نفسه تحت منَّته التي يوجب الرق. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢). فمن أخفى الصدقة فهو خفي على غير الفقير، ظاهر (على الفقير، ومن أخفاها في المعاوضة فقد) (٣) أخفاها على الفقير أيضاً، فكان هو أحسن وجوه الإحسان، مع كونه معاوضة، ولو لم يكن في المعاوضة إلا إطفاء ثائرة المنازعة والاختطاف (٤) بالمسارعة لكان كافياً، فإن المحتاج إلى ما في يد غيره إذا لم يجد سبيلاً بالمعاوضة (٥) لتسارع الناس (٦) إلى السلب وما في يده يميل إلى الدفع والذب، فيقتتلان ويظهر في الأرض الفساد، فكان في البياعات (٧) إطفاء ثائرة النِّزاع، وتسكين هيجان النفس بالابتياع. [تعريف البيع] ثم يحتاج هنا إلى معرفة ثمانية أشياء: [معرفة معنى البيع لغةً] (٨) وشرعاً، ودليل جوازه، وسببه، وركنه، وشرعه، وحكمه، وأنواعه. أما اللغة فالبيع عبارة عن تمليك المال (٩) بالمال (١٠). وكذا في الشرع، لكن لا (١١) بد (١٢) فيه قيد التراضي، فقيل: هو عبارة في الشرع عن مبادلة المال/ بالمال على وجه التراضي (١٣)، ثم هو من الأضداد (١٤). يقال: باع الشئ إذا شراه أو اشتراه، ويعدَّى إلى المفعول الثاني بنفسه وحرف (١٥) الجر نقول: باع الشيء وباعه (١٦) منه، فجمعه بلفظ البيوع على تأويل الأنواع.

стр. 2456

[أدلة جواز البيع] وأما دليل جوازه: فالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والمعنى المعقول. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (٢). وأما السنة فما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «يا معشر التجار، إن بيعكم هذا يحضره اللغو والكذب، فشوبوه (٣) بالصدقة» (٤). وكذا بُعث رسول الله ﷺ والناس يتبايعون، فقررهم (٥) على ذلك، والتقرير أحد وجوه السُّنَّة، وعليه إجماع الأمة (٦). والمعنى المعقول قد مرَّ في ذكر المحاسن (٧). [سبب البيع] وأما سببه فتعلق البقاء المقدور بتعاطيها (٨) بيان ذلك أن الله تعالى حكم ببقاء (٩) العالم إلى قيام الساعة، وهذا البقاء إنما يكون ببقاء جنس الإنس، وذلك يكون بالتوالد، وقد ذكرناه في النكاح (١٠)، وبقاء النفس إلى أجله، وذلك إنما يقوم بما تقوم به المصالح للمعيشة، وما يحتاج إليه كل واحد لكفايته (١١)، وكل واحد لا يكون حاصلاً في يده، إنما يتمكن من هذا المقصود بالمال، فشرع الله سبحانه اكتساب المال، وهو التجارة عن تراض لما في التغالب من الفساد، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (١٢).

стр. 2457

[ركن البيع وشروطه] وأما ركنه فالإيجاب والقبول على ما يجيء. وأما شرطه فأنواع منها في العاقد، وهو أن يكون عاقلاً مميزاً، ومنها في الآلة وهو أن يكون بلفظ الماضي، ومنها في المحل وهو أن يكون مالاً متقوَّماً، وأن يكون مقدور التسليم، ومنها التراضي، ومنها شرط النفاذ، وهو الملك والولاية. [حكم البيع] وأما حكمه (١) وضعاً وقصداً، فالملك وهو عبارة عن القدرة على التصرفات في المحل (٢) شرعاً إلا لمانع، وقولنا: لمانع احترازاً عن تصرف المشتري في المبيع قبل القبض بالبيع، وذلك ممتنع مع كونه ملكاً له؛ لنهي النبي ﷺ عن بيع ما لم يقبض (٣)، ثم هو في حق المشتري في المبيع (٤)، وفي حق البائع في الثمن. وأما وجوب الاستبراء (٥) وثبوت (٦) الشفعة (٧)، وعتق القريب وملك المتعة (٨) في الجارية والخيارات الثابتة في البيع فأحكام للبيع، لكن بطريق الضمن،

стр. 2458

لا على القصد (١) والوضع من شرعية البيع. [أنواع البيع] وأما أنواعه فثمانية، أربعة في جانب المبيع، وأربعة في جانب الثمن. وأما التي في جانب المبيع: أحدها: بيع العين بالعين (٢)، كبيع (٣) السلع بمثلها، نحو بيع الثوب بالعبد، وهو بيع المقايضة (٤). والثاني: [بيع العين بالدين، نحو] (٥) بيع العين بالأثمان المطلقة، وهو المطلق في البيع عن القيد. والثالث: بيع الدَّين بالدَّين، وهو بيع الثمن (٦) المطلق بالثمن المطلق، كبيع الدراهم والدنانير، وهو بيع الصرف. والرابع: بيع الدين بالعين، وهو السّلم (٧)، فإن المسلم فيه مبيع، وهو دين. وأما الأربعة التي في جانب الثمن: أحدها: المساومة، وهي التي لا يلتفت إلى الثمن السابق. والثاني: بيع المرابحة (٨).

стр. 2459

والثالث: بيع التولية (١). والرابع: بيع الوضيعة (٢)، وهي ضد المرابحة؛ حيث تضع من رأس المال شيئاً (٣)، كذا في التحفة (٤) (٥) وغيرها. [أصل البيع] أو نقول: إن أنواع البيع ترتقي إلى عشرين نوعاً أو أكثر، وذلك؛ لأن البيع في أصله نوعان، حلال، واسمه البيع، وحرام، واسمه الربا، والحلال نوعان: لازم، وغير لازم، والحرام كذلك نوعان: ما يعود جائزاً برفع المفسد، وما لا يعود جائزاً بحال، فذلك أربعة أنواع، والحلال الذي هو غير لازم ما كان فيه خيار الفسخ للعاقد. [أنواع الخيار] والخيارات أربع (٦): خيار الشرط، وخيار الرؤية، وخيار العيب، وخيار بسبب الاستحقاق (٧).

стр. 2460

ثم البيع أنواع أربعة من جهة المبيع: • البيع المطلق، وهو بيع العين بعين أو بدين. • وبيع السلم وهو بيع ما في الذمة. • وبيع ما يصنعه عيناً، وهو الاستصناع (١). • وبيع المنافع وهو الإجارة (٢). ومن جهة الثمن أربعة: • بيع العين بالثمن وهو المطلق. • وبيع الثمن بالثمن وهو الصرف. • وبيع العين بمكيل أو موزون أو عددي متقارب في الذمة. • وبيع العين بثياب موصوفة في الذمة. ومن جهة الثمن ينقسم إلى أربعة: • بيع (٣) مساومة، وهو بيع بالثمن (٤) الذي يتفقان عليه. • وبيع مرابحة. • وبيع تولية. • وبيع وضيعة، وهو بيع بالنقصان من الثمن الأول. [البيع الفاسد وما يفسده] " وأما الفاسد فيفسد بجهات أربع: • إما لمعنى في المحل مع قيام المالية. • وإما لمعنى في العاقد [مع قيام الأهلية. • وإما لمعنى في العقد] (٥) مع قيام أصله. • وإما لعدم المالية في البدل"، كذا في الأسرار (٦) (٧).

стр. 2461

قوله (١) ﵀: البيع ينعقد بالإيجاب والقبول. [انعقاد البيع] والانعقاد عبارة عن انضمام كلام أحد العاقدين (٢) إلى الآخر على وجه يظهر أثره في المحل شرعاً. والإيجاب عبارة عما يتقدم من أحد العاقدين (٣) من قولهما: بعت واشتريت. والدليل عليه ما ذكره مطلقاً بعد هذا [معنى الايجاب] بقوله: وإذا أوجب أحد المتعاقدين البيع فإن الإيجاب ههنا هو الإثبات، لا أن يكون المراد منه إلزام حكم على وجه يأثم صاحبه عند (٤) تركه؛/ لأنه لا ولاية لأحدهما على الآخر، فبقوله: بعت يثبت كلام نفسه، أو يثبت الجواب على الآخر، إما بالرد أو بالقبول، وذلك؛ لأن الإيجاب فعل، والفعل صرف (٥) الممكن من الإمكان إلى الوجوب، أي: إلى التحقيق والثبوت، فإن قوله: بعت قبل أن يتكلم به البائع كان في حيز [الجواز، فلما قال: بعت فقد صرف من ذلك الحيز إلى الثبوت، فكان هو مثبتاً] (٦) لكلامه، أو كان مثبتاً الجواب على الآخر، فعلى الوجه الأول كان ينبغي أن يسمى القبول إيجاباً أيضاً (٧)، إلا أن المشتري لما قبل ما أوجبه البائع سمي قبولاً للتميز بين السابق واللاحق. [علة البيع] ثم اعلم أن عِليَّة البيع وما يضاهيه يتوقف على أربعة أشياء كما في الحسيات: في اتخاذ السرير مثلاً: • إلى النجار كالعاقد هنا. • إلى الآلة كالفاس وهو مثل قولنا: بعت. • وإلى النجر وهو مثل إخراج هذا القول على سبيل الإنشاء. • وإلى المحل كالخشب، وهو مثل المبيع ههنا. فلو اختل شيء من هذه الأربعة لا يتحقق فعل النجر في الحسيات، فكذلك في الشرعيات، لو اختل شيء من هذه الأربعة في عِليَّة البيع لم يبق علة. [صيغ البيع] قوله: إذا كان بلفظ الماضي وإنما أراد بهذا انعقاد البيع بدون النية، وأما إذا كان انعقاده باللفظ مع النية فيجوز انعقاده وإن كان بلفظ المستقبل (٨) أو أحدهما لفظ المستقبل، فيحمل حينئذ لفظ الاستقبال على الحال؛ فإنه ذكر في تحفة الفقهاء فقال: "أما ما يتحقق بلفظين فقد يكون بدون النية، وقد يكون مع النية، (أما) (٩) غير النية ففيما إذا كان اللفظان بصيغة الماضي، نحو أن يقول البائع: بعت منك هذا العبد بكذا، فقال المشتري: ابتعت إذ اشتريت، وكذا إذا بدأ المشتري فقال: اشتريت منك هذا العبد بكذا فقال البائع: بعته منك إذ أعطيته، أو نحو ذلك، وأما الذي لا ينعقد بدون النية (١٠) بأن يخبر عن نفسه في المستقبل، وهو أن يقول البائع: أبيع منك هذا العبد بألف، أو أبدله، أو أعطيكه، فقال المشتري: اشتريته بذلك، أو آخذه ونويا الإيجاب للحال، أو كان أحدهما بلفظ الماضي والآخر بلفظ المستقبل، مع نية الإيجاب للحال فإنه ينعقد؛ لأن صيغة الاستقبال يحتمل الحال فصحت النية، وأما إذا كان بلفظين يعبر بهما عن المستقبل، إما على سبيل الأمر، أو الخبر، بأحدهما من غير نية الحال فإنه لا ينعقد البيع عندنا، وذلك أن يقول البائع: اشتر مني هذا العبد بألف، فقال: اشتريت، أو قال البائع: أبيع منك هذا العبد بألف درهم، فقال المشتري: اشتريت" (١١).

стр. 2462

وذكر مثل هذا أيضاً في شرح الطحاوي (١) قال: "إذا قال البائع: أبيع منك هذا العبد بألف درهم، وأراد به إيجاب البيع في الحال، فقال المشتري: قبلت، أو قال المشتري: أولاً أشتري منك هذه الجارية بألف درهم، وأراد به إيجاب (٢) البيع (٣) في الحال، فقال البائع: بعت منك، تم البيع بينهما" (٤)، فعلى هذا كان معنى (وَلا يَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ أَحَدُهُمَا لَفْظُ الْمُسْتَقْبَلِ). أي: إذا لم ينو به الحال، وأما إذا نوى الحال فينعقد. [الفرق بين عقد النكاح والبيع] قوله في الكتاب (٥): (بِخِلافِ النِّكَاحِ، وَقَدْ مَرَّ الْفَرْقُ هُنَاكَ). فإن أحدهما لو قال للآخر: زوجني، فيقول: زوجتك، ينعقد النكاح؛ لأن هذا توكيل، والواحد يتولى طرفي النكاح، بخلاف البيع. (لأَنَّ الْبَيْعَ إنْشَاءُ تَصَرُّفٍ)، والإنشاء إثبات أمرٍ لم يكن، (وَالإِنشاء يعرف بِالشرع) (٦) [سبب اللفظ الماضي في البيع] لأن للشارع -وهو الله تعالى- ولاية الإيجاد والاعدام، والإثبات والمحو، فكان له الولاية الكاملة في وضع أسباب الشرائع وأركانها، والنبي ﷺ مخبر عنه بإعلامه إياه؛ بأن هذا سبب هذا؛ وبأن هذا شرط هذا، وقد استعمل النبي ﷺ لفظ الماضي (٧) الذي هو عبارة عن الذي تحقق وجوده في انعقاد البيع، فكان الانعقاد مقتصراً عليه؛ إذ القياس لا يجري في وضع الأسباب.

стр. 2463

والمعنى فيه أن انعقاد البيع في غير التعاطي لما توقف إلى العبارة، اختير له لفظ الماضي من بين سائر العبارات، وذلك؛ لأن المُخبَر به -وهو البيع والشراء- لم يكن بينهما في الزمن الماضي، فيجعل كأن الله تعالى أنشأ بينهما بيعاً وشراءً (١)، فهما أخبرا عنهما بقولهما: (بعت واشتريت) اقتضاءً تصحيحاً لكلامهما، ومثل هذا مرّ في الطلاق في قوله: أنت طالق حيث يجعل هناك قبل قوله: أنت طالق وقوع الطلاق اقتضاءً، وهذا إخبار عنه تصحيحاً لكلامه، فكذا هنا. ولا يرد على هذا قوله: (خذه (٢) بكذا) حيث ينعقد به البيع عند قبول المشتري، مع أنه ليس هو للماضي؛ لأنا نقول: إنه أمره بالأحذ، ولم يكن له ولاية الأمر بالأخذ إلا بأن يبيعه أن يبيح له بالأخذ، فيثبت البيع بطريق الاقتضاء (٣)، فترجحت (٤) جهة البيع على جهة الإباحة بدلالة قوله: (بكذا) وذكر في الإيضاح (٥): وإنما خص هذه اللفظة؛ لأن هذه اللفظة التي هي خبر عن الماضي تستدعي سبق المخبر به ليكون الكلام صحيحاً حكمةً وعقلاً،/ فصار الوجود حقًّا له بمقتضى الحكمة، فإذا قصد الإنشاء والإيجاد اختار اللفظ الذي لزمه الوجود، وهو لفظ الإخبار عن الماضي؛ (لأنه يؤدي معناه) وقد ذكرنا ذلك المعنى قبيل هذا، بأنه أمره بالأخذ وليس له ولاية فيه إلا بسابق البيع اقتضاءً. (والمعنى هو المعتبر) "حتى إن الحوالة تصير كفالة عند براءة الأصيل، والكفالة بشرط براءة الأصيل يصير حوالة" (٦). والمراد من النفيس: ما يكثر ثمنه كالعبيد، والإماء. ومنه الخسيس: ما يقل ثمنه كالبقل والرمانة واللحم والخبر. فقال: (هو الصحيح) احتراز عن قول الكرخي (٧)، فقال الكرخي: "إنما ينعقد البيع بالتعاطي في الأشياء الخسيسة نحو البقل، وعامتهم (٨) على أنه ينعقد في جميع الأشياء، الخسيسة والنفيسة في ذلك سواء" (٩).

стр. 2464

ثم اختلف المشايخ (١) أيضاً في أن الشرط في بيع التعاطي، الإعطاء من الجانبين، والإعطاء من أحد الجانبين يكفي، [وأشار محمد (٢) ﵀ في الجامع الصغير إلى أن "تسليم المبيع يكفي] (٣) " (٤) كذا في الذخيرة (٥). [الكتاب والإرسال في البيع] (والكتاب كالخطاب) (٦) وهو أن يكتب فيقول: أما بعد، فقد بعت (عبدي) (٧) فلاناً منك بألف درهم، فلما بلغه الكتاب قال في مجلسه ذلك: اشتريت، وقال: قبلت، تم البيع بينهما (وكذا الإرسال) "وهو أن يرسل رسولاً فيقول البائع: بعت هذا من فلان الغائب بألف درهم، فاذهب يا فلان وقل له، فذهب الرسول وأخبره بما قال، فقال المشتري في مجلسه ذلك: اشتريت، أو قال: قبلت، تم البيع بينهما؛ لأن الرسول معتبر وسفير، فينقل كلامه إليه، فإذا اتصل به الجواب ينعقد، وكذا هذا الجواب في الإجارة والهبة (٨) والكتابة (٩).

стр. 2465

وأما في الخلع (١) والعتق (٢) على مال فإنه يتوقف شرط (٣) العقد من الزوج والمولى على قبول الآخر وراء المجلس بالإجماع (٤) حتى إن من قال: خالعت امرأتي فلانة الغائبة على ألف درهم، فبلغها الخبر فأجازت أو قبلت صح. وكذا الإعتاق على مال يتوقف على إجازة العبد وإن كان غائباً، بخلاف البيع والشراء فإنه لا يتوقف، فإن من قال: بعت عبدي هذا من فلان الغائب بألف درهم، وبلغه الخبر فقبله لا يصح؛ لأن شرط العقد لا يتوقف بالإجماع. فأما النكاح في فلا يتوقف الشرط (٥) عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وعلى قول أبي يوسف (٦) ﵀ يتوقف، ثم في كل موضع لا يتوقف شرط العقد فإنه يجوز من العاقد الرجوع عنه، ولا يجوز تعليقه بالشرط والإحظار؛ لأنه عقد معاوضة، وفي كل موضع يتوقف شرط (٧) العقد كالخلع والعتق على مال لا يصح الرجوع، ويصح التعليق بالشروط؛ لأنه في جانب الزوج والمولى بمنْزلة التعليق، وفي جانبها بمنْزلة المعاوضة. وكذا في التحفة (٨) وشرح الطحاوي (٩).

стр. 2466

قوله ﵁ (وليس له أن يقبل في بعض المبيع إلى آخره .. ) (١) [بيع اتحاد الصفقة] وإذا أوجب البائع البيع في شيئين أو ثلاثة، وأراد المشتري أن يقبل العقد في أحدهما دون الآخر فهذا على وجهين، إن كانت الصفقة واحدة فليس له ذلك، وإن كانت متفرقة فله ذلك؛ وهذا لأن الصفقة إذا كانت واحدة فالمشتري بقبول العقد في أحدهما يريد تفريق الصفقة على البائع، وفي ذلك ضرر بالبائع؛ لأن العادة فيما بين الناس أنهم يضمون الرديء إلى الجيد في البياعات، وينقصون شيئاً عن الجيد (٢) لترويج الرديء بالجيد، فلو ثبت خيار قبول العقد في أحدهما فالمشتري يقبل العقد في الجيد ويترك الرديء على البائع، فيزول الجيد عن ملك البائع بأقل من ثمنه، وفيه ضرر بالبائع. [ما يوجب اتحاد الصفقة وتفريقها] وقال القدوري (٣) ﵀: "إلا أن يرضى البائع في المجلس، نحو أن يقول: بعتك (هذا العبد بخمسين، فيقول المشتري: قبلت في نصفه فيرضى به البائع، أو يقول: بعتك) (٤) هذين القفيزين بعشرة فيقول المشتري: قبلت في أحدهما (٥) (٦) فيرضى به البائع، ويكون ذلك من المشتري في الحقيقة استئناف إيجاب لا قبول، فإذا رضي به البائع في المجلس يجوز، قال (٧): وإنما يصح مثل هذا إذا كان للبعض الذي قبله المشتري حصة معلومة من الثمن على نحو ما ذكرنا من المثال في العبد الواحد وفي القفيزين؛ لأن الثمن ينقسم عليهما باعتبار الأجزاء، فيكون حصة كل قفيز معلومة، فأما إذا كان الثمن ينقسم باعتبار القيمة، نحو أن أضاف العقد إلى عبدين أو ثوبين، لم يصح العقد إذا قبل المشتري في أحدهما، وإن رضي به البائع؛ لأن القبول من المشتري لما جعل بمنْزلة ابتداء إيجاب، فإذا لم يكن حصة كل واحد منها معلومة، لو جاز البيع في الذي قبل كان هذا ابتداء عقد بالحصة، وأنه لا يجوز" (٨).

стр. 2467

ولو قال: بعتك هذين العبدين، هذا بمائة وهذا بمائة، فقبل المشتري البيع في أحدهما، ذكر في بعض المواضع أنه يجوز (١)، وذكر في الجامع أنه لا يجوز (٢) إلا أن يقول: بعتك هذين العبدين، بعتك هذا بمائة، وبعتك (٣) هذا بمائة، فقبل المشتري (البيع في) (٤) أحدهما/ جاز. أما إذا لم يعد لفظ البيع كانت الصفقة واحدة، فلا يصح قبول أحدهما، وإن سمى لكل واحد منهما ثمناً، ثم لابد من بيان معرفة إيجاد الصفقة وتفرقها (٥)، فنقول: إذا اتحد البيع والشراء والثمن بأن ذكر (الثمن) (٦) جملة، والبائع واحد، والمشتري واحد، فالصفقة متحدة قياساً، واستحساناً (٧)، وكذلك تفرق الثمن بأن سمّى لكل بعض (٨) من المبيع ثمناً على حدة، واتحذ (٩) الباقي، بأن قال البائع: بعتك هذه الأثواب العشرة، كل ثوب منها بعشرة، كانت الصفقة متحدة أيضاً، وكذلك إذا كان البائع أوالمشتري اثنين، والثمن ذكر جملة، بأن قال البائع لرجلين: بعت هذا منكما بكذا، أو قال المشتريان: اشترينا هذا منك بكذا، كانت الصفقة متحدة، هذا هو الكلام في الاتحاد.

стр. 2468

[تفرق الصفقة] وأما الكلام في جانب التفرق فنقول: إن تفرقت التسمية، فإن سمى لكل بعض ثمناً على حدة، وتكرر البيع والشراء، والبائع والمشتري اثنان، وكان أحدهما اثنين، فالصفقة متفرقة، وكذلك إذا تفرق الثمن وتكرر البيع والشراء، والبائع والمشتري واحد، بأن قال البائع لرجل: بعت منك هذه الأثواب، بعت هذا بعشرة، بعت (١) هذا بخمسة، أو قال المشتري: اشتريت منك هذه الأثواب، اشتريت هذه بعشرة (و) (٢) اشتريت هذه بخمسة، كانت الصفقة متفرقة بالاتفاق، وأما إذا تفرق الثمن، إلا أنه لم يتكرر لفظ البيع والشراء، واختلف العائد بأن كان من أحد الجانبين اثنان، أو كان من كل جانب اثنان، ذكر في بعض المواضع أنها صفقة واحدة، وذكر في بعض المواضع (٣) أنها صفتان، قيل: الأول استحسان، والثاني قياس، وقيل: الأول قول أبي حنيفة ﵀، والثاني قول صاحبيه، كذا في الذخيرة والمحيط (٤)، ذكر في المغرب (٥) "الصفقة ضرب اليد على اليد في البيع والبيعة، ثم جعلت عبارة عن العقد نفسه" (٦). [ما يبطل الإيجاب] وأيهما قام عن المجلس قبل القبول بطل الإيجاب فكان هذا امتناعاً عن إتمام العلة لا إبطالها؛ ذلك لأن إيجاب البائع أحد شطري علة الحكم، والحكم إذا تعلق بعلة ذات وصفين كان للأول حكم السبب، والثاني حكم العلة، [فلما لم يكن للأول قبل قبول الآخر حكم العلة] (٧) لا يكون إبطال القول بالقيام إبطالاً للعلة فيجوز. ثم إنما ذكر بقوله: وأيهما قام، على وجه التعميم على المتعاقدين، احترازاً عن إيجاب الخلع وإيجاب العتق على مال من الزوج والمولى، فإن حكم البطلان بالقيام لم يعم المتعاقدين، أعني الزوج والمرأة والمولى والعبد؛ حيث لا يبطل الإيجاب بقيام الزوج والمولى، بخلاف قيام المرأة والعبد على ما ذكرنا.

стр. 2469

(لأن القيام دليل الإعرض) فإن قيل: لا شك أن الصريح أقوى من الدلالة، ثم هو لو قال بعد القيام: قبلت، صريحاً لا يصح أيضاً، فلو كان القيام دليل الإعراض كان ينبغي أن يترجح عليه صريح القبول (١)؛ لأن الصريح أقوى من الدلالة، قلنا: لأن رجحان الصريح على الدلالة إنما يكون عند المعاوضة، وذلك إنما يكون قبل أن يثبت الحكم بالدلالة، فلما ثبت حكم الدلالة بنفس القيام الذي هو دليل الإعراض لم يعمل بعد ذلك صريح القبول، وإن كان هو قوياً في نفسه؛ لأنه انفسخ بمجرد القيام ما كان متوقعاً، والمفسوخ لا يلحقه الإجازة (٢). (وله ذلك) أي: وللمُوجِبِ الرجوع عما أوجب (على ما ذكرنا) وهو قوله للموجب أن يرجع (٣) لخلوه عن إبطال حق الغير، [أحوال خيار القبول] (والحديث محمول على خيار القبول) (٤) وهو الذي ذكر قبله فالآخر بالخيار، وإن شاء قبل في المجلس، وإن شاء ردَّ (وفيه إشارة إليه) أي: في الحديث (٥) إشارة إلى خيار القبول، فوجه الإشارة هو أن الأحوال ثلاث: قبل قولهما، وبعد قولهما، والثالث بعد كلام الموجب وقبل قبول الآخر.

стр. 2470

وإطلاق لفظ المتبايعين عليهما في الوجهين الأولين، مجاز (١) محض؛ لأن اسم المتبايعين عليهما قبل كلاهما بالبيع والشراء كان باعتبار ما يؤول، وبعد كلامهما بالبيع والشراء كان إطلاق اسم المتبايعين (٢) عليهما باسم ما كان، وأما إذا وجب أحدهما البيع، والآخر على عرضية القبول كان ذلك الوقت وقت التبايع، فكانا متبايعين حقيقة، وذلك الوقت وقت خيار القبول، على ما ذكرنا، فكان محمولاً عليه؛ ولأن هذه الحالة حالة جامعة لما كان قبل التبايع، وما كان بعده فكانت هي أحق بحقيقة حالة التبايع. فإن قيل: بعد وجود كلاهما أبقاهما الشارع متبايعين؛ لما أن الشارع أعطى للعقود الشرعية حكم الجواهر لما عرف. قلنا: الباقي بعد كلامهما حكم كلاهما، لا حقيقة كلامهما؛ فإن الكلام كما وجد يضمحل ويتلاشى. [حقيقة التفرق في المجلس] فإن قلت: ففي كل واحد من المحملين -أعني ما حمله الشافعي (٣) ﵀ (٤) فما ذكرت/ وأما فيما حملناه (٥) فهو أن التفرق من الأوصاف، فقيام ما لا يكون إلا بالأعيان فلو أسند التفرق إلى القول يلزم قيام العرض بالعرض، وذلك لا يجوز، إلا أن يسند إليه بطريق التجوز (٦) فيجب لذلك أن يسند التفرق إلى البدن؛ ليكون قولاً بحقيقة التفرق، قلت: نعم كذلك، إلا أن إسناد التفريق والتفرق إلى غير الأعيان شايع فاشٍ في مجاري الكلام، فصار هو بسبب فشو الاستعمال (فيه) (٧) بمنْزلة الحقيقة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (٨) وقال: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (٩) هذان في الاعتقاد، وقال: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ (١٠)، هذا في النكاح، وقال ﷺ : «وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة (١١)» (١٢) هذا أيضاً في الاعتقاد.

стр. 2471

[الخلاف في خيارالقبول] وكان الحمل على القول حملاً على ما هو فاشٍ في الاستعمال، وهو بمنْزلة الحقيقة (١) يتسارع إليه الأفهام، وصيانة لاسم المتبايعين عن الحمل على المجاز على ما ذكرنا، وذكر في الأسرار "أن المراد من الخيار المذكور في الحديث خيار الإقالة (٢)، بخلاف النكاح بدليل أنه أضاف إليهما، وإنما الإقالة المبتدأة يتعلق باختيارهما جميعاً، لا الرد بخيار المجلس" (٣) وذكر في الإيضاح، ولا كلام للشافعي (٤) من حيث الفقه، فإن قضية العقد اللزوم؛ لأنه تم بهما، وتعلق به حق كل واحد منهما، فثبوت الخيار يستدعي سبباً لا محالة، ولم يوجد، وحمْل الحديث على خيار القبول منقول عن إبراهيم (٥) ﵀. (أو يحتمله) أي: يحتمل الحديث خيار القبول. والأعواض (٦) المشار إليها (٧)

стр. 2472

أي: سواء كانت ثمناً، أو مثمناً، بعد أن لم يكن في الأموال الربوية، فإن الأعواض إذا كانت من الأموال الربوية كالدراهم، والدنانير، والحنطة، والشعير، إذا بيعت بجنسها عند جهالة مقدارها لا يجوز (١)، وإن أشير إليها؛ لاحتمال الربا على ما يجيء. (وجهالة الوصف فيه) أي وصف المقدار في التعريف. (لا تفضي إلى المنازعة)؛ لأن الأعواض حاضرة (٢)، والتقابض حال، بخلاف جهالة وصف المقدار في الْمُسلّم فيه، حيث لا يجوز؛ لأدائها إلى المنازعة؛ لأن الْمُسلّم [فيه ليس بحاضر، ولم يشر العقد إليه، فيطالب رب السلم الْمُسلّم فيه] (٣) عن الْمُسلّم إليه مقداراً أزيد مما يدفعه الْمُسلّم إليه (٤) وهو لا يسلم إليه ما يطالبه رب السّلم فيتنازعان. (والأثمان المطلقة) (٥) [البيع في الأثمان المطلقة] أي المطلقة في الثمنية، ثمينة أي: الكاملة فيها، وهي الدراهم والدنانير؛ فإنهما ثمنان على الإطلاق؛ لما أنهما خلقا للثمنية (٦) لوجهين (٧): [صورة الأثمان المطلقة] أحدهما: دليل المقابلة، وهو أن ذكر الأثمان المطلقة عقيب قوله: والأعواض المشار إليها مع اختلاف الحكم عُلم أن ذلك الاختلاف لم ينشأ إلا (٨) بذكر الإشارة وعم ذكرها، والثاني إن ذكر القدر والصفة شرط (٩) في الثمن إذا لم يكن مشاراً إليه وإن لم يكن هو (١٠) مخلوقاً للثمنية كما في المكيلات (١١) والموزونات (١٢) (١٣)، كما هو شرط في الدراهم والدنانير، فلم يفد الاحتراز عنه حينئذ بذكر الإطلاق، وذلك (١٤) أن الأموال ثلاثة: ثمن محض "كالدراهم والدنانير، وإنما (١٥) خلقت (١٦) للثمينة أبداً قابلها (١٧) أمثالها وأعياناً صحبها حرف الباء أو لا. قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ سورة (١٨) فسر الثمن بالدراهم (١٩)، ومبيع محض، وهو الأعيان التي ليست من ذوات الأمثال، إلا الثياب إذا وضعت وضرب لها أجل، فإن في هذه الصورة تصير هي ثمناً، حتى لو اشترى عبداً بثوب موصوف في الذمة ولم يضرب للثوب أجلاً لم يجز، وإن ضرب أجلاً جاز، وما كان متردداً بين مبيع وثمن، فهي المكيلات، والموزونات، والعدديات المتقاربة (٢٠) [فإنها مبيعة باعتبار أنها منتفع بأعيانها، ثمن باعتبار أنها مثلية كالدراهم والدنانير، فإن قابلها الدراهم والدنانير فهي مبيع، وأما إذا كان في مقابلتها عين فإن المكيلات والموزونات معينة، فهي مبيعة] (٢١) وثمن؛ لأن البيع لابد له من مبيع وثمن، وليس أحدهما بأن يجعل مبيعاً أولى من الآخر، فجعلنا كل واحد منهما مبيعاً من وجه ثمناً من وجه، أما إذا كانت غير معينة فإن استعملت استعمال الأثمان فهي ثمن، بأن يقول: اشتريت هذا العبد بكذا كذا حنطة، ويصف ذلك، وإذا استعملت استعمال المبيع كانت مبيعة، بأن قال: اشتريت منك كذا حنطة بهذا العبد

стр. 2473

فلا (١) يصح العقد إلا بطريق السلم" (٢) كذا في الذخيرة والمحيط. وصورة الأثمان المطلقة قيل: بيان القدر والصفة. أما إذا قال: اشتريت/ هذا الشيء بالذهب، ولم يبين قدره، ولا صفته، وكذا لو قال: بالدراهم، وبيان القدر أن يقول: عشرة أوخمسة، وبيان الصفة أن يقول: بخاري (٣) أو سمرقندي (٤). (وكل جهالة هذه صفتها) (٥) وهي كونها مفضية إلى المنازعة، وهذا احتراز عن جهالة لا تفضي إلى المنازعة، فإنها لا تمنع الجواز على ما ذكر قبيل ذلك في قوله: والأعواض المشار إليها لا يحتاج إلى معرفة قدرها (٦) … إلى آخره. وكذا لو باع عبداً من عبدين على أن المشتري بالخيار، وكذا لو باع قفيزاً (٧) (٨) من صبرة (٩) طعام مشار إليها.

стр. 2474

[إطلاق الثمن عند ذكر الصفة] ومن أطلق الثمن (١) أي: عند ذكر الصفة، أي: ذكر القدر دون الصفة، فإنه لو لم يذكرهما كانت هذه المسألة غير (٢) تلك المسألة التي ذكرها قبلها قبل الاستثناء، وهي قوله: والأثمان المطلقة لا تصح، ولو ذكر فيما كانت عين تلك المسألة بعد الاستثناء، وهي أن تكون معروفة القدر والصفة في الأثمان المطلقة فيلزم التكرار، فلابد من أن يقال: إن معنى الإطلاق هنا هو (٣) الإطلاق عن ذكر الصفة دون القدر، بأن يذكر القدر دون الصفة، بأن قال: اشتريته بعشرة دراهم، ولم يقل: إنها بخارية أو سمرقندية، ثم في زماننا في بخارى كان ذكر الدراهم منصرفاً إلى ذكر (٤) الدراهم البخارية؛ لأنها غالب نقد البلد. [اختلاف نقود البلد] (وهذا) (٥) أي: فساد البيع فيما إذا كان كل النقود (في الرواج (٦) سواء) مع اختلافها في المالية، كالذهب الركني والخليفتي، فإن (الذهب) (٧) الخليفتي كان أفضل في المالية من (٨) الركني، ثم إنهما كانا غالب نقد البلد (وهذا إذا كانت مختلفة في المالية) "أي: فساد البيع بإطلاق الثمن عن الصفة فيما إذا كانت النقود الرابحة مختلفة في المالية كما ذكرناه. (الثنائي) ما كان الاثنان منه دانقاً (٩)، والثلاثي هو ما كان الثلاث منه دانقاً، والنصرتي بسمرقند بمنْزلة الناصري ببخارى، كذا في فوائد مولانا الإمام حميد الدين الضرير (١٠) حمه الله" (١١)، وحاصل هذا ما ذكر في الذخيرة: "إذا اشترى الرجل شيئاً من آخر بألف درهم، أو بمائة دينار، ولم يسمِّ شيئاً، فهذا على وجهين:

стр. 2475

الأول: أن يكون في البلد [نقدٌ واحد معروف في هذا الوجه جاز العقد، وينصرف إلى] (١) نقد البلد بحكم العرف؛ لأن المعروف كالمشروط (٢). والوجه الثاني: إذا كان في البلد نقود مختلفة، فإنه (٣) على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون الكل في الرواج على (٤) السواء، ولا صرف (٥) لبعضها على البعض، وفي هذا الوجه جاز العقد، وإن كان الثمن مجهولاً؛ إذ لم يصر نقداً من النقود، ومعلوماً لا بحكم العرف ولا بحكم التسمية، إلا أن هذه جهالة لا يوقعهما في منازعة مانعة من التسليم والتسلّم، وإن كان لبعضها صرف على البعض، والكل في الرواج على السواء كما في الغطارفة (٦) مع العدالي (٧) في الزمان السابق، لا يجوز البيع؛ لأن الجهالة ههنا توقعهما في المنازعة المانعة من التسليم والتسلم، وإن كان لبعضهما فضل على البعض، إلا أن واحداً منها أروج فإنه يجوز؛ لأن العقد ينصرف إلى الأروج" (٨). (إلى ما قدر به) [بيع الطعام والحبوب] على بناء [المفعول. ويجوز بيع الطعام والحبوب فاسم الطعام في] (٩) العرف يقع على الحنطة ودقيقها في البيع والشراء، على ما يجيء في الوكالة -إن شاء الله تعالى-، فعلى هذا لا يكون ذكر الحبوب بعدم الطعام مستدركاً، وكان المراد من الحبوب العدس والحمصة وأمثالها، أو نقول: اسم الطعام غلب على البُر كما في حديث صدقة الفطر، «كنا نخرج على عهد رسول الله ﷺ صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير» (١٠)، كذا في المغرب (١١)، فكان ذكر الحبوب بعد ذلك واقعاً على ما يعتبر حبه كالباقلي (١٢) والحمصة، فإنهما قد يوكلان حباً حباً (١٣)، ولكن الحق غيرهما بهما بطريق الدلالة؛ لدخول كل منها تحت الكيل.

стр. 2476

المكايلة (بايكد يكر بيمانه معاملت كردن) (١) المجازفة والجزاف فارسي معرب، وهو البيع والشراء، وهو بالحدس بلا كيل ولا وزن. كذا في الصحاح (٢) (٣) والمغرب (٤). قوله: (وهذا) [البيع مجازفة] إشارة إلى البيع مجازفة (٥)؛ لأن هذا القيد وهو بيعه بخلاف جنسه (٦) إنما يشترط في المجازفة (٧) لا في المكايلة؛ لأن هناك يعلم الْمساواة بالكيل. ثم هذا القيد وهو قوله: (هذا إذا باعه بخلاف جنسه) إنما يفيد فيما إذا كان شيئاً يدخل تحت الكيل، فأما إذا كان قليلاً فيجوز بيع البعض بالبعض مجازفة، وإن كان في جنس واحد، حتى لو باع نصف منٍّ (٨) من الحنطة بمنوين من الحنطة يجوز، كذا في الذخيرة (٩). [إناء الكيل] (فشابه جهالة القيمة) أي: إذا لم يعرف قيمة المبيع يجوز كما لو عرف، حتى لو اشترى شيئاً بدرهم مثلاً وقيمة ذلك الشيء مجهولة، ولا يعرف أنها زائدة على الثمن، وهو الدرهم، أو ناقصة عنه، يجوز لما أن هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة، فلا تكون مانعة من التسليم والتسلم (١٠).

стр. 2477

ويجوز بإناء بعينه لا يعرف مقداره (١) قيل: هذا محمول على ما إذا كان الإناء من خزف، أو حديد، أو خشب، أو ما أشبه ذلك، مما لا يحتمل الزيادة والنقصان، وأما إذا كان سبباً يحتمل الزيادة/ والنقصان كالزنبيل والجوالق (٢)، الغرائر (٣)، لا يجوز، كذا في المغني (٤). قوله: (لأن الجهالة لا تفضي إلى المنازعة) (٥) فإن قيل: يشكل على هذا ما إذا باع أحد العبيد الأربعة على أن المشتري فيه (٦) بالخيار ثلاثة أيام يأخذ أيهم شاء ويرد الباقين، أو اشترى شيئاً (٧) بأي ثمن شاء، فإن البيع باطل، وإن لم تكن هذه الجهالة مفضية إلى المنازعة. قلنا: لأن ثمّة لا يجوز العقد لا لأجل الجهالة، بل لعدم المعقود عليه؛ لأن العقد لم ينعقد في أحدهم عيناً، وفي غير العين لا يفيد انعقاد العقد، فلم ينعقد لأجل (٨) هذا المعنى، لا لأجل الجهالة، وكذا إذا باع بأي ثمن شاء المشتري فالثمن معدوم؛ لأنه لا يمكن أن يجعل قدراً من الثمن ثمناً في الحال. وأما ههنا لو امتنع جواز العقد إنما يمتنع لأجل الجهالة؛ لأن المعقود عليه موجود، وكذا في مبسوط (٩) أبي اليسر (١٠) ﵀، وذكر في المبسوط "وإن اشترى بذلك الإناء يداً بيد فلا بأس به؛ لأن في المعين يجوز البيع مجارفة، فبمكيال غير معروف أولى؛ وهذا لأن التسليم عقيب العقد والقدرة على التسليم في الحال ثابتة بقيام المكيال الذي عينه، وعن أبي حنيفة ﵀ أنه (لا) (١١) يجوز في البيع أيضاً؛ لأن البيع في المكيلات والموزونات إما أن يكون مجازفة أو بذكر القدر، ففي المجازفة المعقود عليه ما يشار إليه، وعند ذكر القدر المعقود عليه ما سمي من القدر، ولم يوجد منهما ههنا فإنه ليس بمجازفة، ولا يشترط فيه الكيل إذا لم (يكن) (١٢) المكيال معلوماً، وعن أبي يوسف ﵀ من بيع العين أن عين مكيالاً ينكبس بالكبس (١٣).

стр. 2478

كالزنبيل (١) ونحوه، لا يجوز العقد فيه؛ لأنه يتمكن المنازعة بينهما في الكيل، وإن كان شيئاً لا ينقبض ولا ينبسط كالقصعة (٢) ونحوها يجوز" (٣). وقالا: يجوز في الوجهين (٤) (٥) أي سواء سمَّى جملة القفران أو لم يسم. (لجهالة المبيع والثمن) (٦) فإن قيل: سلمنا أن فيه جهالتهما، ولكن الجهالة إنما تفسد البيع إذا كانت مفضية إلى المنازعة، كما مر (٧)، وهذه ليست بمفضية إليها؛ لأن كل قفيز مقابل بدرهم، [وقد تراضيا به، فبعد ذلك] (٨) لا يتفاوت بين أن تكون الصبرة مائه قفيز أو لم تكن، فينبغي أن يجوز كما في الأعواض المشار إليها من غير معرفة القدر والصفة. [بيع صبرة طعام بقفزان] قلنا: قد يفضي إلى المنازعة؛ لأن البائع يطالب من المشتري قبض الثمن أولاً، والثمن غير معلوم، وهذا لا يدفع ما لم يعرف قدر ما وجب عليه من الثمن؛ لأن ذلك إنما يكون عند عرفان قدر المبيع، فيتنازعان، وحاصل ذلك أن صيغة العموم إذا أضيفت إلى محل لا يقبل العموم يراد بها أخص الخصوص الذي دل عليه الكلام (٩)، كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (١٠) الآية. وههنا أخص الخصوص قفيزاً واحداً فيحمل عليه.

стр. 2479

(أو بالكيل في المجلس) (١) وإنما قيد بهذا لأنه إذا سمى جملة قفزانها، أو كان بعد الافتراق عن المجلس، لا يصح، وإنما يصح إذا علم في المجلس؛ لأن ساعات المجلس بمنْزلة ساعة واحدة، فصار العلم في المجلس كالعلم في (٢) حالة العقد. وأما إذا افترقا تقرَّر الفساد لجهالة الثمن فلا ينقلب جائزاً. فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين ما إذا كان الفساد بحكم شرط أجل مجهول، أو شرط الخيار أربعة أيام، فإنه ينقلب جائزاً، إذا رفع المفسد بعد الافتراق عن المجلس أيضاً؟. قلت: إن الفساد ثمة لم يكن (٣) في صلب العقد، فلا ينعقد (٤) بالمجلس؛ لأن أثر الفساد هناك لا يظهر في الحال، بل يظهر عند دخول اليوم الرابع، وامتداد الأجل إلى هذا أشار في الجامع الصغير لقاضي خان (٥). (ولهما أن الجهالة بيدهما إزالتها، ومثلها غير مانع) فإن قيل (٦): بل مثلها/ مانع أيضاً؛ لجواز البيع، كما في البيع بالرقم (٧)، فإنه فاسد،

стр. 2480

وإن كانت إزالة الجهالة بيدهما. قلنا: إنما فسد البيع بالرقم؛ لأن فيه زيادة جهالة تمكنت في صلب العقد، وهو جهالة الثمن بسبب رقم لا يعلمه المشتري، فصار هو بسببه (١) بمنْزلة القمار؛ لأنه يحتمل أن يبين البائع قدر الرقم بعشرة دراهم، أو أكثر، أو أقل، وعن هذا قال الشيخ [شمس الأئمة] (٢) الإمام الحلواني (٣) ﵀: وإن علم بالرقم في المجلس لا ينقلب ذلك العقد جائزاً، ولكن إن كان البائع دائماً على ذلك الرضى فرضي به المشتري ينعقد بينهما عقد ابتداء التراضي، هكذا ذكر في نوع جهالة المبيع والثمن في الفصل السادس من بيوع الذخيرة (٤). وأما مسألتنا قدر المبيع الذي هو الصبرة كما يعلم بكيل البائع فكذلك يعلم بكيل المشتري فكان إزالة الجهالة بيدهما فيحوز، وأما جواب أبي حنيفة ﵀ من: (بيع عبد من عبدين) أن القياس فيه الفساد أيضاً، إلا أنا جوزناه استحساناً بالنص، وأصل هذه المسألة من الطرفين ما ذكره في المبسوط، في باب البيوع الفاسدة، من كتاب البيوع فقال: "والأصل عند أبي حنيفة ﵀ أنه متى أضاف كلمة كل (إلى) (٥) (٦) ما لم يعلم منتهاه فإنما يتناول أدناه، وهو الواحد، كما لو قال: لفلان عليَّ كل درهم يلزمه درهم واحد، وكذلك إذا اشترى صبرة (٧) من حنطة كل قفيز بدرهم، وكذا إذا أجّر داره كل شهر (بدرهم) (٨) يلزم العقد في شهر واحد عند أبي حنيفة ﵀، وإذا كفل بنفقة امرأة عن زوجها كل شهر فإنما يلزم ذلك في شهر واحد عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما هو كذلك فيما لا يكون منتهاه معلوماً بالإشارة إليه، فأما فيما يعلم جملته بالإشارة فالعقد يتناول الكل، كما لو كان معلوم الجنس بالتسمية؛ لأن الإشارة أبلغ من (٩) التعريف في (١٠) التسمية، فإذا عرفنا هذا الأصل فنقول ههنا: الجملة معلومة بالإشارة، فيجوز العقد في الكل عندهما، ولا جهالة في ثمن كل واحد منهما، والجهالة التي في جملة الثمن لا تفضي إلى المنازعة؛ لأنها ترتفع بالعد وهو عدّ المشار إليه، وعند أبي حنيفة ﵀ (١١) - لما لم يكن العد معلوماً عند العقد قائماً يتناول العقد واحداً من الجملة، وبيع شاه من القطيع لا يجوز؛ لأنها متفاوتة، وإن كانت العبرة للإشارة، فثمن جميع ما أشار إليه عند العقد مجهول، وجهالة مقدار الثمن يمنع صحة العقد، وما هو شرط العقد إذا انعدم عند العقد، يفسد العقد ولا يعتبر، فكان إيجاده في الثاني كشرط الشهود في النكاح، وعلى هذا لو باع صبرة حنطة كل قفيز منهما بدرهم إلا (١٢) أبا حنيفة ﵀ قال:

стр. 2481

هناك العقد جائز في قفيز واحد، فإنه إذا اشترى قفيزاً من الصبرة جاز بالإجماع (١)؛ لأن القفزان لا تتفاوت بخلاف الغنم" (٢)، وفي الفوائد الظهيرية (٣). فإن قيل: ما ذكره أبو حنيفة ﵀ وصاحباه ينتقض بما إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، أو قال: كل عبد اشتريته فهو حر، فإنه ينصرف إلى كل امرأة يتزوجها، وإلى كل عبد يشتريه، فينبغي أن لا يجوز هذا على ذلك الأصل المذكور (٤) اتفاقاً، أما على قول أبي حنيفة ﵀ كما في مسألة الأغنام (٥)، وأما عندهما ففيما لا يكون منتهاه معلوماً بالإشارة لا يجوز، كقول أبي حنيفة ﵀ كما في مسألة الإجارة (٦)، وهذا كذلك. قلنا: نحن ندعي ذلك فيما يجري فيه المنازعة، لا فيما لا يجري، وبه يقع الانفصال عما ذكرتم للمشتري الخيار عند تفرق الصفقة (٧).

стр. 2482

فإن قيل: يشكل هذا بما إذا باع الرجلان عبداً بألف درهم من رجل، ثم اشترى أحدهما الكل بخمسمائة قبل نقد الثمن، فإنه يجوز في نصيب الشريك، ولا يجوز في نصيب الذي اشتراه، وليس له الخيار مع تفرق الصفقة، علم بهذا أن تفرق الصفقة لا يوجب الخيار. قلنا: إنما كان هناك هكذا لأنه لم يجز ذلك الشراء في نصيب نفسه؛ لأن بالجواز يلزم شراء ما باع بأقل مما (١) باع قبل نقد الثمن، وذلك لا يجوز عندنا، وكان ذلك الشراء واقعاً في نصيب الشريك بالحصة، كما لو اشترى القنّ (٢) مع المدبر (٣) بثمن معلوم يصح الشراء على القن بحصته ولا خيار فيه. فإن قيل: ينبغي أن لا يخير المشتري على (قول أبي حنيفة ﵀: في قفيز واحد) [لأنه كان يعلم انصراف البيع إلى قفيز واحد] (٤)، كما لو اشترى قنًّا مع المدبر حيث لا خيار له في القن؛ لعلمه أن البيع منصرف إليه، وذلك (لأن تفريق الصفقة) إنما يلزم أن لو كان إيجاب البيع والشراء واقعاً على الكل، ثم هو يقبل البعض، وليس ههنا كذلك على قول أبي حنيفة ﵀. [تفرق الصفقة لا يوجب الخيار] قلنا: "إن انصراف البيع إلى قفيز واحد مجتهد فيه، والعوام لا علم لهم بأحكام المسائل المجتهد فيها، فيلزم تفريق الصفقة على قولهما، وإن لم يلزم على قول أبي حنيفة ﵀". كذا في الفوائد الظهيرية وغيرها (٥).

стр. 2483

(وكذا إذا كيل في المجلس أو سمي جملة، قفزانها) (١) أي للمشتري الخيار أيضاً، وإن لم يكن فيه تفريق الصفقة، ولكن لمعنى آخر، وهو أن حال المشتري إنما انكشفت عليه في الحال في مقدار الواجب عليه ثمناً، فجاز أن يكون في حدسين (٢)، أن يكون ذلك أقل من الذي ظهر، فقيل: الكل بنى على ذلك الحدس والظن، فلما ظهر أكثر مما ظن كان له الخيار؛ لأنه ربما لا يكون له (٣) من الثمن بمقدار هذا الذي ظهر، ولا يمكنه أخذ ذلك الزائد بلا ثمن، ولا يمكنه أخذ ما ظن بدون ذلك الزائد؛ لتفرق الصفقة، فكان له الخيار، كما لو لم يره المشتري وقت الشراء، ثم رآه، له خيار الرؤية؛ لأنه بعدما رآء (٤) ربما لا يعجبه، فأثبت الشارع له فيه خيار الرؤية دفعاً للضرر فكذا هنا، إلى هذا أشار في شرح الجامع الصغير (٥) (٦). [بيع الثوب مذارعة] وكذلك من باع ثوباً مذارعة (٧) أي: بشرط الذرع. اعلم أن هذه المسألة على وجوه ثلاثة: أحدها: أن تبين جملة الذرعان ولم يبين جملة الثمن فقال: بعت منك هذا الثوبوهو عشرة أذرع- كل ذراع بدرهم، فهو جائز؛ لأن المعقود عليه (٨) وجملة الثمن صارت معلومة ببيان الذرعان (٩) الثوب. والثاني: أن يبين جملة الثمن، ولم يبين جملة المعقود عليه، فقال: بعت منك هذا الثوب بعشرة دراهم، كل ذراع بدرهم، فهو جائز؛ لأنه لما سمى لكل ذراع درهماً، وبيَّن جملة الثمن، صار جميع الذرعان معلوماً.

стр. 2484

والثالثة: أن يقول: بعت منك هذا الثوب كل ذراع بدرهم، ولم يبين جملة الذرعان، ولا جملة الثمن، وهي مسألة الكتاب (١)، فعلى قول أبي حنيفه (٢) ﵀: لا يجوز، وعلى قولهما: يجوز (٣)، كذا في الجامع الصغير لقاضي خان (٤). [حكم المعدود المتفاوت] وكذا كل معدود متفاوت (٥) كالخشب والأواني (لتفرق الصفقة عليه) (٦)

стр. 2485

لأن ما زاد على الموجود إنما يجب على البائع تسليمه بصفقة على حدة؛ لأن الصفقة الأولى وقعت على هذا الموجود، ولم يكن الزائد داخلاً فيها، وقد ذكرنا أن تكرر (١) البيع أو الشراء يوجب تفريق الصفقة، وكل واحد من المتعاقدين مخير في الصفقة المستأنفة، إن شاء باشر الصفقة، وإن شاء لم يباشر، فقال: والقدر ليس بوصف (٢)، بل هو أصل، واعلم أن المشائخ ذكروا في الفرق بين الوصف والأصل حدوداً. قيل: إنَّ ما يتعيب بالتبعيض والتشقيص فالزيادة والنقصان [فيه وصف، وما لا يتعيب] (٣) بالتبعيض والتشقيص (٤) فالزيادة والنقصان (٥) فيه أصل. وقيل: الوصف ما لوجوده تأثير في تقوّم غيره، ولعدمه تأثير في نقصان غيره، والأصل ما لا يكون بهذه المثابة. وقيل: إن ما لا ينقص الباقي بفواته فهو أصل، وما ينقص الباقي بفواته فهو وصف، وهذا القول بالقول الثاني يتقاربان، فبهذا يعلم أن القدر في المكيلات والموزونات أصل، والذرع من المذروعات وصف؛ لأن المكيلات (٦) لا تتعيب بالتبعيض، والمذروع يتعيب، وكذلك أن العشرة الأقفزة إذا انتفص منها قفيز يشتري التسعة بالثمن الذي كان يخصها مع القفيز الواحد، فيما إذا قال: اشتريت هذه الصبرة بعشرة دراهم على أنها عشرة أقفزة. وأما الذرع الواحد من الثوب أو الدار إذا انتقص فإن الباقي لا يشترى بالثمن الذي كان يشتري معه، فإن العتابى (٧) مثلاً إذا كان خمسة عشر ذراعاً فالخمسة الزائدة على العشرة يزيد في قيمة الخمسة وفي قيمة العشرة أيضاً.

стр. 2486

[حالات بيع المذروعات مع المكيلات] ثم ثمرة كون الذرع أو القفيز من المبيع وصفاً أو أصلاً يظهر في مواضع: أحدها: هو ما ذكره في الكتاب (١)، وهو أنه إذا وجده أزيد مما سماه البائع ففي الأصل كانت الزيادة للبائع، وفي الوصف كانت للمشتري، وأما إذا وجده أنقص مما سماه البائع ففي الأصل كان هذا الموجود للمشتري بما يخصه من الثمن لا كله، وفي الوصف كان له بكل الثمن، والمعنى فيه هو ما ذكره في الكتاب. والثاني: هو أنه لا يجوز للمشتري أن ينصرف من المبيع قبل الكيل والوزن إذا (٢) كان اشتراه بشرط الكيل أو الوزن بأن قال: اشتريت (٣) هذا الطعام على أنها عشرة أقفزة وكذا منا، وفي المذروع يجوز له التصرف قبل الذرع، سواء اشتراه مجازفة، أو على أنه عشرة أذرع؛ لأن الذرع لما كان صفقة في المذروعات لا يلزم فيه اختلاط المبيع بغير المبيع، فيجوز له التصرف قبل (٤) الذرع؛ لأن الكل له، سواء كان أنقص أو أزيد مما سمي، بخلاف المكيل والموزون؛ لأن الزيادة (٥) و (٦) كل قفيز منها أصل، وليس بتبع، فعلى تقدير الزيادة يلزم اختلاط المبيع بغير المبيع، فلذلك لا يجوز التصرف فيه قبل الكيل والوزن. والثالث: أن بيع الواحد بالاثنين لا يجوز في المكيلات والموزونات، وفي المذروعات يجوز؛ لأن الزيادة لما كانت أصلاً في المكيلات والموزونات كانت شيئاً معتداً به، فلا يجوز بدون المساواة في الأموال/ الربوية، بخلاف الذرع، فلم يعتبر زيادته زيادة مانعة عن البيع؛ لكونه تبعاً. إلى هذا أشير (٧) في شرح (٨) الجامع الصغير (٩). [الخلاف في الذرع] (ألا ترى أنه عبارة عن الطول والعرض) (١٠)

стр. 2487

فإن قلت: الاستدلال بهذا على أن الذرع وصف غير مستقيم؛ فإن الطول والعرض كما هو وصف، فيقال: شيء طويل وعريض، فكذلك القلة والكثرة أيضاً وصف. فيقال: شيء قليل أو كثير، ثم عشرة أقفزة من المكيلات كثيرة بالنسبة إلى تسعة أقفزة، فلم يجعل القفيز الزائد وصفاً [هناك، فكيف يجعل الذرع الزائد وصفاً] (١) ههنا مع مساواة القفيز فيما هو للذرع (٢) على ما قلنا. قلت: نعم كذلك، إلا أن القلة والكثرة من حيث الكيل أو الوزن كان أصلاً، والقلة والكثرة من حيث الذرع كان وصفاً؛ لدخولهما تحت الحدود/ التي ذكرنا في التفرقة بين الأصل والوصف، فإن عشرة أقفزة لا يزداد قيمتها بزيادة القفيز العاشر، مع أن وصف الكثرة حصل به، وذلك لأن الكثرة فيها (٣) عبارة عن بيان كثرة الأصول (٤)، والأصل لا يكون وصفاً للأصل، بخلاف الذرع، فإن عشرة أذرع من الثوب يزداد قيمتها بزيادة الذرع العاشر؛ لأنها تبلغ الثوب الذي يلبس بوجود الذرع العاشر، وبدونه لا يبلغ، فكان التسعة أذرع زيادة قيمة لم يكن هي لها بدون الذرع العاشر، وهذا متعارف فيما بين التجار، فكان الذرع وصفاً. [الخلاف في الوصف] (فقال: والوصف لا يقابله شيء من الثمن) فإن قيل: الأوصاف لو لم يقابلها شيء من الثمن وجب أن لا يرجع بنقصان العيب فيما إذا امتنع الرد، حتى إن رجلاً لو اشترى عبداً فأعتقه أو مات عنه، ثم اطلع على أنه لم يكن أصابع يده تامة يرجع على بائعه بالنقصان، وكمال الأصابع وصف فيه؛ لدخوله تحت حد الوصف الذي ذكرنا. قلنا: الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن، إلا إذا صارت مقصودة بالتناول، حقيقةً أو حكماً، إما حقيقة كما إذا باع عبداً فقطع البائع يده قبل القبض يسقط نصف الثمن؛ لأنه صار مقصوداً بالقطع، وإما حكماً فبأن يكون امتناع الرد لحق البائع، أو لحق الشارع، أما حق البائع فكما إذا تعيب المبيع عند المشتري، وأما حق الشارع فكما إذا خاط المبيع بأن كان ثوباً ثم وجد به عيباً لوصف متى صار مقصوداً بأحد هذين يأخذ قسطاً من الثمن، كذا في الفوائد الظهيرية (٥) (كالأطراف في الحيوان) (٦)

стр. 2488

حتى إنه إذا اشترى جارية فأعورت في يد البائع قبل التسليم لا ينتقص شيء من الثمن، وكذلك إذا اشترى جارية فأعورت في يد المشتري، ثم أراد أن يبيعها مرابحة كان له ذلك بدون البيان على ما يجيء في باب المرابحة والتولية إن شاء الله تعالى. (فكان بمنزلة ما إذا باعه معيباً فإذا هو سليم) (١) بأن باع عبداً على أنه أعمى فوجده المشتري بصيراً. قوله: (بعتكها) أنت، الضمير ذكر قبله لفظ الثوب على تأويل الثياب أو المذروعات؛ لأن لفظ عشرة أذرع دال عليها. (لأن الوصف وإن كان تابعاً صار أصلاً بإفراده بذكر الثمن) فإن قيل: ففي المسألة الأولى أيضاً ينبغي أن يكون كل ذراع أصلاً بنفسه، وإن لم يقل فيه: كل ذراع بدرهم؛ لأنه إن لم يقل فيه: كل ذراع بدرهم (٢)، لكنه قابل عشرة أذرع بعشرة دراهم، فمقابلة الجمع بالجمع (٣) يقتضي انقسام الآحاد بالآحاد (٤)، فصار (٥) أيضاً هو سبب المقابلة بمنْزلة إفراد كل واحد من الذراع (٦) بذكر الثمن بمقابلته. قلنا: الذرع [أصل من وجه، من حيث إنه من أجزاء العين الذي هو مبيع كالقفيز، ووصف من وجه من حيث إنه] (٧) لا يقابله شيء من الثمن، كالجَمَال والكتابة (٨) لو (٩) جعلنا عشرة أذرع منقسمة على الأفراد عند ترك ذكر كل ذراع، يلزم إلغاء جهة الوصفية من كل وجه، فقلنا بالوصفية عند ترك ذكره، وبالأصلية عند ذكره عملاً بالشبهتين فنَزل كل ذراع منْزلة ثوب.

стр. 2489

فإن قلت: لو صار كل ذراع بمنْزلة ثوب ينبغي أن يفسد البيع إذا وجدها أكثر من مائة ذراع، كما في الثوب، فإنه لو قال: بعتك هذه الرزمة (١) على أنها خمسون ثوباً، كل ثوب بعشرين درهماً فوجدها (٢) (٣) زائدة فالبيع فاسد، وكذا لو اشترى عدلاً (٤) على أنه عشرة أثوابٍ، فإذا هو تسعة، أو أحد عشر، فسد البيع على ما يجيء، وقد ذكرت في الكتاب (٥) ههنا وإن وجدها زائدة فهو بالخيار ولم يفسد البيع. قلت (٦): الفرق بينهما ما بينا هو أن الذرع -وإن كان أصلاً بتسمية الثوب- فهو وصف حقيقة لما ذكرنا، فصار أصلاً من وجه دون وجه، فمن حيث إنه أصل لا يسلَّم له الزيادة بغير عوض، ومن حيث إنه وصف يكون بعض الذرعان تابعاً للبعض فلا يفسد العقد، وأما بعض الثياب لا يكون تبعاً للبعض، فيبقى (٧) المبيع مجهولاً بجهالة (٨) تفضي إلى المنازعة؛ لأن الثياب مختلفة، كذا في الجامع الصغير للإمام قاضي خان (٩). فإن قيل: الذراع لو كان أصلاً على تقدير الأفراد بذكر الثمن بقوله: (كل ذراع بدرهم) يجب أن يمتنع دخول الزيادة في العقد، كما إذا باع صبرة على أنها عشرة أقفزة فإذا هي أحد عشر قفيزاً، ألا تدخل الزيادة في العقد وقد جوز أخذ الجميع بحكم البيع في هذه المسألة بقوله: إن شاء قلنا: الفرق بينهما هو أن الزيادة لو لم تدخل في العقد يفسد العقد؛ لأنه يصير بائعاً بعض ثوب، وأنه لا يجوز، بخلاف الصبرة، فإن الزيادة فيها لو لم تدخل لا يفسد العقد، كذا في الفوائد الظهيرية (١٠). (وإنما يلزمه/ الزيادة، لما بينا أنه صار أصلاً)

стр. 2490

أي: من وجه دون وجه، إذ لو كانت أصلاً من كل وجه لما دخلت، كما في مسألة الصبرة، لو وجدها زائدة لا تدخل الزيادة، فكان الذرع ههنا أصلاً، مع رعاية (١) جانب الوصفية لم يكن أخذاً بالمشروط، والمشروط هو أن يكون كل ذراع بدرهم، وقالا: هو جائز، وفي شروح الجامع الصغير، وقالا: هو جائز إذا كانت الدار مائة ذراع (٢). وذكر الخصّاف (٣) ﵀ في هذه المسألة أن فساد البيع عند أبي حنيفة ﵀ لجهالة جملة الذرعان، وأما إذا عرفت مساحتها يجوز عنده، وجعل هذه المسألة على قياس ما لو باع كل شاة من القطيع بعشرة، إن كان عدد جملة الشياه معلوماً يجوز عنده، وإن لم يكن معلوماً لا يجوز (٤). وذكر أبو زيد الشُّرُوطِيّ (٥) ﵀ في شرحه: أن على قول أبي حنيفة ﵀ البيع فاسد، وإن علم ذرعان الجملة، وهو جواب الجامع الصغير (٦)، وهو أصح، كما قاله الخصاف، كذا في المغني (٧). وذكر في الجامع الصغير للإمام شمس الأئمة السرخسي (٨) ﵀، ولم يذكر ههنا ولا في البيوع أنه لو اشترى عشرة أذرع من هذه الدار ولم يقل: من مائة ذراع كيف الحكم فيه على قولهما، فمن أصحابنا من يقول: ينبغي أن لا يجوز العقد بمنْزلة ما لو اشترى سهماً منها، والأصح أنه يجوز عندهما؛ لأن هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة، فإنه يمكن أن يذرع جميع الدار، حتى إذا كانت مائة ذراع علم أن المبيع عشرها، وإن كانت خمسين ذراعاً علم أن المبيع خمسها، بخلاف ما لو اشترى سهماً منها ولم يقل من كذا كذا سهماً؛ لأن تلك الجهالة تفضي إلى المنازعة، ولا يمكن رفعها، فسهم من سهمين النصف، وسهم من عشرة أسهم العشر، أما في الذرع فإزالة الجهالة ممكنة.
следующие страницы →